لقوله: قد ظفرت بذلك معنى، وقد وقف عبد القاهر عند الاستئناف في هذه الجملة، والإشارة فيها وذكر أنه موضع الشاهد، والصنعة والمزية.
وهذا الاستعمال الذي يسجد المعنويات بواسطة هذه الخصوصية كثير جدًّا في الشعر والكلام الجيد، وسوف نشير إلى بعض صوره في القرآن، وهي أيضا كثيرًا جدًّا.
وخذ منها قوله تعالى على لسان المنكرين للبعث: ﴿قَالُوا أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ، لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ ١.
أشاروا إلى البعث وهو أمر معنوي كما ترى بقولهم: لقد وعدنا نحن، وآباؤنها هذا من قبل، فأفادوا بذلك أن القول بالبعث مما هو شائع في أجيالنا شيوعا كأنه به محدد منظور، ومع ذلك فنحن نرفضه كما رفضه آباؤنا، فكأنهم يوهمون
بذلك أن رفضهم كان بعد بحثه والنظر فيه، وتأمل قولهم بعد ذلك: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ ، تجد أنهم ميزوه وأبرزوه مرة ثانية في صورة محسوسة ليتقرر
الحكم عليه في زعمهم أنه أساطير الأولين، ثم إن هذا الحكم بأنه أساطير
الأولين كان كأنه نتيجة بحث ونظر.
وخذ قوله تعالى: ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ ٢.
والإشارة تفيد أن تقليب الليل، والنهار عبرة واضحة شاخصة، والبعد يفيد أنها مع وضوحها لا تهتدي بها، ولا تعرج إليها إلا النفوس المهيأة لوعي آيات الله في كونه، الإشارة إذن تضع آيات الله الكبرى في المنظور الحسي، ثم تستحث وعي الإنسان ليستشرفها، وهذا لا يخطئك في كثير من الآيات
стр. 177
الكريمة، وراجع ما ذكرناه في آية الإفك تجد الإشارة أبرزت الأمور المعنوية لقوة شيوعها في صورة محسوسة.
ومن أشهر الأغراض التي يذكرها البلاغيون لتعريف المسند إليه باسم الإشارة، هو أن تذكر أوصافًا عديدة للشيء، ثم تذكره باسم الإشارة جاعلا ما يترتب على تلك الأوصاف مسندا إلى هذا الاسم، واسم الإشارة هذا يفيد أن ما يرد بعده، فالمشار إليه جدير به، اقرأ قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ ١؛ تجد أن الآية الكريمة ذكرت هؤلاء القوم، وعددت بعض أوصافهم التي تجعلهم أهلا للخير الوارد بعد اسم الإشارة، فهم ينقضون عهد الله، ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض، ومن هذه أوصافه جدير بأن يكون من الخاسرين.
ومثلها قوله تعالى في أوصاف المتقين: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ، وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ، أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ٢، وصفهم بالإيمان بالغيب، وهذه أعلى مراتب الإيمان، ثم وصفهم بأنهم يحفظون حق الله فيقيمون الصلاة، كما يحفظون حقوق الفقراء في أموالهم فيؤتون الزكاة، ثم وصفهم بأصالة الخير في معادنهم، فهم يؤمنون بما أنزل على الأنبياء، وهكذا رشحتهم هذه الأوصاف،
وجعلتهم أهلا للفلاح الواقع بعد اسم الإشارة.
ومن شواهد البلاغيين المشهورة في هذه المعنى قول حاتم الطائي:
ولله صعلوك يساور همه ... ويمضي على الأحداث والدهر مقدما
فتى طلبات لا يرى الخمص ترحة ... ولا شبعة إن نالها عد مغنما
стр. 178
إذا ما رأى يوما مكارم أعرضت ... تيمم كبراهن ثمت صمما
يرى رمحه أو نبله ومجنه ... وذا شطب غضب الضريبة مخدما
وأحناء سرج قاتر ولجامه ... عتاد أخي هيجا وطرفا مسوما
فذلك إن يهلك فحسنى ثناؤه ... وإن عاش لم يقعد ضعيفا مذمما
فقد وصفت نفسه بأنه أخو هم، وأنه يصارع الأحداث الطاحنة، ويغالب الدهر العنيد القاهر، فلا الأحداث مع عتوها توقف مضيه الجسور، ولا الدهر يجبروته يوهن عزمه الحديد، ثم يذكر أنه فتى طلبات أي صاحب حاجات، وأهداف لا تنقضي عن الشبع، ولا تعبأ بالجوع إنما يكون الشبع مغنما، والجوع ترحة عند ذوي الهمم الدانية، الشاعر يسمو بحاجاته فوق مطالب العيش، ثم يصف نفسه في البيت الثالث بأنه لا يقصد المكرمة المتواضعة إذا لاحت في الأفق كبرى المكارم، وإنما يتيمم كبراهن، وتلك عزمة الروح السامية المستشعرة معنى التعالي والسيادة، وقوله: "تيمم كبراهن ثمت صمما"، أي حدد هدفه، ثم جمع عزمته في تصميم قاطع ساعيا نحو أم الفضائل، وفي البيتين الرابع والخامس يذكر سلاحه، فيعد الرمح والنبل والمجن، والسيف القاطع، والخطوط في متنه، وسرج فرسه المتمكن من ظهره، ثم يضيف إلى ذلك طرفه المسوم، ثم يقول: فذلك أن يهلك فحسنى ثناؤه ... أي صاحب هذه الصفات جدير بأن يكون ذا ذكر حسن إذا مات، وأن يكون منظورًا إليه بالثناء، والهمة إذا عاش.
قال الخطيب معقبا على الأبيات:
"فعد له كما ترى خصالا فاضلة من المضاء على الأحداث مقدما، والصبر على ألم الجوع والأنفة من عد الشبع مغنما، وتيمم كبرى المكرمات، والتأهب للحرب بأدواتها، ثم عقب ذلك بقوله: فذلك، فأفاد أنه جدير باتصافه بما ذكر بعده".
ومن المزايا البارزة لأسماء الإشارة أنها تعين المتكلم على التركيز، والإيجاز
стр. 179
وتفادي التكرار الذي يترهل به الأساليب، ويتثاقل به وثوبها إلى القلوب، فقد تجد الباحث يعرض المسألة بتفاصيلها، ثم يحتاج إلى إضافة قيد، أو ما يشبهه مما يعوزه إلى الإعادة، وحينئذ تسعفه أسماء الإشارة، فيسلك سبيلا غير سبيل التكرار، ولست في حاجة إلى أن أذكر لك شاهدًا على ذلك من الكتب، وانظر إلى اسم الإشارة في قولي على ذلك تجد الشاهد.
ثم إن هذه الطريقة تكثر في كتاب الله، وقد تجد اسم الإشارة في بعض الآيات يلخص، ويطوي صفحة كاملة من الأوامر، والنواهي بل أكثر من صفحة، اقرأ قوله تعالى في سورة الإسراء: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾ ١، واستمر في القراءة حتى آية رقم ٣٩، تجد فيها: ﴿ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ﴾ ٢، واسم الإشارة فيها يعود على المذكور، ويطوي هذه الأوامر، النواهي الواقعة بين الآتيتين وهي كثيرة جدًّا، ويهيئ الكلام لوصف تلك الآداب بأنها من الحكمة، في أسلوب موجز كما ترى، ولولا اسم الإشارة، وما تميز به من شمول الدلالة لما أتيح للأسلوب هذا الإيجاز، والتركيز.
وانظر إلى قوله تعالى:
﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا، إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا، وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا، لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا، قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا﴾ ٣.
وصف ما أعده للكافرين وصفا بلغ الغاية في جمال الإشارة والوحي بالمراد، قال في جهنم: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾
стр. 180
فطوى وراء هذه الصورة الكثير من المعاني، ثم قال في الأخرى: إنهم يلقون فيها مكان ضيقا مقرنين، فعرض العذاب والمعذبين في أهوال ما ترى العين، ثم جاء قوله: قل أذلك خير فأحضر الصورة كلها مرة ثانية، وجسدها لتكون في مقابلة الصورة الثانية، صورة الخلد الذي وعده المتقون، اسم الإشارة هنا أعان على الإعادة في كلمة موجزة أبرزت هذه الأحوال، وكأنها أحضرتها من غيب المستقبل البعيد.
وأنبه مرة ثانية إلى أن اسم الإشارة قد يفيد أكثر من معنى في السياق الواحد، وقد يصلح ما قدمناه شاهدًا لأمر غير الذي سقناه فيه، خذ لذلك قوله: ﴿ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ﴾ ، تجد اسم الإشارة حدد المسند إليه، وميزه ليوقع الحكم عليه بعد توضيحه وإبرازه، وفي ذلك قدر من قوة الحكم، والعناية به لما قلنا وتجد في البعد معنى الرفعة، وأنها آداب سامية تتألق في معارج الحكمة، وتجد الإشارة صورت المعني في صورة محسوسة.
وخذ قوله تعالى: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ، وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ، أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمَ الظَّالِمُونَ، إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ، وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ ١، تجد اسم الإشارة يتردد فيه ثلاث مرات، وهو في كل واحدة منها يفيد تمييز المسند إليه أكمل تمييز لمزيد العناية بالحكم الواقع بعده، ثم هو في كل واحدة منها يفيد أن المذكور لاتصافه بالأوصاف السابقة جدير بما يقع بعده، والإضراب في قوله: ﴿بَلْ أُولَئِكَ هُمَ الظَّالِمُونَ﴾ ، ناظر إلى ما بعده همزة الاستفهام في قوله:
стр. 181
﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ ، وهذا واضح، وكذلك تجد معنى البعد في الأولى يومئ بما لا تجده في الأخيرين، فقد ذكرت الآيات الأولى الملامح العامة للنفسية الجاحدة، وأبرزها رفض أن يكون الحكم في الأرض لله ورسوله، ثم هم يتناقضون مع هذا الرفض، ويأتون مذعنين إذا كان لهم في ذلك أرب، فهم يقبلون حكم الله عند المنفعة الذاتية فقط، والأصل عندهم هو رفضها، وهذا محور المعنى في الآية الأولى، ومن هذا حاله فهو جدير بأن يحكم عليه بأنه ظالم، والبعد يومئ إلى بعده عن ساحة الحق والعدل، والآية الثانية تقرر الصفة البارزة في الفئة المؤمنة، وهي نقيض الصفة البارزة في الفئة الجاحدة، فإذا كان هناك رفض أن يكون الحكم لله، فالملمح البارز هنا ليس هو تقرير حكومة الله فحسب، وإنما هو الانقياد الطائع لها، فهم لهذا جديرون بوصف الفلاح؛ لأنهم أفلحوا في الانتفاع بوجودهم المملوك لله، وأصابوا في تحديد موقف المخلوق من الخالق وهو السمع والطاعة، واسم الإشارة يومئ إلى سمو إدراكهم، ورفع منزلتهم عند الله، وهكذا يقال في الثالث.
стр. 182
التعريف:
- التعريف باللام:
أما أغراض التعريف باللام، فقد قالوا: إنها تكون للإشارة إلى معهود بينك وبين مخاطبك، ومنه قول تعالى: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى﴾ ١، أي: ليس الذكر الذي طلبته امرأة عمران كالأنثى التي وهبت لها، وكانت نذرت ما في بطنها لخدمة بيت المقدس، ولا يكون خادمة إلا ذكرًا، فلما وضعتها أنثى قالت على سبيل التحسر: ﴿رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى﴾ ٢، ثم جاء على سبيل الاعتراض قوله: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى﴾ ، وقد تكون اللام مفيدة معنى الجنس والحقيقة كقولك: الرجل خير من المرأة، أي جنس الرجل خير من جنس المرأة، ومنه قول أبي العلاء: "من البسيط"
стр. 183
والخل كالماء يبدي لي ضمائره ... مع الصفاء ويخفيها مع الكدر
أراد جنس الخليل.
وقد ترد اللام في الكلام الفصيح وهي تحتمل المعنيين، مثال ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ﴾ ١، فهذه اللام يصح أن تكون لام العهد أي: آمنوا كما آمن رسول الله ومن معه، ويصح أن تكون لام الجنس أي كما آمن جنس الناس، والجنسية هنا يتولد منها معنى لطيف؛ لأنها تشير إلى أنهم هم الناس الكاملون في الإنسانية، فالذين آمنوا هم جنس الناس، ومعدن الإنسانية وما عداهم، فليس منها في شيء كما أشار الزمخشري، وسوف نرى مزيدا من معاني اللام في مواضع أخرى إن شاء الله.
стр. 184
التعريف بالإضافة:
قالوا: إن التعريف بالإضافة يكون؛ لأنه ليس للمتكلم طريق إلى إحضاره في ذهن السامع أخصر منه، أي: يقصد إليه رغبة في الإيجاز كقول جعفر الحارثي، وكان مسجونا بمكة فزارته صاحبته مع ركب من قومها، فلما رحلت قال: "من الطويل"
هواي مع الركب اليمانين مصعد ... جنيب وجثماني بمكة موثق
وأراد بقوله: "هواي"، الذي أهوى، وأطلق الهوى على المهوي مجازًا، قالوا: وحسن هذا الاختصار؛ لأن الشاعر ضائق وسجين، وهذا أخصر طريق يؤدي به المعنى، وقد تكون الإضافة -كا قالوا- مغنية عن تفصيل يتعذر، مثل قوله: "من الطويل".
بنو مطر يوم اللقاء كأنهم ... أسود لها في غيل خفان أشبل
стр. 185
أراد ببني مطر قومه، وتفصيل ذكرهم أمر متعذر، والغيل الشجر المجمع، وخفان مأسدة قرب الكوفة، والأشبل، أولاد الأسود، وذكر الخطيب قول الحارث الجرمي: "من الكامل".
قومي هم قتلوا أميم أخي ... فإذا رميت يصيبني سهمي
مثالًا للتعريف بالإضافة الذي أغنى عن تفصيل مرجوح أي قال: قومي ولم يذكر أسماءهم؛ لأنه لو فعل ذلك لأوغر صدورهم عليه، وعندنا أن هذه الإضافة وراءها معنى أكبر من هذا؛ لأنها ترشد إلى بشاعة جريمتهم، وترمز إلى ما في قلبه من الأسى، فإن الذين قتلوا أخاه هم قومه الذين إذا أصابتهم رميته، فإنما تصيبه معهم، الإضافة كما ترى إضافة القوم القاتلين إلى النفس الموجوعة بهذا القتل، وقد مر بنا هذا البيت، وتأمل التناقض والتضارب الذي بني عليه البيت، والذي يكاد يتفجر به الشعر والشاعر.
وقد تكون الإضافة لتعظيم المضاف إليه كما في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ ١، فالإضافة إلى الله سبحانه تشريف ما بعده تشريف، وقد تفيد الحث على فعل الشيء كقوله تعالى: ﴿لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ ٢، فإنه لما نهى المرأة عن المضارة أضاف الولد إليها استعطافا لها، وحثا على عدم المضارة ومثله: ﴿وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾ ٣.
стр. 186
تنكير المسند إليه:
يأتي المسند إليه نكرة؛ لأن قصد المتكلم إفادة معنى النكرة، أي: النوعية أو الإفراد.
فقولك: جاءني رجل، تعبير صالح، لأن يراد به النوعية، أي جاءني رجل
لا امرأة: وصالح؛ لأن يراد به الإفراد أي: جاءني رجل لا رجلان، والإفراد يعني فردا شائعًا في جنسه، فهو رجل شائع في جنس الرجال.
قال الزمخشري في قوله تعالى: ﴿لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ ١: "فإن قلت: إنما جمعوا بين العدد والمعدود، فيما وراء الواحد والاثنين فقالوا: عندي رجال ثلاثة وأفراس أربعة؛ لأن المعدود عار عن الدلالة على العدد الخاص، وأما رجل ورجلان وفرس، وفرسان فمعدودان فيهما دلالة على العدد، فلا حاجة إلى أن يقال: رجل واحد ورجلان اثنان، فما وجه قوله: إلهين اثنين؟ قلت: الاسم الحامل لمعنى الإفراد، والتثنية دال على الجنسية، والعدد المخصوص،
فإذا أريدت الدلالة على أن المعنى به منهما، والذي يساق له الحديث هو العدد شفع بما يؤكده، فدل به على القصد إليه والعناية به، ألا ترى أنك لو قلت: إنما هو إله، ولم تؤكد بواحد لم يحسن، وخيل أنك تثبت الألوهية لا الوحدانية".
فالتنكير في قوله: إلهين يراد به العدد بدليل أنه شفع بقوله اثنين؛ لأن إلهين صالح للدلالة على شيئين، الجنسية والعدد، فلما وصف بما يدل على العدد تمحضت دلالته عليه، وكذلك قوله: إله يمحضها ما بعدها للمراد منها.
ومن الصور التي يراد فيها بالنكرة النوع، أي الجنس حين يأتي وصف النكرة بعدها دالا على ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ ٢، فإن قوله: دابة، صالح، لأن يراد به الإفراد والجنس، وقد جاء قوله في الأرض وصفا لدابة؛ لبيان أن القصد إلى الجنس لا إلى الإفراد، وكذلك قوله طائر، فإن صالح لأن يراد به طائر واحد أو جنس الطائر، ولكن قوله: يطير بجناحيه محض النكرة للدلالة على الجنس، والنكرة حين تقع في سياق النفي تدل على العموم، وعموم الجنس
стр. 187
هنا يشير إلى أنه ما من دابة قط في أي شعب من شعاب الأرض، وفي أي مجهل من مجاهلها، وما من طائر قط يطير في أي أفق من آفاق السماء إلا أمم أمثالكم، وهذا دال على غاية الحكمة والإتقان، وعموم النظام، وبسط الملك وتمام السلطان.
وقد يدل مقام الحديث على الإفراد، فتتمحض النكرة للدلالة عليه من غير أن يمحضها لذلك وصف كما في الآيتين السابقتين، مثال ذلك قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى﴾ ١، أي فرد من أشخاص الرجال، وقد يدل مقام الحديث على إرادة النوعية، فتتمحض النكرة للدلالة عليه كقوله تعالى: ﴿وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ ٢، أي جنس من الأغطية، ونوع منها غير ما يتعارفه الناس، وهو غطاء التعامي عن آيات الله سبحانه، قالوا: ومما يصلح للإفراد أو النوعية قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ﴾ ٣، يصلح للإفراد فيكون المعنى: خلق كل نوع من أنواع الدواب، وجنس من أجناسه من نوع من أنواع المياه، وجنس من أجناسه.
هذان هما المعنيان الأساسيان للتنكير، ويردان على ما ذكرنا، ثم إن التنكير، أعني كون الشيء مجهولا ومنكورا، معنى شامل وعميق صالح، لأن يتولد منه معاني كثيرة، وذلك إذا أجراه في التعبير بصير بأحوال الكلمات خبير بسياسة التراكيب، وقد أكد عبد القاهر على أن المهارة، والبراعة في إشباع هذه الخصوصيات بالمعاني، والإشارات هي التي بها يستحق الشاعر الفضل.
أقرأ قول أبي السمط، وهو من الشواهد المشهورة: "من الطويل"
له حاجب في كل أمر يشينه ... وليس له عن طالب العرف حاجب
تأمل التنكير في كلمة حاجب في شطري البيت، واعتبر في تأملك المغزى، ومراد الشاعر، وسوف تجد أن التنكير في الحاجب الذي يحجبه عن الخلال الشائنة ينبغي أن يكون حاجبًا عظيمًا يباعد بينه، وبينها حتى لا يقربها، ولا يكاد،
стр. 188
وأن نفي الحاجب الذي يحول بينه، وبين ذوي الحاجات لا بد أن يتوجه النفي هنا إلى أي حاجب مهما ضؤل ليبين أن ليس بينه، وبين قاصديه حجاب ما، ولو كان ساترًا رقيقًا، التنكير إذن في الأول للتعظيم وفي الثاني للتحقير، والكلمة واحدة، والسياق العام واحد، ولكن لكل كلمة في موقعها مقام يختلف عن الأخرى.
واقرا قول إبراهيم بن العباس: "من الطويل"
فلو إذ نبا دهر وأنكر صاحب ... وسلط أعداء وغاب نصير
تكون عن الأهواز داري بنجوة ... ولكن مقادير جرت وأمور
تجد أنه نكر دهرًا ليشير بهذا إلى أنه دهر منكر مجهول، فليس هو الدهر الذي عهده الشاعر في أيام نعمته، وولايته على الأهواز، وقد كان الشاعر عاملا عليها
من قبل الواثق بالله، ثم عزل في وزارة محمد بن عبد الملك الزيات، فهو ضائق شجر بدهر غادر، وصاحب خائن، وقد أراد بقوله: "وأنكر صاحب": أنكرت
صاحبًا، ولكنه جاء على هذا الأسلوب حتى لا يسند إنكار الصاحب إلى نفسه صريحا في اللفظ، وإن كان صاحبا لئيما محتقرا غير معروف بالصحبة، ولا مشهور بخلالها، وتنكير الأعداء في قوله: "وسلط أعداء"، وفيه معنى التحقير وقلة الشأن، وأنهم ليسوا من مشاهير الرجال، ورمز ببناء الفعل للمجهول في قوله، وسلط إلى أنهم أداة في أيدي غيرهم لا يملكون من أمرهم شيئًا، فهم لا يستطيعون عداوتي إلا إذا دفعوا إلهيا من مجهول ساقط، ومما حسن فيه تنكير المسند إليه قول ابن المعتز:
وإني على إشفاق عيني من العدا ... لتجمح مني نظرة ثم أطرق
فقد نكر النظرة التي جمحت منه إلى صاحبته ليشير بهذا إلى أنها نظرة من نوع خاص، نظرة ظامئة شرود، تجمح منه جماحًا لا يستطيع معه حبسها مهما بلغ إشفاقه وخوفه من الرقباء، وانظر إلى قوله: ثم أطرق، وكيف أفادت كلمة، ثم التي تفيد التراخي: أن هذه النظرة الجامحة لم تعد إلا بعد
стр. 189
زمن طويل مع هذه المراقبة ومع إشفاق الشاعر، وكأنه قد شهل عن نفسه، وعن الرقباء، ووراء هذا أن محاسنها قيد الجفون، أو أنها تزيده حسنا إذا ما زادها نظر، وكما يقول ابن أبي أمية الكاتب:
أراك فلا أرد الطرف كيلا ... يكون حجاب رؤيتك الجفون
وقد يفيد التنكير معنى الكثرة كقول العرب: "إن له إبلا وإن له لغنما" يريدون بذلك: الكثرة.
وقد يفيد التنكير معنى التقليل، ومنه قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ ١، فالتنكير في رضوان يفيد التقليل؛ لأن المعنى وقليل من رضوان الله أكبر من كل نعيم، وهذا يلحظ في معنى هذا التنيكر؛ لأن القليل من الله كثير وكثير، وانظر إلى كلام البلاغيين في بيان سر التعريف، والتنكير في قوله تعالى في قصة يحيى ﵇: ﴿وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ﴾ ٢، وفي قوله تعالى في قصة سيدنا عيسى ﵇: ﴿وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ﴾ ٣، قالوا: إن تنكير السلام في قصة يحيى ﵇؛ لأنه وارد من جهة الله تعالى، أي سلام من جهة الله مغن عن كل تحية، ولهذا لم يرد السلام من جهة الله إلا منكرًا كقوله تعالى: ﴿سَلَامٌ ﴿قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ ٤، وقوله: ﴿اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا﴾ ٥، وقوله: ﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ﴾ ٦، وقوله: ﴿سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ﴾ ٧، وأما تعريف السلام في قصة عيسى ﵇؛ لأنه ليس واردًا على جهة التحية من الله تعالى، وإنما هو حاصل من جهة نفسه،
стр. 190
وفي تعريفه معنى آخر هو الدعاء، وطلب السلامة؛ لأن السلام اسم من أسمائه سحبانه، وقالوا: إنك إذا ناديت الله مخلصًا باسم من أسمائه، فإنك متعرض لما اشتق منه هذا الاسم، تقول في طلب الحاجة: يا كريم، وفي سؤال المغفرة يا غفور، وفي سؤال الرحمة يا رحيم، وفي سؤال العفو يا عفو.
وقد يفيد التنكير معنى التعظيم، والتكثير كقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾ ١، فتنكير الرسل يشير إلى أن المراد رسل كثير وذوو آيات عظام، وفي هذا تسلية لرسول الله ﷺ .
ومن دقيق ما أفاده التنكير ما جاء في قول الشاعر، وقد ذكره صاحب المطول.
إذا سئمت مهندة يمين ... لطول الحمل بدلها شمالا
فإنه نكر يمين والمرد يمين الممدوح؛ لأنه لو قال: يمينك أو يمينه سيؤدي إلى إسناد السأم إلى يمينه، هكذا وفي ذلك جفوة ينبو عنها حس الشعر في باب المديح.
والتنكير في قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ﴾ ٢، يفيد التقليل، أي: نفحة قليلة ضيئلة، وقد رفض الخطيب هذا، وقال: إن معنى التقليل مستفاد من بناء الفعل للمرة، أعني قوله نفحة؛ ولأنها تدل بمادتها على القلة؛ لأنها من قولهم: نفحته الريح إذا هبت عليه هبة، ورد ذلك بأنه لا يمنع أن يكون التنكير أيضا مفيدا للتقليل، وبذلك يكون هذا التقليل مفادا بالبناء للمرة، وبأصل الكلمة وبالتنكير، وكلمة نفح تستعمل في كلامهم للخير كنفح الطيب، ونفح الريح الناعمة، واستعملت هنا في الشر على طريق التهكم فهي من قبيل قوله -تعالى-: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ﴾ ٣.
قالوا: والتنكير في قوله تعالى في حكاية حديث إبراهيم ﵇ لأبيه:
стр. 191
﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ ١، يفيد التعظيم والتهويل أي: أخاف أن يمسك عذاب هائل لا يكتنه، ولا يضايق هذا المعنى ذلك المسر؛ لأن المس جاء في القرآن مع العذاب المحيط، والعذاب العظيم، قال تعالى: ﴿لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ٢، كما لا يضايق هذا المعنى قوله من الرحمن من حيث إن ذكر الوصف المشعر بالرحمة الشاملة يجعل المعنى أنه عذاب قليل؛ لأنه جاء من قبل الرحمن الرحيم، لا يضايق هذا المعنى قوله من الرحمن؛ لأن عذاب الحليم قد يكون أنكى، وغضبه قد يكون أعتى، ولذلك قال الرسول ﷺ : "أعوذ بالله من غضب الحليم".
وهذا الذي قلته في الآية هو كلام البلاغيين غير الزمخشري؛ لأنه لحظ فيها معنى آخر ذا مسلك أدق وألطف، وذلك؛ لأن سيدنا إبراهيم كما قال: لم يخل هذا الكلام من حسن الأدب مع أبيه حيث لم يصرح فيه أن العذاب لاحق لاصق به لا محالة، بل إنه قال: أخاف، ولم يقل سيمسك، ثم ذكر المس، وهو أقل تمكنا من الإصابة، ونكر العذاب للتقليل، ثم ذكر به باسم الرحمن، وهذا أقر إلى طريقة حوار إبراهيم ﵇ مع أبيه فيه مواضع أخرى من الكتاب العزيز.
والتنكير في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ﴾ ٣، يدل على نوع من الذهاب بالغ لا يقدر عليه إلا صاحب القدرة البالغة سبحانه.
وفي قوله تعالى: ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا﴾ ٤، لم يقل: الأرض؛ لأنه أراد اطرحوه في ارض مجهولة منكورة، لا يعرفها أحد فلا يهتدي إليه أبوه.
وهكذا يهديك النظر إلى إدراك معان لطيفة، فحين تنظر في قصيدة الحصين
стр. 192
ابن الحمام المري: "جزى الله أفناء العشيرة كلها" يلفتك قوله: "من الطويل"
ولما رأيت الود ليس بنفاعي ... وأن كان يوما ذا كواكب مظلما
صبرنا وكان الصبر فينا سجية ... بأسيافنا يقطعن كفا ومعصما
نفلق هاما من رجال أعزة ... علينا وهم كانوا أعق وأظلما
ترى في تنيكر قوله كفا ومعصما -إشارة إلى التعظيم، والمنعة والقوة أي أننا قطعنا أكفا قادرة على الدفع، والمنع ومعاصم لا يطيق قطعها إلا من كان على مثل حالنا من البسالة والاقتدار، وقوله: يفلقن هاما أي رءوسا كثيرة وعزيزة، فإذا تابعت فتك قوله:
عليهن فتيان كساهم محرق ... وكان إذا يكسو أجاد وأكرما
أراد فتيانا بهما أمرها في القوة والاقتدار، ويجهلهم من كان يعرفهم لغرابة أفاعيلهم في الطعن والكر، وكذلك كقوله:
ولولا رجال من رزام بن مازن ... وآل سبيع أو أسوءك علقما
يلفتك التنكير في رجال؛ لأن الشاعر يعني رجالا ليسوا كالرجال الذين يعرفهم الناس، وإنما هم رجال من نوع آخر، كأنه غريب في خلائقه، وشجاعته ومروءته، أو بلغوا في معنى الرجولية مبلغا لا يحاط به، ولولا هم لأعمل الحصين في بني محارب بن خصفة بين قيس حتى لا تنفك منه إلا على آلة حدباء:
لأقسمت لا تنفك مني محارب ... على آلة حدباء حتى تندما
وقوله:
وحتى يروا قوما تضب لثاتهم ... يهزون أرماحا وجيشا عرمرما
وتضب لثاتهم جمع لثة بكسر اللام، أي تسيل من شهوة الحرب، وهذه
стр. 193
صورة في كلامهم تدل على الحرص والرغبة، يقولون: جاء فلان تضب لثته أي جاء حريصا جياشا، والمهم التنكير في: يهزون أرماحا، فيه كما ترى معنى أرماحا عجيبة كأنها لم تعرف قبل.
وقوله:
وأبلغ أنيسا سيد الحي أنه ... يسوس أمورًا غيرها كان أحزما
وهكذا نستطيع أن ندرك خصوبة هذه الكلمات التي أشرنا إليها، وأن وراءها ألوانًا من الحس تخصب العبارة، وتثري الفائدة.
стр. 194
تقديم المسند إليه:
إن أهم ما يبحث في هذا الموضوع هو تقديم المسند إليه على الخبر الفعلي كقولك: محمد يقوم، وهذا التركيب كما يقول البلاغيون صالح، لأن يفيد أمرين:
الأول: تقوية الحكم فقولنا: محمد يقول الشعر أوكد في بيان أنه يقول الشعر من قولنا: يقول محمد الشعر، ومثله هو يعطي أوكد في الدلالة من قولنا: يعطي، ولذلك تجري هذه الصياغة في المقامات التي تدعو إلى التوكيد، والتقرير مثل مواجهة الشك في نفس المخاطب، والرغبة في إقناعه، ومثل رد الدعوى التي يدعيها المخاطب، ومثل أن يكون المتكلم معنيا بكلامه مقتنعا به، فهو يريد أن يثبته في القلوب قويا مقررًا كما هو مقرر في نفسه، وغير ذلك من مقامات التقوية والتقرير، وهي كثيرة لا تحصى وراقب نفسك ساعة واحدة لترى كم تنزع نفسك إلى التوكيد في هذه الساعة، ولهذا كثر في الكلام جدًّا.
ودونك بعض صوره في الكلام الرفيع:
стр. 195
قال عبد الرحمن بن الحكم بن هشام يلوم بني أمية لما أخذ عمر بن عبد العزيز في رد المظالم، وغلظ ذلك منه على أهل بيته قال: "من الطويل"
فقل لهشام والذين تجمعوا ... بدابق موتوا لا سلمتم يد الدهر
فأنتم أخذتم حتفكم بأكفكم ... كباحثة عن مدية وهي لا تدري
عشية بايعتم إماما مخالفا ... له شجن بين المدينة والحجر
فقوله: "فأنتم أخذتم حتفك بأكفكم"، قدم فيه المسند إليه على البخر الفعلي، فأفاد تقوية الخبر، وهو تقرير الخطأ العظيم الذي وقعوا فيه -كما يزعم- حين بايعوا عمر بن عبد العزيز، وهذا التوكيد يشير إلى اهتمامه، واعتقاده بالخبر، وتأكيد أنه لا محالة كان منهم.
وقد قال أحد ولد مروان معارضا ابن الحكم بن هشام: "من الطويل"
لئن كان ما يدعو إليه هو الردى ... فما أنت فيه ذا غناء ولا وفر
فأنت من الريش الذنابي ولم تكن ... من الجزلة الأولى ولا وسط الشعر
ونحن كفيناك الأمور كما كفى ... أبونا أباك الأمر في سالف الدهر
قوله: ونحن كفيناك الأمور جاء على طريقة تقديم المسند إليه؛ لأنه يريد تقوية هذا الأمر الدال على سيادة بني مروان، وظهورهم عليهم، وأن كفايتهم بني هشام مقرر وثابت، وواضح أن سياق الكلام سياق معارضة، وهو يحتاج إلى توكيد المعاني وتقريرها، ويمكن أن يقال: إن التقديم في نحن كفيناك يفيد الاختصاص بل إن المعنى يقوي به، وكأنه يقول له: لم يكفكم الأمور سوانا أي أنتم عاجزون عن كفاية أموركم، فكيف بأمر الخلافة؟ وهو أمر عظيم شامل، ومعنى الاختصاص والتقوية، لا يتعارضان، فما يفيد الاختصاص يفيد التقوية؛ لأن الاختصاص كما قالوا: تأكيد على تأكيد، نعم قد يكون التركيب مفيدًا للتقوية فقط، ولا تصلح معه دلالة الاختصاص كما ستعرف.
واقرأ قول المعذل بن عبد الله الليثي، وكان يقول التبريزي: كثيرا ما يقترف
стр. 196
الجنايات، وكان النهس بن ربيعة يكفل عنه، وأخذ المعذل يوما، فأدركه النهس وحمله على فرسه، وأمره أن ينجو بنفسه، وأسلم نفسه مكانه، فلما نجا قال له المعذل: أخيرك بين أمرين: أمدحك أو أمدح قومك، فاختار مدح قومه، فقال في مدحهم:
هم خلطوني بالنفوس وأكرموا الصـ ... حابة لما حم ما كنت لاقيا
هم يفرشون اللبد كل طمرة ... وأجرد سباح يبذ المغاليا
قال: هم خلطوني بالنفوس أي أنهم أقاموه بينهم، وأسقطوا الحشمة كما يقول المرزوقي بينه وبينهم، وتلك منزلة في رحابة النفس عالية، وقوله: الصحابة المردج به الصبحة، وقوله: هم يفرشون اللبد، فيه توكيد لمعنى أنهم يفرشون اللبد؛ لأنه في سياق المديح، ومعاني المديح تحتاج إلى تقرير، وتقوية لتأنس بها النفس، ولتكون في الصياغة المطبوعة دليل صدق الشاعر في إحساسه؛ قال عبد القاهر: لم يرد أن يدعي لهم هذه الصفة دعوى من يفردهم بها، وينص عليهم فيها كأنه يعرض بقوم آخرين، فينفي أن يكونوا أصحابها، هذا محال، وإنما أراد أن يصفهم بأنهم فرسان يمتهدون صهوات الخيل، وأنهم يقعدون الجياد منها، وأن ذلك دأبهم من غير أن يعرض لنفيه عن غيرهم، إلا أنه بدأ يذكرهم لينبه السامع لهم، ويعلم بديا قصده إليهم بما في نفسه من الصفة، فيمنعه بذلك من الشك، ومن توهم أن يكون قد وصفهم بصفة ليست هي لهم.
وقوله: يبذ المغاليا، جاء بضم الميم وفتحها، وأما الضم فإنه -كما يقول المرزوقي- صالح لأن يراد به السهم نفسه أو فرس يغاليه، وأما الفتح فهو جمع مغلاة، وهي السهم يتخذ للمغالاة، والمعنى يسبق السهم في غلوته، ومراد الشاعر أن سعيهم مقصور على تفقد الخيل، وخدمتها، وافتراش ظهورها.
وانظر قوله تعالى في شأن فريق من اليهود غيروا التوراة كما يقول ابن عباس، وكتبوا كتابا بدلوا فيه صفة رسول الله ﷺ قال: ﴿وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ
стр. 197
عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ ١.
قال: وهم يعلمون، وصاغ الخبر كما ترى؛ لأن الذي يكذب لا يعترف بأنه يكذب فضلا عن أن يعترف بأنه يعلم أنه كاذب، ومن هنا كان سياق العبارة سياق إنكار، فاحتاج إلى هذا القدر من التوكيد، والبلاغيون يقولون: إن هذا الأسلوب يأتي فيما سبق فيه إنكار، ويذكرون هذه الآية شاهدا على ذلك، ويذكرون من مقامات هذا الأسلوب تكذيب المدعي كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ﴾ ٢، قال: وهم قد خرجحوا به؛ لأنهم يدعون خلاف ذلك بقولهم: آمنا، أي أنهم لم يخرجوا بالفكر، والآية فيها جمل ثلاث: الأولى آمنا، هكذا من غير توكيد؛ لأن التوكيد من أمارات وثوق النفس فيما تقول، وهم لا يجدون في أنفسهم هذا الوثوق، وفأرسلوا العبارة هكذا فاترة فتور المعنى في نفوسهم، والجملة الثانية قوله: ﴿وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ﴾ ، وهي جملة حالية فيها شيء من التحقيق المفاد بقد، والجملة الثالثة: ﴿وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ﴾ ، وفيها من عناصر التوكيد ما ليس في غريها من الجملتين السابقتين؛ لأنها ترد على دعوى كما بينا.
وتأمل كيف تتنزل عناصر التوكيد في الكلام قطرة قطرة على وفق الأحوال بحساب دقيق.
ومن مقاماته -كما قالوا- ما يكون فيه الخبر مخالفًا لمقتضى الدليل كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ ٣، فإن قوله: ﴿وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ ، مخالف لمقتضى حال عبادتهم لها؛ لأن المعبود لا يكون مخلوقا، فهم ينكرون مخلوقيتها، أو
стр. 198
الأصل أن ينكروا ذلك، فوجب توكيد أنهم يخلقون "بضم الياء"، فجاء على ما ترى.
قال الخطيب: وما لا يستقيم المعنى فيه إلا على ما جاء من بناء الفعل على الاسم قوله تعالى: ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾ ١، وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ ٢، وقوله تعالى: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ ٣، فإنه لا يخفى على من له ذوق أنه لو جيء في ذلك بالفعل غير مبني على الاسم لوجد اللفظ قد نبا عن المعنى، والمعنى قد زال عن الحال التي ينبغي أن يكون عليها.
وهذا النص نقله الخطيب من دلائل الإعجاز من غير تصرف يذكر، وهو كلام جيد يعتمد في بيان قيمة هذا التركيب على موازنته بغيره مما يؤدي معناه في الجملة، وليس على طريقته، والقضاء في ذلك للحس والذوق كما ترى.
وإذا حاولنا أن نتعرف السبب في نبو اللفظ عن المعنى عند مخالفة الصياغة الواردة في الآيات لزمنا أن نتأمل سياق كل آية منها، ولنبدأ بالأولى:
قال المفسرون: إن الوثنيين قد خوفوا رسول الله ﷺ آلهتهم، فأمر ﷺ أن يقولوا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ، إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾ ٤.
السياق كما ترى استهانة بآلهتهم، وتسفيه عابديها، ثم إظهار عدم المبالاة
стр. 199
بالعابدين والمعبودين، وأنه ﷺ يدعوهم لكيده في أسلوب متهكم لاذع يثير الحمية، وقد أشار إلى القوة التي تدفع عنده، وتجعله يعارضهم هذه المعارضة قال: ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ﴾ ، فساق الكلام مؤكدا بما ترى ليشعرهم بوثوقه فيه، وأنه يقوله مع موفور الثقة، ومتين الاعتقاد، وأنه نفسه ممتلئة بهذا اليقين، ولهذا جاء قوله: ﴿وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾ بهذا التوكيد، ليلائم هذا السياق الذي يقرر لهم فيه الرسول حال يقينه في وثاقته بربه، وهو يعارضهم تلك المعارضة التي لا تبالي بهم ولا بمقدساتهم، ثم رتاه يذكر بعد ذلك قوله: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾ ١، فأشار إلى ما يقابل ثقته في ناصره سبحانه من عجز آلهتهم عن نصرهم، إذن لو قال: ويتولى الصالحين هكذا كلاما خاليا من التوكيد لنبأ عنه معناه.
وشيء آخر في تفسير الضرورة البلاغية لهذا التقديم هو أن قوله: وهو يتولى الصالحين، دال على أنه الله يتولاه ﷺ بطريق الكناية؛ لأنه يلزم من توليته سبحانه الصالحين أن يكون وليه ﷺ ؛ لأنه سيد الصالحين، وطريق الكناية أوكد في إثبات المعنى من طريق التصريح، فاقتضى حسن السياق أن يجيء بناء العبارة على ما هو عليه حتى تتسق عناصر الدلالة.
والآية الثانية ترى سياقها هكذا: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا، وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ ٢.
وحاجة التعبير هنا إلى التوكيد واضحة؛ لأنهم يدعون في القرآن ما ينكره عليهم الرسول والمؤمنون، ثم هم راغبون في رواج مقالتهم فيه، فلا بد من توكيدها ليتقبلها من لا يعرف القرآن، ونبيه ﷺ من القبائل الأخرى،
стр. 200
والتي كانت لا تزال تثق في قريش وحكمتها، وكانت مقالة قريش في القرآن تصاغ في أسلوب مؤكد، انظر إلى قولهم: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ﴾ ، وكيف بنيت العبارة هذا البناء الصلب من استعمال اسم الإشارة، ومجيئها على أسلوب القصر، والإخبار عنه بأنه إفك.
ومن الواضح في تاريخ الدعوة أن مثل هذه المفتريات على النبي، والقرآن كان يذيعها وجهاء قريش بين وفود القبائل الوافدة عليهم في التجارة، ومواسم الحج؛ لأنهم كانوا يهتمون جدا بحصار الدعوة داخل مكة للقضاء عليها فيها وكان تفلت أخبارها خارج الحدود ومما يفزعهم، ثم إنهم كانوا يستشعرون بأن أساطير الأولين لم تكن من معارفهم الذائعة، ومن هنا احتاجوا إلى توكيدها، وانظر إلى قولهم: اكتتبها، وما فيه من المعاناة وهو واقع بدل كتبها كما تقول استكب الماء بدل سكبه واصطبه بدل صبه، هكذا قال الزمخشري، ثم انظر إلى حذف المبتدأ، وكيف أشار إلى أنه معروف؛ لأن القول بأنه أساطير مما لا يتوجه إلا إليه، والخلاصة أن التقديم هنا، أعني في قوله: فهي تملى كان ضرورة بلاغية لورود الكلام في سياق يحرص على التوكيد، ولتتلاءم مع المقالة الأولى في هذا؛ ولأنه من الأخبار الغريبة فلا بد فيه من الاحتفال والاهتمام، ولهذا كان خلاف التوكيد مما ينبو عن المعنى، كما قال عبد القاهر.
أما الآية الثالثة: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ ، أي: يحبس أولهم على آخرهم بإيقاف أولهم حتى يحلق به آخرهم -جاء قوله: فهم يوزعون، بتقديم المسند إليه ليؤكد هذا الخبر الغريب، فتأنس به النفوس؛ لأن حشر الإنس والجن، والطير على هذه الهيئة من الإيزاع والتداخل أمر غريب تحتاج النفوس إلى ما يؤنسها به، ويقرره عندها، فلو قال: يوزعون هكذا مرسلًا من غير توكيد لما كان التركيب ملائمًا لحال النفس المتلقية لمثله، والتي تحتاج كما قلنا إلى ما يؤنسها بالأمر الغريب، وقد ذكرنا أن التوكيد من أدق العناصر البلاغية، وأشفها في مراقبة أحوال النفس
стр. 201
وتنزله في الكلام على وفق هذه الأحوال بحساب دقيق، وهو من خفي الصنعة التي لا تستقيم على وجهها إلا في حر الكلام.
وهذا ما رأيناه في الأمر الداعي إلى بناء الفعل على الاسم في هذه الآيات، والله أعلم.
قال عبد القاهر، بعد ما ذكر أن هذا الأسلوب يكثر في الوعد، والضمان مثل: أنا أكفيك، وأنا أقوم بهذا الأمر؛ "لأن من شأن من تعده، وتضمن له أن يتعرضه شك، فهو محتاج إلى التوكيد"، وبعد ما ذكر أنه يكثر في المدح قال: "ويزيدك بيانا -بدلالة التقديم على التوكيد- أنه إذا كان الفعل مما لا يشك فيه، ولا ينكر بحال لم يكد يجيء على هذا الوجه، ولكن يؤتى به غير مبني على اسم، فإذا أخبرت بالخروج مثلا عن رجل من عادته أن يخرج في كل غداة، قلت: قد خرج ولم تحتج إلى أن تقول: هو قد خرج، ذلك؛ لأنه ليس بشيء يشك فيه السامع، فتحتاج أن تحققه، وإلى أن تقدم فيه ذكر المحدث عنه".
قلنا في صدر الحديث في هذا الموضوع: أن تقديم المسند إليه على الخبر الفعلي صالح لأن يفيد أمرين: التقوية وقد بيناها، والأمر الثاني هو الاختصاص أي أن الفعل خاص بالمسند إليه لا يتعداه إلى غيره، وذلك يكون إذا ساعد السياق على ذلك، تقول: أنا أعرف هذه المسألة في سياق، تعني فيه إنك وحدك الذي تعرفها وتقول: محمد يعطي من خير ماله؛ إذا كنت تريد أنه لا يفعل ذلك سواه، أو أنه يفعله بخلاف شخص معين وهكذا.
وقد قدمناه أن قوله: "ونحن كفيناك الأمور"، يفيد التقديم فيه الاختصاص؛ لأنه أراد أن يقول له: لم يكفكم الأمور سوانا، وانظر قول المعذل: هم خلطوني بالنفوس، تجد أن تقديم المسند إليه يعني أنه لم يفعل ذلك سواهم، وذلك واضح فيه، وفي البيت الثاني هم يفرشون اللبد لا يصح فيه إرادة هذا المعنى كما سبق، فالمسألة ترجع إلى الإدراك الدقيق للمعنى، والإدراك الدقيق لملاءمة
стр. 202
السياق، ومما هو بين فيه معنى الاختصاص قوله تعالى: ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْض﴾ ١، أي لم ينشئكم منها إلا هو سبحانه، وقوله: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ٢، وقوله: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ ٣، إلى أمثال هذا وهو كثير جدا في القرآن وكلام الناس، ثم إن الصور التي تفيد الاختصاص لا تخلوا دلالتها من التوكيد والتقرير، وإن كانت الدلالة الواضحة هي الاختصاص؛ لأن الحقيقة هي أن الاختصاص متضمن للتوكيد، خذ قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ ٤، تجد أن التقديم يفيد أنه لم ينزله إلا الله سبحانه، وهذا هو معنى الاختصاص، وفيه أنه لا محالة أنزله الله.
ثم إن التقديم فيه هذه الآية أفاد شيئا آخر، وهو تفخيم نزول الكتاب كما قال المفسرون من حيث بدأت الجملة الدالة عليه بذكر لفظة الجلالة، فأضفى عليها مزيدا من الجلال والفخامة، والزمخشري يقول في قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا﴾ ٥، تكرير الضمير بعد إيقاعه اسما لإن تأكيد على تأكيد لمعنى اختصاص الله بالتنزيل، ليقر في نفس رسول الله ﷺ أنه أإذا كان هو المنزل لم يكن تنزيله على أي وجه نزل إلا حكمة، وصوابا كأنه ما نزل عليه القرآن تنزيلا مفرقا منجما، إلا أنا لا غيري، وقد عرفتني حكيما يتنزل كل ما أفعله على مقتضى الحكمة.
هذا كله إذا كان المسند إليه غير مسبوق بنفي كما رأيت في الأمثلة والشواهد، أما إذا سبق بنفي فإن القول فيه يختلف، فعبد القاهر وجمهور البلاغيين يرون أنه يفيد الاختصاص قطعا، فقولك: ما أنا فعلت، يفيد أن ذلك الفعل لم أفعله أنا وقد فعله غيري، فالفعل ثابت قطعا وإنما توجه النفي إلى الفاعل المذكور خصوصًا، وهذا يتضمن أن له فاعلا آخر غير
стр. 203
المذكور، وتقول: ما أنت بنيت هذه الدار، وما أنا قلت هذا الشعر، فتفيد بذلك أن هذه الدار المبنية لم تبنها أنت وإنما بناها غيرك، وأن هذا الشعر لم تقله أنت وإنما قاله غيرك، وعلى هذا لا يصح أن تقول ما أنا فعلت هذا، ولا أحد من الناس؛ لأن قولك: ما أنا فعلت يفيد أن هناك فعلا قد فعل، وأنك أنت خصوصا لم تفعله، وإنما غيرك هو الذي فعله، فإذا قلت: ولا غيري كان ذلك تناقضا، ودفعا للكلام الأول.
ويتضح هذا أكثر في قولك: ما أنت بنيت هذه الدار؛ لأن قولك: ما أنا بنيت، أفاد ذلك أن هذا بناء قد أقيم، وأنه لم يكن أنت الذي أقامه وإنما أقامه غيرك، فلو قلت: ولا غيري، تناقض ذلك وكأنك تقول: إن هذا البناء لم أبنه أنا ولم يبنه غيري، وهذا واضح.
ومماجرى على هذا الأسلوب قول المتنبي: "من السريع"
وما أنا أسقمت جسمي به ... ولا أنا أضرمت في القلب نارًا
فقوله: ما أنا أسقمت جسمي، معناه أن هذا السقم الكائن في جسمي، وهذا الضنى لم أفعله أنا وإنما فعله غيري، وقوله: ولا أنا أضرمت في القلب نارًا أي أنا هذا الجوى، وهذا الوجد الذي يستعر في فؤادي لم أشعله أنا ووراء هذا التركيب معنى لطيف هو عجز الشاعر أمام عواطفه المشبوبة، والتي سببت هذا السقم وهذا الوجد، وكأنه يقول: لو كان الأمر بيدي لأنقذت نفسي من هذا الذي أجده ولكن لا طاقة في بذلك، وهذا معنى جيد.
ومثله قول المتنبي: "من الطويل"
وما أنا وحدي قلت ذا الشعر كله ... ولكن لشعري فيك من نفسه شعر
فقوله: وما أنا وحدي قلت ذا الشعر وحده، ينفي أن يكون هذا الشعر الكائن قد قاله وحده، وإنما قاله معه غيره، وهذا التغير هو الشعر نفسه؛ لأنه شعر
стр. 204
شاعر: والشعراء يرددون معانيه وصوره، ويعيدونه إلى الممدوح كما قال:
بشعري أتاك المادحون مرددا
هذا خلاصة رأي عبد القاهر كما قلنا، وتبعه جمهور البلاغيين.
وذهب السكاكي في تحديد دلالة هذا اللون من التراكيب مذهبا آخر لم ينظر فيه إلى النفي، تقدم أم تأخر، وجد أم لم يوجد، وإنما المعول عليه عنده في إفادة تقديم المسند إليه على الخبر الفعلي الاختصاص أن يتحقق شرطان: الأول: أن يصح تأخير المسند إليه، وتصير العبارة قمت أنا، ويكون المسند إليه حينئذ فاعلا في المعنى لا في اللفظ؛ لأن الفاعل في اللفظ هو التاء في قمت، والشرط الثاني أن يقدر أن أصل العبارة هو التأخير أي أن يعتبر المتكلم أن أصل العبارة قمت أنا، ثم يتصرف فيها ويقول: أنا قمت؛ وهذا التصرف والاعتبار من المتكلم يفيد أنه حين قصد إلى هذا التقديم إنما أراد الاختصاص، فلو قال قائل: أنا قمت، ولم يراع أن الاصل قمت أنا، وإنما بناها هكذا على تقديم المسند إليه، قلنا: إن هذا التركيب لا يفيد الاختصاص، هذا خلاصة كلامه.
وهذا يتجافى في تقديرنا مع فطرة اللغة، ويسر أدائها لمعانيها ولا نعتقد أن هناك متكلما يفكر في الصياغة هذا التفكير، ويفترض أن: أنا قمت أصلها قمت أنا، ثم يخالف هذا الأصل ليفيد معنى الاختصاص، فإذا لم ينشغل ذهن المتكلم بهذا الغرض قلنا: إن عبارته لا تفيد ما تفيده عبارة غيره، لا نعتقد أن متكلما صاحب سليقة في اللغة يفعل هذا؛ لأن أحوال الصياغة وما فيها من دقائق عجيبة، وخفية إن هي إلا استجابات تلقائية لخواطر المتكلم، ومقاصده ما دام صحيح الطبع سديد التفكير، وهذا الافتراض الذي ذكره السكاكي يذكرنا بما يشبهه في تفكيره في الصياغة حين يقول في بعض الصور إن هذه إلا تحسن إلا من البليغ، ويعني به الذي يعرف خصوصيات التراكيب، وهذا ومثله في تقديرنا أثر من آثار الظروف المحيطة بالسكاكي، ومن في مثل حاله
стр. 205
من علماء المسلمين، فقد كانوا يكتبون لغير أصحاب اللغة، وكانوا يكتبون لبيئاتهم ومجتمعاتهم، وكانت هذه المجمعات تنطق اللغة العربية في ضوء القواعد أي أن لسانهم كان يمضي في النطق على أساس القواعد لا على أساس الفطرة، ومن هنا نشأت أمثال هذه الملحوظات، ودعنا من هذا، وأعلم أن خلاصة ما قدمناه هو أن قولنا: محمد قام يفيد التوكيد وصالح لأن يفيد الاختصاص عند غير السكاكي، وقولنا: أنا قمت يفيد التوكيد، وصالح لأن يفيد الاختصاص عند الجميع، وقولنا: ما أنا فعلت يفيد الاختصاص عند غير السكاكي قطعا، وعند السكاكي احتمالا مثل أنا فعلت تماما، أما قولنا: أنا ما فعلت فهو مثل أنا فعلت عند الجميع؛ لأن النفي لا يعتبر إلا إذا سبق المسند إليه.
ولعل الذي أغرى عبد القاهر بالقطع بأن مثل ما أنا فعلت يفيد الاختصاص قطعا، هو ما لحظه من تسلط النفي على الفاعل، ففهم من ذلك أن النفي خاص بالفاعل، وأن الفعل غير منفي، وإذا كان الفعل غير منفي، وقد نفي فاعل مين فقد وجب أن يكون هذا الفعل مسندًا إلى فاعل آخر، وهذا هو معنى الاختصاص.
والذي قاله عبد القاهر في هذا مع دقته التي أغرت الباحثين من بعده ليس عندما على إطلاقه، وإنما هو أمر غالب لا لازم؛ لأن المتكلم حين يسلط النفي على الفاعل لا يزلم منه ثبوت الفعل؛ لأن الفعل مسكوت عنه فيمكن أن يكون ثابتا كما في أمثلة الاختصاص التي ذكرها عبد القاهر، وقد يكون غير ثابت كما في قولنا: ما أنا قلت هذا أي هذا الذي تزعمون أنه قد قيل، نعم يمكنك في هذا المعنى أن تقول ما قلت هذا، ولكنك قدمت الفاعل للاهتمام، والرغبة في توكيد نفي الفعل عنه، وقد جاء هذا التركيب في القرآن الكريم من غير أن يكون دالا على الاختصاص، وذلك كقوله تعالى:
﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ
стр. 206
ظُهُورِهِمْ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ، بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ ١، فقوله: ولا هم ينصرون -ولا هم ينظرون، قدم فيه المسند إليه على الخبر الفعلي، وهو مسبوق بحرف النفي، ومع هذا يفيد التقوية فقط؛ لأن الاختصاص يعني أن يغرهم ينصر من عذاب الله، وينظر حين تأتيه الساعة وذلك لا يكون.
وقد رأيت مثل ذلك في كلام رسول الله ﷺ ، وفي كلام الذين نزل القرآن فيهم، ولكنني لم أقيده غفلة أو اكتفاء بما في الكتاب العزيز.
وتأمل الصور المفزعة التي تضعها الآية الأولى شاخصة أمام عيون الكافرين ليرتدعوا: ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ﴾ النار تنصب على وجوهم وظهورهم، وهم يجاهدون دفع هذا الويل القاهر فلا يستطعون، وتأمل الآية الثانية وأحسن تدبر: ﴿فَتَبْهَتُهُمْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا﴾ ، وما وراء ذلك من تداعي الأفعال تداعيا يطوي في اقتداره المتدفق محاولاتهم اليائسة في رده.
وقد استدركنا على عبد القاهر في بحث آخر حكمه بالفساد على مثل قولنا: القيت زيدًا أم عمرًا؟ لأنه يرى تقديم الفعل مسبوقا بالاستهفام الذي هو أخو النفي يفيد تخصيص الفعل بمعنى الاستفهام، فهو المسئول عنه وأوقع أم لا، فإذا قال بعد ذلك: أم عمرا فقد أفاد أنه يشك في المفعول لا في الفعل، وهذا تناقض في العبارة كما يقول: استدركنا عليه ذلك، وبينا أن سيبويه -وقد شافه الأعراب- يجيز ذلك وهو عنده حسن، والأحسن أن يقال: أزيدا لقيت أم عمرًا؟
قلنا: إن السكاكي يرى أن تقديم المسند إليه على الخبر الفعلي يفيد الاختصاص بشرطين ذكرناهما هناك، وبقي أن نقول: إن هذا الاشتراط عنده خاص بالمسند إليه إذا كان معرفة، أما إذا كان نكرة مثل: رجل جاءني، فإنه يفيد
стр. 207
عنده الاختصاص قطعا؛ لأن النكرة المتقدمة على الخبر الفعلي لا بد أن تكون دالة على الاختصاص، وإلا لم يصلح وقوعها مبتدأ، هكذا قال السكاكي، وعليه مناقشات طويلة لا غناء في متابعتها.
وهذا كله إذا كان الخبر فعليا كما قلنا، أما إذا كان اسم فاعل وشبهه مثل محمد كاتب: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ﴾ ، فقد ذهب البعض إلى أنه مثل الخبر الفعلي، وذهب البعض إلى أنه ليس كذلك.
والذي نراه أن السياق ذو أثر فاعل في تحديد هذه الدلالات، وكان الزمخشري ﵀ يقضي في هذا الأسلوب وفق السياق، فمرة يرى فيه الاختصاص كما في قوله تعالى حكاية لمقالة قوم شعيب له ﵇: ﴿وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ﴾ ١، قال الزمخشري: أي لا تعز علينا، ولا تكرم حتى نكرمك من القتل، ونرفعك عن الرجم، وإنما يعز علينا رهطك؛ لأنهم أهل ديننا لم يختاروك علينا، ولم يتبعوك دوننا، وقد دل إيلاء ضميره حرف النفي على أن الكلام واقع في الفاعل لا في الفعل كأنه قيل: وما أنت علينا بعزيز بل رهطك هم الأعزة علينا، ولذلك قال في جوابهم: أرهطي أعز عليكم من الله، ولو قيل: وما عززت علينا لم يصح هذا الجواب.
وهذا واضح في أنه يقول بإفادة هذا التركيب لمعنى الاختصاص.
ويقول في قوله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ ٢، "هو بمنزلة قولهم: هم يفرشون اللبد كل طمرة في دلالته على قوة أمرهم، فيما أسند إليهم لا على الاختصاص".
الآية عند المعتزلة لا تفيد اختصاص الكافرين بعدم الخروج من النار أي بالخلود فيها؛ لأن مرتكب الكبيرة المسلم عندهم يخلد أيضا في النار.
стр. 208
وقد أثيرت مناقشات كثيرة حول هذا الموضوع؛ لأن علماء أهل السنة والجماعة يرون أن الزمخشري يقول بلزوم دلالة هذا التركيب على الاختصاص، وأنه هنا خالف هذه القاعدة ليسلم له ما يعتقده في أمر مرتكب الكبيرة، وهذا خطأ؛ لأنه يقول مثل هذا في آيات كثيرة لا علاقة لها بالاعتزال كقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ١، وقوله تعالى: ﴿فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ﴾ ٢، وقوله ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ﴾ ٣، وغير ذلك كثير وقد بيناه في دراستنا للكشاف.
وهناك كلمتان تلزمان التقديم في التراكيب البليغة إذا أريد بهما الكناية من غير تعريض، هاتان هما: مثل وغيره، ومعنى أن تريد بهما الكناية من غير تعريض أنك حين تقول: مثلك لا يبخل، تكون قد استعملت كلمة مثل كناية عن الشخص الذي تخاطبه؛ لأنك تريد: أنت لا تبخل، فلفظ مثل مراد به الضمير الذي أضيف إليه، ودلالته عليه دلالة التزامية، ولهذا كان كناية، ثم إنك لا تقصد التعريض بشخص آخر، وأن تقول من طرف خفي أنه يبخل ومثله قولك: غيرك يسيء إلى أصحابه، وأنت تريد أن تقول له: أنت لا تسيء إلى أصحابك من غير أن تعرض شخص آخر، وتومئ إلى أنه يسيء.
ومن شواهد هذا الاستعمال قول المتنبي: "من السريع"
مثلك يثني الحزن عن صوبه ... ويسترد الدمع عن غربه
أي أنت قادر على أن تكف الحزن بصبرك وثباتك، فلا تدع النفس تبلغ في أحزانها مداها، وتسترد الدمع عن جريانه، والغرب، كما قالوا: عرق في
стр. 209
العين يجري فيه الدمع ولم يقصد الشاعر أن يعرض بإنسان آخر ليس على صفة المخاطب في الصبر والثبات.
ومثله قول القبعثري الشيباني للحجاج لما قال له: لأحملنك على الأدهم، يريد القيد قال له: "مثل الأمير يحمل على الأدهم والأشهب"، وأراد أنت حمل على الفرس الأدهم والأشهب، فقوله: مثل الأمير أراد به الأمير، ولم يرد أن يعرض بآخر لا يفعل فعله.
وفي "غير" جاء قوله: "من البسيط"
غيري بأكثر هذا الناس ينخدع
أراد أنا لا أنخذع، ولم يقصد التعريض بشخص آخر ينخدع.
ومثله قول أبي تمام: "من الوافر"
وغيري يأكل المعروف سحتا
أراد أنا لا آكل المعروف، ولم يرد التعريض بإنسان آخر.
قالوا: وكان التقديم في هذه الأساليب كاللازم؛ لأن التقديم يفيد التقوية كما قلنا، وهذه الاستعمالات من صور الكناية، والكناية يراد بها التوكيد في أداء المعنى، ولهذا كان التقديم أنسب لتتوافق دلالات الخصوصيات، وقد مر بنا ما يشبهه في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾ ١.
ومما يلحق البلاغيون بهذا الباب تقديم النفي على لفظ العموم، وتأخيره عنه، يعني الفرق في المعنى بين أن تقول: لم أكتب كل ما سمعت، وأن تقول: كل ما سمعته لم أكتبه، برفع كل، التعبير الأول يفيد أنك لم تكتب جميع
стр. 210
ما سمعت، وهذا لا يمنع أن تكون كتبت بعضه، أما التعبير الثاني فإنه يفيد أنك لم تكتب شيئًا مما سمعت ...
وقول الشاعر: "من البسيط": "ما كل ما يتمنى المرء يدركه"، معناه: أن الإنسان
لا يدرك كل ما يتمناه وإنما يدرك بعضه، ومثله: ما كل رأي الفتى يدعو إلى رشد، وهذا التركيب قد تقع فيه كل سابقة للنفي، ولكنها معمولة للفعل
الواقع بعد النفي مثل أن تقول: كل الدراهم لم أنفق، وكل الشعر لم أحفظ بنصب كل؛ لأنه مفعول به للفعل بعده، وهو يفيد نفس المعنى الذي يفيده قولك: لم أنفق كل الدراهم ولم أحفظ كل الشعر، فإذا رفعت كلا وأخرجتها، عن حكم الفعل بعدها أفاد أنك لم تفعل شيئًا منهما، ولهذا جاء قول أبي النجم: "من الرجز"
قد أصبحت أم الخيار تدعي ... علي ذنبا كله لم أصنع
برفع كل؛ لأنه أراد أن يبرئ نفسه من كل ذنب ادعته عليه، والرفع هو الذي يفيد ذلك ولو نصب لكانت كل داخلة في حيز النفي، وحينئذ تفيد نفي العموم أي أنه لم يفعل كل ذنب ادعته عليه، وإنما فعل بعضه، ومعنى قولنا: نفي العموم أن المنفي هو الشمول والعموم أعني الكلية، تقول: لم أفعل كل ذلك،
فتفيد أنك نفيت عن نفسك فعل الجميع، وهذا لا يلزم منه نفي البعض، والتقديم في قول أبي النجم يفيد عموم النفي؛ لأن كلمة كل الدالة على العموم دخلت على النفي، وهذا يعين أنه لا يشذ منه شيء.
وإذا تأملت هذا الأسلوب وجدت حال الإثبات فيه كحال النفي، بيان ذلك أنك حين تقول: جاءني كل القوم أو القوم كلهم كان المغزى من خبرك هو إفادة أن المجيء كان من الجميع كما تقول: جاءني القوم مجتمعين، فالغرض هو أن تفيد مجيئهم مجتمعين لا أن تفيد مجيئهم فحسب، ومثله قولك: جاءني زيد راكبًا، فالقصد هو أن تفيد هيئة مجيئه لا أن تفيد إنه جاءك فحسب، فإذا عارضك معارض في خبرك هذا، وقال لك: لم يأتك القوم مجتمعين كان قصده حينئذ نفي الاجتماع في المجيء لا نفي المجيء،
стр. 211
ولذلك يمكن أن يقول بعد ذلك: وإنما جاءوك فرادى، ولو كان النفي في قوله: لم يأتك القوم مجتمعين، نفيا منصبا على المجيء لما صح أن يقول عقبه: وإنما جاءوك فرادى، والحال كذلك في كل، تقول: جاءني القوم كلهم، فيقول من يعارضك: لم يأتك القوم كلهم وإنما جاءك بعضهم، كما قال البحتري "من الطويل"
وما كل ما بلغتم صدق قائل ... وفي البعض إزراء علي وعاب
هو لا يريد أن ينفي الصدق عن كل خبر بلغهم، وإنما يريد أن ينفي أن تكون كلها صادقة، وهذا يعني أن بعضها صادق، ولذلك قال في الشطر الثاني: وفي البعض إزراء علي وعاب، فهو يسلم أن البعض ليس فيه إزراء عليه، ولو قال: كل ما بلغكم ليس صدقا لما صح أن يقول: وفي البعض وإنما كان يقول: وفي الكل، وكذلك لو قال: كل القوم لم يأتوك، لم يصح أن يقول بعدها: وإنما جاءك بعضهم؛ لأنه لما قدم كل على النفي أفاد عموم النفي، وأنه لم يأتك منهم أحد، فلا يصح أن يقول: وإنما أتاك بعضهم؛ لأن في ذلك تناقضًا.
وقد ذكر عبد القاهر كل هذا في قوله:
"واعلم أنك إذا نظرت وجدت الإثبات كالنفي فيما ذكرت لك، ووجدت النفي قد احتذاه فيه وتبعه، وذلك أنك إذا قلت: جاءني القوم كلهم كان "كل" فائدة خبرك هذا، والذي يتوجه إليه إثباتك بدلالة أن المعنى على أن الشك لم يقع في نفس المجيء أنه كان من القوم على الجملة، وإنما وقع في شموله الكل، وذلك الذي عناك أمره من كلامك".
وجملة الأمر أنه ما من كلام كان فيه أمر زائد على مجرد إثبات المعنى للشيء إلا كان الغرض الخاص من الكلام، والذي يقصد إليه، ويزجي القول فيه، فإذا قلت: جاءني زيد راكبًا، وما جاءني زيد راكبًا كنت قد وضعت كلامك؛ لأنك تثبت مجيئه راكبا أو تنفي ذلك لا، لأن تثبت المجيء وتنفيه مطلقا هذا ما لا سبيل إلى الشك فيه".
стр. 212
والشواهد التي تقرر هذا الأصل عند عبد القاهر كثيرة منها قول الشاعر "من الطويل"
فكيف وكل ليس يعدو حمامه ... ولا لامرئ عما قضى الله مزحل
فقوله: وكل ليس يعدو حمامه، خرحجت فيه كل عن حيز النفي، فأفادت عموم النفي، أي أن كل واحد لا يعدو حمامه، ولو قال: وليس كل يعدو حمامه لأفاد أن بعض الناس يعدو حمامه.
وقول دعبل: "من الطويل"
فوالله ما أدري بأي سهامها ... رمتني وكل عندنا ليس بالمكدي
أبالجيد أم مجرى الوشاح وإنني ... لأنهم عينيها مع الفاحم الجعد
فقوله: "وكل عندنا ليس بالمكدى" يعني: أن كل محاسنها كالسهام التي تصمى وتصيب، ولو قال: وليس كل عندنا بالمكدى لأفاد أن بعض محاسنها لا تصل في فعلها فيه إلى الغاية، فبعضها كالسهام الصائبة، وبعضها كالسهام الطائشة.
وعكس هذين الشاهدين قول البحتري يمدح يعقوب بن أحمد في قصديته: "من الطويل"
على الحي سرنا عنهم وأقاموا ... سلام وهل يدني البعيد سلام
قال فيها:
واعلم ما كل الرجال مشيع ... وما كل أسياف الرجال حسام
والرجل المشيع هو الشجاع الصعب المتهور الذي كأنه يشيع قلبه، قال: ما كل الرجال مشيع، أي أن هناك رجالا فيهم أصالة الشجاعة والإقدام، وهناك من ليس كذلك، هناك الرجال الأحرار، وهناك العبيد الأندال....
стр. 213
وقوله: وما كل أسياف الرجال حسام، أفاد: أن بعض الأسياف تقطع وبعضها ليس كذلك، ولو قال البحتري: كل الرجال ليس مشيعا، ولك الأسياف ليست حساما، لأفاد نفي الشجاعة عن كل رجل، ونفي الجودة عن كل سيف.
هذا كله كما قلنا ملخص كلام عبد القاهر، وقد أيدته كما رأينا الاستعمالات البليغة، ولكن التعميم في القاعدة من غير احتياط يفتح غالبا بابا من أبواب الاعتراض لا تجد له مدافعًا، قال عبد القاهر وهو يحدد الفروق المعنوية بين مختلف هذه التراكيب: "إذا تأملنا وجدنا إعمال الفعل في كل، والفعل منفي لاي صلح أن يكون إلا حيث يراد أن بعضا كان وبعضا لم يكن"، فوضع القاعدة وضاعا قاطعا من غير أن يحتاط لما عساه يكون قد جاء في الكلام البليغ على خلافه، فهيأ بذلك للعلامة سعد الدين أن يستدرك عليه بشواهد واضحة، قال سعد الدين معلقا على هذه القاعدة: وفيه نظر؛ لأنا نجده حيث لا يصلح أن يتعلق الفعل ببعض، كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ ١، و ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ ٢، و ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ﴾ ٣، "فالحق أن هذا الحكم أكثري لا كلي"، فحرر القاعدة لما جعلها غالبة لا لازمة؛ لأن الآيات التي ذكرها -ومثلها في القرآن- تقدم فيها النفي على كل وهذا يعني - لو سلمت القاعدة- أن الله سبحانه لا يكره كل مختال، وإنما يكره البعض ومثله كل كفار وهو ما لا يكون.
ولا يفوتك هنا أن تتأمل أدب أهل العلم، لما وجد سعد الدين -وهو من سعة علم ونفوذ رأي- خرما في قاعدة عبد القاهر لم يزد على أن قال:
стр. 214
وفيه نظر، ثم ذكر الأدلة التي لا يتطرق إليها الاحتمال، وهذا ما يجب أن نتعلمه مع العلم؛ لأنه من أدب البحث، ويجب أن نأخذ به نفوسنا حتى يعصمها مما يدور حولنا من التقاذف عند الاختلاف، وخاصة عند طبقة "فتوات المقاهي" الذين حملوا أقلاما، وصاروا علماء يناقشون في هذه الزمن الغبي، ثم إنهم لم يكتفوا بأن يحشروا أنفسهم في زمرة أهل العلم، وإنما أصروا على أن يكونوا رواد تنوير، ولما كانوا هم وقادتنا الكبار من رحم واحدة ملكهم قادتنا وسائل التوجيه التي اغتصبوها من الشعوب مع ما اغتصبوه من شئونها، وسياستها وأموالها ومقدراتها، ويوم تعود للشعوب حقوقها في سياسة أمرها، وتوضع الأمور في نصابها سترى هؤلاء جميعًا يعودون إلى جهة واحدة لا تتجاوزوها مؤهلاتهم جميعا، وهي أوكار قطاع الطرق، وإن غدا لناظره قريب.
стр. 215
المظهر والمضمر:
لحظ البلاغيون أن دراسة وضع المظهر موضع المضمر وعكسه، ودراسة الالتفات تتصل بباب المسند إليه؛ لأنها من أحوله، فألحقوها بهن كما لحظوا أن أساليبها مما لا تجري على مقتضى المقررات المتعارفة، وإنما هي ضروب من المخالفة، فترجموا لها بخروج المسند إليه على خلاف مقتضى الظاهر، وألحقوا به أسلوب الحكيم؛ لأنه ضرب من المخالفة.
وقد تابعناهم في ذلك لبنائه على ملاحظات دقيقة في ربط مباحث العلم، وتلاحقها في نظام يجمعها، ثم إننا نكره الاختلال في تنظيم مسائل العلم ما دام لها وجه، وليس هذا قيدا على الاجتهاد؛ لأن الاجتهاد النافع هو في مسائل العلم؛ لأنها جوهر.
أما مخالفة مقتضى الظاهر في الإضمار والإظهار، فقد قالوا: الأصل ألا يذكر الضمير إلا وقد سبقه ما يعود عليه ليكون المقصود بالكلام واضحا، تقول: لقيت زيدا وأكرمته، فتذكر الضمير في أكرمته؛ لأنه سبقه ما يعود عليه، ولا تقول لقيته هكذا ابتداء؛ لأن ذلك ضرب من التعمية، والإلباس يناقض القصد من اللغة والبيان.
ومع وضوح هذا الأصل تجد صورًا من الأساليب بنيت على خلافه، فيذكر الضمير ليفسر بمتأخر عنه في بعض هذه الصور، أو يذكر منن غير مفسر اعتمادًا على فهم السامع، أو وضوح المعنى أو غير ذلك مما نشير إلى بعضها إن شاء الله.
ومن الصور التي يفسر فيها الضمير بمتأخر عنه ما يكون الضمير فيه ضمير الشأن والقصة، والأساليب التي تصاغ على هذا الطريقة حين تصيب مواقعها تجد لها مذاقا حسنا ووقعا جليلا؛ لأن الضمير حين يطرق النفس من غير أن