مُوجِبًا لإثْمِه؛ فضلًا عن أن يُوجِبَ فسقَه، والذينَ يقولونَ بقتالِ البُغاةِ المتأولينَ لا يحكمونَ بفِسْقِهم؛ بل هم باقونَ على عدالتِهم، وقتالُهم لدفعِ ضررِ بَغْيِهم، لا عقوبةً لهم، كما يُمنَعُ الصبيُّ والمجنونُ والنائمُ والناشئُ من عُدوانٍ يصدُرُ منهم؛ بل البهائمُ تُمنَعُ من العُدوانِ، ويجبُ على مَن قَتَل مؤمنًا خطأً؛ الديةُ بالنصِّ، معَ أنه لا إثمَ عليه، وهكذا من رُفِع إلى الإمامِ من أهلِ الحدودِ، وتاب بعدَ القدرةِ عليه؛ يقامُ عليه الحدُّ، والتائبُ من الذنبِ كمَن لا ذنبَ له.
ثم بتقديرِ أن يكونَ البغيُ بغيرِ تأويلٍ يكونُ ذنبًا؛ والذنوبُ تزولُ عقوبتُها بأسبابٍ متعددةٍ؛ كالتوبةِ، والحسناتِ، والمصائبِ، والشفاعةِ، وعفوِ أرحمِ الراحمينَ.
ثم إن: «عَمَّارًا تقتُلُه الفئةُ الباغيةُ»؛ ليس نصًّا في معاويةَ وأصحابِه؛ بل يمكنُ أن يرادَ تلك العصابةُ التي حمَلَتْ عليه حتى قتلَتْه، وهي طائفةٌ من العسكرِ، ومَن رضي بقتلِ عمارٍ كان حكمُه حكمَها، ومن المعلومِ أن العسكر كانَ فيهِ مَن لم يرضَ بقتلِه؛ كعبدِ اللهِ بن عمرو (١) بنِ العاصِ وغيرِه؛ بل كلُّ الناسِ كانوا مُنكِرِينَ لقتلِ عمارٍ؛ حتى معاويةُ وعمرُو بنُ العاصِ وغيرُهما، ويُروَى أن معاويةَ تأوَّلَ أن الذي قتلَه هو الذي جاء به إلى سيوفِ (٢) مقاتلَتِه (٣)، وأن عليًّا رد ذلك بقولِه: «فنحنُ إذن قتَلْنا
стр. 772
حمزةَ» (١)، ولا رَيْبَ أن قولَ عليٍّ هو الصوابُ.
لكن مَن نظَر في كلامِ المتناظرينَ الذينَ ليس بينهم قتالٌ ولا ملكٌ؛ رأى لهم من التأويلاتِ ما هو أضعفُ من ذلك، فلم يَرَ معاويةُ أنه قتَل عمارًا، ولم يعتقدْ أنه باغٍ، فهو متأوِّلٌ، والفقهاءُ ليس فيهم مَن رأيه القتالُ معَ من قتَل عمارًا؛ لكن لهم قولانِ مشهورانِ، كما كان عليه أكابر الصحابةِ، منهم مَن يرى القتالَ معَ عمارٍ وطائفتِه، ومنهم من يرى الإمساكَ عن القتالِ مطلقًا، وفي كلٍّ من الطائفتينِ طوائفُ من السابقينَ الأولينَ، ففي القولِ الأول: عمارٌ، وسَهْلُ بن حُنَيفٍ، وأبو أيوبَ.
وفي الثاني: سعدُ بنُ أبي وقاصٍ، ومحمدُ بنُ مَسْلمةَ، وأسامةُ، وعبدُ اللهِ بنُ عمر.
ولعلَّ أكثر أكابرَ الصحابةِ كانوا على هذا القولِ، ولم يكُنْ في العسكرَينِ بعدَ عليٍّ أفضلُ من سعدٍ، وكان من القاعدينَ.
وحديثُ عمارٍ قد يَحتَجُّ به من رأى القتالَ؛ لأن قاتلوه بغاةٌ، واللهُ أمر بقتالِ التي تبغي، والساكتونَ يحتجونَ بالأحاديثِ الصحيحةِ الكثيرةِ من أن القعودَ عن الفتنةِ خيرٌ من القتالِ فيها، وهذا القتالُ ونحوُه هو قتالُ الفتنةِ، واللهُ تعالى لم يأمرْ بقتالِ الباغي أولًا؛ بل أمر بالصلحِ، فإن بغَتْ إحداهما؛ قُوتلَتِ الباغيةُ ردًّا لشرِّها، من بابِ ردِّ الصائلِ الذي لا يندفعُ ظلمُه إلا بالقتالِ، كما قال: «من قُتِل دونَ مالِه فهو شهيدٌ» (٢).
فبتقديرِ أن يكونَ جميعُ العسكرِ بغاةً؛ لم يُؤمَرْ بقتالِهم ابتداءً، بل
стр. 773
أمر بالصلحِ، والقتالُ الأولُ لم يؤمر به، ولا أمر اللهُ كلَّ مَن بُغِي عليه أن يقاتِلَ الباغيَ، إذ قتْلُ كلِّ باغٍ كفرٌ، فإن غالبَ الناسِ لا يخلو من ظلمٍ وبغيٍ، ولكن إذا اقتتلَتْ طائفتانِ من المؤمنينَ؛ وجبَ الإصلاحُ، ولم تكُنْ طائفةٌ منهما مأمورةً بالقتالِ، ثم إذا بغَتِ الواحدةُ قُوتلَتْ.
وأيضًا: فيمكنُ أنهم لم يكونوا بغاةً في الأولِ؛ بل في أثناءِ الحالِ بغَوا، وحينَ بغَوا ووجب قتالُهم؛ كان الذينَ معَ عليٍّ ناكلينَ عن القتالِ، فإنهم كانوا كثيري الخلافِ عليه، ضعيفي الطاعةِ له.
والمقصودُ: أن الحديثَ لا يُبيحُ لعنةَ أحدٍ من الصحابةِ، ولا يُوجِبُ فِسْقَه ﵃ أجمعينَ.
وأما أهلُ البيتِ فلم يُسْبَوْا قطُّ، وللهِ الحمدُ، ولم يقتُلِ الحَجَّاجُ أحدًا من بني هاشمٍ، وكان قد تزوَّجَ بنتَ عبدِ اللهِ بنِ جعفرٍ، فلم يرْضَ بنو عبدِ منافٍ ولا بنو هاشمٍ ولا بنو أميةَ؛ حتى فرَّقوا بينَهما؛ حيثُ لم يَرَوْه كُفْئًا لها.
فَصْلٌ
ومَن ادَّعى العصمةَ في المعِزِّ مَعَدِّ بنِ تميمٍ الذي بنى القاهرةَ والقَصْرَينِ، وأنه كان شريفًا فاطِمِيًّا؛ فهو شرٌّ من قولِ الرافضةِ في الاثني عشَرَ، فإن الرافضةَ ادَّعتِ العصمةَ في أناسٍ من أهلِ الجنةِ، وهؤلاءِ ادَّعوا العصمةَ فيمن اشتَهَر نفاقُه، فإذا كان من ادعى العصمةَ في هؤلاءِ السادةِ عليٍّ، وحسنٍ، وحسينٍ، قد أجمعَتِ الأمةُ على تخطئتِه وفسادِ
стр. 774
قولِه؛ فكيفَ بمن ادَّعَى العصمةَ في ذريةِ عبدِ اللهِ بنِ ميمونٍ القَدَّاحِ، معَ شهرتِه بالنفاقِ والكذبِ والضلالِ والمباطنةِ لأهلِ الكفرِ والبغيِ والعدوانِ، ومعَ العداوةِ لأهلِ البرِّ والتقوى.
وهؤلاءِ القومُ يشهدُ عليهم علماءُ الأمةِ وأئمتُها أنهم كانوا منافقينَ زنادقةً، يُظهِرونَ الإسلامَ، ويُبطِنونَ الكفرَ، وجمهورُ الأمةِ تطعنُ في نسَبِهم، وتَذكرُ أنهم من أولادِ اليهودِ أو المجوسِ، وهم يدَّعونَ علمَ الباطنِ الذي مضمونُه الكفرُ باللهِ وملائكتِه وكتبِه ورُسُلِه واليومِ الآخِرِ، وعندَهم لا جنةَ ولا نارَ، ولا بعثَ ولا نُشورَ، وهم في إثباتِ واجبِ الوجودِ على قولَينِ؛ أئمَّتُهم تُنكِرُه، ويستهينونَ باسمِ اللهِ ورسولِه؛ حتى يكتبَ أحدُهم اسمَ «الله» في أسفلِ نَعْلِه (١).
ومَن ادَّعى: أنه لا فرقَ بينَ البُغاةِ والخوارجِ في الأحكامِ الجاريةِ عليهما؛ فهو قولُ مجازفٍ، فإن التسويةَ بينهما هو قولُ طائفةٍ من أصحابِ أبي حنيفةَ والشافعيِّ وأحمدَ وغيرِهم.
وأما جمهورُ أهلِ العلمِ فيُفرِّقونَ بينَ الخوارجِ المارقينَ، وبينَ أهلِ الجملِ وصِفِّينَ، وهذا هو المعروفُ عن الصحابةِ، وعليه عامةُ أهلِ الحديثِ والفقهِ، وعليه نصوصُ أكثرِ الأئمَّةِ وأتباعِهم من أصحابِ مالكٍ وأحمدَ والشافعيِّ وغيرِهم، وذلك أنه ثبَتَ في الصحيحِ أنه قال: «تَمْرُقُ
стр. 775
مارقةٌ على خيرِ فرقةٍ من المسلمِينَ، تقتُلُها أَوْلى الطائفتينِ بالحقِّ» (١)، فتضمَّنَ الطوائفَ الثلاثةَ، وتبيَّنَ أن المارقةَ نوعٌ ثالثٌ، ليسوا من جنسِ أولئكَ، فإن طائفةَ عليٍّ أَوْلى بالحقِّ من طائفةِ معاويةَ، وقال في حقِّ المارقينَ: «يحقِرُ أحدُكم صلاتَه معَ صلاتِهم، وصيامَه معَ صيامِهم، وقراءَتَه معَ قراءتِهم، يقرؤونَ القرآنَ لا يجاوزُ حناجِرَهم، يمرُقونَ من الإسلامِ كما يمرُقُ السهمُ من الرميةِ، أينما لقيتُموهم فاقتلوهم، فإن في قتلِهم أجرًا عندَ اللهِ لمن قتَلَهم يومَ القيامةِ» (٢).
وقد روى مسلمٌ أحاديثَهم في صحيحِه من عشرةِ أوجهٍ، واتَّفَقَ الصحابةُ على قتالِ هؤلاءِ.
وأما أهلُ الجملِ وصِفِّينَ؛ فكان طائفةٌ قاتلَتْ من هذا الجانبِ، وطائفةٌ من هذا الجانبِ، وأكثرُ الصحابةِ لم يُقاتلوا؛ لا معَ هؤلاءِ ولا معَ هؤلاءِ، ومدَحَ رسولُ اللهِ الحسَنَ؛ لأن اللهَ يصلحُ به بينَ فئتينِ عظيمتينِ من المسلمِينَ (٣)، فلم يكُنِ القتالُ واجبًا ولا مستحَبًّا، بخلافِ الخوارجِ؛ فإنه أمَر به رسولُ اللهِ ﷺ ، وأجمعَتْ عليه الأمةُ، فكيف يسوَّى بينَ ما أمر به وحضَّ عليه، وبين ما مدَحَ تاركَه وأثنى عليه؟! فمن سوَّى بين قتالِ الصحابةِ وبينَ قتالِ ذي الخُوَيْصِرةِ وأمثالِه من الخوارجِ؛
стр. 776
كان قولُه من جنسِ أقوالِ الجهالِ.
وقد اختَلفَ السَّلَفُ في كفرِ الخوارجِ على قولَينِ، معَ اتفاقِهم على الثناءِ على الصحابةِ المقتتلينَ، والإمساكِ عمَّا جرى بينَهم، فكيفَ يُشَبَّه هذا بهذا؟!
وكذلك تنازَعَ الفقهاءُ في كفرِ مانعِ الزكاةِ المقاتَلِ عليها على قولَينِ؛ هما روايتانِ عن أحمدَ، كالروايتينِ في تكفيرِ الخوارجِ، وأما أهلُ البغيِ المجرَّدِ؛ فلا يُكفَّرونَ اتفاقًا (١).
стр. 777
كِتَابُ حَدِّ الزِّنَى وَالقَذْفِ
تُغلَّظُ المعصيةُ وعقابُها في الأيامِ المفضَّلةِ والأمكنةِ المفضَّلةِ (١).
والوَطْءُ في الدُّبُرِ محرمٌ بالكتابِ والسُّنَّةِ، وعليه عامةُ الأمةِ، وهو كاللواطِ في الذَّكرِ، وهذا قولُ أبي حنيفةَ، والشافعيِّ، وأحمدَ، وأصحابِهم، بلا نزاعٍ عنهم، وهو الظاهرُ من مذهَبِ مالكٍ وأصحابِه، وحكى بعضُ الناسِ عنهم روايةً أخرى بخلافِ ذلك، ومنهم من أنكَرَها.
وأصلُ ذلك ما نُقِل عن نافعٍ عن ابنِ عمرَ (٢)، وكان سالِمُ بنُ عبدِ اللهِ يُكذِّبُ نافعًا في ذلك (٣)، فإما أن يكونَ نافعٌ غلِطَ، أو غلِطَ مَن فوقَه، وإذا غلِطَ بعضُ الناسِ غلطةً؛ لم يكُنْ هذا مما يُسوِّغُ خلاف الكتابِ والسُّنَّةِ، فإنه ثبَتَ عنه أنه قال: «إن اللهَ لا يستحي من الحقِّ، لا تأتوا النِّساءَ في حُشُوشِهنَّ» (٤)، وقال تعالى: ﴿فأتوا حرثكم﴾؛ والحرثُ مكانُ
стр. 778
الزرعِ، كما غلِط طائفةٌ في إباحةِ الدرهم بالدرهمينِ، واتَّفقَ الأئمَّةُ على تحريمِه، وطائفةٌ في الأشربةِ، وثبَتَ عنه: «كلُّ مُسكِرٍ خَمرٌ» (١).
ومَن وطِئ امرأتَه في دُبُرِها؛ وجَب أن يُعاقَبا على ذلك (٢).
فَصْلٌ
في قولِه ﷺ : «إذا همَّ العبدُ بالحسنةِ» (٣)، كيفَ تطَّلِعُ الملائكةُ على العمل السر بين العبد وبين ربه؟! فقال سفيانُ بنُ عُيَيْنةَ في جوابِ ذلك أنه: (إذا همَّ بالحسنةِ؛ شمَّ الملكُ رائحةً طيبةً، وإذا هم بسيئةٍ، شمَّ رائحةً خبيثةً).
والتحقيقُ: أن اللهَ تعالى قادرٌ أن يُعلِمَ الملائكةَ بما في نفسِ العبدِ كيفَ شاء، كما هو قادرٌ أن يُطلِعَ بعضَ البشرِ على ما في قلبِ الإنسانِ.
وقيلَ في قولِه تعالى: ﴿ونحن أقرب إليه من حبل الوريد﴾: أن المرادَ: الملائكةُ، وقد جعل اللهُ الملائكةَ تُلقِي في قلبِ العبدِ الخواطرَ، كما قال ابنُ مسعودٍ: (إن للملَكِ لَمَّةً، وللشيطانِ لَمَّةً، فلَمَّةُ الملَكِ
стр. 779
تصديق (١) بالحقِّ، وإيعادٌ بالخيرِ، ولَمَّةُ الشيطانِ تكذيبٌ بالحقِّ، وإيعادٌ بالشرِّ) (٢)، وقد ثبَتَ عنه ﷺ أنه قال: «ما منكم من أحدٍ إلا وقد وُكِّلَ به قَرينُه مِن الملائكةِ ومِن الجِنِّ» (٣).
فالسيئةُ التي يهُمُّ بها العبدُ إذا كانت من إلقاءِ الشيطانِ؛ علمَ بها الشيطانُ، والحسنةُ التي يهمُّ بها إذا كانت من إلقاء الملكِ؛ علمَ بها الملكُ، فإذا علم بها هذا الملكُ؛ أمكنَ علمُ الملائكةِ الحفظةِ بها (٤).
ومن زنَتْ أمُّه، وعُلِم ذلك منها ؛ وجَب على أولادِها وعصَبتِها مَنْعُها من المحرماتِ، فإن لم تمتنعْ إلا بالحبسِ؛ حبَسوها وقيَّدوها إن احتاجت، وما ينبغي للولدِ أن يضرب أمَّه، ولا تجوزُ لهم مقاطعَتُها بحيثُ تتمكنُ بذلك من السوءِ؛ بل يمنَعوها بحسَبِ قدرتِهم، وإن احتاجت إلى رزقٍ وكُسْوةٍ؛ رزقوها، ولا يجوزُ لهم إقامةُ الحدِّ عليها بقتلٍ ولا غيرِه، وعليهم الإثمُ في ذلك، والله أعلم (٥).
стр. 780
فَصْلٌ
ومَن قال للرجل: أنتَ ملعونٌ ، ولدُ زنًى؛ وجَب تعزيرُه على هذا الكلامِ، وعليه حَدُّ القذفِ، إن (١) لم يقصِدْ بهذه الكلمةِ ما يقصِدُه كثيرٌ من الناسِ من أن فعلَه خبيثٌ كفعلِ ولدِ الزنى، إذا طالب المقذوفُ (٢).
ولا تقبل للقاذفِ شهادةٌ أبداً، وهو فاسقٌ إذا لم يتب.
ويجبُ على سيدِ الأَمَةِ إذا زنَتْ: أن يقيمَ عليها الحدَّ ثلاثًا، ثم في الرابعةِ يبيعُها كما أمره رسولُ اللهِ (٣)، فإن كان هو يُرسِلُها تزني وتأكُلُ من كَسْبِها، أو يأخُذُه منها؛ فهو ملعونٌ فاسقٌ خبيثٌ آذِنٌ في الكبيرةِ، ومثلُ هذا لا يجوزُ إقرارُه بينَ المسلمِينَ؛ بل يستحقُّ العقوبةَ الغليظةَ، وأقلُّ العقوبةِ: أن يُهجَرَ فلا يُسلَّمَ عليه، ولا يُصلَّى خلفَه إذا أمكن الصَّلاةُ خلفَ غيرِه، ولا يُستَشهَدَ، ولا يُولَّى ولايةً أصلًا، وإن استحلَّ ذلك فهو كافرٌ مرتَدٌّ، يُستتابُ، فإن تاب وإلا قُتِل، لا يرِثُه ورَثتُه المسلمونَ، وإن كان جاهلًا بالتحريمِ؛ عُرِّف ذلك حتى تقومَ عليه
стр. 781
الحجةُ، فإن هذا من المحرماتِ المُجمَعِ عليها (١).
وإذا شتم الرجل أباه واعتَدَى عليه ؛ وجَب أن يُعاقَبَ عقوبةً بليغةً تردَعُه وأمثالَه؛ بل وأبلغ من ذلك أنه ثبَتَ في الصحيحِ: أن «مِن الكبائرِ أن يسُبَّ الرجلُ والدَيْه»، قالوا: وكيفَ يسُبُّ الرجلُ والدَيْه؟! قال: «يسُبُّ أبا الرجلِ؛ فيسُبُّ الرجلَ أباه، ويسُبُّ أمَّه؛ فيسُبُّ أمَّه» (٢)، وقال تعالى: ﴿فلا تقل لهما أف﴾ فكيفَ بسبِّهما؟! (٣)
وإذا قال له: أنتَ علقٌ (٤)، وهو حرٌّ مسلمٌ، لم يشتهرْ عنه ذلك؛ فعليه حدُّ القَذْفِ إذا طلَبَه (٥).
ويجبُ قتلُ الفاعلِ والمفعولِ به رجمًا بالحجارةِ؛ سواءٌ كانا مُحصَنَينِ أو غيرَ مُحصَنَينِ (٦).
стр. 782
وجلدُ الذَّكَرِ باليدِ؛ حرامٌ عندَ أكثرِ الفقهاءِ مطلقاً، وعندَ طائفةٍ من الأئمَّةِ حرامٌ إلا عندَ الضرورةِ؛ مثلُ: أن يخافَ العَنَتَ، وهو أن يخافَ المرضَ، أو يخافَ الزنى، فالاستمناءُ أصلح (١).
ومَن قذَف رجلًا بأنه ينظُرُ إلى حريمِ الناسِ، وهو كاذبٌ؛ عُزِّر على افترائِه بما يَزجرُه وأمثالَه إذا طالبَه المقذوفُ، وكذا شَتْمُه بأنه فاسقٌ أو أنه يشربُ الخمرَ وهو كاذبٌ عليه؛ يعزَّرُ (٢).
ولا يجوزُ وَطْءُ الحائضِ حتى تغتسلَ ، يدلُّ عليه ظاهرُ القرآنِ والآثارُ، وجوَّزَه أبو حنيفةَ إذا انقطعَ لأكثرِ الحيضِ، أو مرَّ عليها وقتُ الصلاة، فاغتسلت (٣).
فَصْلٌ
حبُّ المالِ والشَّرَفِ يُفسِدُ الدينَ ، والذي يُعاقَبُ الشخصُ عليه هو الحبُّ الذي يستلزم المعاصي؛ مثلُ: الظلمِ، والكذبِ، والفواحشِ، ولا رَيْبَ أن الحرصَ على المالِ والرياسةِ يوجبُ ذلك، أما مجرَّدُ حبِّ
стр. 783
القلبِ إذا كان الإنسانُ يفعلُ ما أمَر اللهُ، ويتركُ ما نُهِي عنه، ويخافُ مقامَ ربِّه، وينهى النفسَ عن الهوى؛ فإن اللهَ لا يُعاقِبُ على ميلِ النفس إذا لم يكُنْ معَه عملٌ.
وجمعُ المالِ إذا قام بالواجباتِ؛ لا يُعاقَبُ عليه، لكن إخراجَ الفضلِ، والاقتصارَ على الكفايةِ؛ أفضلُ وأسلمُ، وأفرغُ للقلبِ، وأجمعُ للهَمِّ، وأنفعُ في الدنيا والآخرةِ، وقد قال ﷺ : «مَن أصبحَ والدنيا أكبرُ هَمِّه؛ شتَّتَ اللهُ عليه شَمْلَه، وجعل فقرَه بينَ عينَيْه، ولم يأتِه من الدنيا إلا ما كُتِب له، ومَن أصبحَ والآخرةُ هَمُّه؛ جعل اللهُ غِناه في قلبِه، وجمع عليه ضَيْعتَه، وأتَتْه الدنيا وهي راغمةٌ» (١).
وقولُهم: «حبُّ الدنيا رأسُ كلِّ خطيئةٍ» ليس هو حديث؛ بل هو معروفٌ عن جُندَبٍ، ويُذكَرُ عن المسيحِ (٢)(٣).
وإذا اعتُدِي عليه بالشتمِ ؛ فله أن يعتدي عليه بمثلِ ذلك، فيشتمَه إذا
стр. 784
لم يكُنْ ذلك محرمًا لعينِه كالكذبِ (١)، وأما إن كان محرمًا لعينِه كالقذفِ بغيرِ الزنى؛ فإنه يُعزَّرُ على ذلك، ولو عُزِّرَ على النوعِ الأولِ من الشتمِ؛ جاز، وهو الذي يُشرَعُ إذا كثُر سفَهُه، أو عُدوانُه على من هو أفضلُ منه (٢).
стр. 785
فَصْلٌ فِي الذُّنُوبِ الكَبَائِرِ (١)
أمثلُ الأقوالِ فيها: هو المأثورُ عن السَّلَفِ؛ كابنِ عبَّاسٍ (٢) وأبي عُبَيدٍ وأحمدَ بنِ حنبلٍ؛ وهو: أن الصغيرةَ ما دونَ الحدَّيْنِ؛ حدِّ الدنيا، وحدِّ الآخرةِ، وهي معنى قولِ من قال: (ما ليس فيها حدٌّ في الدنيا)، وهو معنى قول القائل: (كلُّ ذنبٍ خُتِم بلعنةٍ، أو غضبٍ، أو نارٍ؛ فهو من الكبائرِ)، ومعنى قولِهم: (ليس فيها حدٌّ في الدنيا، ولا وعيدٌ في الآخرةِ)؛ أي: وعيدٌ خاصٌّ، كالوعيدِ بالنارِ، والغضبِ، واللعنةِ.
وذلك لأن الوعيدَ الخاصَّ في الآخرةِ كالعقوبةِ الخاصةِ في الدنيا، فكما أنه يُفرَّقُ في العقوباتِ المشروعةِ للناسِ بينَ العقوباتِ المقدرةِ بالقطعِ، والقتلِ، وجلدِ مائةٍ، أو ثمانينَ، وبينَ العقوباتِ التي ليست بمقدرةٍ، وهي التعزيرُ؛ فكذلك يُفرَّقُ في العقوباتِ التي يَجْزي اللهُ بها العبادَ - في غيرِ أمرِ العبادِ بها - بينَ العقوباتِ المقدرةِ؛ كالغضبِ، واللعنةِ، والنارِ، ونفسِ العقوباتِ المطلقةِ.
وهذا الضابطُ يسلمُ من القوادحِ الواردةِ على غيرِه، فإنه يُدخِلُ كلَّ ما ثبَتَ بالنصِّ أنه كبيرةٌ؛ كالشركِ، والقتلِ، والزنى، والسحرِ، وقذفِ المحصناتِ، وغيرِ ذلك من الكبائرِ التي فيها عقوباتٌ مقدرةٌ مشروعةٌ،
стр. 786
وكالفرارِ من الزحفِ، وأكلِ مالِ اليتيمِ، وأكلِ الربا، وعقوقِ الوالدينِ، واليمينِ الغَموسِ، وشهادةِ الزورِ؛ فإن هذه الذنوبَ وأمثالَها فيها وعيدٌ خاصٌّ، وكذلك كلُّ ذنبٍ تُوُعِّدَ صاحبُه بأنه لا يدخلُ الجنةَ، أو لا يشَمُّ رائحتَها، أو قيلَ فيه: مَن فعَلَه فليس منَّا؛ فكلها من الكبائر؛ كقوله: «من غشنا فليس منا» (١)؛ لأنه ليس المرادُ ما تقولُه المرجئةُ: (إنه ليس من خيارِنا)، ولا ما يقولُه الخوارجُ: (إنه صار كافرًا)، ولا ما يقولُه المعتزلةُ: (من أنه لم يبقَ معَه من الإيمانِ شيءٌ).
ولكن المراد: أنَّ المؤمنَ المُطلَقَ في بابِ الوعدِ والوعيدِ؛ هو المستحقُّ لدخولِ الجنةِ بلا عقابٍ، فهو المؤدي للفرائضِ، المجتنِبُ المحارم، وهؤلاءِ هم المؤمنونَ عندَ الإطلاقِ، فمن فعَل هذه الكبائرَ؛ لم يكُنْ من هؤلاءِ المؤمنينَ المطلَقين؛ إذ هو متعرِّضٌ للعقوبةِ على تلك الكبيرةِ، فنفيُ الإيمانِ أو الجنةِ، أو كونِه من المؤمنينَ؛ لا يكونُ إلا عن كبيرةٍ، فأما الصغائرُ فلا تنفي هذا الاسمَ والحكْمَ عن صاحبِها بمجرَّدِها، فيُعرَفُ أن النَّفْيَ لا يكونُ لتركِ مستحَبٍّ، ولا لفعلِ صغيرةٍ؛ بل لتركِ واجبٍ.
والدليلُ على أن هذا الضابطَ أَوْلى من غيرِه وجوهٌ:
أحدُها: أنه مأثورٌ عن السَّلَفِ.
الثاني: أنه تعالى قال: ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر
стр. 787
عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما﴾؛ فوعَد مجتنبَ الكبائرِ بتكفيرِ السيئاتِ، واستحقاق الوعد الكريمِ، وكلُّ مَن وُعِد بغضبٍ، أو لعنةٍ، أو نارٍ، أو حرمانِ جنته، أو ما يقتضي ذلك؛ فإنه خارجٌ عن هذا الوعدِ، فلا يكونُ من مجتنبي الكبائرِ، وكذلك من استحقَّ أن يُقامَ عليه الحدُّ، لم تكُنْ سيئاته مكفرةً باجتنابِ الكبائرِ.
الثالثُ: أن هذا الضابطَ يرجعُ إلى ما ذكَره اللهُ ورسولُه في الذنوبِ، فهو متلقًّى من خطابِ الشارعِ.
الرابعُ: أن هذا الضابطَ يمكنُ الفرقُ [به] (١) بينَ الكبائرِ والصغائرِ بخلافِ غيرِه.
الخامسُ: أن تلك الأقوالَ فاسدةٌ، فقولُ مَن قال: (إنها ما اتفقَتِ الشرائعُ على تحريمِه دونَ ما اختلفت)؛ يوجب أن تكونَ الحبَّةُ (٢) من مالِ اليتيمِ، أو من السرقةِ، والخيانةِ والكذبةِ الواحدةِ وبعضِ [الإساءات] (٣) الخفيفةِ ونحوِ ذلك كبيرةً، وأن يكونَ الفرارُ من الزحفِ ليس من الكبائرِ، إذ الجهادُ لم يجبْ في كلِّ شريعةٍ، وكذلك التزويجُ بالمحرماتِ بالرضاعةِ أو الصهرِ أو غيرِهما ليس من الكبائرِ، وكذلك
стр. 788
إمساكُ المرأةِ بعدَ الطلاقِ الثلاثِ، ووطؤُها بغير ذلك.
وكذلك قولُ مَن قال: (إنها ما تسُدُّ بابَ المعرفةِ، أو ذهابَ النفوسِ، أو الأموالِ)؛ يوجِبُ أن يكونَ القليلُ من الغصبِ والخيانةِ كبيرةً، وأن يكونَ عقوقُ الوالدينِ، وقطيعةُ الرَّحِمِ، وشربُ الخمرِ، وأكلُ الميتةِ ولحمِ الخنزيرِ، وقذفُ المحصَناتِ، ونحوُه؛ ليس من الكبائرِ.
ومن قال: (إنها سميت كبائرَ بالنسبةِ إلى ما دونَها، أو أن ما عصَى اللهَ به فهو كبيرةٌ)؛ فإنه يوجِبُ ألا تكونَ الذنوبُ في نفْسِها تنقسِمُ إلى كبائرَ وصغائرَ، وهذا خلافُ القرآنِ.
ومَن قال: (هي سبعةَ عشَرَ)؛ فهو قولٌ بلا دليلٍ.
ومَن قال: (إنها مُبهَمةٌ، أو غيرُ معلومةٍ)؛ فإنما أخبر عن نفْسِه أنه لا يعلَمُها.
ومَن قال: (إنه ما تُوُعِّدَ عليه بالنارِ)، فقد يُقالُ: فيه تقصيرٌ؛ إذ الوعيدُ قد يكونُ بالنارِ، وقد يكونُ بغيرِها، وقد يقالُ: إن كلَّ وعيدٍ فلا بدَّ أن يستلزمَ الوعيدَ بالنارِ.
وأما مَن قال: (إنه كلُّ ذنبٍ فيه وعيدٌ)؛ فهذا يندرجُ فيما ذكَره السَّلَفُ، فإن كلَّ ذنبٍ فيه حدٌّ في الدنيا ففيه وعيدٌ، من غيرِ عكسٍ، فإن الزنى، والسرقةَ، وشربَ الخمرِ، وقذفَ المحصَناتِ، ونحوَه، فيه وعيد، فمن قال: (إن الكبيرةَ ما فيها وعيدٌ)؛ فقد وافَقَ ما ذكَره.
стр. 789
فَصْلٌ
ومَن تاب من الزنى، أو السرقةِ ، أو شربِ الخمرِ، قبلَ أن يُرفَعَ إلى الإمامِ؛ فالصحيحُ: أن الحدَّ يسقُطُ عنه، كما يسقُطُ عن المحارِبِينَ إجماعًا؛ إذا تابوا قبلَ القدرةِ (١).
ومَن يُخافُ من إفسادِه ؛ يفعلُ به الإمامُ ما يرى المصلحةَ فيه؛ من نَفْيِه، أو حَبْسِه، كالقَوَّادةِ التي لا تتوبُ، أو ينقُلُها عن الحرائرِ، أو غيرِ ذلك مما يراه.
وقد كان عمرُ يأمرُ العزابَ أن لا تسكنَ بينَ المتأهِّلِينَ (٢)، وكذلك فعَل المهاجرونَ لما قدِموا المدينةَ، وفي «الصحيحَينِ»: أن النبيَّ ﷺ نفَى المُخنَّثِينَ (٣)، وأمر بنَفْيِهم من البيوتِ (٤)؛ خشيةَ فسادِهم النساء، فالقَوَّادةُ شرٌّ من هؤلاءِ (٥).
стр. 790
وكلُّ مَن تاب من ذنبٍ فإن اللهَ يتوبُ عليه، فإذا عمِل عملًا صالحًا سنةً من الزمانِ، ولم يَنْقُضِ التوبةَ؛ فإنه يُقبَلُ منه ذلك، ويُجالَسُ ويُكلَّمُ.
وأما إذا تاب ولم تمضِ عليه سنةٌ؛ فللعُلماءِ فيه قولانِ، منهم من يقولُ: يُجالَسُ وتُقبَلُ شهادتُه في الحالِ، ومنهم من يقولُ: لا بدَّ من سنةٍ؛ كما فعَل عمرُ بن الخطاب بصَبيغِ بنِ عِسْلٍ (١).
стр. 791
كِتَابُ الأَشْرِبَةِ
شاربُ الخمرِ يجبُ حدُّه اتفاقًا ، إن شاء ثمانينَ، وإن شاء أربعينَ، فإن جُلِد ثمانينَ؛ جاز باتِّفاقِ الأئمَّةِ، وإن اقتُصِر على أربعينَ؛ ففي الإجزاءِ نزاعٌ، ورُوِي أن عمرَ كان يُعزِّرُ بأكثرَ من ذلك (١)، كما رُوِي أنه كان ينفي الشاربَ (٢)، ويُمثِّلُ به بحلقِ رأسِه (٣).
وقد رُوِي من وجوهٍ عن النبيِّ ﷺ أنه قال: «إن شرِب الخمرَ فاجلدوه، ثم إن شرِبَها في الثالثةِ أو الرابعةِ؛ فاقتلوه» (٤)، فأمر بقتلِ
стр. 792
الشاربِ في الثالثةِ، أو الرابعةِ، وأكثرُ العلماءِ لا يوجبونَ القتلَ، بل يجعلونه منسوخًا، وهو المشهورُ من مذهَبِ الأئمَّةِ، أو يقولونَ: إذا لم ينتهوا عن الشربِ إلا بالقتلِ جاز ذلك، كما جاء في حديثٍ آخَرَ في السننِ أنه نهاهم عن أنواعٍ من الأشربةِ المسكِرةِ، قال: «فإن لم يَدَعوا ذلك؛ فاقتلوهم» (١).
وأما تاركُ الصَّلاةِ فإنه يستحقُّ العقوبةَ اتفاقًا، وأكثرُهم يقتُلُه بعدَ أن يُسْتتابَ، وهل يُقتَلُ كافرًا، أو حدًّا؟ فيه نزاعٌ.
وإذا لم يمكنْ إقامةُ الحدِّ على مثلِ هذا؛ فإنه يُعمَلُ معَه الممكنُ، فيُهجَرُّ ويُوبَّخُ، حتى يفعلَ المفروضَ، ويتركَ المحظورَ (٢).
وخمرُ العنبِ حرامٌ باتفاقِ المسلمِينَ ، قليلُه وكثيرُه، فمن استحلَّ شيئًا من ذلك يُسْتتابُ، فإن تاب وإلا قُتِل.
وأبو حنيفةَ يحرِّمُ نبيذَ التمرِ والزبيبِ النِّيْءِ، قليلَه وكثيرَه إذا كان مسكرًا، وكذلك المطبوخُ من عصيرِ العنبِ الذي لم يذهَبْ ثُلُثاه، فإنه يحرمُ عنده قليله وكثيره، فهذه الأربعةُ يحرُمُ عندَه قليلُها وكثيرُها، وإنما وقعَتِ الشبهةُ في سائرِ المسكِرِ؛ كالمزرِ الذي يُصنَعُ من القمحِ ونحوِه، فالذي عليه جماهيرُ أئمةِ المسلمِينَ كما في «الصحيحَينِ»: أن أهلَ اليمنِ قالوا: يا رسولَ اللهِ: إن عندَنا شرابًا يقالُ له البِتْعُ من العسلِ، وشرابًا
стр. 793
من الذرةِ يقالُ له المِزْرُ، وكان قد أُوتيَ جوامعَ الكَلِمِ، فقال: «كلُّ مُسكِرٍ حرامٌ» (١)، وقال: «كلُّ شرابٍ أسكرَ فهو حرامٌ» (٢)، واستفاضَتِ الأحاديثُ بذلك.
والحشيشةُ المسكِرةُ حرامٌ ، ومَن استحلَّ السُّكْرَ منها فقد كفر؛ بل هي في أصحِّ قولَيِ العلماءِ نَجِسةٌ، فالخمرُ كالبولِ، والحشيشةُ كالعَذِرةِ (٣).
ويجبُ فيها الحدُّ ، وإنما توقَّفَ بعضُ الفقهاءِ في الحدِّ؛ لأنه ظن أنها تُغطِّي العقلَ كالبنجِ، فيُعزِّرُه، والصحيحُ: أنها تُسكِرُ، وإنما كانت نجسةً بخلافِ البنجِ، وجوزةِ الطيبِ؛ لأنها تُسكِرُ بالاستحالة؛ كالخمر يسكر بالاستحالةِ أيضًا، والبنجُ يُغيِّبُ العقلَ، ويُسكِرُ بعدَ الاستحالةِ كجوزةِ الطيبِ، ومن ظن أن الحشيشةَ لا تُسكِرُ، وإنما تُغيِّبُ العقلَ بلا لذةٍ؛ فلم يعرفْ حقيقةَ أمرِها، فإنه لولا ما فيها من اللذةِ لم يتناوَلُوها، بخلافِ البنجِ ونحوِه.
والشارعُ اكتفى في المحرماتِ التي لا تَشْتهيها النفوسُ كالدمِ؛ بالزاجرِ الشرعيِّ، فجعل العقوبةَ التعزيرَ، وأما ما تَشْتهيه النفوسُ؛ فجعل مع
стр. 794
الزاجر الشرعيِّ زاجراً طبيعيًّا، وهو الحدُّ، والحشيشةُ من هذا البابِ (١).
وما يروَى أن عمرَ أباح النصوحَ (٢)، - وصورتُه: أن يغليَ العصيرَ حتى يذهبَ ثُلُثاه-، فالذي أباحَه عمرُ لم يكُنْ يُسكِرُ، فمن نقَل أنه أباح المُسكِرَ فقد كذَب.
وأما إذا أضيفَ إليه شيءٌ؛ مثلُ أفاويه (٣) مما تُقوِّيه؛ حتى يصيرَ يسكِرُ؛ فهذا من باب الخليطينِ، وقد استفاضَ النَّهْيُ عن الخليطينِ، لتقويةِ أحدِهما الآخرَ، كما نُهيَ عن خليطِ التمرِ والزبيبِ، وعن الرطبِ والتمرِ (٤)، وللعُلماءِ نزاعٌ في الخليطينِ إذا لم يُسكِرا، كما تَنازَعوا في نبيذِ الأوعيةِ التي لا تنشقُ (٥) بالغليانِ، وكما تَنازَعوا في العصيرِ والنبيذِ بعدَ ثلاثٍ.
وأما إذا صار الخليطانِ مُسكِرًا؛ فإنه حرامٌ باتفاقِ جماهيرِ علماءِ الأمةِ؛ كأهلِ الحجازِ، واليمنِ، ومصرَ، والشامِ، والبصرةِ، وفقهاءِ
стр. 795
الحديثِ، والذي أباحه عمرُ من المطبوخِ ما كان صِرفًا، فإذا خُلِط بما قوَّاه، ولو ذهب ثُلُثاه؛ لم يكُنْ مما أباحه عمرُ، وربما يكونُ لبعضِ البلادِ طبيعةٌ يُسكِرُ منها ما ذهب ثُلُثاه؛ فيحرُمُ إذًا؛ فإن مَناطَ التحريمِ هو السُّكْرُ باتِّفاقِ الأئمَّةِ (١).
فَصْلٌ (٢)
وأما التداوي بالخمرِ ، ولحمِ الكلبِ، وسائرِ المحرماتِ؛ فإنه حرامٌ عندَ جماهيرِ الأئمَّةِ؛ كمالكٍ، وأحمدَ، وأبي حنيفةَ، وأحدُ الوجهَينِ للشافعيِّ؛ لأنه ثبَتَ أنه سُئِلَ عن الخمرِ يُصنَعُ للدواءِ؟ فقال: «إنها داءٌ، وليست بدواءٍ» (٣)، ونهى عن الدواءِ الخبيثِ في السننِ (٤)، وذكَر البخاريُّ وغيره عن ابنِ مسعودٍ أنه قال: «إن اللهَ لم يجعَلْ شفاءَ أمَّتِي فيما حُرِّم عليها» (٥)، ورواه أبو حاتمٍ في «صحيحِه» مرفوعًا (٦).
стр. 796
والذينَ جوَّزوا التداويَ بالمحرمِ قاسوا ذلك على إباحةِ المحرماتِ للمضطرِّ، وهذا ضعيفٌ لوجوهٍ:
أحدُها: أن المضطرَّ يحصُلُ مقصودُه يقينًا.
الثاني: لا طريقَ له غيرُ الأكلِ من هذه، وأما التداوي فلم يتعيَّنْ؛ فإن الأدويةَ أنواعٌ كثيرةٌ، وقد يحصلُ الشفاءُ بغيرِ الأدويةِ؛ كالدعاءِ والرُّقَى، وهو أعظمُ نوعَيِ الدواءِ؛ حتى قال بقراطُ: «نسبةُ طِبِّنا إلى طبِّ أربابِ الهياكلِ؛ كنسبةِ طبِّ العجائزِ إلى طِبِّنا»، وقد يحصلُ الشفاءُ بغيرِ سببٍ؛ بل بما يجعلُه الله من القوى في الجسدِ.
الثالثُ: أن أكلَ الميتةِ واجبٌ على المضطرِّ في ظاهرِ مذهبِ الأئمَّة الأربعة وغيرهم، والتداوي ليس بواجبٍ إلا عندَ طائفةٍ قليلةٍ؛ قالَه بعضُ أصحابِ الشافعيِّ وأحمدَ؛ بل تَنازَعوا: أيُّما أفضلُ؟
وحديثُ الجاريةِ التي كانت تُصرَعُ، وسألَتِ النبيَّ ﷺ أن يدعوَ لها، فقال: «إن أحببتِ أن تصبري ولك الجنةُ، وإن أحببتِ دعوْتُ اللهَ أن يَشفِيَكِ»، فقالت: بل أصبِرُ، ولكني أتكشَّفُ، فادعُ اللهَ ألا أتكشَّفَ، فدعا الله بذلك (١)؛ يدلُّ على عدمِ وجوبِ التداوي.
وأيضًا: فخلقٌ من الصحابةِ لم يكونوا يتداوَوْنَ؛ بل فيهم من اختار المرضَ؛ كأُبَيٍّ (٢)،
стр. 797
وأبي ذَرٍّ (١)، ولم يُنكَرْ عليهم، فيمتنع القياسُ معَ وجودِ هذه الأمورِ.
فَصْلٌ (٢)
واللعبُ بالشِّطْرَنجِ حرامٌ عندَ جماهيرِ العلماءِ كالنَّرْدِ، فقد ثبَتَ عن عليٍّ أنه مرَّ بقومٍ يلعبونَ بالشِّطْرَنجِ فقال: «ما هذه التماثيلُ التي أنتم لها عاكفونَ؟!» وقلَب الرقعةَ (٣).
وقال طائفةٌ من السلَفِ: إنه من الميسرِ، وهو كما قالوا؛ فإن اللهَ حرَّم الميسرَ، وقد أجمَعَ العلماءُ على أن اللعبَ بالنَّرْدِ والشِّطْرَنجِ حرامٌ إذا كانَ بعوضٍ، وهو من القمارِ والميسرِ.
والنردِ حرامٌ عندَ الأئمَّةِ الأربعةِ؛ سواءٌ كان بعوضٍ أو غيرِه، وجوَّزه بعضُ أصحابِ الشافعيِّ إذا لم يكُنْ بعوضٍ، وجمهورُ أصحابِه ومالكٌ وأحمدُ وأبو حنيفةَ وسائرُ الأئمة فيحرمون ذلك مطلقًا.
وكذلك الشِّطْرَنج، صرح هؤلاء الأئمةِ بتحريمِه؛ مالكٌ وأحمدُ وأبو حنيفةَ وغيرُهم.
стр. 798
وتَنازَعوا: أيُّما أشدُّ؟ فقال مالكٌ وغيرُه: الشِّطْرَنجُ شرٌّ من النَّرْدِ، وقال أحمدُ وغيرُه: الشِّطْرَنجُ أخفُّ من النَّرْدِ، ولهذا توقَّفَ الشافعيُّ في الشِّطْرَنجِ إذا خلَتْ عن المحرماتِ؛ إذ سببُ الشبهةِ في ذلك: أن أكثرَ من يلعبُ فيها بعوضٍ، بخلافِ الشِّطْرنجِ، فإنها تُلعَبُ بغيرِ عوضٍ غالبًا، وظن بعضُهم أن الشِّطْرَنجَ يعينُ على القتالِ.
والتحقيقُ: أن النَّرْدَ والشِّطْرَنجَ إذا لُعِب بهما بعوضٍ؛ فالشَّطَرَنجُ شرٌّ منها؛ لأن الشَّطَرنجَ حينئذٍ حرامٌ إجماعًا، وكذلك يحرُمُ إجماعًا إذا اشتملت على محرمٍ؛ من كذبٍ، ويمينٍ فاجرةٍ، أو ظلمٍ، أو جنايةٍ، وحديثٍ غيرِ واجبٍ، ونحوِها، وهي حرامٌ عندَ الجمهورِ وإن خلت عن هذه المحرماتِ؛ فإنها تصُدُّ عن ذكرِ اللهِ، وعن الصَّلاةِ، وتُوقِعُ العداوةَ والبغضاءَ أعظمُ من النَّرْدِ إذا كان بعوضٍ، وإذا كانا بعوضٍ فالشَّطَرنجُ شرٌّ في الحالينِ.
وأما إذا كان العوضُ من أحدِهما؛ ففيه من أكلِ المالِ بالباطلِ ما ليس في الآخَرِ، واللهُ قرن الميسرَ بالخمرِ والأنصابِ والأزلامِ؛ لما فيها من الصدِّ، وإيقاعِ العداوةِ والبغضاءِ، والشَّطَرنج إذا استُكثِرَ منها تُسكِرُ القلبَ، وتصدُّه عن ذلك أعظمَ من سُكر الخمر، وقد شبَّه عليٌّ ﵁ لاعبيها بعُبَّادِ الأصنامِ (١)، كما شبَّه رسولُ اللهِ شاربَ الخمرِ بعابدِ الوَثَنِ (٢).
стр. 799
وما يروَى عن سعيدِ بنِ جبيرٍ من اللعبِ بها (١)؛ فقد بيَّنَ سببَ ذلك، أن الحجَّاجَ طلَبَه للقضاءِ فلعِب بها؛ ليكونَ ذلك قادحًا فيه فلا يُولَّى القضاءَ، وذلك لأنه رأى ولايةَ الحجاجِ أشدَّ ضررًا عليه في دينِه من ذلك، والأعمالُ بالنياتِ، وقد يُباحُ ما هو أعظمُ تحريمًا من ذلك، لأجلِ الحاجةِ، وهذا يبيِّنُ أن اللعبَ بالشِّطْرنجِ كان عندَهم من المُنكَراتِ، كما نُقِل عن عليٍّ وابنِ عمرَ وغيرِهما (٢)، ولهذا قال أحمدُ وأبو حنيفةَ: لا يُسلَّمُ على لاعبِ الشِّطْرنجِ؛ لأنه مظهرٌ للمعصيةِ، وقال صاحب أبي حنيفةَ: يُسلَّمُ عليه.
فَصْلٌ (٣)
ليس لأهلِ الذمةِ أن يبيعوا الخمرَ للمسلمِ ، ولا يهدوها، ولا يعاونَهم عليها، ولا يعصروها لمسلمٍ، ولا يحملوها لهم، ولا يبيعونها من ذمِّيٍّ جهارًا، - أما إذا باعها لذميٍّ سرًّا؛ فلا يُمنَعُ ذلك، وإذا تقابضا جاز أن يعامِلَه المسلم بذلك الثمنِ الذي قبَضَه من ثمنِ الخمرِ-، ومتى فعلوا ذلك استحقوا العقوبةَ، وهل يَنتقِضُ عهدُهم؟ فيه نزاعٌ.
стр. 800
ومَن أعانهم بجاهِهِ، أو غيرِ جاهِهِ؛ وجب عقوبتُه.
وإذا شرِبَها الذمِّيُّ ؛ فقيلَ: يُحَدُّ، وقيلَ: لا يُحَدُّ، وقيلَ: يُحَدُّ إن سكرَ، وهذا إذا ظهر بينَ المسلمِينَ، أما ما يختفونَ به في بُيوتِهم من غيرِ ضررٍ بالمسلمِينَ بوجهٍ من الوجوهِ؛ فلا يُتعرَّضُ لهم.
وعلى هذا؛ فإذا كانوا لا ينتهونَ عن إظهارِ الخمرِ، أو عن معاونةِ المسلمِينَ عليها، أو بَيعِها وهدِيَّتِها إلا بإراقتِها عليهم؛ فإنها تُراق (١) معَ ما يُعاقَبونَ به، إما بما يُعاقَبُ به ناقضُ العهدِ، وإما بغيرِه.
فَصْلٌ (٢)
ما يُذكَرُ عن النبيِّ ﷺ أنه قال: «لا غِيبةَ لفاسقٍ»؛ فليس هو من كلامِ النبيِّ ﷺ ؛ لكنَّه مأثورٌ عن الحسنِ البصريِّ أنه قال: «أترغَبونَ عن ذكرِ الفاجرِ، اذكُروه بما فيه، يحذَرْه الناسُ» (٣)، وفي حديثٍ آخَرَ: «مَن ألقى جلبابَ الحياءِ؛ فلا غِيبةَ له» (٤).
стр. 801
وهذانِ النوعانِ تجوزُ فيهما الغِيبةُ بلا نزاعٍ بينَ العلماءِ:
أحدُهما: أن يكونَ الرجلُ مظهرًا للفجورِ؛ مثلُ: الظلمِ، والفواحشِ، والبِدَعِ المخالفةِ للسُّنَّةِ، فإذا أظهر المُنكَرَ؛ وجَب الإنكارُ عليه بحسَبِ القدرةِ، ويُهجَرُ، ويُذكَرُ ما فعَلَه، ويُذَمُّ على ذلك، ولا يُرَدُّ ﵇ إذا أمكنَ من غيرِ مفسدةٍ راجحةٍ، وينبغي لأهلِ الخيرِ أن يَهْجروه ميتاً كما يهجروه حيًّا إذا كان في ذلك كَفٌّ لأمثالِه، فلا يشيِّعوا جِنازَتَه، وكلُّ من علِم حاله ولم يُنكِرْ عليه؛ فهو عاصٍ للهِ ورسولِه، فهذا معنى قولِهم: «مَن ألقى جِلبابَ الحياءِ فلا غِيبةَ له»، بخلافِ مَن كان مستترًا بذنبِه، مستخفيًا فإن هذا يُستَرُ عليه؛ لكن يُنصَحُ سرًّا، ويهجُرُه من عرَف حالَه؛ حتى يتوبَ، ويذكرُ أمرَه على وجهِ النصيحةِ.
النوعُ الثاني: أن يُستشارَ الرجلُ في مُناكحَتِه، ومعاملتِه، أو استشهادِه، ويعلمُ أنه لا يصلُحُ لذلك، فينصَحُ مُستشيرَه ببيانِ حالِه، فهو كما قال الحسنُ: «اذكروه يحذَرْه الناسُ»؛ فإن النصحَ في الدينِ أعظم من النصحِ في الدنيا.
وإذا كان الرجلُ يتركُ الصَّلاةَ، ويرتكِبُ المُنكَراتِ، وقد عاشَرَه مَن يُخافُ أن يُفسِدَ دينَه؛ يُبيَّن أمرُه له؛ ليتقِيَ معاشرته.
وإذا كان مبتدعاً يدعو الناسَ إلى عقائدَ تخالفُ الكتابَ والسنةَ، أو يسلكُ طريقاً يخالفُ ذلك، ويخاف أن يضلَّ الناسُ بذلك؛ بُيِّن أمرُه للناس؛ ليتقوا ضلالَه، ويعلموا حالَه.
وهذا كلُّه يجبُ أن يكونَ على وجهِ النصحِ وابتغاءِ وجهِ اللهِ، لا
стр. 802
لهوى الشخصِ معَ الإنسانِ؛ مثلُ: أن يكونَ بينَهما عداوةٌ دنيويةٌ، أو تحاسُدٌ، أو تباغضٌ، أو تنازُعٌ على رئاسةٍ، فيتكلمُ بمساوئه مظهرًا للنصحِ، وفي باطنِه البغضُ واشتفاؤُه منه، فهذا من عملِ الشيطانِ، وإنما الأعمالُ بالنياتِ، وإنما لكلِّ امرئٍ ما نوى؛ بل يقصدُ أن يصلِحَ اللهُ ذلك الشخصَ، ويكفيَ المسلمِينَ ضرَرَه، ويسلكَ إلى ذلك أقربَ طريقٍ.
ولا يجوزُ لأحدٍ أن يشهدَ مجالسَ المُنكَراتِ باختيارِه لغيرِ ضرورةٍ، ورُفِع إلى عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ قومٌ شرِبوا الخمرَ؛ فأمر بجَلْدِهم، فقيلَ: فيهم فلانٌ صائمٌ، فقال: ابدَؤوا به، أما سمعتَ اللهَ يقولُ: ﴿وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم﴾ (١)، فجعَلَ حاضرَ المُنكَرِ كفاعلِه.
فَصْلٌ (٢)
وما يُذكَرُ عن النبيِّ ﷺ أنه قال: «لا يؤلف تحت الأرضِ»؛ فلا أصلَ لذلك؛ ليس في تحديدِ وقتِ الساعةِ نصٌّ أصلًا، وإنما أخبرَ الكتابُ والسُّنَّةُ بأشراطِها، وهي كثيرةٌ يقدُمُ بعضُها بعضًا، ومَن تكلَّمَ في وقتِها المُعيَّنِ؛ مثلُ الذي صنَّف كتابًا سَمَّاه: «الدرُّ المنتظمُ في معرفةِ
стр. 803
الأعظمِ» (١)، وذكَرَ فيه عشْرَ دلالاتٍ بيَّنَ فيها وقتَها، والذينَ تكلَّموا على ذلك من حروفِ المعجمِ، والذي تكلَّمَ في «عَنْقاءِ مُغرِبٍ» (٢)، وأمثالُ هؤلاءِ؛ فإنَّهم وإن كان لهم صورةٌ عظيمةٌ عند أتباعهم؛ فغالبهم كاذبون مفترون، وإن ادَّعَوُا الكشفَ ومعرفةَ الأسرارِ، وقد حرَّمَ اللهُ القولَ بغيرِ علمٍ.
стр. 804
كِتَابُ الجِهَادِ (١)
المقامُ بثُغورِ المسلمِينَ كالثغورِ الشاميةِ والمصريةِ أفضلُ من المجاورةِ في المساجدِ الثلاثةِ، وقال شيخ الإسلام (٢): لا أعلمُ في هذا نزاعًا بينَ العلماءِ؛ نصَّ عليه غيرُ واحدٍ؛ وذلك لأن الرباطَ من جنسِ الجهادِ، والمجاورةُ غايتُها أن تكونَ من جنسِ الحجِّ، وقد قال تعالى: ﴿أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيلِ اللهِ لا يستوون عندَ اللهِ﴾، وفي «الصحيحَينِ» أنه سُئِلَ: أيُّ الأعمالِ أفضلُ؟ قال: «إيمانٌ باللهِ ورسولِه»، قيلَ: ثم أيٌّ؟ قال: «ثم جهادٌ في سبيلِهِ، ثم حجٌّ مبرورٌ» (٣)، و: «رِباطُ يومٍ خيرٌ من ألفِ يومٍ فيما سِواه» (٤).
стр. 805
ومَن عجَز عن إقامةِ دينِه بمارِدِينَ (١) أو غيرِها؛ وجَب عليه الهجرةُ، وإلا استُحِبَّت.
ومَن كان للمسلمِينَ به منفعةٌ من الجندِ؛ لم ينبغِ له أن يتركَ الخدمةَ إلا لمصلحةٍ راجحةٍ للمسلمِينَ؛ بل كونُه مقدمًا في الجهادِ الذي يحبُّه اللهُ ورسولُه هو أفضلُ من العباداتِ، والجهادُ (٢) أفضلُ من الجهادِ (٣) التطوعِ والحجِّ التطوعِ والصيامِ التطوعِ.
وإذا سباه مسلمٌ فهو مسلمٌ إذا كان المسبيُّ طفلًا، وإن لم يُعلَمْ حالُ السابي، بل أمكنَ أن يكونَ كافرًا؛ لم يُحكَمْ بإسلامِه بلا حجَّة.
ويجوزُ، بل يجبُ قتالُ هؤلاءِ التتارِ الذينَ يقدَمونَ إلى الشامِ مرةً بعدَ مرةٍ، وإن تكلَّموا بالشهادتينِ وانتسبوا إلى الإسلامِ، فيجب قتالُهم بسنةِ رسولِ اللهِ، واتفاقِ أئمةِ المسلمِينَ، وهذا مبنيٌّ على أصلينِ:
أحدُهما: المعرفةُ بحالِهم.
والثاني: معرفةُ حكمِ اللهِ فيهم.
أما الأولُ؛ فكلُّ مَن باشرَ القومَ أو بلغه حالَهم، وهو متواترٌ بأخبارِ الصادقينَ، ونحنُ نتكلَّمُ على جملةِ أمورِهم بعدَ أن نُبيِّنَ الأصلَ الآخَرَ
стр. 806
الذي يختصُّ بمعرفتِه أهلُ العلمِ فنقولُ: كلُّ طائفةٍ خرجَتْ عن شريعةٍ من شرائعِ الإسلامِ الظاهرةِ المتواترةِ؛ وجبَ قتالُها باتفاقِ أئمةِ المسلمين، وإن تكلَّمتْ بالشهادتين، فيجبُ القتالُ حتى يكونَ الدِّينُ كلُه لله.
وأمَّا الأصلُ الآخرُ - وهو معرفةُ أحوالهم -؛ فقد عُلِمَ أنَّ هؤلاءِ القومَ جاروا على الشامِ في المرةِ الأولى عام تسعةٍ وتسعينَ، وأعطَوُا الناسَ الأمانَ، وقرءوه على المنبرِ بدِمَشْقَ، ومع هذا فقد سَبَوا من ذَرارِيِّ المسلمِينَ ما يقالُ: إنه مائةُ ألفٍ، أو يزيدُ عليه، وفعلوا ببيتِ المقدسِ، وجبلِ الصالحيةِ، ونابلسَ، وحِمْصَ، وداريا، وغيرِ ذلك؛ من القتلِ والسَّبْيِ ما لا يعلمُه إلا اللهُ، وفجَروا بخيارِ نساءِ المسلمِينَ في المساجدِ؛ كالأقصى وغيرِه، وجعلوا جامعَ العقيبةِ دَكًّا.
وقد شاهَدْنا عسكرَ القومِ وجَدْناهم جمهورَهم لا يصلُّونَ، ولم نَرَ مؤذنًا ولا إمامًا، ولم يكُنْ معهم إلا من كان من شرِّ الخلقِ، إما زِنْديقٌ منافقٌ، لا يعتقدُ دينَ الإسلامِ في الباطنِ، وإما مَن هو مِن شرِّ أهلِ البِدَعِ؛ كالرافضةِ، والجَهْميَّةِ، والاتحاديةِ، ونحوِهم، وإما مَن هو مِن أفجرِ الناسِ وأفسقِهم، وهم لا يحُجُّونَ البيتَ العتيقَ معَ تمكُّنِهم، وإن كان فيهم من يصلِّي ويصومُ، فليس الغالبُ عليهم إقامةَ الصَّلاةِ، ولا إيتاءَ الزكاةِ، ويقاتلونَ على ملكِ جَنْكِسْخان (١)، فمن دخل في طاعةِ ياساقِه (٢) جعلوه وليًّا لهم وإن كانَ كافرًا، ومَن خرج عنه جعلوه عدوًّا
стр. 807
لهم وإن كان من خيارِ المسلمِينَ، ولا يقاتلونَ على الإسلامِ، ولا يضعونَ على أهلِ الذِّمَّةِ جزيةً، كما قال أكبرُ مُقدَّميهم الذينَ قدِموا الشامَ، وهو يخاطبُ رُسُلَ المسلمينَ، ويتقربُ إليهم بأنا مسلمونَ، فقال: هذانِ اثنانِ عظيمانِ جاءا من عندِ اللهِ: محمدٌ وجَنْكِسْخان؛ فهذا غايةُ ما يتقربُ به أكبرُ مقدميهم إلى المسلمِينَ؛ أن يسويَ بينَ رسولِ اللهِ وأكرمِ الخلقِ على الله (١)، وسيدِ ولدِ آدمَ، وبينَ ملكٍ كافرٍ مشركٍ، وذلك أن اعتقادَهم في جَنْكِسخان كفرٌ عظيمٌ، فإنهم يعتقدونَ أنه ابنُ اللهِ، من جنسِ ما يعتقدُه النصارى في المسيحِ، ويقولونَ: إن الشمسَ حبَّلَتْ أمَّه، وأنها كانت في خيمةٍ، فنزلت الشمسُ من كَوَّةٍ، فدخلَتْ فيها حتى حبلَتْ، وهذا كذبٌ عندَ كلِّ ذي دينٍ؛ بل هو دليلٌ على أنه ولدُ زنًى، ومع ذلك فهو عندَهم أعظمُ من رسولِ اللهِ، يُعظِّمونَ ما سنَّهُ لهم وشرَعه بظنِّه وهواه، ويشركونَ به على أكلِهم وشربِهم، ويستَحِلُّونَ قتلَ من عادى ما سنَّه لهم هذا الكافرُ الملعونُ.
стр. 808
ومعلومٌ أن مُسَيْلِمةَ الكذَّابَ كان أقلَّ ضررًا من هذا الكافرِ الذي ادَّعَوا أنه شريكُ محمدٍ في الرسالةِ، فاستحلَّ الصحابةُ قتالَه، فكيفَ بمن كان فيما يُظهِرُه من الإسلامِ بجعلِه محمدًا كجَنْكِسخان، وهم يُعظِّمونَ الكفارَ الذينَ يتبعونَ جَنْكِسخان على المسلمِينَ المتبعينَ للقرآنِ؛ بل جَنْكِسخانَ أعظمُ من فرعونَ وهامانَ ضررًا، فإنه علا في الأرضِ، وجعل أهلَها شِيَعًا، وأهلكَ الحَرْثَ والنسلَ، يَرُدُّ الناس عن ملكِ الأنبياءِ إلى ما ابتدَعَه من جاهليتِه وشريعتِه الكفريةِ، ولو قلتُ ما رأيتُ منهم وسمعتُ؛ لَمَا وسِعَه هذا المكانُ.
ومعلومٌ من دينِ الإسلامِ أن من جوَّزَ اتباعَ شريعةٍ غيرِ الإسلامِ؛ فإنه كافرٌ.
وبالجملةِ: فما من نفاقٍ وزَنْدقةٍ إلا وهي داخلةٌ في أتباعِ التتارِ؛ لأنهم من أجهلِ الخلقِ، وأقَلِّهم معرفةً في الدينِ، وأعظمِ الخلقِ اتباعًا للظنِّ وما تهوى الأنفُسُ، وقد قسَّموا الناسَ أربعةَ أقسامٍ: يال، وباع، ودانِشْمند، وطَاطَ؛ أي: صديقِهم، وعدُوِّهم، والعالمِ، والعاميِّ؛ حتى صنَّف وزيرُهم كتابًا قال فيه: إن محمدًا رضِيَ بدينِ اليهودِ والنصارى، وأنه لا يُنكِرُ عليهم، واستدلَّ بقولِه: ﴿قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ولا أنتم عابدون ما أعبد … ﴾ إلى آخِرِ السورةِ، وزعَم الخبيثُ أن هذا يقتضي أنه رضِيَ دينَهم، قال: وهذه الآيةُ مكيةٌ، ليست منسوخةً، وهذا من جهلِه، فإن قولَه: ﴿لكم دينكم﴾ إنما يدلُّ على أنه تبَرَّأَ من دينِهم، لا أنه رضِيَه، كما قال: ﴿فإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملك﴾، وشرحُ حالِهم يطولُ.
стр. 809
ومَن نفرَ إليهم من أمراءِ العسكرِ؛ فحكمُه حكمُهم، فيه من الرِّدَّةِ بقدرِ ما ترَكَه من شريعةِ الإسلامِ، فعلينا أن نقاتلَهم؛ ولو كان فيهم من هو مُكرَهٌ، لا نلتفتُ إليه؛ لأن اللهَ تعالى يَخْسِفُ بالجيشِ الذي يغزو الكعبةَ معَ علمِه سُبْحانَه بما فيهم ممن هو مُكرَهٌ، ويبعَثُهم على نِيَّاتِهم.
وهل يجوزُ القتالُ في الفتنةِ ؟ على قولَينِ، هما روايتانِ عن أحمدَ.
ويجوزُ أن يغمِسَ المسلمُ نفْسَه في صفِّ الكفارِ لمصلحةٍ، ولو غلَب على ظنِّه أنهم يقتلونَه.
ومَن زعَم أن هؤلاءِ التتارَ يُقاتَلونَ كالبُغاةِ؛ فقد أخطأَ خطَأً قبيحًا؛ فإن هؤلاءِ لا شبهةَ لهم؛ بل يسعَوْنَ في الأرضِ فسادًا، خارجينَ عن شرائعِ الدين، ثم لو قُدِّر أنهم متأوِّلونَ لم يكُنْ تأويلُهم سائغًا؛ بل تأويلُ الخوارجِ ومانعي الزكاةِ أوجَهُ من تأويلِهم.
وقد خاطَبَني بعضُهم، فقال: مَلِكُنا مَلِكُ بنُ مَلِكِ بنِ مَلِكٍ … ، إلى سبعةِ أجدادٍ، ومَلِكُكُم ابنُ مولًى، فقلتُ: آباءُ ذلك الملكِ كلُّهم كفارٌ، ولا فخرَ بالكافرِ؛ بل المملوكُ المسلمُ خيرٌ من الملكِ الكافرِ، قال اللهُ تعالى: ﴿ولعبد مؤمن خير من مشرك﴾، فهذه وأمثالُها حُجَجُهم.
وبالجملةِ: فقد اتَّفقَ المسلمونَ على أن مَن ترَك شريعةً من شرائعِ الإسلامِ؛ وجَب قتالُه، فكيفَ بمن ترَك جميعَ شرائعِه، أو أكثرَها؟!
стр. 810
فَصْلٌ
يجبُ جهادُ الكفارِ ، واستنقاذُ ما بأيديهم من بلادِ المسلمِينَ وأَسْراهم باتفاق المسلمين.
ويجبُ على المسلمِينَ أن يكونَوا يدًا واحدةً على الكفارِ، وأن يجتمعوا ويقاتلوا على طاعةِ اللهِ ورسولِه، والجهادِ في سبيلِه، ويدعَ المسلمِونَ ما هم عليه من التفرُّقِ والاختلاف؛ فإن هذا هو من أعظمِ أصولِ الإسلامِ وقواعدِ الإيمانِ التي بعَث اللهُ بها رُسُلَه، وأنزلَ بها كتُبَه، أمَر عبادَه عمومًا بالاجتماعِ، ونهاهم عن التفرقِ والاختلافِ؛ كما قال: ﴿أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه﴾، وقال: ﴿ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات﴾، وأخبَرَ أنَّه سُبْحانَه إنَّما أرسلَ جميعَ المرسلينَ بدينِ الإسلامِ، كما قال: ﴿ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل﴾.
وفي «الصحيحَينِ» عنه ﷺ : «إنا معاشرَ الأنبياءِ إخوةٌ لِعَلَّاتٍ، دينُنا واحدٌ، وإن أَوْلى الناسِ بابنِ مريمَ لأَنا، إنَّه ليس بيني وبينَه نبِيٌّ» (١)، فتبيَّنَ أن دينَ الأنبياءِ واحدٌ، وأنهم إخوةٌ لعَلَّاتٍ، وهم الذينَ أبوهم واحدٌ، وأمهاتُهم شَتَّى، فإن كان بالعكسِ قيلَ: أولادُ أخيافٍ، وإن اشتركوا في الأمرينِ قيلَ: أولادُ أعيانٍ، وهذا؛ لأن الدينَ هو الأصلُ،