← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 3346

العراق في أحاديث وآثار الفتن

مشهور آل سلمان

Полный текст (775 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

الشيخ: نسأل الله أن يهديهم، وأن يرزقهم البصيرة في دينه، ويحقن دماء المسلمين. السائل: هلا شرحتم لنا قوله ﷺ : «من رأى منكم منكراً فليغيره بيده ... » (١) الحديث؟ الشيخ: لا يتسع المجال؛ لأنه ما بقي إلا دقيقة واحدة. السائل: أعطِنا تاريخ المكالمة واسمك. الشيخ: هذه المكالمة يوم الجمعة في شهر رمضان، أجراها مع إخوانه محمد بن صالح العثيمين من عنيزة بالمملكة العربية السعودية ١٤٢٠هـ، نسأل الله أن ينفع بهذا (٢) . يظهر لنا من هذه المكالمة، أن اتجاهاً خارجيّاً عشعش في قلوب وعقول صغار الطلبة، وتعجلوا البلاء، فَجَرَتْ على أيديهم أحداث فيها فتن، أريقت بسببها دماء، وهتكت أعراض، ولا حول ولا قوة إلا بالله -تعالى-. وهذا كلُّه، من مهيِّجات الفتن العراقية المنشأ، الخارجية المذهب، التي ثارت من تحت قدمي ذاك الرجل الذي أخبر النبي ﷺ أنه لو قُتل ما كانت (٣) فتنة، ولكن ليقضي الله أمراً كان مفعولاً. فصل التباس (الثورة) بمفهوم الجهاد المتمعِّن في (فتنتي حماة والجزائر) يجد أنهما اتخذتا مظهر (الثورة) ،

стр. 107

وأُلبستا لباس (الجهاد) الشرعي، ونزِّلت عليهما أحكامُه! ولهذا؛ (الثورات) أسباب نفسية، وقد تكون من (قناعات) عقدية، و (تصورات) منهجية، ومواقف عملية، فهي تدور على تكفير (السلطة) الحاكمة، بجميع فِآتِها، اعتماداً على ظاهر بعض النصوص، وأخذها أخذاً أوّليّاً، دون مراعاة لقواعد الاستنباط السلفية، كما حصل تماماً مع التابعي يزيد ابن صهيب أبو عثمان الكوفي (١) ، المعروف بـ (الفقير) ، فإنه قال فيما أخرج مسلم في «صحيحه» (رقم ١٩١) بعد (٣٢٠) بسنده إليه: كنتُ قد شغَفَني رأيٌ من رأي الخوارج، فخرجنا في عصابة ذوي عدد نريد الحج، ثم نخرج على الناس (أي: بالثورة المسلحة) ، قال: فمررنا على المدينة، فإذا جابر بن عبد الله يحدث القوم -جالس إلى سارية- عن رسول الله ﷺ . قال: فإذا هو قد ذكر الجهنَّميِّين (٢) . قال: فقلت له: يا صاحب رسول الله! ما هذا الذي تحدثون؟ والله يقول: ﴿إنك من تدخل النار فقد أخزيته﴾ [آل عمران: ١٩٢] ، و ﴿كلما أرادوا أن يخرجوا منها أُعيدوا فيها﴾ [السجدة: ٢٠] ، فما هذا الذي تقولون؟ احتج هذا التابعي بآيات على مشربه، لُقِّنَها على أنها تقرر معانيَ أُخِذَت بالاستقلال دون سائر النصوص، فنبّه الصحابي الجليل جابر على خطئه المنهجي هذا، فقال له:

стр. 108

«أتقرأ القرآن؟» قال يزيد: نعم. قال: فهل سمعت بمقام محمد ﵇-يعني: الذي يبعثه الله فيه-؟ قال يزيد: نعم. قال: فإنه مقام محمد ﷺ المحمود الذي يُخرِجُ الله به من يُخرج؟ ثم نعت (أي: جابر) وضع الصراط، ومر الناس عليه ... و «أن قوماً يخرجون من النار، بعد أن يكونوا فيها» . قال يزيد على إثر هذا الحديث، وقد نفعه الله به، وفهم الآيات السابقة التي احتج بها على ضوئه، ومعه، دون منافرة بين النصوص، ولا تضارب ولا تعارض، قال: «فرجعنا -أي: إلى الكوفة-، قلنا: وَيْحكم! أترون الشيخ يكذب على رسول الله ﷺ ؟» . فنفعه الله باعتقاد صدق علماء الصحابة، وهذا أول شرط للانتفاع بالعلماء الربانيين عموماً، وفي وقت الفتن خصوصاً. قال يزيد -كما في «صحيح مسلم» -أيضاً-: «فرجعنا، فلا والله ما خرج منا -أي: للثورة المسلحة- غيرُ رجل واحد» . فالنفع لهؤلاء لا يكون إلا بمحاجة العلماء، وإزالة الشبه، ولا سبيل إلى إصلاحهم إلا بذلك، والعنف معهم يزيد من قوتهم وعنادهم، ويلهب نارهم، ويُبعدهم عن الجادة على وجه أظهر، وبمسافة أبعد. ومع وجود الحماسات، والعواطف العاصفات، ودندنة الخطباء الحماسيين بضرورة إقامةِ (الجماعةِ المسلمةِ) ، مهمَّتَها التي وُجِدَت من أجلها، وهي حمل لواء الحق، ووجوب الجهاد ضد السلطات التي تمنع ذلك، وإيراد النصوص من الكتاب والسنة التي في ظاهرها تكفير هؤلاء، والاعتماد على فتاوى (المهابيل) وتقريرات أنصاف المتعلمين، وتوظيف نقولات الأقدمين من العلماء بغير إنصاف، وغالباً ما يكون ذلك بعد التورط في أعمال العنف أو التلبس بمقدماته؛ لتسويغ أحداث عنف، قد اندلعت على وجه عفوي، وأحياناً بطرق مجهولة، قد تكون من عمل جهات مغرضة، فتشعل نيران الحمية،

стр. 109

ويظهر الغضب العام، ويفلت الزمام من بين يدي العقلاء، فضلاً عن العلماء، ويفقد العقل دوره وسيطرته على مجريات الأحداث، ويتزحزح عن مكانه في هذه (الحضرة الجهادية الهستيرية) ، تاركاً مكانه للاندفاعات العاطفية، والحماسات الشبابية، وللرؤى والمنامات (١) والإلهامات، فيجتمع عرس الشيطان، بتزاوج هذه العناصر معاً، وإذا بالناس يصحون على هول الكارثة، ولا يفرقون بين الإسلام وما يمارس باسمه، فتتسع الفجوة، وتنوء النفوس عن حمل الأمانة، وتتراجع الدعوة إلى الإسلام الصحيح، كما عايشناه وعايناه، وملأ أسماعنا وأبصارنا، وإلى الله عاقبة الأمور. ومن أهم المهمات، وأوجب الواجبات: تقعيد التفريق بين (الجهاد الشرعي) و (العمل الثوري) . فقد «تداخلت في الآونة الأخيرة إلى درجة الالتباس، مفاهيم (الثورة) التي خلّفتها أحداث متنوعة، ورسختها في الأذهان فلسفات سياسية وإنسانية شتى، مع مبدأ (الجهاد الشرعي) وأحكامه، في أذهان كثير من الناس. ولعل من أهم العوامل التي سببت هذا التداخل والمزج (٢) : أولاً: وحدة الظروف التي تبعث على الرغبة في التغيير والإصلاح. ثانياً: وحدة الحوافز النفسية -أيضاً-، وهي التي تنشأ عادة من تلك الظروف. ثالثاً: عدم تحصيل العلم الشرعي، الذي يصقل صاحبه بشخصية متميزة، تنظر إلى الأمور نظرة واسعة، وتحسن تقدير مآلات الأفعال، والنتائج، والمصالح والمفاسد، من خلال سنة الله الكونية والشرعية، وتحقيق واجب

стр. 110

الوقت (١) . رابعاً: الهالة اللامعة من الدعاية التي أحيطت بها كلمة (الثورة) في أذهان كثير من الناس، في أعقاب ثورات عالمية، تركت وراءها أصداء كبيرة في الأذهان وفي النفوس، وجرّت وراءها ذيولاً من النتائج الانقلابية على صعيد الأفكار الاجتماعية، والأنظمة الاقتصادية. ومع عدم التأصيل العلمي، ووجود هذه الهالة اللامعة، وجدنا الشباب المتحمس -الذي لم يتحصّن بتقعيدات العلماء الربانيين ومواقفهم (٢) - أمام ما يشبه المفتاح السحري الذي لا يعجزه شيء عن فتح المغاليق المستعصية أمام طموحاتهم، ووفق تخيّلاتهم، لتحقيق تطلعاتهم في التغيير، وإعادة العز المنشود، والحلم المفقود. خامساً: وزاد الطين بلة، أنّ هذا الطريق (طريق الثورات) أصبح مسلوكاً، ومارسته اتجاهات لها أصول متعددة باسم الإسلام، ووجدوا من يفتيهم بذلك لملابسات، وأسباب قد تظهر وقد تختفي! وأن كثيراً ممن قوّم (هذه الثورات) علّق الجناية بسوء أصحابها، وعدم صدق نواياهم، وحرصهم على المناصب والمراتب والرواتب فحسب! دون أن يضع يده على المصاب الحقيقي، و (أصل الداء) ! فها هو -مثلاً- محمد سرور بن نايف زين العابدين يقول في تقويمه لما حصل في (فتنة حماة) : «أتدرون كيف يربي بعضهم اليوم أصحابه؟! لقد وزعوا المناصب على أهل الحل والعقد فيهم: فهذا وزير الداخلية، وذاك للدفاع، والثالث للتربية والتعليم، والرابع للخارجية، والخامس لقيادة الجيش ... ما تركوا وظيفة كبيرة

стр. 111

إلا وذكروا اسم صاحبها، وأصبح الجميع يتصرفون مع غيرهم على أساس المناصب الجديدة، وأركان هذه الحكومة العتيدة، لم يطلقوا رصاصة واحدة ضد العدو، وبعد أن كانوا ينتقدون الشباب الذين فجروا هذه المعركة ويصفونهم بالطيش والتهور، أصبحوا يظنون أن النصر قد اقترب فغيروا لهجتهم، وادعوا بأنهم أصحاب الحق، وأهل الجهاد، وجميع الشهداء منهم، ومن يشك فيما يقولون فليسأل الشهداء؟! ولم يكن رجالُ هذه الحكومة الجماعةَ الإسلامية الوحيدة في ساحة العمل، وكانوا يتكلمون عن الوحدة، لكنهم يرون أن هذه الوحدة يجب أن تتم بالانضمام إليهم، وبالكيفية التي يريدونها، ومن يرفض هذا الظلم فقد شق عصا الطاعة وخالف الجماعة. انقشع غبار المعركة الوهمية بعد حينٍ من الزمن عن هزيمة محزنة ألمت بهذه الحكومة وبغيرها من الدعاة والجماعات، ولم ينعم أحد من هؤلاء بالمنصب الذي أسند إليه، وأعقبت الهزيمة خلافات واتهامات وانشقاقات، وهذه عاقبة كل من يخالف سنن الله الثابتة في النصر. وعلى ضوء هذه السنن نستطيع معرفة أسباب الهزائم المتكررة؛ لأن كل من يهتم بأمور الجماعة والعمل الإسلامي يعرف من أحوالهم ما يمكنه من الحكم على مدى التزامهم بسنن الله في النصر» (١) . ويقول -أيضاً-: «وقد تتفجر الخلافات، وتهتك الأستار، ويشتد الصراخ، ولكن من يتابع الأمور لا يجد حرصاً من أي طرف على وضع الحق في نصابه وتقويم الاعوجاج، وإنما التنافس على الزعامة وحطام الدنيا هو سبب هذه الخلافات -الجديدة منها والقديمة-، فقائد الحزب المرهوب الجانب يتهم بعض

стр. 112

مساعديه، ويحمّلهم مسؤولية الهزيمة، ويقول: إنهم كانوا ينفردون بأخطر القرارات ولا يردون الأمر إليه، ويتحدث عن اتصالات مشبوهة لهم مع العدو كانت تتم من وراء ظهره، وقد حذرهم منها ولم يخبر بقية المساعدين خوفاً من الفتنة، وإدراكاً منه لخطورة المرحلة التي كان يمر بها الحزب. وهؤلاء المساعدون يردون على النار بأشد منها، وينقسم الحزب إلى حزبين، وإن كان عدد الذين يلتفون حول قائد الحزب -أي: شيخ القبيلة- أكثر؛ لأن تربية أعضاء الحزب قامت ابتداء على أنها جماعة المسلمين، وشيخه إمام المسلمين، وإن كانت ألفاظهم تدل على غير ذلك؛ لأن العبرة بالعمل وليس بالقول. ويبقى شيخ القبيلة متربعاً على كرسي القيادة الوثير، مع أنه المسؤول الأول عن الهزائم المتكررة التي لحقت بحزبه، وشيخ القبيلة من أهم مشكلاتنا ومآسينا في هذا العصر، فقد يمرض، ويشتد مرضه، ويحول هذا المرض بينه وبين ممارسة القيادة الفعلية وبشكل خاص في المواقف الحاسمة! ومع ذلك يبقى مستلقياً على كرسيه -ولا غرابة في ذلك؛ فالكرسي اليوم قد يصبح سريراً- لا يفكر في الاستقالة، ولا يفكر من حوله في استبداله. وقد يهزم شيخ القبيلة الحزبية، بل قد يخرِّف أحياناً، ومع ذلك يبقى متربعاً على كرسي القيادة.. وكيف تنتظرون من حزب إسلامي أن يخالف دستوره الذي ينص على أن القائد ليس لبقائه في هذا المركز زمن محدد، وفي هذا النص ما فيه من مخالفات للشروط التي يجب أن تتوفر في أهل الحل والعقد» (١) . قال أبو عبيدة: الأسباب المذكورة مهمّة، وتوحي للقارئ أن الخلل في

стр. 113

صفات القائمين على هذه (الثورات) ! وليس كذلك؛ إذ إحكام (البدايات) سلامة في (النهايات) ، وضبط (المصطلحات) يقي من (الانزلاقات) ، فالثورة في الفتن الثلاث (الحرم المكي، حماة، الجزائر) لا وجود لها عند الفقهاء ألبتة (١) ، ولا يتصور أحد من العقلاء -فضلاً عن العلماء- القول بجوازها، وهذه الفتن يعرفها العلماء الربانيون عند بروزها، وظهور مخايلها، قبل وقوعها، وتمكّن قرونها، ويعرفها الجهال -كل الجهال- عند انقضائها، وانصرافها (٢) . و (الثورة) «تغيير جذري شامل يحدث في مسار الأنظمة السياسية أو الاجتماعية، قفزاً فوق سنة الله في التدرج والتطور، سواء كان بطريقة سلمية، أو بالعنف وسفك الدماء» (٣) ، وهذا يخالف سنة الله الشرعية في التغيير، وطريق الأنبياء المسلوكة. فـ (الثورة) «تتفجر من (رغائب) الإنسان و (رعوناته) ، وتتجه إلى سطح (الوقائع الاجتماعية) ، ولا تهتم بدخائل (التربية الفردية) (٤) » ، بخلاف الجهاد الذي له ميادينه، وغاياته، وأهله، وأحكامه، وضوابطه، وهو بمثابة السياج الذي يحفظ بيضة الأمة من جهة، ويبلغ دعوتهم إلى سائر الأمم من جهة ثانية، يلتحم فيه أبناء المسلمين جميعاً لتأدية هاتين الفريضتين من خلال نوعي الجهاد: الدفع والطلب، وهو ماضٍ في هذه الأمة إلى يوم القيامة. أما أن يقوم شاب متحمس، وينزو على المنبر، ويتلثم، لئلا يعرف، فيشْتُم المسؤولين، ويقذع في السب، ويدعو العوام للخروج، والتفجير،

стр. 114

والتثوير، ويفرّ -وربما فرَّ قبل الصلاة، إن جاءت السلطات (١) - ويحاكَمُ المستمعون، ويُؤخَذون بجريرة ذاك المراهق، ويعدّ هذا (جهاداً) ! و (طاعة) لله ورسوله ﷺ ، فوالله ما نعلم لهذا أثراً ولا مستنداً! قال أبو عبيدة: معذرة لإخواني القراء على هذا الاستطراد، ولولا حرصي على حقن دماء المسلمين بعامة والشباب السلفي بخاصة، ما دونت هذه السطور، وليس همّي التفصيل في بيان أحكام الجهاد (٢) ، ولكن همي لفت نظرهم إلى ضرورة التفريق بين الجهاد المشروع وغيره، «وفي الجملة؛ فالبحث في هذه الدقائق من وظيفة خواص أهل العلم» (٣) ، وقد قالوا كلمتهم، وتكلموا على (الثورات) التي حلّت في بعض بلاد المسلمين، وكشفوا عن أسباب ذلك، فها هو شيخنا الألباني -رحمه الله تعالى- يقول بعد تقريره لأهمية (التصفية) و (التربية) : «إن ما يقع سواء في الجزائر أو في مصر (٤) ، هذا خلاف الإسلام؛ لأنّ الإسلام يأمر بالتصفية والتربية ... » (٥) ، ويقول بعد كلام في جواب سؤال عن استخدام الثوار للمتفجِّرات التي تودي بحياة العشرات: «جوابنا واضح جدّاً، أنّ ما يقع في الجزائر وفي مصر وغيرهما هو سابقٌ لأوانه أولاً، ومخالفٌ لأحكام الشريعة غايةً وأسلوباً ثانياً» (٦) .

стр. 115

ثم قال عن هذه الثورات التي وقعت في الجزائر: «إنّ هذه جزئية من الكليّة، أخطرها هو هذا الخروج الذي مضى عليه بضع سنين، ولا يزداد الأمر إلا سوءاً» (١) . فإذاً؛ هذه الجزئية (وهي المجازر الشنيعة) ، هي فرع من كلية، (وهي جواز الخروج، وفكر التكفير) ، وهذا يلتقي مع ما نحن بصدده من ربط هذه الثورات بما في العراق من فتن مهيّجات، وصلت إلى أنحاء المعمورة، وسارت إلى جميع الجهات، ولا قوة إلا بالله. وقال شيخنا بعد كلام: « ... ولذلك، فكلّ الجماعات التي تدَّعي الانتساب إلى السلف، إذا لم يعملوا بما كان عليه السلف، ومن ذلك ما نحن بصدده أنه لا يجوز تكفير الحكام، ولا الخروج عليهم، فإنما هي دعوى يدّعونها، هذه مسألة واضحة البطلان جدّاً» (٢) . وهذا التأصيل عند الشيخ واضح المعالم، كان يكرره ويؤكّده، ونشر (٣) في حياته في (فتوى) مطوّلة، أثنى عليها على علماء العصر الكبار (٤) ، وما جاء فيها بصصد الكلام عن مسألة (التحكيم) و (ثورات) الشباب على الحكام بسببه: «ثم كنت ولا أزال أقول لهؤلاء الذين يدندنون حول تكفير حكام

стр. 116

المسلمين: هبُوا أن الحكام كفار كفر ردّة، ماذا يمكن أن تعملوه؟ هؤلاء الكفار احتلوا من بلاد الإسلام، ونحن هنا مع الأسف ابتلينا باحتلال اليهود لفلسطين، فماذا نستطيع نحن وأنتم أن نعمل مع هؤلاء، حتى تستطيعوا أنتم مع الحكام الذين تظنون أنهم من الكفار؟ هلا تركتم هذه الناحية جانباً، وبدأتم بتأسيس القاعدة التي على أساسها تقوم قائمة الحكومة المسلمة؟ وذلك باتباع سنة رسول الله ﷺ التي ربَّى أصحابه عليها ... وذلك ما نُعبِّر عنه في كثير من مثل هذه المناسبة بأنه لا بد لكل جماعة مسلمة تعمل بحق لإعادة حكم الإسلام، ليس فقط على أرض الإسلام، بل على الأرض كلها، تحقيقاً لقوله ﵎: ﴿هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون﴾ ، وقد جاء في بعض الأحاديث الصحيحة أن هذه الآية ستتحقق فيما بعد. فلكي يتمكن المسلمون من تحقيق هذا النص القرآني: هل يكون الطريق بإعلان الثورة على هؤلاء الحكام الذين يظنون أن كفرهم كفر ردة؟! ثم مع ظنهم هذا -وهو ظنٌّ خاطئ- لا يستطيعون أن يعملوا شيئاً! ما هو المنهج؟ ما هو الطريق؟ لا شك أن الطريق هو ما كان رسول الله ﷺ يدندن حوله ويذكر أصحابه به في كل خطبة: «وخير الهدى هدى محمد ﷺ » ، فعلى المسلمين كافة -وخاصة منهم من يهتم بإعادة الحكم الإسلامي- أن يبدأ من حيث بدأ رسول الله ﷺ : وهو ما نكني نحن عنه بكلمتين خفيفتين: (التصفية) و (التربية) ؛ ذلك لأننا نحن نعلم حقيقة يغفل عنها أو يتغافل عنها في الأصح أولئك الغلاة، الذين ليس لهم إلا إعلان تكفير الحكام، ثم لا شيء! وسيظلون يعلنون تكفير الحكام، ثم لا يصدر منهم إلا الفتن، والواقع في هذه السنوات الأخيرة التي يعلمونها، بدءاً من فتنة الحرم المكي إلى فتنة مصر وقتل السادات وذهاب دماء كثير من المسلمين الأبرياء، بسبب هذه الفتنة، ثم أخيراً في سورية، ثم الآن في مصر والجزائر مع الأسف، إلخ ...

стр. 117

كل هذا بسبب أنهم خالفوا كثيراً من نصوص الكتاب والسنة، وأهمها: ﴿لَقَد كَان لَكُم في رَسُول الله أُسوة حَسَنة لِمَن كَان يَرجو اللهَ واليومَ الآخرَ وذكر الله كثيراً﴾ ... بماذا بدأ رسول الله ﷺ ؟ تعلمون أنه بدأ بالدعوة بين الأفراد الذين كان يظن فيهم الاستعداد لتقبل الحق، ثم استجاب له من استجاب كما هو معروف في السيرة النبوية، ثم التعذيب والشدة التي أصابت المسلمين في مكة، ثم الأمر بالهجرة الأولى والثانية إلى آخر ما هنالك، حتى وطد الله الإسلام في المدينة المنورة، وبدأت هنالك المناوشات، وبدأ القتال بين المسلمين وبين الكفار من جهة، ثم اليهود من جهة أخرى، وهكذا ... إذاً لا بد أن نبدأ نحن بتعليم الناس الإسلام كما بدأ الرسول ﵊، ... » . فصل الفرق بين المطلوب الشرعي وواجب الوقت وما عليه أصحاب الثورات والانقلابات ودعاة الخروج يتّضح للمقارن بين كلام أئمة الدعوة الكبار، وعلى رأسهم مشايخها: ابن باز، والألباني، وابن عثيمين ﵏ جميعاً- أن الذي يدعون إليه هو منهج الأنبياء، وهو طريق طويل وشاق، والغاية فيه إقامة الدين، وتربية الشباب عليه، التربية الربانية، لا الحزبية، ولا تعلّقهم بالمكاسب والمناصب، بخلاف الثوريين فإنهم ساسة (١) في خطاباتهم، وفتاواهم، وأطروحاتهم،

стр. 118

وطريقة معالجتهم للمستجدات، فضلاً عن أسلوبهم في الوصول إلى (سُدّة) الحكم! وأفصح العلامةُ السلفيُّ عبد الحميد بن باديس -رحمه الله تعالى- عن الفرق بين هاتين الطائفتين، فقال: «فإننا اخترنا الخطة الدينية على غيرها، عن علم وبصيرة وتمسكاً بما هو مناسب لفطرتنا وتربيتنا من النصح والإرشاد، وبث الخير والثبات على وجه واحد والسير في خط مستقيم، وما كنا لنجد هذا كله إلا فيما تفرغنا له من خدمة العلم والدين، وفي خدمتهما أعظم خدمة، وأنفعها للإنسانية عامة. ولو أردنا أن ندخل الميدان السياسي لدخلناه جهراً، ولضربنا فيه المثل بما عرف عنا من ثباتنا وتضحياتنا، ولقدنا الأمة كلها للمطالبة بحقوقها، ولكان أسهل شيء علينا أن نسير بها على ما نرسمه لها، وأن نبلغ من نفوسها إلى أقصى غايات التأثير عليها؛ فإن مما نعلمه، ولا يخفى على غيرنا أن القائد الذي يقول للأمة: (إنك مظلومة في حقوقك، وإنني أريد إيصالك إليها) ، يجد منها ما لا يجد من يقول لها: (إنك ضالة عن أصول دينك، وإنني أريد هدايتَك) ، فذلك تلبيه كلها، وهذا يقاومه معظمها أو شطرها! وهذا كله نعلمه، ولكننا اخترنا ما اخترنا لما ذكرنا وبيَّنَّا، وإننا -فيما اخترناه- بإذن الله راضون، وعليه متوكّلون» (١) . ويلتقي مع هذا، ويؤكد ما ذهبنا إليه من ارتباط هذه الفتن بالخروج الذي ابتدأ ظهوره من العراق، وهاج منها حتى وصل الجزائر:

стр. 119

ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-: «وكثير ممن خرج على ولاة الأمور أو أكثرهم إنما خرج لينازعهم مع استئثارهم عليه، ولم يصبروا على الاستئثار، ثم إنه يكون لولي الأمر ذنوب أخرى، فيبقى بغضه لاستئثاره يعظم تلك السيئات، ويبقى المقاتل له ظانّاً أنه يقاتله لئلا تكون فتنة ويكون الدين كله لله، ومن أعظم ما حركه عليه طلب غرضه: إما ولاية، وإما مال، كما قال -تعالى-: ﴿فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون﴾ [التوبة: ٥٨] ، وفي الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: رجل على فضل ماء يمنعه من ابن السبيل، يقول الله له يوم القيامة: اليوم أمنعك فضلي كما منعت فضل ما لم تعمل يداك، ورجل بايع إماماً لا يبايعه إلا لدنيا؛ إن أعطاه منها رضي، وإن منعه سخط، ورجل حلف على سلعة بعد العصر كاذباً: لقد أعطي بها أكثر مما أعطي (١) » . فإذا اتفق من هذه الجهة شبهة وشهوة، ومن هذه الجهة شهوة وشبهة، قامت الفتنة، والشارع أمر كل إنسان بما هو المصلحة له وللمسلمين، فأمر الولاة بالعدل والنصح لرعيتهم، ... وأمر الرعية بالطاعة والنصح، ... وأمر بالصبر على استئثارهم، ونهى عن مقاتلتهم ومنازعتهم الأمر مع ظلمهم؛ لأنّ الفساد الناشئ من القتال في الفتنة أعظم من فساد ظلم ولاة الأمر، فلا يُزَالُ أَخَفُّ الفسادين بأعظمهما» (٢) . قال أبو عبيدة: هذا أصل سلفي منهجي محكم غاب عن هؤلاء الخائضين في الدماء إلى الركب، وهم يزعمون السلفية، وليسوا أهلاً للاجتهاد، فكيف إذا تكلم العلماء: أهل العلم والدين، وقرروا خطأ صنيعهم،

стр. 120

وتوافق ذلك مع ما هو محسوس مشاهد؟! وقبل أن أنتقل إلى فتنة أخرى، وهي من أعظم ما جرى في هذا العصر، أرى لزاماً عليَّ التنبيه والتأكيد على أمور (١) : أولاً: الواجب في هذه الأزمنة خصوصاً إظهار شعار العلماء في الإصلاح، دون شعار هؤلاء الصغار، فإن سائر الواجبات الشرعية لا تقوم إلا بذلك، وإذا ترك ذلك ظهر شعار أهل البدع والضلال، ولذا صار إظهار هذا الشعار مأموراً به من هذه الجهة (٢) . ثانياً: إظهار شعار هؤلاء المراهقين اليوم يُتَوسّلُ به إلى مقاصد الكائدين للإسلام وأهله، ولم يحل للمفتي أن يُفتيَ بما يجُرُّ إلى مفاسدهم، لو كانت أصل أفعالهم مشروعةً، فكيف والعلماء -قديماً وحديثاً- يرون منعها، ومحال أن تقوم عند هؤلاء أدلة لم تصل العلماء، ولكن قامت عندهم شُبَه، وتلاحقت الأحداث، فلم يجدوا بدّاً إلا أن يبقوا على مواقفهم، وإن تضمنت تحليل ما حرمه الله ورسوله من إراقة الدماء، وإزهاق النفوس (٣) ، وإلحاق ما يفعلونه بالجهاد، وليس لهم على تقريرات العلماء بأدلتها الشرعية أجوبة صحيحة، ولا معارض لها مقاوم، فمن ادّعى بطلانها، فليُجب عنها أجوبة مفصّلة، وإلا؛

стр. 121

فليعرف قدره، ولا يتعدى طوره، ولا يقتحم المهالك. ثالثاً: غاية هؤلاء الثائرين إما أن يَغْلبوا وإما أن يُغْلبوا، ثم يزول أجرهم، ويفنى ذكرهم، ولا تكون لهم عاقبة، فلا أقاموا ديناً، ولا أبقوا دنيا، بخلاف العلماء الربانيين، فإن لهم ثمرة، وحملوا الأمانة نقيّة، وسلّموها لمن بعدهم ناصعة جليّة. قال ابن تيمية في «منهاج السنة النبوية» (٤/٥٢٨-٥٣٢) على إثر سرده جماعات من الثائرين الخارجين على أئمة الجور في زمانهم، وبعضهم لا يحمل المبادئ العقدية التي ينادي بها الخوارج من التكفير بالكبيرة، قال: «وغاية هؤلاء إما أن يَغلبوا وإما أن يُغلبوا، ثم يزول ملكهم فلا يكون لهم عاقبة؛ فإن عبد الله بن علي وأبا مسلم هما اللذان قتلا خلقاً كثيراً، وكلاهما قتله أبو جعفر المنصور، وأما أهل الحرة وابن الأشعث وابن المهلب وغيرهم فهزموا وهزم أصحابهم، فلا أقاموا ديناً ولا أبقوا دنيا، والله -تعالى- لا يأمر بأمر لا يحصل به صلاح الدين ولا صلاح الدنيا، وإن كان فاعل ذلك من أولياء الله المتقين ومن أهل الجنة، فليسوا أفضل من علي وعائشة وطلحة والزبير وغيرهم، ومع هذا لم يحمدوا ما فعلوه من القتال، وهم أعظم قدراً عند الله وأحسن نية من غيرهم. وكذلك أهل الحرة كان فيهم من أهل العلم والدين خلق، وكذلك أصحاب ابن الأشعث كان فيهم خلق من أهل العلم والدين، والله يغفر لهم كلِّهم. وقد قيل للشعبي في فتنة ابن الأشعث: أين كنت يا عامر؟ قال: كنت حيث يقول الشاعر: عوى الذئب فاستأنست بالذئب إذ عوى ... وصوَّتَ إنسانٌ فكدتُ أطير أصابتنا فتنة لم نكن فيها بررة أتقياء، ولا فجرة أقوياء.

стр. 122

وكان الحسن البصري يقول: إنّ الحجاج عذاب الله، فلا تدفعوا عذاب الله بأيديكم، ولكن عليكم بالاستكانة والتضرع، فإن -الله تعالى - يقول: ﴿ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون﴾ [سورة المؤمنون: ٧٦] ، وكان طلق بن حبيب يقول: اتقوا الفتنة بالتقوى. فقيل له: أجمل لنا التقوى. فقال: أن تعمل بطاعة الله على نور من الله، ترجو رحمة الله، وأن تترك معصية الله على نور من الله، تخاف عذاب الله. رواه أحمد وابن أبي الدنيا. وكان أفاضل المسلمين ينهون عن الخروج والقتال في الفتنة، كما كان عبد الله بن عمر وسعيد بن المسيب وعلي بن الحسين وغيرهم ينهون عام الحرة عن الخروج على يزيد، وكما كان الحسن البصري ومجاهد وغيرهما ينهون عن الخروج في فتنة ابن الأشعث. ولهذا استقر أمر أهل السنة على ترك القتال في الفتنة؛ للأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي ﷺ ، وصاروا يذكرون هذا في عقائدهم، ويأمرون بالصبر على جور الأئمة وترك قتالهم، وإن كان قد قاتل في الفتنة خلق كثير من أهل العلم والدين. وباب قتال أهل البغي والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يشتبه بالقتال في الفتنة، وليس هذا موضع بسطه. ومن تأمل الأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي ﷺ في هذا الباب، واعتبر -أيضاً- اعتبار أولي الأبصار؛ علم أنّ الذي جاءت به النصوص النبوية خير الأمور، ولهذا لما أراد الحسين ﵁ أن يخرج إلى أهل العراق لما كاتبوه كتباً كثيرة، أشار عليه أفاضل أهل العلم والدين، كابن عمر وابن عباس وأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أن لا يخرج، وغلب على ظنهم أنه يقتل، حتى إن بعضهم قال: أستودعك الله من قتيل. وقال بعضهم: لولا الشفاعة لأمسكتك ومنعتك من الخروج. وهم في ذلك قاصدون نصيحته طالبون لمصلحته ومصلحة المسلمين. والله ورسوله إنما يأمر بالصلاح لا بالفساد، لكن الرأي يصيب تارة

стр. 123

ويخطئ أخرى. فتبين أنّ الأمر على ما قاله أولئك، ولم يكن في الخروج لا مصلحة دين ولا مصلحة دنيا، بل تمكن أولئك الظلمة الطغاة من سبط رسول الله ﷺ حتى قتلوه مظلوماً شهيداً، وكان في خروجه وقتله من الفساد ما لم يكن حصل لو قعد في بلده، فإن ما قصده من تحصيل الخير ودفع الشر لم يحصل منه شيء، بل زاد الشر بخروجه وقتله، ونقص الخير بذلك، وصار ذلك سبباً لشر عظيم، وكان قتل الحسين مما أوجب الفتن، كما كان قتل عثمان مما أوجب الفتن. وهذا كله مما يبين أن ما أمر به النبي ﷺ من الصبر على جور الأئمة وترك قتالهم والخروج عليهم هو أصلح الأمور للعباد في المعاش والمعاد، وأن من خالف ذلك متعمداً أو مخطئاً لم يحصل بفعله صلاح، بل فساد، ولهذا أثنى النبي ﷺ على الحسن بقوله: «إن ابني هذا سيد، وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين» (١) ، ولم يُثْنِ على أحد لا بقتال في فتنة، ولا بخروج على الأئمة، ولا نزع يد من طاعة، ولا مفارقه للجماعة. وأحاديث النبي ﷺ الثابة في الصحيح كلها تدل على هذا، كما في «صحيح البخاري» من حديث الحسن البصري: سمعت أبا بكرة ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ علىالمنبر والحسن إلى جنبه ينظر إلى الناس مرة وإليه مرة ويقول: «إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين» . فقد أخبر النبي ﷺ بأنه سيد، وحقق ما أشار إليه من أن الله يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين. وهذا يبين أن الإصلاح بين الطائفتين كان محبوباً ممدوحاً يحبه الله ورسوله، وأن ما فعله الحسن من ذلك كان من أعظم فضائله ومناقبه التي أثنى

стр. 124

بها عليه النبي ﷺ ، ولو كان القتال واجباً أو مستحبّاً لم يُثنِ النبي ﷺ على أحد بترك واجب أو مستحب، ولهذا لم يثن النبي ﷺ على أحد بما جرى من القتال يوم الجمل وصفين فضلاً عما جرى في المدينة يوم الحرّة، وما جرى بمكة في حصار ابن الزبير، وما جرى في فتنة ابن الأشعث وابن المهلب وفي ذلك من الفتن، ولكن تواتر عنه أنه أمر بقتال الخوارج المارقين الذين قاتلهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ بالنهروان بعد خروجهم عليه بحروراء؛ فهؤلاء استفاضت السنن عن النبي ﷺ بالأمر بقتالهم، ولما قاتلهم علي ﵁ فرح بقتالهم، وروى الحديث فيهم، واتفق الصحابة على قتال هؤلاء، وكذلك أئمة أهل العلم بعدهم لم يكن هذا القتال عندهم كقتال أهل الجمل وصفين وغيرهما مما لم يأت فيه نص ولا إجماع، ولا حمده أفاضل الداخلين فيه، بل ندموا عليه ورجعوا عنه. وهذا الحديث من أعلام نبوة نبينا محمد ﷺ حيث ذكر في الحسن ما ذكره، وحمد منه ما حمده، فكان ما ذكره وما حمده مطابقاً للحق الواقع بعد أكثر من ثلاثين سنة؛ فإن إصلاح الله بالحسن بين الفئتين كان سنة إحدى وأربعين من الهجرة، وكان علي ﵁ استشهد في رمضان سنة أربعين، والحسن حين مات النبي ﷺ كان عمره نحو سبع سنين، فإنه ولد عام ثلاث من الهجرة، وأبو بكرة أسلم عام الطائف، تدلى ببكرة؛ فقيل له أبو بكرة، والطائف كانت بعد فتح مكة، فهذا الحديث الذي قاله النبي ﷺ في الحسن كان بعد ما مضى ثمانٍ من الهجرة، وكان بعد موت النبي ﷺ بثلاثين سنة التي هي خلافة النبوة، فلا بد أن يكون قد مضى له أكثر من ثلاثين سنة، فإنه قاله قبل موته ﷺ » . رابعاً: قد يقول قائل: نسلِّم لك ما تقول، نظراً لخَوَرِنا وضعْفِنا، وطمع العدو بنا، ولغربة الدين بين ظهرانينا، ولما يترتب الآن على الخروج من قتل النفوس بلا فائدة، وإلا؛ فالخروج -قديماً- قد حصل مرات! وعلى هيئة

стр. 125

(ثورات) ! وهذا أمر مشهور في التاريخ، فها هي ثورة (النفس الزكية) (١) ، و (ثورة الإمام المحدث أحمد بن نصر الخزاعي) (٢) ، وغيرهما. والجواب على هذا في كلام شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-، قال: «وإذا قال القائل: إنّ عليّاً والحسين إنما تركا القتال في آخر الأمر للعجز؛ لأنه لم يكن لهما أنصار، فكان في المقاتلة قتل النفوس بلا حصول المصلحة المطلوبة؟ قيل له: وهذا بعينه هو الحكمة التي راعاها الشارع ﷺ في النهي عن الخروج على الأمراء (٣) ، وندب إلى ترك القتال في الفتنة، وإن كان الفاعلون لذلك يرون أن مقصودهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كالذين خرجوا بالحرة وبدير الجماجم على يزيد والحجّاج وغيرهما. لكن إذا لم يُزَلِ المنكر إلا بما هو أنكر منه، صار إزالته على هذا الوجه منكراً، وإذا لم يحصل المعروف إلا بمنكر مفسدته أعظم من مصلحة ذلك المعروف، كان تحصيل ذلك المعروف على هذا الوجه منكراً. وبهذا الوجه صارت الخوارج تستحل السيف على أهل القبلة، حتى قاتلت عليّاً وغيره من المسلمين، وكذلك من وافقهم في الخروج على الأئمة بالسيف في الجملة من المعتزلة والزيدية والفقهاء وغيرهم، كالذين خرجوا مع

стр. 126

محمد بن عبد الله بن حسن بن حسين، وأخيه إبراهيم بن عبد الله بن حسن بن حسين وغير هؤلاء، فإن أهل الديانة من هؤلاء يقصدون تحصيل ما يرونه ديناً. لكن قد يخطئون من وجهين: أحدهما: أن يكون ما رأوه ديناً ليس بدين، كرأي الخوارج وغيرهم من أهل الأهواء؛ فإنهم يعتقدون رأياً هو خطأ وبدعة، ويقاتلون الناس عليه، بل يكفّرون من خالفهم، فيصيرون مخطئين في رأيهم، وفي قتال من خالفهم أو تكفيرهم ولعنهم. وهذه حال عامة أهل الأهواء، كالجهمية الذين يدعون الناس إلى إنكار حقيقة أسماء الله الحسنى وصفاته العلى، ويقولون: إنه ليس له كلام إلا ما خلقه في غيره، وإنه لا يرى، ونحو ذلك، وامتحنوا الناس لما مال إليهم بعض ولاة الأمور، فصاروا يعاقبون من خالفهم في رأيهم: إما بالقتل، وإما بالحبس، وإما بالعزل ومنع الرزق، وكذلك قد فعلت الجهمية ذلك غير مرة، والله ينصر عباده المؤمنين عليهم. والرافضة شر منهم: إذا تمكنوا فإنهم يوالون الكفار وينصرونهم، ويعادون من المسلمين كل من لم يوافقهم على رأيهم (١) ، وكذلك من فيه نوع

стр. 127

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 128

من البدع: إما من بدع الحلولية: حلولية الذات أو الصفات، وإما من بدع النّفاة أو الغلو في الإثبات، وإما من بدع القدرية أو الإرجاء أو غير ذلك، تجده يعتقد اعتقادات فاسدة، ويكفر من خالفه أو يلعنه، والخوارج المارقون أئمة هؤلاء في تكفير أهل السنة والجماعة وفي قتالهم. الوجه الثاني: من يقاتل على اعتقاد رأي يدعو إليه مخالف للسنة والجماعة؛ كأهل الجمل وصفين والحرة والجماجم وغيرهم، لكن يظن أنه بالقتال تحصل المصلحة المطلوبة، فلا يحصل بالقتال ذلك، بل تعظم المفسدة أكثر مما كانت، فيتبين لهم في آخر الأمر ما كان الشارع دل عليه من أول الأمر (١) . وفيهم من لم تبلغه نصوص الشارع، أو لم تثبت عنده، وفيهم من يظنها منسوخة كابن حزم، وفيهم من يتأولها، كما يجري لكثير من المجتهدين في كثير من النصوص. فإنه بهذه الوجوه الثلاثة يترك من يترك من أهل الاستدلال العمل ببعض النصوص؛ إما أن لا يعتقد ثبوتها عن النبي ﷺ ، وإما أن يعتقدها غير دال على مورد الاستدلال، وإما أن يعتقدها منسوخة. ومما ينبغي أن يعلم: أن أسباب هذه الفتن تكون مشتركة، فيَرِدُ على القلوب من الواردات ما يمنع القلوب عن معرفة الحق وقصده، ولهذا تكون بمنزلة الجاهلية، والجاهلية ليس فيها معرفة الحق ولا قصده، والإسلام جاء بالعلم النافع والعمل الصالح، بمعرفة الحق وقصده. فيتفق أن بعض الولاة

стр. 129

يظلم باستئثار، فلا تصبر النفوس على ظلمه، ولا يمكنها دفع ظلمه إلا بما هو أعظم فساداً منه، ولكن لأجل محبة الإنسان لأخذ حقه ودفع الظلم عنه، لا ينظر في الفساد العام الذي يتولد عن فعله» (١) . قال أبو عبيدة: ما قرره شيخ الإسلام ابن تيمية تأصيل منهجيّ من خلال نصوص الأحاديث النبوية -وقد ساق بعضاً منها-، وبالنظر إلى استقراء الحوادث التي تمّ فيها (الخروج) ، وله كلام يشعر بذلك، وفيه -أيضاً- تفسير لهذه الظاهرة، ومعيار لتقويم الأشخاص الذين شاركوا فيها، وقبل أن أسوق كلامه الذي فيه هذا الأمر الخطير، لا بد من التأكيد على ما سبق بإيرادي لكلام لشيخنا الألباني ﵀ في تعليقه على حديث عبادة بن الصامت، الذي أخرجه البخاري (٧١٩٩، ٧٢٠٠) ، ومسلم (١٧٠٩) -والسياق له-، قال: بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة في العسر واليسر، والمنشط والمكره، وعلى أثرة علينا، وعلى أن لا ننازع الأمر أهله، إلا أن تروا كفراً بواحاً، عندكم من الله فيه برهان، وعلى أن نقول بالحق أينما كنا، لا نخاف في الله لومة لائم» . قال ﵀ في «السلسلة الصحيحة» (٧/١٢٤٠-١٢٤٣) تحت حديث رقم (٣٤١٨) : «ثم إن في هذا الحديث فوائد ومسائل فقهية كثيرة، تكلم عليها العلماء في شروحهم ... » ، قال: «والذي يهمني منها هنا: أن فيه ردّاً صريحاً على الخوارج الذين خرجوا على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ... ﵁، فإنهم يعلمون دون أي شك أو ريب أنهم لم يروا منه (كفراً بواحاً) ، ومع ذلك استحلوا قتاله، وسفك دمه، هو ومن معه من الصحابة والتابعين، فاضطر ﵁ لقتالهم واستئصال شأفتهم، فلم ينْجُ منهم إلا القليل، ثم غدروا به ﵁، كما هو معروف في التاريخ.

стр. 130

والمقصود أنهم سنوا سنة -في الإسلام- سيئة، وجعلوا الخروج على حكام المسلمين ديناً على مر الزمان والأيام، رغم تحذير النبي ﷺ منهم في أحاديث كثيرة، منها قوله ﷺ : «الخوارج كلاب النار» (١) . ورغم أنهم لم يروا كفراً بواحاً منهم، وإنما دون ذلك من ظلم وفجور وفسق» . ثم قال -وهذا هو الشاهد من كلامه -رحمه الله تعالى-:

стр. 131

«واليوم -والتاريخ يعيد نفسه كما يقولون-؛ فقد نبتت نابته من الشباب المسلم، لم يتفقهوا في الدين إلا قليلاً، ورأوا أن الحكام لا يحكمون بما أنزل الله إلا قليلاً، فرأوا الخروج عليهم دون أن يستشيروا أهل العلم والفقه والحكمة منهم، بل ركبوا رؤوسهم، وأثاروا فتناً عمياء، وسفكوا الدماء، في مصر، وسوريا، والجزائر، وقبل ذلك فتنة الحرم المكي، فخالفوا بذلك هذا الحديث الصحيح الذي جرى عليه عمل المسلمين سلفاً وخلفاً إلا الخوارج. ولما كان يغلب على الظن أن في أولئك الشباب من هو مخلص يبتغي وجه الله، ولكنه شُبِّه له الأمر أو غرر به؛ فأنا أريد أن أوجه إليهم نصيحة وتذكرة، يتعرفون بها على خطأهم، ولعلهم يهتدون. فأقول: من المعلوم أن ما أمر به المسلم من الأحكام منوط بالاستطاعة؛ حتى ما كان من أركان الإسلام، قال -تعالى-: ﴿وَلِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ البَيتِ مَن اسْتَطاعَ إليه سَبِيلاً﴾ [آل عمران: ٩٧] ، وهذا من الوضوح بمكان فلا يحتاج إلى تفصيل. والذي يحتاج إلى التفصيل؛ إنما هو التذكير بحقيقتين اثنتين: الأولى: أن قتال أعداء الله -من أي نوع كان- يتطلب تربية النفس على الخضوع لأحكام الله واتباعها؛ كما قال ﷺ : «المجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله» (١) . والأخرى: أن ذلك يتطلب الإعداد المادي والسلاح الحربي؛ الذي ينكأُ أعداء الله؛ فإن الله أمر به أمير المؤمنين، فقال: ﴿وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم﴾ [الأنفال: ٦٠] ، والإخلال بذلك مع الاستطاعة؛ إنما هو من صفات المنافقين، وكذلك قال

стр. 132

فيهم رب العالمين: ﴿ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة﴾ [التوبة: ٤٦] . وأنا أعتقد جازماً أن هذا الإعداد المادي لا يستطيع اليوم القيام به جماعة من المؤمنين دون علم من حكامهم -كما هو معلوم-، وعليه؛ فقتال أعداء الله من جماعة ما سابقٌ لأوانه، كما كان الأمر في العهد المكي، ولذلك؛ لم يؤمروا به إلا في العهد المدني؛ وهذا هو مقتضى النص الرباني: ﴿لا يكلف الله نفساً إلا وسعها﴾ [البقرة: ٢٨٦] . وعليه؛ فإني أنصح الشباب المتحمس للجهاد، والمخلص حقّاً لرب العباد: أن يلتفتوا لإصلاح الداخل، وتأجيل الاهتمام بالخارج الذي لا حيلة فيه، وهذا يتطلب عملاً دؤوباً، وزمناً طويلاً؛ لتحقيق ما أسميه بـ: (التصفية والتربية) ؛ فإن القيام بهذا لا ينهض به إلا جماعة من العلماء الأصفياء، والمربين الأتقياء، فما أقلهم في هذا الزمان، وبخاصة في الجماعات التي تخرج على الحكام! وقد ينكر بعضهم ضرورة هذه التصفية، كما هو واقع بعض الأحزاب الإسلامية، وقد يزعم بعضهم أنه قد انتهى دورها، فانحرفوا إلى العمل السياسي أو الجهاد، وأعرضوا عن الاهتمام بالتصفية والتربية، وكلهم واهمون في ذلك، فكم من مخالفات شرعية تقع منهم جميعاً بسبب الإخلال بواجب التصفية، وركونهم إلى التقليد والتلفيق، الذي به يستحلون كثيراً مما حرم الله! وهذا هو المثال: الخروج على الحكام؛ ولو لم يصدر منهم الكفر البواح. وختاماً أقول: نحن لا ننكر أن يكون هناك بعض الحكام يجب الخروج عليهم؛ كذاك الذي كان أنكر شرعية صيام رمضان، والأضاحي في عيد الأضحى، وغير ذلك مما هو معلوم من الدين بالضرورة، فهؤلاء يجب قتالهم بنص الحديث، ولكن بشرط الاستطاعة كما تقدم، ولكن مجاهدة اليهود المحتلين للأرض المقدسة والسافكين لدماء المسلمين أوجب من قتال مثل ذاك الحاكم من وجوه كثيرة، لا مجال الآن لبيانها؛ من أهمها: أن جند ذاك

стр. 133

الحاكم من إخواننا المسلمين، وقد يكون جمهورهم -أو على الأقل الكثير منهم- عنه غير راضين، فلماذا لا يجاهد هؤلاء الشباب المتحمس اليهود، بدل مجاهدتهم لبعض حكام المسلمين؟! أظن أنْ سيكون جوابهم عدم الاستطاعة بالمعنى المشروح سابقاً، والجواب هو جوابنا، والواقع يؤكد ذلك؛ بدليل أن خروجهم -مع تعذر إمكانه- لم يثمر شيئاً سوى سفك الدماء سُدىً! والمثال -مع الأسف الشديد- لا يزال ماثلاً في الجزائر، فهل من مدّكر؟!» . «وأمر الرعية بالطاعة والنصح، كما ثبت في الحديث الصحيح: «الدين النصيحة» -ثلاثاً- قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: «لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم» (١) . «وأمر بالصبر على استئثارهم، ونهى عن مقاتلتهم ومنازعتهم الأمر مع ظلمهم؛ لأنّ الفساد الناشئ من القتال في الفتنة، أعظم من فساد ظلم ولاة الأمر، فلا يُزال أخف الفسادين بأعظمهما. ومن تدبر الكتاب والسنة الثابتة عن رسول الله ﷺ ، واعتبر ذلك بما يجده في نفسه وفي الآفاق علم تحقيق (٢) قول الله -تعالى-: ﴿سَنُريهم آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وفي أَنفُسِهم حَتّى يَتَبَيَّن لَهُم أَنّه الحَقّ﴾ [فصلت: ٥٣] ؛ فإنّ الله ... -تعالى- يُري عباده آياته في الآفاق وفي أنفسهم؛ حتى يتبين لهم أنّ القرآن حق، فخبره صدق وأمره عدل: ﴿وَتَمّت كَلِمَةُ رَبِّك صِدقاً وَعَدلاً لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وهو السَّمِيعُ العَلِيم﴾ [الأنعام: ١١٥] . ومما يتعلق بهذا الباب، أن يُعلم أنّ الرجل العظيم في العلم والدين، من الصحابة والتابعين ومن بعدهم إلى يوم القيامة، أهل البيت وغيرهم، قد

стр. 134

يحصل منه نوع من الاجتهاد مقروناً بالظن، ونوع من الهوى الخفي، فيحصل بسبب ذلك ما لا ينبغي اتباعه فيه، وإن كان من أولياء الله المتقين. ومثل هذا إذا وقع يصير فتنة لطائفتين: طائفة تعظمه فتزيد تصويب ذلك الفعل واتباعه عليه، وطائفة تذمه فتجعل ذلك قادحاً في ولايته وتقواه، بل في بره وكونه من أهل الجنة، بل في إيمانه حتى تخرجه عن الإيمان، وكلا هذين الطرفين فاسد. والخوارج والروافض وغيرهم من ذوي الأهواء دخل عليهم الداخل من هذا، ومن سلك طريق الاعتدال عظم من يستحق التعظيم، وأحبه ووالاه، وأعطى الحق حقه، فيعظم الحق، ويرحم الخلق، ويعلم أن الرجل الواحد تكون له حسنات وسيئات، فيحمد ويذم، ويثاب ويعاقب، ويحب من وجه ويبغض من وجه. هذا هو مذهب أهل السنة والجماعة، خلافاً للخوارج والمعتزلة ومن وافقهم» (١) . ثم ذكر مجموعة من (الفتن) من هذا النوع، قال بعد كلام: «وعامة الخلفاء الملوك جرى في أوقاتهم فتن، كما جرى في زمن يزيد ابن معاوية قتل الحسين، ووقعة الحرّة، وحصار ابن الزبير بمكة، وجرى في زمن مروان بن الحكم فتنة مرج راهط بينه وبين النعمان بن بشير، وجرى في زمن عبد الملك فتنة مصعب بن الزبير وأخيه عبد الله بن الزبير، وحصاره ... -أيضاً- بمكة، وجرى في زمن هشام فتنة زيد بن علي، وجرى في زمن مروان ابن محمد فتنة أبي مسلم، حتى خرج عنهم الأمر إلى ولد العباس. ثم كان في زمن المنصور فتنة محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسين

стр. 135

بالمدينة، وأخيه إبراهيم بالبصرة، إلى فتن يطول وصفها» (١) . ثم قرر قاعدة مهمة، من خلالها يظهر لكل ذي بصيرة، عدم جواز احتجاج المتأخرين بما حصل للمتقدمين مع ملوكهم، وهذه القاعدة هي: فصل الفتن في كل زمان حسب رجاله قال -رحمه الله تعالى-: «والفتن في كل زمان بحسب رجاله؛ فالفتنة الأولى فتنة قتل عثمان ﵁ هي أول الفتن وأعظمها. ولهذا جاء في الحديث المرفوع الذي رواه الإمام أحمد في «المسند» وغيره: «ثلاث من نجا منهن فقد نجا: موتي، وقتل خليفة مضطهد بغير حق، والدجّال» (٢) . ولهذا جاء في حديث عمر لما سأل عن الفتنة التي تموج موج البحر، وقال له حذيفة: إنّ بينك وبينها باباً مغلقاً. فقال: أيكسر الباب أم يفتح؟ فقال: بل يكسر. فقال: لو كان يفتح لكاد يُعاد (٣) . وكان عمر هو الباب، فقتل عمر،

стр. 136

وتولى عثمان، فحدثت أسباب الفتنة في آخر خلافته، حتى قتل وانفتح باب الفتنة إلى يوم القيامة، وحدث بسبب ذلك فتنة الجمل وصفين، ولا يقاس رجالهما بأحد؛ فإنهم أفضل مِن كلِّ مَنْ بَعدَهم. وكذلك فتنة الحرة وفتنة ابن الأشعث، كان فيها من خيار التابعين من لا يقاس بهم من بعدهم، وليس في وقوع هذه الفتن في تلك الأعصار ما يوجب أنّ أهل ذلك العصر كانوا شرّاً من غيرهم، بل فتنة كل زمان بحسب رجاله. وقد قال النبي ﷺ : «خير القرون القرن الذي بعثت فيهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» (١) . وفتن ما بعد ذلك الزمان بحسب أهله. وقد رُوي أنه قال: «كما تكونوا يُولّى عليكم» (٢) . وفي أثر آخر يقول الله -تعالى-: «أنا الله ملك الملوك، قلوب الملوك ونواصيهم بيدي، من أطاعني جعلتهم عليه رحمة، ومن عصاني جعلتهم عليه نقمة، فلا تشتغلوا بسب الملوك، وأطيعوني أعطف قلوبهم عليكم» (٣) .

стр. 137

ولما انهزم المسلمون يوم أحد هزمهم الكفار، قال الله -تعالى-: ﴿أَوَلَمّا أَصَابَتْكُم مُصِيبَةٌ قَدْ أَصْبتُم مِثلَيها قُلتُم أَنّى هَذا قُلْ هُوَ مِن عِندِ أَنفُسِكم﴾ [آل عمران: ١٦٥] . والذنوب ترفع عقوبتها بالتوبة والاستغفار والحسنات الماحية والمصائب المكفرة، والقتل الذي وقع في الأمة مما يكفر الله به ذنوبها، كما جاء في الحديث، والفتنة هي من جنس الجاهلية، كما قال الزهري: وقعت الفتنة وأصحاب رسول الله ﷺ متوافرون، فأجمعوا أنّ كل دم أو مال أو فرج

стр. 138

أصيب بتأويل القرآن فإنه هدر: أنزلوهم منزلة الجاهلية. وذلك أنّ الله -تعالى- بعث محمداً ﷺ بالهدى ودين الحق؛ فبالهدى يُعرَف الحق، وبدين الحق يُقصَد الخير ويعمل به، فلا بد من علم بالحق، وقصد له وقدرة عليه، والفتنة تضاد ذلك؛ فإنها تمنع معرفة الحق أو قصده أو القدرة عليه، فيكون فيها من الشبهات ما يلبس الحق بالباطل، حتى لا يتميز لكثير من الناس أو أكثرهم، ويكون فيها من الأهواء والشهوات ما يمنع قصد الحق وإرادته، ويكون فيها من ظهور قوة الشر ما يضعف القدرة على الخير. ولهذا ينكر الإنسان قلبه عند الفتنة، فيرد على القلوب ما يمنعها من معرفة الحق وقصده، ولهذا يقال: فتنة عمياء صمّاء. ويقال: فتن كقطع الليل المظلم، ونحو ذلك من الألفاظ التي يتبين ظهور الجهل فيها، وخفاء العلم. فلهذا كان أهلها بمنزلة أهل الجاهلية، ولهذا لا تضمن فيها النفوس والأموال؛ لأنّ الضمان يكون لمن يعرف أنه أتلف نفس غيره أو ماله بغير حق، فأمّا من لم يعرف ذلك، كأهل الجاهلية من الكفار والمرتدين والبغاة المتأولين، فلا يعرفون ذلك، فلا ضمان عليهم، كما لا يضمن من علم أنه أتلفه بحق، وإن كان هذا مثاباً مصيباً. وذلك أنّ أهل الجاهلية إمّا أنْ يتوبوا من تلك الجهالة، فيغفر لهم بالتوبة جاهليتهم وما كان فيها، وإمّا أنْ يكونوا ممن يستحق العذاب على الجهالة كالكفّار، فهؤلاء حسبهم عذاب الله في الآخرة، وإمّا أنْ يكون أحدهم متأولاً مجتهداً مخطئاً؛ فهولاء إذا غفر لهم خطؤهم غفر لهم موجبات الخطأ ... -أيضاً-» (١) . قال أبو عبيدة: هذه قاعدة ذهبيّة مهمة غاية: (الفتن في كل زمان حسب رجاله) .

стр. 139

وبذا لم يكن لها ظهور في حياة النبي ﷺ ، وبرزت على هيئة ذاك الرجل، ولم يقتل، مع الأمر بذلك، وطلب النبي ﷺ من أبي بكر وعمر قتله، ولم يفعلوا (١) ؛ لسنة الله الكونية القاضية بذلك، فظهرت في زمن عثمان، وكان قتله أول فتنة، وفرخت الفتن بعدها، وورد ذلك في عدة آثار عن الصحابة؛ منهم: حذيفة (٢) ، وعلي (٣) ﵄. فصل اشتداد الفتن مع مضي الزّمن ووجدنا مع تأخر الزمن شدة الفتن (٤) ، وهذا من موجبات هذه القاعدة، فقد ثبت في «صحيح البخاري» (رقم ٧٠٦٨) ، وغيره بسنده إلى الزبير بن عدي، قال: أتينا أنس بن مالك، فشكونا إليه ما يلقون من الحجاج، فقال: اصبروا، فإنه لا يأتي عليكم زمان إلا والذي بعده أشر منه، حتى تلقوا ربكم، سمعته من نبيكم ﷺ .

стр. 140

قال الحافظ ابن حجر: «وقد استشكل هذا الإطلاق مع أنّ بعض الأزمنة تكون في الشر دون التي قبلها، ولو لم يكن في ذلك إلا زمن عمر بن عبد العزيز، وهو بعد زمن الحجاج بيسير، وقد اشتهر الخير الذي كان في زمن عمر بن عبد العزيز، وقد حمله الحسن البصري على الأكثر الأغلب فسئل عن وجود عمر بن عبد العزيز بعد الحجاج؟ فقال: لا بد للناس من تنفيس (١) . وأجاب بعضهم: إنّ المراد بالتفضيل: تفضيل مجموع العصر على مجموع العصر، فإنّ عصر الحجاج كان فيه كثير من الصحابة من الأحياء، وفي عصر عمر بن عبد العزيز انقرضوا، والزمان الذي فيه الصحابة خير من الزمان الذي بعده؛ لقوله ﷺ : «خير القرون قرني» » . وقال -أيضاً-: «ثم وجدت من عبد الله بن مسعود التصريح بالمراد، وهو أولى بالاتباع، فأخرج يعقوب بن شيبة من طريق الحارث بن حصيرة، عن زيد بن وهب، قال: سمعت عبد الله بن مسعود يقول: لا يأتي عليكم يوم إلا وهو شر من اليوم الذي كان قبله حتى تقوم الساعة، لست أعني رخاء من العيش يصيبه ولا مالاً يفيده، ولكن لا يأتي عليكم يوم إلا وهو أقل علماً من اليوم الذي مضى قبله، فإذا ذهب العلماء استوى الناس؛ فلا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر، فعند ذلك يهلكون (٢) .

стр. 141

واستشكلوا -أيضاً- زمان عيسى ابن مريم بعد زمان الدجال، قال الحافظ ابن حجر: ويحتمل أن يكون المراد بالأزمنة ما قبل وجود العلامات العظام كالدجال وما بعده، فيكون المراد بالأزمنة المتفاضلة في الشر في زمن الحجاج فما بعده إلى زمن الدجال، وأما زمن عيسى ﵇ فله حكم مستأنف، والله أعلم. ويحتمل أن يكون المراد بالأزمنة المذكورة أزمنة الصحابة؛ بناء على أنهم هم المخاطبون بذلك، فيختص لهم، لكن الصحابي ﵁ فَهِم التعميم، فلذلك أجاب من شكى إليه الحجاج بذلك وأمرهم بالصبر، وكذلك التعميم واضح وصريح في قول ابن مسعود ﵁ (١) . والشاهد من هذا: أنّ الاستشكال المذكور بسبق الحجاج لعمر بن عبد العزيز في الزمن، مع قوله ﷺ : «لا يأتي عليكم زمان إلا والذي بعده أشر منه، حتى تلقوا ربكم» لا يزول إلا بتذكر هذه القاعدة؛ وهي: (الفتن في كل زمان حسب رجاله) ، فالرجال الموجودون في زمن الحجاج هم الصحابة، بخلاف الموجودين في زمن عمر بن عبد العزيز فإنهم التابعون. فصل حرمة التشبه بأهل العراق في خروجهم الأول وبناءً عليه؛ فإنّ المتأخرين من العلماء حكوا إجماع أهل السنة على

стр. 142

حرمة الخروج على الأمراء، وعدوا ذلك من عقائد أهل السنة. قال النووي في «شرح صحيح مسلم» (١٢/٣١٧) : «وأما الخروج عليهم، وقتالهم فحرام بإجماع المسلمين، وإن كانوا فسقة ظالمين، وقد تظاهرت الأحاديث بمعنى ما ذكرته، وأجمع أهل السنة أنه لا ينعزل السلطان بالفسق، وأما الوجه المذكور في كتب الفقه لبعض أصحابنا أنه ينعزل، وحكي عن المعتزلة -أيضاً- فغلط من قائله، مخالف للإجماع» . وقال: «قال العلماء: وسبب عدم انعزاله، وتحريم الخروج عليه: ما يترتب على ذلك من الفتن، وإراقة الدماء، وفساد ذات البين، فتكون المفسدة في عزله أكثر منها في بقائه» . ونقل في (١٢/٣١٨) عن القاضي عياض في «إكمال المعلم» (٦/٢٤٧) أنّ أبا بكر بن مجاهد ادعى الإجماع في هذا، قال: «وقد رد عليه بعضهم، بقيام الحسن وابن الزبير وأهل المدينة على بني أمية، وبقيام جماعة عظيمة من التابعين، والصدر الأول على الحجاج مع ابن الأشعث» . ثم ذكر أجوبة على هذا؛ من بينها: «إن هذا الخلاف كان أولاً، ثم حصل الإجماع على منع الخروج عليهم، والله أعلم» . وسبق ذكر شذرات من كلام العلماء الأكابر وفتاواهم في الفتن التي ظهرت في هذا الزمان، وبيان أن ذلك دخيل على منهج السلف الكرام، وتعرف الأمور بثمرتها، ويستحيل أن يَقِرّ الشرعُ وحملتُه وحراسُه نحو الفتن التي ظهرت في عدة من بلاد المسلمين، ولا سيما أن «الفتنة إذا وقعت عجز العقلاء فيها عن دفع السفهاء، فصار الأكابر عاجزين عن إطفاء الفتنة، وكفّ أهلها، وهذا شأن الفتن؛ كما قال -تعالى-: ﴿وَاتّقوا فِتنَةً لا تُصِيبَنَّ الّذين

стр. 143

ظَلَمُوا مِنكم خَاصّة﴾ [الأنفال: ٢٥] ، وإذا وقعت الفتنة لم يسلم من التلوث بها إلا من عصمه الله» (١) . فهؤلاء المعترضون على ما ذكرناه وقررناه، بثورات السابقين، غافلون عن توجيهات العلماء وتقريراتهم، وعن المعرفة الشرعية الحقيقية للفتن، وسنن الله -عزوجل- في الأمم، وقوانينه في التغيير، وجعلوا من جهلهم مجرد وقوع ما لم يحمد عُقباه، ولم يمدحه الشرع وما ارتضاه، دعوى عظيمة موجبة للولوغ (٢) فيما هو سبب للتضييق على الصادقين من الدعاة، السالكين منهج العلماء، ولا يعلمون أنّ غاية ما استدلوا به إنما هو من الخطإ المغفور، لا من السعي المشكور، وكل من لم يسلك سبيل العلم والعدل أصابه مثل هذا التناقض! فصل الفتنة وكلت بثلاث وعلى هؤلاء أنْ يتأملوا طويلاً، ما أخرجه ابن أبي شيبة في «المصنف» (١٥/١٧-١٨) ، وأحمد في «الزهد» (٢/١٣٦) ، ونعيم بن حماد في «الفتن» (٣٥٢) ، وأبو نعيم في «الحلية» (١/٢٧٤) ، والداني في «الفتن» (٢٨) بسند جيد عن حذيفة بن اليمان ﵁، قال: «إن الفتنة وكِّلت بثلاث: بالْحادِّ النحرير الذي لا يرتفع له شيء إلا قمعه

стр. 144

بالسيف، وبالخطيب الذي يدعو إليها، وبالسيد، فأما هذان فتبطحهما لوجوههما، وأما السيد فتبحثه، حتى تبلو ما عنده» . وفي رواية: «بالشريف» ، بدل: «وبالسيد» ، وفيها: «فأما الحاد النحرير فتصرعه، وأما هذان فتبحثهما حتى تبلو ما عندهما» . و (النحرير) : هو الفطن البصير بكل شيء (١) ، وتوكل الفتنة به إنْ كان حادّاً غير حليم، ولا أناة عنده، يريد الخير بمجرد وقوفه ومعرفته له، من غير اتباع منهج السلف وسنة الله في التغيير، ودون النظر إلى مآلات الأفعال، وعواقب الأمور، التي لا يجوز لأحد أن يستشرف الفتنة، ولا يخوض فيها دون ذلك. وتشمل كذلك المعجبين به، وبتقريراته، وأطروحاته، فيشاركون فيها، بشرفهم وسيادتهم، وبألسنتهم وخطبهم، ومقالاتهم ومؤلفاتهم ونشراتهم وصحفهم وهيآتهم، فتختبرهم الفتنة، وتبلو ما عندهم، فالخطيب والداعي لها أقرب منها من الشريف المعجب الذي بهرته الزخارف، وغرته الشعارات، ولعله إنْ تأمَّل وتحلّم، ونظر، وفكر، ودبّر، وقدّر، يخلص منها، إنْ تداركته رحمة مولاه، وخرج عن داعي هواه. والمثل الذي لا يزال شاخصاً أمامنا، وما زلنا نسمع دويّ صوته، ونكتوي بناره ولظاه: فتنة عظيمة عظيمة، ما انعقد نوّارها، وثارت على المسلمين -كل المسلمين- من أقصى (الغرب) (٢) بسبب شباب متحمِّس، لا يحسن تقدير المصالح والمفاسد، ولا يزنها بميزان العلماء، ولا يقيم وزناً للضوابط المعتبرة عندهم، فثار ثورة هوجاء، ترتبت عليها نتائج خطيرة، وارتفعت أصوات تتهم (الدعوة السلفية) (٣) بما هي منها براء، إذ هؤلاء الشباب

стр. 145

لم يتَّبعوا منهج السلف في التغيير، ولا اتّكأوا على تقريرات الأعلام من علماء هذه الدعوة المباركة، وإنما غرّهم حماسُهم، ولم يعرفوا تقدير مكنتهم، ولا استدراج عدوّهم، ولا ما يكاد لهم، ولا واجب وقتهم، فشاركوا فيها بتمرّد، وعلى منهج أهل الحماسات والخروج (١) ، ودعت الحاجة إلى كشف حقيقة المشارب والمناهج والمدارس الفكرية العقدية التي تربى عليها هؤلاء المتمردون (٢) . ومن الجدير بالذكر: إنّ هذه الحوادث جعلت بعض (الأسياد) و (الشرفاء) (٣) ، وبعض (الخطباء) ونحوهم ممن لهم قبول عند (النحارير الحادين) (٤) يعيدون النظر في مواقفهم؛ لأنها بحثتهم وبلوتهم، وبطحت آخرين على وجوههم، وعمد بعضُ (٥) من انكشفت له العواقب الوخيمة لأعمال هؤلاء إلى استنكار ما يجري، فنشر في مواقع كثيرة على شبكة المعلومات العالمية (الإنترنت) بياناً، أفصح عن رأيه وموقفه من صنيع هؤلاء، وكان صريحاً جريئاً -بحق- في توجيهه النَّقد، تكشف عن إدراك تام عن خطورة الموقف، وابتدأ الحديث عن المجاهدين بأفغانستان، ثم توجّه إلى بقاياهم -بعد سقوط حركة (طالبان) (٦) وظهور (دولة بني علمان) -والله
следующие страницы →