الذي يختصُّ بمعرفتِه أهلُ العلمِ فنقولُ: كلُّ طائفةٍ خرجَتْ عن شريعةٍ من شرائعِ الإسلامِ الظاهرةِ المتواترةِ؛ وجبَ قتالُها باتفاقِ أئمةِ المسلمين، وإن تكلَّمتْ بالشهادتين، فيجبُ القتالُ حتى يكونَ الدِّينُ كلُه لله.
وأمَّا الأصلُ الآخرُ - وهو معرفةُ أحوالهم -؛ فقد عُلِمَ أنَّ هؤلاءِ القومَ جاروا على الشامِ في المرةِ الأولى عام تسعةٍ وتسعينَ، وأعطَوُا الناسَ الأمانَ، وقرءوه على المنبرِ بدِمَشْقَ، ومع هذا فقد سَبَوا من ذَرارِيِّ المسلمِينَ ما يقالُ: إنه مائةُ ألفٍ، أو يزيدُ عليه، وفعلوا ببيتِ المقدسِ، وجبلِ الصالحيةِ، ونابلسَ، وحِمْصَ، وداريا، وغيرِ ذلك؛ من القتلِ والسَّبْيِ ما لا يعلمُه إلا اللهُ، وفجَروا بخيارِ نساءِ المسلمِينَ في المساجدِ؛ كالأقصى وغيرِه، وجعلوا جامعَ العقيبةِ دَكًّا.
وقد شاهَدْنا عسكرَ القومِ وجَدْناهم جمهورَهم لا يصلُّونَ، ولم نَرَ مؤذنًا ولا إمامًا، ولم يكُنْ معهم إلا من كان من شرِّ الخلقِ، إما زِنْديقٌ منافقٌ، لا يعتقدُ دينَ الإسلامِ في الباطنِ، وإما مَن هو مِن شرِّ أهلِ البِدَعِ؛ كالرافضةِ، والجَهْميَّةِ، والاتحاديةِ، ونحوِهم، وإما مَن هو مِن أفجرِ الناسِ وأفسقِهم، وهم لا يحُجُّونَ البيتَ العتيقَ معَ تمكُّنِهم، وإن كان فيهم من يصلِّي ويصومُ، فليس الغالبُ عليهم إقامةَ الصَّلاةِ، ولا إيتاءَ الزكاةِ، ويقاتلونَ على ملكِ جَنْكِسْخان (١)، فمن دخل في طاعةِ ياساقِه (٢) جعلوه وليًّا لهم وإن كانَ كافرًا، ومَن خرج عنه جعلوه عدوًّا
стр. 807
لهم وإن كان من خيارِ المسلمِينَ، ولا يقاتلونَ على الإسلامِ، ولا يضعونَ على أهلِ الذِّمَّةِ جزيةً، كما قال أكبرُ مُقدَّميهم الذينَ قدِموا الشامَ، وهو يخاطبُ رُسُلَ المسلمينَ، ويتقربُ إليهم بأنا مسلمونَ، فقال: هذانِ اثنانِ عظيمانِ جاءا من عندِ اللهِ: محمدٌ وجَنْكِسْخان؛ فهذا غايةُ ما يتقربُ به أكبرُ مقدميهم إلى المسلمِينَ؛ أن يسويَ بينَ رسولِ اللهِ وأكرمِ الخلقِ على الله (١)، وسيدِ ولدِ آدمَ، وبينَ ملكٍ كافرٍ مشركٍ، وذلك أن اعتقادَهم في جَنْكِسخان كفرٌ عظيمٌ، فإنهم يعتقدونَ أنه ابنُ اللهِ، من جنسِ ما يعتقدُه النصارى في المسيحِ، ويقولونَ: إن الشمسَ حبَّلَتْ أمَّه، وأنها كانت في خيمةٍ، فنزلت الشمسُ من كَوَّةٍ، فدخلَتْ فيها حتى حبلَتْ، وهذا كذبٌ عندَ كلِّ ذي دينٍ؛ بل هو دليلٌ على أنه ولدُ زنًى، ومع ذلك فهو عندَهم أعظمُ من رسولِ اللهِ، يُعظِّمونَ ما سنَّهُ لهم وشرَعه بظنِّه وهواه، ويشركونَ به على أكلِهم وشربِهم، ويستَحِلُّونَ قتلَ من عادى ما سنَّه لهم هذا الكافرُ الملعونُ.
стр. 808
ومعلومٌ أن مُسَيْلِمةَ الكذَّابَ كان أقلَّ ضررًا من هذا الكافرِ الذي ادَّعَوا أنه شريكُ محمدٍ في الرسالةِ، فاستحلَّ الصحابةُ قتالَه، فكيفَ بمن كان فيما يُظهِرُه من الإسلامِ بجعلِه محمدًا كجَنْكِسخان، وهم يُعظِّمونَ الكفارَ الذينَ يتبعونَ جَنْكِسخان على المسلمِينَ المتبعينَ للقرآنِ؛ بل جَنْكِسخانَ أعظمُ من فرعونَ وهامانَ ضررًا، فإنه علا في الأرضِ، وجعل أهلَها شِيَعًا، وأهلكَ الحَرْثَ والنسلَ، يَرُدُّ الناس عن ملكِ الأنبياءِ إلى ما ابتدَعَه من جاهليتِه وشريعتِه الكفريةِ، ولو قلتُ ما رأيتُ منهم وسمعتُ؛ لَمَا وسِعَه هذا المكانُ.
ومعلومٌ من دينِ الإسلامِ أن من جوَّزَ اتباعَ شريعةٍ غيرِ الإسلامِ؛ فإنه كافرٌ.
وبالجملةِ: فما من نفاقٍ وزَنْدقةٍ إلا وهي داخلةٌ في أتباعِ التتارِ؛ لأنهم من أجهلِ الخلقِ، وأقَلِّهم معرفةً في الدينِ، وأعظمِ الخلقِ اتباعًا للظنِّ وما تهوى الأنفُسُ، وقد قسَّموا الناسَ أربعةَ أقسامٍ: يال، وباع، ودانِشْمند، وطَاطَ؛ أي: صديقِهم، وعدُوِّهم، والعالمِ، والعاميِّ؛ حتى صنَّف وزيرُهم كتابًا قال فيه: إن محمدًا رضِيَ بدينِ اليهودِ والنصارى، وأنه لا يُنكِرُ عليهم، واستدلَّ بقولِه: ﴿قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ولا أنتم عابدون ما أعبد … ﴾ إلى آخِرِ السورةِ، وزعَم الخبيثُ أن هذا يقتضي أنه رضِيَ دينَهم، قال: وهذه الآيةُ مكيةٌ، ليست منسوخةً، وهذا من جهلِه، فإن قولَه: ﴿لكم دينكم﴾ إنما يدلُّ على أنه تبَرَّأَ من دينِهم، لا أنه رضِيَه، كما قال: ﴿فإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملك﴾، وشرحُ حالِهم يطولُ.
стр. 809
ومَن نفرَ إليهم من أمراءِ العسكرِ؛ فحكمُه حكمُهم، فيه من الرِّدَّةِ بقدرِ ما ترَكَه من شريعةِ الإسلامِ، فعلينا أن نقاتلَهم؛ ولو كان فيهم من هو مُكرَهٌ، لا نلتفتُ إليه؛ لأن اللهَ تعالى يَخْسِفُ بالجيشِ الذي يغزو الكعبةَ معَ علمِه سُبْحانَه بما فيهم ممن هو مُكرَهٌ، ويبعَثُهم على نِيَّاتِهم.
وهل يجوزُ القتالُ في الفتنةِ ؟ على قولَينِ، هما روايتانِ عن أحمدَ.
ويجوزُ أن يغمِسَ المسلمُ نفْسَه في صفِّ الكفارِ لمصلحةٍ، ولو غلَب على ظنِّه أنهم يقتلونَه.
ومَن زعَم أن هؤلاءِ التتارَ يُقاتَلونَ كالبُغاةِ؛ فقد أخطأَ خطَأً قبيحًا؛ فإن هؤلاءِ لا شبهةَ لهم؛ بل يسعَوْنَ في الأرضِ فسادًا، خارجينَ عن شرائعِ الدين، ثم لو قُدِّر أنهم متأوِّلونَ لم يكُنْ تأويلُهم سائغًا؛ بل تأويلُ الخوارجِ ومانعي الزكاةِ أوجَهُ من تأويلِهم.
وقد خاطَبَني بعضُهم، فقال: مَلِكُنا مَلِكُ بنُ مَلِكِ بنِ مَلِكٍ … ، إلى سبعةِ أجدادٍ، ومَلِكُكُم ابنُ مولًى، فقلتُ: آباءُ ذلك الملكِ كلُّهم كفارٌ، ولا فخرَ بالكافرِ؛ بل المملوكُ المسلمُ خيرٌ من الملكِ الكافرِ، قال اللهُ تعالى: ﴿ولعبد مؤمن خير من مشرك﴾، فهذه وأمثالُها حُجَجُهم.
وبالجملةِ: فقد اتَّفقَ المسلمونَ على أن مَن ترَك شريعةً من شرائعِ الإسلامِ؛ وجَب قتالُه، فكيفَ بمن ترَك جميعَ شرائعِه، أو أكثرَها؟!
стр. 810
فَصْلٌ
يجبُ جهادُ الكفارِ ، واستنقاذُ ما بأيديهم من بلادِ المسلمِينَ وأَسْراهم باتفاق المسلمين.
ويجبُ على المسلمِينَ أن يكونَوا يدًا واحدةً على الكفارِ، وأن يجتمعوا ويقاتلوا على طاعةِ اللهِ ورسولِه، والجهادِ في سبيلِه، ويدعَ المسلمِونَ ما هم عليه من التفرُّقِ والاختلاف؛ فإن هذا هو من أعظمِ أصولِ الإسلامِ وقواعدِ الإيمانِ التي بعَث اللهُ بها رُسُلَه، وأنزلَ بها كتُبَه، أمَر عبادَه عمومًا بالاجتماعِ، ونهاهم عن التفرقِ والاختلافِ؛ كما قال: ﴿أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه﴾، وقال: ﴿ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات﴾، وأخبَرَ أنَّه سُبْحانَه إنَّما أرسلَ جميعَ المرسلينَ بدينِ الإسلامِ، كما قال: ﴿ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل﴾.
وفي «الصحيحَينِ» عنه ﷺ : «إنا معاشرَ الأنبياءِ إخوةٌ لِعَلَّاتٍ، دينُنا واحدٌ، وإن أَوْلى الناسِ بابنِ مريمَ لأَنا، إنَّه ليس بيني وبينَه نبِيٌّ» (١)، فتبيَّنَ أن دينَ الأنبياءِ واحدٌ، وأنهم إخوةٌ لعَلَّاتٍ، وهم الذينَ أبوهم واحدٌ، وأمهاتُهم شَتَّى، فإن كان بالعكسِ قيلَ: أولادُ أخيافٍ، وإن اشتركوا في الأمرينِ قيلَ: أولادُ أعيانٍ، وهذا؛ لأن الدينَ هو الأصلُ،
стр. 811
فشُبِّهَ بالأبِ، والشِّرعةُ والمنهاجُ تبَعٌ، فشُبِّه بالأمِّ، وقال: ﴿لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا﴾، والشِّرْعةُ: الشِّريعةُ، والمنهاجُ: السبيلُ، وقال: ﴿ولكل وجهة هو موليها﴾، والقرآنُ له شريعةٌ، والتوراةُ لها شريعةٌ، واتِّباعُ كلِّ شريعةٍ قبلَ النسخِ والتبديلِ: هو الواجبُ، وهو من تمامِ الدِّينِ الذي هو الإسلامُ، فلما بدَّلَتِ اليهودُ التوراةَ، ونُسِختْ؛ لم يَبْقوا مسلمِينَ؛ وكذلك النصارى بعدَ تبديلِ الإنجيلِ ونسخه؛ لم يبقوا مسلمينَ، حيثُ كفروا ببعضٍ وآمنوا ببعضٍ.
وهؤلاءِ الرافضةُ الجبليةُ الخارجونَ عن جماعةِ المسلمِينَ وطاعةِ ولاةِ الأمورِ الذينَ قد اعتدوا على المسلمِينَ، وكفَّروا سائرَ المسلمِينَ، وفضَّلوا عليهم اليهودَ والنصارى، واعتقدوا حِلَّ دمائِهم وأموالِهم، وكذَّبوا بأحاديثِ الرسولِ ﷺ ، وكفَّروا السابقينَ الأولينَ من المهاجرينَ والأنصارِ، وفارقوا السُّنَّةَ؛ يجبُ قتالُهم بإجماعِ المسلمينَ، ويجوزُ أخذُ أموالِهم التي بالجبلِ؛ لأنهم قد أخذوا من أموالِ المسلمِينَ أضعافَ ذلك؛ ﴿وجزاء سيئة سيئة مثلها﴾.
وأما سَبْيُ حريمِهم؛ ففيه نزاعٌ، كما تَنازَعوا في تكفيرِهم، منهم من يُلحِقُهم بمانعي الزكاةِ الذينَ سبى حريمَهم أبو بكر، ومنهم من يُلحِقُهم بالخوارجِ الذينَ لم تُسْبَ حريمُهم.
ويجبُ أن يُحالَ بينَ الرافضيِّ وبينَ أولادِه في حالِ حياتِهم إذا أراد أن يُفسِدَ دينَهم.
стр. 812
وإذا قُدِر على كافرٍ حربيٍّ (١) فنطَق بالشهادتينِ؛ وجَب الكَفُّ عنه، بخلافِ الخارجينَ عن الشريعةِ؛ كالمرتَدِّينَ الذينَ قاتلَهم أبو بكرٍ ﵁، أو الخوارجِ الذينَ قاتلَهم عليٌّ ﵁؛ كالخُرَّمِيَّةِ، والتتارِ، وأمثالِ هذه الطوائفِ ممن ينطق بالشهادة، ولا يلتزمُ بشرائعِ الإسلامِ.
وأما الحربيُّ؛ فإذا نطَق بها كُفَّ عنه، ثم إن لم يُصَلِّ فإنه يُسْتتابُ، فإن صلَّى، وإلا قتَلَه الإمامُ، وليس لآحادِ الرعيةِ قتْلُه، إنما يقتُلُه وليُّ الأمرِ عندَ مالكٍ والشافعيِّ وأحمدَ، وعندَ أبي حنيفةَ: يعاقِبُه بدونِ القتلِ.
وأما إذا كان في طائفةٍ ممتنعينَ عن الصَّلاةِ ونحوِها؛ فهؤلاءِ يُقاتَلونَ كقتالِ المرتَدِّينَ والخوارجِ، ومن قدَر عليه قتَلَه، فيجبُ الفرقُ بينَ المقدورِ عليه، وبينَ قتالِ الطائفةِ الممتنعةِ التي تحتاجُ إلى قتالٍ.
والرِّقُّ الشرعيُّ سبَبُه الكفرُ ؛ لأنَّ الكافرَ لمَّا لم يُسلِمْ ويعبُدِ اللهَ؛ أباح للمسلمِ أن يستَعْبِدَه.
وأما الكنيسةُ المحدَثةُ في دارِ الإسلامِ ، فليس لهم إعادتُها إذا انهدمَتْ باتِّفاق.
وأما الكنيسةُ العتيقةُ إذا كانت بأرضِ العَنْوةِ؛ ليس لهم إعادتُها أيضًا؛ بل في وجوبِ هَدْمِها قولانِ، هما روايتانِ لأحمدَ والشافعيِّ.
أما إذا كانت في أرضِ الصلحِ التي هي للمسلمِينَ؛ فهذه هل يجوزُ
стр. 813
إعادتُها؟ فيه نزاعٌ لأحمدَ والشافعيِّ ومالكٍ وغيرِهم.
وأما إذا كانت الكنيسةُ في مكانٍ قد صار فيه مسجدٌ للمسلمِينَ يُصلَّى فيه، وهي أرضُ عَنْوةٍ؛ كأرضِ مصرَ؛ فهذه يجبُ هَدْمُها؛ لما رُوِي عن النبيِّ ﷺ أنه قال: «لا تجتمعُ قِبْلتانِ بأرضٍ، ولا جِزْيةَ على مسلمٍ» رواه أبو داودَ (١)، ولهذا أقرَّهم المسلمونَ في أولِ الفتحِ على ما بأيديهم من الكنائسِ العَنْوة؛ بأرضِ مصرَ والشامِ وغيرِها، فلما كثُر المسلمونَ، وبُنِيتِ المساجدُ في تلك الأرضِ؛ أخذ المسلمونَ تلك الكنائسَ فأقطعوها، أو بنَوْها مساجدَ، أو غيرَ ذلك؛ لأن الكنائسَ العَنْوةَ ملكُ المسلمِينَ، فأقروا ما لم يكُنْ فيه ضرَرٌ على المسلمِينَ كما أقرَّهم بخَيْبَرَ، ثم أمر بإجلائِهم، فأجلاهم عمرُ لما كثُر المسلمونَ، واستَغْنَوا عنهم، وصار عليهم منهم ضرَرٌ (٢)، وقال عمرُ وغيرُه من السَّلَفِ: «لا يجتمعُ بيتُ رحمةٍ وبيتُ عذابٍ» (٣)؛ أي: المساجدُ بيوتُ الرحمةِ، والكنيسةُ بيتُ العذابِ، وقد هدَم المسلمونَ بأرضِ الشامِ والعراقِ وغيرِها من
стр. 814
الكنائسِ ما لا يعلمُه إلا اللهُ؛ ممَّا فُتح عَنْوةً، ومُصِّرَ موضعُه، أو بُنِي عندَه مسجدٌ.
وأكثرُ هذه الكنائسِ اليومَ مُجددةٌ، ولا يجوزُ تجديدُ الكنيسةِ باتِّفاقِ المسلمِينَ، وعلى وليِّ الأمرِ أن يهدِمَ ما عمَروه من ذلك، وإذا كانت قديمةً ثم مصَّر المسلمونَ تلكَ الأرض؛ وجَب هَدْمُها في أصحِّ قولَيِ العلماءِ، وهو مذهَبُ أحمدَ.
стр. 815
بَابُ عَقْدِ الذِّمَّةِ
الراهبُ الذي تنازَعَ العلماءُ في وجوبِ أخذِ الجزيةِ منه: هو الحبيسُ الذي هو منقطع مُتخلٍّ عن الناسِ في دينِهم ودنياهم، كما قال أبو بكرٍ: «ستجِدونَ قومًا قد حبَسوا أنفُسَهم في الصوامعِ» (١)، فهذا يُؤخَذُ منه الجزيةُ في مذهَبِ الشافعيِّ في المشهورِ عنه، ولا يُؤخَذُ عندَ غيرِه.
وأما الذي يُخالِطُ أهلَ دينهِ، فيُزارِعُ ويتاجرُ؛ فحكمُه حكمُهم بلا نزاعٍ؛ وتُؤخَذُ منه الجزيةُ بلا رَيْبٍ، ولا يحل إبقاؤُهم بلا جزيةٍ، ولا يُترَكُ له من المالِ إذا فُتِحتِ البلادُ إلا ما يَكْفيه، ولا يجوزُ أن يُقطَعَ شيئًا من أموالِ المسلمِينَ (٢).
ومَن أعتَقَه سيدُه؛ وجبت عليه الجزيةُ عندَ الجمهورِ؛ سواءٌ كان سيدُه مسلمًا أو كافرًا، وفي روايةٍ ضعيفةٍ عن أحمدَ: لا جزيةَ على عتيقٍ، وهي روايةٌ عن مالكٍ، وروايةُ «التهذيبِ»: الفرقُ بينَ العتيقِ المسلمِ والذميِّ، والروايةُ الثالثةُ عن مالكٍ كمذهبِ الجمهورِ: تجبُ الجزيةُ على كلِّ عتيقٍ.
стр. 816
والجزيةُ وجَبتْ عقوبةً وعِوضًا عن حقنِ الدمِ عندَ أكثرِ العلماءِ، وأجرةً على سُكْنى الدارِ عندَ بعضِهم، ومن قال بالثاني؛ لا يُسقِطُها بإسلامِ مَن وجبت عليه، ولا بموتِه.
ولا جزيةَ على عبدِ المسلمِ ، وفي عبدِ الكافرِ نزاعٌ لأحمدَ وغيرِه.
ولعنُ الكفارِ مطلقًا حسَنٌ ؛ لِما فيهم من الكفرِ، وأما لعنُ المُعيَّنِ فيُنهَى عنه، وفيه نزاعٌ، وتركُه أَوْلى.
ولا يجوزُ أن يُولَّى الكتابيُّ شيئًا من ولاياتِ المسلمِينَ، لا على الجهات السلطانية، ولا على أخبارِ الأمراءِ، ولا غيرِ ذلك، كما قال عمرُ لما ولَّى رجلٌ نصرانيًّا: «لا تُعِزُّوهم بعدَ إذ أذَلَّهم اللهُ، ولا تأمَنوهم بعدَ إذ خوَّنَهم اللهُ، ولا تُصدِّقوهم بعدَ إذ كذَّبَهم اللهُ» (١)، وكتب إلى خالدٍ بالشامِ: «مات النصراني»، لَمَّا راجَعَه في أمرِ كاتبِ الشامِ أن يكونَ نصرانيًّا (٢)، فقال: قدِّرْ موتَه، فمن ترك شيئًا للهِ؛ عوَّضه اللهُ خيرًا منه.
والمدينةُ التي يسكُنُها المسلمونَ وفيها مساجدُ المسلمِينَ، والقريةُ التي يسكنُها المسلمون وفيها مساجدُ لهم؛ لا يجوزُ أن يظهرَ فيها شيءٌ من شعائرِ الكفرِ، لا كنائسُ ولا غيرُها؛ إلا أن يكونَ لهم عهدٌ، فيُوفَّى لهم بعهدِهم، فلو كان بأرضِ القاهرةِ ونحوِها كنيسةٌ قبلَ بنائها؛ لكان
стр. 817
للمسلمِينَ أخذُها وهدمُها؛ لأن القاهرةَ فُتِحتْ (١) عَنْوةً، فكيفَ وكنائسُها مُحدَثةٌ، فإن القاهرةَ قد ملَكها قومٌ اتَّفقَ المسلمونَ على أنهم خارجونَ عن الشريعةِ، وأنهم كانوا إسماعيليةً، كما قال الغزالي: «ظاهرُ مذهبِهم الرفضُ، وباطنُه الكفرُ المحضُ»، واتفقوا على أن قتالَهم كان جائزًا، وهم الذينَ أحدثوا للنصارى هذه الكنائسَ، وصنَّف العلماءُ في كفرِهم وزَنْدقتِهم؛ مثلُ: القدوري، والشيخِ أبي حامدٍ الإسفرايينيِّ، والقاضي أبي يَعْلى، وأبي محمدِ بنِ أبي زيدٍ، وأبي بكر بنِ الطيبِ.
والذينَ يوجدونَ في بلادِ الإسلامِ من الإسماعيليةِ والنُّصَيريةِ والدرزيةِ هم من تباعِهم، وكان وزيرُهم بالقاهرةِ مرةً يهوديًّا، ومرةً نَصْرانيًّا أَرْمنيًّا، وقوِيَتِ النصارى بسببِ ذلك النصرانيِّ الأرمنيِّ، وبنوا كنائسَ كثيرةً بأرضِ مصرَ في دولةِ أولئكَ الرافضةِ المنافقينَ، وكانوا ينادونَ بينَ القصرينِ: «مَن لعن وسَبَّ، فله كذا»، وفي أيامِهم أخذ النصارى ساحلَ الشامِ من المسلمِينَ؛ حتى فتَحَه نورُ الدينِ محمودُ، وصلاحُ الدينِ.
وليس لأهلِ الذمةِ أن يُكاتِبوا أهلَ دينِهم من أهلِ الحربِ، ولا يُخبِروهم بشيءٍ من أخبارِ المسلمِينَ، ومَن فعل ذلك منهم وجبَتْ عقوبتُه، ونقضُ عهدِه في أحدِّ القولَينِ.
стр. 818
فَصْلٌ
ولا يجوزُ أن يُحبَّسَ شيءٌ من أراضي المسلمِينَ التي فُتِحتْ عَنْوةً؛ كمصرَ والسوادِ وبرِّ الشامِ على شيءٍ من معابدِ الكفارِ، لا كنائسَ، ولا دياراتٍ، ولا غيرِها؛ بل ولا يجوزُ لآحاد المسلمِينَ أن يُحبِّسَ عليها شيئًا من مالِه، فكيفَ يُحبَّسُ عليها أرضُ المسلمِينَ؟!
بل لو حبس الذمِّيُّ من مالِ نفْسِه شيئًا على معابدِهم؛ لم يجُزْ للمسلمِينَ أن يحكموا بصحتِه، وإذا رُفِع إلى وليِّ الأمرِ؛ حَكَم بفسادِه، وجعَلَه لورثةِ الذمِّيِّ إن كان قد مات؛ كذا نصَّ على هذا الأئمَّةُ؛ مالكٌ، والشافعيُّ، وأحمدُ، وغيرُهم.
وما كان في أيديهم من المزارعِ المحبسةِ على ذلك؛ فعلى الإمام أخذُه منهم.
وإذا زار أهلُ الذمَّةِ كنيسةَ بيتِ المقدسِ، فهل يقالُ لهم: يا حاجُّ، مثلًا؟ فمن اعتقد أن زيارتَها قربةٌ؛ فقد كفَرَ، فإن كان مسلمًا فهو مرتَدٌّ، يُسْتتابُ، فإن تاب وإلا قُتِل، وإن جهِل أن ذلك محرَّمًا؛ عُرِّف ذلك، فإن أصَرَّ؛ فقد صار مُرتَدًّا.
ومَن قال لأحدِهم: يا حاجُّ، فإنه يُعاقَبُ عقوبةً بليغةً تردَعُه عن مثلِ هذا الكلامِ الذي فيه تشبهُ القاصدينَ الكنائسَ بالقاصدينَ لبيتِ اللهِ الحرامِ، وفيه تعظيمٌ لذلك، وهو بمنزلةِ من يُشبِّهُ أعيادَ النصارى بأعيادِ المسلمِينَ ويُعظِّمُها، وأمثالُ ذلك (١) مما فيه تشبيهُ الذينَ كفروا من أهلِ
стр. 819
الكتابِ بأهلِ الإيمانِ، وتعظيمُ الكفارِ، وقد قال تعالى: ﴿أفنجعل المسلمين كالمجرمين﴾، ﴿أفنجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرضِ أم نجعل المتقين كالفجار﴾، وأيُّ نصرانيٍّ قال لنصرانيٍّ: يا حاجُّ، بينَ المسلمِينَ؛ فإنه يُعاقَبُ على ذلك بما يردَعُه عقوبةً بليغةً.
وكذا من يسافرُ إلى زيارةِ القبورِ والمشاهدِ، كما يفعَلُه طوائفُ من الرافضةِ ونحوِهم في تسميةِ ذلك حَجًّا، وصنَّف بعضُهم كتابًا أسماه: «مناسِكُ حَجِّ المشاهدِ» (١)، فمن شبَّه ذلك بالحجِّ المشروعِ، وجعَلَه مثلَه؛ فإنه يُسْتتابُ، فإن تاب وإلا قُتِل، ومن سَمَّاه حَجًّا، أو جعَلَ له مناسكَ؛ فإنه أيضًا يُعاقَبُ بما يردَعُه وأمثالَه.
كيف والذي عليه أئمةُ المسلمِينَ وجمهورُ العلماءِ: أن السفرَ للمشاهدِ التي على القُبورِ غيرُ مشروعٍ؛ بل معصيةٌ؛ حتى لا يجوزُ قصرُ الصَّلاةِ فيه عندَ مَن لا يُجوِّزُ قصرَها في سفرِ المعصيةِ؛ لقولِه ﷺ : «لا تُشَدُّ الرحالُ إلى ثلاثةِ مساجدَ: المسجدِ (٢) الحرامِ، والأقصى، ومسجدي هذا» (٣).
стр. 820
ولهذا اتَّفقَ سلفُ الأمةِ وخلَفُها على أنه لو نذَر السفرَ إلى مشهدِ عليٍّ ونحوِه؛ لم يُوفِ بهذا النَّذْرِ، بخلافِ ما لو نذَر إتيانَ المسجدِ الحرامِ؛ فإنه يجبُ الوفاءُ اتفاقًا، وكذلك لو نذَر إتيانَ مسجدِ رسولِ اللهِ أو المسجدِ الأقصى؛ وجَب عليه الوفاءُ عندَ مالكٍ وأحمدَ والشافعيِّ، ولا يجبُ عندَ أبي حنيفةَ.
لكن إذا سُمِّي حَجًّا مقيدًا بقيدٍ يُخرِجُه عن شبه المشروعِ؛ مثلُ أن يقالَ: حجُّ النصارى، وحجُّ أهلِ البِدَع، وحجُّ الضالينَ، كما يقالُ: صومُ النصارى، وصومُ اليهودِ، وصلاةُ النصارى، وصلاةُ اليهودِ، وصلاةُ الرافضةِ، وعيدُ الرافضةِ ونحوُ ذلك؛ فهو جائزٌ؛ ليتميزَ بذلك بينَ الحقِّ المأمورِ به وبين الباطلِ المنهيِّ (١) عنه؛ بل السفرُ المشروعُ السفرُ إلى مسجدِ النبيِّ ﷺ ، أو إلى المسجدِ الأقصى، وليس لأحدٍ أن يفعلَ في ذلك ما هو من خصائصِ البيتِ العتيقِ، كما يفعَلُه بعضُ الضُّلَّالِ من الطوافِ بالصخرةِ، أو الحجرةِ، أو السفرِ إلى القدسِ وقتَ التعريفِ، أو الذبحِ هناك، أو حلقِ الرأسِ، ونحوِ ذلك؛ فكلُّ هذا من المُنكَراتِ في دينِ الإسلامِ.
стр. 821
فَصْلٌ
وإذا شرط وليُّ الأمرِ على التجارِ الداخلينَ إلى بلادِ الإسلامِ - وهم من أهلِ الحربِ- أنهم يضمنونَ ما أخذَه أهلُ الحربِ منهم لتجَّارِ المسلمِينَ؛ جاز ذلك، وكان شرطًا صحيحًا؛ لأن غايتَه أنه ضمانُ مجهولٍ، وضمانُ ما لم يجبْ، فهو كضمانِ السوقِ؛ وهو أن يضمنَ الضامنُ ما يجبُ على التاجرِ للناسِ من الديونِ، وهذا جائزٌ عندَ أكثرِ العلماءِ؛ مالكٍ، وأحمدَ، وأبي حنيفةَ وغيرِهم، كما في قولِه: ﴿ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم﴾، ولأن هؤلاءِ الطائفةَ الممتنعةَ ينصُرُ بعضُهم بعضًا، فهم كالشخصِ الواحدِ، فإذا شرطوا على أن تجارَهم يدخلونَ دار الإسلامِ بشرطِ ألا يأخذوا للمسلمِينَ شيئًا، وما أخذوه كانوا ضامنينَ له، والمضمونُ يُؤخَذُ من أموالِ التجارِ؛ جاز ذلك، ولهذا لما قال النبيُّ ﷺ للأسيرِ العقيليِّ حينَ قال: يا محمدُ، عَلامَ أُوخَذُ؟ فقال: «بجَريرةِ حُلفائِكَ من ثقيفٍ» (١)، فأسَرَه النبيُّ ﷺ ، وحبَسَه لينالَ بذلك من حلفائِه مقصودَه.
ولو أسَرْنا حربيًّا لأجلِ مَن أسَروه ؛ جاز باتِّفاقِ المسلمِينَ، ولنا أن نَحبِسَه حتى يردوا أسيرَنا، ولو أخَذْنا مالَ حربيٍّ حتى يردوا علينا ما أخذوه لنا؛ جاز، فإذا شرِطَ عليهم ذلك في الأمانِ جاز.
стр. 822
فَصْلٌ
وإذا كان اليهوديُّ أو النصرانيُّ خبيرًا بالطبِّ، ثقةً عندَ الإنسانِ؛ جاز له أن يستَطِبَّه، كما يجوزُ له أن يودِعَه المالَ، وأن يعاملَه، وقد استأجَرَ رسولُ اللهِ رجلًا مشركًا لما هاجَرَ، وكان هاديًا خِرِّيتًا (١)؛ أي: ماهرًا بالهدايةِ، وائتَمنَه على نفْسِه ومالِه، وكانت خُزاعةُ عَيْبةَ نصحٍ لرسولِ اللهِ ﷺ ؛ مسلمِهم وكافرِهم (٢)، وقد رُوِي أن الحارثَ بنَ كَلَدةَ - وكان كافرًا - أمَرَ رسولُ اللهِ أن يستَطِبَّه (٣)، وإذا وجَد مسلمًا فهو أَوْلى، وأما إن (٤) لم يجدْ إلا كافرًا؛ فله ذلك، وإذا خاطَبَه بالتي هي أحسَنُ؛ كان حَسَنًا.
وليس لأهلِ الذمةِ إظهارُ شيءٍ من شعائرِ دينِهم في ديارِ المسلمِينَ، لا في أوقاتِ الاستسقاءِ، ولا في وقتِ مجيءِ النوائبِ (٥)، وإظهارِ التوراةِ، ولا يرفعونَ أصواتَهم بالقراءةِ، وعلى وليِّ الأمرِ منعُهم من ذلك.
وليس الخميسُ من أعيادِ المسلمِينَ ؛ بل من أعيادِ النصارى، كعيدِ
стр. 823
الميلادِ، وعيدِ الغِطاسِ؛ لكلِّ أُمَّةٍ عيد كما لكل أُمَّةٍ قِبْلةٌ.
وليس لأهلِ الذمةِ أن يُظهروا أعيادَهم في بلادِ المسلمِينَ، وليس للمسلمِينَ أن يُعينوهم على أعيادِهم، لا ببيعِ ما يستعينونَ به على عيدِهم، ولا بإجارةِ دوابِّهم ليركبوها في عيدِهم؛ لأن أعيادَهم مما حرَّمَه اللهُ ورسولُه؛ لما فيها من الكفرِ والفسوقِ والعصيانِ.
وأما إذا فعَل المسلمونَ معهم أعيادَهم؛ مثلُ: صنعِ بيضٍ، وتحميرِ دوابِّهم بِمَغَرةٍ (١) وبخورٍ، وإنفاقٍ وعملِ طعامٍ؛ فهذا أظهرُ من أن يحتاجَ إلى سؤالٍ؛ بل قد نصَّ طائفةٌ من العُلَماءِ من أصحابِ أبي حنيفةَ ومالكٍ على كفرِ مَن يفعلُ ذلك، وقال بعضُهم: من ذبَح بطيخةً في عيدِهم؛ كأنما ذبَح خنزيرًا.
ولو تشَبَّه الرجلُ منهم في العادات المختصةِ بهم لنُهِي عن ذلك باتِّفاقِ العلماءِ، وإن كان ذلك جائزًا إذا لم يكُنْ من شعائرِهم؛ مثلُ: لباسِ الأصفرِ ونحوِه، فإن هذا جائزٌ في الأصلِ؛ لكن لما صار مِن (٢) شعائرِ الكفرِ؛ لم يجُزْ لأحدٍ أن يلبَسَ عمامةً صفراءَ أو زرقاءَ؛ مع كونِ ذلك من لباسِهم الذي يمتازونَ به، فكيفَ بمَن يشارِكُهم في عاداتِهم وشعائرِ دينِهم؟!
стр. 824
بل ليس لأحدٍ من المسلمِينَ أن يخُصَّ مواسِمَهم بشيءٍ مما يخُصُّونَها به، فليس للمسلمِ أن يخصَّ خميسَهم الحقيرَ لا بتجديدِ طعامٍ؛ كالرزِّ، والعَدَسِ، والبيضِ المصبوغِ، وغيرِ ذلك، ولا بتجمُّلٍ بالثيابِ، ولا بصبغِ دوابَّ، ولا بنشرِ ثيابٍ، ولا غيرِ ذلك، ومن فعل ذلك على وجهِ التبركِ به واعتقادِ التبررِ به؛ فإنه يُعرَّفُ دينَ الإسلامِ، وأن هذا ليس منه؛ ويُسْتتابُ منه، فإن تابَ وإلا قُتِل.
وليس لأحدٍ أن يجيبَ دعوةَ مسلمٍ يحدِّد في أعيادِهم مثلَ هذه الأطعمةِ، ولا يأكلَ من ذلك؛ بل لو ذبحوا هم في أعيادِهم شيئًا لأنفُسِهم؛ ففي جوازِ أكلِ المسلمِ لذلك نزاعٌ بينَ العلماءِ؛ لكونِهم على وجهِ القربات، فصار من جنسِ ما ذُبِح على النُّصُبِ وما أُهِلَّ به لغيرِ اللهِ.
وأما ذبحُ المسلمِ لنفْسِه في أعيادِهم على وجهِ القربات؛ فكفرٌ بَيِّنٌ؛ كالذبحِ للنُّصُبِ، ولا يجوزُ الأكلُ من هذه الذبيحةِ بلا رَيْبٍ، ولو لم يقصِدِ التقربَ بذلك؛ بل فعَله لأنه اعتاده، أو لتفريحِ أهلِه؛ يحرُمُ عليه ذلك، واستحقَّ العقوبةَ البليغةَ إن عاد إلى مثلِ ذلك؛ لقولِه: «ليس منَّا مَن تشَبَّه بغيرِنا» (١)، و: «مَن تشَبَّه بقومٍ فهو منهم» (٢)، وبسَطْنا ذلك في كتابٍ كامل، وذكَرْنا دلائلَ ذلك كلَّها، وسأل رجلٌ رسولَ اللهِ ﷺ ، فقال: إني نذرتُ أن أذبحَ بمكان سمَّاه، فهل أُوفِ بنذري؟ فقال: «إن
стр. 825
كان به عيدٌ من أعيادِ المشركينَ، أو وَثَنٌ؛ فلا تذبَحْ به» (١)، فنهاه أن يذبحَ في مكانٍ كانوا يتخذونَه عيدًا؛ لئلا يكونَ ذريعةً إلى إحياءِ سُننٍ من أمر الكفرِ، فكيفَ بمن يظهرُ شعائرَ كفرِهم وإفكِهم؟! وإن كان ذلك لا يعلمُ أنه من خصائصِ دينِهم؛ بل يفعلُه على وجهِ العادةِ؛ فهي عبادةٌ جَاهليةٌ، أصلها مأخوذةٌ عنهم، ليس هذا من عباداتِ المسلمِينَ الذين أخذوها عن المؤمنينَ.
والدينُ الفاسدُ: هو عاداتٌ فاسدةٌ ابتدَعَها بعضُ الضالينَ، والدينُ الصحيحُ: عاداتٌ شرعها اللهُ ورسولُه، وقد كرِهَ السَّلَفُ صيامَ أيامِ أعيادِهم وإن لم يقصِدْ تعظيمَها، فكيفَ بتخصيصِها بمثلِ ما يفعلونَه هم؟! بل قد نهى أئمةُ الدينِ عن أشياءَ ابتدَعَها بعضُ الناسِ من الأعيادِ، وإن لم تكُنْ من أعيادِ الكفارِ؛ كما يفعلونَه في يومِ عاشوراءَ، وفي رجبٍ، وليلةِ النصفِ، ونحوِ ذلك، فنهى العلماءُ عما أُحدِثَ في ذلك من الصلواتِ، والاجتماعاتِ، والأطعمةِ، والزينةِ، وغيرِ ذلك، فكيفَ بأعيادِ المشركينَ؟! فالناهي عن هذه المُنكَراتِ من المُطيعِينَ للهِ ورسولِه المجاهدِينَ في سبيلِه.
ويُنهى المسلم عن كلِّ ما فيه ذلٌّ للنصارى ، كالسؤالِ على بابِه، وخدمتِه له بعوضٍ يعطونه إياه، وكُره إجارةُ نفْسِه له للخدمةِ في المنصوصِ من الروايتينِ، وهو مذهَبُ مالكٍ.
стр. 826
بَابُ الصَّيْدِ وَالذَّبَائِحِ
فيما يُشترَطُ قطعُه أقوالٌ:
أحدُها: أن الواجبَ قطعُ الحُلْقُومِ والمَرِيْءِ خاصةً؛ كقولِ الشافعيِّ، وروايةٍ عن أحمدَ.
وعلى هذا؛ لو قطَع الوَدَجَينِ دونهما؛ فهل يباح؟ على وجهين.
ولو قَطَع الحلقومَ وأحد الوَدَجَينِ والمريءَ؛ لكان أولى بالإباحة من قطع الوَدَجَينِ، بل قَطْع أحدِ الوَدَجَينِ والحلقوم أَوْلى بالإباحةِ من قطعِ الحلقومِ والمَريءِ.
والقولُ الثاني: أن الواجبَ قطعُ الأربعةِ؛ كالروايةِ الأخرى عن أحمدَ، ويُروَى عن مالكٍ.
الثالثُ: أن الواجبَ قطعُ ثلاثةٍ، وهو مذهَبُ أبي حنيفةَ وأصحابِه، ومالكٍ فيما نقَلَه أصحابُه، وقولٌ في مذهَبِ أحمدَ؛ لكنْ مالكٌ يعتبرُ قطعَ الحلقومِ والوَدَجَينِ دونَ المَريءِ، وأبو حنيفةَ معَ صاحبيه على قولَينِ:
أحدُهما: يُعتبرُ قطعُ ثلاثةٍ من الأربعةِ؛ يشترطُ أن يكونَ فيها الحلقومُ.
стр. 827
والثاني: يُعتبرُ قطعُ ثلاثةٍ من الأربعةِ؛ سواءٌ كان فيها الحلقومُ أو لم يكُنْ، وهو القولُ الذي في مذهَبِ أحمدَ، فإذا قطع وَدَجَيْه وبُلْعُومَه ولم يقطعِ الحُلْقومَ؛ يجيءُ فيه نزاعٌ، على ما تقدَّم، والأظهرُ: حِلُّه.
وإذا جُرِح الصيدُ فغاب عنه ، وليس به غيرُ سهمِه؛ فإنه يحلُّ على الصحيحِ من أقوالِهم، وبه أفتى رسولُ اللهِ ﷺ لَمَّا سأله عَدِيُّ بنُ حاتمٍ: إنا نرمي الصيدَ، فنَقْتفي أثَرَه اليومينِ والثلاثةَ، ثم نجِدُه ميتًا وفيه سهمٌ، فقال: «يأكل إن شاء» (١)، وفي حديثِ أبي ثَعْلَبةَ: «إذا رميتَ سَهْمكَ فغاب ثلاثةَ أيامٍ وأدرَكْتَه؛ فكُلْ ما لم يُنْتِنْ» (٢)، فهذانِ الحديثانِ الصحيحانِ: الأولُ في البخاريِّ، والثاني في مسلمٍ، عليهما اعتمدَ العلماءُ، فإن كلاهما أفتى فيه النبيُّ ﷺ ، ومن أفتى بغيرِ ذلك؛ فلم يبلُغْه الحديثُ.
وأما إذا أنتَنَ؛ فيُكرَهُ أكلُه.
وأما الضَّبُعُ؛ فإنها مباحةٌ في مذهَبِ مالكٍ والشافعيِّ وأحمدَ، وحرامٌ في مذهَبِ أبي حنيفةَ؛ لأنها من ذواتِ الأنيابِ، والأولونَ استدلوا بقولِه: «إنها صَيْدٌ»، وأمَرَ بأكلِها، رواه أهلُ السُّننِ، وصحَّحَه التِّرْمِذيُّ (٣)، وقالوا: ليس لها نابٌ؛ لأن أضراسَها صفيحةٌ، لا نابَ فيها.
стр. 828
وما أكَل منه الكلبُ ؛ لا يُؤكَلُ في أصحِّ قولي العلماءِ، ولا يحرمُ ما تقدَّمَ من صيده في أصحِّ قولَيِ العلماءِ أيضًا.
والصيدُ للحاجةِ؛ فإنه جائزٌ ، وأما الصيدُ الذي ليس فيه إلا اللهوُ واللعبُ؛ فمكروهٌ، فإن كان فيه تعَدٍّ على زروعِ الناسِ وأموالِهم؛ فهو حرامٌ (١).
وقد رُوِي عن عثمانَ: أنه نهى عن الرميِ بالجُلَاهقِ؛ وهي البُنْدُقُ (٢)، والمقتولُ بالبُنْدُقِ؛ حرامٌ باتِّفاقِ المسلمِينَ، وإن أُدرِكَ حيًّا وذُكِّيَ؛ فحلالٌ (٣).
في كلبِ الماءِ نزاعٌ، الأَوْلى تَرْكُه.
فَصْلٌ
إذا كان السَّبَقُ من أحدِ الحزبينِ ، أو غيرِهما؛ لم يحتجْ إلى محلِّلٍ، ويمكنُهم معَ هذا أن تكونَ الحزبةُ (٤) للأولِ، يُخرِجُ السَّبَقَ أولَ مرةٍ،
стр. 829
وللآخَرُ يُخرِجُه في المرةِ الثانيةِ، والأولُ في المرةِ الثالثة، والثاني في المرة الرابعة، وهلُمَّ جرًّا، فإذا فَعَلوا هذا كانَ عَدْلًا بين الحِزبينِ، ولم يحتجَ إلى محلِّلٍ، ويمكنهم معَ هذا أن يُكثِروا الرميَ.
وأما إعارةُ السلاحِ والخيلِ لمن يعرضُ فيها ، فإن كان ممن يرتزقُ من بيتِ المالِ، ويصرِفُه في غيرِ مصارِفِه الشرعيةِ، أو يُقصِّرُ فيما يجبُ عليه من الجهادِ؛ لم يجُزْ إعانتُه على المعصيةِ والتدليسِ والتزويرِ.
وكذلك الجنديُّ الذي يسرفُ في النفقة، أو يُنفِقُها في المعاصي والفواحشِ حتى يبقى؛ لا يمكنُه أن يقومَ بما يجبُ عليه.
وكذلك الذينَ يَكْنِزونَ الذهبَ والفضةَ، ولا يُنفِقونَها في سبيلِ اللهِ، أو يتخذونَ بها ما لا ينفعُ للجهادِ من عرضٍ وعقارٍ؛ حتى لا يَقوموا بما يجبُ عليهم.
وأما إن كان هذا المعارُ معذورًا أو مظلومًا؛ مثلُ: أن يكونَ قد ماتت خيلُه بغيرِ تفريطٍ منه، ولم يُعرِضْ عنها، أو أن الخبزَ الذي له لم يغلَّ (١) ما يقومُ بذلك، أو حدَثَ له من العيالِ ما يمنعونَه من تمامِ العملِ، أو كان قد ظُلِم فلم يُعْطَ من بيتِ المالِ الرزقَ الذي عليه أن يقيمَ به ما ينبغي لمثلِه، فهذا إذا خيفَ في عَرْضِه ناقصًا أن يزدادَ ظلمُه، أو يُقطَعَ خبزُه معَ استحقاقِه، أو يُعطَى خبزُه لمن هو دونَه في نفعِ المسلمِينَ، فأُعيرَ ما يتجمَّلُ به؛ فلا بأسَ بذلك؛ بل يُستحَبُّ ذلك،
стр. 830
ويُؤمَرُ به إذا كانت الإعارةُ لأجلِ معاينة عيونهم جندَ المسلمِينَ، وقُصِد بذلك تتمةُ عسكرِ المسلمِينَ؛ كان حسنًا محمودًا.
ولعبُ الأُكْرةِ (١) إذا كان قصَد صاحبُه به المنفعةَ للخيلِ والرجالِ؛ بحيثُ يُستعانُ بها على الكرِّ والفرِّ والدخولِ والخروجِ ونحوِه في الجهادِ، وغرَضُه الاستعانةُ على الجهادِ الذي أمَر اللهُ به ورسوله؛ فهو حسَنٌ، وإن كان في ذلك مَضرَّةٌ بالخيلِ والرجالِ؛ فإنه يُنهَى عنه.
стр. 831
بَابُ الأُضْحِيَّةِ
في «النَّسائيِّ» (١) عن ابنِ عبَّاسٍ قال: كنا معَ رسولِ اللهِ ﷺ في سفرٍ فحضَر النحرُ، فاشترَكْنا في البعيرِ عن عشرةٍ، والبقرةِ عن سبعةٍ، والذي في الصحيحِ: أنهم عامَ الحُدَيْبيةِ نحَروا البَدَنةَ عن سبعةٍ؛ وهي البعيرُ (٢)، وهذا مذهَبُ الجمهورِ.
وقال مالكٌ: لا تجزئ نفسٌ إلا عن نفسٍ.
وأما ذبحُ البعيرِ عن عشرةٍ؛ فلم يقُلْ به أحدٌ من الأئمَّةِ الأربعةِ، وحديثُ النسائيِّ قيلَ: إن أصلَه كان في قَسمِ المغنائمِ، فقُسِم بينهم، فعدل الجزورَ بعشرةٍ من الغنمِ، لا في النُّسُكِ؛ لأن ابنَ عبَّاسٍ لم يكُنْ معَ النبيِّ ﷺ في سفرِ عيدَ النحرِ إلا في حجةِ الوداعِ خاصةً، فإنه كان مقيمًا معَ أبيه إلى عامِ الفتحِ، فلم يشهدْ معَه عيدًا قبلَ ذلك، لا في حضرٍ ولا سفرٍ، وبعدَ الفتحِ إنما عَيَّد النبيُّ ﷺ ثلاثةَ أعيادٍ: عامَ ثمانٍ، وتسعٍ، وعشرٍ، ولم يسافرْ سفرَ حجِّ إلا حجةَ الوَداعِ، أو سَفْرتانِ للغزوِ، وهما: غزوةُ خَيْبَرَ وتَبوكٍ، وابنُ عبَّاسٍ كان صبِيًّا دونَ الاحتلامِ، لم يكُنْ يشهدْ معَه المغازيَ؛ لكن شهِد معَه حجةَ الوداعِ،
стр. 832
وفي حجةِ الوداعِ؛ لم يذبحوا البَدَنةَ عن عشرةٍ، ولا نقَل ذلك أحدٌ، واللهُ أعلمُ.
ويُنهَى عن التضحيةِ في الكنيسةِ التي فيها صُوَرٌ، كما يُنهَى عن ذبحِها عندَ الأصنامِ، ومن قال: إن نُسُكَ المسلمِينَ يُذبَحُ عندَ الأصنامِ كما يذبحُ المشركونَ القرابينَ لآلهتِهم؛ فهو مخالفٌ لإجماعِ المسلمِينَ؛ بل يُسْتتابُ قائلُ هذا، فإن تاب، وإلا قُتِل.
وفي الصحيحِ أنه نهى عن العَقْرِ عندَ القبرِ (١)، فلا يذبح عند قبر، ولا تشرع الصدقةُ عندَه، ومَن اعتقد أن الذبحَ عندَ القبرِ أفضلُ، أو الصلاةَ، أو الصدقةَ؛ فهو ضالٌّ مخالفٌ لإجماعِ المسلمِينَ.
وفي وجوبِ الأضحيَّةِ قولانِ لأحمدَ ومالكٍ وغيرِهما (٢).
والعقيقةُ سنةٌ ، وتَنازَعوا في وجوبِها على قولَينِ في مذهَبِ أحمدَ وغيرِه، وإن كان بعضُ أهلِ العراقِ لم يعرِفْها، وهي أفضلُ من الصدقةِ.
ويعُقُّ الكبيرُ عن نفْسِه إذا لم يُعَقَّ عنه، جوَّزه طائفةٌ، وروَى
стр. 833
عبدُ الحقِّ في «أحكامِه»: «أن النبيَّ ﷺ عَق عن نفْسِه بعدَ النبوةِ» (١)، وهذا فيه نظَرٌ ونزاعٌ.
فَصْلٌ (٢)
هل الذبيحُ إسماعيلُ أو إسحاقُ ؟ فيه قولانِ مشهورانِ، هما روايتانِ، كلُّ منهما قولٌ عن السَّلَفِ، ونصَّ القاضي أبو يَعْلى: أنه إسحاقُ، تَبَعًا لأبي بكرٍ عبدِ العزيزِ، وقال ابنُ أبي موسى: الصحيحُ أنه إسماعيلُ.
والذي يجبُ القطعُ به: أنه إسماعيلُ؛ يدلُّ على ذلك الكتابُ والسُّنَّةُ والتوراةُ، فإن فيها أنه قال لإبراهيمَ: «اذبَحْ ابنَكَ وحيدَكَ»، وفي ترجمةٍ أخرى: «بِكْرَكَ»، وإسماعيلُ هو بِكْرُه ووحيدُه باتِّفاقِ المسلمِينَ وأهلِ الكتابِ؛ لكنَّ أهلَ الكتابِ حرَّفوا فزادوا: «إسحاقَ»، فتلَقَّى ذلك مَن تلَقَّاه، وشاع بينَ المسلمِينَ.
ومما يدلُّ على أنه إسماعيلُ؛ قصةُ الذبيحِ التي في الصافاتِ؛ حيثُ قال: ﴿وبشرناه بغلام حليم فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى … ﴾ إلى قولِه: ﴿وفديناه بذبح عظيم … ﴾
стр. 834
إلى قولِه: ﴿وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين وباركنا عليه وعلى إسحاق ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين﴾، فهذه القصةُ تدلُّ من وجوهٍ أنه إسماعيلُ:
أحدُها: أنَّ البشارةَ بالذبيحِ، وذَكَر قصته وفداءه، فلما استوفى ذلك قال: ﴿وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين وباركنا عليه وعلى إسحاق﴾، فهما بشارتانِ: بِشارةٌ بالذبيحِ، وبِشارةٌ بابنِه إسحاقَ، وهذا بيِّنٌ.
الوجهَ الثاني: أنه لم يذكرْ قصةَ الذبيحِ إلا في هذه السورةِ، وفي سائرِ المواضعِ يذكرُ البشارةَ بإسحاقَ خاصةً، كما قال في سورةِ هودٍ: ﴿وامرأته قائمة فضحكت فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب﴾، وقال: ﴿فأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف وبشروه بغلام عليم﴾، وقال في الحِجْرِ: ﴿قالوا إنا نبشرك بغلام عليم قال أبشرتموني على أن مسني الكبر فبم تبشرون﴾، ولم يذكرْ معَ البشارةِ بإسحاقَ أنه ذبيحٌ، معَ تعددِ المواضعِ، فإذا كان قد ذكر البشارةَ بإسحاقَ وحدَه غيرَ مرةٍ، ولم يذكرِ الذبيحَ، ثم ذكر البِشارتينِ جميعًا: البشارةَ بالذبيحِ والبشارةَ بإسحاقَ بعدَه؛ كان هذا من أبينِ الأدلةِ على أن إسحاقَ ليس هو الذبيحَ.
يؤيدُ ذلك: أنه ذكَر هِبتَه وهبةَ يعقوبَ لإبراهيمَ بقولِه: ﴿ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة وكلا جعلنا صالحين﴾، وقوله: ﴿ووهبنا له إسحاق ويعقوب وآتيناه أجره
стр. 835
في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين﴾، ولم يذكرْ ذلك في الذبيحِ.
الوجهُ الثالثُ: أنه ذكَر في الذبيحِ أنه غلامٌ حليمٌ، ولما ذكر البشارةَ بإسحاقَ قال: ﴿بغلام عليم﴾ في غيرِ موضعٍ، ولا بدَّ لهذا التخصيصِ من حكمةٍ، وهذا يقوي افتراق الوصفينِ، والحلمُ الذي هو ثابتٌ للصبرِ الذي هو خُلُقُ الذبيحِ، وإسماعيلُ وُصِف بالصبرِ في قولِه: ﴿واذكر إسماعيل واليسع وذا الكفل كل من الصابرين﴾، وهذا وجه ثالث؛ فإنه قال: ﴿ستجدني إن شاءَ اللهُ من الصابرين﴾.
الوجهُ الرابعُ: أن البشارةَ بإسحاقَ كانت معجزةً؛ لأن أمَّه عجوزٌ عقيمٌ، وأبوه قد مسَّه الكِبَرُ، والبشارةُ مشتركةٌ لإبراهيمَ وامرأتِه، وأما البشارةُ بالذبيحِ فكانت لإبراهيمَ، وامتُحِن بذَبْحِه دونَ الأمِّ المُبشَّرةِ، ولم تكُنْ ولادتُه خرقَ عادةٍ، وهذا يوافقُ ما نُقِل عن النبيِّ ﷺ وأصحابِه في الصحيحِ: من أن إسماعيلَ لَمَّا وُلِد لهاجرَ، غارَتْ سارَّةُ، فذهب إبراهيمُ بإسماعيلَ وأمِّه إلى مكةَ، وهناك كان أمرُ الذبحِ (١)، فيؤيدُ أن إسماعيلَ هو الذبيحُ، ليس إسحاقَ؛ لأنه قال: ﴿فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب﴾، فكيفَ يأمُرُ بعدَ ذلك بذَبْحِه؟! والبشارةُ بيعقوبَ تقتضي أن إسحاقَ يعيشُ ويولدُ له يعقوب، فكيف يأمر بعد ذلك بذَبْحِه؟! وكانت البشارة بيعقوب قبل ولادةِ إسحاق، بل يعقوب إنما ولد بعد موت إبراهيم، وقصةُ الذبيحِ كانت في حياةِ إبراهيمَ بلا رَيْبٍ.
стр. 836
ويدلُّ على ذلك أن قصةَ الذبيحِ كانت بمكةَ، ولما فتَح النبيُّ ﷺ مكةَ كان قَرْنا الكبشِ في الكعبةِ، وقال للسادِنِ: «إني أردتُّ أن آمُرَكَ أن تُخمِّرَ قَرْنَيِ الكبشِ، فنَسيتُ، فخَمِّرْهما؛ فإنه لا ينبغي أن يكونَ في القِبْلةِ شيءٌ يلهي المصليَ» (١)، فلهذا جُعِلتْ منًى محلًّا للنُّسُكِ من عهدِ إبراهيمَ.
وإبراهيمُ وإسماعيلُ هما اللذانِ بَنَيا البيتَ بنصِّ القرآنِ، لم ينقُلْ أحدٌ أن إسحاقَ ذهب إلى مكةَ.
وبعضُ المفترينَ من أهلِ الكتابِ يزعُمُ أن قصةَ الذبيحِ كانت بالشامِ، وهذا افتراءٌ بيِّنٌ، فإنه لو كان ببعضِ جبالِ الشامِ لعُرِف ذلك الجبلُ، وربما جُعِل مَنْسَكًا، كما جُعِل المسجدُ الذي بناه إبراهيمُ وما حولَه من المشاعرِ.
وفي المسألة دلائل أخر، وعلى ما ذكَرْناه أسئلةٌ أوردها طائفةٌ؛ كابنِ جريرٍ، والقاضي أبي يَعْلى، والسُّهَيْليِّ، ولكن لا يتسعُ هذا الموضعُ لذِكْرِها وجوابِها.
فَصْلٌ
ومَن ضحَّى بشاةٍ ثَمنُها أكثرُ من ثَمنِ البقرةِ؛ كان أفضلَ من البقرةِ؛ فإنه سُئِلَ: أيُّ الصدقاتِ أفضلُ؟ فقال: «أغلاها ثمنًا، وأنفَسُها عندَ أهلِها» (٢).
стр. 837
والذي دلت عليه السُّنَّةُ: أن الضحِيَّةَ وإن كانت واجبةً؛ يُضحِّي الرجلُ بالشاةِ الواحدةِ عنه وعن أهلِ بيتِه، فقد ضحَّى ﷺ بكبشينِ وقال: «اللهمَّ هذا عن محمدٍ وعن آل محمدٍ» (١)، «وكان الرَّجلُ يَضحِّي بالشاةِ الواحدةِ عنه وعن أهلِ بيتِه» (٢).
فَصْلٌ
الأعمالُ التي تكونُ بينَ اثنينِ فصاعدًا ، يطلبُ كلٌّ منهما أن يغلبَ الآخَرَ: ثلاثةُ أصنافٍ:
صنفٌ: أمَر اللهُ به ورسولُه؛ كالسباقِ بالخيلِ والرميِ؛ لأنه مما يعينُ على الجهادِ في سبيلِ اللهِ.
الصنفُ الثاني: ما نهى اللهُ ورسولُه عنه بقولِه: ﴿إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه … ﴾ إلى آخِرِ الآيةِ.
فالميسرُ محرَّمٌ بالنصِّ والإجماعِ، ومنه اللعبُ بالنَّرْدِ والشِّطْرَنْجِ، وما أشبَهَه مما يصُدُّ عن ذكرِ اللهِ، وعن الصَّلاةِ، ويوقعُ العداوةَ والبغضاءَ.
فإذا كان بعِوَضٍ؛ حرُم إجماعًا.
وإن لم يكُنْ بعِوَضٍ؛ حرم عندَ الصحابةِ وجمهورِ العلماءِ؛ كمالكٍ،
стр. 838
وأبي حنيفةَ، وأحمدَ، ونصَّ الشافعيُّ على تحريمِ النَّرْدِ بلا عِوَضٍ، وتوقَّفَ في الشِّطْرَنْجِ.
ومنهم من أباح النَّرْدَ الخالي عن العوضِ؛ لما ظنوا أن اللهَ حرَّم الميسرَ لأجلِ ما فيه من المخاطرةِ المتضمنةِ أكلَ المالِ بالباطلِ، فقالوا: إذا لم يكُنْ فيه أكلُ مالٍ؛ زال سببُ التحريمِ.
وأما الجمهورُ فقالوا: إن تحريمَ الميسرِ مثلُ تحريمِ الخمرِ؛ لاشتمالِه على الصدِّ عن ذكرِ اللهِ، وعن الصَّلاةِ، وإلقاء العداوةَ والبغضاءَ، ومنعِه عن الصلاحِ الذي يحبُّه اللهُ ورسولُه، وإيقاعِه في الفسادِ الذي يبغِضُه اللهُ ورسولُه، واللعبُ بذلك يلهي القلبَ ويشغَلُه، ويُغيِّبُ عن مصالحِه أكثرَ مما (١) يفعلُ الخمرُ، ففيها ما في الخمرِ ويبقى صاحبُها عاكفًا كعكوف شاربِ الخمرِ على خمرِه وأشدَّ، وكلاهما مُشبَّهٌ بالعكوفِ على الأصنامِ، كما في «المسنَدِ» أنه قال: «شاربُ الخمرِ كعابدِ وَثَن» (٢)، وثبَتَ عن أميرِ المؤمنينَ علي ﵁ (٣) أنه مر بقومٍ يلعبونَ بالشِّطْرَنْجَ، فقال: «ما هذه الأصنام التي أنتم لها عاكفون؟!» وقلب الرقعةَ (٤).
وإذا كان ثَمَّ مالٌ تضمَّنَ أيضًا أكلَ المالِ بالباطلِ، فيكونُ حرامًا من
стр. 839
وجهَينِ، واللهُ حرَّم الربا لما فيه من أكلِ المالِ باطلًا، وما نهى عنه من بيعِ الغَرَرِ (١)؛ كبيعِ حَبَلِ الحَبَلةِ (٢)، وبيعِ الثمارِ قبلَ بُدُوِّ الصلاحِ (٣)، والملامسةِ، والمنابذةِ (٤)؛ حرَّمه لما فيه من أكلِ المالِ بالباطلِ.
النوعُ الثالثُ من المغالباتِ: ما هو مباحٌ؛ لعدمِ المضرةِ الراجحةِ، وليس مأمورًا به على الإطلاقِ؛ لعدمِ احتياجِ الدينِ إليه، ولكن قد يقعُ أحيانًا؛ كالمصارعةِ، والمسابقةِ على الأقدامِ، ونحوِه؛ فهذا مباحٌ باتِّفاقِ العلماء إذا خلا عن مفسدةٍ راجحةٍ، وقد صارع النبيُّ ﷺ رُكَانَةَ بنَ عبدِ يزيدَ (٥)، وسابَقَ عائشةَ (٦)، وكان أصحابُه يتسابقونَ على أقدامِهم بحضرتِه (٧).
لكن أكثرَ العلماءِ لا يُجوِّزونَ في هذا سَبَقًا، وهو مذهَبُ مالكٍ والشافعيِّ وأحمدَ بنِ حنبلٍ؛ لقولِه: «لا سَبَقَ إلا في خفٍّ، أو حافرٍ، أو نصلٍ» (٨)، ولأن السبَقَ إنما أُبيح إعانةً على ما أوجبَه من الجهادِ.
стр. 840
وأبو حنيفةَ أباح السبَقَ بالمحلِّلِ، كما يُبيحُه في سباقِ الخيلِ؛ بناءً على أن العملَ بنفْسِه مباحٌ، والسبَقُ عندَه من باب الجَعالةِ، والجَعالةُ تجوزُ على العملِ المباحِ.
والذي قاله هو القياسُ لو كان السبَقُ المشروعُ من جنسِ الجَعالةِ، مع أن الناسَ تَنازَعوا في جوازِ الجَعالةِ، فأبطَلَها طائفةٌ من الظاهريةِ، والصوابُ الذي عليه الجمهورُ: جوازُها، وليست عقدًا لازمًا؛ لأن العملَ فيها غير معلوم، ولهذا يجوزُ أن يَجعلَ للطبيبِ جُعْلًا على الشفاءِ، كما جُعل لأصحابِ النبيِّ ﷺ في الذي رقى سيدَ الحي (١)، ولا يجوزُ أن يستأجرَ الطبيبَ على الشفاءِ؛ لأنه غيرُ مقدورٍ عليه.
ومن هنا يظهرُ فقهُ بابِ السَّبَقِ، فإن كثيرًا من العُلَماءِ اعتقدوا أن السبَقَ إذا كان من الجانبينِ، وليس بينهما محلِّلٌ؛ كان هذا من الميسرِ المحرمِ، وأنه قمارٌ، لأن كُلًّا منهما متردِّدٌ بينَ أن يغرمَ أو يغنمَ، وما كان كذلك فهو قمارٌ، واعتقدوا أن القمارَ المحرَّمَ حُرِّم لما فيه من المخاطرةِ والتغريرِ، وظنوا أن اللهَ حرَّم الميسرَ لذلك، وهذا المعنى موجودٌ في المتسابقينِ إذا أخرج كلٌّ منهما السبَقَ، فحرموا ذلك، ورُوِي في ذلك حديثٌ ظنَّه بعضُهم صحيحًا، وهو قولُه: «من أدخلَ فرسًا بينَ فرسينِ، وهو لا يأمَنُ أن يُسبَقَ؛ فليس بقمارٍ، ومن أدخلَ فرسًا بينَ فرسينِ وقد أمِنَ أن يُسبَقَ؛ فهو قمارٌ» (٢).
стр. 841
ومعلومٌ أن هذا الحديثَ ليس هو من كلامِ رسول الله، بل من كلامِ سعيدِ بنِ المسيَّبِ، هكذا رواه الثقاتُ (١)، ورفَعه سفيانُ بنُ حسينٍ الواسطيُّ، وهو ضعيفٌ.
ثم إن الذينَ اعتقدوا أن هذه المسابقةَ بلا محلِّلٍ قمارٌ؛ تَنازَعوا بعدَ ذلك؛ فمنهم من لم يُجز العوضَ بحالٍ، ومنهم من جوَّزه من أحدِهما بشرطِ ألا يرجعَ إليه؛ بل يطعمه الجماعةَ إن غَلَب، ورُوِي عن مالك وغيرِه، وهو أصحُّ للقياس لو كانت المسابقةُ من الطرفينِ قِمارًا محرمًا، فإنهم رأوا أن هذه ليست جَعالةً، يقصد الجاعلُ فيها بدلَ الجُعْلِ في عملٍ ينتفعُ به، إنما قصد أن يغلبَ صاحبَه، فحرموها، وقالوا: دخولُ المحلِّلِ فيها يزيدُها شرًّا، فإن المقامرةَ حرُمتْ لما فيها من أكلِ المالِ بالباطلِ، والمحلِّلُ يزيدُها شرًّا، فإن المتسابِقَينِ إذا غلَب أحدُهما صاحبَه، فأخذ مالَه؛ كان هذا في مقابلةِ أن الآخَرَ إذا غلَبَه أخذ مالَه، فكان مبناها على العدلِ، بخلافِ المحلِّلِ؛ فإنه إن غَلَب أخذ، وإن غُلِب لم يردَّ شيئًا فكان ظالماً، فدخول المحلِّل ظلمٌ محضٌ، فإنه يعرض (٢) أن يغنمَ أو يسلمَ، والآخَرانِ قد يغرمانِ، فلا يستوونَ في المغنمِ والمغرمِ والسلامةِ، بخلافِ ما إذا لم يكُنْ بينَهما محلِّلٌ، فكلاهما قد يغرمُ، وقد يغنمُ، وقد يسلمُ فيما إذا تساويا وجاءا معًا،
стр. 842
فهذا أقربُ إلى العدلِ، فإذا حرُم الأقربُ إلى العدلِ؛ فلأن يحرُمَ الأبعدُ عنه بطريقِ الأَوْلى.
وأيضًا: فإذا قيلَ: هذا محرمٌ لما فيه من المخاطرةِ، وأكلِ المالِ بالباطلِ؛ كان بالمحلِّلِ أشدَّ تحريمًا؛ لأنها أشدُّ مخاطرةً، وأشدُّ أكلَ مالٍ بالباطلِ؛ لأنهما عندَ عدَمِه إما أن يغنمَ أو يغرَمَ أحدُهما، وهنا المخاطرةُ باقيةٌ، كلٌّ منهما قد يغنمُ وقد يغرمُ، وانضم إلى ذلك مخاطرةٌ ثالثةٌ؛ وهو أنه هناك يغرمُ إذا غلَبَه صاحبُه، وهنا يغرمُ إذا غلَبَه صاحبه وإذا غلبه المحلِّلُ، فكان المحلِّلُ زيادةً في المخاطرةِ.
وأيضًا: فإنه من غلب منهما كان يحتمل أن يغلبَ ويغنمَ، وأما المحلِّلُ فلا يحتملُ أن يغلبَ ويغرمَ؛ بل هو يغنمُ لا محالةَ، أو يسلمُ.
فمَن تدَبَّرَ هذه الأمورَ؛ علِم أن الشريعةَ تَتنزَّه عن مثلِ هذا؛ أن يُحرَّمَ الشيء دفعًا لمفسدةٍ قليلةٍ، وتُبيحَه للمفسدةِ إذا كثُرتْ، ولكن أصحابَ الحِيَلِ كثيرًا ما يقعونَ في هذا، فيُحرِّمونَ بعضَ أنواعِ الرباِ؛ دفعًا لأكلِ المالِ بالباطلِ؛ لئلا يتضررَ، ويبيحونَ له حيلةً يُؤكَلُ فيها مالُه بالباطلِ أكثرَ، ويكونُ فيها ظلمُه وضررُه أعظمَ.
ومن العُلَماءِ من أباح السَّبَقَ بالمحلِّلِ؛ كقولِ أبي حنيفةَ، والشافعيِّ، وأحمدَ، وإحدى الروايتينِ عن مالكٍ؛ وهذا مبنيٌّ على أصلينِ:
أحدُهما: أن هذه جَعالةٌ.
стр. 843
والثاني: أن القمارَ هو المخاطرةُ الدائرةُ بينَ أن يغنمَ باذلُ المالِ، أو يغرمَ، وهذا المعنى ينتفي بالمحلِّلِ؛ فإنه حينئذٍ يدورُ الأمر بين أن يغنمَ أو يغرمَ أو يسلمَ.
وقد تقدَّمَ التنبيهُ على بعضِ ما في كلٍّ من الأصلينِ.
والمقصودُ الأعظمُ: بيانُ فسادِ ظنِّ الظانِّ أنه بدونِ المحلِّلِ قمارٌ، وبالمحلِّلِ يزولُ القمارُ، فيقالُ أولًا: أين الدليلُ الشرعيُّ الدالُّ على أن القمارَ هو هذا دونَ هذا.
ويقالُ ثانيًا: المتسابقانِ كلٌّ منهما متردِّدٌ بينَ أن يغنمَ أو يغرمَ أو يسلمَ، فإنهما لو جاءا معًا لم يأخُذْ أحدُهما سَبَقَ الآخَرِ، فقولُهم: إن القمارَ هو التردُّدُ بينَ أن يغرم أو يغنم فقط؛ ليس بمستقيمٍ؛ بل عندَهم: وإن تردَّدَ بينَ أن يغنمَ أو يغرمَ ويسلمَ، فهو أيضًا قمارٌ، وهذا موجودٌ معَ المحلِّلِ، فإن كلًّا منهما يتردَّدُ بينَ أن يغنمَ إن غلَب، وبينَ أن يغرمَ إن غُلِب، وبينَ أن يسلمَ إن جاؤوا معًا، أو جاء هو ورفيقُه معًا، فالمخاطرةُ فيها موجودةٌ معَ المحلِّلِ وبدونِ المحلِّلِ؛ بل زاد بدخولِه.
فتبيَّنَ أن المعنى لم يَزُلْ بدخولِ المحلِّلِ؛ بل ازدادَ مفسدةً؛ فإنه على بَرِّ السلامةِ، ولا عدلَ فيه، بخلافِ ما لو كانا بلا محلِّلٍ، فكان كلٌّ منهما مساويًا للآخَرِ في الاحتمالِ، وهذا عدلٌ، وهو على الميزانِ بينَهما؛ بل الذي بذل الجُعْلَ ليحصِّلَ الرغبةَ فيما يحبُّه الله لم ينظُر في مصلحتِه؛ بل معرضًا للخسارةِ، ويُجعلُ الدخيلُ الذي جاء تابعًا للغرضِ؛ لا يخسرُ شيئًا من مالِه، والذي يتقربُ إلى اللهِ بما يحبُّه
стр. 844
يخسرُ، والذي لم يقصدْ القربة يُحرس (١) ولا يخسرُ؛ بل إما سالمًا وإما غانمًا، فهل يحسُنُ هذا في شرعِ رسولِ اللهِ ﷺ ؟! وإن كان القائلونَ علماءَ فضلاءَ أئمةً، فإنما وقعت الشبهةُ من حيثُ ظنوا أن الميسرَ المحرمَ الذي هو القمارُ؛ حرُم لما فيه من المخاطرةِ.
ثم منهم من رأى المخاطرةَ كلَّها محرمةً مع المحلِّلِ وعدمِه، وهذا أقربُ إلى الأصلِ الذي ظنوه لو كان صحيحًا، ومنهم من رأى الحاجةَ إلى السَبَقِ، وقد جاء الشرعُ بها، فجمَع بينَ ما أمر اللهُ به، وبينَ ما ظنه من القمارِ، فأباحه معَ المحلِّلِ فقط، والمقصودُ هنا بالجُعْلِ: أن يُظْهِرَ أنه قويٌّ؛ لا أن صاحبَه يغلبُه ويأخُذُ مالَه، بخلافِ الجَعالةِ؛ فإن الغرضَ بها العملُ من العاملِ الذي يأخذُ الجُعْلَ، فليست هذه جَعالةً، والجاعلُ قصدُه وجودُ الشرطِ، والمسابقُ الذي أظهرَ المالَ؛ قصدُه ألا يوجدَ الشرطُ الذي هو سَبْقُ صاحبِه له؛ بل قصدُه عدَمُه، فأين هذا من هذا؟! بل هذا يكرَهُ أن يُغلَبَ، وذاك يحبُ أن يفعلَ شغله الذي هو ردُّ آبِقِه، أو بناءُ حائِطِه، كما يقولُ الحالفُ: إن فعلتُ كذا فمالي صدقةٌ، وعليَّ الحجُّ، ومقصودُه أنه لا يفعَلُه، بخلافِ الناذرِ الذي يقولُ: إن شفَى اللهُ مريضي؛ فعليَّ أن أصومَ شهرًا، وكالجاعلِ؛ الذي يقولُ: إن أبرأْتِيني من صَداقِكِ؛ فأنتِ طالقٌ.
ومَن هنا تَتبيَّنُ حقيقةُ هذه المسألةِ، وأن مَن رأى أنه حرامٌ ولو معَ المحلِّل؛ فقولُه أصَحُّ على ما ظنوه.
стр. 845
وأما إذا تقرَّرَ أن تحريمَ الميسرِ لِمَا نصَّ اللهُ عليه، من أنه يوقعُ العداوةَ والبغضاءَ، ويصُدُّ عن الصَّلاةِ وعن ذكرِ اللهِ، وقد يشتدُّ تحريمُه لما فيه من أكلِ المالِ بالباطلِ، والمسابقةُ التي أمَر اللهُ بها ورسولُه لا تشتملُ لا على هذا الفسادِ، ولا على هذا، فليست من الميسرِ، وليس إخراجُ السَّبَقِ فيها مما حرَّمَه اللهُ ورسولُه من القمارِ الداخلِ في الميسرِ؛ فإن لفظَ القمارِ المحرَّمِ ليس في القرآنِ، إنما فيه لفظُ الميسرِ، والقِمارُ داخلٌ في هذا الاسمِ، والأحكامُ الشرعيةُ يجبُ أن تتعلقَ بكلامِ اللهِ ورسولِه ومعناه، فيُنظَرُ في دلالةِ ألفاظِ القرآنِ والحديثِ، وفي المعاني والعِلَلِ والحِكَمِ والأسبابِ التي علَّق الشارعُ بها الأحكامَ، فيكونُ الاستدلالُ بما أنزلَ اللهُ من الكتابِ والميزانِ، والقياسُ الصحيحُ الذي يسوِّي بينَ المتماثلينِ ويُفرِّقُ بينَ المختلفينِ؛ هو من العدلِ، وهو من الميزانِ.
وذلك أن المسابَقةَ والمناضَلةَ عملٌ صالِحٌ يحبُّهما اللهُ ورسولُه، وقد سابَقَ ﷺ بينَ الخيلِ (١)، وكان أصحابُه يتناضلونَ، ويقولُ: «ارموا بني إسماعيلَ؛ فإنَّ أباكم كان رامِيًا»، وكان قد صار معَ أحدِ الحزبينِ، ثم قال: «ارموا، فأنا معَكم كلِّكم» (٢)؛ تعديلًا بينَ الطائفتينِ.
والرميُ والركوبُ قد يكونُ واجبًا فرضًا على الكفايةِ، وقد يكونُ مستحبًّا، وقد نصَّ أحمدُ وغيرُه على أن العملَ بالرمحِ أفضلُ من صلاةِ