واستشكلوا -أيضاً- زمان عيسى ابن مريم بعد زمان الدجال، قال الحافظ ابن حجر: ويحتمل أن يكون المراد بالأزمنة ما قبل وجود العلامات العظام كالدجال وما بعده، فيكون المراد بالأزمنة المتفاضلة في الشر في زمن الحجاج فما بعده إلى زمن الدجال، وأما زمن عيسى ﵇ فله حكم مستأنف، والله أعلم.
ويحتمل أن يكون المراد بالأزمنة المذكورة أزمنة الصحابة؛ بناء على أنهم هم المخاطبون بذلك، فيختص لهم، لكن الصحابي ﵁ فَهِم التعميم، فلذلك أجاب من شكى إليه الحجاج بذلك وأمرهم بالصبر، وكذلك التعميم واضح وصريح في قول ابن مسعود ﵁ (١) .
والشاهد من هذا: أنّ الاستشكال المذكور بسبق الحجاج لعمر بن عبد العزيز في الزمن، مع قوله ﷺ : «لا يأتي عليكم زمان إلا والذي بعده أشر منه، حتى تلقوا ربكم» لا يزول إلا بتذكر هذه القاعدة؛ وهي: (الفتن في كل زمان حسب رجاله) ، فالرجال الموجودون في زمن الحجاج هم الصحابة، بخلاف الموجودين في زمن عمر بن عبد العزيز فإنهم التابعون.
فصل
حرمة التشبه بأهل العراق في خروجهم الأول
وبناءً عليه؛ فإنّ المتأخرين من العلماء حكوا إجماع أهل السنة على
стр. 142
حرمة الخروج على الأمراء، وعدوا ذلك من عقائد أهل السنة.
قال النووي في «شرح صحيح مسلم» (١٢/٣١٧) : «وأما الخروج عليهم، وقتالهم فحرام بإجماع المسلمين، وإن كانوا فسقة ظالمين، وقد تظاهرت الأحاديث بمعنى ما ذكرته، وأجمع أهل السنة أنه لا ينعزل السلطان بالفسق، وأما الوجه المذكور في كتب الفقه لبعض أصحابنا أنه ينعزل، وحكي عن المعتزلة -أيضاً- فغلط من قائله، مخالف للإجماع» .
وقال: «قال العلماء: وسبب عدم انعزاله، وتحريم الخروج عليه: ما يترتب على ذلك من الفتن، وإراقة الدماء، وفساد ذات البين، فتكون المفسدة في عزله أكثر منها في بقائه» .
ونقل في (١٢/٣١٨) عن القاضي عياض في «إكمال المعلم» (٦/٢٤٧) أنّ أبا بكر بن مجاهد ادعى الإجماع في هذا، قال:
«وقد رد عليه بعضهم، بقيام الحسن وابن الزبير وأهل المدينة على بني أمية، وبقيام جماعة عظيمة من التابعين، والصدر الأول على الحجاج مع ابن الأشعث» .
ثم ذكر أجوبة على هذا؛ من بينها:
«إن هذا الخلاف كان أولاً، ثم حصل الإجماع على منع الخروج عليهم، والله أعلم» .
وسبق ذكر شذرات من كلام العلماء الأكابر وفتاواهم في الفتن التي ظهرت في هذا الزمان، وبيان أن ذلك دخيل على منهج السلف الكرام، وتعرف الأمور بثمرتها، ويستحيل أن يَقِرّ الشرعُ وحملتُه وحراسُه نحو الفتن التي ظهرت في عدة من بلاد المسلمين، ولا سيما أن «الفتنة إذا وقعت عجز العقلاء فيها عن دفع السفهاء، فصار الأكابر عاجزين عن إطفاء الفتنة، وكفّ أهلها، وهذا شأن الفتن؛ كما قال -تعالى-: ﴿وَاتّقوا فِتنَةً لا تُصِيبَنَّ الّذين
стр. 143
ظَلَمُوا مِنكم خَاصّة﴾ [الأنفال: ٢٥] ، وإذا وقعت الفتنة لم يسلم من التلوث بها إلا من عصمه الله» (١) .
فهؤلاء المعترضون على ما ذكرناه وقررناه، بثورات السابقين، غافلون عن توجيهات العلماء وتقريراتهم، وعن المعرفة الشرعية الحقيقية للفتن، وسنن الله -عزوجل- في الأمم، وقوانينه في التغيير، وجعلوا من جهلهم مجرد وقوع ما لم يحمد عُقباه، ولم يمدحه الشرع وما ارتضاه، دعوى عظيمة موجبة للولوغ (٢) فيما هو سبب للتضييق على الصادقين من الدعاة، السالكين منهج العلماء، ولا يعلمون أنّ غاية ما استدلوا به إنما هو من الخطإ المغفور، لا من السعي المشكور، وكل من لم يسلك سبيل العلم والعدل أصابه مثل هذا التناقض!
فصل
الفتنة وكلت بثلاث
وعلى هؤلاء أنْ يتأملوا طويلاً، ما أخرجه ابن أبي شيبة في «المصنف» (١٥/١٧-١٨) ، وأحمد في «الزهد» (٢/١٣٦) ، ونعيم بن حماد في «الفتن» (٣٥٢) ، وأبو نعيم في «الحلية» (١/٢٧٤) ، والداني في «الفتن» (٢٨) بسند جيد عن حذيفة بن اليمان ﵁، قال:
«إن الفتنة وكِّلت بثلاث: بالْحادِّ النحرير الذي لا يرتفع له شيء إلا قمعه
стр. 144
بالسيف، وبالخطيب الذي يدعو إليها، وبالسيد، فأما هذان فتبطحهما لوجوههما، وأما السيد فتبحثه، حتى تبلو ما عنده» .
وفي رواية: «بالشريف» ، بدل: «وبالسيد» ، وفيها: «فأما الحاد النحرير فتصرعه، وأما هذان فتبحثهما حتى تبلو ما عندهما» .
و (النحرير) : هو الفطن البصير بكل شيء (١) ، وتوكل الفتنة به إنْ كان حادّاً غير حليم، ولا أناة عنده، يريد الخير بمجرد وقوفه ومعرفته له، من غير اتباع منهج السلف وسنة الله في التغيير، ودون النظر إلى مآلات الأفعال، وعواقب الأمور، التي لا يجوز لأحد أن يستشرف الفتنة، ولا يخوض فيها دون ذلك.
وتشمل كذلك المعجبين به، وبتقريراته، وأطروحاته، فيشاركون فيها، بشرفهم وسيادتهم، وبألسنتهم وخطبهم، ومقالاتهم ومؤلفاتهم ونشراتهم وصحفهم وهيآتهم، فتختبرهم الفتنة، وتبلو ما عندهم، فالخطيب والداعي لها أقرب منها من الشريف المعجب الذي بهرته الزخارف، وغرته الشعارات، ولعله إنْ تأمَّل وتحلّم، ونظر، وفكر، ودبّر، وقدّر، يخلص منها، إنْ تداركته رحمة مولاه، وخرج عن داعي هواه.
والمثل الذي لا يزال شاخصاً أمامنا، وما زلنا نسمع دويّ صوته، ونكتوي بناره ولظاه: فتنة عظيمة عظيمة، ما انعقد نوّارها، وثارت على المسلمين -كل المسلمين- من أقصى (الغرب) (٢) بسبب شباب متحمِّس، لا يحسن تقدير المصالح والمفاسد، ولا يزنها بميزان العلماء، ولا يقيم وزناً للضوابط المعتبرة عندهم، فثار ثورة هوجاء، ترتبت عليها نتائج خطيرة، وارتفعت أصوات تتهم (الدعوة السلفية) (٣) بما هي منها براء، إذ هؤلاء الشباب
стр. 145
لم يتَّبعوا منهج السلف في التغيير، ولا اتّكأوا على تقريرات الأعلام من علماء هذه الدعوة المباركة، وإنما غرّهم حماسُهم، ولم يعرفوا تقدير مكنتهم، ولا استدراج عدوّهم، ولا ما يكاد لهم، ولا واجب وقتهم، فشاركوا فيها بتمرّد، وعلى منهج أهل الحماسات والخروج (١) ، ودعت الحاجة إلى كشف حقيقة المشارب والمناهج والمدارس الفكرية العقدية التي تربى عليها هؤلاء المتمردون (٢) .
ومن الجدير بالذكر: إنّ هذه الحوادث جعلت بعض (الأسياد) و (الشرفاء) (٣) ، وبعض (الخطباء) ونحوهم ممن لهم قبول عند (النحارير الحادين) (٤) يعيدون النظر في مواقفهم؛ لأنها بحثتهم وبلوتهم، وبطحت آخرين على وجوههم، وعمد بعضُ (٥) من انكشفت له العواقب الوخيمة لأعمال هؤلاء إلى استنكار ما يجري، فنشر في مواقع كثيرة على شبكة المعلومات العالمية (الإنترنت) بياناً، أفصح عن رأيه وموقفه من صنيع هؤلاء، وكان صريحاً جريئاً -بحق- في توجيهه النَّقد، تكشف عن إدراك تام عن خطورة الموقف، وابتدأ الحديث عن المجاهدين بأفغانستان، ثم توجّه إلى بقاياهم -بعد سقوط حركة (طالبان) (٦)
وظهور (دولة بني علمان) -والله
стр. 146
المستعان- ممن انتشروا في سائر (البلدان) ، وجرت على أيديهم قلاقل وتفجيرات وتثويرات (١) ،
تجسَّدت -على رأي (الإعلام) بـ (غَزْوَتي نيويورك
стр. 147
وواشنطن) -، والله أعلم بحقيقة الأحوال.
قال الدكتور سفر مبيّناً (افتخارهم على سائر أبناء الأمة) :
«فلو أنّ المجاهدين التزموا كتاب الله وسنة رسوله ﷺ على التمام ... -ومن ذلك: التشاور مع من يهمه الأمر، وترك الافتئات على سائر الأمة- لتحقق لهم من النكاية في العدو، وقوة الشوكة، ما ينفع ولا يضر، ولما كان
стр. 148
لأحد أن يعترض عليهم إلا منافق معلوم النفاق» .
وقال -أيضاً- منبّهاً على (الجانب النفسي في أفكارهم وتصرفاتهم) :
«فعلى المصلحين والمربين، أنْ يدركوا الأهمية العظمى لدراسة السيرة النبوية، واستنتاج المراحل الدعوية منها؛ بفقه يُفرِّق بين الأحكام المنسوخة والأحوال المرحلية، ويعرف موضع الجهاد وأحكامه من كل مرحلة، وعليهم أن يتذكروا دائماً: أنّ النفسية الإسلامية في العصور الأخيرة هي انفعالية غير متزنة، فهي تفضِّل أنْ تخوض معركة الآن، أو تدفع كل ما تملك في لحظة انفعال -وإن كان قليل الجدوى-؛ على أن تسلك في برنامج، أو خطة لنفع الدين نفعاً عامّاً بعد سنة، بجهد رتيب دائم، أو نفقة مستمرة» .
وقال -أيضاً-: «والشباب المتديِّن الذي وجدها فرصة للهروب من وطأة السجن، والملاحقة، والعذاب النفسي من المجتمع والأهل، وإحياء فريضة الجهاد» .
وقال -أيضاً-: «وبقدر ما تعطي الحكومة في أي بلد الفرصة للإنكار على ما يجري في فلسطين -وغيرها-، وحرية الاحتجاج والتعبير، وإيصال المساعدة للمجاهدين هناك ونصرتهم؛ بقدر ذلك: تكون قد تجنبت تفريخ الخلايا الانتقامية التي لا تستشير، ولا تبالي بالإقدام على أي عمل كبير أو صغير، وقد أثبتت الحوادث المتكررة أنهم إذا قالوا؛ فعلوا، وإذا توعدوا؛ وفوا» !!
وقال -أيضاً-: «إن الانفتاح على هؤلاء، وإتاحة الحرية لهم في عرض ما لديهم، ومحاورتهم على ضوء قاعدة المصالح والمفاسد الشرعية؛ هو الحل الصحيح والوحيد، وإلا فسندخل في متاهة لا قرار لها، ولا أدل على ضرورة هذا من معرفة أسباب تسرب الغلوّ في الفكر والعمل إلى بعضهم ... » .
وقال الشيخ سفر في (كشف حقيقة حالهم) :
стр. 149
«ثم لا يتصدى للجهاد، ويرتدي اسمه ووصفه؛ إلا مجموعات متناثرة، لا راية لهم، ولا منهج، ولا تربية، فإن أحسنوا؛ فمن عند الله، وإن أساؤوا؛ فبتفريطنا وتقصيرنا، مع تفريطهم وتقصيرهم» .
وقال في (عظم جنايتهم على الأمة) :
«أمّا أنّه: لا يجوز لهذه الفئة، ولا لأي فئة أن تجلب على الأمة عداوة لا قبل لها بها، وتجرها إلى معركة غير متكافئة، لم تستعد لها الأمة، ولم تتوقعها؛ فهذا ما نرفع به الصوت، ولا نخافت، لكن إذا أبت تلك الفئة إلا الاستبداد بالرأي، وفعلت ما عنَّ لها؛ بلا مشورة، ولا مراعاة مصلحة؛ فإننا -حينئذٍ- سنكون نحن الأبرياء ونحن الضحايا لانتقام العدو الغاشم، وهذا ما سيقع للأفغان (١) وغيرهم، فهم الأبرياء، وليس من سقط من العدو» .
وقال في (بيان جهلهم واغترارهم) :
«قد تكون هناك قرائن تدل على ضلوع بعض الشباب المنتمين إلى هذا البلد فيما حدث، ولكن لا قرينة ولا شبهة في أنّ الخطة وتداعيات الحدث أكبر مما تتصوره عقول هؤلاء الفتية الأحداث، الذين لم يغادر كثير منهم البلاد إلا منذ أشهر» .
وقال متمماً هذا الكلام، كاشفاً عن حقيقة خطيرة؛ وهي: أنهم (ضحايا تغرير) :
«ومن هنا؛ فإنّ الخطب الرنانة، والمقالات والتحقيقات الواسعة في بلادنا عن الحادث التي توحي بأن التهم حقيقية وأن التبعات مقصودة، وتصور هؤلاء الفتية وكأنهم شياطين مردوا على الشر، لا غاية لهم إلا تدمير السلام
стр. 150
العالمي، والبطش بالأبرياء؛ هي مجافاة لمنطق العدل، ومنطق الدفاع عن البلد وأبنائه، وإساءة بالغة لمشاعر أهلهم وقبائلهم، وهي منافية بوضوح لتصريحات المسؤولين التي لم تزد على وصف هؤلاء بأنهم: ضحايا تغرير، فهكذا كان تصريح وزير الداخلية، وهو أكثر الناس متابعة لهؤلاء، وأعرفهم بدوافعهم» .
ثم تكلم عن (انحرافات هؤلاء الشباب العقدية) بما يؤكد صلة ما يقومون به بمبدأ (الخوارج) الذي ظهر من العراق، وهاج من هناك، وبقي يتعاقب في أحداث ونفسيات إلى وصوله إليهم، قال:
«وذهب بهم الغلو إلى تكفير غيرهم، ومن ذلك تكفير الجماعات الإسلامية نفسها» .
وقال: «وفي أفغانستان الْتَقَى المتطوعون القادمون من كل مكان -حتى من مصر نفسها-؛ بلا منهج، ولا تنظيم، بهؤلاء الذين يحملون منهجاً في التغيير، وفكراً تنظيميّاً، ومعاناة طويلة، وهكذا تأثر بعض الشباب بهم على اختلاف فيما بينهم، وتفاوت في الغلو، أو الاقتناع باستخدام العنف» .
وتساءل بقوله: «كيف تسلل الغلو، وانتهاج العنف إلى بعضهم، وحوله إلى بلده ومجتمعه أحيانا؟» وأجاب بما أداه إليه رأيه واجتهاده، وهو لا يخرج عن التفسير التاريخي، الذي أخشى أنْ يكون من جنس الاحتجاج بالقدر الكوني، فأقول مستدركاً عليه -وفّقه الله-:
إنّ الجواب سهل ويسير، فيكفي أنْ يمد الدكتور يده إلى مكتبته، ليخرج كتاباً من كتب سيد قطب، ويقف بين صفحاته على النصوص الكثيرة التي (تسلل) من خلالها: (الغلو، وانتهاج العنف) إلى عقول وسلوك شباب الأمة الذين رُبُّوا على تلك الكتب.
يكفي أن يجدد الدكتور قراءاته في تلك النصوص بعين العدل والإنصاف، والتجرد للحق؛ ليكتشف أنّ الذي جرأهم على (الافتئات
стр. 151
على الأمة) ، والإعراض عن علمائها، بل الطعن فيهم، وإساءة الظن فيهم، وربما تكفيرهم؛ إنما هو تلك النصوص القطبية التي زرعت فيهم روح الثورة على الأمة، واحتقار أولي الأمر فيها؛ أعني: العلماء.
ويكفي أنْ أذكر هنا نماذج من تلك النصوص:
أولاً: في بث روح الثورة والتمرّد على الأمة الإسلامية -بالمفهوم الجمعي للأمة-:
قال سيد قطب في كتابه «معالم في الطريق» ، مصرحاً بأنّ المجتمعات الإسلامية اليوم كلها مجتمعات جاهلية بلا استثناء:
«وأخيراً؛ يدخل في إطار المجتمع الجاهلي تلك المجتمعات التي تزعم لنفسها أنها مسلمة! وهذه المجتمعات لا تدخل في هذا الإطار؛ لأنها تعتقد بألوهية أحد غير الله، ولا أنها تقدم الشعائر التعبدية لغير الله -أيضاً-، ولكنها تدخل في هذا الإطار؛ لأنها لا تدين بالعبودية لله وحده في نظام حياتها ... إنّ موقف الإسلام من هذه المجتمعات الجاهلية -كلها- يتحدد في عبارة واحدة: إنه يرفض الاعتراف بإسلامية هذه المجتمعات كلها» .
وأكد ذلك بنفي وجود (الإسلام) علىوجه الأرض، فقال:
«وحين نستعرض وجه الأرض كله اليوم، على ضوء هذا التقرير الإلهي لمفهوم الدين والإسلام، لا نرى لهذا الدين وجوداً.. إنّ هذا الوجود قد توقف منذ أن تخلت آخر مجموعة من المسلمين عن إفراد الله بالحاكمية في حياة البشر، وذلك يوم أن تخلت عن الحكم بشريعته وحدها في كل شؤون الحياة، ويجب أن نقرر هذه الحقيقة الأليمة، وأن نجهر بها، وأن لا نخشى خيبة الأمل التي تحدثها في قلوب الكثيرين الذين يحبون أنْ يكونوا مسلمين؛ فهؤلاء من حقهم أنْ يستيقنوا؛ كيف يكونون مسلمين؟! إنّ أعداء هذا الدين بذلوا طوال قرون كثيرة -وما يزالون يبذلون- جهوداً ضخمة، ماكرة، خبيثة؛ ليستغلوا
стр. 152
إشفاق الكثيرين الذين يحبون أنْ يكونوا مسلمين؛ من وقع هذه الحقيقة المريرة، ومن مواجهتها في النور، وتحرجهم كذلك من إعلان: أنّ وجود هذا الدين قد توقف منذ أن تخلت آخر مجموعة مسلمة في الأرض عن تحكيم شريعة الله في أمرها كله ... » (١) .
ويؤكد سيد قطب على تكفير المسلمين، بمن فيهم أولئك الذين يرفعون أصواتهم بالأذان خمس مرات في اليوم، فيقول:
«لقد استدار الزمان كهيئته يوم جاء هذا الدين إلى البشرية، وعادت البشرية إلى مثل الموقف الذي كانت فيه يوم تنزل هذا القرآن على رسول الله ﷺ ، ويوم جاءها الإسلام مبنيّاً على قاعدته الكبرى: شهادة أن لا إله إلا الله.
لقد استدار الزمان كهيئته يوم جاء هذا الدين إلى البشرية بـ (لا إله إلا الله) ؛ فقد ارتدت البشرية إلى عبادة العباد، وإلى جور الأديان، ونكصت عن لا إله إلا الله، وإن ظل فريق منها يردد على المآذن: لا إله إلا الله؛ دون أن يدرك مدلولها، ودون أن يعنيَ هذا المدلولَ وهو يرددها، ودون أن يرفض شرعية الحاكمية التي يدعيها العباد لأنفسهم، وهي مرادف الألوهية، سواء ادعوها كأفراد، أو كتشكيلات تشريعية، أو كشعوب، فالأفراد كالتشكيلات كالشعوب ليست آلهة، فليس لها إذَنْ حقُّ الحاكمية ... إلا أن البشرية عادت إلى الجاهلية، وارتدت عن لا إله إلا الله، فأعطت لهؤلاء العباد خصائص الألوهية، ولم تعد توحد الله، وتخلص له الولاء.
البشرية بجملتها، بما فيها أولئك الذين يرددون على المآذن في مشارق الأرض ومغاربها كلمات: لا إله إلا الله؛ بلا مدلول ولا واقع ... وهؤلاء أثقل إثماً وأشد عذاباً يوم القيامة؛ لأنهم ارتدوا إلى عبادة العباد -من بعد ما تبين لهم الهدى- ومن بعد أن كانوا في دين الله! فما أحوج العصبة المسلمة اليوم
стр. 153
أن تقف طويلاً أمام هذه الآيات البينات» (١) .
ويدعو سيد قطب إلى مفاصلة المجتمع الإسلامي؛ لأنه -في اعتقاده- مجتمع جاهلي لا يمت للإسلام بصلة، فيقول: «إنه لا نجاة للعصبة المسلمة في كل أرض من أن يقع عليها هذا العذاب: ﴿أو يلبسكم شيعاً ويذيق بعضكم بأس بعض﴾ [الأنعام: ٦٥] ، إلا بأن تنفصل هذه العصبة عقيديّاً وشعوريّاً ومنهج حياة عن أهل الجاهلية من قومها، حتى يأذن الله لها بقيام (دار إسلام) تعتصم بها، وإلا تشعر شعوراً كاملاً بأنها هي الأمة المسلمة، وأن ما حولها ومن حولها ممن لم يدخلوا فيما دخلت فيه: جاهلية وأهل جاهلية، وأن تفاصل قومها على العقيدة والمنهج، وأن تطلب بعد ذلك من الله أن يفتح بينها وبين قومها بالحق وهو خير الفاتحين» (٢) .
ويقول -أيضاً-: «إنه ليس على وجه الأرض اليوم دولة مسلمة ولا مجتمع مسلم؛ قاعدة التعامل فيه هي شريعة الله، والفقه الإسلامي» (٣) .
ويقول -أيضاً-: «فأما اليوم؛ فماذا؟! أين هو المجتمع المسلم الذي قرر أن تكون دينونته لله وحده، والذي رفض بالفعل الدينونة لأحد من العبيد، والذي قرر أن تكون شريعة الله شريعته، والذي رفض بالفعل شريعة أي
стр. 154
تشريع لا يجيء من هذا المصدر الشرعي الوحيد؟ لا أحد يملك أن يزعم أن هذا المجتمع المسلم قائم موجود!» (١) .
ويقول سيد قطب مؤكداً ما سبق، ومنتقداً من يفكرون في النظام الإسلامي: «إن الذين يفكرون في النظام الإسلامي اليوم وتشكيلاته، أو يكتبون، يدخلون في متاهة! ذلك أنهم يحاولون تطبيق قواعد النظام الإسلامي وأحكامه الفقهية المدونة في فراغ، يحاولون تطبيقها في هذا المجتمع الجاهلي القائم، بتركيبه العضوي الحاضر، وهذا المجتمع الجاهلي الحاضر يعتبر -بالقياس إلى طبيعة النظام الإسلامي، وأحكامه الفقهية- فراغاً، لا يمكن أن يقوم فيه هذا النظام، ولا أن تطبق فيه هذه الأحكام، ... إن تركيبه العضوي مناقض تماماً للتركيب العضوي للمجتمع المسلم، فالمجتمع المسلم -كما قلنا- يقوم تركيبه العضوي على أساس ترتيب الشخصيات والفئات كما ترتبها الحركة لإقرار هذا النظام في عالم الواقع، ولمجاهدة الجاهلية لإخراج الناس منها إلى الإسلام، مع تحمل ضغوط الجاهلية، وما توجهه من فتنة، وإيذاء، وحرب على هذه الحركة، والصبر على الابتلاء، وحسن البلاء، من نقطة البدء إلى نقطة الفصل في نهاية المطاف، أما المجتمع الجاهلي الحاضر؛ فهو مجتمع راكد، قائم على قيم لا علاقة لها بالإسلام، ولا بالقيم الإيمانية ... وهو -من ثم- يُعَدُّ بالقياس إلى النظام الإسلامي وأحكامه الفقهية فراغاً لا يعيش فيه هذا النظام، ولا تقوم فيه هذه الأحكام» (٢) .
ثانياً: في احتقار العلماء (٣) ، وتجاوز المرجعيات الدينية للأمة:
стр. 155
يقول سيد قطب: «وبعض هذه الشبهات ناشىء عن التباس فكرة الدين ذاته بمن يسمون في هذا العصر: رجال الدين، وهو التباس مؤذ للإسلام، ولصورته في نفوس الناس، فهؤلاء الـ (رجال الدين) ، أبعد خلق الله عن أن يمثلوا فكرته، ويرسموا صورته، لا بثقافتهم ولا بسلوكهم، ولا حتى بزيهم وهيئتهم، ولكن الجهل بحقيقة هذا الدين، والثقافة المدرسية الباقية من عهد الاحتلال، والتي ما يزال يشرف عليها الرجال الذين صنعهم الاحتلال، والأدوات التنفيذية التي صاغها بيده لتسد مسده بعد رحيله، هذا الجهل الناشئ عن تلك الثقافة لا يدع للناس صورة عن الإسلام يرونها إلا في هؤلاء الذين يعرفونهم: (رجال الدين) ، وهي أسوأ صورة ممكنة للإسلام ولأي دين من الأديان» (١) .
ويقول سيد -أيضاً-: «وبعد؛ فليطمئن المخلصون من المفكرين، ورجال الفنون، ومن إليهم؛ أن حكم الإسلام لن يسلمهم إلى المشانق والسجون، ولن يكبت أفكارهم، ويحطم أقلامهم، وينبذهم من حمايته ورعايته، ولا يأخذوا الصيحات التافهة التي يصيحها اليوم: رجال الدين المحترفون في وجه بعض الكتب، وبعض الأفكار حجة!! فإنما هذه الصيحات تجارة رابحة اليوم، وحرفة كاسبة؛ لأنهم يعيشون في عهد الإقطاع الذي يقيمهم حراساً لمظالمه وجرائمه، ولكي يبرروا وجودهم في أعين الجماهير؛ يطلقون هذه الصيحات الفارغة بين الحين والحين، فأمّا حين يكون الحكم للإسلام؛ فلن يبقى لهؤلاء عمل، فسيكونون مجندين لعمل منتج نافع، هم وبقية المتعطلين المتمسكعين من كبار الملاك، ورجال الأموال، ومن الموظفين، والمستخدمين في الدواوين، ومن أحلاس المقاهي والمواخير والحانات، ومن المشردين في الشوارع والطرقات، أو المصطلين للشمس حول الأجران ... وكلهم في التبطل والتسكع سواء، بعضهم: كاره مضطر،
стр. 156
وبعضهم: كسول خامل، وبعضهم: مستغل مستهتر» (١) .
ويتعجب سيد من المفتين والمستفتين في المجتمعات الإسلامية عن مشكلات تواجههم، فيقول: «والإسلام نظام اجتماعي متكامل، تترابط جوانبه وتتساند، وهو نظام يختلف في طبيعته وفكرته عن الحياة ووسائله في تصريفها، يختلف في هذا كله عن النظم الغربية، وعن النظم المُطَبَّقة اليوم عندنا، يختلف اختلافاً كليّاً أصلاً عن هذه النظم، ومن المؤكد أنه لم يشترك في خلق المشكلات القائمة في المجتمع اليوم، إنما نشأت هذه المشكلات عن طبيعة النظم المطَبَّقة في المجتمع، ومن إبعاد الإسلام عن مجال الحياة.
ولكن العجيب بعد هذا، أنْ يكثر استفتاء الإسلام في تلك المشكلات، وأن يُطلَب لها عنده حلول، وأن يُطلَب رأيه في قضايا لم ينشئها هو، ولم يشترك في إنشائها.
العجب أن يستفتى الإسلام في بلاد لا تطبق نظام الإسلام، في قضايا من نوع: (المرأة والبرلمان) ، و (المرأة والعمل) ، و (المرأة والاختلاط) ، و (مشكلات الشباب الجنسية) وما إليها، وأن يستفتيه في هذا وأمثاله ناس لا يرضون للإسلام أن يحكم، بل إنه ليزعجهم أن يتصوروا يوم يجيء حكم الإسلام.
стр. 157
والأعجب من أسئلة هؤلاء أجوبة رجال الدين، ودخولهم مع هؤلاء السائلين في جدل حول رأي الإسلام، وحكم الإسلام في مثل هذه الجزئيات، وفي مثل هذه القضايا، في دولة لا تحكم بالإسلام.
ما للإسلام اليوم؛ وأن تدخل المرأة البرلمان، أو لا تدخل؟! ما له وأن يختلط الجنسان أو لا يختلطان؟ (١) ما له وأن تعمل المرأة أو لا تعمل؟ ما له وما لأي مشكلة من مشكلات النظم المطبقة في هذا المجتمع الذي لا يدين للإسلام، ولا يرضى حكم الإسلام؟
إنّ الفقه الإسلامي لا ينشأ في فراغ، ولا يعيش في فراغ كذلك، لا ينشأ في الأدمغة والأوراق، وإنما ينشأ في الحياة، وليس أية حياة، إنما هي حياة المجتمع المسلم على وجه التحديد، ومن ثم لا بد أن يوجد المجتمع أولاً بتركيبه العضوي الطبيعي، فيكون هو الوسط الذي ينشأ فيه الفقه الإسلامي ويطبق، وعندئذٍ تختلف الأمور جدّاً، وساعتها قد يحتاج ذلك المجتمع الخاص -بعد نشأته في مواجهة الجاهلية، وتحركه في مواجهة الحياة- إلى البنوك، وشركات التأمين، وتحديد النسل، ... إلخ، وقد لا يحتاج! ذلك أننا لا نملك سلفاً أن نقدر أصل حاجته، ولا حجمها ولا شكلها، حتى نُشرِّع لها سلفاً! كما أن ما لدينا من أحكام هذا الدين لا يطابق حاجات المجتمعات الجاهلية ولا يلبيها ... ذلك أن هذا الدين لا يعترف ابتداء بشرعية وجود هذه المجتمعات الجاهلية، ولا يرضى ببقائها، ومن ثم فهو لا يعني نفسه بالاعتراف بحاجاتها الناشئة من جاهليتها، ولا بتلبيتها كذلك» (٢) .
стр. 158
أقول: لا تحتاج هذه النصوص -وهي غيض من فيض- إلى شرح أو تعليق، فهي واضحة صريحة، تكشف حقيقة الأسس التي بنى عليها سيد قطب فكره، ثم جاء من بعده أتباعه فزادوا فيها من الغلو والتطرف ألواناً، فلا عجب أن يُلغُوا: (وجود الأمة الإسلامية) ، ويتجاوزا (أولي الأمر فيها) ؛ فينظروا إلى ورثة الأنبياء، الذين وقَّفوا حياتهم على خدمة كتاب الله -تعالى-، وسنة نبيه ﷺ ، علماً وعملاً، وتفقهاً وتفقيهاً، وتعليماً ودعوة، وبذلوا -ومازالوا يبذلون- كل ما في استطاعتهم من أجل نشر دعوة التوحيد والسنة، ومحاربة مظاهر الشرك والبدع التي ابتليت بها معظم طوائف الأمة، لا عجب أن يعتبروا ذلك عملاً سفيهاً، وجهداً ضائعاً، ودعوة تنبئ عن جبن أولئك العلماء، وعجزهم، وإشغالهم أنفسهم بما لا يغضب الحكام خوفاً منهم، وخضوعاً لهم!!
نعم؛ لهذا وجدت في العالم الإسلامي أجيال من المسلمين ثائرة على الأمة، متمردة على العلماء، ساخرة من جهودهم في العلم والدعوة، لا ترى الدين إلا في (الحاكمية) (١) -فبها فسر سيد قطب كلمة التوحيد! - فلا يقيسون الأمور إلا من خلالها، ولا يُقيِّمون الأشخاص إلا في ضوئها، ولا يحملون هدفاً في الحياة سوى الوصول إليها!
وهكذا انحسر الخطاب الديني في الأمة، وتاه كثير من الناس في المسالك المهلكة، وكان ذلك من أعظم المصائب التي نزلت بالمسلمين.
ورغم ذلك كله؛ فإنّ ما حققه علماء الأمة في العصر الحديث -بدءاً بدعوة شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀ وحتى يوم الناس هذا- في إحياء منهج الأنبياء، وإصلاح عقائد المسلمين وأعمالهم، والخروج بهم من ظلمات الممارسات الشركية، والعبادات البدعية، والضلالات
стр. 159
الأشعرية والصوفية، ليعودوا إلى منهج الكتاب والسنة، وسلف الأمة -علماً وعملاً، ونظاماً متكاملاً وشاملاً لحياة الفرد والمجتمع- خير كبير، وفضل من الله عظيم، يبعث على الاستبشار والتفاؤل، ويزيد أهل التوحيد والسنة ثباتاً على منهج السلف، والتفافاً حول علمائه ودعاته، وتفانياً في نشره ونصرته، حتى يأتي أمر الله -تعالى- وهم على ذلك (١) .
فصل
كلام جملي عن محور الفتنة وثمرتها ووقتها
ومادتها ووسيلتها ووقت اشتدادها
فالمحور العام الذي تتعلق به الفتن: الخلاف والافتراق الموصل إلى الخروج عن جماعة المسلمين بعامة، وإمامهم بخاصة، وثمرتها: استحلال الدم، وكثرة القتل والهرج، ومادتها: التكفير، ووسيلة أصحابها: مقالات بدعية، وأطروحات فكرية، وقوالب حزبية، ورصد الواقع، وتتبع الأحداث، وطريقتهم: التستر بمذهب السلف، وإبراز ما يشهد لبدعتهم من النصوص (٢) ، وتضخيم زلات مخالفيهم، يقول ابن تيمية عند كلامه على المبتدعة:
«وإن كان من أسباب انتقاص هؤلاء المبتدعة للسلف، ما حصل في المنتسبين إليهم من نوع تقصير وعدوان، وما كان من بعضهم من أمور اجتهادية، الصواب في خلافها، فإن ما حصل من ذلك صار فتنة للمخالف لهم
стр. 160
ضل به ضلالاً كبيراً» (١) .
ووقت الفتنة: الجهل وقلة العلم والإيمان، وذهاب العدل في الأمة، وعدم إشراق نور النبوة، وعدم ظهور سلطان الحجة، والعمل من أمام العلماء والتقدم عليهم، وانتقاصهم، وقطع العامة عنهم، والطعن في الأحكام الشرعية المستفادة من نصوص الشرع، والفُرقة والاختلاف.
قال ابن تيمية بعد كلام: «وكان شيطان الخوارج مقموعاً لما كان المسلمون مجتمعين في عهد الخلفاء الثلاثة؛ أبي بكر وعمر وعثمان، فلما افترقت الأمة في خلافة علي ﵁، وجد شيطان الخوارج موضع الخروج، فخرجوا، وكفّروا عليّاً ومعاوية ومن والاهما ... » (٢) .
والشاهد من هذا كلِّه: أن النبي ﷺ بيّن منشأ الفتن، ووقت اشتدادها، والطريق التي توصل إلى (الدجال) ، ومن المعلوم بيقين أن بدعة (الخروج) -وهي أول بدعة عقدية حدثت في الأمة- ابتدأت من العراق، وهاجت منها على كثير من البلدان، في سائر الأزمان، وستتوالى وتشتد، وقد شاهدنا بعض ذلك بارزاً للعيان، ولا قوة إلا بالله.
فصل
مكان الفتنة
ومكانها: الوصول إلى كل مكان بمرور الزمان، ولكن لها محل تنزله، وتستقر به، ثم تهيّج منه، وهو العراق بخاصة، وجهة شرق المدينة بعامة.
أجاب الشيخ مقبل بن هادي -رحمه الله تعالى- عن سؤال في بيان
стр. 161
معنى (نجد) (١) : أهي نجد الحجاز أم هي نجد العراق؟ فقال:
«الذي يظهر أنها تشمل هذا وهذا، فنجد عبارة عن ما ارتفع من الأرض، والعراق مرتفع، ويسمى نجداً، وهكذا -أيضاً- اليمامة وغيرها فهو مرتفع، ويسمى نجداً، ولكن إخواننا النجديين يريدون أن يرموا به أهل العراق، فالظاهر أنه يشمل هذا وهذا، وإن جاء في بعض الروايات العراق، فهو يحمل على أنه جاهل في نجد بدليل أنها كلها المشرق، والنبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أخبر أن الشمس تطلع بين قرني شيطان فكلها في المشرق، والظاهر أنه يشمل هذا وهذا، والله أعلم» (٢) انتهى.
قال أبو عبيدة: ويتقوى هذا العموم بالمحاورة التي جرت بين النبي ﷺ وعيينة بن حصن، فإنّ فيها المفاضلة الظاهرة بين رجال (نجد) و (أهل اليمن) .
أخرج النسائي في «السنن الكبرى» (٨٣٥١) ، وأحمد في «المسند» (٤/٣٨٧) وفي «فضائل الصحابة» (١٦٥٠) ، وابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» (٢٢٦٩، ٢٢٨٢) ، والطبراني في «مسند الشاميين» (٩٦٩، ٢٠٤٠) ، والحاكم في «المستدرك» (٤/٨١) من طريق عبد الرحمن بن عائذ الأزدي، والبخاري في «التاريخ الكبير» (٤/٢٤٨-٢٤٩ - مختصراً) ، والفسوي في «المعرفة والتاريخ» (١/٣٢٧-٣٢٨) ، وابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» (٢٢٧٠، ٢٢٨٣) ، والطحاوي في «المشكل» (٨٠٤) من طريق جبير بن نُفير؛ كلاهما عن عمرو بن عبسة، قال: عرضت الخيل على رسول الله ﵇-وعنده عيينة بن بدر-، فقال رسول الله ﷺ لعيينة: «أنا أفرس بالخيل منك» ، فقال عيينة: إن تكن أفرس بالخيل مني، فأنا أفرس بالرجال منك، قال:
стр. 162
«وكيف؟» ، قال: إن خير رجال لبسوا البُرُد، ووضعوا سيوفهم على عواتقهم، وعرضوا الرماح على مناسج خيولهم، رجال نجد. فقال رسول الله ﷺ : «كذبت، بل هم أهل اليمن، والإيمان يمان إلى لخْم، وجُذَام، وعامِلَة، ومأكول حمير خيرٌ من أكلها، وحضرموت خير من بني الحارث» وسمى الأقيال الأنكال (١) .
وإسناده صحيح (٢) .
وليس مراد عيينة (رجال نجد) أهل العراق خاصة، إذ هو يتكلم على قبائل معروفة، ولها أماكن معلومة.
وهذا الذي استظهرته معروف عند العلماء، ومن الخطإ العلمي المنهجي إسقاط الحادث الذي لم يعرفه المخاطبون -فضلاً عن المتحاورين كما في الحديث السابق- على أشياء ما دارت في خيالهم، وما سنحت في بالهم، فحصر الفتن في (العرق) ، وكون (الفتن) تهيج منها فحسب، تضييق لا داعي له، وحمل الأحاديث التي فيها (ذكر المشرق) على عمومها أحسن وأظهر وأقوى، إذ حمل النصوص على (التأسيس) مقدم عند العلماء على حملها على (التأكيد) ، والواقع -قديماً وحديثاً- يؤكد ذلك ويؤيده.
ويعجبني بهذا الصدد: تبويب ابن مفلح في «الآداب الشرعية» (٣/٢٨٨-٢٨٩) ، فإنه أورد جملة من ألفاظ الأحاديث التي سقناها في أول هذا الفصل، وبوب عليها (فصل: إشارات نبوية إلى ما يقع من شرق المدينة ويمنها ونجدها) .
стр. 163
وقال ابن عبد البر في «الاستذكار» (٢٧/٢٤٦-٢٤٧) في شرح حديث: «إن الفتنة ها هنا» :
«إشارة رسول الله ﷺ -والله أعلم- إلى ناحية المشرق بالفتنة؛ لأن الفتنة الكبرى التي كانت مفتاح فساد ذات البين هي قتل عثمان بن عفان ... ﵁، وهي كانت سبب وقعة الجمل، وحروب صفين، كانت في ناحية المشرق، ثم ظهور الخوارج في أرض نجد والعراق، وما وراءها من المشرق.
روينا عن حذيفة ﵁ أنه قال: أول الفتن قتل عثمان، وآخرها الدجال (١) .
стр. 164
ومعلوم أن أكثر البدع إنما ظهرت وابتدأت من المشرق، وإن كان الذين اقتتلوا بالجَمَل وصِفّين منهم كثير من أهل الحجاز والشام، فإن الفتنة وقعت في ناحية المشرق، فكانت سبباً إلى افتراق كلمة المسلمين ومذاهبهم، وفساد نيات كثير منهم إلى اليوم، وإلى أن تقوم الساعة، والله أعلم.
وكان رسول الله ﷺ يبكي ذلك لعلمه بوقوعه، ويحزن له، ولو ذكرنا الآثار والشواهد بما وصفنا، لخرجنا بذلك عما إليه في هذا الكتاب قصدنا، وبالله التوفيق» انتهى.
وقال -أيضاً- في شرحه:
«أخبر ﷺ عن إقبال الفتن من ناحية المشرق، وكذلك أكثر الفتن من المشرق انبعثت، وبها كانت؛ نحو: الجمل، وصفين، وقتل الحسين، وغير ذلك، مما يطول ذكره مما كان بعد ذلك من الفتن بالعراق، وخراسان، إلى اليوم، وقد كانت الفتن في كل ناحية من نواحي الإسلام، ولكنها بالمشرق أكثر أبداً» (١) .
ويعجبني -أيضاً- ما ذكره شراح «الشفا» للقاضي عياض، عند قوله:
«وفتح عليه في حياته: بلاد الحجاز، واليمن، وجميع جزيرة العرب، وما دانى ذلك من الشام والعراق، قال الخفاجي في «نسيم الرياض» (١/٤٧٢) شارحاً الكلام السابق:
«وأما العراق فهو إقليم معروف، وهو عراق العرب، وفيه مدن عظيمة
стр. 165
وقرى، وطوله من تكريت إلى عبادان، وهي قرية، ولذا قيل في المثل: (ما وراء عبادان قرية) ، وعرضه من القادسية إلى حلوان، ودجلة حده، جانبها الأيمن للعراق (١) ،
واليسار لفارس، وأما عراق العجم -وهو إقليم خراسان، ولفظ العراق عربي، وقيل: إنه معرَّب إيران» ، قال -وهذا هو موطن الشاهد-: «والعراق: فتح منها البحرين، وقدم أهلها على النبي ﷺ على ما فُصِّل في السير والتواريخ، ومن لم يقف على هذا، قال: إنها إنما فتحت في زمن أبي بكر ﵁، لكن النبي ﷺ أوتي مفاتيحها، ووعد بفتحها» انتهى.
فمن الخطإ الجسيم حصر (تهييج الفتن) بالعراق -بحدوده الجغرافية اليوم- ونسيان مسمى (العراق) وحدوده آنذاك، وتناسي الأحاديث التي فيها ذكر عموم جهة (المشرق) (٢) ، والله الموفق.
стр. 166
ويدل على هذا: ما أخرجه ابن أبي شيبة في «المصنف» (٨/٦٥٤ - ط. دار الفكر) بسند صحيح عن سعيد بن المسيب، قال: قال أبو بكر: هل بالعراق أرض يقال لها خراسان؟ قالوا: نعم. قال: «فإنّ الدجال يخرج منها» (١) .
стр. 167
ففي هذا الأثر أن (خراسان) من العراق، وهي (عراق العجم) ، كما قدمناه آنفاً.
وأخرج حنبل بن إسحاق في آخر جزئه «الفتن» (ص ١٦٥-١٦٦/رقم ٥٠) ، قال: حدثنا قبيصة وحجاج، قالا: حدثنا حماد بن سلمة، عن أبي غالب، قال:
كنت أمشي مع نوف بن فضالة، ولا أعرفه، حتى انتهيت إلى عقبة أفيق (١) ، فقال: هذا المكان الذي يقتل فيه الدجال.
стр. 168
فقلت: من أنت؟ فقال: أنا نوف، فقلت: يرحمك الله، ألا أخبرتني حتى أسامرك وأذاكرك وأحمل عنك! فقال: من أنت؟ فقلت: من أهل البصرة، فقال: هل إلى جنبكم جبل يقال له سَنِير؟ فقلت: سنام، فقال: هو هو، فقال: هل إلى جنبكم نهر يقال له الصَّفِي؟ فقلت: صفوان، فقال: هو هو، أما إنهما يسيران (أي: يكونان) مع الدجال طعاماً وشراباً، وهو جبل ملعون، وهو أول جبل وُضع في الأرض.
ثم ينزل عيسى ﵇، فيمكث في الأرض أربعين صباحاً، اليوم كالساعة، والشهر كالجمعة، والجمعة كاليوم.
وأخرجه نعيم بن حماد في «الفتن» (١٥٦٩ - ط. الزهيري، ورقم ١٥٦٢ - ط. التوفيقية) : حدثنا عبد الصمد، عن حماد، به مختصراً.
وإسناده حسن، أبو غالب اسمه حَزَوَّر، تابعي شامي، صاحب أبي أمامة صُدَيّ بن عجلان، وأما نوف فهو البكالي الحميدي، من أهل دمشق، وهو ابن امرأة كعب الأحبار، كان عالماً، ويروي كثيراً من الإسرائيليات (١) .
و (جبل سنير) أو (سنام) هو جبل مشرف على البصرة، إلى جانبه ماء، ويقال: إنه أول ماء يرده الدجال من مياه العرب (٢) ، ويسمى اليوم (جبل
стр. 169
السلام) ، وهو بالقرب من (صفوان) ، وهي مدينة اليوم من مدن (الكويت) ، وكانت في زمن التابعين -كما يظهر من المحاورة المذكورة- ضمن العراق.
ومن أفرى الفرى، وأعاجيب الأكاذيب ما يردده المبتدعة من أنّ المراد بـ (نجد) المذكورة في حديث «بها يطلع قرن الشيطان» هي: (دعوة الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب) المباركة، وقد كشفنا اللثام عن ذلك من خلال نقولات لأئمة أعلام، ونختم بنقولات متناثرة لشيخنا حسنة الأيام، وشامة الشام: محمد ناصر الدين بن نوح نجاتي الألباني -رحمه الله تعالى-، فنقول:
فصل
رد شيخنا الألباني لفرية (نجد) التي يطلع منها قرن الشيطان
هي دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تعالى -
قد اعتنى -رحمه الله تعالى- برد هذه الفرية عناية جيدة، فكان ﵀ يُكثِر في مجالسه من بيان بطلانها، وهذا ما وقفت عليه من محاربته لها في كتبه (١) :
* قال في «السلسلة الضعيفة» (١٠/٧١٤-٧١٥) :
«وكل من أمعن النظر في بعض طرق الحديث -فضلاً عن مجموعها-؛ يعلم يقيناً أن الجهة التي أشار إليها النبي ﷺ بقوله: «ههنا» إنما هي جهة المشرق، وهي على التحديد العراق، والواقع يشهد أنها منبع الفتن، قديماً وحديثاً» .
* وقال في «السلسلة الصحيحة» (٥/٣٠٥-٣٠٦) بعد تخريج طويل
стр. 170
للحديث:
«وإنما أفضت في تخريج هذا الحديث الصحيح وذكر طرقه وبعض ألفاظه؛ لأن بعض المبتدعة المحاربين للسنة والمنحرفين عن التوحيد يطعنون في الإمام محمد بن عبد الوهاب مجدد دعوة التوحيد في الجزيرة العربية، ويحملون الحديث عليه باعتباره من بلاد (نجد) المعروفة اليوم بهذا الاسم، وجهلوا أو تجاهلوا أنها ليست هي المقصودة بهذا الحديث، وإنما هي (العراق) كما دل عليه أكثر طرق الحديث، وبذلك قال العلماء قديماً كالإمام الخطابي وابن حجر العسقلاني وغيرهم.
وجهلوا -أيضاً- أن كون الرجل من بعض البلاد المذمومة لا يستلزم أنه هو مذموم -أيضاً- إذا كان صالحاً في نفسه، والعكس بالعكس، فكم في مكة والمدينة والشام من فاسق وفاجر، وفي العراق من عالم وصالح، وما أحكم قول سلمان الفارسي لأبي الدرداء حينما دعاه أن يهاجر من العراق إلى الشام:
«أما بعد؛ فإن الأرض المقدسة لا تقدس أحداً، وإنما يقدس الإنسان عمله» (١) .
стр. 171
وفي مقابل أولئك المبتدعة من أنكر هذا الحديث وحكم عليه بالوضع؛ لما فيه من ذم العراق، كما فعل الأستاذ صلاح الدين المنجد في مقدمته على «فضائل الشام ودمشق» ، ورددت عليه في تخريجي لأحاديثه، وأثبت أن الحديث من معجزاته ﷺ العلمية، فانظر الحديث الثامن منه» .
* وقال فيها -أيضاً- (٥/٦٥٥-٦٥٦) بعد تخريج للحديث:
«قلت: وطرق الحديث متضافرة على أنّ الجهة التي أشار إليها النبي ﷺ إنما هي المشرق، وهي على التحديد العراق، كما رأيت في بعض الروايات الصريحة، فالحديث علم من أعلام نبوته ﷺ ، فإن أول الفتن كان من قبل المشرق، فكان ذلك سبباً للفرقة بين المسلمين، وكذلك البدع نشأت من تلك الجهة كبدعة التشيع والخروج ونحوها. وقد روى البخاري (٧/٧٧) وأحمد (٢/٨٥، ١٥٣) عن ابن أبي نُعْم، قال:
شهدت ابن عمر وسأله رجل من أهل العراق عن محرم قتل ذباباً، فقال: يا أهل العراق! تسألوني عن محرم قتل ذباباً، وقد قتلتم ابن بنت رسول الله ﷺ ، وقد قال رسول الله ﷺ :
«هما ريحانتي من الدنيا» .» .
* وقال في كتابه «مختصر صحيح البخاري» (١/٣١٠-٣١١) تعليقاً على حديث ابن عمر، وفيه لفظة: «وفي نجدنا» ، فأثبت في الهامش ما نصه:
«قلت: أي: (عراقنا) ، كما في بعض الروايات الصحيحة، وبذلك فسّره الخطابي والعسقلاني، كما بينته في رسالتي «تخريج فضائل الشام (ص ٩-١٠ رقم الحديث ٨) خلافاً لما عليه كثير من الناس اليوم، ويزعمون -لجهلهم- أن المقصود بـ (نجد) هو الإقليم المعروف اليوم بهذا الاسم، وأن الحديث يشير إلى الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأتباعه -حاشاهم-، فإنهم الذين رفعوا راية التوحيد خفاقة في بلاد نجد وغيرها، جزاهم الله عن الإسلام خيراً» .
стр. 172
* وقال في «تخريج أحاديث فضائل الشام ودمشق» (ص ٢٦-٢٧) عقب تخريجه:
«فيستفاد من مجموع طرق الحديث أن المراد من «نجد» في رواية البخاري ليس هو الإقليم المعروف اليوم بهذا الاسم، وإنما هو العراق، وبذلك فسره الإمام الخطابي والحافظ ابن حجر العسقلاني، وتجد كلامهما في ذلك في «شرح كتاب الفتن» من «صحيح البخاري» للحافظ.
وقد تحقق ما أنبأ به ﵇، فإن كثيراً من الفتن الكبرى كان مصدرها العراق، كالقتال بين سيدنا علي ومعاوية، وبين علي والخوارج، وبين علي وعائشة، وغيرها مما هو مذكور في كتب التاريخ، فالحديث من معجزاته ﷺ وأعلام نبوته» .
فصل
العراق والفتنة وإبليس
وردت مجموعة من الآثار فيها ذكر للفتنة في العراق، وسأعمل على بثّها في أماكنها من مبحثنا هذا (١) ، والذي يهمني منها هنا ذكر ما يشهد للأحاديث بوقوع مجمل الفتن الجسام، والبدع العظام، وأن ذلك كائن لا محالة في العراق، وأن الفتن التي تصف بالأمة، وتموج موج البحر فيها، وتلطم المسلمين في سائر أرجاء المعمورة، وتبقى لها آثار جليّة في حياتهم بعد انحسار أمواجها، إنما مبعثها من العراق، ذلك أن الشيطان تمكّن منها، واستقرّ فيها، وعبّر بعض السلف عن ذلك بقولهم: (قضى قضاءه) منها، وورد في بعض الأحاديث أنه (باض وفرّخ) في أهلها! وفي صحتها كلام، وهذا هو
стр. 173
تفصيلها على التمام، ومنه يتبيّن أنه من كلام بعض الصحابة الكرام:
أخرج الطبراني في «الكبير» (١٢/٢٦١-٢٦٢ رقم ١٣٢٩٠) و «الأوسط» (٧/٢٢٠-٢٢١ رقم ٦٤٢٧) ، وابن المقرئ -وليس موجوداً في مطبوع «معجمه» ، ومن طريقه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (١/٣١٧) -، وأبو الفتح الأزدي في «الضعفاء» -كما في «اللآلئ المصنوعة» (١/٤٦٥) و «تنزيه الشريعة» (٢/٥٠) ومن طريقه ابن الجوزي في «الموضوعات» (٢/٥٨) -، والسمعاني في «فضائل الشام» (ص ٣٩-٤٠/رقم ١٠) ، والفسوي في «المعرفة والتاريخ» ومن طريقه الخطيب -ومن طريقهما ابن عساكر (١/٣١٧-٣١٨) -؛ جميعهم عن ابن وهب -وليس في القسم المطبوع من «جامعه» -: أخبرني ابن لهيعة ويحيى بن أيوب، عن عُقيل، عن الزهري، عن يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس، عن ابن عمر (١) ، عن النبي ﷺ قال:
«دخل إبليس العراق، فقضى حاجته، ودخل الشام فطردوه حتى بلغ بساق (٢) ، ودخل مصر فباض فيها وفرّخ، وبسط عبقريَّه (٣) » .
قال الطبراني: «تفرد به ابن وهب» .
وأسقط ابن المقرئ (الزهري) وزاد عن ابن وهب قوله: «أرى ذلك في فتنة عثمان؛ لأن الناس افتتنوا فيه، وسَلِم أهل الشام» .
стр. 174
وضُعِّف هذا الإسناد بعلل (١) ؛ هي:
الأولى: فيه أحمد بن عبد الرحمن ابن أخي وهب، ضُعِّف، بل تعقب الذهبيُّ الحاكم عندما صحح حديثاً من طريقه، فقال في «التلخيص» (٣/٩٧) : «أحمد منكر الحديث» .
قلت: وتابعه عليه حرملة بن يحيى، وهو صدوق من أعلم الناس بابن وهب. قاله الدوري وابن يونس والعقيلي، كما تراه في «تهذيب الكمال» وغيره.
ورواية حرملة؛ عند: الطبراني، والفسوي، وابن المقرئ، والسمعاني، وابن عساكر.
ولذا لما قال ابن الجوزي على إثره: «وأحمد ابن أخي وهب كذاب» تعقبه السيوطي في «اللآلئ» (٢/٤٦٥) بقوله:
«قلت: كلا، بل أحمد ثقة روى له مسلم. وقال ابن عدي: كل ما أنكروه عليه فيحتمل، وإن لم يروه غيره، لعل عمه خصه به.
وقال عبدان: كان مستقيم الأمر، ومن لم يلحق حرملة اعتمده» ، قال: «ولم ينفرد بهذا الحديث، بل تابعه عليه حرملة» .
الثانية: يحيى بن أيوب -وهو الغافقي- ليس بالقوي.
قلت: قال ابن حجر ملخصاً حاله: «صدوق ربما أخطأ» ، وهذا أعدل الأقوال فيه، وروايته مقرونة بابن لهيعة.
الثالثة: ابن لهيعة مطروح.
قلت: الكلام فيه مبسوط، وهو مشهور، فلا داعي للإطالة، ولكن الراوي
стр. 175
عنه هنا أحد العبادلة، وهو ابن وهب، روى عنه قبل اختلاطه، ومشى العلماء روايته.
الرابعة: عُقيل بن خالد يروي عن الزهري مناكير.
قلت: ليس كذلك، بل عُقيل بن خالد الأيلي من أثبت أصحاب الزهري وأكثرهم ملازمة له، ولذلك عدّه الحازمي وابن رجب في الطبقة الأولى من طبقات أصحابه (١) .
وعندما سئل أبو حاتم عن عقيل ومعمر أيهما أثبت؟ قال: عقيل أثبت، كان صاحب كتاب، وكان الزهري يكون بأيلة، وللزهري هناك ضيعة (٢) ، كان يكتب عنه (٣) .
وقد صرح بملازمته له: يونس بن يزيد، حيث قال: كان عقيل يصحب الزهري في سفره وحضره (٤) .
وقال ابن معين: أثبت الناس في الزهري مالك بن أنس، ومعمر، ويونس، وعقيل، وشعيب بن أبي حمزة، وابن عيينة (٥) .
وقال الذهبي: حدث عن ابن شهاب فأكثر وجود (٦) .
كما وصفه ابن حجر بتأكيد التوثيق، فقال: ثقة ثبت (٧) .
стр. 176
فالخلاصة: أنه ثقة ثبت وعُدَّ من أصحاب الزهري (١) .
الخامسة -والأخيرة-: إن يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس لم يسمع من ابن عمر شيئاً، لذا لم يخرج له أصحاب الكتب الستة ولا غيرهم شيئاً عنه مباشرة، فلا ترجمة له في (مسند ابن عمر) في «تحفة الأشراف» ولا في «إتحاف المهرة» ، ولا رواية له عن ابن عمر في ترجمته من «تهذيب الكمال» (٣٢/٣٥٠-٣٥٣) ، وبينهما واسطة على الأقل، يعرف ذلك من خلال من روى عنهم، بل بين بعض شيوخه وابن عمر واسطتان.
قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/٦٠) : «رواه الطبراني في «الكبير» و «الأوسط» من رواية يعقوب بن عبد الله بن عتبة بن الأخنس، عن ابن عمر ولم يسمع منه، ورجاله ثقات» .
قلت: وهذا أدق من قول شهاب الدين المقدسي في «مثير الغرام» (ص ٩٨) : «رواه الطبراني عن ابن عمر، وإسناده قوي» !
نعم؛ روي مرفوعاً من وجه آخر، بلفظ فيه تبديل، ذُكر فيه ما لأهل مصر في الطريق السابق لأهل العراق في هذا الطريق، ولكن لا يفرح به! وهذا التفصيل:
أخرج المشرف بن المرجى في «فضائل بيت المقدس» (ص ٤٣٤) ، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (١/٣١٨) من طريق خطاب بن أيوب: نا عباد ابن كثير، عن سعيد، عن قتادة، عن سالم، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ :
«إن الشيطان أتى العراق، فباض فيهم وفرّخ، ثم أتى مصر، فبسط عبقريَّه، ثم أتى الشام فطردوه» .
стр. 177
ولفظ ابن عساكر: «إنّ إبليس ... » مثله.
(خطاب بن أيوب) ، اختلف في اسمه على وجوه وألوان، نقله ابن رجب في «فضائل الشام» (ص ٥٩) : «خطاب بن يوسف» ، ووقع في مطبوع «تاريخ ابن عساكر» و «اللآلئ» (٢/٤٦٦) : «خطاب بن أيوب» ، ووقع في مطبوع «فضائل بيت المقدس» : «حطاب -بالحاء المهملة- ابن أيوب» ، وآفة الحديث شيخه (عباد بن كثير) ، قال البخاري في «الضعفاء الصغير» (رقم ٢٢٧) : «تركوه» ، وقال النسائي في «الضعفاء والمتروكين» (٤٠٨) : «متروك» ، وكان فيه بلاء وغفلة (١) .
وسعيد هو الجُريري مختلط.
فهذا إسناد ضعيف جدّاً.
وروي من مرسل إياس بن معاوية، أخرجه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (١/٩٩) من طريق الحسين بن الطيب البلخي: ثنا عون بن موسى، عن إياس بن معاوية رفعه، بلفظ:
«إن الله تكفّل لي بالشام وأهله، وإن إبليس أتى العراق فباض وفرّخ، ... » بنحوه.
وهذا مع إرساله منقطع بين البلخي وعون بن موسى.
هذه هي الطرق المرفوعة (٢)
التي وقفت عليها للحديث، وهي ضعيفة لا
стр. 178
تنجبر بتعددها.
وأصح ما وقفت عليه في هذا الباب:
ما أخرجه الفسوي في «المعرفة والتاريخ» (٢/٣٠٥-٣٠٦) -ومن طريقه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (١/٣١٨) - من طريق عباس بن أبي شملة، عن موسى بن يعقوب، عن زيد بن أبي عتاب، عن أسيد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب (١) ، عن ابن عمر، قال:
«نزل الشيطان بالمشرق، فقضى قضاءه، ثم خرج يريد الأرض المقدسة (الشام) ، فمنع، فخرج على بُساق حتى جاء المغرب، فباض بيضه، وبسط بها عبقريَّه» .
قال ابن رجب: «وهذا الموقوف أشبه» (٢) .
стр. 179
قلت: إسناده لا بأس به، وفي بعض رواته كلام لا يضر -إن شاء الله-، وإنما أطلت النفس في تخريجه مرفوعاً -أيضاً-، لشيوعه وكثرة سؤال الناس عنه، ولا سيما هذه الأيام.
وقد ظفرتُ به من كلام عمر ﵁، فلعل عبد الله أخذه عن أبيه، وهذا البيان:
أخرج أبو بكر البيهقي في كتابه «دلائل النبوة» (٦/٤٨٦-٤٨٧) : أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو النصر، حدثنا عثمان بن سعيد الدارمي، حدثنا عبد الله بن صالح المصري، أن معاوية بن صالح حدثه عن شريح بن عبيد، عن أبي عَذَبَةَ، قال: جاء رجل إلى عمر بن الخطاب فأخبره أن أهل العراق قد حصبوا أميرهم، فخرج غضبان، فصلى لنا الصلاة، فسهى فيها حتى جعل الناس يقولون: سبحان الله! سبحان الله! فلما سلَّم أقبل على الناس، فقال: مَنْ هاهنا من أهل الشام؟ فقام رجل، ثم قام آخر، ثم قمت أنا ثالثاً أو رابعاً، فقال: يا أهل الشام! استعدوا لأهل العراق، فإن الشيطان قد باض فيهم وفرّخ، اللهم إنهم قد لبسوا عليّ فالبس عليهم وعجل عليهم بالغلام الثقفي، يحكم فيهم بحكم الجاهلية، لا يَقبَلُ من محسنهم ولا يتجاوز عن مسيئهم.
قال عبد الله بن صالح: وحدثني ابن لهيعة بمثله، قال: وما ولد الحجاج يومئذٍ.
وكذا رواه يعقوب بن سفيان في «المعرفة والتاريخ» (٢/٥٢٩) عن عبد الله بن صالح، عن معاوية بن صالح.
ورواه عثمان الدارمي ويعقوب بن سفيان (٢/٧٥٥) -ومن طريقه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٦٧/٨١-٨٢) -، وابن سعد في «الطبقات الكبرى» (٧/٤٤٢) عن أبي اليمان، عن حريز بن عثمان، عن عبد الرحمن بن ميسرة ابن أزهر، عن أبي عذبة، قال: قدمت على عمر رابع أربعة ... ، وذكر الحديث.
стр. 180
قال عثمان: قال أبو اليمان: علم عمر أن الحجاج خارج لا محالة، فلما أغضبوه استعجل العقوبة التي لا بد لهم منها.
وأخرجه ابن عساكر (٦٧/٨٢) من طريق شريح بن عبيد عن عمر بن سليم الحضرمي ... وذكر نحوه.
قلت: وطريقه في علم هذا النقل عن النبي ﷺ في مسند أسماء بنت الصديق، أن رسول الله ﷺ قال: «إن في ثقيف كذاباً ومبيراً» ؛ فالكذاب: المختارُ بن أبي عبيد، والمبير هو الحجاج، كما فَسَّرتْ ذلك للحجاج حين قتل ولدها ﵁، وذلك ثابت في «صحيح مسلم» (٤/١٩٧١-١٩٧٢) .
وقد كان الحجاج من الملوك الجبارين الذين طغوا في البلاد، وقتل الجمَّ الغفير من صدر هذه الأمة، ومع هذا فأمره إلى الله، فإنه لم يقترف بغير الظلم وسفك الدماء، ولا يلتفت إلى قول الرافضة فيه من تكفيره وتكفير مستتيبيه، بل هو من ملوك الإسلام، له ما لهم، وعليه ما عليهم. أفاده ابن كثير في «مسند الفاروق» (٢/٦٦٣-٦٦٤) .
وذكر البلاذري في «أنساب الأشراف» (١٠/٣٨٧ - جمل منه) ضمن خبر طويل، فيه وصية عمر للمغيرة بن شعبة، وقوله له: «إني أريد أن أبعثك إلى بلد قد عشش فيه الشيطان» ؛ يريد: العراق. وأسنده من طريق ضعيف، ومنقطع.
وجاء نحوه ضمن أثر طويل عن كعب قوله في محاورة له مع عمر ... ﵁.
أخرج ابن عساكر (١/١٥٩) بسنده إلى أبي إدريس، قال:
قدم علينا عمر بن الخطاب الشام، فقال: إني أريد أن آتي العراق، فقال له كعب الأحبار: أُعيذك بالله يا أمير المؤمنين من ذلك. قال: وما تكره من