ليلةٍ بلا سلطانٍ)، وما أحسَنَ قولَ عبدِ اللهِ بنِ المبارَكِ:
لولا الأئمَّةُ لم تأمَنْ لنا سُبُلٌ وكان أضعَفُنا نَهْبًا لأَقْوانا (١)
وتجوزُ إجارةُ المقصبةِ (٢) ليقومَ عليها المستأجِرُ، ويسقِيَها، فتنبتُ العروقُ التي فيها، بمنزلةِ من يسقي الأرضَ ليَنبُتَ له فيها الكَلَأُ بلا بَذْرٍ (٣).
فصل
ثبَتَ «أن رسولَ اللهِ ﷺ احتَجمَ ، وأعطى الحجَّامَ أجْرَه» (٤)، ولو كان سُحْتًا لم يُعْطِه إيَّاه، ولا رَيْبَ أن الحجَّامَ إذا حجَمَ استحقَّ أجرةَ حجمِه عندَ جماهيرِ العلماءِ، وفيه قولٌ ضعيفٌ بخلافِ ذلك، وقد أُرخِصَ له أن يعلِفَه ناضِحَه، ويُطعِمَه رقيقَه، كما رُوِي ذلكَ عنه ﷺ (٥)،
стр. 597
وبذلك احتجَّ أكثرُ العلماءِ على أنه لا يحرُمُ، وإنما يُكرَهُ للخبرِ تَنْزيهًا؛ لأنه لا يأمرُ بإطعامِ الحرامِ للرقيقِ.
وقيلَ: بل يحرُمُ؛ لما روى مسلمٌ أنه قال: «كَسْبُ الحجَّامِ خبيثٌ» (١)، و «نهى عن ثمنِ الدمِ» (٢).
قال الأولونَ: قد قال: «مَن أكَلَ من هذينِ الشجرتينِ الخبيثتينِ؛ فلا يقرَبَنَّ مسجِدَنا» (٣)، فسمَّاهما خبيثتينِ لخُبْثِ رِيحِهما، وليستا حرامًا، وقال: «لا يُصلِّيَنَّ أحدُكم وهو يُدافِعُ الأخْبَثينِ» (٤)، فتكونُ تسميتُه خبيثًا لملاقاةِ صاحبِه النجاسةَ، لا لتحريمِه، بدليلِ أنه أَعطَى الحجَّامَ أجرَه، وأذِنَ أن يُطعِمَه الرقيقَ والبهائمَ، ومهرُ البَغِيِّ لا يُطعِمُه رقيقًا.
وبكلِّ حالٍ؛ فحالُ المحتاجِ إليهِ ليس كحالِ المستغني عنه، كما قال بعضُ السَّلَفِ: (كَسْبٌ فيه بعضُ الدناءةِ خيرٌ من مسألةِ الناسِ).
ولهذا تنازَعَ الناسُ في أخذِ الأجرةِ على تعليمِ القرآنِ ونحوِه؛ على ثلاثةِ أقوالٍ؛ لأحمدَ وغيرِه، أعدلُها: أنه يُباحُ للمحتاجِ؛ قال أحمدُ: (أجرةُ التعليمِ خيرٌ من جوائزِ السلطانِ، وجوائزُ السلطانِ خيرٌ من صلةِ الإخوانِ).
стр. 598
وأصولُ الشريعةِ تُفرِّقُ في المنهياتِ بينَ المحتاجِ وغيرِه؛ كما في المأموراتِ، فأُبيحَتِ المحرماتُ عندَ الضرورةِ؛ لا سيَّما إذا قُدِّر أنه يعدلُ عن ذلك إلى سؤالِ الناسِ، فالمسألةُ أشَدُّ تحريمًا، ولهذا قال العلماءُ: يجبُ أداءُ الواجباتِ وإن لم يقُمْ إلا بالشبهاتِ، كما سُئِلَ أحمدُ، سأله رجلٌ فقال: إن ابنًا لي مات، وعليه دينٌ، وله ديونٌ أكرهُ تقاضيها، فقال له: أتدَعُ ذِمَّةَ ابنِكَ مُرتَهَنةً؟!
ولهذا اتَّفقَ العلماءُ على أنه يُرزَقُ الحاكمُ وأمثالُه عندَ الحاجةِ، وتَنازَعوا في الرزقِ عندَ عدَمِها، وأصلُه: وليُّ اليتيمِ، قال تعالى: ﴿ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف﴾؛ إذ الشريعةُ مَبْناها على تحصيلِ المصالحِ وتكميلِها، وتعطيلِ المفاسدِ وتقليلِها، والوَرَعُ ترجيحُ خيرِ الخيرينِ بتفويتِ أدناهما، ودفعُ شرِّ الشرَّيْنِ وإن حصَل أَدْناهما.
وقد جاء في الحجامةِ أحاديثُ كثيرةٌ، وفي الصحيحِ أنه قال: «شِفاءُ أُمَّتي في ثلاثٍ: شربةِ عسلٍ، أو شرطةِ مِحْجمٍ، أو كَيَّةِ نارٍ، وما أُحِبُّ أن أَكْتوِيَ» (١)، والتداوي بالحجامةِ جائزٌ بالسُّنَّةِ المتواترةِ، وإجماعِ العلماءِ (٢).
وإذا جاء من يختمُ القماشَ بدراهمَ يدفعُها عن دَينِهِ، وذكَر أنها من
стр. 599
غيرِ كَسْبِه، وغلَب على الظنِّ صدقُه؛ جاز أخْذُها، وإن لم يغلبْ على الظنِّ كذِبُه؛ جاز تصديقُه إذا لم يُعرَفْ كذِبُه (١).
وأيُّ الأمرينِ أفضلُ في دابَّةٍ تنقلُ (٢) الناس: أن تُؤخَذَ أجرةٌ، ويُتصدَّقَ بها، أو ينقلَ (٣) بلا أجرةٍ؟
إن كانوا فقراءَ فتركُه لهم أفضلُ، وإن كانوا أغنياءَ وهناك محتاجٌ؛ فأخذُه لأجلِ المحتاجِ أفضلُ (٤).
ومَن استأجَرَ أجيرًا يعملُ في بستانٍ ، فتركَ العملَ المشروطَ عليه من غيرِ عذرٍ، فتلِفَ من المالِ شيءٌ: ضمِنَ ما تلِفَ بسببِ تفريطِه (٥).
ومَن استأجَرَ أرضًا فمات ، والأجرةُ مقسَّطةٌ؛ فلا يجبُ على أولادِه تعجيلُ جميعِ الأجرةِ؛ لكن إذا لم يُوثِّقوا؛ فلهم أن يطالِبوهم بمن يضمَنُ لهم الأجرةَ في أقساطِها، وهذا على قولُ مَن يقولُ: لا يحلُّ الدينُ المؤجلُ بموتِ مَن هو عليه؛ ظاهر.
стр. 600
وأما على قولِ مَن يقولُ: إنه يحِلُّ؛ فكذلك هنا على الصحيحِ من قولَيِ العلماءِ؛ لأن الوارثَ الذي ورِثَ المنفعةَ؛ عليه أجرةُ تلك المنفعةِ التي استوفاها؛ بحيثُ لو كان على الميتِ ديونٌ لم يكُنْ للوارثِ أن يختصَّ بمنفعةٍ، ويزاحمَ أهلَ الدَّينِ بالأجرةِ؛ بناءً على أنها من الديونِ التي على الميتِ، كما لو كان الدَّين ثمنَ مبيعٍ نافذٍ، بمنزلةِ أن تنتقلَ المنفعةُ إلى مشترٍ أو مُتَّهبٍ؛ مثلُ: أن يبيعَ الأرضَ، أو يَهَبَها، أو تورَثَ عنه، فإن الأرضَ من حينِ الانتقالِ تلزَمُ المشتريَ والمُتَّهَبَ والولدَ؛ في أصحِّ قولَيِ العلماءِ، كما عليه عملُ المسلمِينَ، فإنهم يُطالِبونَ المشتريَ والوارثَ بالحِكْرِ قسطًا، لا يطلبونَ الحِكْرَ جميعَه من البائعِ أو تَرِكةِ الميتِ، وذلك لأن المنافعَ لا تستقِرُّ الأجرةُ إلا باستيفائها، فلو تلِفتِ المنافعُ قبلَ الاستيفاءِ؛ سقَطتِ الأجرةُ باتِّفاقٍ، ولهذا كان مذهَبُ أبي حنيفةَ وغيرِه أن الأجرةَ لا تُملَكُ بالعقدِ؛ بل بالاستيفاءِ، ولا تُملَكُ المطالبةُ إلا شيئًا فشيئًا، ولهذا قال: إن الإجارةَ تنفسِخُ بالموتِ.
والشافعيُّ وأحمدُ وإن قالا: تُملَكُ بالعقدِ، وتُملَكُ المطالبةُ بها إذا سلَّمَ العينَ؛ فلا نزاعَ أنها لا تسقطُ إلا باستيفاءٍ (١)، ولا نزاعَ أنها إذا كانت مؤجلةً؛ لم تُطلَبْ إلا عندَ محلِّ الأجلِ، فإذا كُلِّف الوارثُ أن يُعجِّلَ الأجرةَ التي لم تجبْ إلا مؤخَّرةً، معَ تأخيرِ استيفاءِ حقِّه من المنفعةِ؛ كان هذا ظالمًا له، مخالِفًا للعدلِ الذي هو مَبْنى المعاوضةِ، وإذا لم يرْضَ الوارثُ بأن تجبَ عليه الأجرةُ، وقال المؤْجِرُ: أنا ما
стр. 601
أسلمُ إليك المنفعةَ لتستوفيَ حقَّكَ منها، فأوجَبْنا عليه أداءَ الأجرةِ حالَّةً من التَّرِكةِ معَ تأخيرِ المنفعةِ؛ تبيَّنَ ما في ذلك من الحَيْفِ عليه.
وأما إذا كان المؤْجِرُ وقفًا؛ فهنا ليس للناظرِ تعجيلُ الأجرةِ كلِّها؛ بل لو شرَطَ ذلك لم يجُزْ؛ لأن المنافعَ المستقبلةَ إذًا لم يملِكْها، ويملكُ أجرتَها مَن يحدثُ في المستقبلِ، فإذا تعجَّلَتْ من غيرِ حاجةٍ إلى عمارةٍ؛ كان ذلك أخذًا لما لم يستحِقُّه الموقوفُ عليه الآنَ.
وأجابَ: لا يلزمُهم تعجيلُ الأجرةِ في أصحِّ قولَيِ العلماءِ؛ لا سيَّما إذا كان المستأجَرُ حبسًا؛ فإن تعجيلَ الأجرةِ في الحبسِ لا يجوزُ؛ إلا لعمارةٍ ونحوِها؛ لأن منافعَ الحبسِ يستحِقُّها الموقوفُ عليه بطنًا بعدَ بطنٍ، وكلُّ قومٍ يستحِقُّونَ أجرةَ المنافعِ الحادثةِ في زمانِهم، فإذا تسلَّفوا المستقبلَ؛ كانوا قد أخَذوا ما لم يستحِقُّوه من الوقفِ؛ وهذا لا يجوزُ.
لكن إذا طُلِب من الوَرَثةِ ضمينًا؛ فلهم ذلك، معَ أنه لو لم يكُنْ وقفًا لم تحلَّ الأجرةُ على قولِ مَن يقولُ: لا يحِلُّ الدَّينُ المؤجلُ بالموتِ، وكذا على قولِ مَن يقولُ: يحِلُّ؛ في أظهرِ قوليهم، أو يُفرِّقونَ بينَ الإجارةِ وغيرِها (١)، كما يُفرِّقونَ في الأرضِ المحتكَرةِ إذا بِيعَتْ أو وُرِّثتْ، فإن الحِكْرَ يكونُ على المشتري والوارثِ، وليس لهم أخذُه مِن البائعِ وتَرِكةِ الميتِ؛ في أظهرِ قَولَيهم، واللهُ أعلمُ (٢).
стр. 602
فَصْلٌ
ضمانُ الإقطاعِ صحيحٌ ، لا نعلمُ أحدًا من العُلَماءِ الذينَ يُفتَى بقولِهم قال: إنَّه باطل، ولا نعلم أحدًا من المصنِّفِينَ قال: إنه باطل؛ إلا ما بلَغَنا أن بعضَ الناسِ حكَى فيه خلافًا؛ قولٌ: بالجوازِ، وقولٌ: بالمنعِ، وقولٌ: يجوزُ سنةً فقطْ.
ولم يُفْتِ أحدٌ بتحريمِه إلا بعضُ أهلِ هذا الزمانِ؛ لشُبْهةٍ عرضَتْ لهم، لكونهم اعتَقدوا أن المُقطَعَ بمنزلةِ المستعيرِ، وغفَلوا عن كونِ المنافعِ مستحَقَّةً لأهلِ الإقطاعِ، وغفَلوا عن كونِ السلطانِ أذِنَ في الانتفاعِ بالمقطَعِ استغلالًا وإيجارًا، ولو أذِنَ المعيرُ في الإجارةِ؛ جازَتْ وفاقًا، فكيفَ الإقطاع؟ (١).
ومَن أخذ عوضًا عن عينٍ محرمةٍ، أو نفعٍ محرمٍ؛ مثلُ: أجرةِ حَمَّالِ الخمرِ، وصانعِ الصليبِ، والبغيِّ، ونحوِه؛ فليتصدَّق بها، وليَتُب، وتكونُ صدقتُه بذلك كفارةً عما عمِلَه من المحرَّمِ؛ فإن هذا العِوَضَ لا يجوزُ الانتفاعُ به؛ لأنه خبيثٌ، ولا يُعادُ إلى صاحبِه لأنه إعانة له (٢)؛
стр. 603
بل يُتصدقُ به، كما نصَّ على ذلك (١) أحمدُ في مثلِ حاملِ الخمرِ، وأصحابُ مالكٍ وغيرُهم (٢).
ومَن اكتَرَى منفعةً لفعلِ محرَّمٍ؛ كالغناءِ، والزنى، وشهادةِ الزورِ؛ كان كِراؤُه مُحرَّمًا.
وكذلك إن أَكْراهَا لفعلِ ما وجَبَ عليه؛ مثلُ أن يتعيَّنَ عليه شهادةٌ بحقٍّ، أو فُتْيا في مسألةٍ، أو قضاءٌ في حكومةٍ، أو جهادٌ متعيِّنٌ؛ فإنَّ هذا الكِراءَ لا يجوزُ.
وإن كان لفعلٍ يختصُّ لأهلِ القُرُباتِ؛ كالكِراءِ لإقراءِ القرآنِ والعلمِ والإمامةِ والأذانِ، أو للحجِّ عن غيره، أو للجهادِ الذي لم يتعينْ: ففيه نزاعٌ.
وإن كان الكِراءُ لعملٍ؛ كالخياطةِ والتجارةِ والبناءِ: جاز بالاتفاقِ (٣).
إذا نقلَ نحلٌ إلى بلدٍ ؛ فلا يجوزُ لأهلِ البلدِ أن يَأخذوا حقًّا على ما يَجْنيه النحلُ من أرضِهم، فإنه لا ينقُصُ من ملكِهم شيئًا، والعسلُ هو
стр. 604
من الطُّلولِ (١) التي هي من (٢) المباحاتُ، وهي أحقُّ بالبَذْلِ من الكَلَأِ، فإن هذه الطلولَ لا يمكنُ أن يجمَعَها إلا النحلُ؛ لكن إن كان لصاحبِ الأرضِ نحلٌ؛ فهو أحقُّ بالجَنْيِ في أرضِه، فإذا كان جَنْيُ تلك النحلِ يضُرُّ به؛ فله مَنْعُه من ذلك (٣).
ويصحُّ استئجارُ الأعمى واشتراؤُه عندَ جمهورِ العُلَماءِ؛ كمالكٍ وأبي حنيفةَ وأحمدَ في المشهورِ عنه، ولا بدَّ من أن يُوصَفَ له المبيعُ والمُستأجَرُ، فإن وجَدَ بخلافِه؛ فله الفَسْخُ (٤).
ولا يجوزُ أن يستأجِرَ مَن يصلِّي عنه فرضًا ولا نافلةً، في حياتِه ولا في مماته، فإذا أوصى بدراهمَ لمن يصلِّي عنه؛ تُصدِّقَ بها عنه، ويُخَصُّ بالصدقةِ أهلُ الصَّلاةِ، فيكونُ للميتِ أجرُ كلِّ صلاةٍ يُصلُّونَها، ويستعينونَ عليها بصدقتِه، من غيرِ أن ينقُصَ من أجرِ المصلِّي شيئًا، كما قال: «مَن فطَّر صائمًا فله مثلُ أجرِه» (٥)،
стр. 605
و «مَن جهَّزَ غازيًا فقد غزا» (١)(٢).
وأما تعليمُ القرآنِ والعلمِ بغيرِ أجرةٍ؛ فهو من أفضلِ الأعمالِ، وأحَبِّها إلى اللهِ تعالى، وهذا مما يُعلَمُ بالاضطرارِ من الدِّينِ، وكان السَّلَفُ كلُّهم لا يُعلِّمونَ إلا للهِ، وكذلك الأنبياءُ، والعلماء ورثة الأنبياء.
وتعليم العلم الذي بُعِث به؛ فرضٌ على الكفاية، ويجوزُ أن يُعطَى رزقًا من بيتِ المالِ معَ الحاجةِ.
وهل يجوزُ معَ الغنى؟ على قولَينِ (٣).
وإجارُ الإقطاعِ جائزٌ ، وللمستأجِرِ منه أن يُؤْجِرَها.
وأما إذا مات المُقطَعُ، أو انقطعَ إقطاعُه: فالمُقطَعُ الثاني لا يلزَمُه إجارةُ الأولِ، وليس له أن يقلعَ ما فيها مجانًا؛ بل يخيرُ بينَ أن يبقى بأجرةِ المثلِ، أو يُؤْجِرَ للمُؤْجَرِ إجارةً مستأنفةً بما يتفقانِ؛ لكن ليس له أن يُلزِمَه بأكثرَ من أجرةِ المثلِ، وإذا استأجَرَها صاحبُ الزرعِ؛ جاز، فإنه يتمكنُ من الانتفاعِ بها، ولصاحبِ الزرعِ الفَسْخُ، فإنها تنفسِخُ بانتقالِ الإقطاعِ، فليس لأحدِهما إلزامُ الآخَرِ بشيء، ولو استأجَرَها
стр. 606
غيرُه جاز على الصحيحِ، وقام فيها مقامَ المؤجرِ (١).
وهذه المعاملاتُ الواقعةُ على البساتينِ المسماةِ بالضمانِ؛ سواءٌ كانت قبلَ ظهورِ الثمرةِ وقبلَ بُدُوِّ صلاحِها، أو بعدَهما، أو بينَهما، وسواءٌ سُمِّيتْ: ضمانًا، أو سُمِّيتْ للتحيُّلِ: مساقاةً وإجارةً؛ فإنه إذا تلِفَ الثمرُ بآفةٍ سماويةٍ؛ وجَبَ وضعُ الجائحةِ عن المستأجِرِ؛ سواءٌ كان العقدُ فاسدًا، أو صحيحًا، أو متحيَّلًا على صحتِه (٢).
ولو قال العاملُ: ضمِنتُه بكذا وإن كان أكَلَه الجرادُ؛ فهو شرطٌ فاسدٌ، شرطُ غرَرٍ وقمارٍ، وإذا كان معَ الشرطِ قد ضمِنَه بعِوَضٍ دونَ عِوَضِ المثلِ الخالي من الشرطِ، وحينئذٍ يُفرَّقُ بينَ صحةِ العقدِ وفسادِه على المشهورِ.
فإذا كان فاسدًا؛ كان الواجبُ ردَّ المقبوضِ به، أو قيمتَه.
وإن كان صحيحًا؛ زِيدَ على نصيبِ الباقي من المُسمَّى بقدرِ قيمةِ ما بينَ القيمةِ معَ الشرطِ والقيمةِ معَ عدَمِه، فإذا كان المُسمَّى ألفًا، والباقي ثلثَ الثمرةِ؛ كان نصيبُه ثلثَ ما بقِيَ من الألفِ، فينظرُ قيمةَ الجميعِ بالشرطِ، فيؤخذُ بتسعِمائةٍ … (٣) ألف ومائتان، فيُزادُ على المسمَّى أو
стр. 607
نصيبِه ثلثُه (١).
ومَن استأجَرَ دارًا بجوارِه رجلُ سوءٍ، فمثلُ هذا عيبٌ في العقارِ، إذا لم يعلَمْ به المستأجِرُ؛ فله فسخُ الإجارةِ (٢).
ومذهبُ الأئمَّةِ الأربعةِ: أن الشَّبَّابةَ (٣) حرامٌ، ولم يتنازَعْ إلا متأخِّرو أصحابِه (٤) مِن الخُراسانيينَ؛ ذكَروا فيها وجهَينِ، وأما العراقيونَ قطَعوا بالتحريمِ، وهم أعلمُ بمذهبِه، وبكلِّ حالٍ؛ فهو وجهٌ ضعيفٌ، وقد قال الشافعيُّ: (الغناءُ مكروهٌ، يُشبِهُ الباطلَ).
والمحرمُ استماعُ آلاتِ اللهوِ؛ لا سماعُها، فمَن اجتازَ فسمِعَ كفرًا، أو غِيبةً، أو شَبَّابةً؛ لم يحرُمْ عليه، ولو استمعَ ولم يُنكِرْ بقلبِه أو يدِه أو لسانِه؛ أثِمَ اتفاقًا.
وما رُوِي أن ابن عمرَ سَمِع راعيَ غنمٍ يشبِّب؛ فسَدَّ أُذُنَيْه، وقال
стр. 608
لنافعٍ: هل تسمَعُ؟ قال: لا، فأخرجَ أصابِعَه، وروى عن النبيِّ ذلك (١)؛ فهو يُبيِّنُ أن عدمَ السماعِ أَوْلَى، ولكن لا يدلُّ على أن الشَّبَّابةَ جائزةٌ، فإن ابنَ عمرَ كان مارًّا فسمع، لا مستمعٌ، والسامعُ لا يحرُمُ عليه، كما لا يُؤجَرُ السامعُ لقراءةِ القرآنِ، إنما يُؤجَرُ المستمعُ، وسَدَّ أُذُنَيْه مبالغةً في التحفُّظِ، ولو كان مباحًا لما سَدَّ أُذُنَيْه؛ بل سَدَّهما ليدلَّ على أن لا يسمعَ ما لا يجوزُ استماعه (٢).
وأيضًا؛ فالرفيقُ لم يُعلَمْ أنه كان بالغًا، فلعله كان صغيرًا، والصبيانُ يُرخَّصُ لهم من اللعبِ ما لا يُرخَّصُ فيه للبالغِ.
وأيضًا؛ لو قُدِّرَ أن الاستماعَ لا يجوزُ؛ فلو سَدَّ هو ورفيقُه آذانَهما لم يَعرفا متى ينقطعُ الصوتُ؟!
وأيضًا؛ زَمَّارةُ الراعي ليست مُطربةً كالشَّبَّابةِ التي تُصنَعُ من اليراعِ (٣)، فلو قُدِّرَ الإذنُ فيها؛ لم يجُزِ الإذنُ في اليراعِ الموصولِ، وما يتبَعُه من الأصواتِ التي تفعلُ في النفوسِ فعلَ حُمَيَّا الكؤوسِ.
وأيضًا؛ فقد ذكَر ابنُ المنذرِ اتفاقَ العلماءِ على المنعِ مِن الغناءِ والنوحِ، فقال: (أجمَعَ كلُّ مَن نحفَظُ عنه من أهلِ العلمِ على إبطالِ إجارةِ النائحةِ والمغنِّيةِ) (٤)، فإذا كانت المغنيةُ لا يجوزُ استئجارُها معَ
стр. 609
أن الغناءَ رُخِّصَ فيه للنساءِ في العرسِ؛ فكيفَ بالشَّبَّابةِ التي لم يُبِحْها أحدٌ من العُلَماءِ، لا للرجالِ ولا للنساءِ، لا في عُرْسٍ ولا في غيرِه، فلا يجوزُ أن يعطي لمن يشبِّب له.
وأيضًا؛ ليس كلُّ جائزٍ فعلُه؛ جائزًا إعطاءُ العوضِ عليه؛ لأن في الحديثِ: «لا سَبَقَ إلا في خُفٍّ، أو حافرٍ، أو نصلٍ» (١)، فقد نهى عن السَّبَقِ في غيرِ الثلاثةِ معَ جوازِ المصارعةِ والمسابقةِ بالأقدامِ.
أما مَن يصلُحُ للَّعبِ؛ فيُرخَّصُ له في الأعيادِ، كما كانت الجاريتانِ تُغنِّيانِ والنبيُّ لا يستمعُ، ولا ينهاهما، فقال أبو بكرٍ: «أمُزْمورُ (٢) الشيطانِ في بيتِ رسولِ اللهِ!»، فقال: «دَعْهما يا أبا بكرٍ، فإنَّها أيامُ عيدٍ»، أو كما قال ﷺ (٣).
فمن استدلَّ بجوازِ الغناءِ للصغارِ في يومِ العيدِ على أنه مُباحٌ للرِّجالِ؛ فهو مُخطِئٌ.
وكذلك من استدلَّ على جوازِ اليراعِ بالحديثِ الذي سَدَّ فيه أُذُنَه ابنُ عمرَ، وسأل نافعًا؛ لو كان الحديثُ صحيحًا، فكيفَ وهو حديثٌ
стр. 610
مُنكَرٌ؛ قاله أبو داودَ، ولكن رواهُ الخلالُ من وجوهٍ يُصدِّقُ بعضُها بعضًا.
وبالجملةِ: فلا حجةَ فيه لما قدَّمْنا (١).
وما رُوِي: «مَن علَّمَكَ آيةً ؛ فقد ملَك رِقَّكَ؛ إن شاء باعَكَ (٢)، وإن شاء أعتَقكَ»؛ حديثٌ باطلٌ مخالفٌ للإجماعِ، ومن اعتقد جوازَ ملكِ المعلمِ للذي علَّمَه؛ يُسْتتابُ، فإن تاب وإلا قُتِل، والحُرُّ المسلمُ لا يُسترَقُّ، ولا يقولُ مسلمٌ: إنَّ مَن علَّم امرأةً آيةً من القرآنِ؛ ملَك وَطْأَها (٣).
стр. 611
كِتَابُ الوَقْفِ
يجوزُ بيعُ الأشجارِ التي في المسجدِ ، ويُشترَى بثمنِها ما يغلُّ على الوقفِ، إذا كان فيه مصلحةٌ، وللناظرِ أن يغيرَ صورةَ الوقفِ من صورةٍ إلى صورةٍ أصلَحَ منها، كما غيَّرَ الخلفاءُ الراشدونَ صورةَ المسجدينِ اللذينِ بالحرمينِ (١)، وكما نقَل عمرُ مسجدَ الكوفةِ من موضعٍ إلى موضعٍ (٢).
стр. 612
وعلى الناظرِ أن يعملَ ما يقدرُ عليه من العملِ، ويأخذَ على ذلك العملِ ما يقابِلُه، وله أن يأخذَ على فَقْرِه ما يأخذُه الفقيرُ على فقرِه (١).
وإذا جعل الواقفُ للناظرِ أن يُخرِجَ مَن شاء ويُدخِلَ مَن شاء، ويزيدَ وينقصَ؛ فذلك راجعٌ إلى المصلحةِ الشرعيةِ، لا إلى شَهْوتِه وهَواه؛ بل يفعلُ من الأمورِ المخيَّرِ فيها ما كان أَرْضى للهِ ورسولِه، وهذا في كلِّ من تصرَّفَ لغيرِه بالولايةِ؛ كالإمامِ، والحاكمِ، والواقفِ (٢)، وناظرِ الوقفِ، وغيرِهم، حتى لو صرَّحَ الواقفُ بأن الناظرَ يفعلُ ما يَهْواه وما يَراه مطلقًا؛ لم يكُنْ هذا الشرطُ صحيحًا؛ بل باطلًا؛ فإنه شرطٌ مخالفٌ لكتابِ اللهِ، ومَن شرَط ما ليس في كتابِ اللهِ فهو باطلٌ.
فإذا عُزِل عزلًا موافقًا لأمرِ اللهِ؛ لم يكُنْ للمعزولِ أخذُ شيءٍ من الوقفِ، وإن كان عزلُه غيرَ موافقٍ للهِ؛ كان مردودًا بحسَبِ الإمكانِ، فقد قال ﷺ : «مَن عمِلَ عملًا ليس عليه أمرُنا فهو رَدٌّ» (٣).
ومَن وقف وقفًا ولم يخرج من يدِه ؛ ففيه قولانِ مشهورانِ:
أحدُهما: يبطُلُ؛ وهو قولُ مالكٍ، وأحمدَ في إحدى الروايتينِ،
стр. 613
وأبي حنيفةَ، ومحمدٍ.
والثاني: يلزَمُ؛ وهو مذهَبُ الشافعيِّ، والروايةُ الأخرى عن أحمدَ، وقولٌ لأبي حنيفةَ، وقولُ أبي يوسفَ (١).
وإذا شرَطَ الواقفُ المحاصَصَةَ بينَهم؛ فهل يُعطَى أربابُ الوظائفِ مكملًا؟
يُقالُ: إن كان الذي يحصُلُ بالمحاصَّةِ لأربابِ الوظائفِ التي يُستَأْجَرُ عليها؛ كالبوَّابِ، والقيِّمِ، والسوَّاقِ، ونحوِهم، أجرةُ مثلِهم؛ أُعطُوا.
وإن كان ما يحصُلُ دونَ أجرةِ المثلِ، وأمكنَ مَن يعملُ بذلك؛ لم يحتجْ إلى الزيادةِ.
وإن كان الحاصلُ لهم أقلَّ من أجرةِ المثلِ، ولا يحصل من يعملُ بأقلَّ من أجرةِ المثلِ؛ فلا بدَّ من تكميلِ أجرةِ المثلِ لهم؛ إذا لم تقُمْ مصلحةُ المكانِ إلا بهم.
وإن أمكنَ أن يُجمَعَ بينَ الوظائفِ لواحدٍ؛ فعل ذلك، ولا يُكثَّرُ العددُ الذي لا يُحتاجُ إليه معَ كونِ الوقفِ قد عاد إلى رَيعِه (٢).
стр. 614
وقولُهم: نصوصُ الواقفِ كنصوصِ الشَّارعِ ؛ أي: في الفهمِ والدلالةِ، فيُفهَمُ مقصودُه مِن وجوهٍ متعدِّدةٍ كما يُفهَمُ مقصودُ الشارعِ (١).
والأصلُ: أنَّ كلَّ ما شُرِط من العملِ من الوقوفِ التي تُوقَفُ على الأعمالِ؛ فلا بدَّ أن يكونَ قربةً؛ إما واجبًا وإما مستحبًّا، أما اشتراطُ عملٍ محرمٍ فلا يصِحُّ باتِّفاقِ المسلمِينَ؛ بل كذلك المكروهُ، وكذلك المباحُ على الصحيحِ.
وقد اتَّفقَ المسلمونَ على أن شروطَ الواقفِ تنقسِمُ إلى صحيحٍ وإلى فاسدٍ، كما في سائرِ العقودِ، ومَن قال: إن شروطَ الواقفِ كنصوصِ الشارعِ، فمُرادُه: أنها كالنصوصِ في الدلالةِ على مرادِ الواقفِ، لا في وجوبِ العملِ بها؛ أي: أن مرادَ الواقفِ يُستفادُ من ألفاظِهِ المشروطةِ، كما يُستفادُ مرادُ الشارعِ من ألفاظِه، فكما نعرفُ الخصوصَ والعمومَ والإطلاقَ والتقييدَ والتشريكَ من ألفاظِ الشارعِ، كذلك يُعرَفُ في الوقفِ من ألفاظِ الواقفِ.
مع أن التحقيقَ في هذا: أن لفظَ الواقفِ ولفظَ الحالفِ والموصي، وكلِّ عاقدٍ؛ يُحمَلُ على عادتِه في خطابِه ولغتِه التي يَتكلمُ بها؛ سواءٌ وافقَتِ العربيةَ العرباءَ، أو العربيةَ المولدةَ، أو العربيةَ الملحونةَ، أو كانت غيرَ عربيةٍ، وسواءٌ وافقَتْ لغةَ الشارعِ أو لم توافِقْه، فإن المقصودَ
стр. 615
في الألفاظِ دلالتُها على مرادِ الناطقينَ بها، فنحن نرجع (١) في معرفةِ كلامِ الشارعِ إلى معرفةِ لغتِه وعرفِه وعادتِه، وكذلك في خطابِ كلِّ أمةٍ وكلِّ قومٍ، فإذا تخاطبوا بينَهم في البيعِ والإجارةِ، أو الوقفِ، أو الوصيةِ، أو النَّذْرِ، أو غيرِ ذلك بكلامٍ: رُجِع في (٢) معرفةِ مرادِهم إلى ما يدلُّ على مرادِهم من عادتِهم في الخطابِ، وما يقترِنُ بذلك من الأسبابِ.
وأما أن نجعلَ نصوصَ الواقفِ أو نصوصَ غيرِه من العاقدينَ كنصوصِ الشارعِ في وجوبِ العملِ بها؛ فهذا كفرٌ باتِّفاقِ المسلمِينَ؛ إذ لا أحدَ يُطاعُ فيما يأمرُ به من البشرِ بعدَ رسولِ اللهِ ﷺ .
والشروطُ إن وافقَتْ كتابَ اللهِ؛ كانت صحيحةً، وإن خالفَتْه؛ كانت باطلةً، كما ثبَتَ عنه أنه قال: «من اشترطَ شرطًا ليس في كتابِ اللهِ فهو باطِلٌ، وإن كان مائةَ شرطٍ» (٣)، وهذا الكلامُ حكمُه ثابتٌ في البيعِ والإجارةِ والوقفِ وغيرِه باتِّفاقِ الأئمَّةِ؛ إذ الأخذُ بعمومِ اللفظِ لا بخصوصِ السببِ.
فإذا شرَطَ فعلًا محرمًا ظهَر أنه باطلٌ؛ فإنه لا طاعةَ للمخلوق في معصيةِ الخالقِ، وإن شرَطَ مباحًا لا قربةَ فيه كان أيضًا باطلًا؛ لأنه شرَطَ شرطًا لا منفعةَ فيه، لا له ولا للموقوفِ عليه، فإنه في نفْسِه لا ينتفعُ إلا بالبِرِّ والتقوى.
стр. 616
وأما بذلُ المالِ في مباحٍ في حياتِه؛ فله فيه منفعةٌ، أما بعدَ الموتِ فالواقفُ والموصي لا ينتفعانِ بما يفعلُ الموصى له والموقوفُ عليه من المباحاتِ في الدنيا، ولا يُثابانِ على بذلِ المالِ في ذلك في الآخرةِ، فيكونُ منفِقًا للمالِ في الباطلِ، وهذا مُسخَّر مُعذَّبٌ.
وإذا كان الشارعُ قد قال: «لا سَبَقَ إلا في خفٍّ، أو حافرٍ، أو نصلٍ» (١)؛ فلم يُجوِّزْ بذلَ الجُعْلِ بشيءٍ لا يُستعانُ به على الجهادِ وإن كان مباحًا، وقد يكونُ فيه منفعةٌ، كما في المصارعةِ والمسابقةِ على الأقدامِ، فكيفَ ببذلِ العوضِ المؤبدِ في عملٍ لا منفعةَ فيه، لا سيَّما والوقفُ مُحبَّسٌ مؤبدٌ؟! فيكونُ في ذلك ضررٌ على حبس الوَرَثةِ وسائرِ الآدميين بحبسِ المالِ عنهم بلا منفعةٍ حصَلتْ لأحد، وفي ذلك ضررٌ على المتناوَلِينَ باستعمالِهم في عملٍ هم فيه مُسخَّرونَ، يعوقُهم عن مصالحهم الدينيةِ والدنيويةِ بلا فائدةٍ تحصُلُ، لا له ولا لهم.
وقد بسَطْنا الكلامَ في هذه القاعدةِ في غيرِ هذا الموضعِ.
إذا عُرِف ذلك: فقراءةُ القرآنِ كلُّ واحدٍ على حِدَتِه؛ أفضلُ من قراءتِه مجتمعينَ بصوتٍ واحدٍ، فإن هذه تُسمَّى قراءةَ الإدارةِ، وقد كرِهَها طوائفُ من أهلِ العلمِ؛ كمالكٍ وطائفةٍ من أصحابِ الإمامِ أحمدَ وغيرِهم، ومَن رخَّصَ فيها - كبعضِ أصحابِ أحمدَ - لم يقُلْ: إنها أفضلُ من قراءةِ الانفرادِ؛ يحصُلُ لكلِّ واحدٍ جميعُ القراءةِ، وأما هذه
стр. 617
فلا يحصُلُ لكلِّ واحدٍ جميعُ القراءةِ؛ بل هذا يُتِمُّ ما قرأه هذا، وهذا يُتِمُّ ما قرأه هذا.
وليس في القراءةِ بعدَ المغربِ فضيلةٌ مستحبةٌ تُقدَّمُ بها على القراءةِ في جوفِ الليلِ، أو بعدَ الفجرِ، ونحوِ ذلك من الأوقاتِ، فلا قربةَ في تخصيصِ مثلِ ذلك بالوقفِ.
ولو نذَرَ صلاةً أو صيامًا أو قراءةً أو اعتكافًا في مكانٍ بعينِه؛ فإن كان للتعيينِ مَزِيةٌ في الشرعِ؛ كالصَّلاةِ في المساجدِ الثلاثةِ؛ لزمَ الوفاءُ به، وإلا لم يتعيَّنْ بالنَّذْرِ الذي أمَر اللهُ بالوفاءِ به، فإذا كان النَّذْرُ الذي أمَر اللهُ بالوفاءِ به لا يجبُ أن يُوفَّى منه إلا بما كان طاعةً باتِّفاقِ الأئمَّةِ؛ فلا يجبُ أن يُوفَّى منه بمباحٍ، كما لا يجوزُ أن يُوفَّى منه بمحرمٍ باتِّفاقِ العلماءِ في الصورتينِ، وإنما تَنازَعوا في لزومِ الكفارةِ؛ فكيفَ بغيرِ النَّذْرِ من العقودِ التي ليس في لزومِها من الأدلةِ الشرعيةِ ما في النَّذْرِ.
وأما اشتراطُ إهداءِ ثوابِ التلاوةِ؛ فهذا ينبني على إهداءِ ثوابِ العباداتِ البدنيةِ كالصَّلاةِ؛ وفيه نزاعٌ:
فمن كان مذهبُه أنه لا يجوزُ إهداءُ ثوابِها؛ كأكثرِ أصحابِ مالكٍ والشافعيِّ: كان هذا الشرطُ عندَهم باطلًا، كما لو شرَطَ أن يحملَ عن الواقفِ ذنوبَه؛ فإنه (لا تَزِرُ وازِرةٌ وِزْرَ أخرى).
ومَن كان مذهبُه أنه يجوزُ إهداءُ ثوابِها للميتِ؛ كأحمدَ وأصحابِ أبي حنيفةَ وطائفةٍ من أصحابِ مالكٍ والشافعيِّ: فهذا يعتبرُ أمرًا آخَرَ، وهو أن هذا إنما يكونُ من العباداتِ، والعباداتُ ما قُصِد بها وجهُ اللهِ
стр. 618
تعالى، فأما ما يقع مستحَقًّا بعقدِ إجارةٍ أو جِعالةٍ؛ فإنه لا يكونُ قربةً، فإن جاز أخذُ الأجرِ والجُعْلِ عليه؛ فإنه يجوزُ الاستئجارُ على الإمامةِ والأذانِ وتعليمِ القرآنِ، يقول … (١).
وأما الصوفيُّ الذي يدخُلُ في الوقفِ على الصوفيةِ؛ فله ثلاثةُ شروطٍ:
أحدُها: أن يكونَ عدلًا في دينِه.
الثاني: أن يكونَ ملازمًا لغالبِ الآدابِ الشرعيةِ في غالبِ الأوقاتِ، وإن لم تكُنْ واجبةً؛ مثلُ: أدبِ الأكلِ والشربِ، واللباسِ والنومِ، والسفرِ والركوبِ، والصحبةِ والعشرةِ والمعاملةِ معَ الخلقِ، إلى غيرِ ذلك من آدابِ الشريعةِ قولًا وفعلًا، ولا يُلتفَتُ إلى ما أحدَثَه بعضُ المتصوِّفةِ من الآدابِ التي لا أصلَ لها في الدينِ؛ من التزامِ شكلٍ مخصوصٍ في اللِّبسةِ ونحوِها مما لا يُستحَبُّ في الشريعةِ، فإن مبنى الآدابِ على اتباعِ السُّنَّةِ.
ولا يُلتفَتُ أيضًا إلى ما يُهْدرُه بعضُ المتفقِّهةِ من الآدابِ المشروعةِ، يعتقدُ - لقلةِ علمِه - أن ذلك ليس من آدابِ الشريعةِ؛ لكونِهِ ليس فيما بلَغَه من العلمِ، بل الاعتبارُ بالآدابِ بما جاءَتْ به الشريعةُ قولًا وفعلًا وتركًا.
стр. 619
والشرطُ الثالثُ في الصوفيِّ: قناعَتُه بالكَفافِ من الرزقِ؛ بحيثُ لا يُمسِكُ من الدنيا ما يفضُلُ عن حاجتِه، فمَن كان جامعًا لفضولِ المالِ؛ لم يكُنْ من الصوفيةِ الذينَ يُقصَدُ إجراءُ الأرزاقِ عليهم، وإن كان قد يُفسَحُ لهم في مجرَّدِ السكنى في الرُّبَطِ ونحوِها.
ومَن جمَعَ هذه الثلاثَ؛ كان من المقصودِين بالربطِ والوقفِ عليه.
وما فوق هؤلاءِ من أربابِ المقاماتِ العَلِيَّةِ والأحوالِ الزكيةِ؛ فيدخُلونَ في العمومِ؛ لكن لا يختَصُّ الوقفُ بهم؛ لقِلَّتِهم، ولعُسْرِ تمييزِ الأحوالِ الباطنةِ على غالبِ الخلق، فلا يمكن ربطُ استحقاقِ الدنيا بذلك.
وما دونَ هذه الصفاتِ من المقتصرينَ على مجرَّدِ رسمٍ في لِبْسةٍ أو مِشيةٍ؛ لا يستحِقُّونَ الوقفَ، ولا يدخُلونَ في مُسمَّى الصوفيةِ؛ لا سيَّما إن كان ذلك الرسمُ مُحدَثًا، فإنَّ بذلَ المالِ على مثلِ هذه الرسومِ فيه نوعٌ من التلاعبِ بالدينِ، وأكلِ أموالِ الناسِ بالباطلِ، وصَدٍّ عن سبيلِ اللهِ.
ومَن كان من الصوفيةِ المذكورينَ فيه قدرٌ زائدٌ؛ مثلُ: اجتهادٍ في نوافلِ العباداتِ، أو سعيٍ في تصحيحِ أحوالِ القلبِ، أو علمِ الكفايةِ؛ فهو أَوْلَى من غيرِه.
ومَن لم يكُنْ متأدِّبًا بالآدابِ الشرعيةِ؛ فلا يستحِقُّ شيئًا البتةَ.
وطالبُ العلمِ الصِّدِّيقِ الذي ليس له كفايةٌ؛ أَوْلى ممن ليس فيه
стр. 620
الأدبُ الشرعيُّ ولا علمَ عندَه، بل مثلُ هذا لا يستحِقَّ شيئًا (١).
فَصْلٌ
وليس للحاكمِ أن يولِّيَ ولا يتصرَّفَ في الوقفِ بدونِ أمرِ الناظرِ الشرعيِّ الخاصِّ؛ إلا أن يكونَ الناظرُ الخاصُّ قد تعدَّى فيما يفعلُه، وللحاكمِ أن يعترضَ عليه إذا خرَج عما يجبُ عليه.
وإذا كان بينَ الحاكمِ والناظرِ مُنازَعةٌ؛ حكَم بينَهما غيرُهما حُكْمَ اللهِ (٢).
وقَرابةُ الواقفِ ؛ أحقُّ من الفقيرِ المساوي له (٣).
وما فضَلَ من الوقفِ ؛ صُرِفُ في مصالحِ مثلِه؛ مثلُ مسجدٍ آخَرَ، وفقراءِ الجيرانِ، ونحوِ ذلك، خيرٌ من أن يُرصَدَ لعمارةٍ أو غيرِها؛ فإنه لا فائدةَ في رَصْدِه معَ زيادةِ الوقفِ؛ إلا لمن يتولَّى من المباشرينَ الظالمينَ.
стр. 621
وأيضًا: فعمرُ ﵁ كان يتصدَّقُ كلَّ عامٍ بكُسْوةِ الكعبةِ، يقسِمُها بينَ الحجاجِ (١).
وصرفُه إلى إمامِه ومؤذِّنِه معَ فقرِهما؛ أَوْلى من غيرِهما (٢).
ولْيُعلَمْ أن الجهاتِ الدينيةَ - مثلُ: الخوانقِ والمدارسِ، وغيرِها -؛ لا يجوزُ أن يَنزِلَ فيها فاسقٌ، سواءٌ كان فسقُه بظلمِه للخلقِ، وتعدِّيه بقولِه وفِعْلِه، أو فسقه بتعدِّي حدودِ اللهِ التي بينَه وبينَ اللهِ.
ومَن ينزلُ بشرطِ الواقفِ؛ لم يَجُزْ صرفُه، ومَن أعان على ذلك فقد أعانَ على الإثمِ والعدوانِ (٣).
وإذا رأى الناظرُ تقديمَ أربابِ الوظائفِ الذينَ يأخذونَ على عملٍ معلومٍ؛ كالإمامِ والمؤذِّنِ: فقد أصابَ؛ إذا كان الذي يأخذونَه لا يزيدُ على جُعْلِ مثلِهم في عادةِ الناسِ، كما أنه يجبُ تقديمُ الجابي والعاملِ والصانعِ والبنَّاءِ، ونحوِهم ممن يأخذُ على عملٍ يعمَلُه في تحصيلِ المالِ، أو عمَارَة المكانِ؛ يُقدَّمونَ بأخذِ الأجرةِ.
стр. 622
والإمامةُ والأذانُ شعائرُ لا يمكنُ إبطالُها، ولا تنقيصُها بحالٍ، [فالجاعلُ] (١) جَعَل مثلَ ذلك لأصحابِها، يُقدَّمُ على ما تأخذُه الفقهاءُ، بخلافِ المدرِّسِ والمفيدِ والفقهاءِ؛ فإنهم من جنسٍ واحدٍ (٢).
وإذا كان الوقفُ على معيَّنٍ ، ولم يقبَلْه؛ فالتحقيقُ أنه ليس كالوقفِ المنقطعِ؛ بل الوقفُ هنا صحيحٌ قولًا واحدًا، ثم إنه ينتقلُ إلى مَن بعدَه، كما لو مات أو تعذَّرَ استحقاقُه؛ مثلُ: أن يقفَ عليه بشرطِ كونِه فقيرًا أو عدلًا، ففاتت الصفةُ؛ انتقلَ الوقفُ إلى مَن بعدَه، فإنَّ الطبقةَ الثانيةَ يتلقَّوْنَ الوقفَ من الواقفِ لا من الموقوفِ عليه، فلا يُشترَطُ في استحقاقِ الثانيةِ استحقاقُ الأولى.
والقبولُ شرطٌ في استحقاق المعيَّنِ في الموقوفِ عليهم، فإذا لم يقبلْ؛ كان كما لو ردَّ الوصيةَ واحدٌ من المُوصَى لهم، ولم يقدَحْ ذلك في استحقاقِ بقيةِ الشركاءِ، بخلافِ ما إذا وقفَ على مَن لا يجوزُ؛ فإن هذا يدخُلُ في مسائلِ تَفْريقِ الصفقةِ، ويوجِبُ جهلَ المستحِقِّ أولًا، ولهذا صار فيه نزاعٌ، فالصحيحُ: أنه يصِحُّ، وإن لم يقبلِ المُعيَّنُ؛ لكن لا يستحِقُّ شيئًا حتى يقبلَ، وكذا لو ردَّه لا يبطلُ؛ بل ينتقلُ إلى مَن بعدَه.
стр. 623
ومن شرَطَ كونَ المقرئِ مثلًا عَزَبًا؛ فهو شرطٌ باطلٌ، والمتأهِّلُ أحقُّ بمثلِ هذا من المتعَزِّبِ؛ إذ ليس في التعزُّبِ مقصودٌ شرعيٌّ (١).
وهل يجبُ أن يُوصِيَ لأقاربِه الذينَ لا يرِثونَه؟ على قولَينِ، هما روايتانِ (٢).
إذا وقَف وَقْفًا ، ثم قال: (ونظرُه إلى حاكمِ المسلمينَ بدِمَشقَ)؛ فليس هو مختصًّا بمذهبٍ معيَّنٍ؛ فإنه يقتضي أنه لو لم يكُنْ في البلدِ إلا حاكمٌ على غيرِ المذهبِ الذي كان عليه حاكمُ البلدِ زمنَ الواقفِ؛ ألَّا يكونَ له نظرٌ؛ وهذا باطلٌ باتِّفاقِ المسلمِينَ؛ فإن ذلك يقتضي بطلانَ الشرعِ في الوقوفِ العامةِ التي لم يُعيِّنْ وليُّ الأمرِ لها ناظرًا خاصًّا، وفي الوقفِ الخاصِّ نزاعٌ معروفٌ، ثم قد يكونُ للحاكمِ وقتَ الوقفِ مذهَبٌ، وبعدَ ذلك يكونُ له مذهبٌ آخَرُ.
ولو شرَط الإمامُ على الحاكمِ أو شرَط الحاكمُ على خليفتِه أن يحكمَ بمذهبٍ معيَّنٍ؛ بطَل الشرطُ، وفي فسادِ العقدِ وجهانِ.
ولا يسوغُ لواقفٍ ألَّا يجعلَ النظرَ في الوقفِ إلا لذي مذهَبٍ معيَّنٍ دائمًا معَ إمكانِ ألا يتولَّى في ذلك المذهبِ أحدٌ، فكيفَ إذا لم يشترطْ ذلك؟!
стр. 624
فالحاكمُ على أيِّ مذهَبٍ كان، إذا كانت وِلايَتُه تتناولُ النظرَ في الوقفِ؛ كان تَفْويضُه سائغًا، ولم يَجُزْ لحاكمٍ آخَرَ نقضُ ذلك، ولو ولَّى كلُّ حاكمٍ شخصًا؛ كان الواجبُ على وَلِيِّ الأمرِ أن يقدمَ أحَقَّهما (١).
ومَن وقَف على ولدَيْه عمرَ وعبدِ اللهِ بينَهما بالسويةِ أبدًا ما عاشوا، ثم على أولادِهما من بعدِهما، وأولادِ أولادِهما، ونَسْلِهما، وعقِبِهما بطنًا بعدَ بطنٍ، فتُوُفِّيَ عبدُ اللهِ، وخلَّفَ أولادًا، فرفع عمرُ لولدِ عبدِ اللهِ إلى حاكمٍ يرى الحكمَ بترتيبِ الجمعِ، وسألَه رفعَ يَدِ ولدِ عبدِ اللهِ عن الوقفِ، وتسليمَه إليه؛ ففعل: فليس الحكمُ جاريًا في جميعِ البطونِ، ولا يكونُ حكمًا لأولادِه بما حكَم له به، فإن قولَه: (ثم على أولادِهما) هو لترتيبِ المجموعِ على المجموعِ، أو لترتيبِ الأفراد على الأفرادِ؛ بحيثُ ينتقلُ نصيبُ كلِّ ميتٍ إلى أولادِه؟ فيه قولانِ (٢)، فإذا حكم الحاكمُ باستحقاقِ عمرَ الجميعَ بعدَ موتِ عبدِ اللهِ؛ كان لاعتقادِه أنه لترتيبِ المجموعِ، فإذا مات عمرُ فقد يكونُ ذلك الحاكمُ يرى الترتيبَ في الطبقةِ الأولى فقط، وقد يكونُ يرى الترتيبَ في جميعِ البطونِ؛ لكنْ ترتيبُ الجميعِ على الجميعِ، وتشتركُ كلُّ طبقةٍ من
стр. 625
الطبقتينِ في الوقفِ دونَ مَن هو أسفلُ منها، وقد يرى غيرَه وأنه بعدَ ذلك لترتيبِ الأفرادِ على الأفرادِ، فإذا حكَم حاكمٌ ثانٍ فيما لم يحكمْ فيه الأولُ بما لا يناقضُ حُكْمَه؛ لم يكُنْ نقضًا لحكمِه، فلا يُنقَضُ الثاني إلا بمخالفةِ نصٍّ أو إجماعٍ (١).
ولا يجوزُ إكِراءُ الوقفِ لمن يضُرُّ به باتِّفاقِ المسلمِينَ.
ولا يجوزُ اكِتراءُ الشجرِ بحالٍ، وإن سُوقِيَ عليها بجزءٍ يسيرٍ حِيلةً؛ لم يَجُزْ ذلك في الوقفِ باتِّفاقِ العلماءِ (٢).
ومَن وقَف مدرسةً ، وشرَط على أهلِها الصلواتِ الخمسَ فيها، ليس هذا شرطًا صحيحًا يقفُ الاستحقاقُ عليه، كما كان يفتي بذلك في هذه الصورةِ بعينِها الشيخُ عزُّ الدينِ بنُ عبدِ السلامِ وغيرُه من العُلَماءِ؛ لأدلةٍ متعددةٍ، وقد بسَطْناها في غيرِ هذا الموضعِ.
ويجوزُ للمُنْزَلينَ أن يُصلُّوا في المسجدِ الأقصى الصلواتِ الخمسَ، ولا يُصلُّوها في المدرسةِ، ويستحِقُّونَ معَ ذلك ما قُدِّرَ لهم، وذلك أفضلُ لهم من أن يُصلُّوا في المدرسةِ، والامتناعُ من أداءِ الفرضِ في المسجدِ الأقصى لأجلِ حِلِّ الجاري؛ وَرَعٌ فاسدٌ، يمنعُ صاحبَه الثوابَ
стр. 626
العظيمَ في الصَّلاةِ في المسجدِ (١).
قولُه ﷺ في حديثِ عائشةَ: «مَن اشتَرطَ شرطًا ليس في كتابِ اللهِ فهو باطلٌ؛ وإن كان مائةَ شرطٍ، كتابُ اللهِ أحقُّ، وشرطُ اللهِ أوثَقُ» هذا حديثٌ متَّفَقٌ على عمومِه (٢)، وأنه من جوامعِ الكلمِ التي أُوتِيَها وبُعِث بها، فهو عامٌّ في جميعِ العقودِ، وإن كان سبَبُها العِتْقَ؛ فالعبرةُ بعمومِه.
ولكن تَنازَعوا في العقودِ المباحاتِ؛ كالبيعِ والإجارةِ والنكاحِ؛ هل معنى الحديثِ: مَن اشتَرطَ شرطًا لم يثبُتْ أنه مأذونٌ فيه شرعًا، أو مَن اشتَرطَ شرطًا يُعلَمْ أنه مخالفٌ لما شرَعه اللهُ؟ هذا فيه نزاعٌ؛ لأن قولَه في آخِرِ الحديثِ: «كتابُ اللهِ أحقُّ، وشرطُ اللهِ أوثَقُ»؛ يدُلُّ على أن الشرطَ الباطلَ ما خالَفَ ذلك، وقولُه: «مَن اشتَرطَ شرطًا ليس في كتابِ اللهِ فهو باطلٌ»؛ قد يُفهَمُ منه ما ليس بمشروعٍ.
وصاحبُ القولِ الأولِ يقولُ: ما لم يُنْهَ عنه من المباحاتِ فهو مما أُذِنَ فيه، فيكونُ (٣) مشروعًا بكتابِ اللهِ، وأما ما كان في العقودِ التي يُقصَدُ بها الطاعاتُ؛ كالنَّذْرِ؛ فلا بدَّ أن يكونَ المنذورُ طاعةً، فمتى كان مباحًا؛ لم يجبِ الوفاءُ به.
وكذلك الوقفُ وحكمُ الشروطِ فيه، فإذا وصى أو أوقَف على
стр. 627
معيَّنٍ، وكان كافرًا أو فاسقًا؛ لم يكُنِ الكفرُ والفسقُ هو سببَ الاستحقاقِ، ولا شرطاً فيه؛ بل هو يستحِقُّ ما أعطاه، وإن كان مسلمًا عدلًا، فكانت المعصيةُ عديمةَ التأثيرِ، بخلافِ ما لو جعَلَها شرطًا في ذلك على جهةِ الكفارِ، أو الفسَّاقِ، أو على الطائفةِ الفلانيةِ بشرطِ أن يكونوا كفارًا أو فساقًا، فهذا الذي لا رَيْبَ في بطلانِه عند العلماء.
ولكن تنازعوا في الوقف على جهة مباحة؛ كالوقف على الأغنياء على قولين، والصحيح البطلان.
وهنا أصلانِ:
أحدُهما: أن بَذْلَ المالِ لا يجوزُ إلا لمنفعةٍ في الدينِ أو الدنيا، وهذا مُتَّفَقٌ عليه بينَ العلماءِ، ومَن خرَج عن ذلك كان سفيهًا مبذِّرًا لمالِه، وقد نهى تعالى عن التبذيرِ، ونهى عن إضاعةِ المالِ في الحديثِ (١)، ومن المعلومِ أن الواقفَ لا ينتفعُ بوقفِه في الدنيا، ولا ينتفعُ به في الدينِ إن لم ينفِقْه في سبيلِ اللهِ، وسبيلُ اللهِ طاعتُه وطاعةُ رسولِه، فإنه تعالى إنما يُثيبُ العبدَ على ما أنفَقَه فيما يُحِبُّه، فالمباحاتُ لا يثيبُ عليها، ولا يكونُ في الوقفِ عليها منفعةٌ وثوابٌ في الدينِ، ولا منفعةٌ في الوقفِ عليها في الدنيا، فالوقفُ عليها خالٍ من المنفعةِ في الدينِ أو الدنيا؛ فيكونُ باطلًا؛ كمن خصَّص الغنيَّ لكونِه غنيًّا، معَ
стр. 628
مشاركةِ الفقيرِ له في أسبابِ الاستحقاقِ سوى الغنى، مع زيادةِ استحقاقِ الفقيرِ عليه، فهذا مما يُعلَمُ بالاضطرارِ أن اللهَ لا يُحِبُّه، فلا يكونُ اشتراطُه صحيحًا.
وأيضًا: المالُ يُمنَعُ منه الوارثُ، فلو أن فيه مصلحةً؛ لما جاز منعُ الوارثِ، فأما منعُ الوارثِ منه، ولا مصلحةَ للواقفِ ولا منفعة؛ فهذا لا يجوزُ تنفيذُه.
وأما الوقفُ على الأعمالِ الدينيةِ؛ كالقراءةِ والحديثِ والفقهِ ونحوِ ذلك؛ فهذا هو الأصلُ الثاني، وذلك لا يمكنُ أن يكونَ في ذلك نزاعٌ في جوازِه إذا كان على ما شرَعَه اللهُ وأوجَبَه من هذه الأعمالِ، فأما مَن ابتَدعَ عملًا لم يشرَعْه اللهُ، وجعَلَه دِينًا؛ فهذا يُنهَى عن عملِ هذا العملِ، فكيفَ يُشرَعُ له أن يقفَ عليه الأموالَ؟! بل هذا من جنسِ الوقفِ على ما يعتقِدُه اليهودُ والنصارى عباداتٍ، وهي من الدينِ المُبدَّلِ، فبابُ العباداتِ والدياناتِ مُتلقًّى عن اللهِ ورسولِه، فليس لأحدٍ أن يجعلَ شيئًا عبادةً أو قربةً إلا بدليلٍ شرعيٍّ، فالبِدَعُ المذمومةُ شرعًا: هي ما لم يشرَعْه اللهُ؛ أي: لم يدخُلْ في أمرِه.
ولا خلافَ بينَ المسلمِينَ: أن مَن وقَف على صلاةٍ أو صيامٍ أو قراءةٍ أو جهادٍ غيرِ شرعيٍّ؛ لم يصِحَّ وقْفُه، وفَرْقٌ بينَ المباحِ الذي يُفعَلُ لأنه مباحٌ، وبينَ ما يُتَّخَذُ دِينًا وعبادةً وطاعةً، فمن جعَل ما ليس قربةً ولا طاعةً أنَّه دين وطاعةٌ؛ كان ذلك حرامًا باتِّفاقِهم، ووَقْفُه على ذلك باطلٌ.
стр. 629
لكن قد يقَعُ النِّزاعُ في بعضِ الأمورِ؛ هل هو من بابِ القُرُباتِ، أم لا؟ كما تَنازَعوا في مسائلِ الاجتهادِ، كمَن يرى وجوبَ القراءةِ على المأمومِ، وآخَرُ يكرهُها له.
فمن علِمَ في شيءٍ أنه بدعةٌ؛ لم يَجُزْ أن يوقفَ عليه باتفاقِ العلماءِ، فالشروطُ المتضمنةُ للأمرِ بما نُهي عنه، والنَّهْيِ عمَّا أُمر به؛ مخالَفةٌ للنصِّ والإجماعِ.
فما تبيَّنَ أنَّه من الشروطِ الفاسدةِ المضادَّةِ لمحبةِ الشارعِ ورضاه؛ أُلغيَ، وما تبيَّنَ أنه موافقٌ لكتابِ اللهِ؛ أُنفِذ، وما اشتَبهَ أمرُه، أو كان فيه نزاعٌ؛ فله حُكْمُ نظائرِه.
ومن هذه الشروطِ: ما يَحتاجُ تغييرُه إلى همةٍ قويةٍ وقدرةٍ نافذةٍ يؤيِّدُها اللهُ بالعلمِ والدينِ، وإلا فمجرَّدُ قيامِ الشخصِ في هوى نفْسِه لجَلْبِ دنيا، أو دفعِ مَضرَّةٍ دنيويةٍ، إذا خرَج ذلك مخرجَ الأمرِ بالمعروفِ والنَّهْيِ عن المُنكَرِ؛ لا يكادُ ينجَحُ سَعْيُه، ولا حولَ ولا قوةَ إلا باللهِ.
فمَبيتُ الشخصِ في مكانٍ معيَّنٍ دائمًا؛ ليس قربةً ولا طاعةً باتِّفاقِ العلماءِ، ولا يكونُ ذلك إلا نادرًا؛ كالمَبيتِ في ليالي مِنًى، ومَبيتِ الإنسانِ في الثَّغْرِ للرباطِ، أو في حرسٍ في سبيلِ اللهِ، أو عندَ عالِمٍ أو رجلٍ صالحٍ ينتفعُ به، فأما أن يرابطَ دائمًا في بقعةٍ بالليلِ لغيرِ مصلحةٍ دينيةٍ؛ فليس من الدينِ؛ بل تعيينُ مكانٍ للصلوات الخمسِ، أو قراءةِ القرآنِ، أو إهدائه غيرَ ما عيَّنَه الشارعُ؛ ليس مشروعًا باتفاقِهم؛ حتى لو نذَر الصَّلاةَ في مسجدٍ غيرِ الثلاثةِ؛ لم يتعيَّنْ، ولهم في وصولِ العباداتِ
стр. 630
قولانِ؛ لكن لم يقُلْ أحدٌ: التفاضل في مكانٍ دونَ مكانٍ، ولم يقُلْ أحدٌ: إن القراءةَ عندَ القبرِ أفضلُ، مع أن الميتَ ينتفعُ بسَماعِها، فقولُه بدعةٌ باطلةٌ؛ لأنَّ الميتَ بعدَ موتِه لا ينتفعُ بأعمالٍ يعملُها هو بعدَ الموتِ، لا من استماعٍ أو قراءةٍ، ولا غيرِ ذلك باتِّفاقِ المسلمِينَ، وإنما ينتفعُ بآثارِ ما عمِلَه في حياتِه.
وإلزامُ المسلمِ ألَّا يعملَ ولا يتصدقَ إلا في بقعةٍ معينةٍ؛ مثلُ كنائِسِهم [باطلٌ] (١).
ومتى نقَصوا مما شَرَط لهم الواقفُ كان لهم أن ينقُصوا من المشروطِ عليهم بحسَبِ ذلك، واللهُ أعلمُ (٢).
إذا تعدَّى الناظرُ في الوقفِ ؛ مثلُ: أن يصرفَ المالَ إلى مَن لا يستحِقُّه؛ إلى نفْسِه أو غيرِه، أو فرَّطَ فيه؛ مثلُ: أن يدَعَ استخراجَ ما يجبُ استخراجُه من مالِ الوقفِ؛ فإن الواجبَ إذا لم يستقِمْ أن يُستبدَلَ به ناظرٌ غيرُه يقومُ بالواجبِ، أو يُضَمَّ إليه أمينٌ، ولمستحِقِّي الوقفِ مطالبةُ الناظرِ بالمحاسبةِ على المستخرَجِ والمصروفِ بتعيينِ الأماكنِ الموقوفةِ، وتعيين المستأجرين لها؛ لينظروا مالَهم، ويستدلوا بذلك على
стр. 631
صِدْقِه فيما يُخبِرُهم أو كذِبِه، وعلى عدلِه وجَوْرِه، فقد ثبَتَ في الصحيحِ أن النبيَّ ﷺ استعملَ رجلًا يقالُ له: ابنُ اللُّتْبِيَّةِ، فلما رجَع حاسَبَه (١)، معَ أنه كان له ولايةٌ في صَرْفِها، والمستحِقُّ غيرُ معيَّنٍ، فجاز للمُوَلِّي والمستحِقِّ ذلك.
ومَن باع أرضًا ، ثم تبيَّنَ أنها وقفٌ عليه صحيحٌ لازمٌ؛ فالبيعُ بعدَ ذلك باطلٌ، ويرجعُ المشتري على مَن غرَّه بالثمنِ، وبما يغرمُه من أجرةٍ.
وأما إن لم يكُنِ الوقفُ كذلك، كمن أوقَفَ ولم يُخرِجْه عن يدِه على مذهَبِ مالكٍ وإحدى الروايتينِ عن أحمدَ وأبي حنيفةَ: فهنا لا يبطُلُ البيعُ بمثلِ ذلك، وما وجب لأهلِ الوقفِ من أُجرةٍ تستقِرُّ على الغارِّ الذي غرَّ المشتري.
وإذا كانت يدُ المستحِقِّينَ على الوقفِ، ولهم عادةٌ مستمرةٌ في صَرْفِه، وذَكروا أن تلك العادةَ من شروطِ الواقفِ؛ كان ذلك بمنزلةِ اليدِ على المالِ لا تُرفعُ إلا بحجةٍ شرعيةٍ تُبيِّن أن شرطَ الواقفِ بخلافِه، فإن يدَ المصارفِ على الوقفِ والأيديَ المستقرةَ على الملكِ، والوقفَ عينَه ومصرفَه؛ لا تُرفَعُ إلا بحجةٍ.
والشهادةُ بمصرِفِ الوقفِ مقبولةٌ، وإن كان مُستنَدُها الاستفاضةَ؛ في أصحِّ قولَيِ العلماءِ، ولا يُعلَمُ مصارفُ الوقوفِ المتقادمةِ إلا بمثلِ ذلك.
стр. 632
وإذا كان في شرطِ الواقفِ: أنه لا يُؤْجَرُ أكثرَ من سنتينِ، وتعطلَ وخربَ، ولا تُمكنُ إجارتُه وعمارتُه إلا بأربعِ سنينَ؛ أُوجِر كذلك، وإن كان فيه مخالفةٌ لشرطِ الواقفِ المُطلَقِ، ولا يفسُقُ فاعلُ ذلك.
ومَن وقَف وقفًا ، وشرَط نظَرَه له مدةَ حياتِه، ثم مِن بعدِه إلى الأرشدِ مِن أولادِه، فغاب عن البلدِ؛ فأجاب طائفةٌ: بأن النظرَ للحاكمِ مدةَ الغَيْبةِ، وأن الواقفَ إذا خرَج عن الأهليةِ؛ كان النظَرُ للحاكمِ، لا لولدِه، بناءً على أن الانتقالَ إلى الولدِ لا يكونُ إلا بعدَ مماتِه.
قلت: - قال شيخُ الإسلامِ-: كأنَّهم جعَلوا توليةَ الوقفِ كتزويجِ الأَيِّمِ إذا غاب الوَلِيُّ الأقربُ، وفيه نظَرٌ؛ لأن لهذا ولايةَ الاستقلالِ لا الاستئذانِ، وليس في التأخيرِ تفويتُ كفءٍ، بل مضَتِ السُّنَّةُ بأن الأئمَّةَ يُولُّونَ معَ بُعْدِ الدارِ شرقًا وغربًا، وكذلك المستحِقُّونَ للولايةِ بالشرطِ، وليسَ أمرُ الولاياتِ كالتزويجِ وحفظ المال (١)؛ بل الولايةُ على الولاياتِ أوسعُ من الولايةِ على البُضْعِ والمالِ، فإذا مات المدرسُ -مثلًا- فلا يُولِّيه حاكمُ البلدِ؛ بل يراسِلُ الناظرَ، فأما الانتقالُ بخروجِه عن الاستقلالِ بالحياةِ؛ ينتقلُ؛ كالموتِ، وينتقلُ إلى الأبعدِ، كما في وليِّ النكاحِ.
وقوله: (بعده)؛ كقولِ النبيِّ ﷺ : «لا نبِيَّ بعدي» (٢) أي: بعدَ نُبُوَّتي.
стр. 633
فقولُه: (والنظَرُ بعدَه) أي: بعدَ نظَرِه، كما أن قولَه: (مدةَ حياتِه) مشروطٌ بالأهليةِ، فقولُه: (بعده) يعودُ إلى القسمينِ: عدمِ الأهليةِ، وعدمِ الوجودِ بالكليةِ.
ويُصرَفُ رَيعُ الوقفِ في مصالحِ المسجدِ، مثلُ: عِمارتِه وتَنْويرِه وفَرْشِه وإمامِه ومُؤذِّنِه كفايتُهم بالمعروفِ، وما فضَل بعدَ ذلك؛ يجوزُ صرفُه إلى مسجدٍ آخَرَ، وفي مصالحِ الجيرانِ؛ مثلُ: رزقِ قاضي الناحيةِ ونحوِ ذلك.
إذا حكَم حاكمٌ باختصاصِ الوقفِ بفلانٍ؛ لأنه لم يُعقِبْ من ولدِ الواقفِ غيرُ أمِّه، وثبَتَ أن فلانةَ الأختَ الأخرى أعقبتْ فلانًا؛ قُسِمَ بينَهما؛ لأن بينةَ الإثباتِ مقدمةٌ على النَّفْيِ.
والوقفُ على اليتامى لا يدخُلُ فيه يتامى الكفارِ، وأما الغلامُ الصغيرُ الذي أُعتِقَ وليس له أبٌ يُعرَفُ؛ فيدخُلُ، وإن لم يُعرَفْ هل مات أبوه في دارِ الحربِ.
وإذا عُدِمَ بعضُ الموقوفِ عليهم قبلَ استحقاقِه؛ انتَقلَ نصيبُه لو عاش إلى ولدِه، وإن لم يستحِقَّ هو شيئًا؛ لأن الطبقةَ الثانيةَ يأخذون عن الواقفِ.
ونازَعَ بعضُهم فيما إذا عُدِموا قَبل زَمَن الاستِحْقاقِ، ولم يُنَازِعوا فيما إذا انتفَتِ الشرُوطُ في الطبقةِ الأُولى أو بعضِهم: لم يلزمْ حرمانُ الطبقةِ الثانيةِ إذا وُجدتْ فيهم الشروطُ، ولا فرقَ بينَ الصورتينِ.
стр. 634
وقولُ الواقفِ: (على زيدٍ، ثم على أولادِه، ثم أولادِ أولادِه)؛ ففيه للفقهاءِ من أصحابِ أحمدَ وغيرِهم عندَ الإطلاقِ قولانِ:
أحدُهما: أنه لترتيبِ الجمعِ على الجمعِ؛ كالمشهورِ في قولِه: على زيدٍ وعمرو، ثم على المساكينِ.
والثاني: أنه لترتيبِ الأفرادِ على الأفرادِ، كما في قولِه: ﴿ولكم نصف ما ترك أزواجكم﴾؛ أي لكلِّ واحدٍ نصفُ ما تركتْ زوجتُه، وكذا: ﴿حرمت عليكم أمهاتكم﴾؛ إذ مقابلةُ الجمعِ بالجمعِ تقتضي توزيعَ الأفرادِ على الأفراد؛ نحوُ: لَبِسَ الناسُ ثيابَهم، وركِب الناسُ دوابَّهم (١).
ويجبُ على ناظرِ الوقفِ أن يجتهدَ في صَرْفِه، فيُقدِّمَ الأحقَّ فالأحقَّ، وإذا اقتَضَتِ المصلحةُ الشرعيَّةُ صَرْفَه إلى ثلاثةٍ؛ مثلُ ألَّا يَكْفيَهم أقلُّ من ذلك، وغيرُهم من الفقراءِ مَكْفِىٌّ بغيرِ هذا الوقفِ، أو يُساويهم فيما يحصُلُ من رَيعِه، وهم أحَقُّ منه عندَ التزاحمِ ونحوِ ذلك؛ جاز ذلك.
وأقاربُ الواقفِ الفقراءُ أَوْلى من الأجانبِ معَ التساوي في الحاجةِ، ويجوزُ أن يُصرَفَ إليه كفايتُه إذا لم يوجدْ أحَقُّ منه.
وإن قُدِّرَ وجودُ فقيرٍ مضطرٍّ؛ كان دَفْعُ ضرورتِه واجبًا، وإن قُدِّرَ
стр. 635
تنقيصُ غيرِه من غيرِ ضرورةٍ تحصُلُ له؛ تعيَّنَ ذلك، واللهُ أعلمُ (١).
فَصْلٌ
الشروطُ في الوقفِ ؛ كعدَمِ الجمعِ بينَ الوَظيفةِ وبين غيرِها من مدرسةٍ أخرى: إنَّما يلزمُ الوفاءُ بالشرط إذا لم يُفْضِ ذلك إلى الإخلالِ بالمقصودِ الشرعيِّ الذي هو إما واجبٌ، أو مستحَبٌّ.
فأمَّا المحافظة على بعضِ الشروطِ معَ فواتِ المقصودِ بالشروطِ؛ فلا يجوزُ.
فاشتراطُ عدمِ الجمعِ؛ باطلٌ معَ ذَهابِ بعضِ أصلِ الوقفِ، وعدمِ حصولِ الكفايةِ للمُرتَّبِ بها؛ لا يجبُ التزامُه، ولا يجوزُ الإلزامُ به؛ لوجهَينِ:
أحدُهما: أن ذلك إنما شُرِط عليهم معَ وجودِ رَيعِ الوقفِ؛ سواءٌ كان كاملًا أو ناقصًا، فإذا ذهَب بعضُ أصلِ الوقفِ؛ لم تكُنِ الشروطُ مشروطةً في هذه الحالِ، وفَرْقٌ بينَ نَقْصِ ريعِ الوقفِ معَ وجودِ أصلِه، وبينَ ذَهابِ بعضِ أصلِه.
الوجهُ الثاني: أن حصولَ الكفايةِ للمُرتَّبِ بها أمرٌ لا بدَّ منه؛ حتى لو قُدِّرَ أن الواقفَ صرَّحَ بخلافِ ذلك؛ لكان شرطًا باطلًا؛ مثلُ أن