← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 32

مختصر الفتاوى المصرية - ط ركائز

بدر الدين البعلي

Полный текст (966 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

وإذا أعاد إليه العينَ الموهوبةَ ؛ فلا شيءَ له غيرُها، لا أجرَتَها، ولا مطالبتَه بالضمانِ، فإنه كان ضامنًا لها، وكان يُطعِمُها بانتفاعِه بها مقابلةً لذلك (١). فَصْلٌ ثبَتَ عنه ﷺ أنه قال لعمرَ: «ما أتاكَ من هذا المالِ وأنتَ غيرُ سائلٍ ولا مُشرِفٍ فخُذْه، وما لا؛ فلا تُتْبِعْه نفسَكَ» (٢)، وثبَتَ أيضًا أنَّ حكيمَ بنَ حِزامٍ سأله فأعطاه، ثم سأله فأعطاه، ثم سأله فأعطاه، ثم قال: «يا حكيمُ، ما أكثرَ مسألتَكَ، إن هذا المالَ خضِرةٌ حُلْوةٌ، فمن أخَذَه بسَخاوةِ نفسٍ؛ بُورِكَ له فيه، ومَن أخَذَه بإشرافِ نفسٍ؛ لم يُبارَكْ له فيه، وكان كالذي يأكُلُ ولا يشبَعُ»، فقال حكيمٌ: والذي بعَثكَ بالحقِّ، لا أرزَأُ بعدَكَ أحدًا شيئًا، فكان أبو بكرٍ وعمرُ يُعطِيانِه؛ فلا يأخُذُ (٣). فتبيَّنَ بهذينِ الحديثينِ: أن الإنسانَ إذا كان سائلًا بلسانِه، أو مُشْرِفًا بقلبِه إلى ما يُعطاه؛ فلا ينبغي أن يقبَلَه؛ إلا حيثُ تُباحُ المسألةُ أو الاستشرافُ، وأما إذا أتاه من غيرِ مسألةٍ ولا إشرافٍ؛ فله أخذُه إن كان

стр. 737

الذي أعطاه حقَّه، كما (١) أعطى النبيُّ ﷺ عمرَ من بيتِ المالِ، فإنه قد كان عمل له، فأعطاه عُمالتَه، وله ألا يقبَلَه، كما فعَل حكيمُ بنُ حِزامٍ. وقد تنازَعَ العلماءُ في وجوبِ القبولِ، وهو مشهورٌ في مذهَبِ أحمدَ وغيرِه. وإن كان أعطاه ما لا يستحقُّه عليه؛ فإن قَبِلَه وكافَأَه عليه؛ فقد أحسَنَ، أما إذا قَبِلَه من غيرِ مكافأةٍ بالمالِ؛ فهذا يجوزُ معَ الحاجةِ، ويدعو له، وأما الغنيُّ فينبغي له أن يكافِئَ بالمالِ، كما في الحديثِ: «مَن أسدى إليكم معروفًا فكافِئوه، فإن لم تجدوا ما تُكافِئوه؛ فادعوا له حتى تعلموا أن قد كافَأْتُموه» (٢) (٣). وإذا صالَحَ عن شيءٍ بأكثرَ من قيمتِه ؛ ففي لزومِ هذه الزيادةِ نزاعٌ في الصلحِ، يُبطِلُه طوائفُ من أصحابِ الشافعيِّ وأحمدَ، ويصَحِّحُه أبو حنيفةَ، وهو قياسُ قولِ أحمدَ وغيرِه، وهو الصحيحُ إن شاءَ اللهُ تعالى (٤).

стр. 738

فَصْلٌ الصدقةُ: ما يُعطَى لوجهِ اللهِ ديانةً وعبادةً (١) محضةً؛ من غيرِ قصدٍ في شخصٍ معينٍ، ولا طلبِ عوضٍ من جهتِه، ولكن يُوضَعُ في مواضعِ الصدقةِ؛ كأهلِ الحاجاتِ. وأما الهديةُ؛ فيُقصَدُ بها إكرامُ شخصٍ معينٍ؛ إما لمحبةٍ وإما لصداقةٍ، وإما لطلبِ حاجةٍ، ولهذا «كان النبيُّ ﷺ يقبلُ الهديةَ، ويثيبُ عليها» (٢)، فلا يكونُ لأحدٍ عليه منةٌ، ولا أكلُ أوساخِ الناسِ التي يتطهرونَ بها من ذنوبِهم، وهي الصدقاتُ، ولم يكُنْ يأكلُ الصدقةَ لذلك وغيرِه. إذا تبيَّنَ ذلك؛ فالصدقةُ أفضلُ، إلا أن يكونَ في الهديةِ معنًى تكونُ به أفضلَ من الصدقةِ؛ مثلُ: الإهداءِ لرسولِ اللهِ محبةً له، ومثلُ: الإهداءُ لقريبٍ يصِلُ به رَحِمَه، أو أخٍ له في اللهِ، فهذا قد يكونُ أفضلَ من الصدقةِ (٣). والرقيقُ الذين يُشتَرون بمالِ المسلمِينَ ؛ كالخيلِ والسلاحِ الذي يُشترَى بمالِ المسلمِينَ، أو يُهدَى لملوكِ المسلمين؛ كلُّ ذلك من أموالِ

стр. 739

بيتِ المالِ، فإذا تصرَّفَ فيهم المالكُ الثاني بعتقٍ أو إعطاءٍ؛ فهو بمنزلةِ تصرُّفِ الأولِ، ينفُذُ تصرفُ الثاني كما ينفُذُ تصرفُ الأولِ، هذا مذهَبُ الأئمَّةِ كلِّهم (١). إذا لم يقبضِ الهبةَ حتى ماتَ الواهب ؛ بطلَتْ في المشهورِ من مذهَبِ الأئمَّةِ الأربعةِ، وإن قبَضَها؛ لم يجُزْ على الصحيحِ أن يختصَّ بها وحدَه؛ بل يشتركُ هو وإخوتُه، وكذا إن كتَب في ذِمَّتِه مبلغًا؛ مثلُ: ألفِ دينارٍ من غيرِ إقباضٍ؛ فهو عقدٌ مفسوخٌ (٢). ومَن وهَب لابنِه هبةً ، ثم تصرفَ فيه، وادعى أنه ملَكَه؛ تضمَّن ذلك الرجوعَ؛ لأنه أقَرَّ إقرارًا يملكُ إنشاءَه. ومَن عليه دينٌ يستغرقُ مالَه ؛ فليس له في مرضِ موتِه أن يتبرعَ بهبةٍ، ولا محاباةٍ، ولا إبراءٍ؛ إلا بإجازةِ الغرماءِ؛ بل ليس للورثةِ حقٌّ إلا بعدَ وفاءِ الدينِ (٣).

стр. 740

وإذا أبرأَتْ زوجَها من صداقِها ، ثم طلَّقها؛ فهل لها الرجوعُ إذا كان يمكنُه (١)؛ لكونِ مثلِ هذا الإبراءِ لا يصدُرُ في العادةِ إلا على أن يُمسِكَها، أو خوفًا من أن يُطلِّقَها، أو يتزوجَ عليها، ونحوِ ذلك؟ فيه قولانِ، هما روايتانِ عن أحمدَ. وأما إن كانت طابَتْ نفْسُها مطلقًا، مثل أن يكونَ ابتداءً منها، أبرأته بلا سببٍ منه ولا عوضَ؛ فهنا لا ترجعُ فيه بلا رَيْبٍ.

стр. 741

كِتَابُ الجِرَاحِ من وجَب له القَوَدُ ؛ فله العفوُ، وله أخذُ الديَةِ بغيرِ رضا القاتلِ في مذهَبِ الشافعيِّ وأحمدَ في المشهورِ. وفي روايةٍ أخرى: لا يأخذُ الديَةَ إلا برضا القاتلِ، وهو مذهَبُ أبي حنيفةَ ومالكٍ (١). وإذا خنقه الخَنْقَ الذي يقتلُ غالبًا ؛ وجَب القَوَدُ عندَ الجمهورِ؛ كمالكٍ، والشافعيِّ، وأحمدَ، وصاحِبَيْ أبي حنيفةَ. ولو ادعى أن هذا لا يقتلُ غالبًا؛ لم يُقبَلْ منه بغيرِ حجةٍ. وأما إن كان أحدُهما قد غُشي عليه بعدَ الخنقِ، ورفسَه الآخَرُ برجلِه حتى خرج مِن فمِهِ شيءٌ فمات؛ فهنا يجبُ القَوَدُ بلا رَيْبٍ (٢). ومَن شرب الخمرَ ، ثم قتَل وهو يعلمُ ما يقولُ؛ وجب عليه القَوَدُ. وأما إن كان لا يعلمُ ما يقولُ، ففيه قولانِ، هما روايتانِ، أكثرُ الفقهاءِ يُوجِبونَ القَوَدَ.

стр. 742

فإن لم يشهدْ بالقتلِ إلا واحدٌ؛ لم يُحكَمْ به، إلا أن يحلفَ معَ ذلك أولياءُ المقتولِ خمسينَ يمينًا، وهذا إن مات بضربه، وكان ضربُه عُدوانًا محضًا. فأما إن مات مع الضربِ من آخَر؛ ففي القَوَدِ نزاعٌ، وكذلك إن ضربه دفعًا لعُدوانِه عليه، أو ضرَبَه مثلما ضَربه؛ سواءٌ مات بسببٍ آخرَ أو غيرِه (١). ولو رفسَه في أُنثَيَيْه فمات ؛ فهو عمدٌ؛ لأنه يقتلُ غالبًا. وليس لوليِّ الأمرِ أن يأخذَ من القاتلِ شيئًا لنفْسِه، ولا لبيتِ المالِ، وإنما الحقُّ لأولياءِ المقتولِ (٢). فَصْلٌ القاتلُ خطأً لا يُؤخَذُ منه قِصاصٌ في الدنيا ولا في الآخرةِ؛ بل الواجبُ الكفارةُ والديَةُ. وأما القاتلُ عمدًا إنِ اقتُصَّ منه في الدنيا؛ فهل للمقتولِ أن يستوفيَ حقَّه في الآخرةِ؟ فيه قولانِ في مذهَبِ أحمدَ، وفي مذهَبِ غيرِه فيما أظنُّ.

стр. 743

فقيلَ: يسقُطُ حقُّه؛ لأن الحقَّ استوفيَ. وقيلَ: بل له عليه حقٌّ، فإن حقَّه لم يسقطْ بقتلِ الورثةِ، كما لا يسقطُ حقُّ اللهِ بذلك، وكما لا يسقطُ حقُّ المظلومِ الذي غُصِب مالُه وأُعيدَ إلى ورثتِه؛ بل له أن يطالبَ الظالِمَ بما حرَمَه من الانتفاعِ به في حياتِه (١). ومَن دفنَتْ ابنَها في الحياةِ حتى مات ؛ فهو الوَأدُ، يجبُ عليها القودُ في أحدِ قولي العلماءِ. وفي قولِ الجمهورِ: يجبُ عليها الديَةُ، تكونُ لورثتِه، ليس لها منها شيءٌ باتِّفاقِ الأئمَّةِ. وفي وجوبِ الكفارةِ عليها قولانِ (٢). وكذلك لو عاندَتْ فأسقطَتْ جنينَها، إما بضربٍ أو شربٍ؛ وجب عليها غُرَّةٌ لورثتِه غيرِ أُمِّه، وتكونُ قيمةُ الغُرَّةِ: عُشْرَ الديةِ؛ خمسينَ دينارًا، وعليها عندَ أكثرِ العلماءِ عتقُ رقبةٍ مؤمنةٍ، فإن لم تجدْ فصيامُ شهرينِ متتابعينِ، فإن لم تستطعْ أطعمَتْ ستينَ مسكينًا (٣).

стр. 744

وإسقاطُ الحملِ ؛ حرامٌ بإجماعِ المسلمِينَ، وهو من الوَأْدِ، ومَن تعمَّدَه؛ عُوقِبَ عقوبةً تردَعُه وأمثالَه، وذلك مما يقدحُ في عَدالتِه؛ مثلُ: أن يطَأَ جاريتَه، ويلطخَ ذكَرَه بقَطِرانٍ، أو يسقيَها سمسمًا أو غيرَه مما يَسقُطُ به جنينُها (١). وإذا جنى الصبيُّ خطأً ، ففقأ عينًا، أو قلَع سنًّا؛ فدِيَتُه على عاقلتِه؛ كالبالغِ وأَوْلى. وإن فعلَهُ عمدًا؛ فعمدُه خطأٌ عندَ الجمهورِ، كأبي حنيفةَ، ومالكٍ، وأحمدَ في المشهورِ، والشافعيِّ في أحدِ قولَيْه، وفي القول الآخَرِ: عمدُه في مالِه. وإذا وجَب عليه شيءٌ، ولم يكُنْ له مالٌ؛ حملَهُ عنه أبوه في إحدى الروايتينِ عن أحمدَ، رُوِي ذلك عن ابنِ عبَّاسٍ (٢). والقولُ الآخَرُ: في ذِمَّتِه، وليس على أبيه شيءٌ (٣). وإذا حمل حرٌّ وعبدٌ خشبةً فتهورتْ (٤) على رجلٍ فقتلَتْه؛ فإن حصل

стр. 745

منهما تفريطٌ أو عُدوانٌ؛ وجَب الضمانُ، وإن كان الواقفُ فرَّطَ بوقوفِه حيثُ لا يصلحُ؛ فلا ضمانَ، وإن لم يحصُلْ تفريطٌ من أحدٍ، وكان التلَفُ بمباشرةٍ منهما؛ فعليهما الضمانُ، وإن كان بطريقِ السببِ فلا ضمانَ، والضمانُ عليهما نصفَينِ، ونصيبُ العبدِ في رقبتِه، ولسيدِه فداؤُه، وإن تغيَّبَ؛ فلا شيءَ على السيدِ (١). ولا يجوزُ قتلُ الذميِّ بغيرِ حقٍّ ؛ فإن قتَلَه مسلمٌ؛ فلا قَوَدَ، وعليه ديتُه لورثتِه وكفارةُ القتلِ، وإن كان عمدًا؛ فقد قضى عثمانُ بتضعيفِ الديَةِ (٢)، فيجبُ ديَةُ مسلمٍ (٣). ومظالمُ العبادِ لا تسقطُ بمجرَّدِ استغفارِ العبدِ؛ بل يُوفِّيهم اللهُ من حسناتِ الظالمِ، أو من عندِه (٤). ومَن أقرَّ بالقتلِ مُكرَهًا ؛ فلا يترتبُ عليه حكمٌ بقتلٍ ولا غيرِه إذا لم يتبيَّنْ صدقُ إقرارِه. وإن شهد واحدٌ عدلٌ أنه قتَلَه؛ فهو لَوْثٌ، لأولياءِ المقتولِ أن

стр. 746

يحلفوا خمسينَ يمينًا، ويستحقونَ الدمَ (١). ومَن أُخِذ مالُه فاتَّهَم به رجلًا من أهلِ التُّهَمِ، فضربه على تقريرِه؛ فأقرَّ، ثم أنكَرَ؛ فضربه حتى مات؛ فعليه أن يُعتقَ رقبةً مؤمنةً، وتجبُ ديَةُ المقتولِ، ولو فعل به فعلًا يقتلُ غالبًا بلا حقٍّ ولا شبهةٍ؛ لوجَب القَوَدُ، ولو كانت بحقٍّ لم يجِبْ شيءٌ (٢). وإذا اتَّفقَ الكبارُ من الورثةِ على القتلِ؛ فلهم ذلك عندَ أكثرِ العلماءِ؛ كأبي حنيفةَ، ومالكٍ، [وأحمد] (٣) في إحدى الروايتينِ (٤). ومَن قتَل فعفا عنه الأولياءُ على أنه لا ينزلُ بلادَهم، ولا يسكُنُها، ولم يَفِ بهذا الشرطِ؛ لم يكُنِ العفوُ لازمًا، بل لهم أن يُطالبوه بالديَةِ في قولٍ للعلماءِ، وبالدمِ في قولٍ آخَرَ، وسواءٌ قيلَ: هو شرطٌ صحيحٌ، أم فاسدٌ، وسواءٌ قيلَ: يفسُدُ العقدُ بفسادِه، أم لا، فإن ذينكَ القولَينِ مبنيان (٥) على هذه الأصولِ (٦).

стр. 747

وإذا ضربَهُ فقلَعَ أسنانَه ، وكانت الضربةُ مما يقلعُ الأسنانَ عادةً؛ ففيه القِصاصُ، فيُقلعُ من أسنانِه مثلُ ما قلعَ (١). وإذا قال لزوجتِه: أسقطي ما في بطنِكِ والإثمُ عليَّ، ففعلَتْ وسمعتْ منه؛ فعليهما الكفارةُ، عتقُ رقبةٍ مؤمنةٍ، وعليهما غُرَّةٌ (٢). وإذا أوعَد رجلًا بشيءٍ على أن يقتلَ له فلانًا، ففعل؛ فعلى القاتلِ القَوَدُ، والموعِدُ عليه العقوبةُ التي تردَعُه وأمثالَه، وعندَ بعضِهم: عليه القَوَدُ (٣). ومَن نزل مكانًا ، فجاء لصٌّ سرق قماشَه، فلحِقَ السارقَ فضرَبَه بالسيفِ فمات، وكان هذا هو الطريقَ في استرجاعِ ما معَ السارقِ؛ لم يلزمِ الضاربَ شيءٌ، فقد رُوِي عن ابن عمرَ أن لصًّا دخل دارَه، فقام إليه بالسيفِ، فلولا أنهم ردُّوه عنه لضرَبَه بالسيفِ (٤)، وفي «الصحيحَينِ»: «مَن قُتِل دونَ مالِه فهو شهيدٌ» (٥) (٦).

стр. 748

ومَن أُعلِمَ بوقوعِ ملْكِه ، فلم يَنْقُضْه، فأتلَفَ صغيرًا؛ فعليه الضمانُ في أحدِ قولَيِ العلماءِ (١). فَصْلٌ فِي القَسَامَةِ إذا قال القتيلُ: فلانٌ قتلني؛ فلا يُؤخَذُ بمجرَّدِ قولِه بلا نزاعٍ. وهل يكونُ لَوْثًا يحلفُ معَه أولياءُ المقتولِ إذا كان به أثرٌ لضربٍ أو جُرْحٍ؟ فيه قولانِ: أحدُهما: أنه لَوْثٌ، وهو قولُ مالكٍ. والثاني: لا، وهو قولُ الباقينَ (٢). ولو شهد شاهدانِ لم تثبُتْ عدالتُهما؛ فهو لَوْثٌ، للأولياءِ أن يحلفوا ويستحِقُّوا الدمَ (٣). ومَن أخَذ من أموالِ الناسِ شيئًا يجبُ عليه إحضارُه كالأماناتِ، وادَّعى هلاكَها دَعْوَى تُكذِّبُه العادةُ؛ لم يُلتفَتْ إلى قولِه؛ بل يُعاقَبُ حتى يُحضِرَه، كالمدينِ إذا غيَّب مالَه وأصرَّ على الحبسِ؛ ضُرِب أيضًا.

стр. 749

ومَن عُرِف بالشرِّ ؛ ضُرِب إذا اتُّهِم بسرقةٍ أو غيرِها حتى يعترفَ، ومَن لم يُعرفْ؛ يُحبَسْ حتى يتبيَّنَ أمرُه، ومن عُرِف بالخيرِ؛ لم يُقبَلْ عليه تهمةُ أحدٍ؛ بل لا يُستحلَفُ في أحدِ قولَيِ العلماءِ؛ بل يُؤدَّبُ من اتَّهمَه (١). ومَن اتُّهِم بقتيلٍ ، وهناك لَوْثٌ؛ وهو ما يغلبُ على الظنِّ أنه قتَلَه؛ كعداوةٍ، واستيعادٍ بقتلٍ ونحوِه؛ جاز لأولياءِ المقتولِ أن يَحلِفوا خمسينَ يمينًا، ويستحِقُّونَ دمَه. وأما ضربُه ليُقِرَّ؛ فلا يجوزُ إلا معَ القرائنِ التي تدلُّ على أنه قتَلَه، فإن بعضَهم جوَّزَ تقريرَه بالضربِ في هذه الحالِ، ومنَعَه بعضُهم مطلقًا، وليس على أهلِ البقعةِ جناية لا في العادةِ السلطانيةِ، ولا في حكمِ الشريعةِ (٢). ومَن رأى رجلًا قد قتَل ؛ وهو قاطعُ طريقٍ، وعلِم مِن وُلاةِ الأمرِ أنهم يطلبونَه ليقتلوه، وقدَرَ عليه؛ جاز له قتلُه؛ بل يُؤجَرُ على ذلك، وإن كان قد قتل لغرضٍ كعداوةٍ؛ فالأمرُ إلى أولياءِ المقتولِ؛ إن أذِنوا فيه؛ جاز قتلُه (٣).

стр. 750

روى أبو داودَ عن النُّعْمانِ بنِ بشيرٍ أنه قال لقومٍ طلَبوا منه أن يضربَ رجلًا على تُهَمةٍ، قال: «إن شئتُم ضربتُه لكم، فإن ظهَرَ مالُكم عندَه، وإلا ضربتُكم مثلَ ما ضربتُه»، فقالوا: هذا حكمُكَ؟ فقال: «هذا حكمُ اللهِ ورسولِه» (١)، وهذا في ضرْبِ مَن لم يُعرَفْ بالشرِّ، أما ضرْبُ من يُعرَفُ بالشرِّ؛ فذاك مقامٌ آخَرُ، فيستحقُّ المضروبُ أن يَضربَ من طلبَ ضربَه من المُتَّهِمِينَ له؛ إذا لم يُعرَفْ بالشرِّ قبلَ ذلك (٢). في ذلك دليلٌ: على أنه يجوزُ ضربُ من لم يُعرَفْ بالشرِّ، وقد تقدَّم في كلامِه: أنه لا يُضرَبُ؛ بل يُحبَسُ؛ إما شهرًا، وإما بحسَبِ ما يراه وليُّ الأمرِ؛ حتى يتبيَّنَ أمرُه، فحمْلُه حديثَ النعمانِ على مَن لم يُعرَفْ بشرٍّ؛ مشكِلٌ (٣). ومَن كذَب على رجلٍ حتى ضُرِب وعُلِّق، وطافوا به، وحُبِس؛ فيجبُ عقوبةُ الكاذِبِ عقوبةً تردَعُه وأمثالَه؛ بل جمهورُ السَّلَفِ يُوجِبونَ القِصاصَ في مثلِ ذلك. فمن ضرَب غيرَه أو جرَحَه بغيرِ حقٍّ؛ فإنه يُفعَلُ به كما فعَل؛ كما قال عمرُ: «أيها الناسُ، إني لم أبعَثْ عُمَّالي إليكم ليضْرِبوا أبشارَكم، ولا ليأخُذوا أموالَكم، ولكن ليُعلِّموكم كتابَ اللهِ وسنةَ نبِيِّكم، ويَقسِموا

стр. 751

بينَكم فَيْئَكم، فلا يبلُغُني أن أحدًا ضرَبَه عاملُه بغيرِ حقٍّ؛ إلا أقَدتُّه»، فراجَعَه عمرُو بنُ العاصِ في ذلك، فقال: إن رسولَ اللهِ ﷺ أقادَ من نفْسِه (١) (٢). إذا قتَل جماعةٌ لواحد ؛ قتلوا الذينَ باشروا قَتْلَه، وفيمَن أعانوا؛ مثلُ أن أدخلوهم إلى بيتِه، أو حفِظوا الأبوابَ، ونحوِ ذلك؛ ففي قتلِهم قولانِ للعُلماءِ. وإن كان شارَكَ في قتلِه أولادُه الصغارُ؛ فلا ميراثَ لهم في أحدِ قولَيِ العلماءِ، وهو المشهورُ من مذهَبِ الشافعيِّ وأحمدَ؛ بل يُعاقَبونَ بالتأديبِ، ولا يُقتَلونَ، ومذهبُ أبي حنيفةَ ومالكٍ: يرثونَ (٣).

стр. 752

قطَّاعُ الطريقِ إذا طُلِب أحدٌ من الطائفةِ المفسدةِ الذينَ خرجوا عن الطاعةِ، وفارقوا الجماعةَ، وعَدَوا على المسلمِينَ في دمائِهم وأموالِهم بغيرِ حقٍّ، وقد طُلبوا ليقامَ فيهم أمرُ اللهِ ورسولِه، فعادَ منهم من يقاتلُ ويمتنعُ؛ جاز قتالُه، ولا شيءَ على من قتَلَه؛ بل المحارَبونَ يستوي فيهم الردء والمباشِرُ عندَ جمهورِ الأئمَّةِ؛ أحمدَ ومالكٍ وأبي حنيفةَ، فمن عاوَنَهم؛ كان حكمُه حكمَهم (١). ويجوزُ، بل يجبُ بإجماعِ المسلمِينَ: قتالُ كلِّ طائفةٍ ممتنعةٍ عن شريعةٍ من شرائعِ الإسلامِ الظاهرةِ المتواترةِ؛ مثلُ الطائفةِ الممتنعةِ عن الصلاةِ، أو عن أداءِ الزكاةِ، أو عن الصيامِ المفروضِ من ذلك، ومثلُ: مَن لا يمتنعُ عن سفكِ دماءِ المسلمِينَ وأخذِ أموالِهم، ومثلُ: الشوكةِ المقيمينَ بأرضٍ لا يُصلُّونَ ولا عندَهم مسجدٌ ولا يُؤذِّنونَ، ولا يُزكُّونَ معَ وجوبِها عليهم، ويقتلُ بعضُهم بعضًا، وينهبُ مالَه، ويقتلونَ الأطفالَ، ويَسْبُون ويبِيعونَ ما يسبونَه للإفرنجِ، وإذا دُعِي أحدُهم إلى الشرعِ؛ قال: أنا الشرعُ؛ فهؤلاءِ كلهم يجبُ قتالُهم؛ كما أمر رسولُ اللهِ

стр. 753

بقتلِ الخوارجِ، معَ كونِ أحدِ الصحابةِ يحقِرُ صلاتَه معَ صلاتِهم، وصيامَه معَ صيامِهم، فقاتَلَهم عليٌّ ﵁ (١). ويُدعَونَ قبلَ القتالِ إلى التزامِ شرائعِ الإسلامِ، فإن التزموها؛ استوثِقَ منهم، ولم يُكْتَفَ بمجرَّدِ قولِهم؛ بل تُنزَعُ منهم الخيلُ والسلاحُ، كما فعل أبو بكرٍ ﵁ (٢)؛ حتى يرى منهم السِّلْمَ، ويرسلُ إليهم من يُعلِّمُهم الإسلامَ، ويقيمُ بهم الصَّلاةَ، ويستخدمُ بعضَ المطاعينَ منهم من جندِ المسلمِينَ، ويجعلُهم في جماعةِ المسلمِينَ، ويُمنَعونَ من ركوبِ الخيلِ وأخذِ السلاحِ حتى يَستقيموا، فإن لم يستجيبوا للهِ ورسولِه؛ وإلا وجَب قتالُهم، وهذا مُتَّفَقٌ عليه بينَ علماءِ المسلمينَ (٣). فَصْلٌ هذه الفتنُ التي تقعُ بينَ الناسِ كحرامٍ وثعلبةَ وأمثالِهما؛ من أعظمِ المحرماتِ، وأكبرِ المُنكَراتِ، فيجبُ أن يكونَ بينَ المسلمِينَ من يأمُرُهم بالخيرِ، وهو ما يُحِبُّه اللهُ ورسولُه من عبادتِه وحدَه لا شريكَ له، والاجتماعِ على ما يحبُّه اللهُ ورسولُه، والتعاونِ على البِرِّ والتقوى، ويُؤمَرونَ بالمعروفِ، ويُنهَوْنَ عن المُنكَرِ، والواجبُ أن يُسعَى بينَ هاتينِ

стр. 754

الطائفتينِ بالصلحِ الذي أمَر اللهُ به ورسولُه، ويقالُ لهذه: ما تنقِمُ من هذه؟ ولهذه: ما تنقِمُ من هذه؟. ومن كان من الطائفتينِ يظنُّ أنه مظلومٌ مبغيٌّ عليه، فإذا صبَر وعفا؛ أعَزَّه اللهُ تعالى ونصرَهُ، ومَن كان باغيًا ظالمًا؛ فليتَّقِ اللهَ ولْيتُبْ إليه. وهذه الفتنُ سببُها الذنوبُ، فعلى كلٍّ من الطائفتينِ أن يستغفرَ اللهَ، ويتوبَ إليه، فإنه يرفعُ عنه العذابَ، وتنزِلُ الرحمةُ، قال اللهُ تعالى: ﴿وما كان اللهَ ليعذبهم وأنت فيهم وما كان اللهَ معذبهم وهم يستغفرون﴾ (١). وأجمعَ المسلمونَ على جوازِ مقاتلةِ قُطَّاعِ الطريقِ ، فإذا طلبوا مالًا لمعصومٍ؛ لم يجبْ عليه أن يُعطِيَهم شيئًا باتِّفاقِ الأئمَّةِ؛ بل يدفَعُهم بالأسهلِ فالأسهلِ، فإن لم يَندفِعوا إلا بالقتالِ؛ فله أن يقاتِلَهم، فإن قُتِل كان شهيدًا، وإن قَتَل واحدًا منهم على هذا الوجهِ؛ كان دَمُه هَدرًا، وكذلك إذا طلبوا دمَه. وفي وجوبِ دفعِه عن دَمِه نزاعٌ، هما روايتانِ عن أحمدَ، ولا يجبُ الدفعُ عن مالِه (٢). قال تعالى: ﴿وبشر المخبتين﴾ ، قال عمرُو بنُ أَوْسٍ:

стр. 755

«هم الذينَ لا يَظلمونَ إذا ظُلِموا» (١)، فينبغي الصبرُ على الظالمِ، وألا يُبغى عليه، كما قال ابنُ مسعودٍ: «لو بغَى جبلٌ على جبلٍ؛ لجعل اللهُ الباغيَ منهما دَكًّا» (٢). ومن حكمةِ الشعرِ: قضَى اللهُ أنَّ البَغْيَ يَصرَعُ أَهْلَهُ وَأَنَّ عَلى البَاغِي تَدُورُ الدَّوائِرُ ويشهدُ لهذا قولُه: ﴿إنما بغيكم على أنفسكم﴾ (٣). فَصْلٌ هذه الأُخُوَّةُ التي تقعُ بينَ بعضِ الناسِ في هذا الزمانِ، وقولُ كلِّ واحدٍ منهما: مالي مالُكَ، ودمي دمُكَ، وولدي ولدُكَ، ويشربُ أحدُهما دمَ الآخَرِ؛ فهذا الفعلُ على هذا الوجهِ غيرُ مشروعٍ باتِّفاقِ المسلمِينَ. وإنما كان أصلُ الأُخُوَّةِ أنه ﷺ آخَى بينَ المهاجرينَ والأنصارِ، وحالفَ بينَهم في دارِ أنسِ بنِ مالكٍ (٤)، كما آخَى بينَ سعدِ بنِ الربيعِ

стр. 756

وعبدِ الرحمنِ بنِ عوفٍ (١)، وبينَ سلمانَ وأبي الدَّرْداءِ (٢). وأما ما يذكُرُه بعضُ المصنِّفِينَ من أن النبيَّ ﷺ آخَى عليًّا، وآخَى بين أبي بكرٍ وعمرَ، ونحوِ ذلك؛ فهذا باطلٌ باتِّفاقِ الأئمَّة، فإنه لم يُؤاخِ بينَ مهاجريٍّ ومهاجريٍّ، إنما آخى بينَ المهاجرينَ والأنصارِ، وكانوا يَتوارثونَ بالمؤاخاةِ حتى نزل: ﴿وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض﴾. وتَنازَعوا: هل يُورَّثُ بها عندَ عدَمِ الورثةِ؟ على قولَينِ، هما روايتانِ (٣). وكذلك تنازَعَ الناسُ: هل يُشرَعُ في الإسلامِ أن يتآخى اثنانِ، ويتحالفا؛ كما فعل المهاجرونَ والأنصارُ؟ فقيلَ: إن ذلك منسوخٌ؛ لما رواه مسلمٌ أنه قال: «لا حِلْفَ في الإسلامِ، وما كان من حِلْفٍ الجاهليةِ فلم يزده الإسلامُ إلَّا شدةً» (٤)؛ ولأن اللهَ قد جعل المؤمنينَ إخوةً بنصِّ القرآنِ، وقال: «المسلمُ أخو المسلمِ» (٥)، فمن كان قائمًا بواجبِ الإيمانِ؛ كان أخًا لكلِّ مؤمنٍ، يجبُ عليه أن يقومَ بحقوقِه وإن لم يَجْرِ بينهما عقدٌ خاصٌّ، فإن اللهَ

стр. 757

ورسولَه قد عقدا الأخوةَ بينهما، فيجبُ على كلِّ مسلمٍ أن يكونَ حبُّه وبُغْضُه ومُوالاتُه تَابعًا لأمرِ اللهِ ورسولِه. ومَن الناسِ مَن يقولُ: يُشرَعُ مثلُ تلك المؤاخاةِ والمحالفةِ، وهو يُناسِبُ مَن يقولُ بالتوارثِ بالمحالفةِ؛ لكن لا نزاعَ أن ولدَ أحدِهما لا يصيرُ ولدَ الآخَرِ، فإن اللهَ تعالى قد نسَخ التبنيَ الذي كان في الجاهليةِ؛ حيث كان الرجلُ يتبنَّى ولدَ غيرِه، وكذلك لا يصيرُ مالُ كلِّ واحدٍ مالًا للآخَرِ يُورَثُ عنه، ولكن إذا طابَتْ نفسُ الواحدِ بما يتصرفُ فيه الآخرُ من مالِه؛ فجائزٌ، كما كان السَّلَفُ يفعلونَ، وكان أحدُهما يدخُلُ بيتَ الآخرِ، ويأكُلُ من طعامِه معَ غَيْبتِه؛ لعِلمِه بطيبِ نفْسِه بذلك، كما قال تعالى: ﴿أو صديقكم﴾. وأما شربُ كلٍّ منهما دمَ الآخَرِ؛ فهذا لا يجوزُ، ويُشبهُ الذينَ يتآخَوْنَ متعاونينَ على الإثمِ بالاكتواءِ، وحبِّ المُرْدانِ، وهذا مثلُ مؤاخاةِ من ينتسبُ إلى المشيخةِ والسلوكِ للنساءِ، فيؤاخي أحدُهم المرأةَ الأجنبيةَ، ويخلو بها، وقد أقرَّ طوائفُ من هؤلاءِ بما جرى بينهم من الفواحشِ، فمثلُ هذه المؤاخاةِ مما فيه تعاونٌ على ما نُهِيَ عنه؛ حرامٌ بإجماعِ المسلمِينَ. وإنما النِّزاعُ في مؤاخاةٍ يكونُ مقصودُها التعاونَ على البرِّ والتقوى؛ تجمَعُهما السُّنَّةُ، وتُفرِّقُهما البدعةُ؛ فأكثرُ العلماءِ لا يَرَوْنَها؛ اكتفاءً بالأخوةِ في الإسلامِ التي عقَدها اللهُ ورسولُه. وبالجملةِ: فكلُّ شرطٍ ليس في كتابِ اللهِ فهو باطلٌ، وإن كان مائةَ

стр. 758

شرطٍ؛ سواءٌ البيعِ والإجارةِ والأخوةِ والمشيخةِ وغيرِها (١). وإذا اقتتَلَ طائفتانِ من الفلاحينَ وغيرِهم، فانهزَمَ منهم أحدٌ توبةً وخوفًا من اللهِ؛ لم يُحكَمْ له بالنارِ. وأما إن كان انهزَمَ عجزًا، ولو قدَرَ على خَصْمِه لقتَلَه؛ فهو في النارِ، كما قال ﷺ : «إذا التقى المسلمانِ بسَيْفَيْهما فالقاتلُ والمقتولُ في النارِ» (٢)، فإذا كان المقتولُ في النارِ معَ كونِه أسوأَ حالًا من المنهزم، فكيفَ بالمهزومِ؟! فمصيبةُ قتلِه لم تُكفِّرْ ما كان حريصًا عليه من قتلِ صاحبِه، ولهذا قال طائفةٌ من الفقهاءِ: إن منهزِمَ البُغاةِ يُقتَلُ إذا كان له طائفةٌ يأوي إليها فيُخافُ عَودُه، بخلافِ المُثخَنِ منهم. والمقتولُ قد يقالُ: إنه يُكفَّرُ عنه بعضُ ذنبِه، معَ كونه من أهلِ النارِ، بخلافِ المهزومِ المُصِرِّ على الحِنْثِ العظيمِ؛ فهو أسوَأُ حالًا منه (٣). والنُّصَيْريةُ الإسماعيليةُ ؛ الملاحدةُ، القرامطةُ، الباطنيةُ، الخُرَّميةُ، المحمِّرةُ؛ كلُّ هذه أسماءٌ لهم؛ أجمع المسلمونَ على أنَّه لا تجوزُ مُناكَحتُهم، ولا يجوزُ أن يُنكِحَ الرجلُ موليَّتَه منهم، ولا تُباحُ ذبائِحُهم.

стр. 759

وفي الجبنِ المعمولِ بإنْفَحَتهم قولانِ؛ كإنْفَحَةِ ذبيحةِ المجوسِ، وأوانيهم وثيابُهم كأواني المجوسِ وثيابِهم، ولا يجوزُ دفنُهم في مقابرِ المسلمِينَ، ولا يُصلَّى عليهم. واستخدامُ مثلِ هؤلاءِ في حصونِ المسلمِينَ وثغورِهم؛ من الكبائرِ المحرَّمةِ، بمنزلةِ مَن يستخدمُ الذئابَ لرَعْيِ الغنمِ. والواجبُ قطعُهم من الدواوينِ، ولا يجوزُ تأخيرُ هذا الواجبِ حيثُ قدرَ عليه، ودماؤُهم وأموالُهم؛ حلالٌ مباحةٌ. وإذا أظهروا التوبةَ؛ ففي قبولِها منهم نزاعٌ بينَ العلماءِ، فمن قَبِلَ توبتَهم؛ أقرَّهم على الأموالِ التي لهم، ومن لم يقبلْ توبتَهم؛ فمالُهم فيءٌ لبيتِ المالِ، وأصلُ مذهبِهم التَّقِيَّةُ، فإذا أُخِذوا أظهروا التوبةَ، فالطريقُ ألَّا يُترَكوا مجتمعِينَ، ولا يُمكَّنونَ من حملِ السلاحِ، ويلزمونَ شرائعَ الإسلامِ، وتركَ ركوبِ الخيلِ، كما فعَلَ أبو بكرٍ بأهلِ الرِّدَّةِ (١)، فمَنْ أظهرَ الإسلامَ، والتهمةُ ظاهرةٌ عليه؛ عومِلَ بذلك. ولا رَيْبَ أن جهادَ هؤلاءِ وإقامةَ الحدودِ عليهم من أعظمِ الطاعاتِ، وأكبرِ الواجباتِ، وأفضلُ من جهادِ المشركينَ وأهلِ الكتابِ، ولا يحلُّ لأحدٍ أن يكتمَ ما يعرفهُ من أخبارِهم، بل يفشيها. والجهادُ أفضلُ من الحجِّ والعمرةِ (٢).

стр. 760

فَصْلٌ (١) من لعَن أحدًا من أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ ؛ كمعاويةَ وعمرِو بنِ العاصِ، أو من هو أفضلُ من هؤلاءِ؛ كأبي موسى وأبي هُرَيرةَ، أو من هو أفضلُ من هؤلاءِ؛ كطلحةَ، والزُّبَيرِ، أو عثمانَ، أو عليٍّ، أو أبي بكرٍ، أو عمرَ، أو عائشةَ، أو نحوِ هؤلاءِ من أصحابِ النبيِّ ﷺ ؛ فإنه مستحِقٌّ للعقوبة البليغة باتِّفاقِ المسلمِينَ. وتَنازَعوا: هل يُعاقَبُ بالقتلِ، أو ما دونَ القتلِ؟ وقد ثبَتَ في الصحيحِ أنه قال: «لا تسُبُّوا أصحابي، فوالذي نفسي بيدِه لو أنفَقَ أحدُكم مثلَ أُحُدٍ ذهبًا؛ ما بلَغ مُدَّ أحدِهم، ولا نَصِيفَه» (٢)، واللعنةُ أعظمُ من السبِّ، وقال: «لعنُ المؤمنِ كقتلِه» (٣). وأصحابُه خيارُ المؤمنينَ، كما قال: «خيرُ القُرونِ قَرْني، ثم الذينَ يلونَهم» (٤)، وكلُّ مَن رآه؛ فله من الصحبةِ بقدرِ ذلك. ولما كان لفظُ: «الصحبةِ» فيه عمومٌ وخصوصٌ؛ كان من اختَصَّ من الصحبةِ بما يتميزُ به عن غيرِه يوصفُ بتلك الصحبةِ دونَ من لم يشرَكْه

стр. 761

فيها، كما قال في حديثِ أبي سعيدٍ لخالدِ بنِ الوليدِ لما اختَصمَ هو وعبدُ الرحمنِ: «يا خالدُ، لا تسُبُّوا أصحابي، فوالذي نفسي بيدِه لو أنفَقَ أحدُكم مثلَ أُحُدٍ ذهبًا ما بلَغ مُدَّ أحدِهم، ولا نَصِيفَه»، فإنَّ عبدَ الرحمنِ بنَ عوفٍ هو وأمثالُه من السابقينَ الأولينَ من الذينَ أنفقوا قبلَ الفتحِ - فتحِ الحُدَيْبيةِ - وقاتلوا، وخالدٌ وغيرُه ممن أسلمَ بعدَ الحديبيةِ، وأنفقوا وقاتلوا، دونَ أولئكَ، قال تعالى: ﴿لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئكَ أعظم درجة من الذينَ أنفقوا من بعدَ وقاتلوا﴾. والمرادُ بالفتحِ: فتحُ الحديبيةِ، لما بايعَ أصحابَه تحتَ الشجرةِ، وكان الذين بايعوه أكثرَ من ألفٍ وأربعمائةٍ، وهم الذين فتحوا خيبرَ، وقد قال: «لَا يَدخُل النارَ أحدٌ بَايعَ تحتَ الشجرةِ» (١)، وسورةُ الفتحِ التي فيها ذلك؛ أنزلها اللهُ قبلَ فتحِ مكةِ؛ بل قبلَ أن يعتمرَ النبيُّ ﷺ عمرةَ القضيةِ، وكان قد بايعَ أصحابَه تحتَ الشجرةِ عامَ الحديبيةِ سنةَ ستٍّ من الهجرةِ، وصالَحَ المشركينَ صلحَ الحديبيةِ المشهورَ، وبذلك الصلحُ حصَل من الفتحِ والخيرِ ما لا يعلمُه إلا اللهُ، معَ أنه قد كان كرِهَه خلقٌ من المسلمِينَ، ولم يعلموا ما فيه من حسنِ العاقبةِ؛ حتى قال سَهْلُ بنُ حُنَيفٍ: «أيها الناسُ، اتَّهِموا أنفسَكم، فلقد رأيتُني يومَ أبي جَنْدلٍ، ولو أستطيعُ أن أرُدَّ أمرَ رسولِ اللهِ لردَدتُّه» رواه البخاريُّ (٢).

стр. 762

فلما كان من العامِ القابلِ؛ اعتَمرَ رسولُ اللهِ ﷺ عمرةَ القضيةِ، ودخل هو ومَن اعتَمرَ معَه مكةَ معتمرينَ، وأهلُ مكةَ يومئذٍ معَ المشركينَ، ولما كان في العامِ الثامنِ فتَحَ مكةَ في شهرِ رمضانَ، وقد أنزل اللهُ في سورةِ الفتحِ: ﴿لتدخلن المسجد الحرام إن شاءَ اللهُ آمنين … ﴾ إلى قولِه: ﴿فجعل من دون ذلك فتحا قريبا﴾، فوَعَدهم في سورةِ الفتحِ أن يدخلوا مكةَ آمنينَ، وأنجَزَ موعِدَهُ من العامِ الثاني عامُ القضيةِ، وأنزل في ذلك: ﴿الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص﴾، وذلك كلُّه قبلَ فتحِ مكةَ. فمَن توهَّم أن سورةَ الفتحِ نزلَتْ بعدَ فتحِ مكةَ؛ فقد غلِطَ غلَطا بيِّنًا. والمقصودُ: أن الذينَ صحِبوه قبلَ الفتحِ؛ اختصُّوا من الصحبةِ بما استحقوا به التبْرِيزَ على مَن بعدَهم، حتى قال لخالدٍ: «لَا تَسبُّوا أصحَابي»؛ فإنهم صحِبوه قبلَ أن يصحَبَه خالدٌ وأمثالُه. ولما كان لأبي بكرٍ الصدِّيقِ من مَزِيَّةِ الصحبةِ ﵁ ما تميَّزَ به على جميعِ الصحابةِ؛ خصَّه بذلك فيما رواه البخاريُّ: أنه كان بينَ أبي بكرٍ وعمرَ كلامٌ، فطلب أبو بكرٍ من عمرَ أن يستغفرَ له، فامتنعَ عمرُ، وجاء أبو بكرٍ إلى النبيِّ، فذكَر له ما جرى، ثم قدِمَ عمرُ، فخرج يطلُبُ أبا بكرٍ في بيتِه، فذُكِر له أنه كان عندَ النبيِّ ﷺ ، فلما جاء عمرُ أخَذَ النبيُّ ﷺ يغضَبُ لأبي بكرٍ، وقال: «أيها الناسُ، إني جئتُ إليكم، فقلتُ: إنِّي رسولُ اللهِ إليكم، فقلتُم: كذَبتَ، وقال أبو بكرٍ: صدَقْتَ، فهل أنتم تاركو لي صاحبي؟! فهل أنتم تاركو لي صاحبي؟! فهل أنتم تاركو لي

стр. 763

صاحبي؟!»، فما أُوذِيَ بعدَها (١)، فخَصَّه باسم الصُّحبةِ كما خَصَّه به القرآنُ مِن قولِه: ﴿إذ يقول لصاحبه لا تحزن﴾، وقال: «إن أمَنَّ الناسِ عليَّ في صحبتِه وذاتِ يدِه: أبو بكرٍ، ولو كنتُ متخِذًا من أهلِ الأرضِ خليلًا؛ لاتخذتُ أبا بكرٍ خليلًا؛ ولكنَّ صاحِبَكم خليلُ اللهِ، لا تبقَيَنَّ في المسجدِ خَوخةٌ إلا سُدَّتْ؛ إلا خَوخةَ أبي بكرٍ» (٢)، وهذا حديثٌ من أصحِّ حديثٍ يكونُ باتِّفاقِ أهلِ الخبرة. فعمومُ الصحبةِ يندرجُ فيه كلُّ مَن رآه مؤمنًا به، ولهذا يقالُ: صحِبتُه سنةً، وشهرًا، وساعةً. ومعاويةُ وعمرو (٣) هم من المؤمنينَ، لم يتَّهِمْهم أحدٌ من السَّلَفِ بنفاقٍ؛ بل ثبَتَ في الصحيحِ أن عمرَو بنَ العاصِ لما بايَعَ النبيَّ ﷺ قال: على أن يُغفَرَ لي ما تقدَّم من ذنبي، فقال: «يا عمرُو، أما علِمتَ أن الإسلامَ يهدِمُ ما قبلَه، والهجرةَ تهدِمُ ما قبلَها، والحجَّ يهدِمُ ما كان قبلَه» (٤)، والإسلامُ الهادمُ: هو إسلامُ المؤمنينَ. وأيضًا فعمرٌو وأمثالُه ممن قدِم مهاجرًا بعدَ الحُدَيْبيةِ؛ هاجروا من بلادِهم طَوْعًا، والمهاجرونَ لم يكُنْ فيهم منافقٌ، وإنما كان النفاقُ في بعضِ الأنصارِ، وذلك لأن الأنصارَ هم أهلُ المدينةِ، فلما أسلَمَ

стр. 764

أشرافُهم وجمهورُهم؛ احتاجَ الباقونَ أن يُظهِروا الإسلامَ نفاقًا؛ لعزِّ الإسلامِ وظهورِه في قومِهم، وأما أهلُ مكةَ فكان أشرافُهم كفارًا، فلم يكُنْ يُظهِرُ الإسلامَ إلا من هو مؤمنٌ ظاهرًا وباطنًا، فإن من أظهرَ الإسلامَ كان يُؤذَى ويُهجَرُ، فالمهاجرونَ كلُّهم لم يُتَّهَمْ أحدٌ بالنفاقِ، ولعنُ المؤمنِ كقَتْلِه. وأما معاويةُ بنُ أبي سُفْيانَ، وأمثالُه من الطلقاءِ الذينَ أسلموا بعدَ الفتحِ؛ كعِكْرمةَ بنِ أبي جهلٍ، والحارثِ بنِ هشامٍ، وسُهَيلِ بنِ عمرٍو، وصفوانَ بنِ أميةَ، وأبي سفيانَ بنِ الحارثِ بنِ عبدِ المطلبِ؛ ممن حسُنَ إسلامُهم باتِّفاقِ الناس، ولم يُتَّهَمْ أحدٌ منهم بعدَ ذلك بنفاقٍ. ومعاويةُ قد استَكْتَبَه رسول الله، وكان أكثرَ الناسِ كتابةً له، وقد رُوِي بإسنادٍ جيدٍ أن النبيَّ ﷺ قال: «اللهُمَّ علِّمْه الكتابَ والحسابَ، وقِهِ العذابِ» (١)، وكان أخوه يزيدُ بنُ أبي سفيانَ خيرًا منه وأفضلَ، وهو أحدُ الأمراءِ الذينَ بعَثَهم أبو بكرٍ ﵁ في فتحِ الشامِ، ووصَّاه بوصيةٍ معروفةٍ، وأبو بكرٍ ماشٍ ويزيدُ راكبٌ، فقال له يزيدُ: يا خليفةَ رسولِ اللهِ؛ إما أن تركبَ، وإما أن أنزلَ، قال: «لستُ براكبٍ، ولستَ بنازلٍ، إني أحتسِبُ خُطاي في سبيلِ اللهِ» (٢)، وعمرُو بنُ العاصِ كان هو الأميرَ الآخَرَ، والثالثُ: شُرَحْبيلُ بنُ حَسَنةَ، والرابعُ: خالدُ بنُ الوليدِ، وهو أميرُهم المُطلَقُ ﵃ أجمعينَ، ثم عزَله عمرُ، وولَّى أبا عُبَيدةَ الذي شهِدَ

стр. 765

له الرسولُ بأنه أمينُ هذه الأمةِ (١)، فكان فتحُ الشامِ على يدِ أبي عُبَيدةَ، وفتحُ العراقِ على يدِ سعدِ بنِ أبي وقاصٍ. ثم لما مات يزيدُ بنُ أبي سفيانَ في خلافةِ عمرَ؛ استَعملَ مكانَه أخاه معاويةَ، وكان عمرُ بنُ الخطابِ من أعظمِ الناسِ فِراسةً، وأخبرِهم بالرجالِ، وأقومِهم بالحقِّ، وأعلَمِهم به، حتى قال عليٌّ: «كنا نتحدَّثُ أن السكينةَ تنطقُ على لسانِ عمرَ» (٢)، وقال ﷺ : «إن اللهَ ضرب الحقَّ على لسانِ عمرَ وقلبِه» (٣)، وقال: «لو لم أُبعَثْ فيكم؛ لبُعِثَ عمرُ» (٤)، وما استَعملَ عمرُ ولا أبو بكرٍ منافقًا، ولا استَعملا من أقاربِهما، ولا كان تأخُذُهما في اللهِ لومةُ لائمٍ؛ بل لما قاتلوا أهلَ الرِّدَّةِ، وأعادوهم (٥) إلى الإسلامِ؛ منَعوهم ركوبَ الخيلِ، وحملَ السلاحِ، فكان عمرُ يقولُ لسعدِ بنِ أبي وَقَّاصٍ، وهو أميرُ العراقِ: «لا تستعملْ منهم أحدًا، وأن تشاوِرَهم (٦) في حروبِهم» (٧)، فإنهم كانوا أمراءَ أكابرَ؛ مثلُ: طليحةَ

стр. 766

الأسديِّ، والأقرعِ بنِ حابسٍ، وعُيَيْنةَ بنِ حِصْنٍ، والأشعثِ بنِ قيسٍ، وأمثالِهم. فهؤلاءِ لما تخوَّفَ أبو بكرٍ وعمرُ منهم نوعَ نفاقٍ؛ لم يُولُّوهم على المسلمِينَ، فلو كان عمرُو بنُ العاصِ ومعاويةُ ممن يُتخوَّفُ منهما النفاقُ؛ لم يُولُّوهما على المسلمِينَ؛ بل قد أمَّرَ عمرَو بن العاص رسولُ اللهِ في غزوةِ ذاتِ السلاسلِ (١)، والنبيُّ ﷺ لم يُوَلِّ على المسلمِينَ منافقًا، واستعمل على نجرانَ أبا سفيانَ بنَ حربٍ (٢)، أبو معاويةَ، ومات رسولُ اللهِ وأبو سفيانَ نائبُه؛ وقد اتفقَ المسلمونَ على أنَّ إسلامَ معاويةَ خيرٌ من إسلامِ أبيهِ، بل جميعُ علماءِ الصحابةِ متَّفِقونَ على صدقِهم، والأخذِ عنهم، وإذا كانوا مؤمنينَ محبينَ للهِ، فمَن لعَنَهم فقد عصى اللهَ. وأئمةُ الدينِ لا يعتقدونَ عصمةَ أحدٍ من الصحابةِ، ولا من القرابةِ؛ بل يُجوِّزونَ عليهم وقوعَ الذنوبِ، واللهُ تعالى يغفرُ لهم، وقصةُ حاطبِ في الصحيحِ (٣)، فقد غُفِر له الذنبُ العظيمُ بشهودِه بدرًا، والصحابةُ لهم من الحسناتِ العظيمةِ والأسبابِ التي تمحو السيئاتِ أعظمُ نصيبٍ، وقد

стр. 767

قال تعالى: ﴿ليكفر الله عنهم أسوأ الذي عملوا﴾، هذا في الذنوبِ المحقَّقةِ، وأما ما اجتهدوا فيه؛ فتارةً يصيبونَ، وتارةً يخطئونَ، وهم مأجورون على الحالتينِ. فأهلُ السُّنَّةِ لا يُعصِّمونَ ولا يُؤثِّمونَ، بخلافِ أهلِ البِدَعِ الذينَ غلَوا من الجانبينِ، طائفةٌ عصَّمتْ، وطائفةٌ أثَّمَتْ، فتولَّد بينهم من البِدَعِ ما سبُّوا به السَّلَفَ؛ بل يُفسِّقونَهم ويُكفِّرونَهم، كما كفَّرتِ الخوارجُ عليًّا وعثمانَ، واستحلوا قتالَهم، وهم الذينَ قال فيهم: «تمرُقُ مارقةٌ على خيرِ فرقةٍ من المسلمِينَ، فيقتُلها أَوْلى الطائفتينِ إلى الحقِّ» (١)، فقتَلهم عليٌّ ﵁، وقال: «إن ابني هذا سيدٌ، وسيُصلِحُ اللهُ به بينَ فِئَتَيْنِ عظيمتينِ من المسلمِينَ» (٢)، فأصلَحَ اللهُ به بينَ شيعةِ عليٍّ وشيعةِ معاويةَ، فدل على أنه فعل ما أحبَّه اللهُ ورسولُه، وأن الفئتينِ من المسلمين ليسوا مثلَ الخوارجِ الذينَ أُمِر بقتالِهم، ولهذا فرِحَ عليٌّ بقتالِ الخوارجِ، وحزن بقتالِ صِفِّينَ، وأظهر الكآبةَ والألَمَ. وتبرئةُ الفريقينِ من الكفرِ والنفاقِ، والترحُّمُ عليهما؛ من أهدى الأمورِ التي اتفَق عليها عليٌّ وجميعُ الصحابةِ، وشهِدَ القرآنُ بأن اقتتالَ المؤمنينِ لا يُخرِجُهم من الإيمانِ، والحديثُ المرويُّ: «إذا اقتتل خليفتانِ فأحدُهما ملعونٌ»؛ كذِبٌ مفترًى، لم يَرْوِه أحدٌ من أهلِ العلمِ بالحديثِ.

стр. 768

ومعاويةُ لم يدَّعِ الخلافةَ، ولم يُبايَعْ له بها حينَ قاتلَ عليًّا، ولم يُقاتِلْه على أنه خليفةٌ، ولا أنه يستحقُّ الخلافةَ، ولا كان هو وأصحابُه يَرَوْنَ أن يبدؤوا عليًّا بالقتالِ؛ بل لما رأى عليٌّ أن لا يكونَ للناسِ خليفتانِ، وهؤلاء لهم شوكةٌ، وهم خارجون عن طاعتِه؛ رأى أن يقاتلَهم حتى يؤدوا الواجبَ، وهم قالوا: إنَّ ذلك لا يجبُ عليهم، وأنهم إذا قوتلوا على ذلك يكونوا مظلومينَ؛ لأن عثمانَ قُتِل مظلومًا باتِّفاقِ المسلمِينَ، وقتَلَتُه في عسكرِ عليٍّ، وهم غالبونَ، لهم شوكةٌ، فإذا لم نمتنعْ ظلمونا واعتدوا علينا، وعليٌّ لا يمكنُه دفعُهم، كما لم يمكنُه الدفعُ عن عثمانَ، وإنما علينا أن نبايعَ خليفةً يقدرُ على أن يُنصِفَنا، ويبذُلَ لنا الإنصافَ. وكان في جُهَّالِ الفريقينِ مَن يظُنُّ بعليٍّ وعثمانَ ظنونًا كاذبةً، برَّأَهما اللهُ منها، منهم مَن ظنَّ أن عليًّا أمر بقتلِه، وكان يحلفُ - وهو البارُّ الصادقُ بلا يمينٍ - أنه لم يقتلْه، ولا رضي بقتلِه، ولم يُمالِئْ على قتلِه، وهذا معلومٌ بلا رَيْبٍ من عليٍّ ﵁، فكان أناسٌ من مُحِبِّي عليٍّ ومِن مُبغِضِيه يُشِيعونَ ذلك عنه، فمُحِبُّوه يقصدونَ الطعنَ على عثمانَ، وأنه كان يستحقُّ القتلَ، وأن عليًّا أمر بقتلِه، ومبغِضوه يقصدونَ الطعنَ على عليٍّ، وأنه أعان على قتلِ الخليفةِ المظلومِ الشهيدِ الذي صبَّر نفْسَه، ولم يدفَعْ عنها، ولم يسفِكْ دمَ مسلمٍ في الدفعِ عنه، فكيفَ في طلبِ طاعتِه؟!

стр. 769

وأمثالُ هذه الأمورِ التي يُتسبَّبُ بها على المتشيِّعينَ العثمانيةِ والعلويةِ، وكلٌّ منَ الشيعتين مقرَّةٌ مع ذلك بأنَّ معاويةَ ليس كُفُؤاً لعليٍّ بالخلافةِ، ولا يجوزُ أن يكونَ خليفةً معَ إمكانِ استخلافِ عليٍّ، فإن فضلَ عليٍّ وسابقتَه وعلمَه ودينَه وشجاعتَه وسائرَ فضائلِه؛ كانت عندَهم ظاهرةً معروفةً، كفضلِ إخوانِه؛ أبي بكرٍ وعمرَ وعثمانَ وغيرِهم، ولم يكُنْ بقِيَ من أهلِ الشورى غيرُه وغيرُ سعدٍ؛ لكنَّ سعدًا قد ترك هذا الأمرَ، وكان الأمرُ قد انحصرَ في عثمانَ وعليٍّ، فلما تُوُفِّي عثمانُ؛ لم يبقَ لها معينٌ إلا عليٌّ ﵁، وإنما وقع الشرُّ بسببِ قتلِ عثمانَ، فحصَل بذلك قوةُ أهلِ الظلمِ والعدوانِ، وضعْفُ أهلِ العلمِ والإيمانِ؛ حتى حصل من الفرقةِ والاختلافِ ما صار يُطاعُ فيه مَن غيرُه أَوْلى منه بالطاعةِ، ولهذا أمر اللهُ بالطاعةِ والائتلافِ، ونهى عن الفرقةِ والاختلافِ. وأما الحديثُ الذي فيه: «إن عمارًا تقتُلُه الفئةُ الباغيةُ»، فقد طعَن فيه طائفةٌ من أهلِ العلمِ، لكن رواه مسلمٌ في صحيحِه، وهو في بعضِ نسخِ البخاريِّ (١). وقد تأوَّلَه بعضُهم على أن المرادَ بالباغيةِ: الطالبةُ بدمِ عثمانَ، كما قالوا: نبغي ابنَ عَفَّانَ بأطرافِ الأَسَلْ (٢)

стр. 770

وليس بشيءٍ؛ بل يقالُ: ما قالَه رسول الله حقٌّ. وليس في كونِ عماراً تقتُلُه الفئةُ الباغيةُ ما ينافي ما ذكَرْناه، فإن اللهَ تعالى قال: ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما﴾ إلى قولِه: ﴿إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بينَ أخويكم﴾، فجعَلهم معَ وجودِ الاقتتالِ والبغيِ؛ مؤمنينَ إخوةً؛ بل مع أمرِه بقتالِ الباغيةِ، وليس كلُّ مَا كان بغيًا يخرُجُ عن الإيمانِ، ولا يوجِبُ اللعنةَ، خصوصًا المتأولَ المجتهدَ؛ كأهلِ العلمِ والدينِ الذينَ اجتهدوا واعتقدوا حِلَّ أمورٍ اعتقد الآخَر تحريمَها؟! كما استحلَّ بعضُهم بعضَ أنواعِ الأشربةِ، وبعضَ المعاملاتِ الربويةِ، وعقودَ التحليلِ والمتعةِ، وأمثالُ ذلك كثيرٌ، فغايةُ المجتهدِ أن يكونَ مخطئًا مغفورًا له خطَؤُه، كما ثبَتَ في الصحيحِ أن اللهَ تعالى استجاب دعاءَ النبيِّ والمؤمنينَ في قولِه: ﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا … ﴾ الآيةَ (١)، وقد حكَم داودُ وسليمانُ في الحَرْثِ، وأثنى الله عليهما، وإن كان قد خصَّ أحدَهما بالعلمِ والحكمِ، والعلماءُ ورثةُ الأنبياءِ، فإذا فهم أحدُهم من العلمِ ما لم يفهَمْه الآخَرُ؛ لم يكُنْ ملومًا، وإن كان لو فعله وقالَه معَ علمِه؛ يكونُ ملومًا؛ بل تحليلُ الحرامِ وتحريمُ الحلالِ كفرٌ. والبغيُ من هذا البابِ، يكونُ الباغي مجتهدًا ومتأوِّلًا، ولم يتبيَّنْ له أنه باغٍ؛ بل يعتقدُ أنه على الحقِّ، وإذا كان كذلك لم يكُنْ تسميتُه باغيًا

стр. 771

مُوجِبًا لإثْمِه؛ فضلًا عن أن يُوجِبَ فسقَه، والذينَ يقولونَ بقتالِ البُغاةِ المتأولينَ لا يحكمونَ بفِسْقِهم؛ بل هم باقونَ على عدالتِهم، وقتالُهم لدفعِ ضررِ بَغْيِهم، لا عقوبةً لهم، كما يُمنَعُ الصبيُّ والمجنونُ والنائمُ والناشئُ من عُدوانٍ يصدُرُ منهم؛ بل البهائمُ تُمنَعُ من العُدوانِ، ويجبُ على مَن قَتَل مؤمنًا خطأً؛ الديةُ بالنصِّ، معَ أنه لا إثمَ عليه، وهكذا من رُفِع إلى الإمامِ من أهلِ الحدودِ، وتاب بعدَ القدرةِ عليه؛ يقامُ عليه الحدُّ، والتائبُ من الذنبِ كمَن لا ذنبَ له. ثم بتقديرِ أن يكونَ البغيُ بغيرِ تأويلٍ يكونُ ذنبًا؛ والذنوبُ تزولُ عقوبتُها بأسبابٍ متعددةٍ؛ كالتوبةِ، والحسناتِ، والمصائبِ، والشفاعةِ، وعفوِ أرحمِ الراحمينَ. ثم إن: «عَمَّارًا تقتُلُه الفئةُ الباغيةُ»؛ ليس نصًّا في معاويةَ وأصحابِه؛ بل يمكنُ أن يرادَ تلك العصابةُ التي حمَلَتْ عليه حتى قتلَتْه، وهي طائفةٌ من العسكرِ، ومَن رضي بقتلِ عمارٍ كان حكمُه حكمَها، ومن المعلومِ أن العسكر كانَ فيهِ مَن لم يرضَ بقتلِه؛ كعبدِ اللهِ بن عمرو (١) بنِ العاصِ وغيرِه؛ بل كلُّ الناسِ كانوا مُنكِرِينَ لقتلِ عمارٍ؛ حتى معاويةُ وعمرُو بنُ العاصِ وغيرُهما، ويُروَى أن معاويةَ تأوَّلَ أن الذي قتلَه هو الذي جاء به إلى سيوفِ (٢) مقاتلَتِه (٣)، وأن عليًّا رد ذلك بقولِه: «فنحنُ إذن قتَلْنا

стр. 772

حمزةَ» (١)، ولا رَيْبَ أن قولَ عليٍّ هو الصوابُ. لكن مَن نظَر في كلامِ المتناظرينَ الذينَ ليس بينهم قتالٌ ولا ملكٌ؛ رأى لهم من التأويلاتِ ما هو أضعفُ من ذلك، فلم يَرَ معاويةُ أنه قتَل عمارًا، ولم يعتقدْ أنه باغٍ، فهو متأوِّلٌ، والفقهاءُ ليس فيهم مَن رأيه القتالُ معَ من قتَل عمارًا؛ لكن لهم قولانِ مشهورانِ، كما كان عليه أكابر الصحابةِ، منهم مَن يرى القتالَ معَ عمارٍ وطائفتِه، ومنهم من يرى الإمساكَ عن القتالِ مطلقًا، وفي كلٍّ من الطائفتينِ طوائفُ من السابقينَ الأولينَ، ففي القولِ الأول: عمارٌ، وسَهْلُ بن حُنَيفٍ، وأبو أيوبَ. وفي الثاني: سعدُ بنُ أبي وقاصٍ، ومحمدُ بنُ مَسْلمةَ، وأسامةُ، وعبدُ اللهِ بنُ عمر. ولعلَّ أكثر أكابرَ الصحابةِ كانوا على هذا القولِ، ولم يكُنْ في العسكرَينِ بعدَ عليٍّ أفضلُ من سعدٍ، وكان من القاعدينَ. وحديثُ عمارٍ قد يَحتَجُّ به من رأى القتالَ؛ لأن قاتلوه بغاةٌ، واللهُ أمر بقتالِ التي تبغي، والساكتونَ يحتجونَ بالأحاديثِ الصحيحةِ الكثيرةِ من أن القعودَ عن الفتنةِ خيرٌ من القتالِ فيها، وهذا القتالُ ونحوُه هو قتالُ الفتنةِ، واللهُ تعالى لم يأمرْ بقتالِ الباغي أولًا؛ بل أمر بالصلحِ، فإن بغَتْ إحداهما؛ قُوتلَتِ الباغيةُ ردًّا لشرِّها، من بابِ ردِّ الصائلِ الذي لا يندفعُ ظلمُه إلا بالقتالِ، كما قال: «من قُتِل دونَ مالِه فهو شهيدٌ» (٢). فبتقديرِ أن يكونَ جميعُ العسكرِ بغاةً؛ لم يُؤمَرْ بقتالِهم ابتداءً، بل

стр. 773

أمر بالصلحِ، والقتالُ الأولُ لم يؤمر به، ولا أمر اللهُ كلَّ مَن بُغِي عليه أن يقاتِلَ الباغيَ، إذ قتْلُ كلِّ باغٍ كفرٌ، فإن غالبَ الناسِ لا يخلو من ظلمٍ وبغيٍ، ولكن إذا اقتتلَتْ طائفتانِ من المؤمنينَ؛ وجبَ الإصلاحُ، ولم تكُنْ طائفةٌ منهما مأمورةً بالقتالِ، ثم إذا بغَتِ الواحدةُ قُوتلَتْ. وأيضًا: فيمكنُ أنهم لم يكونوا بغاةً في الأولِ؛ بل في أثناءِ الحالِ بغَوا، وحينَ بغَوا ووجب قتالُهم؛ كان الذينَ معَ عليٍّ ناكلينَ عن القتالِ، فإنهم كانوا كثيري الخلافِ عليه، ضعيفي الطاعةِ له. والمقصودُ: أن الحديثَ لا يُبيحُ لعنةَ أحدٍ من الصحابةِ، ولا يُوجِبُ فِسْقَه ﵃ أجمعينَ. وأما أهلُ البيتِ فلم يُسْبَوْا قطُّ، وللهِ الحمدُ، ولم يقتُلِ الحَجَّاجُ أحدًا من بني هاشمٍ، وكان قد تزوَّجَ بنتَ عبدِ اللهِ بنِ جعفرٍ، فلم يرْضَ بنو عبدِ منافٍ ولا بنو هاشمٍ ولا بنو أميةَ؛ حتى فرَّقوا بينَهما؛ حيثُ لم يَرَوْه كُفْئًا لها. فَصْلٌ ومَن ادَّعى العصمةَ في المعِزِّ مَعَدِّ بنِ تميمٍ الذي بنى القاهرةَ والقَصْرَينِ، وأنه كان شريفًا فاطِمِيًّا؛ فهو شرٌّ من قولِ الرافضةِ في الاثني عشَرَ، فإن الرافضةَ ادَّعتِ العصمةَ في أناسٍ من أهلِ الجنةِ، وهؤلاءِ ادَّعوا العصمةَ فيمن اشتَهَر نفاقُه، فإذا كان من ادعى العصمةَ في هؤلاءِ السادةِ عليٍّ، وحسنٍ، وحسينٍ، قد أجمعَتِ الأمةُ على تخطئتِه وفسادِ

стр. 774

قولِه؛ فكيفَ بمن ادَّعَى العصمةَ في ذريةِ عبدِ اللهِ بنِ ميمونٍ القَدَّاحِ، معَ شهرتِه بالنفاقِ والكذبِ والضلالِ والمباطنةِ لأهلِ الكفرِ والبغيِ والعدوانِ، ومعَ العداوةِ لأهلِ البرِّ والتقوى. وهؤلاءِ القومُ يشهدُ عليهم علماءُ الأمةِ وأئمتُها أنهم كانوا منافقينَ زنادقةً، يُظهِرونَ الإسلامَ، ويُبطِنونَ الكفرَ، وجمهورُ الأمةِ تطعنُ في نسَبِهم، وتَذكرُ أنهم من أولادِ اليهودِ أو المجوسِ، وهم يدَّعونَ علمَ الباطنِ الذي مضمونُه الكفرُ باللهِ وملائكتِه وكتبِه ورُسُلِه واليومِ الآخِرِ، وعندَهم لا جنةَ ولا نارَ، ولا بعثَ ولا نُشورَ، وهم في إثباتِ واجبِ الوجودِ على قولَينِ؛ أئمَّتُهم تُنكِرُه، ويستهينونَ باسمِ اللهِ ورسولِه؛ حتى يكتبَ أحدُهم اسمَ «الله» في أسفلِ نَعْلِه (١). ومَن ادَّعى: أنه لا فرقَ بينَ البُغاةِ والخوارجِ في الأحكامِ الجاريةِ عليهما؛ فهو قولُ مجازفٍ، فإن التسويةَ بينهما هو قولُ طائفةٍ من أصحابِ أبي حنيفةَ والشافعيِّ وأحمدَ وغيرِهم. وأما جمهورُ أهلِ العلمِ فيُفرِّقونَ بينَ الخوارجِ المارقينَ، وبينَ أهلِ الجملِ وصِفِّينَ، وهذا هو المعروفُ عن الصحابةِ، وعليه عامةُ أهلِ الحديثِ والفقهِ، وعليه نصوصُ أكثرِ الأئمَّةِ وأتباعِهم من أصحابِ مالكٍ وأحمدَ والشافعيِّ وغيرِهم، وذلك أنه ثبَتَ في الصحيحِ أنه قال: «تَمْرُقُ

стр. 775

مارقةٌ على خيرِ فرقةٍ من المسلمِينَ، تقتُلُها أَوْلى الطائفتينِ بالحقِّ» (١)، فتضمَّنَ الطوائفَ الثلاثةَ، وتبيَّنَ أن المارقةَ نوعٌ ثالثٌ، ليسوا من جنسِ أولئكَ، فإن طائفةَ عليٍّ أَوْلى بالحقِّ من طائفةِ معاويةَ، وقال في حقِّ المارقينَ: «يحقِرُ أحدُكم صلاتَه معَ صلاتِهم، وصيامَه معَ صيامِهم، وقراءَتَه معَ قراءتِهم، يقرؤونَ القرآنَ لا يجاوزُ حناجِرَهم، يمرُقونَ من الإسلامِ كما يمرُقُ السهمُ من الرميةِ، أينما لقيتُموهم فاقتلوهم، فإن في قتلِهم أجرًا عندَ اللهِ لمن قتَلَهم يومَ القيامةِ» (٢). وقد روى مسلمٌ أحاديثَهم في صحيحِه من عشرةِ أوجهٍ، واتَّفَقَ الصحابةُ على قتالِ هؤلاءِ. وأما أهلُ الجملِ وصِفِّينَ؛ فكان طائفةٌ قاتلَتْ من هذا الجانبِ، وطائفةٌ من هذا الجانبِ، وأكثرُ الصحابةِ لم يُقاتلوا؛ لا معَ هؤلاءِ ولا معَ هؤلاءِ، ومدَحَ رسولُ اللهِ الحسَنَ؛ لأن اللهَ يصلحُ به بينَ فئتينِ عظيمتينِ من المسلمِينَ (٣)، فلم يكُنِ القتالُ واجبًا ولا مستحَبًّا، بخلافِ الخوارجِ؛ فإنه أمَر به رسولُ اللهِ ﷺ ، وأجمعَتْ عليه الأمةُ، فكيف يسوَّى بينَ ما أمر به وحضَّ عليه، وبين ما مدَحَ تاركَه وأثنى عليه؟! فمن سوَّى بين قتالِ الصحابةِ وبينَ قتالِ ذي الخُوَيْصِرةِ وأمثالِه من الخوارجِ؛
следующие страницы →