← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 32

مختصر الفتاوى المصرية - ط ركائز

بدر الدين البعلي

Полный текст (966 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

تزالَ؛ لأنه يحصُلُ للناسِ به ضررٌ في دينِهم، كما كسَّر الخليلُ الأصنامَ، وحرَّق موسى العجلَ، وكما كسَّر رسولُ اللهِ الأصنامَ، وحرَّقَها لمَّا فتَح مكةَ (١)، وكتَب أبو موسى إلى عمرَ لمَّا فتَحوا بتُسْتَر قبر دانيالَ، وكانوا يَستفتِحونَ به، فكتَب إليه عمرُ: «احفِرْ بالنهارِ كذا وكذا قبرًا، وادْفِنْه ليلًا في واحدٍ، لئلا يفتتنَ الناسُ به» (٢). ومَن قال: إنه يُشفَى بمثلِ نذرِه لهذه الأشياءِ؛ فهو كاذبٌ؛ بل يُسْتتابُ، فإن تاب وإلا قُتِل، فإنه مكذبٌ للهِ ورسولِه، فإنه قد ثبَتَ أنه قال: «إنَّ النَّذْر لا يأتي بخيرٍ» (٣)، فمَن قال: إنه يأتي بخيرٍ؛ عُرِّف ذلك؛ فإن أصَرَّ فقد شاقَّ الرسولَ من بعدِ ما تبيَّنَ له الهدى. ويُكسَرُ ما يُوقَدُ عندَها من السُّرُجِ، أو يُدفَعُ إلى مَن ينتفعُ به مِن المسلمِينَ. والنَّذْرُ المُطلَقُ مثلُ قولِه: للهِ عليَّ كذا، والوقفُ المُطلَقُ والكفارةُ لا يُصرَفُ ذلك كلُّه إلى غنيٍّ؛ بل إلى من يستحقُّ الزكاة. ولو نذَر لشيخٍ معينٍ على وجهِ الاستغاثةِ به، وطَلَبِ قضاءِ الحاجةِ منه؛ فإنه نَذْرُ معصيةٍ لا يجوزُ الوفاءُ به، وهل عليه كفارةُ يمينٍ؟ على قولَينِ، بخلافِ مَن كان قصدُه الصدقةَ عليه لفقرِه، إحسانًا إليه للهِ تعالى؛ فإن الصدقةَ لا تجوزُ إلا لله.

стр. 877

ومَن نذَر أن يهَبَ فلانًا شيئًا ؛ لم يحصُلِ الوفاءُ بالنذرِ إلا بوجود الهبةِ، فإن قبِلَها؛ فلا كلامَ، وإن لم يقبَلْ؛ فلا شيءَ على الواهبِ، كما لو حلَف: لَيَهَبَنَّ فلانًا، فلم يقبَلْ؛ فإن أصحابَنا وغيرَهم قالوا: إذا حلَف لا يهَبُ، ولا يتصدقُ؛ ففعَلَ، ولم يقبَلِ الموهوبُ له؛ لم يحنَثْ، فهذا في النَّفْيِ، وأما في الإثباتِ؛ إذا حلَف ليهَبَنَّ؛ فإما أن يجريَ مَجْرى الإثباتِ، أو يقالُ: الإثبات يُحمَلُ على الكمالِ (١)، كما يُفرَّقُ في لفظِ النكاحِ وغيرِه بينَ النَّفْيِ والإثباتِ، وقد قالوا في الطلاقِ: إذا وهَب امرأتَه لأهلها فلم يقبَلوها؛ لم يقعْ شيءٌ، وفيه نظَرٌ. وكما لو نذَر عِتقَ معينٍ فمات؛ لأن مستحِقَّ النَّذْرِ إذا كان معيَّنًا؛ لم يستحِقَّه غيرُه. فَصْلٌ ومَن نذَر لقبرٍ من قبورِ النصارى ؛ فإنه يُسْتتابُ؛ بل كلُّ من عظَّم شيئًا من شعائرِ الكفرِ؛ مثلُ: الكنائسِ، أو قبورِ القِسِّيسِينَ، أو يعظِّم الأحياءَ منهم ويرجو برَكَتَهم؛ فإنه كافرٌ يُسْتتابُ. وما نذَره للمسلمِينَ ، ولم يُعرَفْ صاحبُه؛ فإنه يُصرَفُ في مصالِحِ المسلمِينَ. وإذا قال: إن فعلتُ كذا فعليَّ أن أُعتقَ عبدي، أو مالي صدقةٌ، ونحوَه من ألفاظِ الالتزامِ؛ فيُجزِئُه كفارةُ يمينٍ، بخلافِ قولِه: العتقُ

стр. 878

يلزَمُني؛ ففيه نزاعٌ. وإذا أعتقَتْ جاريتَها ، ونيَّتُها أن تُعتِقَها إذا كانت مستقيمةً، فبانت زانيةً؛ جاز لها بَيْعُها، وإن أعتَقَتْها مطلقًا؛ لزِمَها. ومَن نذَر صوم يوم مشروع ، وعجَز عنه لكِبَرٍ، أو مرضٍ لا يُرجَى بُرؤُه؛ كان له أن يُفطِرَ ويُكفِّرَ كفارةَ يمينٍ، أو يُطعِمَ عن كلِّ يومٍ مسكينًا، أو يجمعَ بينَ الأمرينِ؛ على ثلاثةِ أقوالٍ لأحمدَ وغيرِه؛ أحوَطُها: الثالثُ. وإن كان عجزُه لمرضٍ يُرجَى بُرؤُه؛ فإنه يُفطِرُ، ويقضي بدلَ ما أفطَرَ، وهل عليه كفارةُ يمينٍ؟ فيه نزاعٌ؛ لأحمدَ وغيرِه. وإن كان يُمكِنُه الصومُ؛ لكنَّه يُضعِفُه عن واجبٍ؛ مثلُ: الكسبِ الواجبِ؛ فله أن يُفطِرَ، ثم إن أمكنه القضاءُ قضى؛ وإلا فهو كالشيخِ الكبيرِ. وأما صومُ رجبٍ وشعبانَ ؛ ففيه نزاعٌ في مذهَبِ أحمدَ وغيرِه، قيلَ: هو من المشروع، فيجبُ الوفاءُ به، وقيل: بل يُكرَهُ، فيُفطِرُ بعضَ رجبٍ.

стр. 879

بَابٌ فِي أدَبِ القَاضِي يجوزُ للحنفيِّ الحاكمِ أن يَسْتنيبَ شافعيًّا يحكمُ باجتهادِه، وإن خالفَ اجتهادُه اجتهادَ مُسْتنيبِه، ولو شرَط عليه أن يحكمَ بقولِ مُسْتَنيبِه؛ لم يجُزْ هذا الشرطُ. وأيضًا؛ إذا رأى المُسْتَنيبُ قولَ بعضِ الأئمَّةِ أرجحَ من بعضٍ؛ لم يجُزْ له أن يحكمَ بالمرجوحِ؛ بل له أن يحكمَ بالراجحِ، فكيفَ لا يكونُ له أن يستنيبَ مَن يحكمُ بالراجحِ وإن خالَفَ قولَ إمامِه؟! وليس على الخلقِ - لا القضاةِ ولا غيرِهم- أن يطيعوا أحدًا في كلِّ ما يأمرُ به، إلا رسولَ اللهِ ﷺ ، ومَن سواه مِن الأئمَّةِ فإنه يُؤخَذُ من قولِه ويُترَكُ، فيجوزُ لكلٍّ من الأئمةِ أن يَسْتَنيبَ مَن يخالفُه في مذهبِه؛ ليحكمَ بما أنزلَ اللهُ. ومَن باشَرَ القضاءَ معَ عدمِ الأهليةِ المسوغةِ للولايةِ، وأصَرَّ على ذلك، عامِلًا بالجهلِ والظلمِ؛ فهو فاسقٌ، ولا يجوزُ أن يُولَّى خطابةً، ولا تُنفَّذَ أحكامُه وعقودُه كما تُنفذُ أحكامُ العالمِ العادلِ؛ بل من العُلَماءِ من يردُّها كلَّها، وهو قولُ أكثرِ أصحابِ الشافعيِّ وأحمدَ. ومن العُلَماءِ من يُنفِّذُ ما وافقَ الحقَّ؛ لمسيسِ الحاجةِ، ولما يلحَقُ الناسَ من الضررِ، والحقُّ يجبُ اتباعُه؛ سواءٌ قام به البَرُّ أو الفاجرُ،

стр. 880

وهذا هو المشهورُ من مذهَبِ أبي حنيفةَ، ومالكٍ، وطائفةٍ من أصحابِ أحمدَ؛ وهو الراجحُ. وأجمَع المسلمونَ على أن الحاكمَ ليس له أن يقبلَ الرِّشْوةَ؛ وسواءٌ حكم بحقٍّ أو باطلٍ، ولا يحكمُ لنفْسِه، وليس للحاكمِ أن يكونَ له وكيلٌ يُعرَفُ أنه وكيلُه؛ يتَّجِرُ له في بلادِ عملِه، وإذا عُرِف أن الحاكمَ بهذه المثابةِ؛ فإنه يُنهَى عن ذلك، فإن انتهى؛ وإلا استُبدِل مَن هو أصلَحُ منه إن أمكن. وإذا فصَل الحكومةَ بينَه وبينَ غَريمِه حاكمٌ نافذُ الحكمِ في الشرعِ لعلمِه ودينِه؛ لم يكُنْ لغريمِه أن يحاكمَ عندَ حاكمٍ آخَرَ. وإذا قال الحاكمُ: ثَبَت عندي، فهل هو حكمٌ؟ فيه وجهانِ (١). وفي قبولِ شهودِ الفرعِ معَ إمكانِ حضورِ شهود الأصلِ؛ نزاعٌ، والقولُ به مذهب أبي يوسفَ ومحمدٍ. وحديثُ معاذٍ لما بعثَه إلى اليمنِ قال فيه: «فإن لم أجِدْ في سنةِ رسولِ الله حكمتُ برأيي» (٢)؛ طعَن فيه جماعةٌ، ورُوِي في مسانيد السنن، ورواه أبو داودَ، واستدلَّ به طوائفُ من الفقهاءِ وأهلِ الأصولِ في كُتُبِهم، ورُوِي من طرقٍ.

стр. 881

وبكلِّ حالٍ؛ يجوزُ اجتهادُ الرأيِ للقاضي والمفتي إذا لم يجِدِ الحادثة في نصِّ الكتابِ والسُّنَّةِ؛ كقولِ جماهيرِ السَّلَفِ وأئمةِ الفقهاءِ؛ كمالكٍ، والأوزاعيِّ، والثوريِّ، وأبي حنيفةَ، والشافعيِّ، وأحمدَ بنِ حنبلٍ، وأبي عُبَيدٍ، وغيرِهم، واستدلوا على ذلك بدلائلَ؛ مثلُ: كتابِ عمرَ إلى أبي موسى: «اعرِفِ الأشباهَ والنظائرَ، وقِسِ الأمورَ برأيِكَ» (١). وقد تكونُ تلك الحكومةُ في الكتابِ والسُّنَّةِ على وجهٍ خفيٍّ، لم يُدرِكْه، أو تكونُ مركبةً من مقدمتينِ بآيتين؛ الكتابِ والسُّنَّةِ، لكنَّه لم يتفطَّنْ لذلك؛ فيجوزُ له أن يجتهدَ برأيِه حينئذٍ؛ لكونِه لم يجِدْ تلك في الكتابِ ولا في السُّنَّةِ، وإن كانت فيهما. ثم قولُه: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾؛ وإن كان قد يكونُ الماءُ تحتَ الأرضِ، وهو لا يَعرفُ به، وكذلك قولُه: ﴿فمن لم يجد فصيام شهرين﴾، و ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾. والقياسُ الذي يسوغُ؛ مثلُ أن يردَّ القضيةَ إلى نظيرِها الثابتِ بالكتابِ والسُّنَّةِ، أو يَفهمَ علةَ الحكمِ التي حكَم الشارعُ لأجلِها، ويجدَها في الصورةِ التي لم يجدْها في النصِّ، وهذا من قياسِ التعليلِ، والأولُ قياسُ التمثيلِ.

стр. 882

وليس له أن يحكمَ بما شاءَ، ومن جوَّز ذلك؛ فهو كافرٌ باتِّفاقِ المسلمِينَ، وليس هذا مختصًّا بمعاذٍ ﵁. وليس للحاكمِ منعُ الناسِ مما أباحَه اللهُ ورسولُه؛ مثلُ: أن يمنعَ أن يزوجَ المرأةَ ولِيُّها بحضورِ شاهدَين، أو يمنعَ الشهودَ أو غيرَهم من كتابةِ مهرِها، أو من كتابةِ عقدِ بيعٍ، أو إجارةٍ، أو إقرارٍ، أو غيرِ ذلك، وإن كان الكاتبُ مُرتَزقًا بذلك. وإذا منَع القاضي ذلك ليصِير إليه منافعُ هذه الأمورِ؛ كان هذا من المَكْسِ، نظيرُ مَن يستأجِرُ حانوتًا في القريةِ على ألا يبيعَ غيرُه، وإن كان منَعَ الجاهلين لئلا يعقِدَ عقدًا فاسدًا، فالطريقُ أن يفعلَ كما فعَل الخلفاءُ الراشدونَ مِن تعزيرِ مَن يعقدُ نكاحًا فاسدًا، كما فعَلَه عثمانُ فيمن تزوَّجَ بغيرِ وَلِيٍّ، وفيمن تزوَّجَ في العِدَّةِ (١). وهل يجبُ على الشخصِ أن يلتزمَ مذهبًا واحدًا بعينِه، يأخذُ بعزائمِه ورُخَصِه؟ فيه نزاعٌ في مذهَبِ الشافعيِّ وأحمدَ، وجمهورُ العُلماءِ: على أنه لا يجبُ على أحدٍ أن يقلِّدَ شخصًا بعينِه، ولا يلتزمَ مذهبًا بعينِه فيما يوجبُه ويحرمُه، وهذا هو الصوابُ؛ فإنه يقتضي تنزيلَ الشخصِ الواحدِ المُعيَّنِ منزلةَ رسولِ اللهِ ﷺ ، وذلك غيرُ جائزٍ؛ لكن من عجَز عن الاجتهادِ؛ جاز له التقليدُ، وهل يجبُ عليه الاجتهاد في أعيانِ المفتينَ،

стр. 883

فيقلِّدُ أعلَمَهم، وأديَنَهم، أم يقلِّدُ مَن شاءَ؟ على قولَينِ في مذهَبِ أحمدَ والشافعيِّ وغيرِهما. ونهى العلماءُ عن اتباعِ رُخَصِ المذاهبِ؛ لأن هذا يُفضي إلى الانحلالِ (١). والاجتهادُ يقبلُ التجزؤ والانقسامَ ؛ بل قد يكونُ الرجلُ مجتهدًا في مسألةٍ، أو صنفٍ من العلمِ، ويكونُ غيرَ مجتهدٍ في مسألةٍ أخرى، أو صنفٍ آخَرَ؛ بل أكثرُ مَن عندَه تميزٌ من العلم من المتوسطينَ؛ إذا نظَرَ في مسائلِ النِّزاعِ، وتأمَّلَ أدلةَ الفريقينِ بقصد حسَنٍ ونظَرٍ تامٍّ؛ ترجَّح عندَه أحدُ القولَينِ، ولكن قد لا يثق بنظَرِه، والواجبُ على مثلِ هذا أن يتَّبعَ القولَ الذي ترجَّح عندَه من غيرِ دعوى منه للاجتهادِ؛ بل بمنزلةِ المجتهدِ في أعيانِ المفتينَ والأئمَّةِ، وإذا ترجَّح عندَه أن أحدَهما أعلمُ قلَّده، ولا شكَّ أن معرفةَ الحكمِ بدليلِه أيسَرُ وأسلمُ عن الجهلِ والهوى، فإذا جُوِّز للرجلِ أن يقلِّدَ الشخصَ فيما يقولُه لاعتقادِه أنه أعلمُ؛ فلأَنْ يُجوزَ له أن يقلِّدَ صاحبَ القولِ الذي تبيَّنَ له رُجْحانُ قولِه بالأدلةِ الشرعيةِ أَوْلى وأَحْرى. وقد قال بعضُ أهلِ الكلامِ: يجبُ على كلِّ أحدٍ أن يجتهدَ في كلِّ مسألةٍ تنزلُ به، ولا يقلدَ أحدًا من الأئمَّةِ، وهذا قولٌ ضعيفٌ خطأٌ،

стр. 884

والأئمَّةُ على خلافِه، فإن أكثرَ آحادِ العامةِ يعجِزُ عن معرفةِ الاستدلالِ في كلِّ مسألةٍ يحتاجُ إلى معرفتِها؛ بل أكثرُ المشتغلينَ بالفقهِ يعجِزُ عن ذلك، وهؤلاءِ الأئمة المجتهدونَ المشهورونَ كان لهم من الاجتهادِ في معرفةِ الأحكامِ وإظهارِ الدينِ للأنام ما فضَّلَهم اللهُ به على غيرِهم. ومن ظنَّ أنه يعرفُ الأحكامَ من الكتابِ والسُّنَّةِ بدونِ معرفتِه بما قاله هؤلاءِ الأئمَّةُ وأمثالُهم؛ فهو غالطٌ مخطئٌ؛ فإن كان ولا بدَّ من معرفةِ الاجتماعِ والاختلافِ؛ فلا بدَّ من معرفةِ ما يستدلُّ به المخالفُون، وما استخرجوه من أدلةِ الكتابِ والسُّنَّةِ، وهذا ونحوُه لا يُعرَفُ إلا بمعرفةِ أقوالِ أئمة أهلِ الاجتهادِ، وأَعْلى هؤلاءِ الصحابةُ ﵃، فمنَّ ظن أنه يأخذُ من الكتابِ والسُّنَّةِ بدونِ أن يقتديَ بالصحابةِ، ويتبعُ غيرَ سبيلِهم؛ فهو من أهلِ البِدَعِ والضلالِ. ومن خالفَ ما أجمَع عليه المؤمنونَ؛ فهو ضالٌّ، وفي تكفيرِه نزاعٌ وتفصيلٌ. ومَن ادَّعى العصمةَ في كلِّ ما يقولُه لأحدٍ بعدَ الرسولِ ﷺ ؛ فهو ضالٌّ، وفي تكفيرِه نزاعٌ وتفصيلٌ. ومن قلَّد من يسوغُ له تقليدُه ؛ فليس له أن يجعلَ قولَ متبوعِه هو أصحَّ من غيرِه (١) بالهوى بغيرِ هدًى من اللهِ، ولا يجعلَ متبوعَه مِحْنةً للناسِ، من وافَقَه والَاهُ، ومَن خالفَه عاداهُ، فإن هذا مما حرَّمه اللهُ ورسولُه باتِّفاقِ

стр. 885

المؤمنينَ؛ بل يجبُ على المؤمنينَ أن يكونوا كما قال اللهُ تعالى: ﴿يا أيها الذينَ آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المُنكَرِ وأولئكَ هم المفلحون ولا تكونوا كالذينَ تفرقوا واختلفوا من بعدَ ما جاءهم البينات وأولئكَ لهم عذاب عظيم يوم تبيض وجوه وتسود وجوه﴾، قال ابنُ عبَّاسٍ: «تبيَضُّ وجوهُ أهلِ السُّنَّةِ والجماعةِ، وتسوَدُّ وجوهُ أهلِ البدعةِ والفرقةِ» (١). وفي جوازِ تقليدِ الميتِ قولانِ في مذهَبِ أحمدَ وغيرِه. فَصْلٌ أولياءُ اللهِ هم المؤمنونَ المتقونَ ؛ كما قال: ﴿ألا إن أولياء اللهِ لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذينَ آمنوا وكانوا يتقون﴾، وهم على درجتينِ: أحدهما: درجةُ المقتصدينَ أصحابِ اليمينِ، وهم الذينَ يؤدونَ الواجباتِ، ويتركونَ المحرماتِ.

стр. 886

والثانيةُ: درجةُ السابقينَ المُقرَّبِينَ، وهم الذينَ يؤدونَ الفرائضَ والنوافلَ، ويتركونَ المحارمَ والمكارهَ، وإن كان لا بدَّ لكلِّ عبدٍ من توبةٍ واستغفارٍ يكملُ بذلك مقامُه. فمن كان عالمًا بما أمَره اللهُ به وما نهاه عنه، عاملًا بموجَبِ ذلك؛ كان من أولياءِ اللهِ؛ سواءٌ كانت لِبْستُه في الظاهرِ لِبْسةَ العلماءِ، أو الفقراءِ، أو الجندِ، أو التجارِ الصُّنَّاعِ، أو الفلاحينَ؛ لكن إن كان معَ ذلك متقربًا إلى اللهِ بالنوافلِ كان من المُقرَّبِينَ، وإن كان معَ ذلك داعيًا لغيرِه إلى اللهِ، هاديًا للخلقِ؛ كان أفضلَ من غيرِه من أولياءِ اللهِ، كما قال: ﴿يرفع الله الذينَ آمنوا منكم والذينَ أوتوا العلم درجات﴾، قال ابنُ عبَّاسٍ: «للعُلماءِ درجات فوق المؤمنين بسبعمائة درجة» (١)، وقال ﷺ : «العلماءُ وَرَثةُ الأنبياءِ؛ إن الأنبياءَ لم يُورِّثوا دينارًا ولا دِرْهمًا، إنما ورَّثوا العلمَ، فمَن أخَذَ به فقد أخَذَ بحَظٍّ وافرٍ»، وقال: «فضلُ العالِمِ على العابدِ كفضلِ القمرِ ليلةَ البدرِ على سائرِ الكواكبِ» رواهما أهلُ السُّنَنِ (٢). إذا تبيَّنَ ذلك؛ فمن كان جاهلًا بما أمَره به وما نهاه عنه؛ لم يكُنْ

стр. 887

وليًّا للهِ، وإن كان فيه زهادةٌ وعبادةٌ لم يأمُرِ اللهُ بها ورسولُه، كالزهدِ والعبادةِ التي كانت في الخوارجِ والرُّهْبانِ ونحوِهم، كما أن مَن كان عالمًا بأمرِ اللهِ ونَهْيِه، ولم يكُنْ عاملًا بذلك؛ لم يكُنْ من أولياءِ اللهِ؛ بل قد يكونُ فاسقًا فاجرًا، كما قال ﷺ : «مثلُ المؤمنِ الذي يقرأُ القرآنَ كالأُتْرُجَّةِ؛ طعمُها طيبٌ، وريحُها طيبٌ، ومثلُ المؤمنِ الذي لا يقرأُ القرآنَ مثلُ التَّمرةِ (١)؛ طعمُها طيبٌ، ولا ريحَ لها، ومثلُ المنافقِ الذي يقرأُ القرآنَ مثلُ الرَّيْحانةِ؛ ريحُها طيبٌ، وطعمُها مرٌّ، ومثلُ المنافقِ الذي لا يقرأُ القرآنَ مثلُ الحَنْظَلةِ؛ طعمُها مرٌّ، ولا ريحَ لها» (٢). ويقالُ: (ما اتخذَ اللهُ وليًّا جاهلًا)؛ أي: جاهلًا بما أمَره الله ونهاه، فأما من عرَف ما أمَر اللهُ به، وما نهى عنه، وعمِل بذلك فهو وليٌّ للهِ، وإن لم يقرأِ القرآنَ كلَّه، وإن لم يُحسِنْ أن يُفتِيَ الناسَ ويقضيَ بينَهم. فأما الذي يُرائي بعملِه الذي ليس بمشروعٍ، فهذا بمنزلةِ الفاسقِ الذي ينسبُ إلى العلمِ، ويكونُ علمُه من الكلامِ المخالفِ للكتابِ والسنةِ، فكلٌّ من هذينِ بعيدٌ عن ولايةِ اللهِ تعالى، بخلافِ العالمِ الفاجرِ الذي يقولُ ما يوافقُ الكتابَ والسُّنَّةَ، والعابدِ الجاهلِ الذي يقصِدُ بعبادتِه الخيرَ، فإن كلًّا من هذينِ مخالفٌ لأولياءِ اللهِ من وجهٍ دونَ وجهٍ، فقد يكونُ في الرجلِ بعضُ خصالِ أولياءِ اللهِ دونَ بعضٍ، وقد يكونُ فيما تركه معذورًا بخطأٍ أو نسيانٍ، وقد لا يكونُ معذورًا.

стр. 888

ومَن قال: إن الأولياءَ أفضلُ من الأنبياء؛ فإنه كافر يستتاب، فإن العلم بأن الأنبياء أفضل من جميعِ الخلقِ؛ أظهرُ عندَ جميعِ المللِ من أن يُشَكَّ فيه؛ بل هو ضرورة، وأن الرُّسُلَ أفضلُ الأنبياءِ، وأن أولي العزمِ؛ كنوحٍ وإبراهيمَ وموسى وعيسى ومحمدٍ؛ أفضلُ من سائرِ المرسلين، وأن محمدًا سيِّدُ ولدِ آدَمَ، وليس هذا مما يحتاجُ أن يُثبَتَ بحديثٍ ولا أثرٍ، فقد رتَّب سُبْحانَه خلْقَه فقال: ﴿فأولئكَ معَ الذينَ أنعم الله عليهم من النبيين والصدِّيقين والشهداء والصالحين﴾، فرتَّبَهم على أربعِ طبقاتٍ. وأجمَع المسلمونَ على أن مَن سبَّ نبيًّا؛ فقد كفَر، ومن سبَّ أحدًا من الأولياءِ الذينَ ليسوا بأنبياءَ؛ فإنه لا يكفُرُ إلا إذا كان سَبُّه مخالفًا لأصلٍ من أصولِ الإيمانِ؛ مثلُ: أن يتخذَ ذلك دينًا، وقد علم أنه ليس بدينٍ، وعلى هذا ينبني التَّنازعُ في تكفيرِ الرافضةِ. وقد اتَّفقَ المسلمونَ على أنَّ (١) خيرَ الأممِ؛ أمةُ محمدٍ ﷺ ، وخيرَ الأمةِ؛ أصحابُ نبِيِّها، وأفضَلَهم السابقونَ الأولونَ، وأفضَلَهم أبو بكرٍ، ثم عمرُ، ثم عثمانُ، ثم عليٌّ. ومن كان رسولًا فقد اجتمَعتْ فيه ثلاثةُ أصنافٍ: الرسالةُ، والنبوةُ، والولايةُ، ومَن كان نبِيًّا فقد اجتَمعَ فيه الصفتانِ، ومَن كان وليًّا فقط؛ لم يكُنْ فيه إلا صفةٌ واحدةٌ، ومَن كان لكتابِ اللهِ أتبعَ؛ فهو بولايتِه أحقُّ.

стр. 889

وقد أجمَع المسلمونَ على أن موسى أفضلُ من الخَضِرِ، فمن قال: إن الخَضِرَ أفضلُ؛ فقد كفَر، وسواءٌ قيلَ: إن الخَضِرَ نبِيٌّ، أو ولِيٌّ، والجمهورُ على أنه ليس بنبِيٍّ؛ بل أنبياءُ بني إسرائيلَ الذينَ اتبعوا النور، وذكَرهم اللهُ؛ كداودَ وسليمانَ، أفضَلُ من الخَضِرِ؛ بل على قولِ الجمهورِ أنه ليس بنبِيٍّ، فأبو بكرٍ وعمرُ ﵄ أفضلُ منه، وكونُه يعلمُ مسائلَ لا يعلمُها موسى؛ لا يوجبُ أن يكونَ أفضلَ منه مطلقًا، كما أن الهدهدَ لما قال: ﴿أحطت بما لم تحط به﴾؛ لم يكُنْ أفضلَ من سليمانَ، وكما أن الذينَ كانوا يُلقِّحونَ النخلَ لَمَّا كانوا أعلمَ بالفلاحة من الأنبياء؛ لم يجبْ ذلك أن يكونوا أفضلَ من النبي، وقد قال لهم: «أنتم أعلمُ بأمورِ دُنْياكم، وأما ما كان من أمرِ دينِكم فإليَّ» (١). وأبو بكرٍ وعمرُ وعثمانُ وعليٌّ كانوا يتعلمونَ ممن هو دونَهم عِلْمَ الدينِ الذي ليس هو عندَهم، وقال: «لم يَبْقَ بعدي من النبوةِ إلا الرؤيا الصالحةُ» (٢)، ومعلومٌ أن ورثتَه (٣) في العلمِ أفضلُ ممن حصَلتْ (٤) الرؤيا الصالحةُ، وغايةُ الخَضِرِ أن يكونَ عندَه من الكشفِ ما هو جزءٌ من أجزاءِ النبوةِ، فكيفَ يكونُ أفضلَ من نبِيٍّ؟! فكيفَ بالرسولِ، فكيفَ بأولي العزمِ؟!

стр. 890

فَصْلٌ ومَن تعبَّدَ بالصمتِ ، أو بالقيامِ بالشمسِ، أو بالجلوسِ، أو العُرْيِ، ونحوِ ذلك؛ فهو ضالٌّ، يجبُ أن يُنكَرَ عليه. وأما السلامُ على الشيخِ عَقيبَ الأذانِ، أو كُسْوةُ قبرِه بالثيابِ؛ فقد اتَّفقَ الأئمَّةُ على أنه يُنكَرُ إذا فُعِل بقبورِ الأنبياءِ والصالحينَ، فكيفَ بقبرِ مجنونٍ أو ضالٍّ. وكذلك مَن ترَك أكلَ الخبزِ أو شربَ الماءِ تزهُّدًا في الدنيا، وتقربًا إلى اللهِ؛ فهو جاهلٌ مبتدعٌ ضالٌّ عاصٍ للهِ ورسولِه، ناقصُ العقلِ، أو نصابٌ مخادعٌ، والغالبُ على مَن يفعلُ ذلك أن يكونَ كذابًا نصَّابًا يستحِقُّ هو ومَن يُعظِّمُه على ذلك العقوبةَ البليغةَ. وقد اختلفَ الفقهاءُ في الصمتِ ؛ هل هو حرامٌ، أو مكروهٌ؟ والتحقيقُ: أنه إذا طال حتى يتضمَّنَ تركَ الكلامِ الواجبِ؛ صار حرامًا، كما قال الصدِّيقُ (١).

стр. 891

فَصْلٌ والتوبةُ النَّصوحُ ؛ فقد قال عمرُ بنُ الخطابِ ﵁ وغيرُه من السَّلَفِ: «هي أن يتوبَ ثم لا يعودَ» (١)، ومن تاب، ثم عاد؛ فعليه أن يتوبَ مرةً ثانيةً، ثم إن عاد فعليه أن يتوبَ، وكذلك كلما أذنَبَ، ولا ييأسُ من رَوْحِ اللهِ (٢). وإن لم تكُنِ التوبةُ الأولى نَصوحًا ؛ فإذا عاد إلى التوبةِ مرةً بعدَ مرةٍ؛ مَنَّ عليه في آخِرِ الأمرِ بتوبةٍ نَصوحٍ. والتائبُ إذا كانت نيتُه خالصةً محضةً لم يشُبْها قصدٌ آخَرُ؛ فإنه لا يعودُ إلى الذنبِ، فإنه إنما يعودُ لبقايا غشٍّ كانت في نفْسِه، وقد قيلَ: إنه قد يعودُ مَن تاب توبةً نَصوحًا. وقد يُقالُ: الأولُ أرجحُ، فإن الإيمانَ إذا خالطتْ بَشاشتُه القلوبَ؛ لم يسخَطْه أحد، والقلبُ إذا باشر حقيقةَ الإيمانِ لم يترُكْه، وهذا أصلٌ قد تنازَعَ فيه الناسُ، وهو أن مَن خُتِم له بسوءٍ: هل يُقالُ: إنه كان في أصلِ عملِه غِشٌّ عاد إليه، أو كان عملُه الأولُ خالصًا لا غشَّ فيه؟ على قولَينِ، والتوبةُ من هذا النوع.

стр. 892

والاستقراءُ يدلُّ على أنه إذا خلَص الإيمانُ إلى القلبِ لم يرجِعْ عنه؛ ولكن قد يحصلُ له اضطرابٌ، ويُلقي الشيطانُ في قلبِه وساوسَ وخَطَراتٍ، ويُوجِدُ فيه هَمٌّ، وأمثالُ ذلك، كما شكا أصحابُ رسولِ اللهِ ﷺ ، فقالوا: «إن أحدَنا ليَجِدُ في نفْسِه ما لأَنْ يحترِقَ حتى يصيرَ حُمَمةً (١)، أو يخرَّ من السماءِ، أحبُّ إليه من أن يتكلمَ به»، فقال: «أوقَدْ وجدتُّموه؟» فقالوا: «نعم»، فقال: «ذلك صَريحُ الإيمانِ»، وقال: «الحمدُ للهِ الذي ردَّ كيدَه إلى الوسوسةِ»، والحديثُ في «مسلمٍ» (٢). فكراهةُ هذه الوساوسِ هي صريحُ الإيمانِ، والتائبُ يجد في نفْسِه من الهمِّ والوساوسِ والميلِ معَ كراهتِه لذلك ونفور قلبِه ما لا يُخرِجُه ذلك عن كونِه توبةً نَصوحًا، قال الإمامُ أحمدُ: (الهَمُّ همانِ: همُّ خَطَراتٍ، وهمُّ إصرارٍ) (٣)، وكان همُّ يوسفَ همَّ خَطَراتٍ، فترَك ما همَّ به لله، فكتبَ اللهُ له حسنةً، ولم يكتبْ عليه سيئةً، وكان همُّ المرأة همَّ إصرارٍ، فكذَبَت، وراودَتْ، وظلمَتْ؛ لأجلِ مرادِها. وقد تنازَعَ الناسُ في العزمِ: هل يُؤاخَذُ به بدونِ العملِ؟ على قولَينِ، والصوابُ: أن العزمَ الجازمَ متى اقترَنَ به القدرةُ؛ فلا بدَّ من وجودِ العملِ، فإذا كان العازمُ قادرًا، ولم يفعلْ ما عزَم عليه؛ فليس

стр. 893

عزمُه جازمًا، فيكونُ من بابِ الهمِّ الذي لا يُؤاخَذُ به، ولهذا مَن عزَم على معصيةٍ فعَل مقدماتِها، ولو أنه خطوةٌ برجلِه، أو نظرةٌ بعينِه، فإذا عجَز عن إتمامِ مقصودِه بها؛ يُعاقَبُ؛ لأنه فعل ما قدَر عليه. فَصْلٌ ولم يكُنْ من عادة الصحابةِ أن يقوموا للنبيِّ ﷺ ؛ لما يكرهه، ولا بعضُهم لبعضٍ، بل رُوِي أنه كان يقومُ لمن قدِم من مَغيبِه، فالقيامُ لمثلِ القادمِ مِن السفَرٍ لا بأسَ به، فقد رخَّص في القيامِ للإمامِ العادلِ، والوالدِ، ونحوِ ذلك، ورُوِي أنه قام لعِكْرِمةَ بنِ أبي جهلٍ، وجعفرِ بنِ أبي طالبٍ، لَمَّا قدِما (١)، وقال للأنصارِ: «قوموا إلى سيِّدِكم»؛ يعني: سعدَ بنَ معاذٍ (٢)، ولهذا فرقوا بينَ القيامِ إليه لتلَقِّيه - كما قال كعب: «لم يقُمْ إليَّ أحدٌ من الأنصارِ إلا طلحةَ» (٣) - وبينَ القيامِ له، وهو أن يكونَ قاعدًا وهم قيامٌ، فهذا لا يجوزُ. والذي ينبغي للناسِ أن يعتادوا السُّنَّةَ في تركِ القيامِ المتكررِ للقاءِ،

стр. 894

ولكن إذا اعتاد الناسُ القيامَ، وقدِم مَن لا يرى كرامتَه إلا بالقيامِ له، وإذا تُرِك ذلك توَهَّمَ نقصَه، وتولَّدَ من ذلك عداوةٌ وشرٌّ؛ فالقيامُ له على هذا الوجهِ لا بأسَ به، وإنما الأعمالُ بالنياتِ. وأما تقبيلُ اليدِ ؛ فلم يكونوا يعتادونَه إلا قليلًا، ولما قدِموا عليه عامَ مؤتةَ قبَّلوا يدَه، وقالوا: نحن الفَرَّارُونَ، قال: «بل أنتم العَكَّارونَ» (١)، وقبَّل أبو عُبَيدةَ يدَ عمرَ (٢)، وأرخص أكثرُ الفقهاءِ - أحمدُ وغيرُه - لمن فعَل ذلك على وجهِ التديُّنِ، لا على وجهِ التعظيمِ للدنيا، وكرِه ذلك آخرونَ؛ كمالكٍ وغيرِه، وقال سليمانُ بنُ حربٍ: (هي السجدةُ الصغرى). وأما ابتداءُ مدِّ اليدِ للناسِ ليُقبِّلوها، وقصْدُه لذلك؛ فيُنهَى عن ذلك بلا نزاعٍ؛ كائن من كان، بخلافِ ما إذا كان المُقبِّلُ هو المبتدئَ بذلك، وفي «السننِ» قالوا: يا رسولَ اللهِ، الرجل يلتقي أخاه، أيَنْحني له؟ قال: «لا»، قالوا: فيلتزِمُه ويعانِقُه؟ قال: «لا»، قالوا: فيصافِحُه؟ قال: «نعم» (٣).

стр. 895

ونَهْيُه لأبي ذرٍّ عن الحُكمِ وتولِّي مالِ اليتيمِ لما رآه ضعيفًا (١)، لا أنه نهاه مطلقًا. وأما سؤالُ الولايةِ؛ فقد ذمَّه (٢)، وأما سؤالُ يوسفَ، وقولُه: ﴿اجعلني على خزائن الأرض﴾؛ فلأنَّه كان طريقًا إلى أن يدعوَهم إلى اللهِ، ويعدلَ بينَ الناسِ، ويفعلَ من الخيرِ ما لم يفعلوه، معَ أنهم لم يكونوا يعرفونه ويعرفونَ حالَه، وقد عَلِم بتعبيرِ الرؤيا ما يؤولُ إليه حالُ الناسِ، فهذه الأحوالُ ونحوُها ما يُوجِبُ الفرقَ بينَ مثلِ هذه الحالِ وبينَ ما نُهي عنه. وأيضًا: فليسَتْ هذه إمارةً تخصه، إنما هي أمانةٌ، وقد يُقالُ: هذا شرعُ مَن قبلَنا. وقد تنازَعَ العلماءُ في سؤالِ الإنسانِ القضاءَ ونحوَه، فقال أكثرُهم: يُكرَهُ وإن كان صالحًا له، وهو مذهَبُ مالكٍ وأحمدَ وغيرِهما، وقال بعضُهم: ينبغي أن يسألَ إذا كان متعيِّنًا له، وربما قيلَ: إذا كانت ولايتُه أفضلَ له، وأما الإمامُ فينبغي ألا يُولِّيَ مَن سأل إذا أمكنَه أن يُولِّيَ المستحِقَّ بغيرِ سؤالٍ.

стр. 896

فَصْلٌ أما عِشيْرةُ النبيِّ ﷺ الأقربون التي قال الله تعالى فيها: ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾، فقيلَ: إنها قريشٌ كلُّها؛ لأنه لما نزَلَتْ هذه الآيةُ عمَّ قريشًا بالنِّذارةِ، وخصَّ الأقربَ إليه فالأقربَ. وأما اسمُ الشَّرَفِ ؛ فليس هو من الأسماءِ التي علَّق الشارعُ بها حكمًا حتى يكونَ حدُّه مُتَلَقًّى من جهةِ الشارعِ. وأما الشريفُ في اللغةِ: فهو خلافُ الوضيعِ والضعيفِ، كما قال: «إنَّما هلَكَ مَن كان قبلَكم إذا سرَق فيهم الشريفُ ترَكوه، وإذا سرَق فيهم الضعيفُ أقاموا عليه الحدَّ» (١). ومَن رَأَسَ الناسَ وشرَّفوه؛ كان شريفَهم، فالشريفُ (٢) هو الرائس والسلطانُ؛ لكن لما كان أهلُ البيتِ أحقَّ أهلِ البيوتِ بالتشريفِ؛ صار من كان من أهلِ البيتِ يُسمَّى «قرشيًّا»، فأهلُ العراقِ كانوا لا يسمون شريفًا إلا من كان من بني العباسِ، وكثيرٌ من أهلِ الشامِ وغيرِهم لا يسمونَ شريفًا إلا من كان عَلَوِيًّا. وأما الأحكامُ الشرعية التي عُلِّقت بأهل البيت؛ فهي مذكورةٌ باسمِ آل النبيِّ ﷺ ، وباسمِ أهلِ بيتِه، وذوي القُرْبَى، وهذه الأسماءُ الثلاثةُ

стр. 897

تتناولُ جميعَ بني هاشمٍ، لا فرقَ بينَ ولدِ العباسِ وولدِ أبي طالبٍ وغيرِهم. وأعمامُ النبيِّ ﷺ الذي تعينت ذريتُهم: العباسُ، وأبو طالبٍ، والحارثُ بنُ عبدِ المطلبِ، وأبو لهبٍ، فمن كان من ذريةِ الثلاثةِ الأول حرُمتْ عليهم الزكاةُ، واستحقوا من الخُمُسِ باتِّفاقٍ، وأما ذريةُ أبي لهبٍ ففيه خلافٌ بينَ الفقهاءِ؛ لكونِ أبي لهبٍ خرَج عن بني هاشمٍ لَمَّا نصروا النبيَّ ﷺ ومنَعوه ممن كان يريدُ أذاه من قريشٍ، ودخل معَ بني هاشمٍ بنو المطلبِ - رهطُ الشافعي -، ولهذا لما جاء عثمانُ بنُ عفانَ وجُبَيرُ بنُ مُطعِمٍ إلى النبيِّ حينَ أعطى من خُمُسِ خيبرَ لبني هاشمٍ وبني المطلبٍ، فقالا: يا رسولَ اللهِ، أما إخواننا بنو هاشمٍ فلا نُنكِرُ فضلَهم؛ لما بك منهم، وأما بنو المطلبِ فإنما هم ونحن منكَ بمنزلةٍ واحدةٍ، فقال: «إنهم لم يُفارِقونا في جاهليةٍ ولا إسلامٍ، إنَّما بنو هاشمٍ وبنو المُطَّلِبِ شيءٌ واحدٌ» (١). وأفضلُ الخلقِ النبيونَ، ثم الصدِّيقونَ، ثم الشهداءُ، ثم الصالحونَ، وأفضلُ كلِّ صنفٍ أتقاهم، كما قال: «لا فضلَ لعربيٍّ على عَجَميٍّ، ولا لعَجَميٍّ على عربيٍّ، ولا أبيضَ على أسودَ، ولا أسودَ على أبيضَ؛ إلا بالتقوى» (٢)، هذا في الأصنافِ العامةِ.

стр. 898

وأفضلُ الخَلْق في الطبقاتِ؛ القَرْنُ الذينَ بُعِث فيهم رسولُ اللهِ، ثم الذينَ يلونَهم، ثم الذينَ يلونَهم. وأما في الأشخاصِ؛ فأفضلُهم النبيُّ ﷺ ، ثم إبراهيمُ. فتبيَّنَ أن الشرفَ ليس لبني هاشمٍ خاصةً؛ بل يتنوعُ بتنوُّعِ عرفِ المخاطَبِينَ ومقاصدِهم. وأما المسمَّى بهذا اللفظِ، فيقالُ: من الأحكامِ ما تَشتركُ فيه قريشٌ كلُّها؛ نحوُ الإمامةِ الكبرى، فإن النبيَّ ﷺ قال: «الإمامةُ في قريشٍ؛ ما بقِيَ من الناسِ اثنانِ» (١)، وقال: «الناسُ تَبَعٌ لقريشٍ في هذا الأمرِ» (٢). وكذلك لقريشٍ مَزِيَّةٌ، كما قال: «إن اللهَ اصطفى بني إسماعيلَ، واصطفى كِنانةَ من بني إسماعيلَ، واصطفى قريشًا من كِنانةَ، واصطفى بني هاشمٍ من قريشٍ، واصطفاني من بني هاشمٍ» (٣). ومن الأحكامِ ما يختصُّ ببني هاشمٍ، أو بني هاشمٍ معَ بني المطلبِ دونَ سائرِ قريشٍ؛ كالاستحقاقِ من خُمُسِ الغنائمِ، وتحريمِ الصدقةِ، ودخولِهم في الصَّلاة إذا صُلِّي على آل محمدٍ، وثبوتِ المَزِيَّةِ على غيرِهم. ومَن كانت أمُّه قرشيةً دونَ أبيه؛ لم يستحقَّ الإمامةَ التي اختُصَّتْ بها قريشٌ.

стр. 899

ومَن أمُّه هاشميةٌ فاطميةٌ أو غيرُ فاطميةٍ، وأبوه ليس بهاشميٍّ ولا مطلبيٍّ؛ فلا يستحقُّ من الخُمُسِ كما يستحقُّ بنو هاشمٍ، وإن كان ينتسبُ إليهم نسبًا مطلقًا؛ فله نوعُ امتيازٍ؛ لكونِ أمِّه منهم. وأما أولادُ العشيرةِ؛ فلهم من الاختصاصِ نظيريه (١) من النسبِ؛ لكونِ أجدادِهم أفضلَ من غيرِهم. وبكلِّ حالٍ؛ فهذه الخصائصُ لا تُوجِبُ أن يكونَ الرجلُ بنفْسِه أفضلَ من غيرِه لأجلِ نسَبِه المجردِ؛ بل التفاضلُ عندَ اللهِ بالتقوى؛ كما قال: «إن آلَ بني فلانٍ ليسوا لي (٢) بأولياءَ، إنما ولِّيِيَ اللهُ وصالِحُ المؤمنينَ» (٣)، فمن كان في الإيمانِ والتقوى أفضلَ؛ كان عندَ اللهِ أفضلَ ممن هو دونَه في ذلك، وأَوْلاهم برسولِ اللهِ، وإن كان غيرُه أقربَ نسبًا منه، إذ الولايةُ الإيمانيةُ الدينيةُ هي أعظمُ من القرابةِ النَّسَبيةِ، واللهُ أعلمُ. فَصْلٌ وإذا طلبا حاكمَينِ؛ أُجِيب مَن طلَبَ الذي له الولايةُ على محلِ النِّزاعِ، إذا كان الحاكمانِ عَادلَينِ، فإن كان لهما الولايةُ معًا؛ أُجِيبَ مع (٤) طلَبٍ الحاكمُ الأقربُ، وإما يقرعُ بينَهما، أو يجابُ المدعي، هذا

стр. 900

القولُ الثالثُ أفتى به طائفةٌ في زمانِنا، والأولانِ متقدمانِ (١)، فهذه مسألةُ نزاعٍ. ولا يمضي حكمُ العدوِّ على عدُوِّه، كما لا تُقبَلُ شهادتُه عليه؛ بل يترافعانِ إلى حاكمٍ آخَرَ. فَصْلٌ (٢) ولفظُ الصُّوفِيَّةِ لم يكُنْ مشهورًا في القرونِ الثلاثةِ، وإنما اشتُهِر بعدَ ذلك، نُقِل التكلمُ به عن أحمدَ، وأبي سليمان الدارانيِّ، وغيرِهما، وعن سفيانَ الثوريِّ، وذُكِر عن الحسنِ البصريِّ. وتنازَعوا في المعنى الذي أُضِيف إليه ذلك: فقيلَ: نسبةً إلى أهلِ الصُّفَّةِ؛ وهو غلَطٌ؛ لأنه كان يُقال: صُفِّيٌّ. وقيلَ: نسبةً إلى الصفِّ المقدَّمِ بينَ يدي اللهِ؛ وهو غلَطٌ أيضًا؛ لأنه كان يقال: صَفِّيٌّ. وقيلَ: نسبةً إلى الصفا؛ وهو غلَطٌ؛ لأنه كان يقال: صفائيٌّ. وقيلَ: نسبةً إلى الصفوةِ من خلقِ اللهِ؛ وهو غلَطٌ؛ لأنه كان يقال: صَفَويٌّ.

стр. 901

وقيلَ: نسبةً إلى صوفةَ بنِ مُرِّ ابنِ أَدِّ ابنِ طابخةَ، قبيلٌ (١) من العربِ كانوا يجاورونَ بمكةَ في الزمنِ القديمِ، ينتسبُ إليهم النُّسَّاكُ، وهذا وإن كان موافقًا (٢) لكنَّه ضعيفٌ؛ لأنهم (٣) غيرُ مشهورينَ، ولم يعرِفْه الصحابةُ والتابعونَ وتابعوهم. وقيلَ: إنه نسبةٌ إلى لُبْسِ الصوفِ، وهو المعروفُ، فإنه أولُ ما ظهرت الصوفيةُ من البصرةِ، وأولُ مَن ابتَنَى دُوَيرةَ الصوفيةِ؛ بعضُ أصحابِ عبدِ الواحدِ بنِ زيدٍ، وعبدُ الواحدِ من أصحابِ الحسنِ، وكان في أهلِ البصرةِ من المبالغةِ في الزهادةِ والعبادةِ ما لم يكُنْ في سائرِ الأمصارِ، قال ابنُ سِيرينَ: (هديُ نبِيِّنا أحبُّ إلينا، وكان نبينا يلبَسُ القطنَ وغيرَه)، قال ذلك لما قيلَ له: إن قومًا يلبَسونَ الصوفَ تشبُّهًا بالمسيحِ (٤). وأما سماعُ القرآنِ والموتُ عندَه ، والغشيُ، ونحوُه، كما نُقِل عن زُرارةَ بنِ أَوْفَى قاضي البصرةِ أنه سمع قارئًا يقرأُ: ﴿فإذا نقر في الناقور﴾، فمات (٥)، وكذا جرى لأبي جهيرٍ (٦)؛ فأنكَر ذلك طائفةٌ من

стр. 902

الصحابةِ والتابعِينَ، وظن ذلك تكلفًا وتصنعًا، كما قال ابنُ سِيرِينَ: «بيْنَنا وبينَ الذينَ يُصعقونَ عندَ سَماعِ القرآنِ؛ أن يقرأَ واحدٌ منهم على رأسِ حائطٍ، فإن خرَّ فهو صادقٌ» (١)، ومنهم من أنكَرَه؛ لأنه رآه بدعةً مخالفاً لما عُرِف من هديِ الصحابةِ. والذي عليه الجمهورُ: أنَّ الواحدَ من هؤلاءِ إذا كان مغلوبًا؛ لم يُنكَرْ عليه، وإن كان حالُ الثابتِ أكملَ منه، ولهذا لما سُئِلَ الإمام أحمدُ عن هذا؟ فقال: قُرِئ القرآنُ على يحيى بنِ سعيدٍ فغُشِي عليه، ولو قدر أحد أن يدفعَ عن نفْسِه لدفَعَه يحيى، فما رأيتُ أعقلَ منه، ونُقِل عن الشافعيِّ أنه أصابَه ذلك، وعليِّ بن الفُضَيلِ بنِ عياضٍ. وبالجملةِ؛ فهذا كثيرٌ ممن لا يُسترابُ في صدقِه؛ لكن أحوالَ الصحابةِ هي التي ذُكِرت في القرآنِ من وجَلِ القلوبِ، ودموعِ العيونِ، واقشعرارِ الجلودِ، وقد يُنكِرُ أحوالَ هؤلاءِ مَن فيه قسوةٌ، وقد يغلو فيهم من يظنُّ أن حالَهم أكملُ الأحوالِ، وكلٌّ من الطرفينِ مذمومٌ؛ بل المراتبُ ثلاثةٌ: ظالمٌ لنفْسِه، الذي هو قاسِي القلبِ، لا يلينُ للقرآنِ، ولا للذكرِ؛ ففيه شبَهٌ من اليهودِ؛ لقولِه: ﴿ثم قست قلوبهم من بعد ذلك … ﴾ الآيةَ. والثاني: حالُ المؤمن التقي الذي فيه ضعفٌ عن حملِ ما يرِدُ على

стр. 903

قلبِه، فهذا يَصعَقُ صعقَ موتٍ أو غَشْيٍ؛ لقوةِ الواردِ، وقد يحصلُ هذا لمن يفرحُ أو يحزنُ أو يخافُ أو يحبُّ، ففي أهلِ عشقِ الصُّوَرِ مَن أمرَضَه العشقُ أو قتَلَه أو جنَّنَه، وكذلك في غيرِهم. فالحاصلُ؛ أنه إذا لم يكُنْ ثَمَّ تفريطٌ ولا عُدوانٌ، ولا ذنبَ له فيما أصابه، وحصَل له ضعفٌ؛ فليس بملومٍ، كمن سمع القرآنَ سَماعًا شرعيًّا، ولم يُفرِّطْ بتركِ ما يوجب له ذلك، وكذلك ما يرِدُ على القلوبِ مما يُسمُّونَه السكرَ والفناءَ، ونحوَه من الأمورِ التي تُغيِّبُ العقلَ، فإنه إذا كان السببُ محظورًا؛ لم يكُنِ السَّكْرانُ معذورًا، فإن السُّكْرَ لذةٌ بلا تمييزٍ، فإذا حصَل بمحرَّمٍ كالخمرِ والحشيشةِ؛ حرم بلا نزاعٍ، وقد يحصُلُ بسببِ محبةِ الصُّوَرِ كما قيل (١): سُكْرَانِ سُكْرُ هوًى وسُكْرُ مُدامَةٍ … ومتَى إفاقةُ مَن به سُكْرانِ وهذا مذمومٌ؛ لأن سببَه محظورٌ، وقد يحصلُ بسببِ سماعِ الأصواتِ المطربةِ، وهذا أيضًا مذمومٌ؛ فإنه ليس للرجلِ أن يسمعَ من الأصواتِ التي لم يُؤمَرْ بسَماعِها ما يزيلُ عقلَه؛ إذ إزالةُ العقلِ محرمةٌ، فمتى أفضى إليه سبب غير شرعيٍّ كان محرمًا، وما يحصُلُ في ضمن ذلك من لذةٍ قلبيةٍ أو روحيةٍ، ولو بأمورٍ فيها نوعٌ من الإيمانِ؛ فهي مغمورةٌ بما يحصُلُ معها من زوالِ العقلِ، ولم يأذَنِ اللهُ لنا أن نمتِّعَ قلوبَنا بما يكونُ سببًا لزوالِ عقولِنا، بخلافِ مَن زال عقلُه بسببٍ

стр. 904

مشروعٍ، أو بأمرٍ صادَفَه لا حيلةَ له فيه. وقد يحصلُ السُّكْرُ بسببٍ لم يفعَلْه العبدُ؛ كسماعٍ لم يقصِدْه، يهيِّج باطنَه ويحرِّك ساكنَه؛ فهذا لا يلامُ عليه، وما صدر في حالِ زوالِ عقلِه فهو فيه معذورٌ؛ لأن القلمَ رُفِع عنه؛ كالمغمى عليه والمجنونِ. أما من زالَ عقله بمحرَّمٍ كالخمرِ، فهل هو مُكلَّفٌ حالَ زوالِ عقلِه؟ فيه قولانِ مشهورانِ، وفي طلاقِه نزاعٌ. ومَن زال عقلُه بالبنجِ، فقيلَ: يلحقُ به، وقيلَ: لا؛ لأن هذا لا يُشتهَى، بخلافِ الخمرِ، ولهذا وجبَ الحدُّ في هذا دونَ هذا. ومن هؤلاءِ من يغلبُ عليه الواردُ حتى يصيرَ مجنونًا، إما بخلطٍ أو غيرِه، ومن هؤلاءِ: عقلاءُ المجانينَ الذينَ يُعدُّونَ في النُّسَّاكِ، ويُسمَّونَ: المُولَهِينَ. ففصلُ الخطابِ: أن هذه الأحوالَ إذا كانت أسبابُها مشروعةً، وصاحبُها صادقًا عاجزًا عن دفعِها؛ كان محمودًا على ما فعَلَه من الخيرِ، معذورًا فيما عجَز عنه وأصابه بغيرِ اختيارِه، وهم أكملُ ممن لم يبلُغْ منزلتَهم؛ لنقصِ إيمانِه وقساوةِ قلبِه. ومَن لم يَزُلْ عقلُه معَ كونِه قد حصل له مِن الإيمانِ ما حصَل لهم، وأكملُ؛ فهو أفضلُ منهم (١)، وهذه حالُ الصحابةِ ﵃، وحالُ نبِيِّنا ﷺ ، فإنه أُسرِي به، ورأى ما رأى، وأصبح ثابتَ العقلِ لم يتغيرْ،

стр. 905

فحالُه أكملُ من حالِ موسى الذي خَرَّ صَعِقًا لما تجَلَّى ربُّه للجبلِ، وحالُ موسى حال جليلةٌ فاضلةٌ عَلِيَّةٌ؛ لكن حالَ محمدٍ أفضلُ وأكملُ وأعلى صلى الله عليهما وسلم، فخيرُ الكلامِ كلامُ اللهِ، وخيرُ الهديِ هديُ محمدٍ، وأفضلُ الطرقِ ما كان عليه هو وأصحابُه. فالصوفيُّ منسوبٌ إلى اللِّبْسةِ؛ لأنها ظاهرُ حالِهم. ثم إن عندَهم حقائقَ وأحوالَ معروفةً، يشيرونَ بها إلى الصوفيِّ، كقولِ بعضِهم: «الصوفيُّ مَن صفا مِن الكَدَر، وامتلأ قلبُه مِن الفِكَر، واستوى عندَه الذهبُ والحَجَر»، «التصوفُ كتمانُ السرِّ، وتركُ الدعاوي»؛ وهم يشيرونَ إلى معنى الصدِّيقِ. وقد انتسبَ إليهم طوائفُ من الزَّنادقةِ وغيرِهم؛ كالحَلَّاجِ مثلًا، فإن أكثرَ المشايخِ مشايخِ الطريقِ أنكروه، وأخرجوه عن الطريقِ؛ مثلُ: الجُنَيدِ بنِ محمدٍ سيد الطائفةِ وغيرِه؛ كما ذكر ذلك أبو عبدِ الرحمنِ السُّلميُّ في «طبقاتِ الصوفيةِ» (١)، والحافظُ أبو بكرٍ الخطيبُ في «تاريخِ بغدادَ» (٢). وقد تنازَعَ الناسُ في طريقِهم، فطائفةٌ ذمَّت الصوفيةَ والتصوفَ، وقالوا: إنهم مبتدعونَ خارجونَ عن السُّنَّةِ.

стр. 906

وطائفةٌ غلَتْ؛ فجعلت طريقَهم أفضلَ الطرقِ. والصوابُ: أنهم مجتهدونَ في طاعةِ اللهِ، ففيهم المذنبُ والمتَّقي. وقد صارت الصوفيةُ ثلاثَ طَبَقاتٍ: صوفيةُ الحقائقِ، وصوفيةُ الأرزاقِ، وصوفيةُ الرسومِ. فأما صوفيةُ الحقائقِ؛ فهم الذينَ وصَفْناهم. وأما صوفيةُ الأرزاقِ؛ فهم الذينَ وُقِفت عليهم الخوانقُ والوقوفُ، فلا يُشترَطُ في هؤلاءِ أن يكونوا من أهلِ الحقائقِ. وصوفيةُ الرسومِ؛ فهم المقتصرونَ على التشبُّهِ بهم في اللباسِ والآدابِ الوضعيةِ، فهم بمنزلةِ الذي يقتصرُ على زيِّ أهلِ العلمِ. وأما اسمُ الفقراءِ فهو في القرآنِ ، وقد قال ﷺ : «فقراءُ أمتي يدخلونَ الجنةَ قبلَ الأغنياءِ بنصفِ يومٍ» (١)، والفقراءُ أنواعٌ. وقد تنازَعَ الناسُ؛ أيُّما أفضلُ: الفقيرُ الصابرُ، أو الغنيُّ الشاكرُ؟ والصحيحُ: أن أفضلَهما أتقاهما، فإن استويا في التقوى استويا في الدرجةِ، فإن الفقراءَ يسبقونَ الأغنياءَ إلى الجنةِ لخفةِ الحسابِ، ثم إذا دخَل الأغنياءُ، فكلُّ واحدٍ يكونُ في منزلتِه على قدرِ حسناتِه وأعمالِه.

стр. 907

فَصْلٌ القَدَريَّةُ من المعتزلةِ وغيرِهم الذينَ لا يُقِرُّونَ بأن اللهَ خالقُ كلِّ شيءٍ، ولا بأنه ما شاءَ كان، وما لم يشَأْ لم يكُنْ، فإذا أُطلِق عليهم أنهم خارجونَ عن التوحيدِ، بمعنى أنهم كذَّبوا بالقدرِ؛ فهذا فيه نزاعٌ، حتى في مذهَبِ مالكٍ والشافعيِّ وأحمدَ، ومسألةُ التكفيرِ بإنكارِ بعضِ الصفاتِ أو إثباته؛ قد كثُر فيها الاضطرابُ. وتحقيقُ الأمرِ فيها: أن الشخصَ المُعيَّنَ الذي ثبَتَ إيمانُه؛ لا يُحكَمُ بكفرِه إن لم تُقَمْ عليه حجةٌ يَكفُرُ بمخالفتِها، وإن كان القولُ الذي قاله كفرًا في نفسِ الأمرِ؛ بحيثُ يَكفُرُ بجحودِه مَن عَلِم أن الرسولَ قاله. فقد أنكَرَ طائفةٌ من السَّلَفِ بعضَ حروف القرآنِ؛ لعدمِ علمِهم أنها منه، فلم يُكفَّروا، وعلى هذا حمَل المحققونَ حديثَ الذي قال لأهلِه: «إذا أنا مِتُّ فأَحرِقوني» (١)، فإنه كان جاهلًا بقدرةِ اللهِ إذا فَعَل ذلك، وليس كلُّ مَن جهِل بعضَ ما أخبَرَ به الرسولُ يَكفُرُ، ولهذا قال السَّلَفُ: (مَن قال: القرآنُ مخلوقٌ فهو كافرٌ)، (ومن قال: إن اللهَ لا يُرَى في الآخرةِ فهو كافرٌ)، ولا يُكفِّرونَ المُعيَّنَ الذي يقولُ ذلك؛ لأن ثبوتَ حكمِ التكفيرِ في حقِّه متوقفٌ على شروطٍ وانتفاءِ موانعَ، فلا يُحكَمُ بكفرِ شخصٍ بعينِه إلا أن يُعلَمَ أنه منافقٌ؛ بأنْ قامت عليه الحجةُ النبويةُ

стр. 908

التي يكفُرُ مَن خالفها ولم يقبَلْها؛ لكن قولَ هؤلاءِ المعتزلةِ وشبههم هو من الشركِ والكفرِ والضلالِ. فَصْلٌ ومَن قال: إن عبدَ الرحمنِ بنَ عوفٍ ما يدخُلُ الجنةَ إلا حَبْوًا (١)، ويدخلُها بعدَ الصحابةِ، وذكر أن أبا بكرٍ قال له رسولُ اللهِ ليلةَ الإسراءِ: «رأيتُ ربي بعَيْن رأسي»، وقال لعائشةَ: «رأيتُه بعَيْنَيْ قلبي»، فمَن قال: إن هذه أحاديثُ صحيحةٌ؛ فهو كاذبٌ مُفْتَرٍ باتِّفاقِ أهلِ العلمِ بذلك؛ بل يستحقُّ العقوبةَ البليغةَ؛ فإن القولَ على الرسولِ بغيرِ علمٍ يُوجِبُ التَبَوُّؤَ من النارِ، ومن تعمَّدَ الكذِبَ عليه ففي كفرِه وقتلِه قولانِ؛ ولا نقل أحدٌ أنه قال: «رأيتُ ربي بعَيْنَيْ رأسي»، لا أبو بكرٍ، ولا غيرُه، ولا نقَلَتْ عائشةُ عن النبيِّ ﷺ في ذلك شيئًا؛ بل اجتهدَتْ، فقالت: «مَن قال: إن محمدًا رأى ربَّه؛ فقد أعظَمَ على اللهِ الفِرْيةَ» (٢)، واستدلَّتْ بقولِه: ﴿لا تدركه الأبصار﴾، وقد ثبَتَ في الصحيحِ عن ابنِ عبَّاسٍ أنه رآه بفؤادِه مرتينِ (٣)، وكذلك قال أبو زرعة، وفي الصحيحِ: «نورٌ أَنَّى أراه» (٤).

стр. 909

ومِن العُلَماءِ مَن جمَع بينَ قولِ عائشةَ وابنِ عبَّاسٍ، ومنهم من جعَلَها مسألةَ نزاعٍ. ولم يثبتْ بسندٍ صحيحٍ عن أحدٍ من الصحابةِ أنه قال: «رآه بعَيْن رأسِه»؛ بل يقولُ: «رآه بفؤادِه»، أو: «رآه»، ويُطلِقُ، وكذلك عن أحمدَ؛ ولكن طائفةً من أصحابِه نقَلوا عنه إثباتَ رؤيةِ العينِ ونصروها، كما حكى ذلك طائفةٌ عن ابنِ عبَّاسٍ، وكلاهما لم يثبتْ عنهما نقلٌ صحيحٌ صريحٌ؛ لكن بألفاظٍ مطلقةٍ. وقد اتَّفقَ المسلمونَ على أن غيرَ النبيِّ ﷺ لم يَرَ اللهَ في الدنيا، كما اتفقوا على أنه يُرَى في الآخرةِ بالأبصارِ، وإن كان من أهلِ البِدَعِ مَن يُنازِعُ في هاتينِ المسألتينِ؛ لكنَّ السَّلَفَ متفقونَ على ذلك. والحديثُ المذكورُ عن عبدِ الرحمنِ باطلٌ، رواه أبو نُعَيمٍ (١) من طريقِ رجلٍ اتَّفقَ أهلُ العلمِ على ردِّ أخبارِه (٢)؛ بل هو مخالفٌ للنصوصِ وإجماعِ السَّلَفِ والأئمَّةِ، فإنه من أهلِ الشُّورَى الذينَ هم أفضلُ الأمةِ بعدَ أبي بكرٍ وعمرَ، وعثمانُ وعليٌّ وعبدُ الرحمنِ والزبيرُ

стр. 910

وطلحةُ وسعدٌ ﵃ أجمعينَ، فهؤلاءِ الستةُ الذين جعَل عمرُ الخلافةَ فيهم، وأخبر أن رسولَ الله تُوُفِّي وهو عنهم راضٍ، ثم إن ثلاثةً قدَّموا ثلاثةً، قدَّموا عثمانَ وعليًّا وعبدَ الرحمنِ، ثم إنهم جعَلوا عبدَ الرحمنِ يختارُ للأمةِ، ورضوا بذلك، فمن هو بهذه المنزلةِ؛ كيفَ يتأخَّرُ دخولُه، أو يدخُلُ حَبْوًا؟! ولو دخَلها لغِناه؛ لدخَلها سائرُ الصحابةِ الأغنياءِ حَبْوًا؛ كعثمانَ وطلحةَ والزبيرِ وسعدِ بنِ معاذٍ وابنِ عُبادةَ وأُسَيْدِ بنِ حُضَيرٍ؛ بل في الأنبياءِ مَن هو غنيٌّ؛ كإبراهيمَ وداودَ وسليمانَ ويوسفَ صلى الله عليهم أجمعينَ. فَصْلٌ ومَن كان قادرًا على الكسبِ ويأكلُ من صدقاتِ الناسِ؛ فهو مذمومٌ على ذلك، وقد قال ﷺ : «لا تَحِلُّ الصدقةُ لغنيٍّ، ولا لقويٍّ مكتسبٍ» (١). وأما سؤالُ الناسِ معَ القدرةِ على الكسبِ؛ فهو حرامٌ بلا نزاعٍ، فمن حَجَّ على أن يسألَ معَ إمكانِ القعودِ؛ فهو عاصٍ، فقد جاء بضعةَ عشَرَ حديثًا في النَّهْيِ عن المسألةِ (٢).

стр. 911

وإذا تعدَّى أحدٌ على الركبِ في الطريقِ أو في مكةَ، فدفَعَهم الركبُ عن أنفُسِهم كالصائلِ؛ فيجوزُ الدفعُ معَ الركبِ؛ بل يجبُ دفعُ هؤلاءِ عن الركبِ. وأما إذا اعتدى الركبُ على أهلِ مكةَ أو غيرِهم؛ فلا يُعينُهم على ذلك. وإذا وجَد معَ الركبِ جائعًا أو عطشانَ؛ فعليه أن يبذُلَ ما فضَلَ عن حاجتِه، فأما ما يحتاجُ إليه هو؛ فلا يجبُ بَذْلُه. ولو وجد ميتًا؛ فليس عليه أن يتخلفَ ليَدفِنَه؛ بحيثُ يخافُ الانقطاعَ. ومَن سأل وظهَر صدقُه ؛ وجب إطعامُه؛ لقولِه: ﴿وفي أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم﴾، وإن ظهَر كذِبُهم؛ لم يجبْ إعطاؤهم، وإن سألوا مطلقًا لغيرِ معينٍ؛ لم يجبْ أيضًا. وإذا أقسَموا على غيرِ معينٍ؛ فإن إبرارَ المقسِمِ إنما هو إذا أقسمَ على معينٍ، وقولُه: لأجلِ فلانٍ من المخلوقينَ؛ فلا حُرْمةَ له، وأما قولُه: شيءٌ للهِ، و: لأجلِ اللهِ؛ فيُعطَى؛ لأنه سؤالٌ، وليس هذا إقسامًا.

стр. 912

فَصْلٌ ثبَت في «صحيحِ مسلمٍ» أنه قال: «الصَّلَواتُ الخمسُ، والجُمُعةُ إلى الجُمُعةِ، ورمضانُ إلى رمضانَ؛ كفارةٌ لما بينَهُنَّ إذا اجتُنِبتِ الكبائرُ» (١)، وهذا موافقٌ لقولِه تعالى: ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما﴾، فإنه سُبْحانَه وعَد باجتنابِ كبائرِ ما يُنهَى عنه أن يُكفِّرَ عنا سيئاتِنا، ويُدخِلَنا مُدْخلًا كريمًا، وكذلك قولُه: ﴿الذينَ يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم﴾، وهو مقدِّماتُ الوَطْءِ؛ من النظَرِ، واللمسِ، والسمعِ، والمشيِ، ونحوِه، كما ثبَتَ في الصحيحِ عن ابنِ عبَّاسٍ أنه قال: «ما رأيتُ أشبَهَ باللَّمَمِ ما حدَّثَ أبو هُرَيرةَ، عن النبيِّ ﷺ قال: «إن اللهَ كتَب على ابنِ آدمَ حظَّه من الزنى، فهو مُدرِكٌ ذلك لا محالةَ، فالعينانِ تَزْنِيانِ وزِناهما النظَرُ، والأُذُنانِ تَزْنِيانِ وزِناهما السمعُ، واليدانِ تَزْنيانِ وزناهما البَطْشُ، والرجلانِ تَزْنيانِ وزِناهما المشيُ، والقلبُ يتمَنَّى ويشتهي، والفَرْجُ يُصدِّقُ ذلك، ويُكذِّبُه» (٢)، وسَمَّاه اللهُ لَمَمًا؛ لأن العبدَ يُلِمُّ بالكبيرةِ، ولا يأتيها، قال الشاعر (٣): متَى تأتِنا تُلْمِمْ بنا في دِيارِنا تجِدْ حَطَبًا جزلًا ونارًا تأَجَّجا

стр. 913

وقال (١): متَى تأتِنا تُلْمِمْ في دِيارِنا تجِدْ خيرَ نارٍ عندَها خيرُ موقِدِ فإن الطارقَ يُلِمُّ بأهلِ المنزلِ قبلَ أن يدخُلَ إلى منزلِهم، ويقالُ: اللَّمَمُ أن يُلِمَّ بالذنبِ الصغيرِ مرةً من غيرِ إصرارٍ؛ لأن مَن أصَرَّ على الصغيرةِ صارَتْ كبيرةً، كما في «التِّرْمِذيِّ»: «لا صغيرةَ معَ إصرارٍ، ولا كبيرةَ معَ استغفارٍ» (٢)، فقد جاء الكتابُ والسُّنَّةُ بتكفيرِ الصغائرِ لمن اجتَنبَ الكبائرَ، وهذا لا رَيْبَ فيه. ثم قال قائلونَ: مفهومُ هذا أنه لا تُكفَّرُ الصغائرُ إلا بهذا الشرطِ، فمن لم يجتنبِ الكبائرَ كلَّها لا تُكفَّرُ عنه صغيرةٌ. وبالغت الخوارجُ والمعتزلةُ، فقالوا: إن من أتى كبيرةً استحقَّ العقوبةَ حتمًا، فتَحبَطُ جميعُ حسناتِه بتلكَ الكبيرةِ، ويستحقُّ التخليدَ في النارِ، لا يخرُجُ منها بشفاعةٍ ولا غيرِها. وهذا قولٌ باطلٌ باتِّفاقِ الصحابةِ وسائرِ أهلِ السُّنَّةِ. والمرجئةُ من الشيعةِ والأشعريةِ قابلوا المعتزلةَ، فقالوا: لا نجزِمُ بتعذيبِ أحدٍ من أهلِ التوحيدِ، وهذا أيضًا باطلٌ؛ بل تواتَرَتِ السننُ

стр. 914

بدخولِ أهلِ الكبائرِ النارَ، وخروجِهم منها بشفاعةِ رسولِ اللهِ ﷺ ، وسَلَفُ الأمةِ وأئمَّتُها متفقونَ على ما جاءَتْ به السننُ. وقد يفعلُ العبدُ من الحسناتِ ما يمحو اللهُ به بعضَ الكبائرِ، كما غفَر للبغيِّ بسَقْي الكلبِ (١)، وقولِه لأهلِ بدرٍ: «اعمَلوا ما شئتُم؛ فقد غفرتُ لكم» (٢)، ولكن هذا يختلفُ باختلافِ الحسناتِ ومقاديرِها، وصفاتِ الكبائرِ ومقاديرِها، فلا يمكِنُنا أن نُعيِّنَ حسنةً تُكفَّرُ بها الكبائرُ كلُّها غيرَ التوبةِ، فمن أتى بكبيرةٍ ولم يتُبْ منها؛ ولكن أتى معها بحسناتٍ أُخَرَ، فهذا يقفُ أمرُه على الموازنةِ والمقابلة، ﴿فمن ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية ومن خفت موازينه فأمه هاوية﴾، فلهذا كان صاحبُ الكبيرةِ تحتَ الخطرِ ما لم يتُبْ منها، فإذا أتى بحسناتٍ؛ يُرجَى له بها محوُ الكبيرةِ، وكان بينَ الخوفِ والرجاءِ. والحسنةُ الواحدةُ قد يقترنُ بها من الصدقِ واليقينِ ما يجعلُها تكفِّرُ الكبائرَ؛ كالحديثِ الذي في صاحبِ البطاقةِ، الذي يُنشَرُ له تسعةٌ وتسعونَ سِجِلًّا مدَّ النظرِ، ويُؤتَى ببطاقةٍ فيها كلمةُ: لا إلهَ إلا اللهُ، فتُوضَعُ البطاقةُ في كِفَّةٍ، والسِّجِلَّاتُ في كِفَّةٍ، فثقُلَتِ البطاقةُ وطاشَتِ السجلاتُ (٣)، وذلك لعِظَمِ ما في قلبِه من الإيمانِ واليقينِ، وإلا فلو

стр. 915

كان كلُّ مَن نطَق بهذه الكلمةِ تُكفَّرُ خطاياه؛ لم يدخلِ النارَ من أهلِ الكبائر المؤمنين أحدٌ، وهذا خلافُ ما تواتَرَتْ به السننُ، وكذا حديثُ البغيِّ، وإلا فليس كلُّ مَن سقَى كلبًا عطشانَ يُغفَرُ له. كما أنه قد يقترنُ بالسيئةِ من الاستخفافِ والإصرارِ ما يُعظِّمُها، فلهذا وجَب التوقفُ في المُعيَّنِ، فلا يُقطَعُ بجنةٍ ولا نارٍ؛ إلا ببيانٍ من اللهِ؛ لكن يُرجَى للمحسنِ، ويُخافُ على المسيءِ، وأما من شهِد له النصُّ؛ فنقطعُ له، ومن له لسانُ صدقٍ؛ ففيه نزاعٌ (١). وما يُوجَدُ في كتبِ أبي حامدٍ من كلامِ الفلاسفةِ الباطنيةِ، كما يوجدُ في «المضنونِ به على غيرِ أهلِه» وأمثالِه، قال طائفةٌ من الفضلاءِ: إنه كذِبٌ عليه، وطائفةٌ قالت: بل رجع عن ذلك، فإنه صرَّح بكفرِ الفلاسفةِ في «التهافتِ»، واستَقَرَّ أمرُه على مطالعةِ «البخاري» و «مسلم»، ومات على أحسنِ أحوالِه، فلا يجوزُ أن تُنسَبَ إليه مثلُ هذه الأقوالِ نسبةً مستقرةً. ومَن قال للآخر: اللهُ أكبرُ عليك ، فهو من نحوِ الدعاءِ عليه، فإن لم يكُنْ بحقٍّ، وإلا (٢) كان ظالمًا له؛ يستحقُّ الانتصارَ منه لذلك، إما بمثلِ
следующие страницы →