← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 331

عمارة القبور في الإسلام - المسودة - ضمن «آثار المعلمي»

عبد الرحمن المعلمي اليماني

Полный текст (112 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

• [ص ٨٢] الطحاوي في "شرح معاني الآثار" (١): حدثنا ربيع المؤذِّن قال: ثنا أسد قال ثنا محمد بن خازم عن ابن جُريج عن أبي الزبير عن جابر قال: "نهى رسول الله ﵌ عن تجصيص القبور، والكتابة عليها، والجلوس عليها، والبناء عليها". • [ص ٨٣] الترمذي في "سننه" (٢): حدثنا عبد الرحمن بن الأسود أبو عمرو البصري حدثنا محمد بن ربيعة عن ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر قال: "نهى النبي ﵌ أن تُجَصَّص القبور، وأن يُكتب عليها، وأن يُبنى عليها، وأن توطأ". قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، قد روي من غير وجهٍ عن جابر. أقول: عبد الرحمن بن الأسود ... (٣). ومحمد بن ربيعة وثقه ابن معين وأبو داود والدارقطني، ذكره في "الخلاصة" (٤) ولم يوصف بتدليس، فلا تضر عنعنته.

стр. 72

وأما عنعنة ابن جريج وأبي الزبير فقد صحَّ عن كلٍّ منهما التصريح بالسماع كما تقدم، لكن في هذه الرواية زيادة النهي عن الكتاب والتعبير بالوطء مكان الجلوس. • [ص ٨٤] "صحيح مسلم" (١): حدثنا أبو بكر ابن أبي شيبة ثنا حفص بن غِياث عن ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر قال: "نهى رسول الله ﵌ أن يُجصَّص القبر، وأن يُقعَد عليه، وأن يُبنى عليه". أبو بكر إمام، وحفص ثقة، إلا أنه ساء حفظه بعدما اسْتُقْضي، فإذا حدث من كتابه فهو حجة، لكنهم قالوا: إن صاحب الصحيح لا يروي عن مثل هذا إلا ما علم أنه حدَّث به عن كتابه، وسيأتي البحث في هذا إن شاء الله (٢). وعنعنة ابن جريج وأبي الزبير محمولةٌ على السماع، لصحة التصريح عنهما بالتحديث كما مر، مع ما ذكروا من أن كلّ ما في الصحيح من العنعنة عن المدلسين محمولةٌ على السماع، وسيأتي البحث فيه إن شاء الله تعالى (٣). • [ص ٨٥] الحاكم في "المستدرك" (٤): حدثنا أبو سعيد أحمد بن يعقوب الثقفي ثنا محمد بن عبد الله بن سليمان الحضرمي ثنا سَلْم بن جُنادة بن سَلْم القرشي ثنا حفص بن غِياث النَّخَعي ثنا ابن جُريج عن

стр. 73

أبي الزبير عن جابر قال: "نهى رسول الله ﵌ أن يُبنى على القبر، أو يُجَصّص، أو يُقعد عليه، ونهى أن يُكتب عليه". صححه على شرط مسلم، وأقره الذهبي. قال الحاكم: وقد خرجته بإسناده "غير الكتابة"، فإنها لفظة صحيحة غريبة. أقول: قد تقدم حال حفص، والعنعنة، لكن في هذه الرواية زيادة النهي عن الكتابة، ولا يقال: لعلها من رواية حفص بعد ما اسْتُقضي من حفظه، إذ قد تابعه في روايتها عن ابن جريج أبو معاوية عند الحاكم، ومحمد بن ربيعة عند الترمذي، ومحمد بن خازم (١) عند الطحاوي. • [ص ٨٧] (٢) الطحاوي في "شرح معاني الآثار" (٣): حدثنا أحمد بن داود قال: ثنا مسدد قال: ثنا حفص عن ابن جريج، فذكره بإسناده مثله. أقول: يعني مثل (٤) الحديث الذي قبله، وقد تقدم ولفظه: "نهى رسول الله ﵌ عن تجصيص القبور، والكتابة عليها، والجلوس عليها، والبناء عليها". • [ص ٨٨] "صحيح مسلم" (٥): وحدثنا يحيى بن يحيى أنا إسماعيل بن

стр. 74

عُلَية عن أيوب عن أبي الزبير عن جابر قال: "نُهِي عن تقصيص القبور". فيه عنعنة أبي الزبير، قال الذهبي في "الميزان" (١): "وفي "صحيح مسلم" عدة أحاديث فيما لم يوضح فيها أبو الزبير السماع عن جابر، ولا هي من طريق الليث، ففي القلب منها، فمن ذلك ... وحديث النهي عن تجصيص القبور، وغير ذلك" ا? . أقول: كذا في النسخة "عن تجصيص" بالجيم، وإنما هو "تقصيص" بالقاف، فإنه هكذا في "صحيح مسلم"، وإن رواه غيره بالجيم، كما سيأتي، والمعنى واحد، ولكن ربما يتوهم أن مراد الذهبي بحديث النهي عن تجصيص القبور الحديث الذي فيه النهي بهذا اللفظ، وهو الحديث المطول الذي مرّ، وليس كذلك؛ لأن الحديث المطوَّل قد صرَّح فيه بالسماع، كما تقدم. [ص ٨٩] والجواب عما قاله الذهبي: أنه يبعد جدًّا أن يدلس أبو الزبير حديث النهي عن التقصيص، أو التجصيص، وهو مسموعٌ له في ضمن الحديث الطويل، وأي حاجة تدعوه إلى التدليس؟ والذي يظهر لي: أنه عرض لأبي الزبير ما يخص تقصيص القبور فقط دون البناء والجلوس والوطء والكتابة والزيادة، كأن سئل عن تقصيص القبور، أو رأى قبرًا مقصصًا، أو ذكر له ذلك، فاحتاج أن يستدل على النهي عن تقصيص القبور، وأراد الاختصار، أو كان المقام ضيقًا، أو نحو ذلك. فاختصر الحديث اقتصارًا على موضع الحاجة.

стр. 75

[ص ٩٠] وسيأتي في رواية النسائي وابن ماجه التصريح بأن الناهي هو رسول الله ﵌، وهو واضحٌ وإن لم يصرح به؛ لأن جابرًا لم يكن يخبر بنهي عن رسول الله ﵌، مع سماعه النهي منه ﵌. وفوقَ ذلك، فقول الصحابي: "نُهينا عن كذا" بدون ذكر الناهي، مرفوعٌ على الصحيح. ثم قول الذهبي: "ففي القلب منها" يدل أنه لا يوافق الجمهور على أن كل ما في الصحيح من العنعنة عن المدلسين محمولٌ على السماع، وفيه بحث ليس هذا موضعه؛ لأن محل الخلاف إذا كان في الأحاديث الأصول لا المتابعات. قال في "فتح المغيث" (١) (ص ٧٧) طبع الهند: "ولكن هو ــ كما قال ابن الصلاح وتبعه النووي وغيره ــ محمولٌ على ثبوت السماع عنده فيه من طرق أخرى، إذا كان في أحاديث الأصول لا المتابعات ... " إلخ. [ص ٩١] (٢) وحديث مسلم المعنعن ليس من أحاديث الأصول، بل هو متابعة لحديثه المصرّح فيه بالسماع، وقد تقدم. • [ص ٩٢] النسائي في "سننه" (٣): أخبرنا عمران بن موسى قال: حدثنا عبد الوارث حدثنا أيوب عن أبي الزبير عن جابر قال: "نهى رسول الله ﵌ عن تجصيص القبور".

стр. 76

عمران: ثقة. وعبد الوارث: إمام، روى له الجماعة، وفي العنعنة ما تقدم. • ابن ماجه (١): حدثنا أزهر بن مروان ومحمد بن زياد قالا: ثنا عبد الوارث عن أيوب عن أبي الزبير عن جابر قال: "نهى رسول الله ﵌ عن تقصيص القبور". أزهر: صدوق. ومحمد بن زياد: ثقة من رجال البخاري. • [ص ٩٤] (٢) أبو داود في "سننه" (٣): حدثنا مسدّد وعثمان بن أبي شيبة قالا ثنا حفص بن غياث عن ابن جريج عن سليمان بن موسى، وعن أبي الزبير عن جابر بهذا الحديث: "سمعت النبي ﵌ ينهى أن يقعد على القبر، وأن يقصص، وأن يبنى عليه". قال أبو داود: وقال عثمان: "أو يزاد عليه"، وزاد سليمان بن موسى: "أو يكتب عليه"، ولم يذكر مسدَّد في حديثه: "أو يزاد عليه". قال أبو داود: وخفي عَليَّ من حديث مسدد حرف "وأن". لم ينفرد حفص بذكر سليمان بن موسى، كما سيأتي. وفي الحديث عنعنة ابن جريج، وقد يقال: إنها غير ضارة هنا؛ لأنه قد صحَّ سماعه من أبي الزبير لهذا الحديث كما مر، فعنعنته هنا محمولةٌ على السماع، ولما قرن سليمان بن موسى مع أبي الزبير، دل على أنه مثله في

стр. 77

ذلك، أي: أنه سمعه منه. وفي هذا نظر؛ لأن الحديث الذي صرَّح بسماعه ليس فيه هذه الزيادة: "أو يزاد عليه" الثابتة في رواية عثمان، [ص ٩٥] فلعله سمع من أبي الزبير الحديث بغير الزيادة، وسمع ممن سمع منه الحديث بالزيادة. على أنه لو فُرِض تسليم سماعه الحديث بالزيادة من أبي الزبير، لم يلزم في قرن سليمان به كونه سمعه منه أيضًا. وفيه أيضًا: عنعنة أبي الزبير عن جابر، ولا ينفعه تصريحه بالسماع كما مر؛ لأن في هذا زيادة، فلعله دلَّسه لموضع الزيادة. وفيه أيضًا: سليمان بن موسى عن جابر، وقد قال ابن معين: سليمان بن موسى عن جابر مرسل. لكن في هذا بحث سيأتي إن شاء الله (١). وكذا في سليمان مقال، سيأتي تحقيقه إن شاء الله (٢). • [ص ٩٦] البيهقي (٣): أخبرنا أبو علي الروذباري أبنا محمد بن بكر (٤) ثنا أبو داود ثنا عثمان بن أبي شيبة ثنا حفص بن غياث عن ابن جريج عن سليمان بن موسى، وعن أبي الزبير عن جابر بهذا الحديث: "سمعت رسول

стр. 78

الله ﵌ نهى أن يقعد الرجل على القبر، أو يقصص، أو يبنى عليه". زاد: "أو يزاد عليه"، وزاد سليمان بن موسى: "أو أن يكتب عليه". أقول: هو الذي قبله. • النسائي (١): أخبرنا هارون بن إسحاق حدثنا حفص عن ابن جريج عن سليمان بن موسى وأبي الزبير عن جابر قال: "نهى رسول الله ﵌ أن يبنى على القبر، أو يزاد عليه، أو يجصص". زاد سليمان بن موسى: "أو يكتب عليه". رواته ثقات، وفيه ما تعلم مما تقدم. • [ص ٩٧] الإمام أحمد في "مسنده" (٢) (جزء ٣/ص ٢٩٥): حدثنا محمد بن بكر ثنا ابن جريج قال: قال سليمان بن موسى قال: قال جابر: "سمعتُ رسول الله ﵌ ينهى أن يُقْعد على القبر، وأن يُجَصص، وأن يُبنى عليه". فيه تدليس ابن جريج بقوله: "قال سليمان". و"قال" من صِيَغ التدليس. وفيه ما تقدم من قول ابن معين: إن سليمان بن موسى عن جابر مرسل. أي منقطع. وفيه تكرير لفظ "قال"، فـ"قال" التي عَقِب لفظ "ابن جريج" مُسْنَدة

стр. 79

لضمير ابن جريج، والتي تليها لسليمان بن موسى، ثم ذكر بعد سليمان بن موسى "قال: قال جابر" فالأخيرة مجاز، ويبقى التي قبلها. والظاهر أنها مسندة لضمير لم يُذْكَر مرجعه في الحديث، ولعله كان قد تقدم ذكره في كلام سليمان أو غيره بحضرته، كأنْ يقال له: هل سمعت عطاء ــ مثلًا ــ يحدث عن جابر في البناء على القبر؟ فيقول: قال ــ يعنى عطاء ــ قال جابر. فجاء ابن جريج فقال: "قال سليمان: قال: قال جابر". [ص ٩٨] وصَدَق أنه قال سليمان: "قال: قال جابر". ولكن عندما قال سليمان ذلك كان معلومًا مرجع الضمير لـ"قال" الأولى، وفي حديث ابن جريج صار مجهولًا، فلو صح سماع سليمان من جابر، لم ينفع في هذا الحديث، فهو على كل حال منقطع، أو فيه من لم يُسَمَّ، على الخلاف في تسمية مثله. ويجاب عن هذا: بأنه بعيد، والظاهر أن "قال" الثالثة تأكيدٌ للثانية، وهذا أولى مما ذكر، ومن احتمال كون الرابعة من زيادة النسَّاخ. وأما قاعدة "التأسيس أولى من التأكيد" فخاصّةٌ بما إذا لم يكن إرادة التأسيس أبعد، والتأكيد أقرب. • [ص ٩٩] ابن ماجه (١): حدثنا عبد الله بن سعيد ثنا حفص بن غياث عن ابن جريج عن سليمان بن موسى عن جابر قال: "نهى رسول الله ﵌ أن يُكْتَب على القبر شيءٌ". * * * *

стр. 80

[ص ١٠٠] تحقيق حال أبي الزبير (١) أما تدليسه فثابت، وقد مرَّ الكلام عليه عقب الروايات (٢)، وقد زال المحذور بصحة التصريح بالسماع، كما مرّ. وأما ما فيه من المقال: فقال الشافعي: يحتاج إلى دِعامة. وقال أبو زرعة وأبو حاتم: لا يحتج به. وأشد الناس عليه شعبة سَيّد المتعنّتين، سئل: لم تركت حديث أبي الزبير؟ قال: رأيته يَزِنُ، ويسترجح في الميزان. وروي عنه أنه قال: لا يحسن أن يصلي. وقال: بينا أنا جالسٌ عنده إذ جاء رجلٌ، فسأله عن مسألة، فرد عليه، فافترى عليه، فقلت له: يا أبا الزبير، أتفتري على رجل مسلم؟ قال: إنه أغضبني. قلت: ومن يغضبك تفتري عليه؟ لا حدثت عنك أبدًا. ووثقه الجمهور، كما سيأتي ذِكْر بعضهم. وكلمة الشافعي إن لم تكن من أدنى مراتب التعديل، فهي من أخفِّ مراتب الجرح. وكلمة أبي زرعة وأبي حاتم؛ من المرتبة التي تلي أخف مراتب الجرح.

стр. 81

ومن قيل فيه ذلك، فحديثه صالحٌ للاعتبار، فإن انضم إليه مثله كان الحديث حسنًا. [ص ١٠١] انظر "فتح المغيث" (١) (ص ٢٤). هذا لو فُرِض أنه لم يوثِّق أبا الزبير أحدٌ، فأما إذا وُثِّق ــ وهو الواقع ــ تعين الترجيح. أما قول شعبة: "رأيته يزن ويسترجح في الميزان" فذلك وإن كان ينافي كمال المروءة، فليس بجرح. قال ابن حبان (٢): ومن استرجح في الوزن لنفسه، لم يستحق الترك. وأما كلمته الثانية فلم تصح؛ لأنها من رواية سويد بن عبد العزيز، وهو ضعيف. وأما قصته الثالثة؛ فالافتراء حقيقته مطلق الكذب، وظاهر السياق أنه سبَّه، والافتراء إذا أُطلق في حكاية السبّ، فالظاهر أنه أُرِيد به القذف. وجوابه: ١ - أن الافتراء ليس نصًّا في القذف، فقد يُراد به مطلق السب، ولاسيما إذا كان شنيع اللفظ، كالإعضاض. [ص ١٠٢] فعليه، فقد يكون السائل أساء الأدب، فأعضَّه أبو الزبير، وقد جاء في الحديث: "من تعزَّى بعزاء الجاهلية، فأعِضُّوه بِهَنِ أبيه، ولا تكنوا" (٣).

стр. 82

٢ - وعلى تسليم أن شعبة أراد بها القذف، فلم يبين لفظ أبي الزبير، فيحتمل أنه قال كلمة يراها شعبة قذفًا، وغيره لا يوافقه، ولهذا قال الفقهاء: إذا قال الشاهد: أشهد أن فلانًا قذف فلانًا؛ لم يقبل حتى يفسّر. ولا يَرِدُ على هذا قول شعبة: فقلت له: أتفتري .. إلخ. وسكوت أبي الزبير عن نفي ذلك؛ لأن شعبة قد يكون إنما قال له: أتقول هذا لرجل مسلم؟ ثم أخبر شعبة عن ذلك بالمعنى على رأيه. أو يكون أبو الزبير ترك نفي ذلك؛ لأنه على كل حال قد جرى منه شيءٌ غير لائق، فرأى الأولى المبادرة إلى الاعتذار، بأنها كلمة سبقت على لسانه لشدة الغضب. ٣ - وعلى تسليم أنه قذفه قذفًا صريحًا، فقد يكون أبو الزبير مطلعًا على أن ذلك هو الواقع، وسكت عن ذكر ذلك لشعبة؛ لأنه على كل حال مما لا يليق، وإنما سبق أولًا على لسانه لشدة الغضب، ورأى أن هذا العذر كافٍ. ويُسْتأنس لما ذُكِر أنه لو كان القذف صريحًا، والمقذوف سالمًا لذهب فشكاه إلى الوالي، والحدود يومئذٍ قائمة. ٤ - وعلى كل حال، فقد أجاب أبو الزبير عن نفسه [ص ١٠٣] بقوله: "إنه أغضبني". أي: فلشدة الغضب جرت على لسانه ــ وهو لا يشعر ــ كلمة مما اعتاد الناسُ النطقَ به.

стр. 83

وقد جاء في الحديث: "لا طلاق في إغلاق" (١). وفُسِّر الإغلاق: بالغضب. وقال الله : ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥]. ٥ - قال الذهبي في "الميزان" (٢)، في ترجمة ابن المديني: "ثم ما كل من فيه بدعة، أو له هفوة، أو ذنوب تقدح فيه بما يوهن حديثه، ولا من شَرْط الثقة أن يكون معصومًا من الخطايا والخطأ". وفي "إرشاد الفحول" (٣) للشوكاني (ص ٤٩): "قال ابن القشيري: والذي صحَّ عن الشافعي أنه قال: في الناس من يمحض الطاعة فلا يمزجها بمعصية، و [لأن] (٤) في المسلمين من يمحض المعصية ولا يمزجها بالطاعة، فلا سبيل إلى ردِّ الكل، ولا إلى قبول الكل، فإن كان الأغلب على الرجل من أمره الطاعة والمروءة، قُبِلت شهادته وروايته، وإن كان الأغلب المعصية، وخلاف المروءة رددتهما (٥) " ا? . وفيه من جملة كلام عن الرازي: "والضابط فيه: أن كل ما لا يؤمن

стр. 84

مِن (١) جراءته على الكذب، تردّ الرواية، وما لا، فلا". وفيه: قال الجويني: "الثقة هي المعتمد عليها في الخبر، فمتى حصلت الثقة بالخبر قُبِل". [ص ١٠٤] أقول: وهذا هو المعقول، وعليه عمل الأئمة الفحول، فإن الحكمة في اشتراط العدالة في الراوي هي كونها مانعة له عن الكذب، فيقوى الظن بصدقه، فإذا جرت منه هفوة لا تخدش قوة الظن بصدقه، لم تخدش في قبول روايته. ومن هنا رجَّح الأئمة رواية الخوارج على رواية الشيعة؛ لأن الخوارج يعتقدون أن مطلق الكذب كفر، فضلًا عن الكذب على رسول الله ﵌. أما الشيعة فيتدينون بالكذب (التقية) حتى جوزوها من النبي ﵌، بل على الله ؛ لتأويلهم الآيات الواردة في مدح بعض الصحابة على خلاف ظاهرها، قائلين: إنما جعل الله تعالى ظاهرها الثناء استدراجًا لأولئك القوم، ليقوموا بنصر الدين، ويكفُّوا ضررهم عن النبي ﵌ وأهل بيته ... (٢). والذي يهمنا أن تلك الكلمة التي سبقت على لسان أبي الزبير بدون شعوره؛ لشدة غضبه، لا ينبغي أن نهدر بها مئات الأحاديث عن رسول الله ﵌، [ص ١٠٥] مع التحقق بكمال صدقه، وحفظه وضبطه، وتحرِّيه وإتقانه.

стр. 85

٦ - والظاهر من حاله، وما ثبت لدى جمهور الأئمة من عدالته، أنه تاب عنها في الوقت. ويلوح لي أن بعض أعدائه ــ بل أعداء الدين ــ دسّوا إليه ذلك السائل ليرصده، حتى إذا كان شعبة عنده، جاء فأغضبه؛ ابتغاء أن تسبق على لسانه كلمة، فينقمها شعبة عليه، وقد كان ما ظنوه. ولكن حيلتهم لم تطفئ نور الله الذي بصدر أبي الزبير، فاعتمده جمهور الأئمة الأعلام، واحتجوا به. الأئمة الموثقون له "الميزان" (١): ابن المديني: ثقة ثبت. ابن عون: ليس أبو الزبير بدون عطاء بن أبي رباح. يعلى بن عطاء: كان أكمل الناس عقلًا وأحفظهم. عطاء: كنا نكون عند جابر، فيحدثنا، فإذا خرجنا تذاكرنا، فكان أبو الزبير أحفظنا. ابن معين والنسائي وغيرهما: ثقة. ابن عدي: هو في نفسه ثقة، إلا أنه يروي عنه بعض الضعفاء، فيكون الضعف من جهتهم.

стр. 86

[ص ١٠٦] عثمان الدارمي: قلت ليحيى (بن معين) فأبو الزبير؟ قال: ثقة. قلت: محمد بن المنكدر أحب إليك، أو أبو الزبير؟ فقال: كلاهما ثقتان. وممن وثقه أيضًا الإمام مالك، فإنه روى عنه، وهو لا يروي إلا عن ثقة. والإمام أحمد، والساجي، وابن سعد، وابن حبان. وقال الذهبي: هو من أئمة العلم، اعتمده مسلم، وروى له البخاري متابعة. والظاهر أن الموثِّقين اطلعوا على قصة شعبة، واطلعوا على ما يدفع ما فيها من الإيهام، أو حملوها على بعض ما قدمنا، أو غير ذلك. ولاسيما ومنهم ابن معين، والنسائي، وابن حبان، وحسبك بهم تعنُّتًا في الرجال، كيف ومعهم بضعة عشر إمامًا. وسيظن ظانون أنه ما حدانا إلى الدفاع عن أبي الزبير إلا حرصنا على صحة حديثه هذا، فليعلموا أن الحجة قائمة بدونه مما مضى، وما سيأتي. [ص ١٠٧] وأن أبا الزبير لم تكن روايته قاصرة على هذا الحديث، فإن له أحاديث كثيرة، ربما يكون منها ما لا يوافق هوانا، ورغبة نفوسنا. وما دافعنا عنه إلا ونحن مستشعرون لذلك، ولكن نظرنا في حقيقة الحال، ففهمنا أن الرجل حجة، سواءً أكان لنا أم علينا، وكل من نظر بعين الإنصاف تحقق ما قلناه. والله الموفق، لا رب غيره. * * * *

стр. 87

[ص ١٠٨] تحقيق حال سليمان بن موسى (١) قال البخاري: عنده مناكير. النسائي: ليس بالقوي. أبو حاتم: محله الصدق، وفي حديثه بعض الاضطراب. أما عبارة البخاري؛ فهو وإن قال: "كل من قلت فيه: منكر الحديث، لا يحتج به"، وفي لفظ: "لا تحل الرواية عنه" ا? "فتح المغيث" (٢) (ص ١٦٣) = ففرقٌ بين "منكر الحديث" و "عنده مناكير". قال ابن دقيق العيد في "شرح الإلمام": "قولهم: "روى مناكير" لا يقتضي بمجرَّده ترك روايته، حتى تكثر المناكير في روايته، وينتهي إلى أن يقال فيه: "منكر الحديث"؛ لأن "منكر الحديث" وصفٌ في الرجل يستحق به الترك لحديثه. والعبارة الأخرى لا تقتضي الديمومة، كيف وقد قال أحمد بن حنبل في محمد بن إبراهيم التيمي: "يروي أحاديث منكرة"، وهو ممن اتفق عليه الشيخان، وإليه المرجع في حديث "الأعمال بالنيّات" ا?. "فتح المغيث" (٣) (ص ١٦٣). أقول: وإنما يُجْرَح بالمناكير إذا كان الرواة عن الرجل ثقات أثبات (٤)،

стр. 88

يبعد نسبة الغلط إليهم، وكذا مشايخه ومن قبلهم، ثم كثر ذلك في روايته، ولم يكن له من الجلالة والإمامة ما يقوِّي تفرُّده. وهم قد يطلقون هذه الكلمة إذا كانت تلك الأفراد مما رُوِيت عنه، وإن لم يتحقق أن النكارة من قبله، ويطلقونها إذا كان عنده ثلاثة أحاديث فأكثر. انظر كتب المصطلح. وقد سَرَد في "الميزان" (١) ما له من الغرائب، وهي يسيرة، وبيَّن أنه توبع في بعضها، ثم قال: "كان سليمان فقيه أهل الشام في وقته قبل الأوزاعي، وهذه الغرائب التي تُسْتنكر له يجوز [ص ١٠٩] أن يكون حفظها" ا? . قلت: وبعض الغرائب من رواية ابن جريج عنه بالعنعنة، وابن جُرَيج مدلّس، فربما كانت النكارة من قبل شيخٍ لابن جريج، دلَّس له عن سليمان. وعلى نحو ذلك تُحْمَل كلمة أبي حاتم، مع أن قوله: "بعض الاضطراب" يُشْعِر بقلته جدًّا، لاسيما مع قرنه له بقوله: "محله الصدق". أما كلمة النسائي؛ فتوهينٌ يسيرٌ، غير مفسَّر. وأبو حاتم والنسائي من المتعنتين في الرجال. الموثقون سعيد بن عبد العزيز: لو قيل: من أفضل الناس؟ لأخذت بيد سليمان ابن موسى. ابن عدي: تفرَّد بأحاديث، وهو عندي ثبتٌ صدوق.

стр. 89

يحيى بن معين: سليمان بن موسى عن الزهري، ثقة. دُحيم: كان مقدَّمًا على أصحاب مكحول. [ص ١١٠] ومع هذا كله، فليس الحديث الذي نحن بصدده من أفراده، ولكن أردنا تحقيق حال الرجل من حيث هو، كما فعلنا في شأن أبي الزبير. بقي البحث في سماعه من جابر: في "تهذيب التهذيب" (١): أرسل عن جابر، وفيه: وقال ابن معين: سليمان بن موسى عن مالك بن يُخَامر، وعن جابر مرسل. ا? . ولم يذكر ما يخالف ذلك، لكن رأيت في "مسند الإمام أحمد" (٢) (جزء ٣/ص ٢٩٥): ثنا عبد الرزاق أنا ابن جريج قال سليمان بن موسى: أنا جابر أن النبي ﵌ قال: "لا يقيم أحدُكم أخاه يوم الجمعة ثم يخالفه إلى مقعده، ولكن ليقل: افسحوا". ثنا محمد بن بكر أنا ابن جريج أخبرني سليمان بن موسى قال أخبرني جابر أن النبي ﵌ قال: "لا يقيم أحدُكم أخاه يوم الجمعة، ثم يخالفه إلى مقعده، ولكن ليقل: افسحوا".ا? . [ص ١١١] فقول سليمان في السند الأول: "أنا جابر" صريحٌ في سماعه من جابر، لكن فيه عنعنة ابن جريج. وأما السند الثاني؛ محمد بن بكر وابن جريج على شرط الشيخين، وقد

стр. 90

صرَّح كلٌّ منهما بالسماع، بحيث انتفى احتمال التدليس، وصرح سليمان بقوله: "أخبرني جابر"، ويبعد كلَّ البعد أن يكون ههنا سهو من النسَّاخ في السندين المتتابعين معًا، فلم يبق إلا أحد احتمالين: إما أن يكون صَدَق في أن جابرًا أخبره، وإما أن يكون كذب. وقد ثبت أن الرجل صدوق، وهو أعلم بنفسه من ابن معين وغيره. ولم ندرِ علامَ بنى ابنُ معينٍ حكمَه، فتمسَّكْنا بما صح من سماع سليمان عن جابر، وقد أدرك من حياة جابر مدةً طويلة. هذا، مع علمنا بأن ثبوت سماعه من جابر لا يفيد صحة حديثه في شأن القبور [ص ١١٢] ما دامت عنعنة ابن جريج قاطعة الطريق، إلا أن توجد رواية مصرحة بسماع ابن جريج منه لهذا الحديث. فأما تصريح سليمان بالسماع، فلا ضرورة إليه، إذ قد صحّ سماعُه من جابر، وليس بمدلّس. على أن مجرد إمكان لقيه لجابر كافٍ في حمل عنعنته على السماع، على ما اختاره مسلم، وسيأتي البحث فيه إن شاء الله تعالى، في تحقيق حال القاسم بن مخيمرة (١).

стр. 91

حديث أبي سعيد الخدري • ابن ماجه في "سننه" (١): حدثنا محمد بن يحيى ثنا محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الملك الرقاشي ثنا (وهب، وفي نسخة ــ وهو الصحيح ــ) وُهيب (بن خالد الباهلي) ثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن القاسم بن مُخَيمرة عن أبي سعيد: "أن النبي ﵌ نهى أن يُبنى على القبر". الإسناد صحيح، وإنما النظر في سماع القاسم من أبي سعيد، وسيأتي. • [ص ١١٣] "مسند أبي يعلى" (٢): حدثنا العباس بن الوليد النرسي نا وهيب نا عبد الرحمن بن يزيد (٣) بن جابر عن القاسم بن مُخَيمرة عن أبي سعيد قال: نهى نبي الله ﵌ أن يُبنى على القبور، أو يُقعد عليها أو يُصلى إليها". العباس بن الوليد: من رجال "الصحيحين". • "جامع الزوائد" (٤): وعن أبي سعيد قال: "نهى نبي الله ﵌ أن يُبنى على القبور أو يُقْعَد عليها أو يصلّى إليها". ورواه أبو يعلى ورجاله ثقات.

стр. 92

قلت: ذكرته استظهارًا، لأن نسخة "مسند أبي يعلى" التي نقلت عنها الحديث خطية، وكذا نسخة "جامع الزوائد". * * * * [ص ١١٥] حال القاسم بن مخيمرة في "تهذيب التهذيب" (١) أول ترجمته: روى عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وأبي سعيد الخدري، وأبي أمامة ... إلخ. ثم ذكر بعد أسطر عن يحيي بن معين أنه قال: لم نسمع أنه سمع من أحدٍ من الصحابة. وفي آخر ترجمته: قال ابن حبان: "سأل عائشة عما يلبس المحرم". [ص ١١٦] أقول: لم أجد فرصةً لتفتيش كتب الحديث لتحقيق سماع القاسم بن مُخَيمرة مِن أبي سعيد ﵁، لكنه كان معاصرًا له قطعًا، فقد ثبت بما قاله ابن حبان أن القاسم أدرك عائشة إدراكًا بينًا، وقد كانت وفاتها سنة (٥٧) فإدراكه لأبي سعيد بَيِّن واضح؛ لأن أقل ما قيل في وفاة أبي سعيد أنها سنة (٦٣) وأكثره سنة (٧٤)، ووفاة القاسم ــ على ما ذكر ابن سعد (٢) ــ في خلافة عمر بن عبد العزيز سنة (١٠٠) تقريبًا (٣).

стр. 93

الحمد لله بحث شرط اللقاء نقل مسلم ﵀ في مقدمة "صحيحه": إجماع السلف من أئمة الحديث على الاكتفاء بالمعاصرة في تصحيح المعنعن من غير المدلِّس، ما لم يقم دليل على نفي اللقاء، وشنَّع على من اشترط ثبوت اللقاء من أهل عصره. ثم جاء المتأخرون فقالوا: إن الاشتراط قول المحققين، وذكروا منهم البخاري وشيخه ابن المديني. [ص ١١٧] ولا يخفى أن هذا لا ينافي سَبْق الإجماع لهما، ومجرَّدُ حُسْن الظن بهما أنهما لا يخرقان الإجماع، ولعلهما اطلعا (١) أنه لم يزل في طبقات السلف من يشترط اللقاء= لا يُغني شيئًا. فلو ناظر مسلمٌ البخاريَّ، فقال: أنت وشيخك مسبوقان بالإجماع، لم يفده إلا أن يصرِّح بالنقل عن بعض السلف من جميع الطبقات في موافقة قوله؛ فأما مجرد إنكار الإجماع فلا يفيد، إذ الإجماع من الأمور التي لا يطالب مدّعيها بدليل. أما لو قال البخاري: إنه يلزمك وغيرك حسن الظن بنا، لكان قد أتى بما يُضْحَك منه.

стр. 94

نعم ذكر السخاوي في "فتح المغيث" (١) (ص ٦٦): عن الحارث المُحاسبي ما يُظنّ خادشًا للإجماع حيث قال: "اختلف أهل العلم .. إلخ". لكنه لا يصادم نقل مسلم؛ لاحتمال أن يكون راعَى خلافَ ابنِ المديني، ومع هذا فإننا لا نُقْنِع أنفسنا بالتمسّك بدعوى الإجماع، كما لا يَهُولُنا دعوى التحقيق في الطرف الآخر، بل نسعى لتحقيق البحث بأدلته الحقيقية على صورة مناظرة، مشيرين لمذهب مسلم رقم (١)، ومقابله برقم (٢)، ونستوفي البحث بقدر الجهد، بحسب ما اطلعنا عليه من أدلة الفريقين، وما ظهر لنا أنه قد يُستدل به. والله المستعان. [ص ١١٨] (١) الأصل الثابت في الرواية أن يكون عما شاهده الراوي وأدركه، سواء أعَلِم السامع لقاءً للمروي عنه أم لا، وعليه فهذا هو الأصل والظاهر الذي يجب التمسُّك به حتى يتبين خلافه. (٢) ما دليلكم على ذلك؟ (١) نذكر أمثلة نوضحه بها: أـ مصريٌّ زار اليمن، ثم عاد فأخذ يخبر عن فلان من علماء صنعاء أنه قال: كذا، وعن آخر من علماء زبيد، وثالث من علماء تعز، والسامعون لا يسمعون بأولئك العلماء، ولم يخبرهم أنه لقيهم، ولا أنهم أحياء. ب ــ هنديٌّ زار الحجاز، ثم عاد، فأخذ يخبر عن فلان من علماء مكة، وفلان من علماء المدينة، وفلان من علماء الطائف، والسامعون كما تقدم. ج ــ عالمٌ هنديّ أخذ يخبر بمثل الذي قبله، مع أن السامعين لا يعلمون أزار الحجاز أم لا؟

стр. 95

من تأمل هذه الأمثلة علم أن الذي يتبادر إلى الأذهان من رواية أولئك الأشخاص أنها عن سماع، مع أن الفرض أن الراوي عنعن، وأن السامع لا يعلم المعاصرة بدليل خارجي، فضلًا عن اللقاء، أما إذا علمها فإن الأمر يزداد قوة. [ص ١١٩] (٢) (١) هذه الأمثلة تُعارَض بغيرها، فإذا ذهب شرقيٌّ إلى أوربا، ثم عاد فأخبر عن فلان بإنجلترا، أو عن فلان بفرنسا، وعن فلان بألمانيا، فإن الذي يتبادر عدم السماع، وإن عُلِمت المعاصرة. (١) هذا التبادر لوجود القرائن الصارفة عن الأصل، كتباعد البلدان وضعف الدواعي إلى زيارتها، وزيادة المشقة في ذلك، ووجود البرق والبريد والصحافة والتأليف بكثرة، وغَلَبة الإرسال بحيث لا تكاد تجد إنسانًا يقول: أخبرني فلان عن فلان، وغير ذلك، ولهذا مثلنا أمثلة بريئة عن القرائن، وإن شئت فتصوَّرْها واقعةً في زمن التابعين حيث كانت الأقوال ــ ولاسيما السنة ــ إنما تؤخذ من ألسنة الرجال، فلا برق ولا بريد ولا صحافة، بل ولا تأليف. والناس يومئذ أهل جدٍّ وتشمير في الرحيل لطلب العلم، ولاسيما للقاء أصحاب رسول الله ﵌، فكيف إذا كان الراوي أو المروي عنه بأحد الحرمين، والناس يومئذ كلهم يزورون الحرمين، وكثير منهم من يحج كل سنة؟

стр. 96

[ص ١٢٠] فكيف إذا شئت زيارة الحرمين بالفعل، أو كان أحد الرجلين ببلدة قد وصلها الآخر، فكيف إذا أقاما ببلدة واحدة؟ ! والحاصل أن الأصل كما قررناه، وأنه قد تقوم قرائن تصرف عنه، وقد تقوم قرائن تؤيده. ولنذكر مثالًا آخر يوضّح ذلك الأصل: كنا في بومباي ــ مثلًا ــ فجاء رجل من السند، لم يصل بومباي قبل، فمكث في بومباي بضعة أيام، ثم لقينا، فأخذ يخبرنا عن فلان المدرِّس بمدرسة كذا في بومباي أنه قال كذا، وعن فلان الإمام بمسجد كذا فيها أنه صلى الجمعة بسورة كذا، وعن فلان التاجر بها أن سائلًا سأله فرد عليه بكذا. فالذي يتبادر إلى الأذهان أنه لقي أولئك الأفراد وسمع منهم، مع أنه لو لم يخبرنا بذلك، لم يترجَّح لنا ألقيهم أم لا. فتبين أن التبادر إنما جاء من الرواية، فثبت أن الأصل في الرواية، أن تكون عما شاهده الراوي وأدركه. [ص ١٢١] (٢) لعل اصطلاح المحدّثين كان على خلاف ذلك، كما يدل عليه ذهاب ابن المديني والبخاري، ومن تبعهما إلى ما ذهبوا إليه. (١) قد أسلفنا أن مجرد ذهابهما إلى ذلك القول لا يصلح نقضًا لما نقله مسلم من إجماع السلف، وهو يدل أبلغ دلالة أن اصطلاحهم كان موافقًا للأصل، بل هناك من القرائن ما يدلّ على شدة محافظتهم على الأصل أشدّ من محافظة غيرهم، وذلك مزيد احتياطهم وتثبتهم وجريان عادتهم بالإسناد، والتحفُّظ من نقد النقاد، وغير ذلك.

стр. 97

على أننا لو تنازلنا عن دعوى الإجماع بقيت الأغلبية، وهي كافية في إثبات المطلوب، مع أن موافقة البخاري وشيخه على حمل عنعنة من ثبت لقاؤه على السماع، يدل على ما ذكرنا، وإلا لكانت الحجة عندهما هي مجرَّد اللقاء. فيلزمهما أن كل من لقي شيخًا ثبت سماعه لكل حديثه، وهذا كما ترى. [ص ١٢٢] وإنما رأيا أن دلالة الرواية بدون ثبوت اللقاء لا تخلو عن ضعف، فاشترطا تقويتها بثبوت اللقاء. ونحن نسلِّم أن الرواية مع ثبوت اللقاء أقوى منها بدونه غالبًا، ولكن هذا لا يقتضي عدم حجيتها، إذا كانت في نفسها دلالة ظاهرة محصِّلة للظن، على أنه يعلم مما قدمناه أن القرائن قد تتظافر على إثبات اللقاء حتى تكاد تقطع به، وإن لم ينقل صريحًا. (٢) لنا: شيوع الإرسال في السلف، فإنه دليل على أن اصطلاحهم على خلاف الأصل الذي قدَّمْتُم. (١) أما الإرسال الجلي فلا نزاع فيه؛ لأن المرسل يتَّكِل على وضوح القرينة الصارفة عن الأصل، وهذا إنما هو كشيوع المجاز، لا يقتضي إلغاء الحقيقة (١). وأما الإرسال الخفي، فلنا جوابان عنه: أ- لا نسلِّم شيوعه. والاستقراء يدل على قلته؛ فإن أكثر رواية التابعين وتابعيهم المتصلة معنعنة، ولو كان الإرسال الخفي شائعًا فيهم لأقلوا خشية

стр. 98

[ص ١٢٣] الإيهام. (٢) لعلهم كانوا يتَّكِلُون على ثبوت اللقاء. (١) ما كل سامع لحديثهم بمُطَّلع على اللقاء، فالإيهام باقٍ بالنسبة إلى من لم يطلع. (٢) لعلهم كانوا يتكلون على أن من لم يطلع على ثبوت اللقاء يسأل عنه. (١) قد يتساهل فلا يسأل، مع أنه قد يغلب على ظنه ثبوت اللقاء للقرائن المتقدمة، فالأسهل والأحوط التصريح بالتحديث من أول وهلة ولا حامل على تركه. فتبين أنهم إنما كانوا يعنعنون المتصلات؛ لاعتقادهم دلالة ذلك على السماع، بل إذا تتبعت رواية المدلسين وجدتهم كثيرًا ما يعنعنون المتصلات، فلماذا يعنعنون مع علمهم بأن عنعنتهم لا تُحْمَل على السماع لتدليسهم؟ هل يقال: إنهم كانوا يريدون أن يوهموا أنهم لم يسمعوا تلك الأحاديث، والحال أنهم سمعوها؟ ! هذا عكس التدليس المتعارف. فالتدليس: إيهام السماع مع عدمه، وهذا إيهام عدم السماع مع ثبوته، وغرض المدلس إنما يتعلق [ص ١٢٤] بالأول دون الثاني. فتبين أنهم إنما كانوا يعنعنون جريًا على الأصل والعُرْف المطَّرد في الاكتفاء بالعنعنة في المسموع.

стр. 99

ب ــ (١) الإرسال الخفي تدليس، والكلام في الراوي غير المدلس، فإذا سويتم بين من وصف بالتدليس وغيره؛ لزمكم أن تردوا المعنعن مطلقًا، كما ذكره مسلم رحمه الله تعالى. (٢) كلا ليس الإرسال الخفي تدليسًا، إذ لا إيهام فيه مع عدم اللقاء. (١) قد قدمنا ما يُعْلَم منه أن الإيهام واقع، وإن لم يثبت اللقاء، ويتأكد بالقرائن، كما مر. (٢) على كلِّ حال المختار أنه ليس تدليسًا، كما يُعْلَم بمراجعة كتب المصطلح. (١) التحقيق أنه تدليس، ولكن لا نطيل ببيانه، إذ يغنينا أن نقول: لا يضرّ الخلاف في الاسم، فالإرسال الخفي كالتدليس في الإيهام والتغرير، بل هو أقبح منه وأشنع، قال في "فتح المغيث" (٢) (ص ٧٤ - ٧٥): "فقال ابن عبد البر في "التمهيد" (٣): ولا يكون ذلك عندهم إلا عن ثقة، فإن دلس عن غير ثقة؛ فهو تدليس مذموم [ص ١٢٥] عند جماعةِ أهلِ الحديث. وكذلك إن حدَّث عمن لم يسمع منه، فقد جاوز حدّ التدليس الذي رخَّص فيه من رخَّص من العلماء إلى ما ينكرونه ويذمونه ولا يحمدونه. وسبقه لذلك يعقوب بن شيبة كما حكاه الخطيب عنه، وهو مع قوله في موضع آخر: "إذا وقع فيمن لم يلقه ... أقبح واسمع (أشنع) (٤). يقتضي أن

стр. 100

الإرسال أشد، بخلاف قوله الأول، فهو مُشْعِر بأنه أخف، فكأنه هذا (هنا) عنى الخفي لما فيه من إيهام اللقيّ والسماع معًا، وهناك عنى الجلي لعدم الالتباس فيه". اهـ. أقول: قوله: "إيهام اللقي والسماع معًا"، أي لأن الرواية توهم السماع، ولا يكون سماع إلا مع لقي، وكلاهما غير واقع، بخلاف التدليس، فإن أحدهما وهو اللقي واقع. (٢) لكن الإيهام في التدليس أقوى لثبوت اللقاء. (١) نعم، غالبًا، لكن قوة الإيهام فيه لا تنافي وجود الإيهام في الإرسال الخفي، على أن الإيهام في هذا لأمرين كلاهما غير واقع، وفي التدليس لأمرٍ واحد غير واقع، مع أنه قد يكون هناك قرائن تقوِّي إيهام اللقاء. [ص ١٢٦] (١) فقد لزمكم على الأقل أن تسووا بين الأمرين، فكما أنكم لا تقبلون عنعنة من لم يثبت لقاؤه خشية الإرسال الخفي، وإن لم يوصف بأنه كان يفعله، فكذلك لا تقبلوا عنعنة من ثبت لقاؤه خشية التدليس، وإن لم يوصَف بأنه كان يدلِّس. (٢) هاهنا فرق، وهو: أن السلامة من التدليس هي الأصلُ، والظاهرُ من حال الثقة، فلا يقاوم لاحتماله وزن ما لم يُنقل. (١) وكذلك نقول في الإرسال الخفي سواء، بل السلامة من الإرسال الخفي أقرب، لأمور: منها: أنه أقبح وأشنع كما مر، فالثقة أشد بُعْدًا عنه.

стр. 101

ومنها: أن الغرض الحامل عليه أضعف من الحامل على التدليس، لأن الشخص قد يستنكف عن إدخال واسطة بينه وبين شيخ قد لقيه وسمع منه، لأن ذلك يوهم تقصيره بخلاف من لم يلقه. ومنها: أن الشخص يرغب في التدليس، لأنه أروج لدلسته من الإرسال الخفي. ومنها: أنه لا يأمن الإنكار في الإرسال الخفي، فإنه قد يكون هناك من يعلم عدم اللقاء فيبادر بالإنكار عليه [ص ١٢٧]، بخلاف التدليس، فإنه لا يُنْكَر عليه الرواية عن شيخ قد لقيه وسمع منه. (٢) أما المدلسون فقد تكفَّل الأئمة ببيانهم، بخلاف الإرسال الخفي، فلم يبينوا أهله على جهة الاستقصاء، وهذا يدل أنهم كانوا يرون الخطر في التدليس، ولا يرون في الإرسال الخفي خطرًا. وهذا إنما يتمشَّى على أنهم كانوا يشترطون اللقاء في قبول المعنعن، فمتى فُقِد اللقاء، فالعنعنة غير مقبولة لفقده، سواء أكان الراوي ممن يرسل الإرسال الخفي أم لا. ومتى ثبت اللقاء فالعنعنة مقبولة، إلا إن كانت من مدلِّس، فلهذا اهتموا ببيان المدلسين، بخلاف الإرسال الخفي. (١) هذه مغالطة، فقد قدمنا بيان دلالة الرواية على السماع، وقدمنا نقل مسلم لإجماع السلف على حملها على السماع إذا ثبتت المعاصرة فقط، وبسطنا ذلك أحسن بسطٍ، وأما هذه الشبهة فلنا جوابان عنها: جواب مكافأة، وجواب إنصاف.

стр. 102

[ص ١٢٨] أ - أنه إن كان الأئمة لم ينقلوا عن أحد أنه كان يرسل إرسالًا خفيًّا، فهذا دليل لنا على غلظه وشدة شناعته وقبحه، بحيث إن جميع المحدثين تنزَّهوا عنه، إلا الكذابين، فإن وصفهم بالكذب يغني عن وصفهم بالإرسال الخفي، وإن كان الأئمة نقلوا ذلك، ولكن عن قليل بالنسبة إلى من نقلوا عنه التدليس، فهذا أيضًا دليل لنا على شناعة الإرسال الخفي، بحيث إن الموصوفين به من المحدثين قليل جدًّا بالنسبة إلى المدلِّسين. ب- المشهور بين المحدِّثين أن الإرسال الخفي تدليس، فالوصف بالتدليس يتناول النوعين، ولنا بحثٌ في تحقيق هذه المسألة نلخصه هاهنا: في عبارة ابن الصلاح (١) في حد التدليس "فتح المغيث" (٢) (ص ٧٣): "وعمن عاصره ولم يلقه موهمًا أنه قد لقيه وسمعه". وتبعه النووي، وعبارته في "التقريب" (٣): "بأن يروي عمن عاصره ما لم يسمعه منه موهمًا سماعه"، وكذا العراقي. وقال في "فتح المغيث" (٤) (ص ٧٤): "إنه هو المشهور بين أهل الحديث". ومثله للسيوطي في "شرح التقريب" (٥)، [ص ١٢٩] وهو ظاهر عبارة الخطيب في "الكفاية" (٦). انظر "فتح المغيث" (ص ٧٤) وإن قال

стр. 103

الحافظ (١): إنها تخالفه. ويؤيد هذا القول: أن معنى التدليس لغةً يتناوله، والأصل عدم النقل. وأما البزَّار وابن القطان وابن عبد البر، فإنهم وإن خصوا تعريف التدليس بما ثبت منه (٢) اللقاء؛ فقد فرقوا بينه وبين الإرسال بوجود الإيهام في الأول بخلاف الثاني، وهذا يدلك أنهم أسقطوا الإرسال الخفي، فلا أدخلوه في تعريف التدليس لما مر، ولا في الإرسال؛ لقولهم: "إن الإرسال لا إيهام فيه". ومع ذلك فكلامهم يدلّ على إلحاقه بالتدليس، لوجود الإيهام فيه، فليس من الإرسال. ولقولهم: إن التدليس إنما كان تدليسًا لوجود الإيهام. وفي هذا إيهام وأيُّ إيهام. انظر عبارة ابن عبد البر المنقولة سابقًا. وأما كلام الشافعي، فلم أقف عليه الآن، إلا أن المدَّعى إنما هو أنه يقتضيه وليس صريحًا فيه. وأما قول أبي حاتم في أبي قِلابة الجَرْمي "فتح" (٣) (ص ٦٧): إنه كان يروي عن جماعة لم يسمع منهم لكنه عاصرهم، كأبي زيد عمرو بن أخطب، وقال مع ذلك: إنه لا يُعْرَف له تدليس. ا? . فيُحْمَل على الإرسال الجلي، بأن يكون مشهورًا بين الناس أنه لم

стр. 104

يلقهم، فلا إيهام، والرواية عن المعاصر إنما تكون تدليسًا إذا وجد الإيهام. [ص ١٣٠] وأما استدلال الحافظ "فتح" (١) (ص ٧٣): بإطباق أهل العلم بالحديث على أن رواية المخضرمين كأبي عثمان النهدي وقيس بن أبي حازم عن النبي ﵌ من قبيل الإرسال، لا من قبيل التدليس، فلو كان مجرد المعاصرة يُكتفى به في التدليس؛ لكان هؤلاء مدلسين؛ لأنهم عاصروا النبي ﵌ قطعًا، ولكن لم يُعْرَف هل لقوه أم لا؟ ا? . وجوابه: أن الصحبة أمر غير مجمل لا يخفى، فكان معلومًا للتابعين أن هؤلاء ليسوا بصحابة، فلم يكن في إرسالهم إيهام. وقوله ــ ﵀ ــ: "ولم يُعْرَف هل لقوه أم لا" فيه نظر. "راجع تراجمهم في كتبه". على أنه لو فُرِض أنه لم يقم دليل على عدم لقائهم له ﵌، لالتزمنا أن تكون روايتهم عنه دعوى صحبة لها حكمها. ومع هذا كله فالمدَّعَى إنما هو كون هذا القول هو المشهور بين أهل الحديث، فلا ينافيه أن يكون منهم من يخالفه. [ص ١٣١] على أنه لو فُرِض أن الإرسال الخفي لا يسمى تدليسًا، لكان وصف الشخص بالتدليس يدل على أنه لا يتنزه عن الإرسال الخفي؛ لأنهما متقاربان متشابهان. (٢) بقي لنا اعتراض واحد، إن تفصَّيتم عنه فقد فلَجْتُم، وهو: أن الثقة

стр. 105

قد يرسل عمن عاصره غير قاصد إيهامًا، بل اتكالًا على معرفة السامع بعدم اللقاء، كما حملتم عليه قول أبي حاتم في أبي قلابة الجرمي، فيكون هذا إرسالًا خفيًّا في الحقيقة لا يمتنع اتصاف الثقة به، ولا يلزم الأئمة نقله، وإن صار فيما بعد خفيًّا. (١) هذا أشق ما أوردتموه، وعلى ذلك فجوابه [ص ١٣٢] من وجهين: إلزامي، وتحقيقي. أما الإلزامي: فلأنه يلزمكم مثله في التدليس، بأن يقال: إن الثقة قد يرسل عمن لقيه وسمع منه غير قاصدٍ إيهامًا، بل اتكالًا على معرفة السامع بأنه وإن لقيه لم يسمع، أو سمع منه ولكن هذا المعنعن ليس مما سمعه وهذا لا يسمى تدليسًا، إذ لا إيهام فيه، فلا يمتنع اتصاف الثقة به، ولا يلزم الأئمة نقله، وإن صار فيما بعد تدليسًا. فإذا اعتبرتم الاحتمال هناك، لزمكم اعتباره هنا، فتردون كلَّ معنعن كما قاله مسلم ﵀. وأما التحقيقي؛ فنقول: إن السامع من المُعَنعِن إذا كان ثقة غير مدلس كما هو المفروض، فإنه يبين أن شيخَه لم يلق الذي روى عنه، فإن فُرِضَ أن هذا السامع حَدَّث من يعلم بعدم لقاء المعنعن لشيخه، فهذا المحدِّث إذا كان ثقة غير مدلس كما هو المفروض، فإنه يبين وهكذا. فتلخَّص من هذا: أنه إذا ثبت عن أحد رجال السند [ص ١٣٣] بيان أن المعنعِن لم يلق المعنعَن عنه، فالأمر واضح، وإن لم يجئ البيان عن أحدٍ منهم ولا عن غيرهم، وجب حمل تلك العنعنة على السماع؛ وإلا لزم أن يكون في الرجال مدلِّس، المفروض سلامتهم من التدليس، وهذا هو

стр. 106

جوابكم عما ألزمناكم، فصحّ وثبت أن العنعنة من المعاصر غير المدلس إذا رُوِيت بسندٍ رجاله ثقات غير مدلسين، فهي محمولة على السماع، إلا أن يقوم دليل على خلافه. ومثل العنعنة غيرها من ألفاظ الرواية التي ليست صريحةً في السماع، ولا في عدمه. (٢) هل وافقكم أحدٌ على رأيكم هذا؟ (١) ها هي الأدلة بين أيديكم، تأملوها، فإن رأيتم الدليل موافقًا لنا، فماذا بعد الحق إلا الضلال، وإن رأيتموه علينا، فلن ينفعنا موافقة أحد. على أننا قد قدمنا أن هذا قول الإمام مسلم بن الحجاج، ونقل أنه إجماع السلف من أهل الحديث، ولم تخدش دعوى الإجماع بما يعد خادشًا، وقد نقل السخاوي (ص ٦٢) (١) كلامًا عن ابن الصيرفي نلخصه: "أن التابعيَّ إذا قال: "عن رجل من الصحابة" [ص ١٣٤] لا يقبل، إذ لا يعلم أعاصره أم لا، فلو أمكنَ عِلْمُ أنه عاصره جُعِل كمدرك العصر ... ". ثم قال السخاوي: "وتوقف شيخنا (٢) في ذلك؛ لأن التابعي إذا كان سالمًا من التدليس حُمِلَت عنعنتُه على السماع، وهو ظاهر. قال: ولا يقال: إنما يتأتى هذا في حق كبار التابعين الذين جُلّ روايتهم عن الصحابة بلا واسطة، وأما صغار التابعين الذين جلُّ روايتهم عن التابعين؛ فلا بد من تحقّق إدراكه لذلك الصحابي، والفَرْض أنه لم يسمعه

стр. 107

حتى نعْلم هل أدركه أم لا؟ لأنا نقول: سلامته من التدليس كافية في ذلك، إذ مدار هذا على قوة الظن، وهي حاصلة في هذا المقام" ا? . أقول: وإذا كان هذا مع احتمال عدم إدارك المعنعن للصحابي، فضلًا عن لقائه، ففي مسألتنا أولى وأحرى؛ لأنه قد ثبت الإدراك وربما قامت عدة قرائن تدل على اللقاء، كما مرّ. والعجب من الحافظ ﵀ كيف مشى معهم [ص ١٣٥] في ترجيح رد عنعنة من عُلِمت معاصرته دون لقائه، مع أنها قد تقوم القرائن على اللقاء، وتوقّف عن ردِّها بل احتجَّ لقبولها في حق من لم تُعْلَم معاصرته أصلًا، وكان العكس أقرب كما هو واضح. والله أعلم.

стр. 108

[ص ١٣٦] حديث أم سلمة قال الإمام أحمد في "مسنده" (١) (جزء ٦ ص ٢٩٩): ثنا حسن ثنا ابن لهيعة ثنا يزيد بن أبي حبيب عن ناعم مولى أم سلمة عن أم سلمة قالت: "نهى رسول الله ﵌ أن يُبنى على القبر أو يُجَصَّص". ثنا علي بن إسحاق ثنا عبد الله (يعني ابن المبارك) أخبرنا ابن لهيعة حدثني يزيد بن أبي حبيب عن ناعم مولى أم سلمة: أن النبي ﵌ "نهى أن يُجَصص قبر، أو يُبنى عليه، أو يُجْلَس عليه".اهـ. [ص ١٣٧] في ابن لهيعة كلام كثير، ولكن فصل الخطاب فيه ما ذكره الذهبي في "الميزان" (٢) قال: "قال ابن حبان: قد سبرتُ أخباره من رواية المتقدمين والمتأخرين عنه، فرأيت التخليط في رواية المتأخرين عنه موجودًا وما لا أصل له في رواية المتقدمين كثيرًا، فرجعت إلى الاعتبار, فرأيته كان يدلس عن أقوام ضعفاء على أقوام رآهم ابن لهيعة ثقات, فألزق تلك الموضوعات بهم" ا?. أقول: قوله "ضعفاء" أي: عند الناس فلا ينافي أن يكون ابن لهيعة يظنهم ثقات. إذا تقرر هذا، فحديث المتقدمين صحيح، لا يخشى منه إلا التدليس، فإذا جاء من روايتهم ما صرَّح فيه ابن لهيعة بالتحديث فهو صحيح.

стр. 109

لكن في "الميزان": "وقال أبو زرعة: سماع الأوائل والأواخر منه سواء، إلا ابن المبارك وابن وهب كانا يتتبعان أصوله، [ص ١٣٨] وليس ممن يحتج به" ا? . وقال ابن مهدي والإمام أحمد وأحمد بن صالح والفلاس وغيرهم: إن رواية المتقدمين عنه صحيحة. والحافظ عبد الغني والساجي وغيرهما: إذا روى العبادلة عن ابن لهيعة فهو صحيح. وقال أحمد بن صالح: كان ابن لهيعة صحيح الكتاب طلَّابًا للعلم، وقد ضعّفه قوم مطلقًا. ونصّ بعضُهم: أنه ضعيف أولًا وآخرًا. والحق ما حققه ابن حبان، فإنه قد حقق ما ظنوه وفصَّل ما أجملوه. إذا تقرر هذا، فحديث الباب: الرواية الأولى: حسن ثنا ابن لهيعة: ضعيفة. والثانية: من حديث ابن المبارك أخبرنا ابن لهيعة حدثني ... إلخ: فهي صحيحة، لأن ابن المبارك من العبادلة، ومن المتقدمين، وممن كان يتتبع كتبَ ابن لهيعة، وقد صرَّح ابن لهيعة بالتحديث. فالظاهر أن ما في الرواية الأولى من زيادة الوصل، ونقص ذكر الجلوس من التخليط، فالحكم للمرسل [ص ١٣٩]، فالحديث مرسل صحيح. فأما من يحتج بالمرسل وحده، فهو عنده حجة مستقلة.

стр. 110

وأما من يشترط أن يعتضد؛ فهو عنده حجة لما تقدم من العواضد. ويؤيده أن ناعمًا مع إدراكه كثيرًا من الصحابة، قليل الحديث، لم يحدِّث إلا عن مولاته أم سلمة، وعن عبد الله بن عَمرو، فالظاهر أن إرساله مما سمعه من الصحابة. والله أعلم.
следующие страницы →