← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 32

مختصر الفتاوى المصرية - ط ركائز

بدر الدين البعلي

Полный текст (966 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

وإن كان يريدُ وقوعَ الجزاءِ عندَ الشرطِ؛ لم يكُنْ حالِفًا؛ كقولِه: إن أعطيتِني ألفًا فأنتِ طالقٌ، وإذا زنيتِ فأنتِ طالقٌ، وقصَد إيقاعَ الطلاقِ عندَ الفاحشةِ، لا مجرَّدَ الحلِفِ عليها؛ فهذا ليس بيمينٍ، ولا كفارةَ في هذا عندَ أحدٍ من الفقهاءِ فيما علِمْناه؛ بل يقعُ به الطلاقُ. وأما ما يُقصَدُ به الحضُّ أو المنعُ، أو التصديقُ أو التكذيبُ بالتزامِه عندَ المخالفةِ ما يكرهُ وقوعَه؛ سواءٌ كان بصيغةِ القسمِ أو الجزاءِ: يمينٌ عندَ جميعِ الخلقِ من العربِ وغيرِهم، وإذا كان يمينًا فليس لليمينِ إلا حكمانِ: إما أن تكونَ منعقدةً فتُكفَّرُ، وإما ألا تكونَ منعقدةً كالحلِفِ بالمخلوقاتِ؛ فلا تُكفَّرُ، أما يمينٌ منعقدةٌ محترمةٌ غيرُ مُكفَّرةٍ؛ فهذا حكمٌ ليس في كتابِ اللهِ ولا سنةِ رسولِه، ولا يقومُ عليه دليلٌ (١). ومَن قال: إن مَن اتَّبعَ هذه الفُتْيا ، وقلَّد؛ فوَلَدُه بعدَ ذلك وَلَدُ زِنًى؛ فإنه في غايةِ الجهلِ والضلالِ أو المُشاقَّةِ للهِ ورسولِه، فإن المسلمِينَ متفقونَ على أن كلَّ نكاحٍ اعتقدَ الزوجُ أنه سائغٌ إذا وطِئَ فيه؛ يلحَقُه فيه ولدُه، ويتوارثانِ باتِّفاقِ المسلمِينَ، وإن كان ذلك النكاحُ باطلًا في نفسِ الأمرِ، فاليهوديُّ إذا تزوجَ بنتَ أخيه؛ كان ولَدُه منها يلحَقُه ويرِثُه باتِّفاقٍ، وإن كان هذا النكاحُ باطلًا باتِّفاقٍ، وكذلك لو تزوَّجَ المسلمُ امرأةً في عِدَّتِها، ووطِئَها وهو جاهلٌ يعتَقدُها زوجتَه؛ كان ولَدُه منها يلحَقُه نسَبُه باتِّفاقِ المسلمِينَ، ومثلُ هذا كثيرٌ، فإن ثبوتَ النسبِ لا

стр. 702

يفتقرُ إلى صحةِ النكاحِ؛ بل الولدُ للفراشِ. فمَن طلَّقَ امرأتَه ثلاثًا، ثم وطِئَها لجهلِه، أو تقليدًا لمُفتٍ مخطئٍ، أو لغيرِ ذلك؛ فإنه يلحَقُه النسَبُ بالاتفاقِ، فالولدُ تابعٌ لاعتقادِ الواطئِ، مثلُ مَن غُرَّ بمملوكةٍ، أو تزوَّجَ في نكاحٍ فاسدٍ مُتفَقًا على فسادِه؛ فلا يكونُ أولادُهم أولادَ زِنًى اتفاقًا، قضى به الخلفاءُ الراشدونَ (١)، هذا في المجمَعِ على فسادِه، فكيفَ بالمختلفِ فيه؟! فمَن قال ذلك؛ عُرِّفَه، فإن أصَرَّ استُتيبَ، فإن تاب وإلا قُتِل. وكذا مَن قال: إن الفُتْيا بذلك غيرُ جائزةٍ، فهو مخالفٌ لإجماعِ المسلمِينَ؛ كما قدَّمْناه، واللهُ أعلمُ (٢).

стр. 703

فَصْلٌ الذي عليه أئمةُ المسلمِينَ: أنه ليس على أحدٍ ولا شُرِع له التزامُ قولِ شخصٍ معينٍ في كلِّ ما يوجبُه ويُحرِّمُه ويُبيحُه؛ إلا رسولَ اللهِ ﷺ . لكن منهم مَن يقولُ: على المستفتي أن يُقلِّدَ الأعلمَ الأوْرَعَ ممن يمكنُ استفتاؤُه. ومنهم من يقول: بل يتخيرُ بينَ المفتينَ. وإذا كان له نوعُ تمييزٍ؛ فقد قيلَ: يتبع أيَّ القولَينِ أرجحَ عندَه بحسَبِ تمييزِه، فإن هذا أولى من التخييرِ المُطلَقِ. وقيلَ: لا يجتهدُ إلا إذا صار من أهلِ الاجتهادِ، والأولُ أشبهُ. فإذا ترجَّح عندَ المستفتي أحدُ القولَينِ؛ إما لرُجْحانِ دليلِه بحسَبِ تمييزِه، وإما لكونِ قائِلِه أعلمَ وأورعَ: فله ذلك، وإن خالفَ قولُه المذهبَ (١). وليس تطليقُ المرأةِ من بِرِّ الأمِّ إذا طلَبَتْه منه. ومَن قال: إن أبرأتِيني طلَّقْتُكِ، فقالت: أبرأتُكَ، فلم يُطلِّقْها؛ لم يصِحَّ الإبراءُ، فإن هذا إيجابٌ وقبولٌ لما تقدَّمَ من الشروطِ، ودلالةُ الحالِ والتقديرُ: أبرأتُكَ بشرط أن تطلِّقَني، فالشرطُ المتقدِّمُ على العقدِ كالمقارنِ.

стр. 704

كِتَابُ عِشْرَةِ النِّسَاءِ وَالخُلْعِ إذا أُكرِه الزوجُ على الفُرقةِ بحقٍّ ؛ مثلُ أن يكونَ مقصِّرًا في واجباتِها، أو مُضرًّا لها بغيرِ حقٍّ من قولٍ أو فعلٍ؛ كانت الفرقةُ صحيحةً. وإن كان أُكره بغيرِ حقٍّ؛ بالضربِ والحبسِ، وهو محسنٌ لعشرتِها؛ لم تقعِ الفرقةُ؛ بل إذا أبغَضَتْه، وهو محسنٌ إليها، يُطلَبُ منه الفرقةُ من غيرِ أن يُلزَمَ بذلك، فإن فعَل، وإلا أُمِرتِ المرأةُ بالصبرِ إذا لم [يكُنْ] (١) ما يبيحُ الفسخَ (٢). والخُلْعُ الذي جاءَتْ به السُّنَّةُ: أن تكونَ المرأةُ مبغِضةَ الرجلِ، فتَفْتدي نفْسَها؛ كالأسيرِ، أما إذا كان كلٌّ منهما مريدًا لصاحبِه فالخُلْعُ مُحدَثٌ في الإسلامِ (٣). ويحرمُ على المرأةِ ألا تطيعَ زوجَها إلى فراشِه، بل تُقدِّمَ القيامَ والصَّلاةَ والصيامَ؛ بل الواجبُ أن تجيبَه إلى فراشِه إذا طلَبَها؛ حتى ثبَتَ في البخاريِّ: «أنه لا يحِلُّ لها الصومُ وزوجُها شاهدٌ إلا بإذنِه، ولا تَأذَنُ

стр. 705

في بيتِه إلا بإذنهِ» (١)، فإذا حرُمَ عليها الصومُ إذا كان شاهِداً إلا بإذنِه؛ لأنه يمنَعُها عن بعضِ ما يجبُ للزوجِ، فكيفَ يكونُ حالُها إذا طلَبَها فامتنعَتْ، وقالَ تعالى: ﴿فالصالحات قانتات حافظات للغيب﴾، فالصالحةُ هي التي تكونُ قانتةً؛ أي: مداومةً على طاعةِ زوجِها، فإذا امتنعَتْ من فراشِه أُبِيحَ له ضربُها، وليس عليها حقٌّ بعدَ حقِّ اللهِ ورسولِه أوجبَ من حقِّ الزوجِ، وقد قال: «لو كنتُ آمِرًا أحدًا أن يسجُدَ لأحدٍ، لأمرتُ المرأةَ أن تسجدَ لزوجِها»، رواه الترمذيُّ وحسَّنَه (٢)، وقال: «أيُّما امرأةٍ ماتَتْ وزوجُها راضٍ عنها دخلَتِ الجنةَ»، رواه الترمذيُّ، وحسَّنَه (٣)، وقال: «إذا دعا الرجلُ المرأةَ إلى فراشِه فأبَتْ؛ لعنَتْها الملائكةُ حتى تصبحَ» (٤)، وفي لفظٍ: «إلا كان الذي في السماءِ ساخطًا عليها حتى تصبحَ» (٥) (٦). وإذا خالَعَها على أن تُبرِئَه من حقوقِها ، وتأخُذَ الولدَ بكفالتِه، ولا تطالبَه بنفقتِه؛ صحَّ ذلك عندَ جماهيرِ العلماءِ؛ كمالكٍ وأحمدَ في المشهورِ عنه وغيرِهما، فإن عندَ الجمهورِ: يصِحُّ الخُلْعُ بالمعدومِ الذي

стр. 706

يُنتظَرُ وجودُه ووجوبُه، كما تحملُ أَمَتُها أو شجَرتُها. وأما نفقةُ حملِها ورَضاعُ ولدِها ونفقتُه؛ فقد انعقدَ سببُ وجوبِه (١) وجوازِه. وكذلك إذا قالت: طلِّقْني وأنا أُبرِئُكَ من حقوقي، وآخُذُ الولدَ بكفالتِه، ونحوَه مما يدلُّ على المقصودِ. وإذا خالَعَ بينَهما مَن يرى صحةَ ذلك؛ كالحاكمِ المالكيِّ؛ لم يجُزْ لغيرِه أن ينقضَه وإن رآه فاسدًا، ولا يجوزُ أن يَفرضَ عليه بعدَ هذا نفقةَ الولدِ؛ لأن فعلَ الحاكمِ حكمٌ في الصحيحِ، والحاكمُ متى عقد عقدًا أو فسخ فسخًا جاز فيه الاجتهادُ؛ لم يكُنْ لغيرِه نقضُه (٢). فَصْلٌ يجبُ العدلُ بينَ زوجتيه باتِّفاقِ المسلمِينَ ، وفي السننِ الأربعةِ عن أبي هُرَيرةَ، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «مَن كانت لهُ امرأتانِ، فمال إلى إحداهما دونَ الأخرى؛ جاء يومَ القيامةِ وأحدُ شِقَّيْه مائلٌ» (٣). فعليه العدلُ في القَسْمِ؛ لكن إن أحبَّ إحداهما أكثرَ، أو وطِئَها

стр. 707

أكثرَ؛ فلا حرَجَ عليه، وفيه أُنزِلَ: ﴿ولن تستطيعوا أن تعدلوا بينَ النساء ولو حرصتم﴾؛ أي: في الحبِّ والجماعِ، وفي السننِ أنه ﷺ كان يقولُ بعدَ عدلِه في القَسْمِ: «اللهُمَّ هذا قَسْمي فيما أملكُ، فلا تُؤاخِذني فيما تملكُ ولا أملكُ» (١)؛ يعني: القلبَ. وأما العدلُ في الكُسوةِ والنفقةِ؛ فهو السُّنَّةُ. وتَنازَعوا في وجوبِ العدلِ في النفقةِ، ووجوبُه أقوى. وهذا العدلُ مأمورٌ به ما دامتْ زوجةً، فإن أرادَ أن يُطلِّقَ إحدَاهما؛ فله ذلك. فإن اصطلَحَ هو والتي يريدُ طلاقَها على أن تقيمَ عندَه بلا قَسْمٍ، وهي راضيةٌ بذلك؛ جاز لقولِه تعالى: ﴿فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير﴾، فقد وهبَتْ سَوْدةُ يومَها لعائشةَ (٢)، وكذلك رافعُ بنُ خَديجٍ جرى له ذلك، ويقالُ: إن الآيةَ نزَلتْ فيه (٣). وإذا نشَزتْ ؛ فلا نفقةَ ولا سُكْنى، وله ضربُها إذا نشَزتْ، أو آذَتْه واعتدَتْ عليه (٤).

стр. 708

ويجبُ أن يعاشِرَها بالمعروفِ ، فإن تعذَّرَ ذلك وامتنعَ من المعاشرةِ بالمعروف؛ فُرِّقَ بينَهما (١). فَصْلٌ رُوِي أن رجلًا قال: «يا رسولَ اللهِ، إن امرأتي لا ترُدُّ كفَّ لامِسٍ» (٢)، وهو حديثٌ ضعيفٌ، ضعَّفَه أحمدُ وغيرُه. وتأوَّلَه بعضُ الناسِ: على أنها لا ترُدُّ طالبَ مالٍ، وسياقُه وظاهرُه يدلُّ على خلافِ ذلك. ومِن الناسِ مَن اعتقدَ ثبوتَه، وأنه أُمِرَ أن يُمسِكَها معَ كونِها لا تمنعُ الرجالَ، وهذا مما أنكَرَه غيرُ واحدٍ من الأئمَّةِ، فإن اللهَ تعالى قال: ﴿الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين﴾، وقال: ﴿ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات … ﴾ إلى قولِه: ﴿محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان﴾، فإنما أباحَ نكاحَ الإماءِ في حالِ كونِهنَّ غيرَ مُسافِحاتٍ، ولا مُتخِذاتِ أخدانٍ، والمسافِحةُ: التي تُسافِحُ معَ كلِّ أحدٍ، والمتخذةُ الخِدْنِ: التي يكونُ لها صديقٌ واحدٌ. وقال: ﴿والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذينَ أوتوا الكتاب من قبلكم … ﴾

стр. 709

إلى: ﴿محصنين غير مسافحين﴾، فاشترَطَ هذه الشروطَ في الرجالِ هنا، كما اشتَرَطه في النساءِ هناك، وهو موافقٌ لقولِه: ﴿الزاني لا ينكح إلا زانية … ﴾ الآيةَ. وقد تنازَعَ العلماءُ في جوازِ نكاحِ الزانيةِ قبلَ توبتِها على قولَينِ، الأَوْلَى: أنه لا يجوزُ، فإنه متى تزوَّجَ زانيةً؛ لم يكُنْ ماؤُه مَصونًا محفوظًا؛ بل مختلطًا بماءِ غيرِه، والفرجُ الذي يطَؤُه مشتركًا؛ وهذا هو الزنى، والمرأةُ إذا كان زوجُها يزني بغيرِها لا يميزُ بينَ الحلالِ والحرامِ؛ كان وَطْؤُه لها من جنس وَطْءِ الزاني للمرأةِ التي يزني بها، وإن لم يَطَأْها غيرُه. ومِن صورِ الزنى: اتخاذُ الأخدانِ. ومَن تزوَّجَ بَغِيًّا؛ كان دَيُّوثًا بالاتفاقِ، ولا يدخُلُ الجنةَ دَيُّوثٌ، وإذا كانت المرأةُ خبيثةً؛ كان زوجُها خبيثًا، وإذا كان قرينُها خبيثًا؛ كانت خبيثةً، وبهذا عظُمَ القولُ فيمن قذَف عائشةَ أو غيرَها من أمهاتِ المؤمنينَ، ولهذا قال السَّلَفُ: (ما بغَتِ امرأةُ نبيٍّ قطُّ)، فليس في الأنبياءِ ولا الصالحينَ مَن تزوَّجَ بَغِيًّا؛ لأن ضررَ البغيِّ يتعدَّى إلى إفسادِ فراشِه، بخلافِ الكفرِ؛ فإنه لا يتعدَّى (١). وليس للزوجِ أن يُسكِنَها حيثُ شاء ، ولا يخرجُ بها حيثُ شاء؛ بل يسكُنُ بها في مسكنٍ يصلُحُ لمثلِها، ولا يخرُجُ بها إلى عند أهلِ الفجورِ؛ بل ليس له أن يعاشِرَ الفجارَ على فجورِهم، ومتى فعل ذلك؛

стр. 710

وجَب أن يُعاقَبَ عقوبةً تردَعُه (١). ولا يحِلُّ للرجلِ أن يعضُلَ المرأةَ، ويُضيِّقَ عليها حتى تُعطِيَه بعضَ الصَّداقِ؛ لكن إذا أتَتْ بفاحشةٍ مبينةٍ؛ كان له أن يعضُلَها؛ لتفتديَ نفْسَها منه، وله أن يضرِبَها، هذا فيما بينَ الرجلِ وبينَ اللهِ، وأهلُ المرأةِ يكشفونَ الحقَّ معَ مَن هو، فيُعينونَه عليه، فإن كانت مُتعدِّيةً؛ بأن راحت إلى عندَ مَن به رِيبةٌ؛ فهي ظالمةٌ له، ومن تابَتْ جاز له إمساكُها، وصُلْحُها خيرٌ، فإن التائبَ كمن لا ذنبَ له (٢). فَصْلٌ إذا قال لامرأةٍ: كلَّما حَلَلْتِ لي حرُمْتِ عليَّ؛ لا تحرمُ عليه، لكن فيها قولانِ: أحدُهما: أنَّ له أن يتزوَّجَها، ولا شيءَ عليه. والثاني: عليه كفارةٌ؛ إما ظِهارٌ في قولٍ، وإما كفارةُ يمينٍ في آخَرَ. وإنما يقولُ بوقوعِ الطلاقِ بمثلِ هذه؛ مَن يُجوِّزُ تعليقَ الطلاقِ على النكاحِ؛ كأبي حنيفةَ ومالكٍ، أما الشافعيُّ وأحمدُ فعندَهما لو قال: كلما تزوَّجْتُكِ فأنتِ طالقٌ؛ لم يقَعْ به طلاقٌ، فكيفَ في الحرامِ؟! لكن

стр. 711

أحمدَ يُجوِّزُ في المشهورِ عنه الظِّهارَ قبلَ الملكِ، بخلافِ الشافعيِّ (١). ومَن قال عن زوجتِه: هي مثلُ أمي، أو هي عندي كأمي، وأرادَ أنها: مثلُ أمي؛ أنها تستُرُ عليَّ، فلا تهتِكُني، ولا تلومُني، كما تفعلُ الأمُّ معَ ولدِها؛ فإنه يُؤدَّبُ على هذا القولِ، ولا تحرمُ عليه امرأتُه، فإن عمرَ سمع رجلًا يقولُ لامرأتِه: يا أختي، فأدَّبَه (٢)، وإن كان جاهلًا لم يُؤدَّبْ على ذلك. وإن أرادَ: أنها عندي مثلُ أمي؛ أي: في الامتناعِ من وطئِها؛ فهو مُظاهِرٌ. ولو قال: إن بقيتُ أنكِحُكِ أنكحُ أمي تحتَ ستورِ الكعبةِ؛ فهو مُظاهِرٌ (٣). وإذا قالت الزوجةُ: أنتَ عليَّ حرامٌ كأبي وأمي؛ فعليها كفارةُ الظِّهارِ (٤).

стр. 712

كِتَابُ العِدَدِ المرضِعةُ تبقى في العدةِ حتى تحيضَ ثلاثَ حيضٍ، فإن أحبَّتْ أن تسترضعَ لولدِها لتحيضَ، أو تشربَ ما تحيضُ به؛ فلها ذلك، واللهُ أعلمُ (١). ولا يجوزُ التصريحُ بخِطبةِ المعتدةِ باتِّفاقِ المسلمِينَ، ومَن فعل ذلك؛ عوقِبَ، ويزجرُ عن التزويجِ بها معاملةً بنقيضِ قصدِه (٢). ومَن أَخبرتْ بانقضاءِ عِدَّتِها ، ثم أتتْ بولدٍ لستةِ أشهرٍ فصاعدًا، أو لدونِ مدةِ الحملِ؛ فهل يلحقُ الزوجَ؟ على قولَينِ، مذهَبُ أحمدَ وأبي حنيفةَ: أنه لا يلحَقُ. هذا إذا لم تتزوجْ، فأما إذا تزوجتْ بعدَ إخبارِها بانقضاءِ العدةِ، ثمَّ أتتْ بولدٍ لأكثرَ مِن ستةِ أشهرٍ؛ فلا يلحقُ نسَبُه بالأولِ قولًا واحدًا. وتأخُّرُ الدعوى الممكنةِ في مسائلِ الجَوْرِ ونحوِها؛ يدلُّ على كذِبِه (٣).

стр. 713

ومن أقَرَّ أنه طلَّق زوجتَه من مدةٍ تزيدُ على العدةِ الشرعيةِ، وكان المقِرُّ فاسقًا، أو مجهولًا؛ لم يُقبَلْ قولُه في إسقاطِ العدةِ؛ إذ فيه حقٌّ للهِ، فلا تُزوَّجُ إلا بعدَ العدةِ. وأما إن كان عدلًا غيرَ مُتَّهَمٍ، مثلُ أن كان غائبًا، فلما حضر أخبَرَها أنه طلَّق من مدةِ كذا وكذا؛ فهل تعتَدُّ من حينِ بلَغَها الخبرُ إذا لم يُقِمْ بذلك بينةً؟ أو من حينِ الطلاقِ، كما لو قامتْ به بينةٌ؟ فيه خلافٌ عن أحمدَ وغيرِه، والمشهورُ الثاني (١). المطلقةُ ثلاثًا أجنبيةٌ من الزوجِ ، ولا يجوزُ أن يُواطِئَها على أن تَزَّوَّجَ غيرَه، ثم تطلِّقَه وترجعَ إليه، ولا يجوزُ أن يُعطِيَها نفقةً (٢). ثم لو تزوجتْ غيرَه النكاحَ الصحيحَ المعروفَ، ثم مات زوجُها أو طلَّقَها؛ لم يجُزْ للأولِ أن يخطُبَها في العدةِ صريحًا باتِّفاقِ المسلمِينَ، فكيف إذا كانت في عِصمةِ زوجِها؟ فكيف إذا كان الرجلُ لم يتزوجْها بعدُ؛ تَواعَدَ على [أن] (٣) تتزوجَه ثم تُطلِّقَه، ثم يتزوجَ بها المواعِدُ؛ هذا حرامٌ باتِّفاقِ المسلمين؛ سواءٌ قيلَ: يصحُّ نكاحُ المُحلِّلِ، أو قيلَ: لا (٤).

стр. 714

ولا تحِلُّ المطلقةُ ثلاثًا إلا بوَطْءٍ في القُبُلِ من زوجٍ، أما في الدُّبُرِ فلا يُحِلُّها. وما يُذكَرُ عن بعضِ المالكيةِ؛ فهم يطعنونَ في كونِه قولًا. وما يُذكَرُ عن ابنِ المسيِّبِ من عدمِ اشتراطِ الوَطْءِ؛ فذاك لم يذكَرْ فيه وَطْءُ الدُّبُرِ، وهو قولٌ شاذٌّ، صحَّتِ السُّنَّةُ بخلافِه (١)، وانعقد الإجماعُ قبلَه وبعدَه (٢). وليس للمرأةِ أن تسافرَ في عدةِ الوفاةِ إلى الحجِّ في مذهَبِ الأربعةِ (٣). ومن طلَّق ثلاثًا ، وألزَمَها بوفاءِ العدةِ في مكانِها، فخرجَتْ منه قبلَ أن تُوفيَ؛ فلا نفقةَ لها، وليس لها أن تطالبَ بنفقةِ الماضي في مثلِ هذه العدةِ في مذهَبِ الأربعةِ (٤).

стр. 715

كِتَابُ الرَّضَاعِ حديثُ عائشةَ: «يحرُمُ من الرَّضاعِ ما يحرُمُ من النَّسَبِ» (١) حديثٌ صحيحٌ، مُتلقًّى بالقبولِ، متفَقٌ على صحتِه، وفي لفظٍ آخَرَ: «يحرُمُ من الرضاعةِ ما يحرُمُ من الولادةِ» (٢). وقد استثنى بعضُ الفقهاءِ المتأخِّرينَ من عمومِه صورتينِ، وبعضُهم أكثرَ، وهذا خطأٌ؛ لا يحتاجُ أن يُستثنَى منه شيءٌ؛ لأن الولدَ إذا ارتضَعَ خمسَ رَضَعاتٍ؛ صارَتِ المرأةُ أمَّه، وزوجُها صاحبُ اللبنِ أباه، فصار ابنًا لكلِّ واحدٍ منهما من الرضاعةِ، وحينئذٍ فيكونُ جميعُ أولادِ المرأةِ من هذا الرجلِ ومن غيرِه، وجميعُ أولادِ الرجلِ منها ومن غيرِها؛ إخوةً له؛ سواءٌ وُلِدوا قبلَ الرضاعةِ أو بعدَها باتِّفاقِ الأئمَّةِ، وأولادُ أولادِهما؛ أولادُ إخوتِه، فلا يجوزُ للمرتضعِ أن يتزوجَ أحدًا من هؤلاءِ، وإخوةُ المرأةِ وأخواتُها؛ أخوالُه وخالاتُه، وأباها وأمَّها؛ أجدادُه وجَداتُه، وإخوةُ الرجلِ وأخواتُه كذلك؛ أعمامُه وعَمَّاتُه، وأبو الرجلِ وأمُّه؛ جَدَّه وجَدَّتُه؛ لكن يتزوجُ بأولادِ أعمامِه وعماتِه، وأولادِ الأخوالِ والخالاتِ؛ كالنسَبِ سواءً، فهؤلاءِ الأصنافُ الأربعةُ هم من

стр. 716

النسَبِ مباحاتٌ، فكذا من الرضاعةِ. وإذا كان المرتضِعُ ابنًا للمرأةِ ولزوجِها؛ فأولادُه أولادُ أولادِهما، ويحرُمُ على أولادِه ما يحرُمُ على الأولاد من النسبِ، فهذه الجهاتُ الثلاثُ منها تنتشر حرمةُ الرضاعِ. وأما إخوةُ المرتضِعِ من النسَبِ، وأبوه من النسَبِ، وأمُّه من النسَبِ؛ فهم أجانبُ أبيه (١) وأمِّه وإخوتِه من الرضاعِ، ليس بينَ هؤلاءِ وهؤلاء صلةٌ؛ لا بنسبٍ ولا رضاعٍ؛ لأن الرجلَ يمكنُ أن يكونَ له أخٌ من أبيه، وأخٌ من أمِّه، ولا نسَبَ بينَهما؛ بل يجوزُ لأخيه من أبيه أن يتزوجَ أخاه من أمِّه، فكيفَ إذا كان له أخٌ من النسبِ وأختٌ من الرضاعِ، فيجوزُ لهذا أن يتزوجَ هذا، وبالعكسِ. وبهذا تزولُ الشبهةُ التي تعرِضُ لبعضِ الناسِ، فإنه يجوزُ للمرتضِعِ أن يتزوجَ أخوه من الرضاعةِ بأمِّه من النسبِ، كما يتزوجُ بأختِه من النسبِ، ويجوزُ لأخيه مِن النسبِ أن يتزوجَ أختَه من الرضاعةِ، وهذا لا نظيرَ له في النسبِ، فإن أخا الرجلِ من النسبِ لا يتزوجُ بأمِّه من النسبِ، أما أن تكونَ بنتَ ابنِه، أو رَبيبةَ ابنِه - والرجلُ تحرُمُ عليه بنتُه وربيبتُه-؛ فحرُمتْ على أبيه بهذا الطريقِ، وأختُه من الرضاعِ؛ ليست بنتَ أبيه من النسبِ، ولا ربيبتَه، فجاز أن تتزوجَ به. فمَن لا يحقِّقُ يقولُ: يحرمُ من النسبِ على أخي أن يتزوجَ أمي،

стр. 717

ولا يحرمُ مثلُ هذا في الرضاعِ، وهذا غلَطٌ منه؛ فإن نظيرَ المحرَّمِ بالنسبِ؛ أن تتزوجَ أختُه أو أخوه من الرضاعةِ بابنِ هذا الأخِ أو بأمِّه من الرضاعةِ، كما لو ارتضَعَ هو وآخَرُ من امرأةٍ، واللبنُ للفحلِ، فإنه يحرمُ على أختِه من الرضاعةِ أن تتزوجَ أخاه وأختَه من الرضاعةِ؛ لكن لكونِهما أخوَينِ للمرتضِعِ، ويحرمُ عليهما أن يتزوجا أباه وأمَّه من الرضاعةِ؛ لكونِهما ولدَيْهما من الرضاعةِ، لا لكونِهما أخوَيْ ولَدهما. فمَن تدبَّرَ هذا ونحوَه؛ زالتْ عنه الشبهةُ. وأما رَضاعُ الكبيرِ؛ فإنه لا يُحرِّمُ في مذهَبِ الأربعةِ (١)، وفيمن رضَعَ قريبًا من الحولينِ نزاعٌ؛ مذهبُ الشافعيِّ وأحمدَ: أنه لا يحرِّمُ (٢). فأما الرجلُ الكبيرُ والمرأةُ الكبيرةُ؛ فلا يحرُمُ أحدُهما على الآخَرِ برضاعِ القرائبِ؛ مثلُ: أن تُرضِعَ زوجتُه لأخيه من النسبِ؛ فلا تحرمُ عليه زوجتُه؛ لما تقدَّمَ من أنه يجوزُ له أن يتزوجَ بالتي هي أختُه من الرضاعةِ لأخيه من النسبِ؛ إذ ليس بينَه وبينَها صلةٌ ولا رَضاعٌ، إنما حرُمتْ على أخيه؛ لأنها أمُّه من الرضاع، وليست أمَّ نفْسِه من الرضاعِ،

стр. 718

وأمُّ المرتضِعِ من الرضاعِ؛ لا تكونُ أمًّا لإخوتِه من النسبِ؛ لأنها إنما أرضعَتِ الرضيعَ، ولم تُرضِعْ غيرَه. نعم، لو كان للرجلِ نسوةٌ يطَؤُهُنَّ، وأرضعَتْ كلُّ واحدةٍ؛ هذه طفلًا، وهذه طفلًا؛ لم يجُزْ أن يتزوجَ أحدُهما الآخَرَ، ولهذا لما سُئِلَ ابنُ عبَّاسٍ عن ذلك؟ فقال: «اللِّقَاحُ وَاحِدٌ» (١). ولو كان أخوه من النسبِ ابنَ زوجتِه؛ حرُمتْ عليه زوجتُه؛ لأنها [أمُّه، أو امرأة أبيه] (٢)، وكلاهما حرامٌ. وأمَّا أمُّ أخيه من الرضاعةِ؛ فليست أمَّه، ولا امرأةَ أبيه؛ لأن زوجَها صاحبَ اللبنِ؛ ليس أبًا لهذا، لا نسبًا ولا رَضاعًا. فإذا قال القائل: إن النبيَّ ﷺ قال: «يحرُمُ من الرَّضاعِ ما يحرُمُ من النسَبِ»، وأمُّ أختِه من النسَبِ؛ حرامٌ عليه، فكذا من الرَّضاعِ. قلنا: هذا تلبيسٌ وتدليسٌ، فإنه تعالى لم يقُلْ: «حُرِّمتْ أمَّهاتُ أخَواتِكم»، وإنما قال: ﴿حرمت عليكم أمهاتكم﴾، ﴿ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم﴾، فحرَّمَ أمَّه، ومَنكوحةَ أبيه وإن لم تكُنْ أمَّه، وهذه تحرمُ من الرضاعةِ، فلا يتزوجُ أمَّه من الرضاعةِ، وأمَّا منكوحةُ أبيه من الرضاع؛ فالمشهورُ عندَ الأئمَّةِ: أنها

стр. 719

تحرمُ؛ لكنْ فيها نزاعٌ (١)؛ لكونِها من المحرماتِ بالصهرِ، لا بالنسبِ والولادةِ، وليس الكلامُ هنا في تحريمِها، فإنه إذا قيلَ: تحرمُ منكوحةُ أبيه من الرَّضاعِ؛ وفَّيْنا بعمومِ الحديثِ، وأما أمُّ أخي التي ليست أمًّا ولا منكوحةَ أبٍ؛ فهذه لا توجدُ في النسبِ، فلا يجوزُ أن يقالَ: تحرمُ من النسبِ فلا يحرمُ نظيرُها من الرَّضاعةِ، فتبقى أمُّ الأمِّ من النسبِ لأخي من الرضاعةِ، أو الأمُّ من الرضاعةِ لأخي من النسبِ؛ لا نظيرَ لها من الولادةِ، فلا تحرمُ، وهذا مُتَّفَقٌ عليه بينَ المسلمِينَ (٢). وغسلُ عينَيْه بلبنِ امرأتِه ؛ فيجوزُ، ولا تحرمُ عليه بذلك؛ لأنه كبيرٌ، وأيضًا فلا تنتشرُ الحرمةُ بوضعِ اللبنِ في العينِ بلا نزاعٍ (٣). وإذا كانت الأمُّ معروفةً بالصدقِ ، فذكَرتْ أنها أرضَعتْ زوجَ بنتِها؛ فُرِّقَ بينَهما في أصَحِّ قولَيِ العلماءِ. وأما إذا شكَّ في صِدْقِها، أو في عددِ الرَّضَعاتِ؛ فإنها تكونُ من الشبهاتِ؛ تَرْكُها أَوْلى، ولا يُحكَمُ بالتفريقِ بينَهما إلا بحجةٍ.

стр. 720

وإذا رجعَتْ عن الشهادةِ قبلَ التزويجِ؛ لم تحرُمِ الزوجةُ؛ لكن إن عُلِم أنها كاذبةٌ، وأنها كتمَتِ الشهادةَ؛ لم يحِلَّ التزويجُ (١). وله مَنْعُ الزوجةِ من رضاعِ غيرِ ولَدِها. والقطُّ إذا صال على مالِه؛ فله دفعُه عن ذلك ولو بالقتلِ، وله رَمْيُه بمكانٍ بعيدٍ، فإن لم يمكنْ إلا بالقتلِ؛ قُتِلَ. وأما النملُ؛ فيُدفَعُ ضَرَرُه بغيرِ التحريقِ (٢). وإذا كان الأبُ عاجزًا عن أجرةِ الاسترضاعِ، وامتنعَتِ الأمُّ عن الإرضاعِ إلا بأجرةٍ؛ فله أن يسترضِعَ غيرَها، لأنه لا يجبُ عليه ما لا يقدرُ عليه (٣). وإذا كانت المرضِعةُ [ذات عدالةٍ] (٤)؛ قُبِلَ قولُها، وفي تحليفِها نزاعٌ (٥).

стр. 721

كِتَابُ النَّفَقَاتِ إذا تسلَّمَ الزوجُ المرأةَ التسليمَ الشرعيَّ ، هو أو أبوه أو نحوُهما، وأطعَمَها كما جرَتِ به العادةُ؛ لم يكُنْ لأبيها أن يدَّعِيَ بالنفقةِ، وأنه لم يأذنْ، وأنها تحتَ حِجْرِه، وإن كان قد توهَّم ذلك، وقاله طائفةٌ، فإذا طلب ولِيُّها النفقةَ، ولم يعتدَّ بما أُنفِقَ عليها؛ كان ظالمًا، لا تحتملهُ الشريعةُ. ومن توهَّم أن النفقةَ كالدَّينِ، لا بدَّ أن يقبضَه الوليُّ، وهو لم يأذنْ فيه؛ كان مخطئًا من وجوهٍ: أحدُها: أن المقصودَ بالنفقةِ إطعامُها، لا حفظُ المالِ، وقبضُ الوليِّ ليس فيه فائدةٌ، ولا يُحتاجُ إلى إذنِه، فإنه واجبٌ بالشرعِ، فلو نهى الوليُّ عن الإنفاقِ عليها؛ لم يُلتفَتْ إليه. وأيضًا: إقرارُه لها معَ حاجتِه (١) إلى النفقةِ إذنٌ عرفيٌّ، ولا يقالُ: إنه لم يأتمنِ الزوجَ على النفقةِ؛ لأن الائتمانَ بها حصَلَ بالشرعِ، كما اؤتُمِنَ على بدَنِها والقَسْم لها وغيرِ ذلك من حقوقِها، فإن الرجالَ قوَّامونَ على النساءِ، والنساءُ عوانٍ عندَهم، ولأن الائتمانَ العرفيَّ كاللفظيِّ (٢).

стр. 722

وإذا سافر الوليُّ بالزوجةِ بغيرِ إذنِ الزوجِ؛ عُزِّرَ على ذلك، وتُعزَّرُ هي إذا كان التخلُّفُ يمكنُها، ولا نفقةَ لها من حينِ سافرَتْ (١). وإذا امتنعَتِ المرأةُ من الصَّلاةِ ؛ فإنها تُستتابُ، فإن تابَتْ وإلا قُتِلتْ، وهَجْرُ الزوجِ لها على تركِها الصَّلاةَ؛ من أعمالِ البرِّ، ولا نفقةَ لها إذا امتنعَتْ من تمكينِه إلا معَ تركِ الصلاةِ (٢). وعلى المولودِ الموسِرِ أن يُنفِقَ على أبيه وزوجةِ أبيه، وعلى إخوتِه الصغارِ والكبارِ؛ إذا كانوا عاجزينَ عن الكسبِ، وله ما ينفق عليهم، وإن لم يفعَلْ ذلك كان عاقًّا لوالدَيْه، قاطعًا لرَحِمِه، مستحقًّا لعقوبةِ الدنيا والآخرةِ (٣). وإذا طلَّق زوجتَه ثلاثًا ، وأبرَأَتْه من حقوقِ الزوجيةِ قبلَ عِلْمِها بالحملِ؛ لم تدخلْ نفقةُ الحملِ في الإبراءِ، ولو علمَتِ الحملَ وأبرَأَتْه من حقوقِ الزوجية (٤) فقط؛ لم يدخلْ في ذلك نفقةُ الحملِ؛ لأنها تجبُ بعدَ زوالِ النكاحِ، وهي واجبةٌ للحملِ في أظهرِ قولَيِ العلماءِ؛ كأجرةِ

стр. 723

الرضاعةِ، اللهُمَّ إلا أن يكونَ الإبراءُ بمقتضى أنه لا يبقى بينَهما مطالبةٌ بعد النكاحِ أبدًا، فإذا كان مقصودُهما المبارأةَ؛ بحيثُ لا يبقى للآخَرِ مطالبةٌ بوجهٍ؛ فهذا يدخُلُ فيه الإبراءُ من نفقةِ الحملِ (١). وعلى الوالدِ نفقةُ ولدِه إذا كان موسرًا ، فإن لم يمكنْه إلا بأن يَعْمُرَ ملكَه، أو يُكرِيَه؛ لزمه ذلك؛ بل من كان له ملكٌ لا يَعْمُرُه، ولا يُؤْجِرُه؛ فهو سفيهٌ مبذرٌ، ينبغي أن يُحجَرَ عليه، فأما إذا كان له ولدٌ؛ تعيَّنَ عليه ذلك؛ لأجلِ مصلحةِ ولدِه (٢). والزوجةُ المريضةُ تستحقُّ النفقةَ في مذهَبِ الأربعةِ، وإن لم ينتفعْ بها (٣). ولدُ الزنى لا يلحقُ نسبُه بأبيه عندَ الأئمَّةِ الأربعةِ (٤)، ولكن لا بدَّ أن يُنفِقَ عليه المسلمونَ؛ لأنه من يتامى المسلمِينَ. والمزوجةُ المحتاجةُ ؛ نفقَتُها على زوجِها واجبةٌ من غيرِ صَداقِها.

стр. 724

وأما صَداقُها المُؤخَّرُ؛ فيجوزُ أن تطالبَه، فإن أعطاها فحسَنٌ، وإن امتنعَ؛ لم يُجبَرْ حتى تقَعَ بينَهما فرقةٌ بموتٍ، أو طلاقٍ، ونحوِه (١). والصدقةُ على المحتاجِ من الأهلِ ؛ أَوْلى من غيرِه، فإن لم يتَّسِعْ مالُ الإنسانِ للأقاربِ والأباعدِ؛ فإن نفقةَ القريبِ واجبةٌ، فلا يعطي البعيدَ ما يضرُّ بالقريبِ. أما الزكاةُ والكفارةُ؛ فيجوزُ أن يُعطيَ منها القريبَ الذي لا يُنفِقُ عليه، والقريبُ أَوْلى إذا استوتِ الحاجةُ (٢). وإذا حُكِم بالولدِ للأمِّ ، فغَيَّبَتْه عن الأبِ؛ لم يكُنْ لها أن تطالبَه بالنفقةِ المفروضةِ، ولا بما اتَّفَقا عليه (٣). وإذا عجَزَ الأبُ عن النفقةِ ؛ فلا نفقةَ عليه، ولا رجوعَ لمن أنفقَ في هذه المدةِ بغيرِ إذنِه بلا نزاعٍ. وإنما تَنازَعوا فيما إذا أنفق مُنفِقٌ على ابنِه بدون إذنِه معَ وجوبِ النفقةِ على الأبِ؛ فقيلَ: يرجعُ بما أنفقَ غيرُ متبَرِّعٍ، كما هو مذهَبُ أبي حنيفةَ والشافعيِّ وأحمدَ في قولٍ، ولا يجوزُ حبسُه، ولا الرجوعِ عليه؛

стр. 725

حتى يثبُتَ الوجوبُ بيَسارِه، وإذا اختلفا في يَسارِه، ولم يُعرَفْ له مالٌ؛ فالقولُ قولُه معَ يمينِه. وإذا كان مقيمًا في غيرِ بلدِ الأمِّ؛ فالحضانةُ (١) له لا للأمِّ، وإن كانت الأمُّ أَحقَّ بالحضانةِ في البلدِ الواحدِ، وهذا أيضًا مذهَبُ الأئمَّةِ (٢). وإذا ادَّعى الابنُ على أبيه بصداقِ أمِّه وكُسوتِها الماضيةِ قبلَ موتِها (٣)؛ فعلى الأبِ أن يُوفِّيَه ما يستحقُّه من ذلك. وإذا تزوجَتِ الأمُّ ؛ فلا حضانةَ لها، وإن سافرَتْ سفرَ نقلةٍ؛ فالحضانةُ للجَدِّ (٤) دونَها، وإذا حضَنَتْه ولم تكُنْ لها الحضانةُ، وطالبَتْ

стр. 726

بالنفقةِ؛ فلا شيءَ لها؛ لأنها ظالمةٌ بالحضانةِ (١). وإذا كان رزقُ الرجلِ على الجهاتِ السلطانيةِ ؛ فللوليِّ أن يمنعَ لولِّيتَه من تناوُلِ مثلِ هذا الرزقِ الذي يعتقِدُه حرامًا؛ لا سيَّما لا ضررَ به (٢)، فإذا كان الزوجُ يُطعِمُها من غيرِه، أو تأكلُ هي من غيرِه؛ فله أن يُزوِّجَها إذا كان الزوجُ متأولًا فيما يأكُلُه، فإن هذه الجهاتِ السلطانيةَ لم يذكرْ أحدٌ من الفقهاءِ الذينَ يُفتَى بقولِهم؛ جوازَ ذلك، ولكن في أوائلِ الدولةِ السَّلْجوقِيةِ أفتى طائفةٌ من الحنفيةِ والشافعيةِ إذا لم يكُنْ في أموالِ بيتِ المالِ كِفايةُ رزقِ الجندِ الذينَ يُحتاجُ إليهم في الجهادِ: إلى أن يُوضَعَ على المعاملاتِ، وأنكرَ ذلك غيرُ هؤلاءِ، وحكى أبو محمدِ بنُ حزمٍ في كتابِ «الإجماعِ» إجماعَ العلماءِ على تحريمِ ذلك، وقد كان نورُ الدينِ محمودٌ الشهيدُ التركي قد أبطلَ جميعَ الوظائفِ المحدَثَةِ بالشامِ والجزيرةِ ومصرَ والحجازِ، وكان أعرفَ الناسِ بالجهادِ، وهو الذي أقام الإسلامَ بعدَ استيلاءِ الفرنجِ والقرامطةِ على أكثرِ ذلك. ومَن فعل ما يعتقدُ حِلَّه متأولًا تأويلًا سائغًا - لا سيَّما معَ حاجته-؛

стр. 727

لم يُجعَلْ فاسقًا بمجرَّدِ ذلك بحيثُ يُمنَعُ من تزويجِه؛ لكن له منعُها من تناولِ مثلِ هذا، فإذا أطعَمَها الزوجُ من غيرِه؛ فله أن يزوجَها إذا كان متأولًا فيما يأخذُه كما تقدَّم (١).

стр. 728

كِتَابُ الهِبَةِ ليس للواهبِ أن يرجعَ في هبتِه ؛ غيرَ الوالدِ؛ إلا أن تكونَ الهبةُ على جهةِ المعاوضةِ لفظًا أو عرفًا، فإذا كانت لأجلِ عوضٍ، ولم يحصُلْ؛ فللواهبِ الرجوعُ فيها إذا كانت باقيةً، وإلا في عِوَضها (١). وإذا لم يكُنْ ضررٌ على الأولادِ ؛ فلأبيهم أن يتملكَ من مالِهم ما يشتري به أَمَةً يطَؤُها وتخدمُه (٢). ومذهَبُ مالكٍ وأحمدَ في المشهورِ عنه: أن البيعَ والهبةَ والإجارةَ تثبُتُ بالمعاطاةِ، وما عدَّه الناسُ بيعًا أو هبةً أو إجارةً؛ فهو كذلك. ومذهبُ الشافعيِّ: اعتبارُ الصيغةِ؛ إلا في مواضعَ مستثناةٍ. وليس لذلك صيغةٌ محدودةٌ في الشرعِ؛ بل المرجعُ في الصيغةِ المفيدةِ لذلك إلى عرفِ الخطابِ، وهذا مذهبُ الجمهورِ، ولذلك صحَّحوا الهبةَ بمثلِ قولِه: أعمرتُكَ هذه الدار، وأطعَمتُكَ هذا الطعام، وحملتُكَ على هذه الدابَّةِ، ونحوَه مما يفهمُ منه أهلُ الخطابِ به الهبةَ.

стр. 729

وتجهيزُ المرأةِ بجَهازِها إلى بيتِ زوجِها؛ تمليكٌ، كما أفتى به أصحابُ أبي حنيفةَ وأحمدَ وغيرِهما. وعادةُ الناسِ إذا اشترى الرجلُ أَمَةً، وقال لابنِه: خُذْها لك، استمتِعْ بها، ونحوَ ذلك؛ كان هذا تمليكًا، فإذا أذِنَ لابنِه في الوَطْءِ معَ علمِه أن الوَطْءَ لا يكونُ إلا في ملكٍ؛ فلا يكونُ مقصودُه إلا تمليكَها، وكان وَطْؤُه في ملكِه، فإذا حصَلَ الإذنُ بقولٍ أو فعلٍ؛ ثبَتَ التمليكُ على قولِ الجمهورِ، وهو أصحُّ، وولَدُه حرٌّ، لاحقُ النسبِ، والأَمَةُ أمُّ ولدِه لا تُباعُ. وأما إن قُدِّرَ أن الأبَ لم يصدُرْ منه تمليكٌ بحالٍ، واعتقدَ الابنُ أنه قد مَلَكَها؛ كان ولده أيضًا حرًّا، ونسبُه لاحقًا، ولا حدَّ عليه. وإن اعتقدَ الابنُ أنه لم يملِكْها، ولكن وطِئَها بالإذنِ؛ فهذه تنبني على الأصلِ الثاني؛ فإن العلماءَ اختلفوا فيمن وطِئ أَمَةَ غيرِه بإذنِه: قال مالكٌ: يملِكُها بالقيمةِ، حبِلَتْ أو لم تحبَلْ. وقال الثلاثةُ: لا يملكُها بذلك. فعلى قولِ مالكٍ هي أيضًا ملكٌ للولدِ وأمُّ ولدِه، وولدُه حرٌّ. وعلى قولِ الثلاثةِ: لا تصيرُ أمَّ ولدٍ؛ لكن هل الولدُ حرٌّ؛ مثلُ أن يطَأَ جاريةَ امرأتِه بإذنِها؟ فيه عن أحمدَ روايتانِ: أحدهما: أنه (١) لا يكونَ حرًّا، وهو قولُ أبي حنيفةَ، وإن ظنَّ أنها حلالٌ له.

стр. 730

والثانيةُ: أن الولدَ يكونُ حرًّا، وهذا هو الصحيحُ؛ إذا ظنَّ أنها حلالٌ، فهو المنصوصُ عن الشافعيِّ وأحمدَ في المرتهِنِ، فإذا وطِئ الأَمَةَ المرهونةَ بإذنِ الراهنِ، وظن أن ذلك جائزٌ؛ فإن ولدَه ينعقِدُ حرًّا؛ لأجلِ الشبهةِ، فإن شبهةَ الاعتقادِ أو الملكِ تُسقِطُ الحدَّ (١) باتِّفاقِ الأئمَّةِ، فكذلك يؤثِّرُ في حريةِ الولدِ ونسبِه، كما لو وطِئَها في نكاحٍ فاسدٍ أو ملكٍ فاسدٍ، فإنَّ الولدَ يكونُ حرًّا باتِّفاقِ الأئمَّةِ، وأبو حنيفةَ يخالِفُهم في هذا، ويقولُ: الولدُ مملوكٌ، وأما مالكٌ فعندَه: أنَّ الواطئَ قد ملَك الجاريةَ بالوَطْءِ المأذونِ فيه. وهل على هذا الواطئِ بالإذنِ قيمةُ الولدِ؟ فيه قولانِ للشافعيِّ: أحدُهما، وهو المنصوصُ عن أحمدَ: أنه لا تلزمُه قيمتُه؛ لأنه وطِئ بإذنِ المالكِ، فهو كما لو أتلَفَ مالَه بإذنِه. الثاني: تلزمُه قيمتُه؛ وهو قولُ بعضِ أصحابِ أحمدَ، ومن أصحابِ الشافعيِّ من زعم أن هذا مذهَبُ الشافعيِّ قولًا واحدًا. وأما المهرُ؛ فلا يلزمُه في مذهَبِ أحمدَ ومالكٍ وغيرِهما، وللشافعيِّ قولانِ، وكلُّ موضعٍ لا تصيرُ فيه أمَّ ولدٍ يجوزُ بيعُها (٢).

стр. 731

وصِلةُ ذي الرحمِ المحتاجِ أفضلُ من العتقِ؛ لأن ميمونةَ أعتقَتْ جاريةً، فقال لها رسولُ اللهِ ﷺ : «لو أعطَيْتِها أخوالَكِ كان خيرًا لكِ» (١)، فإذا أعطى ولدَه المحتاجَ عبدًا أو جاريةً؛ كان أفضلَ من أن يُعتقَهما (٢). وإذا وهَب ابنَه شيئًا ، فتعلَّقَ به حقُّ الغيرِ؛ مثلُ أن يكونَ قد صار عليه دينٌ، أو زوَّجوه لأجلِ ذلك المالِ؛ فليس للأبِ أن يرجعَ بذلك (٣). إذا ملَّك أختَه ربعَ دارِه تمليكًا مقبوضًا؛ فإنه ينتقلُ بعدَها إلى ورثتِها (٤). وفي «سُننِ أبي داودَ» وغيرِه عن النبيِّ صل الله عليه وسلم أنه قال: «مَن شفَع لأخيه شفاعةً، فأهدى له هَدِيةً فقبِلَها؛ فقد أتى بابًا عظيمًا من أبوابِ الربا» (٥)، وسُئِلَ ابنُ مسعودٍ عن السُّحْتِ؟ فقال: «هو أن تشفَعَ لأخيكَ

стр. 732

شفاعةً، فيُهدِيَ لك هديةً؛ فتقبَلَها»، قيل (١) له: أرأيتَ إن كانت هديةً في باطلٍ؟ فقال: «ذلك كفرٌ؛ ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئكَ هم الكافرون﴾» (٢). ولهذا قال العلماءُ: إن مَن أهدى هديةً لوليِّ أمر ليفعلَ معَه ما لا يجوزُ؛ كان حرامًا على المُهدِي والمُهدَى إليه، وهي من الرِّشوةِ التي قال فيها رسولُ اللهِ ﷺ : «لعَن اللهُ الراشيَ والمرتشيَ والرائشَ» (٣)، وتُسمَّى: البِرْطيلَ، والبِرْطيلُ في اللغةِ: هو الحجرُ المستطيلُ فُوهُ. فأما إذا أهدى له هديةً ليكُفَّ ظلمَه عنه، أو ليُعطِيَه حقَّه الواجبَ؛ كانت هذه الهديةُ حرامًا على الآخِذِ، وجاز للدافعِ أن يدفعَها كما قال: «إني لأُعطي أحدَهم العطِيَّةَ، فيخرُجُ بها يتأبَّطُها نارًا»، قيلَ: يا رسولَ اللهِ، فلم تُعطيهم؟ قال: «يأبُونَ إلا أن يسألوني، ويأبَى اللهُ لي البُخْلَ» (٤). ومثلُ ذلك إعطاءُ من أعتقَ عبدًا وكتَم عتقَه، أو أسَرَّ خبرًا (٥)، أو كان ظالمًا للناسِ، فإعطاءُ هؤلاءِ جائزٌ للمُعطِي، حرامٌ عليهم أخذه.

стр. 733

وأما الهديةُ في الشفاعةِ؛ مثلُ: أن يشفعَ لرجلٍ عندَ وليِّ أمرٍ أن يرفعَ عنه مظلمةً، أو يوصلَ إليه حقَّه، أو يولِّيَه ولايةً يستحِقُّها، أو يستخدمَه في الجندِ المقاتلةِ وهو يستحقُّ ذلك، أو يُعطِيَه من المالِ الموقوفِ على الفقراءِ أو الفقهاءِ أو القراءِ أو النُّسَّاكِ أو غيرِهم، وهو من أهلِ الاستحقاقِ، ونحوُ هذه الاستعانةِ على فعلِ واجبٍ أو تركِ محرمٍ؛ فهذه أيضاً لا يجوزُ فيها قبولُ الهديةِ، ويجوزُ للمهدي أن يبذلَ في ذلك ما يتوصلُ به إلى أخذِ حقِّه، أو دفعِ الظلمِ عنه، هذا هو المنقولُ عن السَّلَفِ والأئمةِ الأكابرِ. ورخَّص فيه بعضُ المتأخِّرينَ من الفقهاءِ، وجعل هذا من بابِ الجَعالةِ، وهذا مخالفٌ للسُّنَّةِ وأقوالِ الصحابةِ والأئمَّةِ؛ فهو غلَطٌ؛ لأن مثلَ هذا العملِ هو من المصالِحِ العامةِ التي يكونُ القيامُ فيها فرضًا؛ إما على الأعيانِ وإما على الكفايةِ، ومتى سُوِّغ أخذُ الجُعْلِ على مثلِ هذا؛ لزِمَ أن تكونَ الولايةُ وإعطاءُ أموالِ الفَيْءِ والصدقاتِ وغيرِها وكفُّ الظلمِ عمن يَبذُلُ في ذلك، والذي لا يَبذُلُ لا يُولَّى ولا يُعطَى، وإن كان أحقَّ وأنفعَ للمسلمِينَ من هذا. والمنفعةُ في هذا ليست لهذا الباذلِ حتى يُؤخَذَ منه الجُعْلِ؛ كالجعلِ على الآبِقِ والشاردِ، وإنما المنفعةُ لعمومِ الناسِ؛ أعني: المسلمِينَ، فإنه يجبُ أن يُولَّى في كلِّ مرتبةٍ أصلحُ مَن يقدِرُ عليه، وأن يُرزَقَ من رزقِ المقاتلةِ والأئمَّةِ والمؤذِّنِينَ وأهلِ العلمِ والدِّين، وأهلُ العلمِ و (١) الدين

стр. 734

أحقُّ المسلمِينَ وأنفَعُهم للمسلمِينَ، وهذا واجبٌ على الإمامِ، وعلى الأئمَّةِ أن يعاوِنوه على ذلك. فمن أخذ جُعْلًا من شخصٍ معينٍ على ذلك؛ أفضى إلى أن يطلُبَ هذه الأمورُ بالعوضِ، ونفسُ طلَبِ الولايةِ منهِيٌّ عنه، فكيفَ بالعوضِ؟! ويلزمُ توليةُ الجاهلِ والفاسقِ والفاجرِ، وتركُ العالمِ العادلِ القادرِ، وأن يُرزَقَ في ديوانِ المقاتلةِ الفاسقُ والجبانُ العاجزُ عن القتالِ، ويُتركَ العدلُ الشجاعُ النافعُ للمسلمِينَ، وفسادُ مثل هذه كثيرةٌ؛ بل يشفَعُ ولا يأخُذُ، هذا هو المأمورُ به. وأما ذلِكَ الأمرانِ فكلاهما منهيٌّ عنه، ولكن إذا كان لا بدَّ من أحدهما؛ فقد يرجَّحُ هذا تارةً، وهذا أخرى، فإذا أخذَ وشفَعَ لمن لا يستحقُّ وغيره أولى؛ فليس له أن يأخذَ ولا يشفعَ، وتركُهما خيرٌ، وإذا أخذَ وشفعَ لمن هو الأحقُّ الأَوْلى؛ فهنا تركُ الشفاعةِ والأخذِ أضَرُّ من الشفاعةِ والأخذِ. ويقالُ لهذا الشافعِ الذي له الجاه الذي تُقبَلُ به الشفاعةَ: يجبُ عليكَ أن تكونَ ناصحًا للهِ ورسولهِ ولأئمةِ المسلمِينَ وعامَّتِهم، ولو لم يكُنْ لك هذا الجاهُ والمالُ، فكيفَ إذا كان لك هذا الجاهُ والمالُ؟! فأنتَ عليكَ أن تنصحَ المشفوعَ إليه، فتبيِّنَ له من يستحقُّ الولايةَ والاستخدامَ والعطاءَ، ومَن لا يستحقُّ ذلك، وتنصحَ للمسلمِينَ بفعلِ مثلِ ذلك، وتنصحَ للهِ ورسولِه بطاعَتِه، فإن هذا من أعظمِ طاعتِه، وتنفعَ أخاك هذا المستحِقَّ بمعاونتِه على ذلك، كما عليكَ أن تصليَ وتصومَ وتجاهدَ في سبيلِ اللهِ.

стр. 735

وأما الرجلُ المقبولُ الكلامِ؛ فإذا أكَل قدرًا زائدًا عن الضيافةِ الشرعيةِ؛ فلا بدَّ له أن يُكافِئَ المطعِمَ مثلَ ذلك، أو لا يأكلَ القدرَ الزائدَ؛ وإلا فقبولُه الضيافةَ الزائدةَ مثلُ قبولِه الهديةَ، وهو من جنسِ الشاهدِ والشافعِ إذا أدَّى الشهادةَ وأقام بالشفاعةِ، ومَن زكَّى، أو أخرج بضيافةٍ أو جُعْلٍ؛ كان هذا من أسبابِ الفسادِ (١). ومَن اشترى عبدًا ، فوهبه شيئًا حتى أثرى، ثم ظهَر أنه كان حرًّا؛ فله أن يأخُذَ منه ما وهَبَه ظنًّا منه أنه عبدُه (٢). ومجرَّدُ التمليكِ بدونِ القبضِ الشرعيِّ ؛ لا يلزمُ به عقدُ الهبةِ، وللورثةِ انتزاعُه، وكذلك الهبةُ الملجئةُ؛ بحيثُ يُوهَبُ في الظاهرِ ويُقبَضُ، معَ اتفاقِ الواهبِ والموهوبِ له على أنه ينتزِعُه منه إذا شاء، ونحوُ ذلك من الحِيَلِ التي تُجعَلُ طريقًا إلى مَنْعِ الوارثِ أو الغريمِ حقوقَهم، فإذا كان الأمرُ كذلك؛ كانت هبةً باطلةً، وإذا عُرِف ذلك حُكِم ببطلانِه (٣).

стр. 736

وإذا أعاد إليه العينَ الموهوبةَ ؛ فلا شيءَ له غيرُها، لا أجرَتَها، ولا مطالبتَه بالضمانِ، فإنه كان ضامنًا لها، وكان يُطعِمُها بانتفاعِه بها مقابلةً لذلك (١). فَصْلٌ ثبَتَ عنه ﷺ أنه قال لعمرَ: «ما أتاكَ من هذا المالِ وأنتَ غيرُ سائلٍ ولا مُشرِفٍ فخُذْه، وما لا؛ فلا تُتْبِعْه نفسَكَ» (٢)، وثبَتَ أيضًا أنَّ حكيمَ بنَ حِزامٍ سأله فأعطاه، ثم سأله فأعطاه، ثم سأله فأعطاه، ثم قال: «يا حكيمُ، ما أكثرَ مسألتَكَ، إن هذا المالَ خضِرةٌ حُلْوةٌ، فمن أخَذَه بسَخاوةِ نفسٍ؛ بُورِكَ له فيه، ومَن أخَذَه بإشرافِ نفسٍ؛ لم يُبارَكْ له فيه، وكان كالذي يأكُلُ ولا يشبَعُ»، فقال حكيمٌ: والذي بعَثكَ بالحقِّ، لا أرزَأُ بعدَكَ أحدًا شيئًا، فكان أبو بكرٍ وعمرُ يُعطِيانِه؛ فلا يأخُذُ (٣). فتبيَّنَ بهذينِ الحديثينِ: أن الإنسانَ إذا كان سائلًا بلسانِه، أو مُشْرِفًا بقلبِه إلى ما يُعطاه؛ فلا ينبغي أن يقبَلَه؛ إلا حيثُ تُباحُ المسألةُ أو الاستشرافُ، وأما إذا أتاه من غيرِ مسألةٍ ولا إشرافٍ؛ فله أخذُه إن كان

стр. 737

الذي أعطاه حقَّه، كما (١) أعطى النبيُّ ﷺ عمرَ من بيتِ المالِ، فإنه قد كان عمل له، فأعطاه عُمالتَه، وله ألا يقبَلَه، كما فعَل حكيمُ بنُ حِزامٍ. وقد تنازَعَ العلماءُ في وجوبِ القبولِ، وهو مشهورٌ في مذهَبِ أحمدَ وغيرِه. وإن كان أعطاه ما لا يستحقُّه عليه؛ فإن قَبِلَه وكافَأَه عليه؛ فقد أحسَنَ، أما إذا قَبِلَه من غيرِ مكافأةٍ بالمالِ؛ فهذا يجوزُ معَ الحاجةِ، ويدعو له، وأما الغنيُّ فينبغي له أن يكافِئَ بالمالِ، كما في الحديثِ: «مَن أسدى إليكم معروفًا فكافِئوه، فإن لم تجدوا ما تُكافِئوه؛ فادعوا له حتى تعلموا أن قد كافَأْتُموه» (٢) (٣). وإذا صالَحَ عن شيءٍ بأكثرَ من قيمتِه ؛ ففي لزومِ هذه الزيادةِ نزاعٌ في الصلحِ، يُبطِلُه طوائفُ من أصحابِ الشافعيِّ وأحمدَ، ويصَحِّحُه أبو حنيفةَ، وهو قياسُ قولِ أحمدَ وغيرِه، وهو الصحيحُ إن شاءَ اللهُ تعالى (٤).

стр. 738

فَصْلٌ الصدقةُ: ما يُعطَى لوجهِ اللهِ ديانةً وعبادةً (١) محضةً؛ من غيرِ قصدٍ في شخصٍ معينٍ، ولا طلبِ عوضٍ من جهتِه، ولكن يُوضَعُ في مواضعِ الصدقةِ؛ كأهلِ الحاجاتِ. وأما الهديةُ؛ فيُقصَدُ بها إكرامُ شخصٍ معينٍ؛ إما لمحبةٍ وإما لصداقةٍ، وإما لطلبِ حاجةٍ، ولهذا «كان النبيُّ ﷺ يقبلُ الهديةَ، ويثيبُ عليها» (٢)، فلا يكونُ لأحدٍ عليه منةٌ، ولا أكلُ أوساخِ الناسِ التي يتطهرونَ بها من ذنوبِهم، وهي الصدقاتُ، ولم يكُنْ يأكلُ الصدقةَ لذلك وغيرِه. إذا تبيَّنَ ذلك؛ فالصدقةُ أفضلُ، إلا أن يكونَ في الهديةِ معنًى تكونُ به أفضلَ من الصدقةِ؛ مثلُ: الإهداءِ لرسولِ اللهِ محبةً له، ومثلُ: الإهداءُ لقريبٍ يصِلُ به رَحِمَه، أو أخٍ له في اللهِ، فهذا قد يكونُ أفضلَ من الصدقةِ (٣). والرقيقُ الذين يُشتَرون بمالِ المسلمِينَ ؛ كالخيلِ والسلاحِ الذي يُشترَى بمالِ المسلمِينَ، أو يُهدَى لملوكِ المسلمين؛ كلُّ ذلك من أموالِ

стр. 739

بيتِ المالِ، فإذا تصرَّفَ فيهم المالكُ الثاني بعتقٍ أو إعطاءٍ؛ فهو بمنزلةِ تصرُّفِ الأولِ، ينفُذُ تصرفُ الثاني كما ينفُذُ تصرفُ الأولِ، هذا مذهَبُ الأئمَّةِ كلِّهم (١). إذا لم يقبضِ الهبةَ حتى ماتَ الواهب ؛ بطلَتْ في المشهورِ من مذهَبِ الأئمَّةِ الأربعةِ، وإن قبَضَها؛ لم يجُزْ على الصحيحِ أن يختصَّ بها وحدَه؛ بل يشتركُ هو وإخوتُه، وكذا إن كتَب في ذِمَّتِه مبلغًا؛ مثلُ: ألفِ دينارٍ من غيرِ إقباضٍ؛ فهو عقدٌ مفسوخٌ (٢). ومَن وهَب لابنِه هبةً ، ثم تصرفَ فيه، وادعى أنه ملَكَه؛ تضمَّن ذلك الرجوعَ؛ لأنه أقَرَّ إقرارًا يملكُ إنشاءَه. ومَن عليه دينٌ يستغرقُ مالَه ؛ فليس له في مرضِ موتِه أن يتبرعَ بهبةٍ، ولا محاباةٍ، ولا إبراءٍ؛ إلا بإجازةِ الغرماءِ؛ بل ليس للورثةِ حقٌّ إلا بعدَ وفاءِ الدينِ (٣).

стр. 740

وإذا أبرأَتْ زوجَها من صداقِها ، ثم طلَّقها؛ فهل لها الرجوعُ إذا كان يمكنُه (١)؛ لكونِ مثلِ هذا الإبراءِ لا يصدُرُ في العادةِ إلا على أن يُمسِكَها، أو خوفًا من أن يُطلِّقَها، أو يتزوجَ عليها، ونحوِ ذلك؟ فيه قولانِ، هما روايتانِ عن أحمدَ. وأما إن كانت طابَتْ نفْسُها مطلقًا، مثل أن يكونَ ابتداءً منها، أبرأته بلا سببٍ منه ولا عوضَ؛ فهنا لا ترجعُ فيه بلا رَيْبٍ.
следующие страницы →