← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 32

مختصر الفتاوى المصرية - ط ركائز

بدر الدين البعلي

Полный текст (966 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

ومعلومٌ أن هذا الحديثَ ليس هو من كلامِ رسول الله، بل من كلامِ سعيدِ بنِ المسيَّبِ، هكذا رواه الثقاتُ (١)، ورفَعه سفيانُ بنُ حسينٍ الواسطيُّ، وهو ضعيفٌ. ثم إن الذينَ اعتقدوا أن هذه المسابقةَ بلا محلِّلٍ قمارٌ؛ تَنازَعوا بعدَ ذلك؛ فمنهم من لم يُجز العوضَ بحالٍ، ومنهم من جوَّزه من أحدِهما بشرطِ ألا يرجعَ إليه؛ بل يطعمه الجماعةَ إن غَلَب، ورُوِي عن مالك وغيرِه، وهو أصحُّ للقياس لو كانت المسابقةُ من الطرفينِ قِمارًا محرمًا، فإنهم رأوا أن هذه ليست جَعالةً، يقصد الجاعلُ فيها بدلَ الجُعْلِ في عملٍ ينتفعُ به، إنما قصد أن يغلبَ صاحبَه، فحرموها، وقالوا: دخولُ المحلِّلِ فيها يزيدُها شرًّا، فإن المقامرةَ حرُمتْ لما فيها من أكلِ المالِ بالباطلِ، والمحلِّلُ يزيدُها شرًّا، فإن المتسابِقَينِ إذا غلَب أحدُهما صاحبَه، فأخذ مالَه؛ كان هذا في مقابلةِ أن الآخَرَ إذا غلَبَه أخذ مالَه، فكان مبناها على العدلِ، بخلافِ المحلِّلِ؛ فإنه إن غَلَب أخذ، وإن غُلِب لم يردَّ شيئًا فكان ظالماً، فدخول المحلِّل ظلمٌ محضٌ، فإنه يعرض (٢) أن يغنمَ أو يسلمَ، والآخَرانِ قد يغرمانِ، فلا يستوونَ في المغنمِ والمغرمِ والسلامةِ، بخلافِ ما إذا لم يكُنْ بينَهما محلِّلٌ، فكلاهما قد يغرمُ، وقد يغنمُ، وقد يسلمُ فيما إذا تساويا وجاءا معًا،

стр. 842

فهذا أقربُ إلى العدلِ، فإذا حرُم الأقربُ إلى العدلِ؛ فلأن يحرُمَ الأبعدُ عنه بطريقِ الأَوْلى. وأيضًا: فإذا قيلَ: هذا محرمٌ لما فيه من المخاطرةِ، وأكلِ المالِ بالباطلِ؛ كان بالمحلِّلِ أشدَّ تحريمًا؛ لأنها أشدُّ مخاطرةً، وأشدُّ أكلَ مالٍ بالباطلِ؛ لأنهما عندَ عدَمِه إما أن يغنمَ أو يغرَمَ أحدُهما، وهنا المخاطرةُ باقيةٌ، كلٌّ منهما قد يغنمُ وقد يغرمُ، وانضم إلى ذلك مخاطرةٌ ثالثةٌ؛ وهو أنه هناك يغرمُ إذا غلَبَه صاحبُه، وهنا يغرمُ إذا غلَبَه صاحبه وإذا غلبه المحلِّلُ، فكان المحلِّلُ زيادةً في المخاطرةِ. وأيضًا: فإنه من غلب منهما كان يحتمل أن يغلبَ ويغنمَ، وأما المحلِّلُ فلا يحتملُ أن يغلبَ ويغرمَ؛ بل هو يغنمُ لا محالةَ، أو يسلمُ. فمَن تدَبَّرَ هذه الأمورَ؛ علِم أن الشريعةَ تَتنزَّه عن مثلِ هذا؛ أن يُحرَّمَ الشيء دفعًا لمفسدةٍ قليلةٍ، وتُبيحَه للمفسدةِ إذا كثُرتْ، ولكن أصحابَ الحِيَلِ كثيرًا ما يقعونَ في هذا، فيُحرِّمونَ بعضَ أنواعِ الرباِ؛ دفعًا لأكلِ المالِ بالباطلِ؛ لئلا يتضررَ، ويبيحونَ له حيلةً يُؤكَلُ فيها مالُه بالباطلِ أكثرَ، ويكونُ فيها ظلمُه وضررُه أعظمَ. ومن العُلَماءِ من أباح السَّبَقَ بالمحلِّلِ؛ كقولِ أبي حنيفةَ، والشافعيِّ، وأحمدَ، وإحدى الروايتينِ عن مالكٍ؛ وهذا مبنيٌّ على أصلينِ: أحدُهما: أن هذه جَعالةٌ.

стр. 843

والثاني: أن القمارَ هو المخاطرةُ الدائرةُ بينَ أن يغنمَ باذلُ المالِ، أو يغرمَ، وهذا المعنى ينتفي بالمحلِّلِ؛ فإنه حينئذٍ يدورُ الأمر بين أن يغنمَ أو يغرمَ أو يسلمَ. وقد تقدَّمَ التنبيهُ على بعضِ ما في كلٍّ من الأصلينِ. والمقصودُ الأعظمُ: بيانُ فسادِ ظنِّ الظانِّ أنه بدونِ المحلِّلِ قمارٌ، وبالمحلِّلِ يزولُ القمارُ، فيقالُ أولًا: أين الدليلُ الشرعيُّ الدالُّ على أن القمارَ هو هذا دونَ هذا. ويقالُ ثانيًا: المتسابقانِ كلٌّ منهما متردِّدٌ بينَ أن يغنمَ أو يغرمَ أو يسلمَ، فإنهما لو جاءا معًا لم يأخُذْ أحدُهما سَبَقَ الآخَرِ، فقولُهم: إن القمارَ هو التردُّدُ بينَ أن يغرم أو يغنم فقط؛ ليس بمستقيمٍ؛ بل عندَهم: وإن تردَّدَ بينَ أن يغنمَ أو يغرمَ ويسلمَ، فهو أيضًا قمارٌ، وهذا موجودٌ معَ المحلِّلِ، فإن كلًّا منهما يتردَّدُ بينَ أن يغنمَ إن غلَب، وبينَ أن يغرمَ إن غُلِب، وبينَ أن يسلمَ إن جاؤوا معًا، أو جاء هو ورفيقُه معًا، فالمخاطرةُ فيها موجودةٌ معَ المحلِّلِ وبدونِ المحلِّلِ؛ بل زاد بدخولِه. فتبيَّنَ أن المعنى لم يَزُلْ بدخولِ المحلِّلِ؛ بل ازدادَ مفسدةً؛ فإنه على بَرِّ السلامةِ، ولا عدلَ فيه، بخلافِ ما لو كانا بلا محلِّلٍ، فكان كلٌّ منهما مساويًا للآخَرِ في الاحتمالِ، وهذا عدلٌ، وهو على الميزانِ بينَهما؛ بل الذي بذل الجُعْلَ ليحصِّلَ الرغبةَ فيما يحبُّه الله لم ينظُر في مصلحتِه؛ بل معرضًا للخسارةِ، ويُجعلُ الدخيلُ الذي جاء تابعًا للغرضِ؛ لا يخسرُ شيئًا من مالِه، والذي يتقربُ إلى اللهِ بما يحبُّه

стр. 844

يخسرُ، والذي لم يقصدْ القربة يُحرس (١) ولا يخسرُ؛ بل إما سالمًا وإما غانمًا، فهل يحسُنُ هذا في شرعِ رسولِ اللهِ ﷺ ؟! وإن كان القائلونَ علماءَ فضلاءَ أئمةً، فإنما وقعت الشبهةُ من حيثُ ظنوا أن الميسرَ المحرمَ الذي هو القمارُ؛ حرُم لما فيه من المخاطرةِ. ثم منهم من رأى المخاطرةَ كلَّها محرمةً مع المحلِّلِ وعدمِه، وهذا أقربُ إلى الأصلِ الذي ظنوه لو كان صحيحًا، ومنهم من رأى الحاجةَ إلى السَبَقِ، وقد جاء الشرعُ بها، فجمَع بينَ ما أمر اللهُ به، وبينَ ما ظنه من القمارِ، فأباحه معَ المحلِّلِ فقط، والمقصودُ هنا بالجُعْلِ: أن يُظْهِرَ أنه قويٌّ؛ لا أن صاحبَه يغلبُه ويأخُذُ مالَه، بخلافِ الجَعالةِ؛ فإن الغرضَ بها العملُ من العاملِ الذي يأخذُ الجُعْلَ، فليست هذه جَعالةً، والجاعلُ قصدُه وجودُ الشرطِ، والمسابقُ الذي أظهرَ المالَ؛ قصدُه ألا يوجدَ الشرطُ الذي هو سَبْقُ صاحبِه له؛ بل قصدُه عدَمُه، فأين هذا من هذا؟! بل هذا يكرَهُ أن يُغلَبَ، وذاك يحبُ أن يفعلَ شغله الذي هو ردُّ آبِقِه، أو بناءُ حائِطِه، كما يقولُ الحالفُ: إن فعلتُ كذا فمالي صدقةٌ، وعليَّ الحجُّ، ومقصودُه أنه لا يفعَلُه، بخلافِ الناذرِ الذي يقولُ: إن شفَى اللهُ مريضي؛ فعليَّ أن أصومَ شهرًا، وكالجاعلِ؛ الذي يقولُ: إن أبرأْتِيني من صَداقِكِ؛ فأنتِ طالقٌ. ومَن هنا تَتبيَّنُ حقيقةُ هذه المسألةِ، وأن مَن رأى أنه حرامٌ ولو معَ المحلِّل؛ فقولُه أصَحُّ على ما ظنوه.

стр. 845

وأما إذا تقرَّرَ أن تحريمَ الميسرِ لِمَا نصَّ اللهُ عليه، من أنه يوقعُ العداوةَ والبغضاءَ، ويصُدُّ عن الصَّلاةِ وعن ذكرِ اللهِ، وقد يشتدُّ تحريمُه لما فيه من أكلِ المالِ بالباطلِ، والمسابقةُ التي أمَر اللهُ بها ورسولُه لا تشتملُ لا على هذا الفسادِ، ولا على هذا، فليست من الميسرِ، وليس إخراجُ السَّبَقِ فيها مما حرَّمَه اللهُ ورسولُه من القمارِ الداخلِ في الميسرِ؛ فإن لفظَ القمارِ المحرَّمِ ليس في القرآنِ، إنما فيه لفظُ الميسرِ، والقِمارُ داخلٌ في هذا الاسمِ، والأحكامُ الشرعيةُ يجبُ أن تتعلقَ بكلامِ اللهِ ورسولِه ومعناه، فيُنظَرُ في دلالةِ ألفاظِ القرآنِ والحديثِ، وفي المعاني والعِلَلِ والحِكَمِ والأسبابِ التي علَّق الشارعُ بها الأحكامَ، فيكونُ الاستدلالُ بما أنزلَ اللهُ من الكتابِ والميزانِ، والقياسُ الصحيحُ الذي يسوِّي بينَ المتماثلينِ ويُفرِّقُ بينَ المختلفينِ؛ هو من العدلِ، وهو من الميزانِ. وذلك أن المسابَقةَ والمناضَلةَ عملٌ صالِحٌ يحبُّهما اللهُ ورسولُه، وقد سابَقَ ﷺ بينَ الخيلِ (١)، وكان أصحابُه يتناضلونَ، ويقولُ: «ارموا بني إسماعيلَ؛ فإنَّ أباكم كان رامِيًا»، وكان قد صار معَ أحدِ الحزبينِ، ثم قال: «ارموا، فأنا معَكم كلِّكم» (٢)؛ تعديلًا بينَ الطائفتينِ. والرميُ والركوبُ قد يكونُ واجبًا فرضًا على الكفايةِ، وقد يكونُ مستحبًّا، وقد نصَّ أحمدُ وغيرُه على أن العملَ بالرمحِ أفضلُ من صلاةِ

стр. 846

النافلة، في الأمكنةِ التي يُحتاجُ فيها إلى الجهادِ كالثغورِ، فكيفَ برميِ النُّشَّابِ؟! ورُوِي: «إن الملائكةَ لم تحضرْ شيئًا من لَهْوِكم إلا الرميَ» (١)، ورُوِي: أن قومًا كانوا يتناضلونَ، فحضَرتِ الصَّلاةُ، فقال: يا رسولَ اللهِ، قد حضَرتِ الصَّلاةُ؟ فقال: «هم في صلاةٍ» (٢)، وما كان كذلك لم يكن من الميسرِ الذي حرَّمَه اللهُ؛ بل هو من الحقِّ، كما قال: «كلُّ لَهْوٍ يلهو به الرجلُ فهو باطلٌ؛ إلا رميَه بقوسِه، أو تأديبَه فرسَه، أو مُلاعَبَتَه امرأتَه؛ فإنَّهُنَّ من الحقِّ» (٣). وحينئذٍ فأكلُ المالِ بهذه الأعمالِ؛ أكلٌ بالحقِّ لا بالباطلِ، كما قال في حديثِ الرُّقْيَةِ: «لعَمْري، لَمَن أكلَ برقيةِ باطلٍ؛ لقد أكلتُم برقيةِ حقٍّ» (٤)، فجعل كونَ العملِ نافعًا؛ لا يُنهَى عنه، بل إذا أكل به المالَ فقد أكلَ بحقٍّ، وهنا هذا العملُ نافعٌ للمسلمِينَ، مأمورٌ به، لم يُنْهَ عنه،

стр. 847

فالمعنى الذي لأجلِه حرَّم اللهُ أكلَ المالِ بالقمارِ؛ هو أن يأكلَ المالَ بالباطلِ، وهذا أكلٌ بالحقِّ. وأما المخاطرةُ؛ فليس في الأدلةِ الشرعيةِ ما يوجبُ تحريمَ كلِّ مخاطرةٍ؛ بل قد عُلِم أن اللهَ ورسولَه لم يُحرِّم كلَّ مخاطرةٍ، ولا كلَّ ما كان متردِّدًا بين أن يغنمَ أو يغرمَ أو يسلمَ، وليس في أدلةِ الشرعِ ما يوجبُ تحريمَ جميعِ هذا النوع، لا نصًّا ولا قياسًا، ولكن يحرُمُ من هذه الأنواعِ ما يشتملُ على أكلِ المالِ بالباطلِ، والموجِبُ للتحريمِ عندَ الشارعِ: أنه أكلُ مالٍ بالباطلِ، كما يحرُمُ أكلُ المالِ بالباطلِ وإن لم يكُنْ هناك مخاطرةً، لا أن مجرَّدَ المخاطرةِ محرَّمة؛ مثلُ المخاطرةِ على اللعبِ بالنَّرْدِ والشِّطْرَنْجِ؛ بل لما فيه من أكلِ المالِ بالباطلِ، وهو ما لا ينفعُ، فلو جعل السلطانُ أو أجنبيٌّ مالًا لمن يغلبُ في ذلك؛ لما جاز، وإن لم يكُن هناك مخاطرةً، وكذلك لو جعل أحدُهما جُعْلًا، وكذلك لو أَدخلا بينهما محلِّلًا، فعُلِم أن ذلك لم يحرَّمْ لأجلِ المخاطرةِ، لا سيَّما وجمهورُ العلماءِ يُحرِّمونَ هذا العملَ وإن خلا عن عِوَضٍ. وأما أخذُ العِوَضِ في المسابَقةِ والمصارَعةِ؛ فهنا الأعمالُ لم تُجعَلْ في الأصلِ لأجل عبادةِ اللهِ تعالى وطاعتِه وطاعةِ رسولِه، فلهذا لم يحضَّ الشارعُ عليها، ولا رغَّب فيها، إنما يُقصَدُ بها في الغالبِ راحةُ النفوسِ، أو الاستعانةُ على المباحاتِ، فأباحها الشارعُ لعدمِ الضررِ الراجحِ، ولم يأمُرْ بها ويرغِّب فيها؛ لأنها ليست مما يحتاجُه المسلمونَ، ولا يقوم دينهم إلا به كالرميِ والركوبِ، ولو خلا

стр. 848

المسلمونَ عن مصارِعٍ ومسابقٍ على الأقدامِ؛ لم يضُرَّهم، لا في دينِهم ولا دنياهم، بخلافِ ما لو خَلَوا عن الرميِ والركوبِ؛ لغلب الكفارُ على المسلمِينَ، ولهذا لم يدخُلْ فيها السبَقُ. ألا ترى أن للإمامِ أن يُخرِجَ جُعْلًا لمن يرمي، ولا يحلُّ له أن يُخرِجَه لمن يصارعُ. وإذا عُرِف أن مجرَّدَ المخاطرةِ ليس مقتضيًا لتحريمِ المسألةِ؛ انكشَفتْ وظهَرتْ، وعُرِف أن الصوابَ: أن يُعرَفَ مرادُ رسولِ اللهِ من أقوالِه وحكمِه وعِلَلِه التي علَّق بها الأحكامَ، فإن الغلَطَ ينشأُ من عدمِ المعرفةِ بمرادِه. والمخاطرةُ مشتركةٌ بينَ كلٍّ من المتسابقَينِ؛ كلٌّ يرجو أن يغلبَ الآخرَ، ويخافُ أن يغلِبَه، فكان ذلك عدلًا وإنصافًا بينَهما كما تقدَّم. وكذلك كلٌّ من المتبايعَيْنِ لسِلْعة صاحبه، يرجو أن يربحَ فيها، ويخافُ أن يخسرَ؛ فمثلُ هذه المخاطرةِ جائزةٌ بالكتابِ والسُّنَّةِ والإجماعِ، والتاجرُ مخاطرٌ، وكذلك الأجيرُ المَجْعولُ له جُعْلٌ على رَدِّ آبِقٍ، أو بناءِ حائطٍ، فإنه قد يحتاجُ إلى بذلِ مالٍ، فيكونُ متردِّدًا بينَ أن يغرمَ أو يغنمَ، ومع هذا فهو جائزٌ، والمخاطرةُ إذا كانت من الجانبينِ فهو أقربُ إلى العدلِ والإنصافِ؛ مثلُ: المضاربةِ، والمساقاةِ، والمزارعةِ، فإن كلاهما مخاطرٌ، قد يحصُلُ له ربحٌ، وقد لا يحصُلُ. وما علمتُ أحدًا من الصحابةِ اشترَط في السباقِ محلِّلًا، ولا حرَّمه إذا كان كلٌّ منهما يُخرِجُ، وإنما علمتُ المنعَ في ذلك عن بعضِ

стр. 849

التابعِينَ (١)، وقد رُوِّينا عن أبي عُبَيدةَ بنِ الجَرَّاحِ: أنه راهَنَ رجلًا في سباقِ الخيلِ، ولم يكُنْ بينَهما محلِّلٌ (٢)، وثبَتَ في «المسنَدِ» و «التِّرْمِذيِّ» وغيرِهما: أنه لما اقتتلَتْ فارسٌ والرومُ، فغلبَتْ فارسُ الرومَ، وبلَغ ذلك أهلَ مكةَ، وكان ذلك في أولِ الإسلامِ، ففرِح المشركون بذلك؛ لأن المجوسَ أقربُ إليهم من أهلِ الكتابِ، وساء ذلك المسلمِينَ؛ لأن أهلَ الكتابِ أقربُ إليهم، فأخبر أبو بكرٍ ﵁ بذلك رسولَ اللهِ ﷺ ، فأنزل اللهُ تعالى: ﴿الم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعدَ غلبهم سيغلبون في بضع سنين﴾، فخرج أبو بكرٍ ﵁، فراهن المشركينَ على أنه إن غلبَتِ الرومُ في بضعِ سنينَ أخَذَ الرهنين، وإن لم تغلِبْهم أخَذوا هم الرهنينَ (٣)، وهذه المراهنةُ هي مثلُ المراهنةِ في سباقِ الخيلِ والرميِ بالنُّشَّابِ، وكانت جائزةً؛ لأنها لمصلحةِ الإسلامِ؛ لأن بيانَ صدقِ الرسولِ فيما أخبَرَ به؛ من أن الرومَ سوفَ يغلبونَ بعدَ ذلك، وفيها ظهورُ أقربِ الطائفتينِ إلى المسلمِينَ على أبعَدِها، وهذا فعَلَه الصدِّيقُ، وأقَرَّه عليه رسولُ اللهِ ﷺ ولم يُنكِرْه عليه، ولا قال: هذا ميسرٌ وقِمارٌ، والصدِّيقُ أجلُّ قدرًا من أن يُقامِرَ، فإنه لم يشربِ الخمرَ في جاهليةٍ ولا إسلامٍ، وهي أشهى إلى النفوسِ من القِمارِ.

стр. 850

وقد ظن بعضُهم أن هذا قِمارٌ؛ لكن فعله قبلَ تحريمِ القِمارِ، وهذا إنما يُقبَلُ إذا ثبَتَ أنَّ مثلَ هذا ثابتٌ فيما حرَّمَه اللهُ من الميسرِ، وليس عليه دليلٌ شرعيٌّ أصلًا؛ بل أقوالٌ لا دليلَ عليها، وأقيسةٌ فاسدةٌ يظهرُ تناقضُها لمن كان خبيرًا بالشريعة، وحِلُّ مثلِ ذلك ثابتٌ بسنةِ رسولِ اللهِ ﷺ ؛ حيثُ أقرَّ صِدِّيقَه على ذلك، فهذا العملُ معدودٌ من فضائلِ الصدِّيقِ ﵁ وكمالِ يقينِه؛ حيث أيقَنَ بما قاله رسولُ اللهِ وأحبَّ ظهورَ أقربِ الطائفتينِ إلى الحقِّ، وراهَنَ على ذلك رغبةً في إعلاءِ كلمةِ اللهِ ودينِه بحسَبِ الإمكانِ. وبالجملةِ: إذا ثبَتَت الإباحةُ؛ فمُدِّعي النسخِ يحتاجُ إلى دليلٍ. والكلامُ على هذه المسألةِ مبسوطٌ في مواضع، وإنما كتبتُ ذلك في جَلْسةٍ واحدةٍ. والسَّبقُ: بالفتحِ هو العِوَضُ ، وبالسكونِ: هو الفعلُ، وقد قال: «لا سَبَقَ إلا في نصلٍ، أو خفٍّ، أو حافرٍ» مطلقًا، لم يشترطْ محلِّلًا، لا هو ولا أصحابُه؛ بل ثبَتَ عنهم مثلُ ذلك بلا محلِّلٍ. ومما يوضحُ الأمرَ في ذلك: أن السَّبَقَ في غيرِ هذه الثلاثةِ لم يحرمْ لأنه قِمارٌ، فإنه لو بذل أحدُهما عِوَضًا في النَّرْدِ والشِّطْرَنْجِ؛ حرُم اتفاقًا، معَ أن العِوَضَ ليس من الجانبينِ، ولو كان بينهما محلِّلٌ في النَّرْدِ؛ لحرُم اتفاقًا أيضًا، فالعوضُ في النَّرْدِ والشِّطْرَنْجِ حرامٌ؛ سواءٌ كان منهما، أو من أحدِهما، أو من غيرِهما، بمحلِّلٍ وغيرِ محلِّلٍ، فلم يحرُمْ لأجلِ المخاطرةِ، فلو كان الميسرُ المجمعُ على تحريمِه في النَّرْدِ

стр. 851

والشِّطْرَنْجِ لأجلِ المخاطرةِ؛ لأُبيحَ معَ عدَمِها، فلما ثبَتَ أنه محرمٌ على كل تقديرٍ؛ عُلِم بطلانُ تعليلِ ذلك. وأكثرُ العلماءِ يحرمونَ العِوَضَ من الجانبين في المصارعةِ، وإن كان بينهما محلِّلٌ يرفعُ المخاطرةَ عندَ من يقولُ بذلك، فعُلِم أن المؤثرَ هو أكلُ المالِ بالباطلِ، أو كونُ العملِ مما يصدُّ عن الصَّلاةِ وعن ذكرِ اللهِ، ويوقعُ العداوةَ والبغضاءَ، كما دل عليه القرآنُ، كما أن بذْلَ المالِ لما فيه علو كلمةِ اللهِ ودينِ اللهِ هو من الجهادِ الذي أمَرَ اللهُ به ورسولُه؛ سواءٌ كان فيه مخاطرةٌ أو لم يكُنْ، فإن المجاهدةَ في سبيلِ اللهِ فيها مخاطرةٌ، قد يغلِبُ وقد يُغلَبُ، وكذلك سائرُ الأمورِ من الجَعالةِ، والمزارعةِ، والمساقاةِ، والتجارةِ، والسفرِ، وغيرِها، كما تقدَّمَ بيانُه؛ وفي هذا كفايةٌ. واللهُ أعلمُ.

стр. 852

كِتَابُ جَامِعِ الأَيْمَانِ إنشاءُ الحرامِ فيما إذا قال الرجلُ لامرأتِه: أنتِ عليَّ حرامٌ، أو قال: الحِلُّ عليَّ حرامٌ، أو: ما أحلَّ اللهُ عليَّ حرامٌ؛ وله زوجةٌ؛ فقد تنازَعَ فيه الصحابةُ على قولَينِ مشهورينِ، يتفرعُ عنهما أقوالٌ: أحدُها؛ وهو قولُ عليٍّ وزيدٍ وغيرِهما: أنه طلاقٌ (١)؛ وهو قولُ مالكٍ. والثاني: أنه ليس بطلاقٍ؛ بل يمينٌ مُكفَّرةٌ بالكفارةِ الكبرى؛ وهي كفارةُ الظِّهارِ؛ لأنه ظِهارٌ، أو يكفر بالكفارةِ الصغرى كسائرِ الأيمانِ، وهذا القول الثاني قولُ جمهورِ الصحابةِ؛ عمرَ، وعثمانَ، وابن مسعود، وابنِ عبَّاسٍ (٢)،

стр. 853

ورُوِي عن أبي بكرٍ (١). ثم مِن الصحابةِ مَن قال: هو ظهارٌ، ومنهم مَن جعله يمينًا بلا ظهارٍ. وقال مسروقٌ: لا شيءَ فيه، ولا أبالي أحرمت امرأتي، أم قصعةً من ثريدٍ (٢). وتنازَعَ الفقهاءُ في ذلك على نحوِ تنازُعِ السَّلَفِ: فقال: أبو حنيفةَ والشافعيُّ في أحدِ قولَيْه، ويُذكَرُ عن أحمدَ روايةٌ: أنه عندَ الإطلاقِ يمينٌ، وليس بظهارٍ. وقال أحمدُ في المشهورِ: هو عندَ الإطلاقِ ظهارٌ (٣). ومَن جعله يمينًا أو ظِهارًا عندَ الإطلاقِ، فنوى به غيرَ ذلك؛ فقال أبو حنيفةَ والشافعيُّ وأحمدُ في روايةٍ: إن نوى به طلاقًا فهو طلاقٌ، وإن نوى به ظهارًا فهو ظهارٌ، وإن نوى يمينًا فهو يمينٌ. وقال أحمدُ في المشهورِ عنه: هو ظهارٌ؛ كقولِه: أنتِ عليَّ كظهرِ (٤) أمي، ولو نوى به الطلاقَ لم يكُنْ طلاقًا (٥)؛ لأن اللفظَ إذا كان صريحًا

стр. 854

في حكمٍ، ووُجِد مشاعًا فيه؛ لم يُجعَلْ كنايةً في غيرِه؛ كلفظِ الظهارِ وغيرِه، وكانوا في الجاهليةِ يُطلِّقونَ بالظهارِ، ثم لما تظاهَرَ أَوْسٌ من زوجتِه خَوْلةَ، وسَمِع اللهُ شَكْواها؛ فأنزل سبحانه سورةَ المجادَلةِ، وجعل الظهارَ الذي كانوا يَنْوُونَ به الطلاقَ؛ منكرًا من القولِ وزورًا لا يقعُ به طلاق، وإنما فيه الكفارةُ قبلَ المسيسِ إذا عاد (١). فمن قال: الحرامُ كذلك، قال: هو في الظهارِ، شبَّهَها بمن تحرمُ عليه على التأبيدِ، فجعل اللهُ ذلك منكرًا؛ لأنها ليست مثلَها، وهنا نطق بالتحريمِ الذي يوجبُ التشبيهَ؛ لأنهم في ذلك التحريمِ ما قصدوا التحريم المؤبدَ، إنما قصدوا الطلاقَ، وهو التحريمُ العارضُ، والزوجةُ حلالٌ، والحلال لا يكونُ حرامًا إلا بأمرِ الشارعِ، فإذا شبَّهَها بمن تحرمُ عليه، أو صرَّح بتحريمِها؛ كان قد ثبت الحكمُ دونَ سبَبِه، ومثلُ هذا ممتنعٌ، ولهذا قال ابنُ عبَّاسٍ: «تحريمُ الحلالِ؛ يمينٌ في كتابِ اللهِ تعالى»، وقرأ: ﴿قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم﴾ (٢). وقد ذهب طائفةٌ من متأخِّري أصحابِ أبي حنيفةَ والشافعيِّ: إلى أن لفظَ الحرامِ قد اشتَهَر في عُرفِ العامةِ في الطلاقِ، فجعلوه طلاقًا عندَ الإطلاقِ. وذهب بعضُ أصحابِ مالكٍ: إلى أنه ليس الحرامُ في هذه البلادِ طلاقًا.

стр. 855

هذا أصلٌ. والأصلُ الثاني: أن الحَلِفَ بالحرامِ هل هو بمنزلةِ إيقاعِه؟ ذهب كثيرٌ من الفقهاءِ: إلى أنه لا فرقَ بينَهما، كما قالوه في الحلِفِ بالطلاقِ والعِتاقِ. وذهب طائفةٌ: إلى أن الحلِفَ به ليس كالإنشاءِ، كما لو حلَف بالنَّذْرِ؛ مثلُ: إن فعلتُ كذا فمالي صدقةٌ؛ فإن مذهَبَ الشافعيِّ وأحمدَ وروايةً عن أبي حنيفةَ: أنه تجزئُه كفارةُ يمينٍ، كما أفتى بذلك الصحابةُ والتابعونَ؛ مثلُ: عمرَ، وحَفْصةَ، وزينبَ رَبِيبةِ رسولِ اللهِ ﷺ (١)، وتُسمَّى هذه مسألةَ نذرِ اللَّجاجِ والغضبِ. فإذا قال: إن فعلتُ كذا فامرأتي حرامٌ، أو: مالي حرامٌ؛ فقد حرَّم على نفْسِه ما لم يحرَّمْ عليه ليمتنعَ من ذلك الفعلِ، كما أنه في النَّذْرِ أوجبَ على نفْسِه ما لم يوجِبْه اللهُ عليه ليمتنعَ من ذلك الفعلِ، والإيجابُ والتحريمُ إلى الشارعِ لا إلى العبدِ، وهو لم يقصِدْ لا إيجابًا ولا تحريمًا، إنما قصد منعَ نفْسِه من ذلك الفعلِ، واللهُ قد جعَل عليه الكفارةَ إذا حَنِث بقولِه: ﴿ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم﴾، فشرَع الكفارةَ إزالةً للآصارِ والأغلالِ عن هذه الأمةِ، بخلافِ مَن قَبْلَها إنما كان يلزمُهم الوفاءُ أو الندم (٢).

стр. 856

ومَن حلَف على ابنِ أختِ زوجتِه: ألا يعملَ عندَ إنسانٍ؛ لكونِه يظلِمُه، ثم بلَغ الصبي وخرَج عن أمرِه واستقلَّ بنفْسِه، وأجَرَ نفْسَه لذلك الرجلِ؛ لم يحنَثِ الحالفُ. ولو قال: أنا بريءٌ من رسولِ الله إن كلمتُه، فحنِثَ؛ فعليه كفارةُ يمينٍ. وإذا حلَف على زوجتِه بالطلاقِ أنها لا تخرجُ إلَّا إلى الحَمَّامِ، فخرجَتْ إلى بيتِ أهلِ الزوجِ، وقالت: لم أظنَّ أنكَ أردتَّ مَنْعي من أهلِكَ، فعَرَف صِدْقَها في ذلك؛ لم يقعْ به طلاقٌ، وإن عَرَف كذِبَها؛ لم يُقبلْ قولُها، وإن شكَّ في صِدقِها وكذِبِها؛ لم يُحكَمْ بوقوعِ الطلاقِ؛ فإن النكاحَ ثابتٌ بيقينٍ، فلا يزولُ بالشكِّ. وإذا حلَف على أختِ زوجتِه: لا تدخلُ بيتَه إلا بإذنِه، فدخلَتْ بغيرِ إذنِه، ولم تكُنْ علمَتْ باليمينِ، ثم علمَتْ، فاعتقدَتْ أن اليمينَ انحلَّتْ بالحِنْثِ، وأنه لم يبقَ عليها يمينٌ، فاستمرَّتْ على الدخولِ؛ فلا حِنْثَ على الحالفِ؛ لأن الدخولَ الأولَ لم تكُنْ عالمةً باليمينِ، وبعدَ ذلك اعتقدَتْ أنها انحلَّتْ، وأنه لم يبقَ عليها يمينٌ. فَصْلٌ ومَن حلَف على زوجتِه بالطلاقِ الثلاثِ: لا تفعلين كذا وكذا، ففعَلتْه، وزعَمتْ أنها حينَ فعَلَتْه لم تعلم أنه المحلوفُ عليه؛ فالصحيحُ في مثلِ ذلك: أنه لا يقعُ طلاقُه؛ بناءً على أنه إذا فعَل المحلوفَ عليه

стр. 857

ناسيًا ليمينِه، أو جاهلًا، لم يقعْ به طلاقٌ في أحدِ قولَيِ الشافعيِّ وأحمدَ، وعنه في جنسِ ذلك ثلاثُ رواياتٍ؛ لأن البِرَّ والحنث في الأيمانَ بمنزلةِ الطاعةِ والمعصيةِ في الأمرِ والنَّهْيِ؛ لأن الحالفَ يقصِدُ بيمينِه الحضَّ لنفْسِه، أو لغيرِه ممن يحلفُ عليه، أو المنعَ لنفْسِه أو لغيرِه ممن يحلفُ عليه، فهو في الحقيقةِ طلبٌ مؤكدٌ بالقسَمِ، فكما أن الكلامَ نوعانِ: خبرٌ وإنشاءٌ، والإنشاءُ: أمرٌ ونَهْيٌ وإباحةٌ، والقسَمُ أيضًا نوعانِ: خبرٌ مؤكدٌ بالقسم، وإنشاءٌ مؤكدٌ بالقسَمِ، ولهذا كان القسَمُ جملتينِ: جملةً يُقسَمُ عليها، وجملةً يُقسَمُ بها، فإذا قال: واللهِ لقد كان كذا، وما كان كذا، أو: ليفعَلنَّ كذا؛ كان هذا قسمًا على الخبر، وإذا قال: والله لأفعلن كذا، أو لا أفعلُ (١) كذا أو لا تفعلي؛ كان هذا إنشاءً مؤكَّدًا بالقسَمِ؛ لكنَّه طلبٌ يتضمَّنُ الأمرَ والنَّهْيَ، ثم لما صاروا يحلِفونَ بالطلاقِ؛ كان له صيغتانِ: صيغةُ القسَمِ، وصيغةُ الشرطِ. فصيغةُ القسَمِ: قولُ الحالفِ: الطلاقُ يلزَمُني لأفعَلَنَّ كذا، أو لا أفعَلُه، أو لتفعَلنَّ كذا. وصيغةُ القسَمِ مُوجَبٌ في صيغةِ الجزاءِ، والمثبتُ في هذه منفيٌّ في هذه. وصيغةُ الشرطِ إذا تضمَّنتْ معنى الحضِّ والمنعِ؛ كانت حلِفًا بالطلاقِ.

стр. 858

وأما إن كانت تعليقًا محضًا؛ كقولِه: إذا طهُرتِ، أو: طَلَعتِ الشمسُ، ونحوَ ذلك: ففيه نزاعٌ للعلماءِ (١)، والصحيحُ: أنه ليس بحلِفٍ؛ بل هو إيقاعُ مُوجَبٍ بوقتٍ معلومٍ، أو مجهولٍ، أو معلقٍ بشرطٍ. وينبني على ذلك مسائلُ: منها: لو حلَف لا يحلفُ بالطلاقِ، أو قال: إذا حلَفتُ به فعبدي حرٌّ، ولم تُعرفْ لغتُه، فأما إن عُرِفت لغتُه؛ نزلت يمينُه عليها. ومنها: أن النبيَّ ﷺ قال: «مَن حلَف فقال: إن شاءَ اللهُ؛ فإن شاء فعل، وإن شاء ترك» (٢). وقد تنازَعَ الناسُ في الاستثناءِ على ثلاثِ درجاتٍ: أحدُها: الإيقاعُ المجرَّدُ، فعندَ أحمدَ ومالكٍ: أنه يقعُ. الثانيةُ. إذا علَّق الطلاقَ بشرطٍ يقصِدُ به الحضَّ أو المنعَ؛ ففيه قولانِ، هما روايتانِ عن أحمدَ: أحدهما: أنه كالإيقاعِ. والثاني - وهو الصحيحُ -: أنه كالحَلف.

стр. 859

والدرجةُ الثالثةُ: إذا حلَف بصيغةِ القسمِ؛ كقولِه: الطلاقُ يلزَمُني لأفعَلنَّ كذا؛ فهنا ظاهرُ المذهبِ عن أحمدَ: أنه لا يحنَثُ، ثم من أصحابِه من يجعلُه قولًا واحدًا، ومنهم من يجعلُ فيه روايتينِ. فالصوابُ: وقوعُ الاستثناءِ في هاتينِ الصورتينِ، وإن قيلَ: لا يقعُ في الإيقاعِ. والمقصودُ هنا: أن الحالفَ على نفْسِه أو غيرِه ليفعَلَنَّ، أو لا يفعلن، هو طالبٌ طلبًا مؤكدًا بالقسمِ بمنزلةِ الأمرِ والنَّهْيِ. وإذا كان كذلك، فقد عُلِم أن المنهيَّ إذا فعَل ما نُهِي عنه ناسيًا أو مخطئًا، حيث فعل شيئًا اعتقد أنه غيرُ المنهيِّ عنه، وكان هو المنهيَّ عنه؛ لم يكُنْ مخالفًا للناهي عاصيًا له، فكذلك من فعل المحلوفَ عليه ناسيًا أو مخطئًا في اعتقادِه؛ لم يكُنْ مخالفًا للحالفِ، فلم يحنَثِ الحالفُ، وهذا بَيِّنٌ لمن تأمَّلَه، واللهُ تعالى لم يُؤاخِذْ بالنسيانِ والخطأِ. وأما إذا فعلَتِ الزوجةُ المحلوفَ عليه علماً بالمخالفةِ؛ فهذا فيه نزاعٌ آخَرُ غيرُ النِّزاعِ المعروفِ، فأصلُ الحلفِ بالطلاقِ: هل يقعُ به الطلاقُ، أو لا يقعُ؟ فإن النِّزاعَ في ذلك بينَ السَّلَفِ والخلَفِ. والمقصودُ: إذا حلَف على زوجتِه، فخالفَتْه عمدًا؛ فذهب أشهبُ صاحبُ مالكٍ: إلى أنه لا يقعُ به طلاقٌ في هذه الصورةِ، وخالَفَه غيرُه من المالكيةِ. ولعل مأخذَه: إما وجوبُ طاعتِه عليها، وجعْلِها عاصيةً بذلك، أو

стр. 860

لئلا يكونَ الطلاقُ بيدِها من غيرِ رضاه، فإنه لم يقصِدْ جعْلَه بيدِها، إنما قصد مَنْعَها، وظنُّه أنها لا تَعْصيه، كمن حلَف على معنًى يظنُّه - كصفةٍ -؛ فتبيَّنَ بخلافِها. ثم إذا وقع به الطلاقُ بفعلِها، أو حصلَتْ فرقةٌ بفعلِها بعدَ الدخولِ؛ فهل يرجعُ عليها بالمهرِ؟ فينبني على أن إخراجَ البُضْعِ من ملكِ الزوجِ، هل هو متقوِّمٌ؟ فلو شهد شهودٌ بالطلاقِ، ثم رجعوا، هل يضمنونَ الصداقَ؟ فيه قولانِ مشهورانِ، هما روايتانِ، والصحيحُ: أنه متقوِّمٌ. ومنهم من فرَّق بينَ المرأةِ والأجنبيِّ، فيقولُ: متقوِّمٌ على الأجنبيِّ دونَ المرأةِ، فيقولونَ: إن أفسَدَتِ النكاحَ هي لم تضمَنْه، بخلافِ الأجنبيِّ. ثم مالكٌ يقولُ: هو مضمونٌ بالمسمَّى، وهو منصوص أحمدَ. والشافعيِّ يقولُ: هو مضمونٌ بمهرِ المثلِ، وهو وجهٌ لأحمدَ. وكذلك لو أفسَدَ رجلٌ نكاحَ امرأته قبلَ الدخولِ بها، وبعدَه؛ فللمرأةِ قبلَ الدخولِ نصفُ الصداقِ، وجميعُه بعدَه، ويرجعُ به الزوجُ على المفسدِ في الصورتينِ عندَ من يقولُ: خروجُ البُضْعِ متقوِّمٌ، وهو المنصوصُ عن أحمدَ، وفي مقدارِ ما يرجعُ به القولان. ومَن يقولُ: لا يَتقوَّمُ، لا يرجعُ به، وهذا القولُ الآخرُ في مذهَبِ أحمدَ. والدليلُ على أنه متقومٌ: جوازُ الخُلْعِ عليه.

стр. 861

وأيضًا، ما ذكَره اللهُ سُبْحانَه في الممتحَنةِ؛ حيثُ قال: ﴿يا أيها الذينَ آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن .. ﴾ إلى قولِه: ﴿وآتوهم ما أنفقوا … ﴾ إلى قولِه: ﴿ولا تمسكوا بعصم الكوافر واسألوا ما أنفقتم وليسألوا ما أنفقوا﴾، نزلَتْ باتِّفاقِ العلماء في قضيةِ الصلحِ الذي كان بينَ النبيِّ ﷺ وبينَ أهلِ مكةَ؛ صلحِ الحُدَيْبيةِ؛ لما شُرِط عليهم أن يردوا مَن جاءهم مسلمًا، وألا يردوا عليه مَن ذهب مرتدًّا، فهاجر نسوةٌ كأمِّ كُلْثومٍ بنتِ عُقْبةَ بنِ أبي مُعَيطٍ، فنسَخ اللهُ الردَّ في النساءِ، وأمَر بردِّ المهرِ عِوَضًا عن ردِّ المرأةِ (١)، فذلك قولُه: ﴿وآتوهم ما أنفقوا﴾، فأمَر أن يُؤتَى الكفارُ ما أنفقوا على المرأةِ الممتحَنةِ التي لا تُرَدُّ، والذي أنفقوه هو المهر المسمَّى: ﴿واسألوا ما أنفقتم﴾، فشرَع للمؤمنينَ أن يسألوا الكفارَ ما أنفقوا على النسوةِ اللاتي ارتدَدْنَ إليهم، وأن يسألَ الكفارُ ما أنفقوا على النساءِ المهاجراتِ، فلما حكَم بذلك؛ دلَّ على أن خروجَ البُضْعِ متقوِّمٌ، وأنه بمهرِ المسمَّى، ودلت الآيةُ على أن المرأةَ إذا أفسَدتْ نكاحَها رجع عليها بالمهرِ. فإذا حلَف عليها فخالفَتْه، وفعلَتِ المحلوفَ عليه: كانت عاصيةً ظالمةً مُتلِفةً للبُضْعِ عليه، فيجبُ عليها ضمانُه، إما بالمسمَّى على أصحِّ قولَيِ العُلماءِ، وإما بمهرِ المثلِ. يؤيدُ ذلك: ما كان من امرأةِ قَيْسِ بنِ شَمَّاسٍ حيث بغَضَتْه، وقالت:

стр. 862

«أكرهُ الكفرَ بعدَ الإيمانِ»، فأمَرَها رسولُ اللهِ ﷺ أن ترُدَّ حديقتَه (١)؛ لأن الفرقةَ جاءَتْ من جِهَتِها، فتبيَّنَ أنه يجوزُ أن يأخذَ صَداقَها إذا كان سببُ الفرقةِ من جِهَتِها؛ لا إذا كانت من جهتِه. وهذا كلُّه يقرِّرُ أنه يجوزُ أن يُرجَعَ إليه الصداقُ؛ إذا فعلت ما يوجبُ الضمانَ؛ مثلُ ما إذا أفسَدتْ بالهجرةِ أو الرِّدَّةِ. فَصْلٌ وإذا حلَف بالطلاقِ الثلاثِ: أن أحدًا من ألزامِ (٢) المرأةِ لا يطلُعُ إلى بيتِه؛ فطلع في غَيْبتِه: فإن كان يعتقدُ أنه إذا حلَف عليهم؛ امتنعوا من الصعودِ، فحلَف ظنًّا أنهم ممن يُطيعونَه، فتبيَّنَ الأمرُ بخلافِ ذلك؛ ففي حِنْثِه نزاعٌ بينَ العلماءِ. الأظهرُ: أنه لا يحنَثُ؛ كمن رأى امرأةً ظنَّها أجنبيةً فقال: أنتِ طالقٌ، ثم تبيَّنَ أنها امرأتُه، ونحوِ ذلك من المسائلِ التي يتعارضُ فيها التعيينُ الظاهر والقصدُ، فإن الصحيحَ اعتبارُ القصدِ. وإذا حلَف بالطلاقِ الثلاثِ: لا يسكُنُ هذه الدارَ، وقال: إن شاءَ اللهُ؛ فلا حِنْثَ عليه إذا سكن فيها، وهو مذهَبُ أبي حنيفةَ، والشافعيِّ، وأحمدَ في المشهورِ من مذهبِه، وقولٌ في مذهَبِ مالكٍ إذا قال: إن شاءَ اللهُ، على الوجهِ المعتبرِ.

стр. 863

وإذا حلَف فقال له رجلٌ: قلْ: إن شاءَ اللهُ، فقال: حلَفت، ومضى، قال قل: إن شاءَ اللهُ، مرةً ثانيةً، فقال إن شاء الله؛ ففيه نزاعٌ مشهورٌ في مذهَبِ أحمدَ وغيرِه، وفي الصحيحِ مثلُ هذا الاستثناءِ؛ كما ثبَتَ في حديثِ سليمانَ أنه قال: «لأطوفَنَّ الليلةَ على تسعينَ امرأةً، تأتي بفارسٍ يقاتل في سبيلِ اللهِ، فقال له صاحبُه: قل: إن شاءَ اللهُ، فلم يقُلْ، فلو قالها لقاتلوا في سبيلِ اللهِ فرسانًا أجمعينَ» (١)، وكذلك قولُه في المدينةِ: «لا يُخْتَلَى خَلَاها»، فقال له العباسُ: إلا الإذخِرَ (٢)، وقولُه: «لا يَنْفَلِتَنَّ أحدٌ إلا بضَرْبِة عُنُقٍ»، فقال ابنُ مسعودٍ: إلا سُهَيلَ بنَ بيضاءَ، فإني سمعته يذكرُ الإسلامَ، قال: فسكَت رسولُ اللهِ، حتى خِفْتُ أن الحجارةَ تنزلُ عليَّ من السماءِ، ثم قال: «إلا سُهَيلَ بنَ بيضاءَ» (٣)، وقال عبد الله: «واللهِ لأغزُوَنَّ قريشًا، واللهِ لأغزُوَنَّ قريشًا، واللهِ لأغزُوَنَّ قريشًا»، ثم سكَت، ثم قال: «إن شاءَ اللهُ»، ثم لم يغزُهم (٤)، وفي القرآنِ جملٌ قد فُصِلَ بين أبعاضِها بكلامٍ آخَرَ؛ كقولِه: ﴿وقالت طائفةٌ من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذينَ آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون)، (قل إن الهدى هدى الله)، فصَل بينَ أبعاض الكلامِ المحكيِّ عن أهلِ الكتابِ، وله نظائرُ. واللهُ أعلمُ.

стр. 864

وإذا حلَف على يمينٍ ، وكان من عادتِه أنه لا يحلفَ إلا ويستثني، فحلَف يمينًا، وشكَّ بعدَ مدةٍ، هل جرى على عادتِه أم لا؟ فالأظهرُ من قوليِ العلماءِ: إجراؤُه على عادتِه، وإلحاقُ الفردِ بالأعمِّ الأغلبِ. وإذا أُكرِه على اليمينِ بغيرِ حقٍّ ؛ مثلُ: أن يكونَ باعَه إلى أجلٍ، ثم بعدَ لزومِ العقدِ قال له: إن لم تحلِفْ لي أنكَ تعطيني حقِّي يومَ كذا، وإلا لزمكَ الطلاقُ، فإن لم تحلفْ أخذتُ السلعةَ منك، وذلك بعدَ أداء المشتري الكلفةَ السلطانيةَ؛ فإن هذه اليمينَ لا تنعقدُ، ولا طلاقَ عليه إذا لم يُعطِ. ولو قال: كنتُ قد استثنيتُ ، فقلتُ: إن شاءَ اللهُ، فقال: لم تقُلْ شيئًا، فالقولُ قولُ الحالفِ في هذه الحالِ أنه استثنى؛ لأنه مظلومٌ، والمظلومُ له مثل ذلك، وله التعريضُ، والقولُ قولُه في ذلك. ولو قال: إن خرَجتِ بغيرِ إذني فأنتِ طالقٌ؛ فهو على كلِّ مرةٍ؛ لأن «خرجتِ» فعلٌ، والفعلُ نكرةٌ، وهي في سياقِ الشرطِ تعُمُّ، نحوُ: ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره﴾. وكذا قوله: إن أعطيتِني ألفًا فأنتِ طالقٌ، يقتضي تعليقَ العطاء بمسمَّى إعطاء ألف، وهذا المسمَّى موجودٌ في جميعِ أفرادِه، فيقعُ الطلاقُ به إذا وجد، فلو أعطَتْه ما ينقُصُ عن ألفٍ، ثم أعطَتْه الألفَ؛ وقع الطلاقُ؛ لكن العمومَ تارةً يكونُ على سبيلِ البدلِ، وهو العمومُ المُطلَقُ، وهو الذي يُقالُ فيه في تعليقُ الطلاقِ: لا يقتضي التكرارَ، وتارةً يكونُ على سبيلِ الجمعِ، وهو العمومُ على سبيلِ الاستغراقِ، وهو

стр. 865

يقتضي التكرارَ في تعليقِ الطلاقِ، هذا الجوابُ هو الصوابُ. وقيلَ: إنه إذا أذِنَ لها مرة؛ انحلَّتْ يمينُه؛ بناءً على القولِ بأن النكرةَ في سياقِ النَّفْيِ لا تعُمُّ إلا إذا أُكِّدت بـ «مِن» تحقيقًا أو تقديرًا؛ نحوُ: ﴿وما من إله إلا الله﴾ محتجًّا بقولِ سيبوَيْهِ: إنه يجوزُ أن تقولَ: ما رأيتُ رجلًا؛ بل رجلينِ. وهذا إنما هو فرقٌ بينَ الصيغتينِ في الجوازِ فقط، فإن قولَه: «ما رأيتُ من رجلٍ» إنما هو نصٌّ في الجنسِ؛ لأن حرفَ «من» للجنسِ، وأما نحوُ: «ما رأيتُ رجلًا» فهو ظاهرٌ في الجنسِ، فيقتضي العمومَ، ويجوزُ أن يُرادَ به معَ القرينةِ نفيُ الجنسِ الواحدِ، فيجوزُ للمتكلمِ أن يريدَ بكلامِه ذلك، كما يريدُ به سائرَ الاحتمالاتِ المرجوحةِ. فإذا قال: إن خرجتِ إلا بإذني، ونوى خروجًا واحدًا؛ نفعه ذلك، وحُمِلتْ يمينُه عليه، ولو كان السببُ يقتضي ذلك؛ مثلُ: أن تطلبَ منه الخروجَ إلى لقاءِ الحُجَّاجِ، فيقولُ: إن خرجتِ بغيرِ إذني فأنتِ طالقٌ، فهو كما لو حلَف لا يتغدَّى إذا دُعِي إلى غداء، فيه قولانِ، هما وجهانِ في مذهَبِ أحمدَ، الصوابُ: أنه يُقصَرُ على ذلك الغداءِ؛ لأنه المفهومُ من كلامِ الناسِ عرفًا. والفرقُ بينَه وبينَ الشارعِ - فإن كلامَ الشارعِ العبرةُ بعمومِه لا بخصوصِ سببِه -: أن هناك تَعارَضَ قصدُ التَّخصيصِ وقصدُ التأسيسِ للحكمِ، فرُجِّحُ التأسيسُ؛ لأن الشارعِ منصوبٌ له، وهو موجبُ اللفظِ، وهنا لم يُعرَفْ أن غرضَ الحالفِ تأسيسُ المنعِ من الفعلِ، فسلِمتْ

стр. 866

دلالةُ التخصيصِ عن معارضٍ. فظهَر أن قولَه: إن خرَجتِ بغيرِ إذني، مثلُ قولِه: إن خرَجتِ إلا أن آذَنَ لكِ: خروجٌ مقيَّدٌ، وهذا خروجٌ مُطلَقٌ، كقولِه: لا أتغدَّى، أو: لا أخرج، ولا أخرج مع ذلك، و «تطلق» نكرة، وهذه (١) الأفعالُ كلُّها للعمومِ عندَ الإطلاقِ؛ لأنها نكرةٌ في سياقٍ غيرِ موجبٍ، فيُحمَلُ عليه اللفظ إذا نواه، أو كان معَ السببِ على أصحِّ القولَينِ، وهذا ظاهرٌ في قلوبِ الناسِ. فَصْلٌ ومَن حلَّفَه مخدومُه أنه متى رأى أحدًا خانه يُعلِمُه، فخانه أحدٌ، وإذا اطَّلَع عليه استوفى حقَّه منه، أو عاقَبَه بما يستحقُّ من غيرِ عُدوانٍ: وجَب على الذي عرَف بالقضيةِ أن يُطلِعَه وينصَحَه؛ ولو لم يُحلِّفْه، فكيفَ إذا حلَّفه؟! ويأثَمُ إذا سكَت عن هذه النصيحةِ. ومَن سُحِر، فبلَغ به السِّحْرُ أنه لا يعلمَ ما يقولُ؛ فلا طلاقَ له. ومَن كانت عندَه وديعةٌ فتصرفَتْ فيها زوجتُه، فطلَب صاحبُ الوديعةِ وديعتَه، فقال لزوجتِه: أعطيه الوديعةَ، فقالت: تصرَّفتُ فيها، فحلَف أنه لا بدَّ أن تُعطِيَه الوديعةَ، وإلا كانت طالقًا، ولا يروحُ الرجل إلا بوديعتِه، وكان قد رأى الوديعةَ في البيتِ؛ فعجَزتِ الزوجةُ عن

стр. 867

إحضارِها، وراح الرجلُ ولم يأخُذِ الوديعةَ: فإذا كانت الوديعةُ معدومةً؛ فلا حِنْثَ عليه؛ لأن المحلوفَ عليه ممتنعٌ، فلا يحنَثُ في أصحِّ القولَينِ، ولأنه اعتَقدَ وجودَها، فتبيَّنَ ضدُّه، فلا يحنَثُ في مثلِ ذلك على الصحيحِ. ومَن رأى مَعجنةَ طينٍ ، فقال: عليَّ الطلاقُ ما تكفي؛ فكفَتْ، فلا يعودُ لمثلِ هذه اليمينِ، فإن فيها خلافًا؛ لكن الأظهرَ: أنه لا يحنَثُ. وإذا حلَف على زوجتِه: لا تفعلُ شيئًا، ولم تعلَمْ أنه حلَف، أو علِمتْ ونسِيتْ، ففعَلَت: فلا حِنْثَ عليه، وله أن يُصدِّقَها إن كانت مصدَّقةً عندَه. إذا حلَف: لا يفعلُ شيئًا لسببٍ ، فزال السببُ، أو أُكرِه على فعلِ المحلوفِ عليه: لم يحنَثْ. وإن كان السببُ باقيًا، وأرادَ فعلَ المحلوفِ عليه، فخالعَ زوجتَه خُلعًا صحيحًا، ثم فعَلَه بعدَ أن بانتْ؛ لم يحنَثْ. وإن كان الخلعُ لأجلِ اليمينِ؛ ففيه نزاعٌ مشهورٌ، والصحيحُ: أن خُلْعَ اليمينِ لا يصحُّ؛ كالمحلِّلِ؛ لأنه ليس المقصودُ به الفرقةَ. وهل يقعُ بخلعِ اليمينِ طلقةٌ رجعيةٌ، أم لا يقعُ به شيءٌ؟ فيه نزاعٌ، الأقوى: أنه لا يقعُ شيءٌ بحالٍ؛ لكن إذا أفتاه مُفْتٍ به، وفعَلَه معتقدًا أن النكاحَ قد زال، وأنه لا حِنْثَ عليه؛ لم يحنث؛ لأنه لم يقصِدْ مخالفةَ يمينِه.

стр. 868

وأكثرُ العلماءِ يقولونَ: إن يمينَه باقيةٌ؛ منهم: مالكٌ، وأبو حنيفةَ، وأحمدُ في المشهورِ، والشافعيُّ في أحدِ قولَيْه، وفي القولِ الآخرِ: أن اليمينَ تنحَلُّ إذا حصَل بينَه وبينَ زوجتِه بينونةٌ. ويجوزُ للمستفتي أن يستفتي في مثلِ هذه المسائلِ مَن يُفتيه بأنْ لا حِنْثَ عليه. ولا يجبُ على أحدٍ أن يطيعَ أحدًا في كلِّ ما يأمرُه به، إلا رسولَ اللهِ ﷺ . وإذا أفتاه من يجوزُ استفتاؤُه؛ جاز له أن يعملَ بفَتْواه، ولو كان ذلك القولُ لا يوافقُ الإمامَ الذي ينتسبُ هو إليه، وليس عليه أن يلتزمَ قولَ إمامٍ بعينِه في جميعِ أيمانِه. ومن حلَف بالحرامِ ألا تخرجَ فلانةُ من بيتِه، فخرجَتْ: فمذهَبُ أحمدَ: أنه لا طلاقَ عليه وإن نوى الطلاقَ؛ بل تُجزِئُه كفارةُ يمينٍ في قولٍ، أو كفارةُ ظهارٍ في آخَرَ، وكفارةُ يمينٍ أظهرُ. وإذا اتَّهَم زوجتَه ، وقال: أنتِ أخذتِ الفِضَّةَ، فحلَفتْ أنها ما أخذَتْها، فقال: أنتِ طالقٌ ثلاثًا، ثم وجد أنها لم تكُنْ أخذَتْ شيئًا، فذكر أنه هو أخَذَها، وكان قد نوى: أنتِ طالقٌ إن كنتِ أخذتيها؛ فلا حِنْثَ عليه. وإن اعتقد أنها أخذَتْها، فطلَّقَها لأجلِ ذلك، ثم تبيَّنَ أنها لم تأخُذْه؛ ففيه نزاعٌ؛ الأظهرُ: أنه لا يقعُ.

стр. 869

وكذلك لو نُقِل عنها أنها فعلَتْ فاحشةً، فطلَّقها ينوي أنها طالقٌ لأجلِ ما فعلَتْ، فبان أنها لم تفعلْ؛ فلا حِنْثَ، وإن كان لم يَنْوِ، ولكن السبب ذلك، ففيه نزاعٌ، فلا بدَّ من اعتبارِ لفظِ الحالفِ، ونيَّتِه، وسببِ يمينِه. وإذا كان الحالفُ يعتقدُ أن المخاطبَ لا يفعلُ المحلوفَ عليه، باعتقادِه أنه لا يخالفُه إذا حلَف عليه، ولا يُحَنِّثُه لكونِ الحالفِ مزوَّجًا بقرابتِه، وهو لا يختارُ تطليقَها، ونحوِ ذلك من الأسبابِ، فحلَف عليه، فخالفه، وتبيَّنَ أنه كان غالطًا في اعتقادِه فيه، وأنه يختارُ أن يُطلِّقَها، ولا يبالي به؛ ففيه نزاعٌ إذا اعتَقدَ في معينٍ صفةً، فحلَف لأجلِ تلك الصفةِ، ثم تبيَّنَ بخلافِه، والأشبهُ: أنه لا يقعُ به طلاقٌ، كما لو لقِيَ امرأةً ظنَّها أجنبيةً، فقال: أنتِ طالقٌ، ثم تبيَّنَ أنها زوجتُه، ففيه نزاعٌ، والأظهرُ: لا طلاقَ عليه؛ إذ الاعتبارُ بما قصَده، وهو إنما قصَد موصوفًا ليس هو هذا المُعيَّنَ، والله أعلم. وإذا طلَّقَها طلقةً بائنةً بلا عِوَضٍ ؛ ففيه نزاعٌ، قيلَ: يقعُ واحدةً بائنةً، وقيل: بل رجعيةٌ، وقيلَ: ثلاثٌ، والصحيحُ: أن لا يقعَ به إلا واحدةٌ، والنِّزاعُ في مذهَبِ أحمدَ، ومالكٍ، والشافعيِّ: رجعيةٌ، وأبو حنيفةَ: واحدةٌ. وإذا حلَف: لا يسكُنُ بيتَ أبيه ، فزارَه وجلَس عندَهم أيامًا؛ لم يحنَثْ؛ لأن الزيارةَ ليست سَكَناً باتِّفاقِ الأئمَّةِ. وطلاقُ السَّكْرانِ فيه نزاعٌ لأحمدَ وغيرِه، والأشبَهُ بالكتابِ والسُّنَّةِ:

стр. 870

أنه لا يقعُ، وثبَتَ ذلك عن عثمانَ ﵁ (١)، ولم يثبُتْ عن صحابيٍّ خلافُه، وهو قديمُ قَولَيِ الشافعيِّ، وبعض أصحابِ أبي حنيفةَ، وقولُ كثيرٍ من السَّلَفِ والفقهاءِ. والثاني: يقعُ، وهو مذهَبُ أبي حنيفةَ، ومالكٍ والشافعيِّ. وزعم طائفةٌ من أصحابِ مالكٍ والشافعيِّ وأحمدَ: أن النِّزاعَ إنما هو في النشوان الذي قد يفهَمُ ويغلَطُ، فأما الذي تَمَّ سُكرُه؛ بحيثُ لا يفهمُ ما يقولُ، وما يقالُ له؛ فلا يقعُ به قولًا واحدًا؛ إلا أن الأئمَّةَ الكبارَ جعلوا النِّزاعَ في الجميعِ (٢). فَصْلٌ إذا حلَف بالطلاقِ أو غيرِه أنه لا يدخُلُ دارَ فلانٍ، ولا يأكلُ طعامَه، ولا يطَأُ زوجتَه، ثم حنث بفعل واحدةٍ من هذه الخصالِ؛ انحلَّتْ يمينُه، ولم يحنَثْ بعدَ ذلك بفعلِ البواقي باتِّفاقِ العلماءِ. ومَن حلَف بالطلاقِ ، فقيلَ له: استَثْنِ، فقال: إن شاءَ اللهُ، فلا حِنْثَ عليه، بخلافِ الذي أوقَعَ الطلاقَ، وقال: إن شاءَ اللهُ؛ فإن ذلك لا يرفعُه؛ وسواءٌ كان قد نوى الاستثناءَ قبلَ فراغِه من اليمينِ، أو بعدَ

стр. 871

ذلك، هذا هو الصحيحُ الذي دلَّ عليه كلامُ الإمامِ أحمدَ وأكثرِ السَّلَفِ، وسنةُ رسولِ الله، فحلِفُه ﷺ ، وقولُه: «لأَغْزُوَنَّ قريشًا»، وحلِفُ سليمانَ، وقولُه: «إلَّا الإذْخِرَ»، وقصةُ سُهَيلِ بنِ بيضاءَ، وغيرُه. ومَن اعتادَ الكذبَ فصار إذا حدَّث كذَب، وإذا وعَد أخلَفَ، وإذا اؤتُمِنَ خان؛ فهو منافقٌ، والمنافقُ شرٌّ من الكافرِ، فإذا قال رجلٌ للذي يكذِبُ: النصرانيُّ خيرٌ منكَ، وقصد أن النصرانيَّ الذي لا يكذبُ خيرٌ من هذا الكذابِ - معَ أن دينَ الإسلامِ هو الحقُّ-؛ فلا شيءَ عليه، فإن الكذبَ أساسُ النفاقِ، ومَن لا يكذبُ خيرٌ ممن يكذبُ. وإذا حلَف بالطلاقِ: ليُعطِيَنَّه كذا، فعجَز عنه؛ فلا حِنْثَ إذا كانت نيَّتُه أن يُعطِيَه معَ القدرةِ. فَصْلٌ صحَّ عنه ﷺ أنه قال: «مَن كان حالفًا فليَحْلِفْ باللهِ، أو ليَصْمُتْ» (١)، و: «مَن حلَف بغيرِ اللهِ فقد أشرَكَ» (٢)؛ فليس لأحدٍ أن يحلفَ لا بملَكٍ، ولا نبيٍّ، ولا غيرِ ذلك من المخلوقاتِ، ولا يحلفَ إلا باسمٍ من أسماءِ اللهِ، أو صفةٍ من صفاتِه.

стр. 872

وقد رُوِي: «مَن حلَف بالأمانةِ فليس مِنَّا» (١)، فمن حلَف بالأمانةِ لا يدري ما حلَف به، أو عنَى به مخلوقًا؛ فقد أساء، وإن أرادَ بها صفةً من صفاتِ اللهِ؛ نحوُ: وأمانةِ اللهِ، أو عظمتِه؛ جاز ذلك. وهل الحلِفُ بغيرِ اللهِ محرَّمٌ، أو مكروهٌ؟ على قولَينِ؛ الأولُ أصحُّ، وكان السَّلَفُ يعزِّرونَ من يحلِفُ بالطلاقِ، وكلُّ ما سوى اللهِ يدخُلُ في ذلك؛ مثل: الكعبةِ، والعرشِ، والكُرسِيِّ، والملائكةِ، والنبِيِّينَ، والملوكِ، أو نعمةِ السلطانِ، أو الشيخِ، أو تربةِ الشيخ، أو تربةِ أمه، ونحوِ ذلك؛ ولكن في الحَلِفِ برسولِ اللهِ خاصَّةً فيه خلافٌ (٢). وكثرةُ الحلِفِ مكروهٌ ، ولكن قد يُستحَبُّ إذا كان فيه مصلحةٌ شرعيةٌ، كما أمر نبِيَّه أن يحلفَ في ثلاثِ آيات؛ كقوله: ﴿يسألونك أحقٌّ هو قل إي وربي إنه لحق﴾، ﴿قل بلى وربي لتبعثن﴾، ﴿قل بلى وربي لتأتينكم﴾ (٣).

стр. 873

ومَن حلَف على رجلٍ: لا بدَّ أن يُعطِيَ فلانًا كذا، يعتقدُ أن ذلك الشيءَ عندَه موجودٌ؛ بحيثُ لو علِم أنه قد عدِم لما حلَف، ثم تبيَّنَ أن ذلك قد عدِم: فلا حِنْثَ عليه؛ لأنه حلَف على مستحيلٍ؛ نحوُ: لأطيرَنَّ، أو لأشرَبَنَّ ماءَ الكوزِ، ولا ماءَ فيه؛ وهذا لا يحنَثُ به عندَ جماهيرِ العلماءِ. وله مأخذٌ آخَرُ: وهو أنه حلَف يعتقدُ شيئًا فتبيَّنَ بخلافِه. ومَن اتَّهمَتْه زوجتُه بوَطْءِ جاريتِه ، فعرَّضَ، وحلَف أنه ما وطِئَها؛ فله ذلك؛ كما جرى لابنِ رَواحةَ وأنشَدَ شعرًا: شهدتُّ بأنَّ وعدَ اللهِ حقٌّ … وأنَّ النارَ مَثْوى الكافرينَ وأنَّ العرشَ فَوْقَ الماءِ طافٍ … وفوقَ العرشِ ربُّ العالمينَ وذكر ذلك للنبيِّ ﷺ ، فضحِكَ، وقال: «إنَّ امرأتَكَ لفقيهةٌ» (١)، فهذا قد أظهَرَ لها أنه يقرأُ القرآنَ، ومثلُ هذا لو فعَلَه الرجلُ لغيرِ عذرٍ؛ كان حرامًا بالاتفاقِ. وإذا قال لزوجتِه: إن أبرأتِيني من نفقةِ الأولادِ، أو أخذتِ الأولادَ بالكفالةِ، ونحوَ ذلك من العباراتِ، فأنتِ طالقٌ، فالتزمَتْ بما قال من الإنفاقِ، فإنه يقعُ به الطلاقُ، فإن امتنَعَتْ أُلزِمَتْ بذلك، كما تلزمُ بغيرِه من الحقوقِ.

стр. 874

كِتَابُ الأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ أصلُ عقدِ النَّذْرِ مكروهٌ ؛ لما في الصحيحِ أنه نهى عنه وقالَ: «إنَّهُ لا يأتي بخيرٍ» (١)؛ لكن إن نذَر طاعةً؛ لزِمَه الوفاءُ، ومَن نذَر أن يعصيَه؛ فلا يَعْصِه. ومَن نذَر للقبورِ زيتًا أو شمعًا ونحوَه؛ فقد جعَلَه العلماءُ من قسمِ المعصيةِ الذي لا يجوزُ الوفاءُ به، لأنه ﷺ «لعَن زوَّاراتِ القبورِ، والمُتَّخِذِينَ عليها السُّرُجَ والمساجدَ» رواه أهلُ السُّنَنِ وابنُ حِبَّانَ في «صحيحِه»، وحسَّنه التِّرْمِذيُّ (٢). وكذلك من نذَر لبئر أو شجرةٍ زيتًا أو خَلوقًا، أو نحوَ ذلك؛ فلا يجوزُ بلا نزاعٍ؛ بل هذا من جنسِ عبادةِ الأوثانِ، وقد بلَغ عمرَ أن قومًا يأتونَ الشجرةَ؛ فقطَعَها (٣)، وقد كان للمشركينَ شجرةٌ يُعلِّقونَ عليها

стр. 875

أسلحتَهم يُسمُّونَها: ذاتَ أنواطٍ، فقال المسلمون: اجعَلْ لنا ذاتَ أنواطٍ، فقال: «اللهُ أكبرُ! قُلتُم كما قال قومُ موسى: ﴿اجعل لنا إلها كما لهم آلهة﴾»، ثم قال: «لتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَن كان قبلَكم» (١)، فلا يجوزُ أن يُتَّخَذَ شيءٌ من الآثارِ والأشجارِ والأحجارِ ونحوِها، بحيثُ يُرجَى نفعُه وبَرَكتُه بالنَّذْرِ له، والتمسحِ به، أو تعليقِ شيءٍ عليه، بل كلُّ هذا من جنسِ الشركِ. وأما نذرُ الزيتِ ونحوِه للمسجدِ: فهو من البِرِّ. وأما الوقفُ على قبورِ الأنبياءِ ؛ فإن كان وقفًا على بناءِ المساجدِ عليها، وإيقادِ المصابيحِ؛ فقد تقدَّم حكمُه (٢). والذينَ يقولونَ: إن مِن العُلَماءِ مَن وقَف على قبر النبيِّ ﷺ ، يريدونَ بذلك أنه وقَف على قبرِ أمرِ نبيِّه (٣)؛ خطأٌ منهم في العبارةِ؛ فإن هذا إنما وقف على مَن بالمدينةِ النبويةِ، وليس لذلك اختصاصٌ بالنبيِّ ﷺ ؛ إذ جميعُ ما يصرفُه المسلمونَ من الأموالِ في أنواعِ الوَقْفِ وغيرِه إنما هو بأمرِ النبيِّ ﷺ لقولِه: ﴿ما آتاكم الرسول فخذوه﴾. وكلُّ ما يُنذَرُ له ويُعظَّمُ، مِن الأحجارِ ونحوِها، والقبورِ؛ يجبُ أن

стр. 876

تزالَ؛ لأنه يحصُلُ للناسِ به ضررٌ في دينِهم، كما كسَّر الخليلُ الأصنامَ، وحرَّق موسى العجلَ، وكما كسَّر رسولُ اللهِ الأصنامَ، وحرَّقَها لمَّا فتَح مكةَ (١)، وكتَب أبو موسى إلى عمرَ لمَّا فتَحوا بتُسْتَر قبر دانيالَ، وكانوا يَستفتِحونَ به، فكتَب إليه عمرُ: «احفِرْ بالنهارِ كذا وكذا قبرًا، وادْفِنْه ليلًا في واحدٍ، لئلا يفتتنَ الناسُ به» (٢). ومَن قال: إنه يُشفَى بمثلِ نذرِه لهذه الأشياءِ؛ فهو كاذبٌ؛ بل يُسْتتابُ، فإن تاب وإلا قُتِل، فإنه مكذبٌ للهِ ورسولِه، فإنه قد ثبَتَ أنه قال: «إنَّ النَّذْر لا يأتي بخيرٍ» (٣)، فمَن قال: إنه يأتي بخيرٍ؛ عُرِّف ذلك؛ فإن أصَرَّ فقد شاقَّ الرسولَ من بعدِ ما تبيَّنَ له الهدى. ويُكسَرُ ما يُوقَدُ عندَها من السُّرُجِ، أو يُدفَعُ إلى مَن ينتفعُ به مِن المسلمِينَ. والنَّذْرُ المُطلَقُ مثلُ قولِه: للهِ عليَّ كذا، والوقفُ المُطلَقُ والكفارةُ لا يُصرَفُ ذلك كلُّه إلى غنيٍّ؛ بل إلى من يستحقُّ الزكاة. ولو نذَر لشيخٍ معينٍ على وجهِ الاستغاثةِ به، وطَلَبِ قضاءِ الحاجةِ منه؛ فإنه نَذْرُ معصيةٍ لا يجوزُ الوفاءُ به، وهل عليه كفارةُ يمينٍ؟ على قولَينِ، بخلافِ مَن كان قصدُه الصدقةَ عليه لفقرِه، إحسانًا إليه للهِ تعالى؛ فإن الصدقةَ لا تجوزُ إلا لله.

стр. 877

ومَن نذَر أن يهَبَ فلانًا شيئًا ؛ لم يحصُلِ الوفاءُ بالنذرِ إلا بوجود الهبةِ، فإن قبِلَها؛ فلا كلامَ، وإن لم يقبَلْ؛ فلا شيءَ على الواهبِ، كما لو حلَف: لَيَهَبَنَّ فلانًا، فلم يقبَلْ؛ فإن أصحابَنا وغيرَهم قالوا: إذا حلَف لا يهَبُ، ولا يتصدقُ؛ ففعَلَ، ولم يقبَلِ الموهوبُ له؛ لم يحنَثْ، فهذا في النَّفْيِ، وأما في الإثباتِ؛ إذا حلَف ليهَبَنَّ؛ فإما أن يجريَ مَجْرى الإثباتِ، أو يقالُ: الإثبات يُحمَلُ على الكمالِ (١)، كما يُفرَّقُ في لفظِ النكاحِ وغيرِه بينَ النَّفْيِ والإثباتِ، وقد قالوا في الطلاقِ: إذا وهَب امرأتَه لأهلها فلم يقبَلوها؛ لم يقعْ شيءٌ، وفيه نظَرٌ. وكما لو نذَر عِتقَ معينٍ فمات؛ لأن مستحِقَّ النَّذْرِ إذا كان معيَّنًا؛ لم يستحِقَّه غيرُه. فَصْلٌ ومَن نذَر لقبرٍ من قبورِ النصارى ؛ فإنه يُسْتتابُ؛ بل كلُّ من عظَّم شيئًا من شعائرِ الكفرِ؛ مثلُ: الكنائسِ، أو قبورِ القِسِّيسِينَ، أو يعظِّم الأحياءَ منهم ويرجو برَكَتَهم؛ فإنه كافرٌ يُسْتتابُ. وما نذَره للمسلمِينَ ، ولم يُعرَفْ صاحبُه؛ فإنه يُصرَفُ في مصالِحِ المسلمِينَ. وإذا قال: إن فعلتُ كذا فعليَّ أن أُعتقَ عبدي، أو مالي صدقةٌ، ونحوَه من ألفاظِ الالتزامِ؛ فيُجزِئُه كفارةُ يمينٍ، بخلافِ قولِه: العتقُ

стр. 878

يلزَمُني؛ ففيه نزاعٌ. وإذا أعتقَتْ جاريتَها ، ونيَّتُها أن تُعتِقَها إذا كانت مستقيمةً، فبانت زانيةً؛ جاز لها بَيْعُها، وإن أعتَقَتْها مطلقًا؛ لزِمَها. ومَن نذَر صوم يوم مشروع ، وعجَز عنه لكِبَرٍ، أو مرضٍ لا يُرجَى بُرؤُه؛ كان له أن يُفطِرَ ويُكفِّرَ كفارةَ يمينٍ، أو يُطعِمَ عن كلِّ يومٍ مسكينًا، أو يجمعَ بينَ الأمرينِ؛ على ثلاثةِ أقوالٍ لأحمدَ وغيرِه؛ أحوَطُها: الثالثُ. وإن كان عجزُه لمرضٍ يُرجَى بُرؤُه؛ فإنه يُفطِرُ، ويقضي بدلَ ما أفطَرَ، وهل عليه كفارةُ يمينٍ؟ فيه نزاعٌ؛ لأحمدَ وغيرِه. وإن كان يُمكِنُه الصومُ؛ لكنَّه يُضعِفُه عن واجبٍ؛ مثلُ: الكسبِ الواجبِ؛ فله أن يُفطِرَ، ثم إن أمكنه القضاءُ قضى؛ وإلا فهو كالشيخِ الكبيرِ. وأما صومُ رجبٍ وشعبانَ ؛ ففيه نزاعٌ في مذهَبِ أحمدَ وغيرِه، قيلَ: هو من المشروع، فيجبُ الوفاءُ به، وقيل: بل يُكرَهُ، فيُفطِرُ بعضَ رجبٍ.

стр. 879

بَابٌ فِي أدَبِ القَاضِي يجوزُ للحنفيِّ الحاكمِ أن يَسْتنيبَ شافعيًّا يحكمُ باجتهادِه، وإن خالفَ اجتهادُه اجتهادَ مُسْتنيبِه، ولو شرَط عليه أن يحكمَ بقولِ مُسْتَنيبِه؛ لم يجُزْ هذا الشرطُ. وأيضًا؛ إذا رأى المُسْتَنيبُ قولَ بعضِ الأئمَّةِ أرجحَ من بعضٍ؛ لم يجُزْ له أن يحكمَ بالمرجوحِ؛ بل له أن يحكمَ بالراجحِ، فكيفَ لا يكونُ له أن يستنيبَ مَن يحكمُ بالراجحِ وإن خالَفَ قولَ إمامِه؟! وليس على الخلقِ - لا القضاةِ ولا غيرِهم- أن يطيعوا أحدًا في كلِّ ما يأمرُ به، إلا رسولَ اللهِ ﷺ ، ومَن سواه مِن الأئمَّةِ فإنه يُؤخَذُ من قولِه ويُترَكُ، فيجوزُ لكلٍّ من الأئمةِ أن يَسْتَنيبَ مَن يخالفُه في مذهبِه؛ ليحكمَ بما أنزلَ اللهُ. ومَن باشَرَ القضاءَ معَ عدمِ الأهليةِ المسوغةِ للولايةِ، وأصَرَّ على ذلك، عامِلًا بالجهلِ والظلمِ؛ فهو فاسقٌ، ولا يجوزُ أن يُولَّى خطابةً، ولا تُنفَّذَ أحكامُه وعقودُه كما تُنفذُ أحكامُ العالمِ العادلِ؛ بل من العُلَماءِ من يردُّها كلَّها، وهو قولُ أكثرِ أصحابِ الشافعيِّ وأحمدَ. ومن العُلَماءِ من يُنفِّذُ ما وافقَ الحقَّ؛ لمسيسِ الحاجةِ، ولما يلحَقُ الناسَ من الضررِ، والحقُّ يجبُ اتباعُه؛ سواءٌ قام به البَرُّ أو الفاجرُ،

стр. 880

وهذا هو المشهورُ من مذهَبِ أبي حنيفةَ، ومالكٍ، وطائفةٍ من أصحابِ أحمدَ؛ وهو الراجحُ. وأجمَع المسلمونَ على أن الحاكمَ ليس له أن يقبلَ الرِّشْوةَ؛ وسواءٌ حكم بحقٍّ أو باطلٍ، ولا يحكمُ لنفْسِه، وليس للحاكمِ أن يكونَ له وكيلٌ يُعرَفُ أنه وكيلُه؛ يتَّجِرُ له في بلادِ عملِه، وإذا عُرِف أن الحاكمَ بهذه المثابةِ؛ فإنه يُنهَى عن ذلك، فإن انتهى؛ وإلا استُبدِل مَن هو أصلَحُ منه إن أمكن. وإذا فصَل الحكومةَ بينَه وبينَ غَريمِه حاكمٌ نافذُ الحكمِ في الشرعِ لعلمِه ودينِه؛ لم يكُنْ لغريمِه أن يحاكمَ عندَ حاكمٍ آخَرَ. وإذا قال الحاكمُ: ثَبَت عندي، فهل هو حكمٌ؟ فيه وجهانِ (١). وفي قبولِ شهودِ الفرعِ معَ إمكانِ حضورِ شهود الأصلِ؛ نزاعٌ، والقولُ به مذهب أبي يوسفَ ومحمدٍ. وحديثُ معاذٍ لما بعثَه إلى اليمنِ قال فيه: «فإن لم أجِدْ في سنةِ رسولِ الله حكمتُ برأيي» (٢)؛ طعَن فيه جماعةٌ، ورُوِي في مسانيد السنن، ورواه أبو داودَ، واستدلَّ به طوائفُ من الفقهاءِ وأهلِ الأصولِ في كُتُبِهم، ورُوِي من طرقٍ.
следующие страницы →