← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 32

مختصر الفتاوى المصرية - ط ركائز

بدر الدين البعلي

Полный текст (966 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

فَصْلٌ يُورِّثُ ذوي الأرحامِ جمهورُ السَّلَفِ، وأحمدُ في المشهورِ عنه، وأبو حنيفةَ، وطوائفُ من أصحابِ الشافعيِّ، وقولٌ لمالكٍ إذا فسَد بيتُ المالِ. والقولُ الثاني: يرِثُ بيتُ المالِ؛ وهو قولُ الشافعيِّ، ومالكٍ، وأحمدَ في روايةٍ. ومَن جهَّزَها أبوها على الوجهِ المعتادِ في الجَهازِ؛ فهو تمليكٌ لها، فليس له الرجوعُ بعدَ موتِها؛ بل ينتقلُ ما في يدِها إلى الوَرَثةِ (١).

стр. 667

كِتَابُ النِّكَاحِ إذا شُرِط ألا يُخرِجَها من بلدِها ، ولا يتزوجَ، ولا يتسرَّى عليها: فهو شرطٌ صحيحٌ في ظاهر مذهَبِ أحمدَ ومالكٍ في جميعِ العقودِ، وهو وجهٌ في مذهَبِ الشافعيِّ يخرَّجُ من مسألةِ صَداقِ السرِّ والعلانيةِ. وكذا إن كان متقدِّمًا على العقدِ، ولو لم يذكُرْه حينَ العقدِ. ويطرُدُه أحمدُ في جميعِ العباداتِ، فإن النيةَ المتقدمةَ عندَه كالمقارنةِ. ولأحمدَ قولٌ ثانٍ: أن الشروطَ المتقدمةَ لا تؤثرُ. وفيه قولٌ ثالثٌ: الفرقُ بينَ الشرطِ الذي يجعلُ العقدَ غيرَ مقصودٍ؛ كالتواطُؤِ على أن البيعَ تلجئة (١) لا حقيقةَ له، وبينَ الشرطِ الذي لا يُخرِجُه عن كونِه مقصودًا؛ كالخيارِ ونحوِه. وعامةُ نصوصِه وقدماءِ أصحابِه ومحققِّي المتأخِّرينَ على أن (٢)

стр. 668

الشرطَ والمواطأة التي تجري بينَ المتعاقدَينِ قبلَ العقدِ إذا لم يفْسَخاها حتى عُقِدَ العقدُ؛ ينعقد العقدُ بها، وعلى هذا جوابُ أحمدَ في مسائلِ الحيلِ في البيعِ والإجارةِ والرهنِ والقرضِ وغيرِ ذلك (١). وإذا تزوَّجتْ ولها زوجٌ لم تستَشعِرْ موتَه ولا طلاقَه: فهي زانيةٌ، لا مهرَ لها، وإن اعتَقدتْ موتَه أو طلاقَه؛ فهو وَطْءُ شبهةٍ بنكاحٍ فاسدٍ؛ فلها المهرُ، وظاهرُ المذهبِ: أن لها المُسمَّى، وعن أحمدَ روايةٌ: أنه مهرُ المثل؛ كقولِ الشافعيِّ (٢). فصل (٣) كونُ المرأةِ مستحاضةً: عيبٌ يثبُتُ به فسخُ النكاحِ في أظهرِ الوجهَينِ في مذهَبِ أحمدَ وغيرِه. وما يمنعُ الوَطْءَ حسًّا؛ كانسدادِ الفرجِ، أو طبعًا؛ كالجنونِ والجُذامِ: يُثبِتُ الفسخَ عندَ مالكٍ، وأحمدَ، والشافعيِّ. وفيما يمنعُ كمالَ الوَطْءِ؛ كالنجاسةِ في الفرجِ؛ نزاعٌ. والمستحاضةُ أشدُّ من غيرِها، فإذا فسَخ قبلَ الدخولِ؛ فلا مهرَ.

стр. 669

وإن كان بعدَه - وقيلَ: إن الصداقَ يستقرُّ بهذه الخلوةِ -، أو كان قد وطِئَها؛ فإنه يرجعُ بالمهرِ على مَن غرَّه. وإن قيلَ: لا يستقرُّ؛ فلا شيءَ عليه. وله أن يُحلِّفَ مَن ادَّعى الغرورَ عليه: أنه لم يَغُرُّه. وله الخيارُ ما لم يصدرْ منه ما يدلُّ على الرضا، بقولٍ أو فعل. فإن وطِئَها بعدَ ذلك؛ فلا خيارَ له؛ إلا أن يدعيَ الجهلَ، فهل له الخيارُ؟ فيه نزاعٌ، الأظهرُ: ثبوتُ الفسخِ. فَصْلٌ ليس للعمِّ ولا لغيرِه أن يزوِّجَ مولِّيتَه بغيرِ كُفْءٍ إذا لم تكُنْ راضيةً، باتِّفاقِ الأئمَّةِ، وإذا فعل ذلك استحقَّ العقوبةَ الشرعيةَ؛ بل لو رضِيَتْ بغيرِ كُفْءٍ؛ كان لوليٍّ آخَرَ الفسخُ، وليس للعمِّ إجبارُ البالغةِ بكُفْءٍ، فكيفَ بغيرِ كُفْءٍ؟! وإذا قال لها: إن لم تأذَني زوَّجَكِ الشرعُ بغيرِ اختيارِكِ؛ لم يصِحَّ الإذنُ ولا النكاحُ. وليس للزوجِ منعُ الأمِّ من بنتِها إذا كشَفَتْ حالَها؛ بل إما يمكِّنُها من كشفِ حالِها، أو تسكنُ بينَ جيرانٍ من أهلِ الصدقِ يكشفونَ حالَها (١).

стр. 670

وليس للوليِّ عَضْلُها عن الكُفْءِ إذا طلَبَتْه، فلا يمنع، فإن منع؛ زوَّجَها الوَلِيُّ الآخَرُ الأبعدُ، أو الحاكمُ. شعرٌ: جَدَّتي أمُّه وأبي جَدُّه وأنا عمةٌ له وهْو خالي أفْتِنا يا إمامُ يرحمُكَ اللَّـ ـهُ ويَكْفيكَ حادثاتِ الليالي الجوابُ: رجلٌ زوَّجَ ابنَه أمَّ أخرى وأتى البنتَ بالنكاحِ الحلالِ فأتَتْ منه بالتي قالت الشِّعْـ … ـرَ وقالتْ لابنِ هاتيكَ: خالي رجلٌ تزوَّجَ امرأةً، وتزوَّجَ ابنُه بأمِّها، فوُلِد له بنتٌ، ولابنِه ابنٌ، فبِنْتُه هي المخاطِبةُ بالشعرِ، فجَدَّتُها أمُّ أمِّها؛ هي أمُّ ابنِ الابنِ زوجةُ الابنِ، وأبوها جدُّ ابنِ ابنِه، وهي عمَّتُه أختُ أبيه من الأبِ، وهو خالُها أخو أمِّها من الأمِّ، والله أعلم (١). والصحيحُ: تزويجُ ابنةِ تسعٍ بإذنِها ، ولا خيارَ لها إذن، وهو أعدلُ

стр. 671

الأقوالِ، وظاهرُ مذهبِ أحمدَ (١). ومَن استمتعَ بجاريةٍ ؛ فلا يجوزُ أن يستمتعَ ببناتِها (٢). نكاحُ المُحلِّلِ ؛ حرامٌ بإجماعِ الصحابةِ: عمرَ، وعثمانَ، وعليٍّ (٣)، وابنِ مسعودٍ (٤)، وابنِ عبَّاسٍ، وابنِ عمرَ (٥)، وغيرِهم؛ حتى قال عمرُ: «لا أُوتى بمُحلِّلٍ ولا مُحلَّلٍ له إلا رجَمْتُهما» (٦)، وقال عثمانُ: «لا نكاحَ إلا نكاحَ رغبةٍ، لا نكاحَ دُلْسةٍ» (٧)، وقال ابنُ عبَّاسٍ لما قال له رجلٌ: أرأيتَ إن تزوَّجتُها، ومُطلِّقُها لا يعلمُ، لأُحِلَّها له، ثم أُطلِّقُها؟ فقال: «مَن يخادعِ اللهَ يخدَعْه، لا يزالانِ زانيَيْنِ؛ وإن مكَثا عشرينَ سنةً إذا علِمَ اللهُ من قِلبه أنه يريدُ أن يُحِلَّها» (٨)، و «لعَن رسولُ اللهِ المُحَلِّلَ والمُحلَّلَ له»، قال التِّرْمِذيُّ: حديثٌ صحيحٌ (٩).

стр. 672

وقد اتَّفقَ أئمةُ الفَتْوى على أنه إذا شرَط التحليلَ في العقدِ؛ كان باطلًا، وبعضُهم لم يجعلْ للشرطِ المتقدمِ ولا العرفِ المطَّردِ تأثيرًا. وأما الصحابةُ والتابعونَ وأكثرُ أئمةِ الفَتْوى: فلا فرقَ عندَهم بينَ الشرطِ المتقدمِ والعرفِ، وهو قولُ أهلِ المدينةِ وأهلِ الحديثِ. والنصارى تَعيبُ الإسلامَ بنكاحِ المُحلِّلِ، يقولونَ: المسلمونَ قال لهم نبِيُّهم: (إذا طلَّقَ أحدُكم زوجتَه؛ لم تَحِلَّ له حتى تزنِيَ)، ونبِيُّنا ﷺ برِيءٌ من ذلك، هو وأصحابُه والتابعونَ لهم وجمهورُ أئمةِ المسلمِينَ (١). فَصْلٌ لا يُشترَطُ في صحةِ النكاحِ ؛ الإشهادُ على إذنِ المرأةِ قبلَ النكاحِ في المذاهبِ الأربعةِ؛ إلا وجهًا ضعيفًا للشافعيِّ وأحمدَ. بل إذا قال: أذِنَتْ لي؛ جاز عقدُ النكاحِ، ثم إن أنكرَتِ الإذنَ؛ فالقولُ قولُها مع يمينِها. وإن صدَّقَتْ على الإذنِ؛ فالنكاحُ ثابتٌ باطنًا وظاهرًا. والذي ينبغي للشهودِ: أن يشهدوا على إذنِ الزوجةِ؛ ليكونَ العقدُ

стр. 673

متفَقًا على صحتِه، ويُؤمن من فسخِه بجُحودِها، ويُعلَمَ صِدقُ الوليِّ في دَعْواه الإذنَ. وأما الحاكمُ أو العاقدُ الذي هو نائبُه؛ فلا يُزوِّجُها حتى يعلمَ أنها أذِنتْ، وذلك بخلافِ ما إذا كان شاهدًا على العقدِ أو وكيلَ الوليِّ. وأما مذهَبُ أبي حنيفةَ ومالكٍ وأحمدَ في روايةٍ عنه: فلو لم تأذَنْ حتى عُقِد النكاحُ؛ جاز، وتُسمَّى مسألةَ وقفِ العقودِ. وكذلك العبدُ إذا تزوَّجَ بدونِ إذنِ مَواليه، ثم أذِن بعدَ العقدِ، فهو على هذا النِّزاعِ، ويُسمَّى نكاحَ الفضوليِّ (١). وشهودُ النكاحِ يُشترَطُ فيهم العدالةُ الظاهرةُ ، ومَن اشترطَ أن يكونوا مبرزينَ - يكونَوا من المعدَّلِينَ - عندَ الحاكمِ؛ فإذا عقَد المعدِّلُ؛ صحَّ العقدُ؛ لأنه مستورٌ ومبرز عندَ الحكَّامِ، وإن كان قد يكونُ فاسقًا في الباطنِ. ومَن يركُضُ البلادَ ، ولا يقيمُ في بلدٍ إلا شهرًا وشهرينِ؛ فله أن يتزوجَ؛ لكن ينكِحُ نكاحًا مطلقًا، لا يشترطُ فيه توقيتًا. وإن نوى طلاقَها حتمًا عندَ انقضاءِ سفَرِه؛ كُرِه مثلُ ذلك، وفي صحةِ النكاحِ نزاعٌ.

стр. 674

ولو نوى أنه إذا سافَرَ وأعجَبَتْه أمسَكَها، وإلا طلَّقَها؛ جاز. فإن اشتَرطَ التوقيتَ؛ فهو نكاحُ المتعةِ الذي اتَّفقَ الأربعةُ وغيرُهم على تحريمِه، وإن كان طائفةٌ يُرخِّصونَ فيه؛ إما مطلقًا، وإما للمُضطَرِّ، كما قد كان ذلك في صدرِ الإسلامِ. فالصوابُ: أن ذلك منسوخٌ؛ كما ثبَتَ في الصحيحِ بعدَ أن رخَّصَ لهم فيها عامَ الفتحِ (١)، ولأنه لا يثبُتُ فيها أحكامُ الزوجيةِ من الإرثِ، والاعتدادِ بعدَ الوفاةِ، ونحوِه من الأحكامِ. وشَرْطُه قبلَ العقدِ؛ كالمقارنِ في أصحِّ قولَيِ العلماءِ. وأما إذا نوى الزوجَ الأجَل؛ ففيه نزاعٌ، يُرخِّصُ فيه أبو حنيفةَ والشافعيُّ، ويكرَهُه مالكٌ وأحمدُ وغيرُهما، فهو كما لو نوى التحليلَ، فإنَّه مما اتَّفقَ الصحابةُ على النَّهْيِ عنه؛ لكنَّ نكاحَ المُحلِّلِ شرٌّ من نكاحِ المتعةِ؛ لأنه لم يُبَحْ قطُّ. وأما العزلُ؛ فقد حرَّمَه طائفةٌ؛ لكن الأئمَّةَ الأربعةَ على جوازِه بإذنِ المرأةِ (٢).

стр. 675

فَصْلٌ الجمعُ بينَ المرأةِ وخالةِ أبي المرأةِ ، أو خالةِ أمِّها، أو عمةِ أبيها، أو عمةِ أمِّها؛ كالجمعِ بينَ المرأةِ وعمَّتِها وخالتِها عندَ أئمةِ المسلمِينَ، وذلك حرامٌ باتفاقِهم. وهل له أن يتزوجَ المعتدةَ منه في نكاحٍ فاسدٍ؟ فيه قولانِ لأحمدَ: أحدُهما: يجوزُ، كمذهبِ أبي حنيفةَ والشافعيِّ. والثاني: لا يجوزُ، كمذهبِ مالكٍ (١). ومَن له جاريةٌ تزني ؛ فلا يحِلُّ له وطْؤُها حتى تحيضَ ويستبرئَها من الزنى، فإنَّ الزاني لا ينكحُ إلَّا زانيةً أو مشركةً عقداً ووطئاً، ومتى وطِئَها معَ كونِها زانيةً كان دَيُّوثًا (٢). وإذا احتاجتْ أَمَتُه إلى النكاحِ؛ فليُعِفَّها إما أن يطأَها، أو يُزوِّجَها (٣).

стр. 676

ووَطْءُ المرأةِ في دُبُرِها ؛ حرامٌ بالكتابِ والسُّنَّةِ، وهو قولُ جماهيرِ السَّلَفِ والخَلَفِ؛ بل هو اللوطيةُ الصغرى، وقد ثبَتَ: «لا تأتوا النساءَ في أدبارِهنَّ» (١)، وقولُه: ﴿فأتوا حرثكم﴾، الحرثُ: موضعُ الولدِ (٢). فَصْلٌ وَطْءُ الإماءِ الكتابِيَّاتِ بملكِ اليمينِ أقوى من وطْئِهنَّ بملكِ النكاحِ عندَ عوامِّ أهلِ العلمِ من الأئمَّةِ الأربعةِ وغيرِهم، ولم يُنقَلْ عن أحدٍ تحريمُ ذلك، كما نُقِل عن بعضِهم المنعُ من نكاحِ الكتابِيَّاتِ، وإن كان ابنُ المنذِرِ قد قال: (لم يصحَّ عن أحدٍ من الأوائلِ تحريمُ نكاحِهنَّ)، فقد رُوِي عن ابنِ عمرَ (٣)، وهو قولُ الشيعةِ.

стр. 677

وفي كراهةِ نِكاحِهنَّ عندَ عدمِ الحاجةِ؛ نزاعٌ (١)، والكراهةُ معروفةٌ في مذهَبِ أحمدَ، والشافعيِّ، ومالكٍ. وكذا كراهةُ وَطْءِ الإماءِ منهم نزاعٌ، رُوِي عن الحسنِ أنه كرِهَه، وأما التحريمُ فلا يُعرفُ عن أحدٍ. وأما الأَمَةُ المجوسيةُ؛ فالكلامُ فيها مبنيٌّ على أصلينِ: أحدُهما: أن نكاحَ المجوسياتِ لا يجوزُ، كما لا يجوزُ نكاحُ الوَثَنِيَّاتِ، وهو مذهَبُ الأئمَّةِ الأربعةِ، وذكَرُه الإمامُ أحمدُ عن خمسةٍ من الصحابةِ، وحُكِي عن الشافعيِّ قولٌ بجوازِ ذلك؛ بناءً على جوازِ ذبائِحِهم. الأصلُ الثاني: أنَّ مَن لا يجوزُ نكاحُهنَّ؛ لا يجوزُ وَطْؤُهنَّ بملكِ اليمينِ؛ كالوَثَنِيَّاتِ، وهو مذهَبُ مالكٍ والشافعيِّ وأحمدَ وغيرِهم. وحُكِي عن أبي ثورٍ: إباحةُ وَطْءِ الإماءِ بملكِ اليمينِ على أيِّ دينٍ كانوا، وأظنُّ أنه يُذكَرُ عن بعضِ المتقدمينَ (٢).

стр. 678

وقولُه: ﴿إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم﴾ جعَلَه عثمانُ وغيرُه من الصحابةِ مُتناوِلًا للجمعِ بينَ الأختينِ؛ حين قالوا: «أحلَّتْهما آيةٌ، وحرَّمَتْهما آيةٌ» (١)، وما حرُمَ فيه الجمعُ بالنكاحِ، قد تُنوزِعَ في تحريمِ الجمعِ فيه بملكِ اليمينِ (٢). ومَن زنى بامرأةٍ ، ثم وجَد معها بنتًا، لا يعلمُ: هل هي منه، أم لا؟ لا تحِلُّ له؛ لأنها إن كانت من غيرِه؛ حرُمتْ عليه عندَ مالكٍ، وأبي حنيفةَ، وإحدى الروايتينِ عن أحمدَ، وإن كانت بنتَه من الزنى؛ فأغلَظُ من ذلك، وإذا اشتَبهَتْ عليه بغيرِها؛ حرُمتا (٣). وإذا تزوَّجَ الحرُّ القُرَشيُّ أَمَةً ؛ فولدُه رقيقٌ لسيدِ الأَمَةِ باتِّفاقِ العلماءِ؛ لأن الولدَ يتبَعُ أمَّه في الحريةِ والرقِّ، ويتبَعُ أباه في النسبِ والولاءِ، فإن كان الولدُ ممن يُسترَقُّ جنسُه بالاتفاقِ؛ فهو رقيقٌ

стр. 679

بالاتفاقِ، وإن كان ممن تُنُوزِعَ في رقِّ جنسِه؛ وقَع النِّزاعُ في رقِّه كالعربِ، والصحيحُ: أنه يجوزُ استرقاقُ العربِ والعجمِ؛ لما في «الصحيحَينِ» أنه ﷺ قال لعائشةَ - وعندَها سَبِيَّةٌ من بني تميمٍ-: «أعتِقِيها؛ فإنها من ولَدِ إسماعيلَ»، وجاءت صدقاتُ بني تميمٍ، فقال: «هذه صدقاتُ قومِنا»، وقال: «هم أشَدُّ أمَّتي على الدَّجَّالِ»، قال أبو هُرَيرةَ: لا أزال أحِبُّهم؛ يعني: بني تميمٍ، بعدَ هذه الثلاثِ التي سَمِعْتُهنَّ من (١) رسولِ اللهِ ﷺ (٢). وفي «الصحيحَينِ» أنه قال: «من قال: لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، له الملكُ وله الحمدُ، وهو على كل شيءٍ قديرٌ عشْرَ مراتٍ؛ كان كمَن أعتقَ أربعةَ أنفُسٍ من بني إسماعيلَ» (٣). وسَبَى هَوازِنَ - وهم عربٌ - ثم أعتَقَهم بعدَ أن طلبَهم من المسلمِينَ، وطَيَّبوا ذلك له (٤)، وقد وطِئَهم المسلمونَ من سَبايا أوطاسَ، وهم من بني هَوازِنَ (٥)، ولما جاءَتْه جُوَيرَةُ بنتُ الحارثِ تطلبُ منه شيئًا يعينُها في كتابتِها، فقال ﷺ : «هل لكِ في خيرٍ من ذلك، أقضي دَينَكِ، وأتزوَّجُكِ»، ففعلَتْ، فتزوَّجَها، فقال الناسُ: أصهارُ رسولِ اللهِ ﷺ ، فأرسَلوا ما بأيديهم، فلقد عتَقَ بتزويجِه إياها

стр. 680

مائةُ أهلِ بيتٍ من بني المُصطَلِقِ (١)، فدل ذلك على جوازِ استرقاقِ العربِ، ومنَعَه أبو حنيفةَ، والشافعيُّ في القديمِ. فإذا تزوَّجَ الحرُّ مملوكةً؛ فولَدُها رقيقٌ إلا أن يكونَ من العربِ عندَ أبي حنيفةَ، ولكن لو زنى العربيُّ بمملوكةٍ؛ كان الولدُ رقيقًا اتفاقًا؛ لأن النسبَ غيرُ لاحقٍ بأبيه (٢). ومسألةُ ابنِ سُرَيجٍ (٣)؛ مُحدَثةٌ، لم يُفْتِ بها أحدٌ من الأئمَّةِ، إنما أفتى بها طائفةٌ من المتأخِّرينَ بعدَ المائةِ الثالثةِ، فأنكَرَه جماهيرُ المسلمِينَ (٤). ومَن قلَّد فيها شخصًا ، ثم تاب؛ عفا اللهُ عنه، ولا يفارِقُ امرأتَه، وإن كان قد تسَرَّجَ فيها؛ إذا كان متأولًا (٥). وإذا وكَّل ذِمِّيًّا في قبولِ نكاحِ امرأةٍ مسلمةٍ؛ يُشبِهُ تزويجَ الذميِّ ابنتَه

стр. 681

الذمِّيَّةَ من مسلمٍ، ولو زوَّجَها من ذِمِّيٍّ؛ جاز، وإذا زوَّجَها من مسلمٍ، ففيه نزاعٌ؛ قيلَ: يجوزُ، وقيلَ: لا، فيُوكِّلُ مسلمًا، وقيلَ: يزوِّجُها الحاكمُ. وكونُه ولِيًّا في تزويجِ المسلمِ؛ مثلُ كونِه وكيلًا في تزويجِ المسلمةِ، ومن قال: إن ذلك جائزٌ، قال: إن الملكَ في النكاحِ يحصُلُ للزوجِ، لا للوكيلِ باتفاقٍ، بخلافِ الملكِ في غيرِه؛ ففيه نزاعٌ لأحمدَ وغيرِه، فلو وكَّل مسلمٌ ذِمِّيًّا في شراءِ خمرٍ؛ لم يجُزْ، وخالفَ فيه أبو حنيفةَ، وإذا كان الملكُ يحصُلُ للزوجِ؛ فتوكيلُه الذِّمِّيَّ بمنزلةِ توكيلِه (١) في تزويجِ المرأةِ بعضَ محارمِها؛ كخالِها؛ فإنه يجوزُ توكُّلُه في قبولِ نكاحِها، وإن كان لا يجوزُ له تزوجُّها؛ كذلك الذمِّيُّ إذا توكَّلَ في نكاحِ مسلمٍ؛ وإن كان لا يحلُّ له نكاحُ مسلمةٍ؛ لكنَّ الأحوطَ ألا يفعلَ؛ لما فيه من النزاعِ. ولو وكَّل امرأةً، أو صَبِيًّا غيرَ مميزٍ، أو مجنونًا؛ لم يجُزْ. ولو وكَّل عبدًا بغيرِ إذنِ وليِّه، أو وكَّلَ سفيهًا بغيرِ إذنِ ولِيِّه، أو صَبِيًّا مميِّزًا بغيرِ إذنِ ولِيِّه؛ ففيه نزاعٌ لأحمدَ وغيرِه (٢). ومَن تزوَّجَ وشُرِط عليه: أن كلَّ امرأةٍ تتزوَّجُها فهي طالقٌ، وكلَّ أَمَةٍ تتسرَّى بها؛ فهي حرةٌ، ثم تسرَّى، أو تزوجَ:

стр. 682

فقال أبو حنيفةَ: تُطلَّقُ التي تزوَّجَها، وتُعتَقُ، وهو قولُ مالكٍ إذا لم يعمَّ، كما ذُكِر (١). ومذهَبُ أحمدَ: لا يقعُ به طلاقٌ ولا عِتاقٌ؛ لكنْ للزوجةِ الأولى الخيارُ بينَ المقامِ وفراقِه (٢). وقال الشافعيُّ: لا يقعُ به شيءٌ، ولا تملكُ المرأةُ فراقَه (٣). ومَن تزوَّجَ؛ فأتَتِ امرأته بولدٍ بعدَ شهرينِ؛ لم يلحَقْه النسبُ، ولا يَستقرُّ عليه المهرُ باتِّفاقٍ. وفي العقدِ قولانِ، أصَحُّهما: أنه باطلٌ؛ كمذهَبِ مالكٍ وأحمدَ وغيرِهما. ويُفرَّقُ بينَهما، ولا مهرَ ولا نصفَه، ولا متعةَ إذا لم يدخُلْ بها؛ كسائرِ العقودِ الفاسدةِ إذا حصَلَتِ الفرقةُ قبلَ الدخولِ. وينبغي أن يُفرِّقَ بينَهما حاكمٌ يرى فسادَ العقدِ؛ لقطعِ النزاعِ. والقولُ الآخر (٤): العقدُ صحيحٌ، ولا يحِلُّ له وَطْؤُها حتى تضعَ؛

стр. 683

كقولِ أبي حنيفةَ. وقيلَ: يجوزُ الوَطْءُ قبلَ الوضعِ؛ كمذهبِ الشافعيِّ. فإن كانت حاملًا من وَطْءِ شبهةٍ، أو سيدٍ، أو زوجٍ؛ فإن النكاحَ باطلٌ باتِّفاقِ المسلمِينَ، ولا مهرَ قبلَ الدخولِ (١). وإذا رُكِنَ إلى الخاطبِ ؛ حرُم الخِطْبةُ على خِطبتِه عندَ الأربعةِ، وإن تنازَعَ في تحريمِه بعضُ أصحابِنا. وفي صحةِ نكاحِ الثاني قولانِ، هما روايتانِ عن أحمدَ. ويجبُ عقوبةُ الخاطبِ، ومَن أعانَه على ذلك. وتَزَوُّجُ العبدِ بغيرِ إذنِ سيدِه إذا لم يُجِزْه سيدُه؛ باطلٌ باتِّفاقٍ، وإن أجازَه فهو تصرُّفُ الفضوليِّ، فيه نزاعٌ. وإذا غَرَّ المرأةَ، وذكَر أنه حرٌّ، ودخَل بها؛ وجَب المهرُ بلا نزاعٍ؛ لكن، هل يجبُ مهرُ المثلِ؛ كقولِ أبي حنيفةَ والشافعيِّ، أو المسمى؛ كقولِ مالكٍ، أو خُمُسانِ؟ فيه نزاعٌ، وهي ثلاثُ رواياتٍ عن أحمدَ. وهل يتعلَّقُ برقبتِه؛ كقولِ أحمدَ في المشهورِ عنه، أو بذِمَّتِه كقولِ الشافعيِّ في الجديدِ؟ فيه نزاعٌ، والأولُ أظهرُ؛ لأنه جِنايةٌ (٢).

стр. 684

ومَن كان مُصِرًّا على الفسقِ؛ لا ينبغي أن يُزوَّجَ (١). وإذا تزوَّجَ امرأةً على أنها بِكْرٌ، فبانَتْ ثَيِّبًا؛ فله الفَسْخُ، وله أن يطالِبَ بأَرْشِ الصَّداقِ، وهو تفاوتُ ما بينَ مهرِ البِكْرِ والثَّيِّبِ (٢). وأيُّ الزوجينِ وجَدَ بالآخَرِ جنونًا، أو جُذامًا، أو بَرَصًا؛ فله فسخُ النكاحِ إذا لم يرضَ بعدَ ظهورِ العيبِ، وقبلَ الدخولِ يسقُطُ المهرُ، وبعدَه لا يسقُطُ (٣). وإذا تعذَّرتِ النفقةُ من جهةِ الزوجِ؛ فلها فسخُ النكاحِ، والفسخُ للحاكمِ، فإن فسخَتْ هي نفْسَها لتعذُّرِ فسخِ الحاكمِ أو غيرِه؛ ففيه نزاعٌ (٤). وهل لوَلِيِّها أن يطالبَ بفسخِ النكاحِ ، إذا كانت محجورًا عليها؟ على وجهَينِ (٥).

стр. 685

وإذا حضَرتْ مطلقةٌ ، فذكَرتْ أنها تزوَّجَتْ زوجًا وطلَّقَها، فأرادَ هذا الزوجُ رَدَّها، فخاف أن يُطلبَ براءَتُها من الزوجِ الثاني، فادَّعى عندَ حاكمٍ أنها جاريتُه، وأنه يريدُ عِتْقَها، ويكتبُ لها كتابًا، فزوَّجَها القاضي على أنه وَلِيُّها، وكانت خليةً من الموانعِ، ولم يكُنْ لها وَلِيٌّ أَوْلى من الحاكمِ؛ صحَّ النكاحُ، وإن ظنَّ القاضي أنها عتيقةٌ، وكانت حُرَّةَ الأصلِ؛ [فهذا الظن] (١) لا يقدَحُ في صحةِ النكاحِ. وهذا ظاهرٌ على أصلِ الشافعيِّ، فإن الزوجَ عندَه لا يكونُ وَلِيًّا. وأما مَن يقولُ: إن المعتَقَةَ يكونُ زوجُها المعتِقُ وَلِيَّها، والقاضي نائبَه؛ فهنا إذا زوَّجَ الحاكمُ بهذه النيابةِ، ولم يكُنْ قبولُه من جهتِها، ولكن من كونِها حُرَّةَ الأصلِ؛ ففيه نظرٌ (٢).

стр. 686

باب الأَوْلِيَاءِ مَن خلَّف ابنًا وابنتينِ غيرَ رشيدتينِ ؛ فللأخِ الولايةُ من جهةِ الأمرِ بالمعروفِ والنهيِ عن المُنكَرِ، فإذا فعلَتْ ما لا يحِلُّ لها؛ فله مَنْعُها، وأما الحَجْرُ عليها فلوَصِيِّها إن كان، وإلا فللحاكمِ، ولأخيها رفعُ أمرِها إلى الحاكمِ (١). وإذا طلَب العبدُ النكاحَ ؛ أُجبِرَ السيدُ في مذهَبِ أحمدَ والشافعيِّ على أحدِ قولَيْه على تزويجِه؛ لأنه كالإنفاقِ عليه. وتزويجُ الأَمَةِ إذا طلبَتِ النكاحَ من كُفْءٍ؛ واجبٌ باتِّفاقِ العلماءِ (٢). وصح قولُه: «يا معشرَ الشبابِ، مَن استطاعَ منكم الباءَةَ فلْيتزوَّجْ» (٣)، واستطاعةُ النكاحِ: هو القدرةُ على المؤنةِ، ليس القدرةَ على الوطءِ، فإن الحديثَ إنما هو خطابٌ للقادرِ على فعلِ الوطءِ،

стр. 687

ولهذا أمَر مَن لم يستطعِ بالصومِ؛ فإنه وِجاءٌ. ومَن لا مالَ له: هل يُستحَبُّ له أن يقترضَ ويتزوَّجَ؟ فيه نزاعٌ لأحمدَ وغيرِه (١). ومن كان سفيهًا محجورًا عليه ؛ لم يصحَّ تزويجُه بغيرِ إذنِ ولِيِّه، ويُفرَّقُ بينَهما. وإذا تنازَعَ الزوجان: هل نكَح وهو رشيدٌ، أو سفيهٌ؟ فالقولُ قولُ مُدَّعي الصحةِ (٢). ومسألةُ ابنِ سُرَيجٍ ؛ لم يُفْتِ بها أحدٌ من المتقدمينَ، وقد أُنكِرَ على مَن أفتى بها، ونكاحُ المسلمِينَ لا يكونُ كنكاحِ النصارى، والدَّورُ الذي توهَّموه باطلٌ، فإنهم ظنُّوا أنه إذا وقَع المنجزُ وقَع المعلقُ، وإذا وقع المعلقُ لم يقع المنجزُ، وهذا غلَطٌ؛ فإن المعلقَ إنما يقعُ لو كان التعليقُ صحيحًا، والتعليقُ باطلٌ؛ لأنه محال في العقلِ والشريعةِ، وهو وقوعُ طلقةٍ مسبوقةٍ بثلاثةٍ. وإذا كان قد تسرَّج وحلَف بالطلاقِ معتقدًا أنه لا يَحْنَثُ، ثم تبيَّنَ له فيما بعدُ أن التسريج لا يجوزُ؛ فلْيُمسِكِ امرأتَه، ولا طلاقَ عليه فيما

стр. 688

مضى، ويتوبُ في المستقبلِ (١). ومَن أعطى قومًا شيئًا ، واتفقوا على أن يُزوِّجوه بنتَهم، فماتت البنتُ؛ لم يكُنْ له أن يرجِعَ عليهم بشيءٍ مما أعطاهم، وإن كانوا لم يَفُوا له بما طلَبَه منهم؛ فله الرجوعُ. التحليلُ محرَّمٌ ، لا يُحِلُّها؛ لكنْ مَن قلَّدَ فيه المُجوِّزَ له، أو فعله باجتهادٍ، ثم تبيَّن له تحريمُ ذلك؛ فالأقوى أنه لا يجبُ فراقُها؛ بل يمتنعُ من ذلك في المستقبلِ، وقد عفا اللهُ عما مضى. ومَن تزوَّجَ امرأةً مدةً ، ثم طلَّقَها، وادَّعى أنه مملوكٌ؛ لا يُقبَلُ قولُه بمجرَّدِ دعواه، فإنه لو ادَّعى أنه مملوكٌ بلا بينةٍ، ولم يُعرَفْ خلافُ ذلك: فقيلَ: يُقبَلُ فيما عليه دونَ ما له؛ كمذهبِ أبي حنيفةَ، والشافعيِّ وأحمدَ في قولٍ لهما. وقيلَ: لا يُقبَلُ بحالٍ، كمذهبِ بعضِ المالكيةِ، وإحدى الروايتينِ عن أحمدَ. والثالثُ: يُقبَلُ مطلقًا، وهو قولُ الشافعيِّ، وروايةٌ عن أحمدَ. فلها أخذُ حقِّها وإن قُدِّر أنه مملوكٌ؛ فإنه جانٍ، فيتعلَّقُ برقبتِه حقُّها،

стр. 689

فلها المطالبةُ على كلِّ حالٍ (١). ولا يصلحُ لأحدٍ أن يُنكِحَ مولِّيتَه رافِضيًّا، ولا مَن يتركُ الصَّلاةَ، ومتى زوَّجوه على أنه سُنِّيٌّ يُصلِّي، فبان أنه رافضيٌّ لا يصلِّي، أو كان قد تاب، ثم عاد إلى الرَّفْضِ وتركِ الصَّلاةِ: فإنهم يفسَخونَ نكاحَه، إذا قيلَ: إنه صحيحٌ (٢). ومَن قال لأبي زوجتِه: إن أبرأَتْني بنتُكَ أوقعتُ عليها الطلاقَ، فقال والدُها: أبرأتُكَ، بغيرِ حضورِها، وبغيرِ إذنِها؛ في هذه المسألةِ نزاعٌ: فمذهبُ أبي حنيفةَ والشافعيِّ وأحمدَ في المنصوصِ عنهما: أنه ليس للأبِ أن يخالِعَ على شيءٍ من مالِ ابنتِه؛ سواءٌ كانت محجورًا عليها أو لا. ومذهَبُ مالكٍ: يجوزُ أن يخالعَ عن ابنتِه الصغرى، ورُوِي عنه أنه يخالعُ عن البِكْرِ مطلقًا، وروي عنه: عن ابنته مطلقاً. ومذهَبُ مالكٍ يُخرَّجُ على أصولِ أحمدَ من وجوهٍ: أحدُها: أن للأبِ أن يُطلِّقَ ويخلعَ امرأةَ ابنِه الطفلِ في إحدى الروايتينِ. ويجوزُ في إحدى الروايتين للحكم في الشقاق؛ أن يخلعَ المرأةَ بشيءٍ من مالِها دون إذنِها، وتطلقُ على الزوجِ بدونِ إذنِه، ويجوزُ للأبِ أن يُزوِّجَ بنتَه

стр. 690

بدونِ صَداقِ مثلِها، وفي إحدى الروايتينِ: هو الذي بيدِه عقدةُ النكاحِ، وله أن يُسقِطَ نصفَ الصداقِ، وللأبِ أن يتملكَ لنفْسِه من مالِ ولدِه ما لا يضُرُّ بالولدِ؛ حتى لو زوَّجَها وشرَطَ لنفْسِه بعضَ الصداقِ؛ جاز. فإذا كان له من التصرفِ في المالِ والتملكِ هذا التصرفُ؛ لم يَبْقَ إلا طلبُه لفرقتِها، وذلك يملكُه بإجماعِ المسلمِينَ، ويجوزُ عندَه للأبِ أن يُعتِقَ بعضَ رقبةِ المولَّى عليه للمصلحةِ. فقد يقالُ: الأظهرُ أن المرأةَ إن كانت تحتَ حِجْرِ الأبِ؛ أن له أن يخالِعَ بمالِها، فإنه معاوضةٌ، وافتداءٌ لنفْسِها من الزوجِ، فيملكُه الأبُ كغيرِه من المعاوضاتِ، كما يملكُ افتداءَها من الأسرِ، ولا يفعلُه إلا لمصلحةٍ لها. وقد يقالُ: قد لا تكونُ مصلحتُها في الطلاقِ، ولكن الزوجَ يملِكُ أن يطلِّقَها، وهو لا يقدرُ على مَنْعِه، فإذا بذلَ له العوضَ غيرُها؛ لم يمكِنْها مَنْعُه، بخلافِ إسقاطِ مَهْرِها وحقِّها الذي تستحِقُّه بالنكاحِ، فقد يكونُ عليها في ذلك ضررٌ، وقد يكونُ غرضُ الأبِ لحَظِّه، لا لمصلحتِها، ولا يملكُ إسقاطَ حقِّها بمجرَّدِ حَظِّه اتفاقًا. فعلى قولِ مَن يُصحِّحُ الإبراءَ؛ يقَعُ الإبراءُ والطلاقُ. ومَن لا يُجوِّزُه إن ضمِنَه الأبُ؛ وقَع الطلاقُ بلا نزاعٍ، وعلى الأبِ للزوجِ مثلُ الصداقِ عندَ أبي حنيفةَ، ومالكٍ، وأحمدَ، والشافعيِّ في القديمِ، وفي الجديدِ: عليه مهرُ المثلِ.

стр. 691

وأما إن لم يضمَنْه إن علَّقَ الطلاقَ بالإبراءِ فقال له: إن أبرَأَتْني فهي طالقٌ: فالمنصوصُ عن أحمدَ: أنه يقَعُ الطلاقُ إذا اعتقدَ الزوجُ أنه يبرأُ، ويرجعُ على الأبِ بقدرِ الصداقِ؛ لأنه غَرَّه، وهي روايةٌ عن أبي حنيفةَ. والأخرى: لا يقعُ، وهو قولُ الشافعيِّ، وقولٌ لأحمدَ؛ لأنه لم يبرَأْ في نفسِ الأمرِ. وأما إن طلَّقَها طلاقًا لم يُعلِّقْه على الإبراءِ؛ فإنه يقعُ؛ لكن عندَ أحمدَ يضمَنُ الأبُ الصداقَ؛ لأنه غَرَّه، وعندَ الشافعيِّ: لا يضمَنُ له شيئًا؛ لأنه لم يلتزمْ له شيئًا، واللهُ أعلمُ (١). ومَن زالت عُذْرتُها بزِنًى ؛ فهل إذنُها صمتاً؟ على قولين: مذهب أبي حنيفةَ ومالكٍ: نعم، والباقون: لا (٢).

стр. 692

فَصْلٌ ومَن كان مُبتلًى ؛ يجوزُ مَنْعُه من السكنِ بينَ الأصِحَّاءِ، ولا يجاوِرُ الأصِحَّاءَ؛ فإن النبيَّ ﷺ قال: «لا يُورِدَنَّ المُمْرِضُ على المُصِحِّ» (١)، فنهى صاحبَ الإبلِ المراضِ أن يُورِدَها على صاحبِ الإبلِ الصحاحِ، معَ قولِه: «لا عَدْوى ولا طِيَرةَ» (٢)، وكذلك رُوِي: أنه لما قدِمَ مَجْذومٌ ليُبايِعَه؛ أرسَلَ إليه بالبيعةِ، ولم يأذنْ له في دخولِ المدينةِ (٣).

стр. 693

كِتَابُ الطَّلَاقِ مَن أخَذَ ينظرُ بعدَ الطلاقِ في صفةِ العقدِ ، ولم ينظُرْ في صفتِه قبلَ ذلك؛ مثلُ قولِه: أنا تزوجتُ بوليٍّ وشهودٍ فُسَّاقٍ فلا يقعُ طلاقي؛ لأن نكاحي كان باطلًا: فهذا من المعتَدِينَ لحدودِ اللهِ تعالى، فإنه يريدُ أن يستحِلَّ محارمَ اللهِ قبلَ الطلاقِ وبعدَه (١). والطلاقُ الثلاثُ سواءٌ قبلَ الدخولِ وبعدَه في تحريمِ الزوجةِ عندَ الأئمَّةِ الأربعةِ، وهو قولُ أكثرِ العلماءِ (٢). وإذا نوَى طلاقَ زوجتِه ؛ لم يقعْ بمجرَّدِ النيةِ طلاقٌ باتِّفاقِ العلماءِ، فلو اعتقدَ الزوجُ أنه طلاقٌ، فأقَرَّ أنه طلَّقَها، ومرادُه تلك النيةُ؛ لم يقعْ بهذا الإقرارِ طلاقٌ في الباطنِ، ولكن يُؤاخَذُ به في الحكمِ (٣). ومَن قال: فلانةُ طالقٌ كلما تزوَّجتُها على مذهَبِ مالكٍ: فهذا التزمَ

стр. 694

مذهَباً بعينِه؛ فلا يلزمُه، بل له أن يقلدَ مذهبًا غيرَه (١). ومَن أكرَهَها أبوها على إبراءِ زوجِها وطلاقِه، فأبرَأَتْه مُكرَهةً بغيرِ حقٍّ؛ لم يصحَّ الإبراءُ، ولم يقَعِ الطلاقُ المُعلَّقُ به. وإن كانت تحتَ حِجْرِ الأبِ، وقد رأى أن ذلك مصلحةٌ لها؛ فإنه جائزٌ في أحدِ قولَيِ العلماءِ في مذهَبِ مالكٍ، وقولٍ في مذهَبِ أحمدَ (٢). ومَن قال: أنتِ طالقٌ ثلاثًا ، ونوى الاستثناءَ، وكان اعتقادُه أنه إذا قال: الطلاقُ يلزَمُني إن شاءَ اللهُ؛ أنه لا يقعُ به الطلاق، ومقصودُه تخويفُها لا إيقاعِ الطلاقِ: لم يقَعِ الطلاقُ. فإذا كان قد قال: إن شاءَ اللهُ في هذه الساعةِ؛ فلا يقَعُ عندَ أبي حنيفةَ والشافعيِّ، ومذهَبُ مالكٍ وأحمدَ: أن الطلاقَ المعلَّقَ بالمشيئةِ يقعُ؛ لكن هذا اعتقادُه أنه لا يقعُ، صار الكلامُ عندَه أنه لا يقعُ به طلاقٌ، فلم يقصِدِ التكلمَ بالطلاقِ، وإذا قصَدَ التكلمَ بكلامٍ لا يعتقدُ أنه يقعُ به طلاقٌ؛ مثلُ تكلُّمِ العجميِّ بلفظٍ لا يُفهَمُ معناه، وطلاقُ الهازلِ واقعٌ؛ لأنه قصد التكلمَ بالطلاقِ، وإن لم يقصدْ إيقاعَه، وهذا لم يقصِدْ لا هذا ولا هذا.

стр. 695

وهوَ يُشبِهُ ما لو رأى امرأةً، فقال: أنتِ طالقٌ، يظنُّها أجنبيةً، فبانت امرأته؛ فإنه لا يقَعُ طلاقُه على الصحيحِ. والله أعلم (١). وطلاقُ المُكرَهِ لا يقعُ عندَ الجماهيرِ؛ كمالكٍ وأحمدَ والشافعيِّ وغيرِهم. وإذا كان حينَ الطلاقِ قد أحاطَ به أقوامٌ يُعرَفونَ بأنهم (٢) يُعادونه، أو يضربونَه، ولا يُمكِنُه إذ ذاك أن يدفَعَهم عن نفْسِه، وادعى أنهم أكرهوه على الطلاقِ؛ قُبِلَ قولُه، وفي تحليفِه نزاعٌ (٣). إذا أراد أن يطلقَ واحدةً ؛ فسبَق لسانُه فقال: ثلاثًا؛ لم يقعْ إلا واحدةً؛ بل لو أرادَ أن يقولَ: طاهرٌ، فسبَق لسانُه: بطالقٍ؛ لم تَطلُقْ فيما بينَه وبينَ اللهِ تعالى (٤). ولو قال: كلُّ شيءٍ أملِكُه حرامٌ عليَّ ؛ فعليه في غيرِ الزوجةِ كفارةُ ظِهارٍ. وأما الزوجةُ:

стр. 696

فمذهَبُ مالكٍ: هو طلاقٌ. ومذهبُ أبي حنيفةَ والشافعيِّ في أظهرِ قولَيْه: عليه كفارةُ يمينٍ. ومذهَبُ أحمدَ: عليه كفارةُ ظِهارٍ؛ إلا أن ينويَ غيرَ ذلك؛ ففيه نزاعٌ، والصحيحُ: أنه لا يقعُ به طلاقٌ (١). فَصْلٌ (٢) إذا قال الرجلُ: الطلاقُ يلزمني لأفعَلَنَّ كذا، أو: لا أفعلُه، أو: الطلاقُ لي لازمٌ لأفعَلَنَّه، أو: إن لم أفعَلْه فالطلاقُ يلزَمُني، أو لازمٌ لي، ونحوَ هذه العباراتِ التي تتضمَّنُ التزامَ الطلاقِ، ثم حنِثَ؛ فهل يقعُ به الطلاقُ؟ فيه قولَانِ للعُلماءِ في المذاهبِ الأربعةِ وغيرِها: أحدُهما: لا يقعُ، وهو منصوصُ أبي حنيفةَ وطائفةٍ من أصحابِ الشافعيِّ؛ كالقَفَّالِ وأبي سعيدٍ المتولِّي، وقولُ داودَ وأصحابِه كابنِ حزمٍ، وقولُ طاوسٍ، وكثيرٍ من علماءِ المغربِ المالكيةِ وغيرِهم، وقد دلَّ عليه (٣) كلامُ الإمامِ أحمدَ المنصوصُ عنه، وأصولُ مذهبِه.

стр. 697

ولو حلَف بالثلاثِ فقال: الطلاقُ يلزَمُني ثلاثًا لأفعَلَنَّ كذا؛ فكان طائفةٌ من السَّلَفِ والخَلَفِ من أصحابِ مالكٍ وأحمدَ وداودَ وغيرِهم يُفتُونَ: بأنه لا يقعُ الثلاثُ؛ لكنْ منهم من يُوقِعُ به واحدةً، وهذا منقولٌ عن طائفةٍ من الصحابةِ والتابعِينَ في التنجيزِ، فضلًا عن التعليقِ واليمينِ، وهذا قولُ مَن اتَّبعَهم من أصحابِ مالكٍ وأحمدَ وداودَ في التنجيزِ والتعليقِ والحَلِفِ. ومِن السَّلَفِ طائفةٌ تُفرِّقُ بينَ المدخولِ بها وغيرِها. والذينَ لم يُوقِعوا طلاقًا بمن قال: (الطلاقُ يلزَمُني ثلاثًا لأفعَلَنَّ كذا)، منهم: مَن لا يُوقِعُ به طلاقًا، ولا يأمُرُه بكفارةٍ. ومنهم: من يأمُرُه بالكفارةِ، وبكلٍّ مِن القولَينِ أفتى كثيرٌ من العُلَماءِ. وقد بسَطتُ أقوالَ العلماءِ وألفاظَهم، ومَن نقَل ذلك، والكتبَ الموجودَ ذلك فيها، والأدلةَ في مواضِعَ تبلغُ عدةَ مجلداتٍ (١). وهذا الخلافُ الذي ذكَرْتُه في مذهَبِ أبي حنيفةَ والشافعيِّ هو فيما إذا حلَف بصيغةِ اللزومِ؛ مثلُ: الطلاقُ يلزَمُني، والنِّزاعُ في المذهبينِ؛ سواءٌ كان مُنجَّزًا، أو معلَّقًا بشرطٍ، أو محلوفًا به، فهل ذلك صريحٌ، أو كنايةٌ، أو لا صريحٌ ولا كنايةٌ، فلا يقعُ به طلاقٌ وإن نواه؟ ثلاثةُ أقوالٍ، وفي مذهَبِ أحمدَ قولانِ، هل ذلك صريحٌ، أو كنايةٌ؟

стр. 698

وأما الحلِفُ بالطلاقِ أو التطليقُ الذي يُقصَدُ به الحلِفُ؛ فالنِّزاعُ فيه عن غيرِهم بغيرِ هذه الصيغةِ، فمن قال: (إن مَن أفتى بأن الطلاقَ لا يقعُ في مثلِ هذه الصورةِ خالَفَ الإجماعَ، وخالفَ كلَّ قولٍ في المذاهبِ الأربعةِ): فقد أخطَأَ، وقَفَا ما لا علمَ له به؛ بل أجمَعَ الأربعةُ وأتباعُهم وسائرُ الأئمَّةِ: على أن مَن قضى بأنه لا يقعُ الطلاقُ في مثلِ هذه الصورِ؛ لم يَجُزْ نقضُ حكمِه، ومَن أفتى به ممن هو من أهلِ الفتوى؛ ساغ له ذلك، ولم يجُزِ الإنكارُ عليه باتِّفاقِ الأربعةِ وغيرِهم من المسلمِينَ، ولا على مَن قلَّدَه، ولو قضى أو أفتى بقولٍ سائغٍ يخرُجُ عن أقوالِ الأئمَّةِ الأربعةِ في مسائلِ الأيمانِ والطلاقِ وغيرِهما مما ثبَتَ فيه النِّزاعُ بينَ علماءِ المسلمِينَ، ولم يخالِفْ كتابًا ولا سنةً ولا معنى ذلك؛ بل كان القاضي به والمفتي به يستدلُّ عليه بالأدلةِ الشرعيةِ: فإنه يُشرَعُ له أن يحكُمَ به ويُفتِيَ به، ولا يُنقَضُ حكمُه اتفاقًا، ولا مَنْعُه من الحكمِ ولا من الفتيا، ولا منعُ أحدٍ من تقليدِه. ومَن قال: إنه يسوغُ المنعُ من ذلك؛ فقد خالفَ إجماعَ الأئمَّةِ الأربعةِ؛ بل إجماعَ المسلمِينَ، معَ مخالفتِه للهِ ورسولِه. فمَن قال: يجبُ اتباعُ قولِنا دونَ غيرِنا، من غيرِ أن يُقيمَ دليلًا شرعيًّا على صحةِ قولِه؛ فقد خالفَ إجماعَ المسلمِينَ، وتجبُ استتابته وعقوبتُه، كما يُعاقَبُ أمثالُه. وكلُّ يمينٍ من أيمانِ المسلمِينَ - غيرِ اليمينِ باللهِ تعالى-؛ مثلُ: الحلِفِ بالطلاقِ، والعِتاقِ، والظهارِ، والحرامِ، والحجِّ، والمشيِ،

стр. 699

والصدقةِ، والصيامِ، وغيرِ ذلك: فللعُلماءِ فيه نزاعٌ معروفٌ؛ سواءٌ حلَف بصيغةِ القسمِ فقال: الحرامُ يلزَمُني، أو الطلاقُ يلزَمُني، أو العتقُ يلزَمُني، أو حلَف بصيغةِ التعليقِ فقال: إن فعلتُ كذا فعليَّ الحرامُ، ونسائي طوالقُ، أو فعبيدي أحرارٌ، أو مالي صدقةٌ، وعليَّ المشيُ إلى بيتِ اللهِ، واتَّفقَت الأئمَّةُ على أنه يسوغُ للقاضي أن يقضيَ في هذه المسائلِ جميعِها بأنه إذا حنِثَ لا يلزمُه ما حلَف به؛ بل إما ألا يجبَ عليه شيءٌ، وإما أن تجزئَه الكفارةُ، وما زال في المسلمِينَ مَن يُفتي بذلك من حينِ حدَث الحلِفُ بها، وإلى هذه الأزمنةِ؛ منهم من يُفتي بالكفارةِ، ومنهم مَن يُفتي بأنْ لا كفارةَ، ولا لزومِ المحلوفِ، كما أن منهم مَن يُفتي بلزومِ المحلوفِ. وهذه الأقوالُ الثلاثةُ في الأمةِ مَن يُفتي بها بالحلِفِ بالطلاقِ والعِتاقِ والحرامِ والنَّذْرِ. وأما إذا حلَف بالمخلوقاتِ كالكعبةِ؛ فلا كفارةَ فيه باتِّفاقِ المسلمِينَ. فالأيمانُ ثلاثةُ أقسامٍ: إما الحلِفُ باللهِ؛ ففيه الكفارةُ بالاتفاقِ. وإما الحلِفُ بالمخلوقاتِ؛ فلا كفارةَ فيه بالاتفاقِ إلا بالحلِفِ بالنبيِّ ﷺ ؛ قولان في مذهَبِ أحمدَ، وقد عزا بعضُ أصحابِه ذلك إلى جميعِ النبِيِّينَ. وأما مَا عُقِد من الأيمانِ لله، وهو هذه الأيمانُ؛ فللمسلمِينَ فيها ثلاثةُ أقوالٍ، وإن كان مِن الناسِ مَن ادَّعى الإجماعَ في بعضِها؛ فهو

стр. 700

مثلُ كثيرٍ من مسائلِ النِّزاعِ؛ يدَّعي الإجماعَ فيها مَن لم يعرفِ الخلافَ، ومقصودُه: أني لا أعلمُ نزاعًا، فمن علِمَ النِّزاعَ وأثبَتَه؛ كان مثبتًا عالمًا ومقدَّمًا على النافي باتِّفاقٍ، فإذا كان الصحابةُ ثبَتَ عنهم أنهم أفتوا في الحلِفِ بالعتقِ الذي هو أحبُّ إلى اللهِ من الطلاقِ؛ أنه لا يُلزَمُ الحالفُ به؛ بل تُجزِئُه كفارةٌ؛ فكيفَ يكونُ قولُهم في الطلاقِ الذي هو أبغَضُ الحلالِ إلى اللهِ؟! وقد اتَّفقَ المسلمونَ على أن مَن حلَف بالكفرِ؛ أنه لا يلزمُه الكفرُ، وقال تعالى: ﴿قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم﴾. فَصْلٌ والألفاظُ التي يتكلَّمُ بها الناسُ في الطلاقِ ثلاثةُ أنواعٍ: صيغةُ التنجيزِ والإرسالِ؛ كقولِه: أنتِ طالقٌ، فهذا يقعُ به الطلاقُ، وليس بحلِفٍ، ولا كفارةَ به اتفاقًا. الثاني: صيغةُ قسمٍ؛ كقولِه: الطلاقُ يلزَمُني لأفعَلَنَّ كذا، فهذا يمينٌ باتِّفاقِ أهلِ اللغةِ، واتفاقِ طوائفِ الفقهاءِ. الثالثُ: صيغةُ تعليقٍ؛ كقولِه: إن فعلتُ كذا فامرأتي طالقٌ، فهذه إن قصَد به اليمينَ - وهو الذي يكرَهُ وقوعَ الطلاقِ، كما يكرَهُ الانتقالَ عن دينِه -؛ فهو يمينٌ، حكمُه حكمُ الأولِ الذي هو بصيغة القسمِ باتفاقِ الفقهاءِ.

стр. 701

وإن كان يريدُ وقوعَ الجزاءِ عندَ الشرطِ؛ لم يكُنْ حالِفًا؛ كقولِه: إن أعطيتِني ألفًا فأنتِ طالقٌ، وإذا زنيتِ فأنتِ طالقٌ، وقصَد إيقاعَ الطلاقِ عندَ الفاحشةِ، لا مجرَّدَ الحلِفِ عليها؛ فهذا ليس بيمينٍ، ولا كفارةَ في هذا عندَ أحدٍ من الفقهاءِ فيما علِمْناه؛ بل يقعُ به الطلاقُ. وأما ما يُقصَدُ به الحضُّ أو المنعُ، أو التصديقُ أو التكذيبُ بالتزامِه عندَ المخالفةِ ما يكرهُ وقوعَه؛ سواءٌ كان بصيغةِ القسمِ أو الجزاءِ: يمينٌ عندَ جميعِ الخلقِ من العربِ وغيرِهم، وإذا كان يمينًا فليس لليمينِ إلا حكمانِ: إما أن تكونَ منعقدةً فتُكفَّرُ، وإما ألا تكونَ منعقدةً كالحلِفِ بالمخلوقاتِ؛ فلا تُكفَّرُ، أما يمينٌ منعقدةٌ محترمةٌ غيرُ مُكفَّرةٍ؛ فهذا حكمٌ ليس في كتابِ اللهِ ولا سنةِ رسولِه، ولا يقومُ عليه دليلٌ (١). ومَن قال: إن مَن اتَّبعَ هذه الفُتْيا ، وقلَّد؛ فوَلَدُه بعدَ ذلك وَلَدُ زِنًى؛ فإنه في غايةِ الجهلِ والضلالِ أو المُشاقَّةِ للهِ ورسولِه، فإن المسلمِينَ متفقونَ على أن كلَّ نكاحٍ اعتقدَ الزوجُ أنه سائغٌ إذا وطِئَ فيه؛ يلحَقُه فيه ولدُه، ويتوارثانِ باتِّفاقِ المسلمِينَ، وإن كان ذلك النكاحُ باطلًا في نفسِ الأمرِ، فاليهوديُّ إذا تزوجَ بنتَ أخيه؛ كان ولَدُه منها يلحَقُه ويرِثُه باتِّفاقٍ، وإن كان هذا النكاحُ باطلًا باتِّفاقٍ، وكذلك لو تزوَّجَ المسلمُ امرأةً في عِدَّتِها، ووطِئَها وهو جاهلٌ يعتَقدُها زوجتَه؛ كان ولَدُه منها يلحَقُه نسَبُه باتِّفاقِ المسلمِينَ، ومثلُ هذا كثيرٌ، فإن ثبوتَ النسبِ لا

стр. 702

يفتقرُ إلى صحةِ النكاحِ؛ بل الولدُ للفراشِ. فمَن طلَّقَ امرأتَه ثلاثًا، ثم وطِئَها لجهلِه، أو تقليدًا لمُفتٍ مخطئٍ، أو لغيرِ ذلك؛ فإنه يلحَقُه النسَبُ بالاتفاقِ، فالولدُ تابعٌ لاعتقادِ الواطئِ، مثلُ مَن غُرَّ بمملوكةٍ، أو تزوَّجَ في نكاحٍ فاسدٍ مُتفَقًا على فسادِه؛ فلا يكونُ أولادُهم أولادَ زِنًى اتفاقًا، قضى به الخلفاءُ الراشدونَ (١)، هذا في المجمَعِ على فسادِه، فكيفَ بالمختلفِ فيه؟! فمَن قال ذلك؛ عُرِّفَه، فإن أصَرَّ استُتيبَ، فإن تاب وإلا قُتِل. وكذا مَن قال: إن الفُتْيا بذلك غيرُ جائزةٍ، فهو مخالفٌ لإجماعِ المسلمِينَ؛ كما قدَّمْناه، واللهُ أعلمُ (٢).

стр. 703

فَصْلٌ الذي عليه أئمةُ المسلمِينَ: أنه ليس على أحدٍ ولا شُرِع له التزامُ قولِ شخصٍ معينٍ في كلِّ ما يوجبُه ويُحرِّمُه ويُبيحُه؛ إلا رسولَ اللهِ ﷺ . لكن منهم مَن يقولُ: على المستفتي أن يُقلِّدَ الأعلمَ الأوْرَعَ ممن يمكنُ استفتاؤُه. ومنهم من يقول: بل يتخيرُ بينَ المفتينَ. وإذا كان له نوعُ تمييزٍ؛ فقد قيلَ: يتبع أيَّ القولَينِ أرجحَ عندَه بحسَبِ تمييزِه، فإن هذا أولى من التخييرِ المُطلَقِ. وقيلَ: لا يجتهدُ إلا إذا صار من أهلِ الاجتهادِ، والأولُ أشبهُ. فإذا ترجَّح عندَ المستفتي أحدُ القولَينِ؛ إما لرُجْحانِ دليلِه بحسَبِ تمييزِه، وإما لكونِ قائِلِه أعلمَ وأورعَ: فله ذلك، وإن خالفَ قولُه المذهبَ (١). وليس تطليقُ المرأةِ من بِرِّ الأمِّ إذا طلَبَتْه منه. ومَن قال: إن أبرأتِيني طلَّقْتُكِ، فقالت: أبرأتُكَ، فلم يُطلِّقْها؛ لم يصِحَّ الإبراءُ، فإن هذا إيجابٌ وقبولٌ لما تقدَّمَ من الشروطِ، ودلالةُ الحالِ والتقديرُ: أبرأتُكَ بشرط أن تطلِّقَني، فالشرطُ المتقدِّمُ على العقدِ كالمقارنِ.

стр. 704

كِتَابُ عِشْرَةِ النِّسَاءِ وَالخُلْعِ إذا أُكرِه الزوجُ على الفُرقةِ بحقٍّ ؛ مثلُ أن يكونَ مقصِّرًا في واجباتِها، أو مُضرًّا لها بغيرِ حقٍّ من قولٍ أو فعلٍ؛ كانت الفرقةُ صحيحةً. وإن كان أُكره بغيرِ حقٍّ؛ بالضربِ والحبسِ، وهو محسنٌ لعشرتِها؛ لم تقعِ الفرقةُ؛ بل إذا أبغَضَتْه، وهو محسنٌ إليها، يُطلَبُ منه الفرقةُ من غيرِ أن يُلزَمَ بذلك، فإن فعَل، وإلا أُمِرتِ المرأةُ بالصبرِ إذا لم [يكُنْ] (١) ما يبيحُ الفسخَ (٢). والخُلْعُ الذي جاءَتْ به السُّنَّةُ: أن تكونَ المرأةُ مبغِضةَ الرجلِ، فتَفْتدي نفْسَها؛ كالأسيرِ، أما إذا كان كلٌّ منهما مريدًا لصاحبِه فالخُلْعُ مُحدَثٌ في الإسلامِ (٣). ويحرمُ على المرأةِ ألا تطيعَ زوجَها إلى فراشِه، بل تُقدِّمَ القيامَ والصَّلاةَ والصيامَ؛ بل الواجبُ أن تجيبَه إلى فراشِه إذا طلَبَها؛ حتى ثبَتَ في البخاريِّ: «أنه لا يحِلُّ لها الصومُ وزوجُها شاهدٌ إلا بإذنِه، ولا تَأذَنُ

стр. 705

في بيتِه إلا بإذنهِ» (١)، فإذا حرُمَ عليها الصومُ إذا كان شاهِداً إلا بإذنِه؛ لأنه يمنَعُها عن بعضِ ما يجبُ للزوجِ، فكيفَ يكونُ حالُها إذا طلَبَها فامتنعَتْ، وقالَ تعالى: ﴿فالصالحات قانتات حافظات للغيب﴾، فالصالحةُ هي التي تكونُ قانتةً؛ أي: مداومةً على طاعةِ زوجِها، فإذا امتنعَتْ من فراشِه أُبِيحَ له ضربُها، وليس عليها حقٌّ بعدَ حقِّ اللهِ ورسولِه أوجبَ من حقِّ الزوجِ، وقد قال: «لو كنتُ آمِرًا أحدًا أن يسجُدَ لأحدٍ، لأمرتُ المرأةَ أن تسجدَ لزوجِها»، رواه الترمذيُّ وحسَّنَه (٢)، وقال: «أيُّما امرأةٍ ماتَتْ وزوجُها راضٍ عنها دخلَتِ الجنةَ»، رواه الترمذيُّ، وحسَّنَه (٣)، وقال: «إذا دعا الرجلُ المرأةَ إلى فراشِه فأبَتْ؛ لعنَتْها الملائكةُ حتى تصبحَ» (٤)، وفي لفظٍ: «إلا كان الذي في السماءِ ساخطًا عليها حتى تصبحَ» (٥) (٦). وإذا خالَعَها على أن تُبرِئَه من حقوقِها ، وتأخُذَ الولدَ بكفالتِه، ولا تطالبَه بنفقتِه؛ صحَّ ذلك عندَ جماهيرِ العلماءِ؛ كمالكٍ وأحمدَ في المشهورِ عنه وغيرِهما، فإن عندَ الجمهورِ: يصِحُّ الخُلْعُ بالمعدومِ الذي
следующие страницы →