صِدْقِه فيما يُخبِرُهم أو كذِبِه، وعلى عدلِه وجَوْرِه، فقد ثبَتَ في الصحيحِ أن النبيَّ ﷺ استعملَ رجلًا يقالُ له: ابنُ اللُّتْبِيَّةِ، فلما رجَع حاسَبَه (١)، معَ أنه كان له ولايةٌ في صَرْفِها، والمستحِقُّ غيرُ معيَّنٍ، فجاز للمُوَلِّي والمستحِقِّ ذلك.
ومَن باع أرضًا ، ثم تبيَّنَ أنها وقفٌ عليه صحيحٌ لازمٌ؛ فالبيعُ بعدَ ذلك باطلٌ، ويرجعُ المشتري على مَن غرَّه بالثمنِ، وبما يغرمُه من أجرةٍ.
وأما إن لم يكُنِ الوقفُ كذلك، كمن أوقَفَ ولم يُخرِجْه عن يدِه على مذهَبِ مالكٍ وإحدى الروايتينِ عن أحمدَ وأبي حنيفةَ: فهنا لا يبطُلُ البيعُ بمثلِ ذلك، وما وجب لأهلِ الوقفِ من أُجرةٍ تستقِرُّ على الغارِّ الذي غرَّ المشتري.
وإذا كانت يدُ المستحِقِّينَ على الوقفِ، ولهم عادةٌ مستمرةٌ في صَرْفِه، وذَكروا أن تلك العادةَ من شروطِ الواقفِ؛ كان ذلك بمنزلةِ اليدِ على المالِ لا تُرفعُ إلا بحجةٍ شرعيةٍ تُبيِّن أن شرطَ الواقفِ بخلافِه، فإن يدَ المصارفِ على الوقفِ والأيديَ المستقرةَ على الملكِ، والوقفَ عينَه ومصرفَه؛ لا تُرفَعُ إلا بحجةٍ.
والشهادةُ بمصرِفِ الوقفِ مقبولةٌ، وإن كان مُستنَدُها الاستفاضةَ؛ في أصحِّ قولَيِ العلماءِ، ولا يُعلَمُ مصارفُ الوقوفِ المتقادمةِ إلا بمثلِ ذلك.
стр. 632
وإذا كان في شرطِ الواقفِ: أنه لا يُؤْجَرُ أكثرَ من سنتينِ، وتعطلَ وخربَ، ولا تُمكنُ إجارتُه وعمارتُه إلا بأربعِ سنينَ؛ أُوجِر كذلك، وإن كان فيه مخالفةٌ لشرطِ الواقفِ المُطلَقِ، ولا يفسُقُ فاعلُ ذلك.
ومَن وقَف وقفًا ، وشرَط نظَرَه له مدةَ حياتِه، ثم مِن بعدِه إلى الأرشدِ مِن أولادِه، فغاب عن البلدِ؛ فأجاب طائفةٌ: بأن النظرَ للحاكمِ مدةَ الغَيْبةِ، وأن الواقفَ إذا خرَج عن الأهليةِ؛ كان النظَرُ للحاكمِ، لا لولدِه، بناءً على أن الانتقالَ إلى الولدِ لا يكونُ إلا بعدَ مماتِه.
قلت: - قال شيخُ الإسلامِ-: كأنَّهم جعَلوا توليةَ الوقفِ كتزويجِ الأَيِّمِ إذا غاب الوَلِيُّ الأقربُ، وفيه نظَرٌ؛ لأن لهذا ولايةَ الاستقلالِ لا الاستئذانِ، وليس في التأخيرِ تفويتُ كفءٍ، بل مضَتِ السُّنَّةُ بأن الأئمَّةَ يُولُّونَ معَ بُعْدِ الدارِ شرقًا وغربًا، وكذلك المستحِقُّونَ للولايةِ بالشرطِ، وليسَ أمرُ الولاياتِ كالتزويجِ وحفظ المال (١)؛ بل الولايةُ على الولاياتِ أوسعُ من الولايةِ على البُضْعِ والمالِ، فإذا مات المدرسُ -مثلًا- فلا يُولِّيه حاكمُ البلدِ؛ بل يراسِلُ الناظرَ، فأما الانتقالُ بخروجِه عن الاستقلالِ بالحياةِ؛ ينتقلُ؛ كالموتِ، وينتقلُ إلى الأبعدِ، كما في وليِّ النكاحِ.
وقوله: (بعده)؛ كقولِ النبيِّ ﷺ : «لا نبِيَّ بعدي» (٢) أي: بعدَ نُبُوَّتي.
стр. 633
فقولُه: (والنظَرُ بعدَه) أي: بعدَ نظَرِه، كما أن قولَه: (مدةَ حياتِه) مشروطٌ بالأهليةِ، فقولُه: (بعده) يعودُ إلى القسمينِ: عدمِ الأهليةِ، وعدمِ الوجودِ بالكليةِ.
ويُصرَفُ رَيعُ الوقفِ في مصالحِ المسجدِ، مثلُ: عِمارتِه وتَنْويرِه وفَرْشِه وإمامِه ومُؤذِّنِه كفايتُهم بالمعروفِ، وما فضَل بعدَ ذلك؛ يجوزُ صرفُه إلى مسجدٍ آخَرَ، وفي مصالحِ الجيرانِ؛ مثلُ: رزقِ قاضي الناحيةِ ونحوِ ذلك.
إذا حكَم حاكمٌ باختصاصِ الوقفِ بفلانٍ؛ لأنه لم يُعقِبْ من ولدِ الواقفِ غيرُ أمِّه، وثبَتَ أن فلانةَ الأختَ الأخرى أعقبتْ فلانًا؛ قُسِمَ بينَهما؛ لأن بينةَ الإثباتِ مقدمةٌ على النَّفْيِ.
والوقفُ على اليتامى لا يدخُلُ فيه يتامى الكفارِ، وأما الغلامُ الصغيرُ الذي أُعتِقَ وليس له أبٌ يُعرَفُ؛ فيدخُلُ، وإن لم يُعرَفْ هل مات أبوه في دارِ الحربِ.
وإذا عُدِمَ بعضُ الموقوفِ عليهم قبلَ استحقاقِه؛ انتَقلَ نصيبُه لو عاش إلى ولدِه، وإن لم يستحِقَّ هو شيئًا؛ لأن الطبقةَ الثانيةَ يأخذون عن الواقفِ.
ونازَعَ بعضُهم فيما إذا عُدِموا قَبل زَمَن الاستِحْقاقِ، ولم يُنَازِعوا فيما إذا انتفَتِ الشرُوطُ في الطبقةِ الأُولى أو بعضِهم: لم يلزمْ حرمانُ الطبقةِ الثانيةِ إذا وُجدتْ فيهم الشروطُ، ولا فرقَ بينَ الصورتينِ.
стр. 634
وقولُ الواقفِ: (على زيدٍ، ثم على أولادِه، ثم أولادِ أولادِه)؛ ففيه للفقهاءِ من أصحابِ أحمدَ وغيرِهم عندَ الإطلاقِ قولانِ:
أحدُهما: أنه لترتيبِ الجمعِ على الجمعِ؛ كالمشهورِ في قولِه: على زيدٍ وعمرو، ثم على المساكينِ.
والثاني: أنه لترتيبِ الأفرادِ على الأفرادِ، كما في قولِه: ﴿ولكم نصف ما ترك أزواجكم﴾؛ أي لكلِّ واحدٍ نصفُ ما تركتْ زوجتُه، وكذا: ﴿حرمت عليكم أمهاتكم﴾؛ إذ مقابلةُ الجمعِ بالجمعِ تقتضي توزيعَ الأفرادِ على الأفراد؛ نحوُ: لَبِسَ الناسُ ثيابَهم، وركِب الناسُ دوابَّهم (١).
ويجبُ على ناظرِ الوقفِ أن يجتهدَ في صَرْفِه، فيُقدِّمَ الأحقَّ فالأحقَّ، وإذا اقتَضَتِ المصلحةُ الشرعيَّةُ صَرْفَه إلى ثلاثةٍ؛ مثلُ ألَّا يَكْفيَهم أقلُّ من ذلك، وغيرُهم من الفقراءِ مَكْفِىٌّ بغيرِ هذا الوقفِ، أو يُساويهم فيما يحصُلُ من رَيعِه، وهم أحَقُّ منه عندَ التزاحمِ ونحوِ ذلك؛ جاز ذلك.
وأقاربُ الواقفِ الفقراءُ أَوْلى من الأجانبِ معَ التساوي في الحاجةِ، ويجوزُ أن يُصرَفَ إليه كفايتُه إذا لم يوجدْ أحَقُّ منه.
وإن قُدِّرَ وجودُ فقيرٍ مضطرٍّ؛ كان دَفْعُ ضرورتِه واجبًا، وإن قُدِّرَ
стр. 635
تنقيصُ غيرِه من غيرِ ضرورةٍ تحصُلُ له؛ تعيَّنَ ذلك، واللهُ أعلمُ (١).
فَصْلٌ
الشروطُ في الوقفِ ؛ كعدَمِ الجمعِ بينَ الوَظيفةِ وبين غيرِها من مدرسةٍ أخرى: إنَّما يلزمُ الوفاءُ بالشرط إذا لم يُفْضِ ذلك إلى الإخلالِ بالمقصودِ الشرعيِّ الذي هو إما واجبٌ، أو مستحَبٌّ.
فأمَّا المحافظة على بعضِ الشروطِ معَ فواتِ المقصودِ بالشروطِ؛ فلا يجوزُ.
فاشتراطُ عدمِ الجمعِ؛ باطلٌ معَ ذَهابِ بعضِ أصلِ الوقفِ، وعدمِ حصولِ الكفايةِ للمُرتَّبِ بها؛ لا يجبُ التزامُه، ولا يجوزُ الإلزامُ به؛ لوجهَينِ:
أحدُهما: أن ذلك إنما شُرِط عليهم معَ وجودِ رَيعِ الوقفِ؛ سواءٌ كان كاملًا أو ناقصًا، فإذا ذهَب بعضُ أصلِ الوقفِ؛ لم تكُنِ الشروطُ مشروطةً في هذه الحالِ، وفَرْقٌ بينَ نَقْصِ ريعِ الوقفِ معَ وجودِ أصلِه، وبينَ ذَهابِ بعضِ أصلِه.
الوجهُ الثاني: أن حصولَ الكفايةِ للمُرتَّبِ بها أمرٌ لا بدَّ منه؛ حتى لو قُدِّرَ أن الواقفَ صرَّحَ بخلافِ ذلك؛ لكان شرطًا باطلًا؛ مثلُ أن
стр. 636
يقولَ: إن المُرتَّبَ بها لا يُرتزَقُ من غيرِها ولو لم يحصُلْ له كفايةٌ، فلو صرَّح بهذا؛ لم يصِحَّ؛ لأنه يخالفُ كتابَ اللهِ، فإن حصولَ الكفايةِ لا بدَّ منها، وتحصيلَها للمسلمِ واجبٌ، إما عليه، وإما على الكفايةِ من المسلمِينَ، والوقفُ سواءٌ شُبِّهَ بالجُعْلِ، أو بالأجرةِ، أو بالرزقِ؛ فإنما على العاملِ أن يعملَ إذا وفِّي له بما شُرِط له (١).
وإذا شرَط للناظرِ معلومًا ؛ فليس في شرطِه كونُه يُقدَّمُ على غيرِه؛ بل هو مذكورٌ بالواوِ التي مقتضاها التشريكُ، لكن إذا كان ثَمَّ دليلٌ مُنفصِلٌ يقتضي جوازَ الاختصاصِ والتقدُّمِ؛ مثلُ كونِه يأخذُ أجرةَ عمَلِه معَ فقرِه كوَلِيِّ اليتيمِ؛ عمِل بذلك الدليلِ المنفصلِ الشرعيِّ (٢).
والمالُ المشروطُ للناظرِ ؛ مستحَقٌّ على العملِ المشروطِ عليه، فمِن يومِ عمِلَ يستحِقُّ؛ لا من حينِ تولَّى (٣).
ولا يجوزُ الوقفُ على الأغنياءِ ؛ وإن كان الغنى مباحًا، وكذا سائرُ الصفاتِ المباحةِ، وكذا لو شرَط عليهم التزامَ نوعٍ من المَطْعَمِ، أو المَلبَسِ، أو المَسْكَنِ الذي لم تستحِبُّه الشريعةُ، أو تَرْكَ بعضِ الأعمالِ التي تستحِبُّ الشريعةُ عمَلَها.
стр. 637
بقِيَ الكلامُ في تحقيقِ هذا المناطِ في أعيانِ المسائلِ، فإنه قد يكونُ متفقًا عليه، وقد يختلفُ فيه الاجتهادُ، فيُنظَرُ في الشرطِ، إن لم يكُنْ فيه مقصودٌ شرعيٌّ خالصٌ أو راجحٌ؛ كان باطلًا، فإذا شرَط ألا يرتزقَ في وظيفةٍ أخرى؛ نُظِر في ذلك كما تقدَّمَ، والوقفُ هو من بابِ الرزقِ والمعاونةِ على الدِّينِ، بمنزلةِ ما تُرزَقُه المقاتِلةُ والعلماءُ من الفَيْءِ، ليست كالجعالةِ، ولا كالإجارةِ على عملٍ دنيويٍّ (١).
ويجوزُ لوَلِيِّ الأمرِ أن ينصبَ ديوانًا مستوفيًا لحسابِ الأموالِ الموقوفةِ عندَ المصلحةِ، كما ينصبُ لحسابِ الأموالِ السلطانيةِ، وله أن يفرضَ له على عمَلِه ما يستحِقُّه مثلُه من كلِّ ما يعمَلُ فيه بقدرِ ذلك المالِ والعملِ؛ لقولِه: ﴿والعاملين عليها﴾، وقد استَعملَ ﷺ رجلاً وحاسَبَه (٢).
ونصبُ المستوفي الجامعِ للعمالِ المتفرقينَ هو بحسَبِ الحاجةِ، فقد يكونُ واجبًا إذا لم تتمَّ مصلحةُ قبضِ المالِ وصَرْفِه إلا به، وكذا نصبُ الحاكمِ قد يجبُ إذا لم تصلِ الحقوقُ إلى مستحِقِّها، أو لم يتمَّ فعلُ الواجبِ وتَرْكُ المُحرَّمِ إلا به، وقد يُستغنَى عنه إذا باشَرَ الحكمَ بنفْسِه، وقد كان النبيُّ ﷺ يُباشِرُ الحكمَ واستيفاءَ الحسابِ بنفْسِه في المدينةِ، وفيما بعدُ يولِّي مَن يقومُ بالأمرِ، ولما كثُرتِ الرعيةُ على عهدِ الخلفاءِ؛ استَعملوا القضاةَ، ودوَّنوا الدواوينَ.
стр. 638
فإذا قام المستوفي بما عليه؛ وجَب له ما فُرِض له، وإذا عمِلَ ولم يُعْطَ جُعْلَه؛ فله أن يطلبَ عن العملِ الخاصِّ، فإن ما وجَب بطريقِ المعاملةِ؛ يجبُ (١).
ومَن وقَف، ثم ظهَر عليه دينٌ ، فأمكنَ وفاءُ الدينِ من غيرِ بيعِ الوقفِ؛ لم يَجُزْ بيعُ الوقفِ.
وإن لم يمكنْ وفاؤُه إلا ببيعِ شيءٍ من الوقفِ، وهو في مرضِ الموتِ؛ بِيعَ باتِّفاقِ العلماءِ.
وإن كان الوقفُ في الصحةِ؛ فهل يُباعُ لوفاءِ الدَّينِ؟ فيه خلافٌ في مذهَبِ أحمدَ وغيرِه، ومَنْعُه قويٌّ (٢).
وأجرةُ إثباتِ الوقفِ والسعيِ في مصالحِه؛ من تَرِكةِ الميتِ لا من رَيعِه (٣).
وإذا عيَّنَ ناظرًا، ثم عيَّن ناظرًا غيرَه من غيرِ عَزْلٍ للأولِ؛ يُرجَعُ فيه
стр. 639
إلى عُرْفِ مثلِ هذا الواقفِ وعادةِ أمثالِه، فإن كان مثلُ هذا رجوعاً؛ كان رجوعًا، وكذلك إن كان في لفظِه ما يقتضي انفرادَ الثاني، وإلا (١) فقد عُرِفتِ المسألةُ فيما إذا أوصى بالعينِ لشخصٍ، ثم وصَّى بها لآخَرَ؛ هل يكونُ رجوعًا، أم لا؟
وما علِمَه الشهودُ من حقٍّ في تَرِكتِه يصِلُ الحقُّ إلى مستحِقِّه بشهادتِهم؛ لم يكتموها، وإن كان يأخُذُه مَن لا يستحِقُّه، ولا يصِلُ إلى مَن يستحِقُّه؛ فليس عليهم أن يُعِينوا واحدًا منهما.
وإن كان في يدِه بتأويلٍ واجتهادٍ؛ لم يكُنْ عليهم أيضًا نَزعُه من يدِه؛ بل يُعانُ المتأولُ على مَن لا تأويلَ له.
أجابَ بذلك فيما إذا علِمَ الشهودُ بحقٍّ لبيتِ المالِ في تَرِكة؛ هل يجبُ كَتْمُه، أم لا؟ (٢)
ومَن قال: إذا متُّ فداري وقفٌ ، ثم تَعافَى ولزِمَه ديونٌ؛ جاز بيعُ الدارِ ووفاءُ الدَّينِ، وإن كان التعليقُ صحيحًا كما هو أحدُ قولَيِ العلماءِ، وليس هذا بأبلغَ من التدبيرِ، وقد باع النبيُّ ﷺ المُدبَّرَ في الدَّينِ (٣).
стр. 640
فَصْلٌ (١)
الأموالُ التي لها أصلٌ في كتابِ اللهِ تعالى ثلاثةٌ:
مالُ المغنمِ؛ ذكَره في قولِه: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن للهِ خمسه﴾ الآية، فهذه المغانِمُ للغانمينَ وخُمُسُها له.
والثاني: الفَيْءُ؛ وهو الذي ذكَره في سورةِ الحشرِ؛ حيث قال: ﴿وما أفاء الله على رسوله منهم﴾، وقوله: ﴿فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب﴾؛ أي: ما حركتُم، ولا أعملتُم، ولا سقتُم؛ فهو ما صار للمسلمِينَ بغيرِ إيجافِ خيلٍ ولا رِكابٍ؛ فإن اللهَ أفاءَه على المسلمِينَ، فإنه خلَق الخلقَ لعبادتِه، وأحلَّ لهم الطيباتِ ليأكلوا طيبًا، ويعملوا صالحًا، والكفارُ عبدوا غيرَه؛ فصاروا غيرَ مستحِقِّينَ للمالِ، فأباح للمؤمنينَ الذينَ يعبدونَه أن يَستَرِقُّوا أنفُسَهم، وأن يسترجعوا الأموالَ منهم، فقد فاءَتْ؛ أي: رجعَتْ إلى مستحِقِّها.
ويدخُلُ فيه: جزيةُ الرؤوسِ، وما يُؤخَذُ من العشورِ، وما يُصالَحُ عليه الكفارُ من المالِ الذي يحملونَه، وما جَلَوْا عنه خوفًا؛ كأموالِ بني النضيرِ الذينَ كانوا شَرقيَّ المدينةِ، فقال: ﴿هو الذي أخرج الذينَ كفروا من
стр. 641
أهل الكتاب﴾، فذكَر مصارِفَ الفَيْءِ بقولِه: ﴿ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل … ﴾ الآيةَ، إلى قولِه: ﴿للفقراء المهاجرين الذينَ أخرجوا من ديارهم … ﴾ إلى قولِه: ﴿والذينَ جاؤوا من بعدهم﴾، فهؤلاءِ المهاجرونَ والأنصارُ والذينَ جاؤوا من بعدِهم إلى يومِ القيامةِ، ولهذا قال مالكٌ وأبو عبيدٍ وأبو حكيمٍ النَّهْروانيُّ من أصحابِ أحمدَ وغيرُهم: إن مَن سَبَّ الصحابةَ؛ لم يكُنْ له في الفَيْءِ نصيبٌ.
ومِن الفيءِ ما ضرَبَه عمرُ على أرضِ العَنْوةِ (١)، فلا يُخمَّسُ في قولِ الجماهيرِ؛ كأبي حنيفةَ، ومالكٍ، وأحمدَ، ويُخمَّسُ عندَ الشافعيِّ وبعضِ أصحابِ أحمد، وذُكِر ذلك روايةً عنه، والفيءُ لم يكُنْ ملكًا للنبيِّ ﷺ في حياتِه؛ في قولِ أكثرِ العلماءِ، وقال الشافعيُّ وبعضُ أصحابِنا: كان ملكًا له.
وأما مصرِفُه بعدَ موتِه: فقد اتفقَ العلماءُ على أنه يُصرَفُ منه أرزاقُ الجندِ الذينَ يقاتِلونَ الكفارَ.
وتَنازَعوا: هل يُصرَفُ في سائرِ المصالحِ، أم يختصُّ به المقاتلةُ؟ على قولَينِ للشافعيِّ وأحمدَ؛ لكن المشهورَ عنه: أنه لا يختصُّ، كما هو قولِ مالكٍ وأبي حنيفةَ؛ بل يُصرَفُ في المصالِحِ كلِّها.
стр. 642
وعلى القولَينِ: يُعطَى مَن فيه منفعةٌ عامةٌ لأهلِ الفَيْءِ؛ كولاةِ أمورِهم، ومَن يُقرِئُهم القرآنَ ويُفْتيهم ويُحدِّثُهم ويَؤُمُّهم ويُؤذِّنُ لهم، وسَدِّ ثُغورهم، وعِمارةِ طُرُقاتِهم وحصونِهم، وإلى ذوي الحاجاتِ، يبدأُ بالأهمِّ من ذوي المنافعِ؛ نصَّ عليه عامةُ الفقهاءِ من أصحابِ أحمدَ والشافعيِّ وأبي حنيفةَ وغيرِهم.
لكنَّ مذهَبَ الشافعيِّ وبعضِ أصحابِ أحمدَ: أنه لا حقَّ فيه للأغنياءِ الذينَ لا منفعةَ للمسلمِينَ بهم، ومذهبُ الجمهورِ - كمالكٍ وأحمدَ وغيرِهما - أن للأغنياءِ فيه حقًّا؛ إذا فضَلَ واتسَعَ عن حاجاتِ المسلمِينَ، كما قال عمرُ: «ما من مسلمٍ إلا وله في هذا المالِ حقٌّ» (١)، وكان لجميع المسلمِينَ فرضٌ في ديوان عمرَ؛ غَنِيِّهم وفقيرِهم (٢)، وعلى هذا فلا يُعطَى الغنيُّ شيئًا إلا بعدَ الفقيرِ إذا فضَلَ عنه؛ هذا مذهَبُ الجمهورِ؛ كأحمدَ في الصحيحِ عنه ومالكٍ، والشافعيُّ - كما تقدَّمَ - يخصِّصُ الفقراءَ بالفاضلِ.
وأما المالُ الثالثُ: فهو الصدقاتُ التي هي زكاةُ الأموالِ، وهذا مصرِفُه ما ذكَره اللهُ تعالى في قولِه: ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها … ﴾، الثمانيةِ الأصناف، وقد اتفقَ المسلمونَ على أنه لا يجاوزُ بها الثمانيةَ الأصنافَ التي سَمَّى اللهُ تعالى.
стр. 643
إذا تبيَّنَ هذا الأصلُ؛ فنذكُرُ أصلًا آخَرَ ونقولُ:
أموالُ بيتِ المالِ في هذه الأزمنةِ هي أصنافٌ؛ منها ما هو الفَيْءُ (١)، أو الصدقاتُ، أو الخُمُسُ، فقد عُرِف حكمُ هذا.
ومنها ما صار إلى بيتِ المالِ بحقٍّ غيرِ هذا؛ مثلُ مَن مات مِن المسلمِينَ ولا وارِثَ له.
ومِن ذلك ما فيه نزاعٌ، ومنه ما هو مُتَّفَقٌ عليه.
وصنفٌ قُبِضَ بغيرِ حقٍّ، أو بتأويلٍ يجبُ ردُّه إلى مستحِقِّه إذا أمكنَ، وقد تعذَّرَ ذلك؛ مثلُ: ما يُؤخَذُ من مصادراتِ العمالِ وغيرِهم الذينَ أخذوا الهديةَ وأموالَ المسلمِينَ ما لا يستحِقُّونَه؛ فاستَرْجَعَه وليُّ الأمرِ منهم، أو من تَرِكاتِهم ولم يُعرَفْ مستحِقُّه، ومَا قُبِضَ من الوظائفِ المحدثةِ؛ فهذه الأموالُ التي تعذَّرَ ردُّها لعدمِ العلمِ -مثلًا- هي: مما يُصرَفُ في مصالحِ المسلمِينَ عندَ أكثرِ العلماءِ؛ كالغاصِبِ، والخائنِ التائبِ، والمرابي، ونحوِهم ممن صار بيدِه مالٌ لا يملِكُه، ولا يُعرفُ صاحبُه، فإنه يُصرَفُ إلى ذوي الحاجاتِ.
إذا تبيَّنَ هذانِ الأصلانِ فنقولُ: مَن كان من ذوي الحاجاتِ؛ كالفقير والمسكين وابنِ السبيلِ: فيجوزُ؛ بل يجبُ أن يُعطَوا من الزكواتِ ومن الأموالِ المجهولةِ باتِّفاقِ المسلمِينَ، ومن الفَيْءِ مما فضَلَ عن المصالحِ العامةِ التي لا بدَّ منها عندَ أكثرِ العلماءِ؛ سواءٌ كانوا
стр. 644
مشتغلينَ بالعلمِ الواجبِ على الكفايةِ أم لا، وسواءٌ كانوا في زوايا أو رُبَطٍ أم لا؛ لكن من كان متميزًا بعلمٍ أو دينٍ؛ كان أَوْلى ومُقدَّمًا على غيرِه.
وأحقُّ هذا الصنف من ذكَرَهم اللهُ تعالى بقولِه: ﴿للفقراء الذينَ أحصروا في سبيلِ اللهِ لا يستطيعون ضربا في الأرضِ … ﴾، فمن كان مشغولًا بالعلمِ والدينِ الذي أُحصِرَ به في سبيلِ اللهِ قد منَعَه الكسبَ؛ فهو أَوْلى من غيرِه (١).
ويُعطَى قضاةُ المسلمِينَ وعلماؤُهم منه ما يَكْفيهم، وأرزاقُ المقاتلةِ وذرارِيِّهم؛ لا سيَّما بني هاشمٍ الطالبِيِّينَ والعباسيِّينَ، فيتعيَّنُ عطاؤُهم (٢) من الفَيْءِ والخُمُسِ والمصالحِ؛ لأن الزكاةَ محرمةٌ عليهم.
والفقيرُ الشرعيُّ ليس هو الفقيرَ الاصطلاحيَّ الذي يتقيدُ بلِبْسةٍ أو طريقةٍ؛ بل كلُّ من ليس له كفايةٌ فهو فقيرٌ أو مسكينٌ.
وقد تنازَعَ العلماءُ: هل الفقيرُ أشَدُّ حاجةً، أو المسكينُ؟ أو الفقيرُ مَن يتعفَّفُ، والمسكينُ مَن يسألُ؟ على ثلاثةِ أقوالٍ.
واتفقوا على أن مَن لا مالَ له، وهو عاجزٌ عن الكسبِ؛ فإنه يُعطَى ما يَكْفيه؛ سواءٌ كان لُبْسُه لُبْسَ الفقراءِ الاصطلاحية، أو لبسَ الجندِ، أو
стр. 645
الفقهاءِ، أو الفلاحينَ، أو غيرِهم، سواء كان جنديًّا، أو تاجرًا، أو في رباط، أو غيرَ ذلك، ما لا يَكْفيه.
ومَن كان مؤمنًا تقِيًّا؛ كان للهِ وليًّا، ومَن كان من هؤلاءِ منافقًا، أو مظهرًا لبدعةٍ مخالِفًا للكتابِ والسُّنَّةِ، من بدعِ الاعتقاداتِ أو العباداتِ؛ فإنه يستحِقُّ العقوبةَ، ومِن عقوبتِه أن يُحرَمَ حتى يتوبَ.
وأما مَن كان زِنْديقًا؛ كالحلوليةِ، والمباحيةِ، ومَن يُفضِّلُ مَتْبوعَه على النبيِّ ﷺ ، ومَن يعتقدُ أنه لا يجبُ عليه في الباطنِ اتباعُ شريعةِ رسولِ الله، أو أنه إذا حصَلتْ له المعرفةُ والتحقيقُ؛ سقَطَ عنه الأمرُ والنَّهْيُ، أو أن العارفَ المحقِّق يجوزُ له التدينُ بدينِ اليهودِ والنصارى، ولا يجبُ عليه الاعتصامُ بالكتابِ والسُّنَّةِ، وأمثالِ هؤلاءِ: فإن هؤلاءِ كلَّهم منافقونَ زَنادقةٌ، وإذا ظُهِرَ على أحدِهم؛ وجَبَ قتلُه باتِّفاقِ المسلمِينَ، وهم كثيرونَ في هذه الأزمنةِ.
وعلى وُلاةِ الأمورِ أن يُلزِموا الفقراءَ باتباعِ السُّنَّةِ، ولا يُمكِّنوا أحدًا من الخروجِ من ذلك، ولو ادَّعَى من الدعاوى ما ادَّعَاه، ولو زعم أنه يطيرُ في الهواءِ، أو يمشي على الماءِ.
ومَن كان من الفقراءِ الذينَ لم تشغَلْهم منفعةٌ عامةٌ للمسلمِينَ عن الكسبِ، قادرًا عليه؛ لم يَجُزْ أن يُعطَى من الزكاةِ عندَ الشافعيِّ وأحمدَ، وجوَّزَه أبو حنيفةَ.
ولا يجوزُ أن يُعطَى مِن الزكاةِ مَن يصنعُ بها دعوةً وضيافةً للفقراءِ، ولا يقيمُ بها سماطًا، لا لواردٍ ولا لغيرِ واردٍ؛ بل يجبُ أن يُعطَى ملكاً
стр. 646
للفقير المحتاج؛ بحيثُ يُنفِقُها على نفْسِه وعِيالِه في بيتِه، ويقضي بها دَيْنَه، وفي حاجاتِه.
وليس في المسلمِينَ من يُنكِرُ صرفَ الصدقاتِ وفاضلِ أموالِ المصالحِ إلى الفقراءِ والمساكينِ، ومَن نقَل ذلك فهو إما جاهلٌ، أو كافرٌ بالدينِ، أو يكونُ النقلُ عنه كذِبًا أو مُحرَّفًا، فأما مَن هو متوسطٌ في العلمِ فلا يَخْفى عليه ذلك، ولا يَنْهى عن ذلك، ولكن قد اختَلطَ في هذه الأموالِ السلطانيةِ الحقُّ والباطلُ، فأقوامٌ كثيرونَ من ذوي الحاجاتِ والدينِ والعلمِ؛ لا يُعطَى أحدُهم كِفايتَه، ويتمزَّقُ جوعًا، وهو لا يسألُ، ومَن يعرفُه فليس عندَه ما يُعطيه، وأقوامٌ كثيرون يأكلونَ أموالَ الناسِ بالباطل، ويصُدُّونَ عن سبيلِ اللهِ، قومٌ لهم رواتِبُ أضعافُ حاجاتِهم، وقومٌ لهم رَواتبُ معَ غِناهم، وقومٌ يتولونَ جهاتٍ كمساجدَ وغيرِها، فيأخذونَ معلومَها، ويَسْتنيبونَ مَن يُعطونَه شيئًا يسيرًا، وأقوامٌ في الربطِ والزوايا يأخذونَ ما لا يستحِقُّونَ، ويأخذونَ فوقَ حقوقِهم، ويَمْنعونَ مَن يَستحِقُّ، وهذا موجودٌ في مواضعَ كثيرةٍ لا يُنازِعُ في وقوعِه أحدٌ.
ولا يستريبُ مسلمٌ أن السعيَ في تمييزِ المستحقِّ من غيرِه، وإعطاءَ الولاياتِ والأرزاقِ مَن هو أحقُّ بها، والعدلَ بينَ الناسِ وفعلَه بحسَبِ الإمكانِ: هو من أفضلِ عملِ وُلاةِ الأمورِ؛ بل ومِن أوجَبِها عليهم، فإن اللهَ تعالى يأمُرُ بالعدلِ والإحسانِ، والعدلُ واجبٌ على كلِّ أحدٍ في كلِّ شيءٍ، وكما أن النظرَ في الجندِ المقاتلةِ، والعدلَ بينَهم، وزيادةَ مَن يستحِقُّ الزيادةَ، ونَقْصَ مَن يستحِقُّ النقصَ، وإعطاءَ العاجزِ عن الجهادِ
стр. 647
من جهةٍ أخرى: هو من أحسَنِ أفعالِ وُلاةِ الأمورِ وأوجَبِها؛ فكذلك النظرُ في حالِ سائرِ المرتزقِينَ من أموالِ الفَيْءِ والصدقاتِ والمصالح والوقوف.
ومَن ادَّعى الفقرَ ممن لم يُعرَفْ غناه، وطلَب الأخذَ من الصدقاتِ؛ جاز للإمامِ أن يُعطِيَه بلا بينةٍ بعدَ أن يُعْلِمَه أنه لا حقَّ فيها لغنيٍّ ولا لقويٍّ على الكسبِ.
وإن ذَكَر أن له عيالًا؛ فهل يفتقر إلى بينةٍ؟ فيه قولانِ في مذهَبِ أحمدَ والشافعيِّ.
ومتى (١) رأى الإمامُ أن يُقيمَ بينةً؛ فلا خلافَ أنه لا يجبُ أن تكونَ البينةُ من الشهودِ المُعدَّلِينَ، وإن لم يَرتزِقوا على أداءِ الشهادةِ، فكيفَ إذا أخذوا عليها؟! (٢) لا سيَّما معَ العلمِ بكثرةِ من يشهدُ بالزورِ، ولهذا كانت العادةُ أن الشهودَ بالشامِ المرتزقةَ بالشهادةِ؛ لا يشهدونَ في الاجتهادياتِ؛ كالإعسارِ، والرُّشْدِ، والعدالةِ، والأهليةِ، والاستحقاقِ، ونحوِ ذلك؛ بل يشهدونَ بالحِسِّيَّاتِ؛ كالذي سَمِعوه ورَأَوْه، فإن الشهادةَ
стр. 648
بالاجتهادياتِ يدخُلُها التأويلُ والتُّهَمُ، فالجُعْلُ يسهِّلُ الشهادةَ فيها بغيرِ تَحَرٍّ، بخلافِ الحِسِّيَّاتِ، فإن الزيادة فيها كذِبٌ صريحٌ، لا يُقدِمُ عليه إلا مَن يُقدِمُ على صريحِ الزورِ.
ومَن نقَل عن حاكمٍ أنه قال: إنه لا يستحقُّ من هؤلاءِ إلا المكسَّحُ (١) والأعمى والزَّمِنُ؛ فهذا لم يقُلْه أحدٌ، ومَن قال ذلك قُدِحَ في عَدالتِه، واستُبدِلَ مكانَه، وإن كان الناقلُ عنه مفترياً عليه؛ عُوقِبَ عقوبةً تردَعُه وأمثالَه من المفترينَ على الناسِ، وعقوبةُ مَن افترى على الناسِ وتكلَّم فيهم بما يخالفُ دينَ المسلمِينَ؛ لا يحتاجُ إلى دَعْواهم؛ بل العقوبةُ في ذلك جائزةٌ بدونِ دَعْوى أحدٍ؛ كعقوبةِ مَن يتكلَّمُ في الدينِ بلا علمٍ، فيُحدِّثُ بلا علمٍ، ويُفْتي بلا علمٍ، وأمثالُ هؤلاءِ (٢) يُعاقَبونَ.
فمَن قال: لا يستحقُّ من الأموالِ إلا الأعمى والمكسَّحُ والزَّمِنُ؛ فقد أخطَأَ باتِّفاقِ.
ومَن قال: إن أموالَ بيتِ المالِ على اختلافِ أصنافِها مستحَقةٌ لأصنافٍ؛ منهم الفقراءُ، وأنه يجبُ على الإمامِ إطلاقُ كِفايتِهم من بيتِ المالِ؛ فقد أخطَأَ؛ بل يستحقونَ من الزكاةِ بلا رَيْبٍ، وأما من الفَيْءِ ومن المصالحِ؛ فلا يستحقونَ إلا ما فضَلَ عن المصالحِ العامةِ، ولو
стр. 649
قُدِّرَ أنه لم يحصُلْ لهم من الزكاةِ ما يَكْفيهم، وأموالُ بيتِ المالِ مُستغرَقةٌ بالمصالِحِ؛ كان إعطاءُ العاجِزِ عن الكسبِ فرضًا على الكفايةِ، فعلى المسلمِينَ جميعًا أن يُطعِموا الجائعَ، ويَكْسوا العاريَ، ولا يَدَعوا بينَهم محتاجًا، وعلى الإمامِ أن يصرفَ ذلك من المالِ المشتركِ الفاضلِ عن المصالحِ العامةِ التي لا بدَّ منها.
وأما مَن يأخُذُ لمصلحةٍ عامةٍ؛ فإنه يأخُذُ معَ حاجتِه بلا نزاعٍ، ومعَ غِناه على قولَينِ؛ كالقاضي، والشاهدِ، والمفتي، والحاسبِ، والمقرئِ، والمُحدِّثِ.
وفي أرض العَنْوةِ ثلاثةُ أقوالٍ:
أحدُها: أنها تُقسَمُ؛ كما هو مذهَبُ الشافعيِّ، وإن طابتْ نفوسُهم بالوقفِ؛ جاز، فلو حكَم حاكمٌ بوَقْفِها من غيرِ طيبِ أنفسِهم؛ نُقِضَ حُكمُه (١)؛ نصَّ عليه الشافعيُّ في «الأمِّ».
وجمهورُ الأئمَّةِ خالفوه في ذلك، ورأوا أن ما فعَلَه عمرُ مِن جعلِها فَيْئًا (٢)؛ جائزٌ حسَنٌ، وحبَسَها عمرُ بدونِ استطابةِ أنفُسِهم، ولا نزاعَ أن كلَّ أرضٍ فتَحَها عمرُ لم يَقْسِمْها، وكان مذهَبُ عمرَ في الفَيْءِ: أنه لجميعِ المسلمِينَ؛ لكن يُفضَّلُ بينَهم بالفضائلِ الدينيةِ، وأما أبو بكرٍ فسوَّى بينَهم في العطاءِ، إذا استَوَوْا في الحاجةِ (٣).
стр. 650
ورُوِي أن عمرَ قال: «لئن عِشْتُ إلى قابلٍ؛ لأجعلنَّ الناسَ ببَّانًا واحداً» (١)؛ أي: بابةً واحدةً.
وكان تفضيلُه بأسبابٍ أربعةٍ: اجتهادِه في قتالِ الأعداءِ، والغَناءِ عن المسلمِينَ في مصالِحِهم؛ كمُعلِّميهم ووُلاتِهم، والسابقةِ إلى الإسلامِ، والحاجةِ، فقال: «إنما هو الرجلُ وبلاؤُه، والرجلُ وغَناؤُه، والرجلُ وسابقتُه، والرجلُ وفاقتُه» (٢).
فَصْلٌ
وإحياءُ المواتِ جائزٌ بدونِ إذنِ الإمامِ في مذهَبِ الشافعيِّ، وأحمدَ، وأبي يوسفَ، ومحمدٍ.
واشترطه أبو حنيفةَ.
وقال مالكٌ: إن كان مما قرُبَ من العامرِ، وتشاحَّ الناسُ فيه؛ وجَب إذنُ الإمامِ، وإلا فلا.
وأما إحياء أرض الخراجِ: فهل يملِكُه بالإحياءِ ولا خراجَ عليه، أو يكونُ بيدِه وعليه الخراجُ؟ على قولَينِ، هما روايتانِ عن أحمدَ (٣).
стр. 651
ومَن له حقٌّ في بيتِ المالِ ، فأُحيلَ على بعضِ المظالِمِ، فقلتُ له (١): لا تستخرجْ أنتَ هذا، ولا تُعِنْ على استخراجِه؛ لأنه ظلمٌ؛ لكن اطلُبْ حقَّكَ من المالِ المحصَّلِ عندَهم، وإن كان مجموعًا من هذه الجهةِ وغيرِها، فإنَّ ما اجتمعَ في بيتِ المالِ، ولم يُرَدَّ إلى أصحابِه؛ فصَرْفُه في مصالِحِ المسلمِينَ أَوْلى من صَرْفِه فيما لا يَنتفعُ به أصحابُه.
وأيضًا: فإنه يصيرُ مختلطًا، فلا يبقى محكومًا بتحريمِه بعينِه، معَ كونِ الصرفِ إلى مثلِ هذا واجبًا على المسلمِينَ، فإن الولاةَ يظلمونَ تارةً في الاستخراجِ، وتارةً في صَرْفِها، فلا تَحِلُّ إعانتُهم على الظلمِ في الاستخراجِ، ولا أخذِ الإنسانِ ما لا يستحِقُّه.
وأما ما يسوغُ فيه الاجتهادُ من الاستخراجِ والصرفِ؛ فكمسائلِ الاجتهادِ، وما لا يسوغُ فيه اجتهادٌ من الأخذِ والإعطاءِ؛ فلا يُعاوَنونَ؛ لكن إذا كان المصروفُ إليه مستحِقًّا لمقدارِ المأخوذِ؛ جاز أخذُه من كلِّ مالٍ يجوزُ صَرْفُه؛ كالمالِ المجهولِ مالكُه.
فإن امتنعوا من إعادتِه إلى مستحِقِّه؛ فهل الأَوْلى إقرارُه بأيدي الظلمةِ، أو السعيُ في صَرْفِه في مصالِحِ المسلمِينَ؛ إذا كان الساعي في ذلك ممن يكرهُ أصلَ أخذِه، ولم يُعِنْ على أخذِه؛ بل سعى في منعِ أخذِه؟
стр. 652
فهذه مسألةٌ حسنةٌ، ينبغي التفطُّنُ لها، وإلا دخل الإنسانُ في فعلِ المحرماتِ أو تركِ الواجباتِ، فإن الإعانةَ على الظلمِ من فعلِ المحرماتِ.
وإذا لم تمكنِ الواجباتُ إلا بالصرفِ المذكورِ؛ كان تَرْكُه من تركِ الواجباتِ، وإذا لم يمكنْ إلا إقرارُه بيدِ الظالِمِ أو صَرْفُه في المصالحِ؛ كان النَّهْي عن صَرْفِه في المصالِحِ إعانةً على زيادةِ الظلمِ التي هي إقرارُه بيدِ الظالمِ، فكما يجبُ إزالةُ الظلمِ يجبُ تقليلُه عندَ العجزِ عن إزالتِه، فهذا أصلٌ عظيمٌ.
وأصلٌ آخَرُ: وهو أن الشبهات ينبغي صَرْفُها في الأبعدِ عن المنفعةِ فالأبعدِ، كما أمر بكَسْبِ الحَجَّامِ: «أن يُطعِمَه الرقيقَ والناضحَ» (١).
فالأقربُ ما دخَل الباطنَ من الطعامِ والشرابِ، ثم ما وَلِيَ الظاهرَ من اللباسِ، ثم ما ستَر معَ الانفصالِ من البناءِ، ثم ما عَرَض من الركوبِ، فهكذا يترتب الانتفاعُ بالرزقِ، وكذلك أصحابُنا يفعلونَ (٢).
стр. 653
بَابُ اللُّقَطَةِ
وإذا وقَعَ المركبُ في البحرِ وغرِقَ ، وفيه زيتٌ، فانكفأ الزيتُ على وجهِ الماءِ، فمن جمعَه فقد خلَّصَ مالَ المعصومِ من التَّلَفِ، وله أجرةُ المثلِ في أصَحِّ قولَيِ العلماءِ، والزيتُ لصاحبِه بلا نزاعٍ؛ إلا عندَ الحسنِ، فإنه قال: (هو لمن خلَّصَه)، وقد قال الصحابةُ فيمن اشترى أموالَ المسلمِينَ من الكفارِ: «إنه يَأخذُه ممن اشتراه بالثمنِ» (١).
ولو كان المالُ حيوانًا فخلَّصَه من مهلكةٍ؛ ملَكَه، كما ورد الأثرُ (٢)؛ لأن للحيوانِ حرمةً في نفْسِه، بخلافِ المتاعِ؛ فتخليصُه لحقِّ الحيوانِ، قد يئِسَ منه صاحبُه، بخلافِ المتاعِ.
وإن كان في السفينةِ رُمَّانٌ؛ فهو لُقَطةٌ؛ إن رُجِي وجودُ صاحبِه عُرِّفَ حولًا، وإن كان لا يُرجَى وجودُه؛ ففي تعريفِه قولانِ، وعلى القولَينِ:
стр. 654
له أكلُ الرُّمَّانِ، أو يبيعُه ويَحفظُ ثمنَه، ثم يُعرِّفُه بعدَ ذلك (١).
وتُعرَّفُ اللُّقَطةُ في المكانِ الذي وُجِدتْ فيه، أو قريبه إن كان وجَدَها في فلاةٍ (٢).
وإذا جاء التتارُ فجفَل الناسُ (٣)، وخلَّفوا أثاثًا ودوابَّ، فضَمَّه مسلمٌ، وطالتْ مُدَّتُه، ولم يظهرْ له صاحبٌ؛ فيجوزُ له أن يستعمِلَه، وأن يتصدَّقَ به على من ينتفع به (٤).
ومَن استنقَذَ فرسًا من أيدي العربِ، ثم مرِضَ الفرسُ، ولم يقدِرْ على المشيِ: جاز له بيعُه؛ بل يجبُ في هذه الحال أن يبيعَه لصاحبِه، وإن لم يكُنْ وكَّلَه؛ نصَّ عليه الأئمَّةُ، ويَحفظُ الثمنَ (٥).
стр. 655
كِتَابُ الوَصَايَا
ليس للوَصِيِّ بيعُ العقارِ إلا لحاجةٍ ، أو مصلحةٍ راجحةٍ فيه، وإذا ذَكَر أنه باعَه للاستهدامِ؛ لم يكُنْ له أن يشتريَه ليتيمٍ آخَرَ (١).
إذا كان الميتُ ممن يَكتبُ ما عليه للناسِ في دَفْترِه، أو كان له وكيلٌ يكتبُ بإذنِه؛ فإن وصِيَّه يرجعُ في ذلك إلى الكتابِ الذي بخطِّه أو خطِّ وكيلِه، فما كان مكتوبًا وليس عليه علامةُ الوفاءِ؛ كان بمنزلةِ إقرارِ الميتِ، فخطُ الميتِ وإقرارُ الوكيلِ فيما وُكِّلَ فيه أو خطُّه؛ مقبولٌ، ولكن على صاحبِ الدَّينِ اليمينُ أنه لم يقبِضْ ولم يُبرِئْ، أو أنه يستحِقُّه، وأما إعطاءُ المُدَّعي ما يدَّعيه بمجرَّدِ قولِه؛ فلا يجوزُ (٢).
وتثبُتُ الوصية: بشاهدٍ ويمينٍ.
ولو ثبَتَ للصبيِّ أو المجنونِ حقٌّ على غائبٍ؛ من دينٍ أو قرضٍ أو أرش جنايةٍ، أو غيرِ ذلك مما لو كان بالغاً عاقلًا حلَف على عدمِ الإبراءِ أو الاستيفاءِ في أحدِ قولَيِ العلماءِ؛ يُحكَمُ به للصبيِّ والمجنونِ، ولا
стр. 656
يُحلَّفُ وَلِيُّه.
ولو ادَّعى مدَّعٍ على الصَّبيِّ أو المجنونِ حقًّا؛ لم يُحكَمْ له، ولا يُحلَّفانِ.
ولو أوصى لصغيرٍ لم يحلِفْ وَلِيُّه؛ لأن الوصيةَ لا يحلِفُ الموصى له على استحقاقِها، وإن كان (١) قد أحدَثَ بعضُ الناسِ التحليفَ فيها.
وتصِحُّ للحملِ، ولم يقُلْ أحدٌ: إنها تؤخَّرُ إلى حينِ بلوغِه، ولا يُحلَّفُ (٢).
إذا أوصى أن يُحَجَّ عنه بألفٍ ، فقال رجلٌ: أنا أحُجُّ بأربعِمائةٍ؛ وجَبَ إخراجُ جميعِ ما أوصى به إن خرَجَ من ثُلُثِه، وإن لم يخرُجْ لم يجبْ على الوَرَثةِ إخراجُ الزائدِ على الثلثِ؛ إلا أن يكونَ واجبًا؛ بحيثُ لا يحصِّلُ حجةَ الإسلامِ.
ومَن له ستةُ بنينَ ، فأوصى بمثلِ نصيبِ ابنٍ لزيدٍ، ولعمرو بثلثِ ما بقِيَ من الثلثِ بعدَ أن يُعطَى مَن أوصى له بمثلِ نصيبِ الابنِ؛ فظاهرُ مذهَبِ أحمدَ والشافعيِّ وأبي حنيفةَ: أن هذه المسألةَ تصِحُّ من ستِّينَ، لكلِّ ابنٍ ثمانيةٌ، وللمُوصى له بمثلِ نصيبِ ابنٍ: ثمانيةٌ، وللآخَرِ: أربعةٌ، فإذا أُخِذتْ الثلثُ: عشرونَ؛ أعطيتَ صاحبَ النصيبِ ثمانيةً،
стр. 657
بَقي بعدَ الثلثِ: اثنا عشرَ، ثلثُ ذلك: أربعةٌ، ولها طرقٌ تُعلَمُ بها، وجوابُ هذه المسألةِ معروفٌ في كتبِ العلمِ (١).
وإذا كان خَلْطُ طعامِ اليتيمِ بمالِ الوصي (٢) أصلَحَ لليتيمِ؛ فُعِل ذلك (٣).
وإذا أوصى لأختِه كلَّ يومٍ بدرهمٍ، واتسَعَ مالُه كلَّ يومٍ لدرهمٍ؛ أُعطِيَتْ إن كان ثلثُ مالِه يسعُ، أو أجازَ الوَرَثةُ، ولو لم يُخلِّفْ إلا عقارًا؛ أُعطِيت من مغلِّه أقلَّ الأمرينِ من ثلثِ المغَلِّ، أو من الدرهمِ المُوصى به (٤).
ومَن كان متبرِّعًا بالوصيةِ ؛ فما أنفَقَه على إثباتِها بالمعروفِ؛ فهو من مالِ اليتيمِ (٥).
ولا يجوزُ للمريضِ تخصيصُ بعضِ أولادِه بعَطِيَّةٍ منجزةٍ، ولا وصيةٍ، ولا أن يُقِرَّ بشيءٍ ليس في ذِمَّتِه، وإذا فعل ذلك؛ لم يَجُزْ تنفيذُه
стр. 658
بدونِ إجازةِ الوَرَثةِ، وهذا كلُّه بالاتفاقِ، ولا يجوزُ لأحدٍ من الشهودِ أن يشهدَ على ذلك شهادةً يعينُ بها على الظلمِ، وهذا التخصيصُ من الكبائرِ الموجبةِ للنارِ، حتى قد رُوي (١).
ولا يجوزُ أن يخصَّ في الصحةِ أيضًا في أصحِّ قولَيِ العلماءِ.
ولا يجوزُ للولدِ الذي فُضِّلَ أخذُ الفضلِ؛ بل عليه أن يردَّ ذلك في حياةِ الظالمِ الجائرِ وبعدَ موتِه، كما يردُّ في حياتِه في أصحِّ قولَيِ العلماءِ (٢).
وسُئِلَ عن رجلٍ تُوُفِّيَ في الجهادِ، فجمَع صاحبُه جميعَ تَرِكتِه في مدةِ ثلاثِ سنِينَ بعدَ تعبٍ؟
فأجابَ: إن كان وَصِيًّا؛ فله أقلُّ الأمرينِ من أجرةِ المثلِ أو كفايتِه،
стр. 659
وإن كان مُكرَهًا على العملِ؛ فله أجرةُ المثلِ، وإن عمل متبرعًا؛ فلا شيءَ له؛ بل أجرُه على اللهِ، وإن عملَ ما يجبُ غيرَ متبرِّعٍ؛ ففي وجوبِ أجرَتِه نزاعٌ بينَ العلماءِ، الأظهرُ: أنه يجبُ (١).
ولو قال: بِيعوا غلامي من زيدٍ ، وتصدَّقوا بثمنِه، فامتنع زيدٌ من شرائِه؛ أبيعَ من غيرِه وتُصُدِّقَ بثمنِه.
وكذا لو قال: اشتروا الأرضَ الفلانيةَ، وقِفُوها على المسجدِ الفلانيِّ، فلم تُبَعْ لكونِها وقفًا، أو غيرَ ذلك: فإنه يُشترى بالثمنِ الذي عيَّنَه غيرُ تلك الأرضِ، وتُوقَفُ كما قال.
ولو وصَّى لزيدٍ فلم يَقبلْ؛ لم يكن لغيره.
ولو وصَّى أن يُعتَقَ عبدُه المُعيَّنُ، أو نذَر عتقَ عبدِه المُعيَّنِ، فمات المُعيَّنُ؛ لم يقُمْ غيرُه مَقامَه.
ففرْقٌ بينَ المُوصى به والموقوفِ، وبينَ بدلِ الموصى له والموقوفِ عليه، فالوصيةُ بشراءِ معيَّنٍ والتصدُّقِ به؛ كالوصيةِ ببيعِ معيَّنٍ والتصدُّقِ بثمنِه؛ لأن الموصى له هنا جهةُ الصدقةِ والوقفِ؛ وهي باقيةٌ، والتعيينُ إذا فات قام بدَلُه مَقامَه، كما لو أتلَفَ الوقفَ متلِفٌ أو أتلَفَ المُوصَى به؛ فإن بدَلَها يقومُ مَقامَها (٢).
стр. 660
ولا يجوزُ أن يُولَّى على مالِ اليتامى إلا مَن كان قويًّا خبيرًا بما وُلِّيَ عليه، أمينًا عليه، وإذا لم يكُنْ كذلك؛ وجَب الاستبدالُ به، ولا يستحقُّ الأجرةَ المسماةَ؛ لكنْ أجرةَ مثلِه (١).
مَن كان عندَه يتيمٌ له مالٌ ، وهو وَصِيُّه؛ فله فعلُ ما يَراه من مصلحةٍ في مالِه، من تجارةٍ وشراءِ عقارٍ بغيرِ إذنِ الحاكمِ.
وإن لم يكُنْ وَصِيَّه، وكان الحاكمُ هو الناظرَ في أموالِ اليتامى، وهو عادلٌ يأمُرُ فيه بالمصلحةِ؛ وجَب استئذانُه في ذلك.
وإن كان في استئذانِه إضاعةُ المالِ؛ مثلُ: كونِ الحاكمِ أو نائبِه فاسقًا، أو جاهلًا، أو عاجزًا، لا يحفظُ؛ حفِظَه المستولي عليه، وعمِلَ فيه بالمصلحةِ (٢) من غيرِ إذنِ حاكمٍ (٣).
فَصْلٌ
وإتلافُ الجيشِ الذي لا يمكنُ تَضْمينُه؛ كآفةٍ سماويةٍ؛ كالجرادِ.
وإذا تلِفَ الزرعُ بآفةٍ سماويةٍ قبلَ تمكُّنِ الأجيرِ من حَصادِه؛ فهل يوضَعُ فيه الجائحةُ كما تُوضَعُ في التمرِ المُشترَى؟ على قولَينِ، أصَحُّهما
стр. 661
وأشبَهُما بالكتابِ والسُّنَّةِ والعدلِ: وضعُ الجائحةِ فيه (١).
وكذلك كلُّ خوفٍ يمنَعُ من الانتفاعِ؛ هو من الآفةِ السماويةِ (٢).
стр. 662
كِتَابُ الفَرَائِضِ
ينبغي للميتِ أن يُوصِيَ لأقاربِه الذينَ لا يرِثونَه، فإن لم يُوصِ؛ فينبغي إذا حضَروا القِسْمةَ أن يُعطَوا شيئًا؛ للآيةِ (١).
امرأةٌ ماتَتْ ، وخلَّفتْ زوجًا، وبنتًا، وأمًّا، وأختًا من أمٍّ؟
قال: يُقسَمُ على أحدَ عشَرَ سهمًا، للبنتِ ستةٌ، وللزوجِ ثلاثةٌ، وللأمِّ سهمانِ، ولا شيءَ للأختِ؛ فإنها تسقُطُ بالبنتِ اتفاقًا.
وهذا على قولِ مَن يقولُ بالردِّ؛ كأحمدَ وأبي حنيفةَ.
ومَن لا يقولُ بالردِّ؛ كمالكٍ والشافعيِّ؛ تُقسَمُ عندَه اثني عشَرَ سهمًا، كما قُلْنا، والباقي لبيتِ المالِ (٢).
وظاهرُ هذا: أنه ردَّ على الزوجِ؛ وفيه نظَرٌ (٣).
стр. 663
...........................................
стр. 664
لُغْزٌ:
ما بالُ قومٍ غَدَوْا قد مات ميِّتُهم فأصبحوا يَقْسِمونَ المالَ والحُلَلَا
فقالَتِ امرأةٌ من غيرِ عِتْرتِهم … ألا أُخَبِّركمُ أعجوبةً مَثلَا
في البطنِ منِّي جنينٌ دامَ يشكُرُكم فأخِّروا القَسْمَ حتى تعرِفوا الحَمْلَا
فإن يكُنْ ذكَرًا؛ لم يُعْطَ خَرْدلةً وإن يكُنْ غيرَه أنثى فقد فَضَلَا
بالنِّصْفِ حقًّا يقينًا ليس يُنكِرُه مَن كان يعرِفُ فرضَ اللهِ إذ نزَلَا
إنِّي ذكَرْتُ لكم أَمْري بلا كذِبٍ فما أقولُ لكم جَهْلًا ولا مَيْلَا
جوابُه:
زوجٌ، وأمٌّ، واثنانِ من ولدِ الأمِّ، وحملٌ من الأبِ، والمرأةُ الحاملُ ليست [أم] (١) الميتِ؛ فللزوجِ النصفُ، وللأمِّ السُّدُسُ، ولولدِ الأمِّ الثُّلُثُ، فإن كان الحملُ ذكَرًا؛ فهو أخٌ من أبٍ، فلا شيءَ له اتِّفاقِاً، وإن كان الحملُ أنثى؛ فهو أختٌ من أبٍ، لها النصفُ، وهو فاضلٌ عن السهامِ.
فأصلُها من ستةٍ، وتعولُ إلى تسعةٍ.
وأما إن كان الحملُ من أمِّ الميتِ: فهكذا الجوابُ في أحدِ قولَيِ العلماءِ؛ أبي حنيفةَ، والمشهورِ عن أحمدَ.
وعلى القولِ الآخَرِ: إن كان الحملُ ذكَرًا؛ يشاركُ ولدَ الأمِّ كواحدٍ
стр. 665
منهم، ولا يسقُطُ، وهو قولُ مالكٍ، والشافعيِّ، وروايةٌ عن أحمدَ (١).
في مريضٍ انجرح ، وطلَّقَ امرأتَه ثلاثًا، ومات بعدَ عشرينَ يومًا؟
أما الطلاقُ؛ فيقَعُ إن كان عاقلًا مختارًا؛ لكن ترِثُه عندَ جمهورِ العُلَماءِ؛ كأحمدَ، وأبي حنيفةَ، والشافعيِّ في القديمِ، كما قضى به عثمانُ في امرأةِ عبدِ الرحمنِ بنِ عوفٍ لما طلَّقَها في مرضِ موته، ورَّثَها عثمانُ (٢).
وتعتَدُّ أطولَ الأجلينِ من عِدَّةِ الطلاقِ أو عِدَّةِ الوفاةِ في أحدِ الوجوهِ، وقيلَ: بل عِدَّةَ الطلاقِ، وقيلَ: بل عِدَّةَ الوفاةِ.
وهل يُكمَّلُ لها المَهْرُ؟ على قولَينِ (٣).
وإن كان قد زال عقلُه؛ فلا طلاقَ عليه (٤).
стр. 666
فَصْلٌ
يُورِّثُ ذوي الأرحامِ جمهورُ السَّلَفِ، وأحمدُ في المشهورِ عنه، وأبو حنيفةَ، وطوائفُ من أصحابِ الشافعيِّ، وقولٌ لمالكٍ إذا فسَد بيتُ المالِ.
والقولُ الثاني: يرِثُ بيتُ المالِ؛ وهو قولُ الشافعيِّ، ومالكٍ، وأحمدَ في روايةٍ.
ومَن جهَّزَها أبوها على الوجهِ المعتادِ في الجَهازِ؛ فهو تمليكٌ لها، فليس له الرجوعُ بعدَ موتِها؛ بل ينتقلُ ما في يدِها إلى الوَرَثةِ (١).
стр. 667
كِتَابُ النِّكَاحِ
إذا شُرِط ألا يُخرِجَها من بلدِها ، ولا يتزوجَ، ولا يتسرَّى عليها: فهو شرطٌ صحيحٌ في ظاهر مذهَبِ أحمدَ ومالكٍ في جميعِ العقودِ، وهو وجهٌ في مذهَبِ الشافعيِّ يخرَّجُ من مسألةِ صَداقِ السرِّ والعلانيةِ.
وكذا إن كان متقدِّمًا على العقدِ، ولو لم يذكُرْه حينَ العقدِ.
ويطرُدُه أحمدُ في جميعِ العباداتِ، فإن النيةَ المتقدمةَ عندَه كالمقارنةِ.
ولأحمدَ قولٌ ثانٍ: أن الشروطَ المتقدمةَ لا تؤثرُ.
وفيه قولٌ ثالثٌ: الفرقُ بينَ الشرطِ الذي يجعلُ العقدَ غيرَ مقصودٍ؛ كالتواطُؤِ على أن البيعَ تلجئة (١) لا حقيقةَ له، وبينَ الشرطِ الذي لا يُخرِجُه عن كونِه مقصودًا؛ كالخيارِ ونحوِه.
وعامةُ نصوصِه وقدماءِ أصحابِه ومحققِّي المتأخِّرينَ على أن (٢)
стр. 668
الشرطَ والمواطأة التي تجري بينَ المتعاقدَينِ قبلَ العقدِ إذا لم يفْسَخاها حتى عُقِدَ العقدُ؛ ينعقد العقدُ بها، وعلى هذا جوابُ أحمدَ في مسائلِ الحيلِ في البيعِ والإجارةِ والرهنِ والقرضِ وغيرِ ذلك (١).
وإذا تزوَّجتْ ولها زوجٌ لم تستَشعِرْ موتَه ولا طلاقَه: فهي زانيةٌ، لا مهرَ لها، وإن اعتَقدتْ موتَه أو طلاقَه؛ فهو وَطْءُ شبهةٍ بنكاحٍ فاسدٍ؛ فلها المهرُ، وظاهرُ المذهبِ: أن لها المُسمَّى، وعن أحمدَ روايةٌ: أنه مهرُ المثل؛ كقولِ الشافعيِّ (٢).
فصل (٣)
كونُ المرأةِ مستحاضةً: عيبٌ يثبُتُ به فسخُ النكاحِ في أظهرِ الوجهَينِ في مذهَبِ أحمدَ وغيرِه.
وما يمنعُ الوَطْءَ حسًّا؛ كانسدادِ الفرجِ، أو طبعًا؛ كالجنونِ والجُذامِ: يُثبِتُ الفسخَ عندَ مالكٍ، وأحمدَ، والشافعيِّ.
وفيما يمنعُ كمالَ الوَطْءِ؛ كالنجاسةِ في الفرجِ؛ نزاعٌ.
والمستحاضةُ أشدُّ من غيرِها، فإذا فسَخ قبلَ الدخولِ؛ فلا مهرَ.
стр. 669
وإن كان بعدَه - وقيلَ: إن الصداقَ يستقرُّ بهذه الخلوةِ -، أو كان قد وطِئَها؛ فإنه يرجعُ بالمهرِ على مَن غرَّه.
وإن قيلَ: لا يستقرُّ؛ فلا شيءَ عليه.
وله أن يُحلِّفَ مَن ادَّعى الغرورَ عليه: أنه لم يَغُرُّه.
وله الخيارُ ما لم يصدرْ منه ما يدلُّ على الرضا، بقولٍ أو فعل.
فإن وطِئَها بعدَ ذلك؛ فلا خيارَ له؛ إلا أن يدعيَ الجهلَ، فهل له الخيارُ؟ فيه نزاعٌ، الأظهرُ: ثبوتُ الفسخِ.
فَصْلٌ
ليس للعمِّ ولا لغيرِه أن يزوِّجَ مولِّيتَه بغيرِ كُفْءٍ إذا لم تكُنْ راضيةً، باتِّفاقِ الأئمَّةِ، وإذا فعل ذلك استحقَّ العقوبةَ الشرعيةَ؛ بل لو رضِيَتْ بغيرِ كُفْءٍ؛ كان لوليٍّ آخَرَ الفسخُ، وليس للعمِّ إجبارُ البالغةِ بكُفْءٍ، فكيفَ بغيرِ كُفْءٍ؟!
وإذا قال لها: إن لم تأذَني زوَّجَكِ الشرعُ بغيرِ اختيارِكِ؛ لم يصِحَّ الإذنُ ولا النكاحُ.
وليس للزوجِ منعُ الأمِّ من بنتِها إذا كشَفَتْ حالَها؛ بل إما يمكِّنُها من كشفِ حالِها، أو تسكنُ بينَ جيرانٍ من أهلِ الصدقِ يكشفونَ حالَها (١).
стр. 670
وليس للوليِّ عَضْلُها عن الكُفْءِ إذا طلَبَتْه، فلا يمنع، فإن منع؛ زوَّجَها الوَلِيُّ الآخَرُ الأبعدُ، أو الحاكمُ.
شعرٌ:
جَدَّتي أمُّه وأبي جَدُّه وأنا عمةٌ له وهْو خالي
أفْتِنا يا إمامُ يرحمُكَ اللَّـ ـهُ ويَكْفيكَ حادثاتِ الليالي
الجوابُ:
رجلٌ زوَّجَ ابنَه أمَّ أخرى وأتى البنتَ بالنكاحِ الحلالِ
فأتَتْ منه بالتي قالت الشِّعْـ … ـرَ وقالتْ لابنِ هاتيكَ: خالي
رجلٌ تزوَّجَ امرأةً، وتزوَّجَ ابنُه بأمِّها، فوُلِد له بنتٌ، ولابنِه ابنٌ، فبِنْتُه هي المخاطِبةُ بالشعرِ، فجَدَّتُها أمُّ أمِّها؛ هي أمُّ ابنِ الابنِ زوجةُ الابنِ، وأبوها جدُّ ابنِ ابنِه، وهي عمَّتُه أختُ أبيه من الأبِ، وهو خالُها أخو أمِّها من الأمِّ، والله أعلم (١).
والصحيحُ: تزويجُ ابنةِ تسعٍ بإذنِها ، ولا خيارَ لها إذن، وهو أعدلُ