تطبيق لقاعدة سلفية مهمة في الفتن، وهي الدوران مع النصوص، وعدم التعجل في إسقاطها، وضرورة فهمها على ظاهرها.
والغفلة في هذا الباب قاتلة (١) ، وهي «زلة مضروب بها الطبل» (٢) ، وقد وقعت لبعض الأقدمين، فبُكِّت، وتُكلِّم معه شديداً.
نقل ابن سعد (٣) عن شيخه محمد بن عمر الواقدي في ترجمة (محمد ابن عجلان) ، قال: «وخرج محمد بن عجلان مع محمد بن عبد الله بن حسن، حين خرج بالمدينة، فلما قُتِلَ محمدُ بن عبد الله وولي جعفر بن سليمان بن علي المدينة، بعث إلى محمد بن عجلان فأُتيَ به، فَبَكَّته وكلَّمه كلاماً، وقال: خرجتَ مع الكذّاب، وأَمَرَ به تُقْطع يده. فلم يتكلم محمد بن عجلان بكلمة، إلا أنه يحرّك شفتيه بشيء لا يدرى ما هو، يظن أنه يدعو، قال: فقام منْ حَضَر جعفرَ بن سليمان من فقهاء أهل المدينة وأشرافهم. فقالوا: أصْلَحَ الله الأمير، محمد بن عجلان فقيه أهل المدينة وعابدها! وإنما شُبِّه عليه وظن (٤) أنه المهديّ الذي جاءت فيه الرواية. فلم يزالوا يطلبون إليه حتى تركه، فولى محمد بن عجلان منصرفاً لم يتكلم حتى أتى منزله» .
ومن الفتن التي (لم يعقد نوارها) ، واصطلى المسلمون بنارها، وهي من مهيّجات فتن العراق، وكانت لرُقْعَتِها أثر قوي في استمرارها:
стр. 72
فصل
فتنة حماة
ما وقع في مدينة (حماة) سنة ١٤٠٢هـ - ١٩٨٢م، من أحداث شهر شباط، وانفجرت ثورة عارمة باسم (الإسلام) في سوريا، ووقع اشتباك بين مجموعة ثائرين للإسلام مع النظام السوري، وتركزت الأحداث في (حماة) ، ودُمرَت بالقصف والتفجير والنسف أجزاءُ كبيرةٌ من المدينة، وخلف ذلك نحو خمسة وعشرين ألف قتيل، ودماراً هائلاً، شبّهته الصحافة الأجنبية بتدمير إحدى مدن الحرب العالمية الثانية، فضلاً عن اعتقال الآلاف من سكانها، وتشريد عشرات الآلاف الآخرين داخل سورية وخارجها. (١)
وتبع ذلك، انشطارات وانقسامات في جماعة الإخوان المسلمين، وقيادتها السورية (٢) ،...........................................................
ورمى قسم منهم نفسه في أحضان العراق (١) ،
وراحوا يرددون: سنحرر سورية،
стр. 75
بالدبابة العراقية والبندقية الفلسطينية، والبطل السوري!! وفتحت لهم من
стр. 76
العراق إذاعة، بُحَّتْ أصواتُهم فيها للثورة، وبالنشيد لها، وكان لهم فيها معسكرات تدريب للجهاد -زعموا-، وأصبح لا يخلو واحد منها -فيما بعد- من سجن للعملاء المدسوسين فما بينهم على -زعم القائمين عليها- في فتنة عمياء، رسمت في ليلة ظلماء، وسفكت فيها الدماء، وتراشق الساعون والقائمون فيها بالويلات وعظائم الأمور، مما يعسر حصره، ولا يفيد في هذا المقام ضبطه وتعداده.
والذي أراه -والله أعلم- أنّ سبب هذه الفتن: العجلة، وعدم فقه واجب الوقت، وفقدان تربية العلماء على المنهج السلفي الرباني، وعدم التكييف الشرعي الصحيح لما يقومون به من مهالك ومصائب باسم الإسلام، وينطبق على هؤلاء نعت ابن خلدون، فها هو يقول عنهم، وكأنّه يريدهم بأسمائهم وشخوصهم:
«ممن أخذوا أنفسهم بإقامة الحق، ولا يعرفون ما يحتاجون إليه في إقامته» .
ويقول: «إنّ كثيراً من المنتحلين للعبادة وسلوك طرق الدين، يذهبون إلى القيام على أهل الجور من الأمراء، داعين إلى تغيير المنكر، والأمر بالمعروف، ورجاء الثواب عليه من الله، فيكثر أتباعهم من الغوغاء والدهماء، يعرضون أنفسهم في ذلك إلى المهالك، وأكثرهم يهلكون في هذا السبيل، مأزورين غير مأجورين؛ لأنّ الله لم يكتب ذلك عليهم» .
وقال عنهم -وأصاب كبد الحقيقة-: «لا يشعرون بمغبة أمرهم، ومآل أحوالهم، فهم موسوسون، يحتاج في أمرهم إلى المداواة إن كانوا من أهل الجنون، وإما التنكيل بالقتل (١) (!!) أو الضرب إن أحدثوا هرجاً، وإما إذاعة السخرية منهم» (٢) .
وكان شيخنا الألباني -رحمه الله تعالى- آنذاك ينهى هؤلاء عما يقومون
стр. 77
به، وكان بعضهم يتندر به، بل اتهمه بعضهم -عامله الله بما يستحق- بأنه يهودي، وكم سمعنا آنذاك من أفراد (الإخوان المسلمين) تهكماً وسخرية من شيخنا (الألباني) ؛ لأنه -في زعمهم- ينهاهم عن الجهاد، بل كان بعضهم يقول فيه: أشغل الناس بتحريك السبابة في الصلاة، وأما نحن فنشغلهم بتحريكها في الجهاد، وهذا مفكر منهم -زعموا- يقول عنه: يعلِّم الأمة الدخول إلى المسجد باليمين، ونحن نعلمهم كيف يتم تطهير المساجد من الكفار، وتحريرها منهم، فكم الفرق بيننا؟ نعم، إنه والله بعيد، وله أصول وجذور، وشتان بين ما يؤسس على الماء، ولا حقيقة له إلا الهباء، وبين تأسيس الفحول (١) على منهج له أصول ثابتات راسخات، وفروع باسقات طاهرات، تأتي بأكلها كل حين بإذن ربها .
فصل
فتنة الجزائر المتولّدة عن الخروج الأول في العراق
ومثل هذا: فتنة أخرى، أخذت مظهر (الثورة) (٢) و (الصدام العسكري
стр. 78
المسلح) مع (السلطة) ، وهي من (أعظم) ما جرى في هذا العصر من الفتن، ويشتدّ ذلك عندما نجد أنّ القائمين عليها منسوبون -زوراً وبهتاناً- (للسلفية) ! مع أنّ أئمة الدعوة الكبار، تبرؤوا منها ومن أهلها، وحذروا القائمين عليها قبل أن يمتطوا ظهرها! ألا وهي:
* فتنة الجزائر وجبهة الإنقاذ الإسلامية
الكلام على هذه الفتنة يطول، إذ لها متفرعات وذيول، ولستُ بصدد ذكر الأحداث التفصيلية لها إذ ليس هذا مجاله، ولكني بصدد التمثيل على تولُّد هذه الفتنة من فتنة ذاك الرجل الخارجي الذي لو قُتل ما كانت فتنة بعدها (١) ، فهذه الفتنة مع التي قبلها (فتنة حماة) متولّدتان من عرس الشيطان في العراق، لما باض وفرَّخ (٢) ، وظهرت هاتان الفتنتان لما «وجد شيطان الخوارج موضع الخروج، فخرجوا» (٣) ، وكانوا سبباً لسفك الدماء، ومقتل الأبرياء.
وهذه الفتنة دخنها تحت أقدام أُناس يظهرون (السلفية) ، وهم ليسوا كذلك، بل هم طاعنون في أئمتها، متربِّصون بها، ممن نهجوا (منهج الإخوان) ولهم تأثر بعمومات الدعوة السلفية، دون رسوخ في طريقة التغيير عندها، والوقوف على كلام أئمتها قديماً وحديثاً (٤) .
стр. 79
و مما زاد وَحَل هذه (الفتنة) :
أولاً: انتشار ذكرها بتأييد وإكبار على لسان الوعاظ والخطباء وطلبة العلم، وجلُّهم من مدرسة محمد سرور زين العابدين، لتوافق المشارب، واتحاد المذاهب!
ثانياً: زعْمُ الكثيرين من هؤلاء أنّ جبهة الإنقاذ امتداد لـ «جمعية العلماء» السلفية، التي كان العلامة السلفي عبد الحميد بن باديس من ورائها.
ثالثاً: الإشاعات المغرضة التي رافقتها، من أن علماء العصر كالشيخ الألباني، وابن باز (١)
-رحمهما الله- يؤيّدونها، ويدعون لها، وهم معها، وهي
تسير بفتاويهم وتوجيهاتهم! وهذا -والله- الكذب الصُّراح، وكاتب هذه السطور شاهد عيان على ما جرى بينهم وبين العلامة المحدث شيخنا محمد ناصر الدين بن نوح نجاتي الألباني ﵀ رحمة واسعة-، وهذا البيان:
أرسل القائمون على (الجبهة) المذكورة استفتاءً للشيخ الألباني في أصيل يوم الثلاثاء، الموافق للثامن عشر من شهر جمادى الآخرة، سنة ١٤١٢هـ عبر جهاز (الناسوخ) قبل يومين من الانتخابات العامة بالجزائر، فأرسل الشيخ ليلة اليوم الذي يليه عبر (الهاتف) إلى ثلاثة (١) ممن يحسن الظن بهم، وأخبرهم أنّ الله أمر نبيّه ﷺ بالمشورة، وهذه الأسئلة ... -وعددها ستة- تدور حول (الانتخابات) و (البرلمانات) ، وهذا نصها مع أجوبتها بالحرف (٢) ، مأخوذة من خط الشيخ ﵀:
стр. 82
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إنّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد؛ فإلى لجنة الدعوة والإرشاد في الجبهة الإسلامية للإنقاذ، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
وبعد؛ فقد تلقيت أَصِيلَ هذا اليوم الثلاثاء الموافق للثامن عشر من شهر جمادى الآخرة سنة (١٤١٢هـ) رسالتكم المرسلة إليّ بواسطة (الناسوخ) ، فقرأتها وعلمتُ ما فيها من الأسئلة المتعقلة بالانتخابات، التي قلتم إنها ستجري عندكم يوم الخميس؛ أي: بعد غد، ورغبتم مني التعجيل بإرسال أجوبتي عليها، فبادرت إلى كتابتها ليلة الأربعاء لإرسالها إليكم بـ (الناسوخ) -أيضاً- صباح هذا اليوم -إن شاء الله-، شاكراً لكم حسن ظنكم بأخيكم وطيب ثنائكم عليه الذي لا يستحقه، سائلاً المولى لكم التوفيق في دعوتكم وإرشادكم.
وإليكم الآن ما يَسَّر الله لي من الإجابة على أسئلتكم، راجياً من المولى أن يلهمني السداد والصواب في ذلك:
السؤال الأول: ما الحكم الشرعي في الانتخابات التشريعية (ما يسمى بالبرلمان) التي نسعى من خلالها إلى إقامة الدولة الإسلامية، وإقامة الخلافة الراشدة؟
الجواب: إن أسعد ما يكون المسلمون في بلادهم يوم ترفع راية (لا إله إلا الله) ، وأن يكون الحكم فيها بما أنزل الله، وإن مما لا شك فيه، أن على المسلمين جميعاً -كل حسب استطاعته- أن يسعوا إلى إقامة الدولة المسلمة، التي تحكم بكتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، وعلى منهج السلف الصالح،
стр. 83
ومن المقطوع به عند كل باحث مسلم، أنّ ذلك لا يمكن أن يتحقق إلا بالعلم النافع والعمل الصالح، وأول ذلك: أن يقوم جماعة من العلماء بأمرين هامين جدّاً:
الأول: تقديم العلم النافع إلى من حولهم من المسلمين، ولا سبيل إلى ذلك إلا بأن يقوموا بتصفية العلم الذي توارثوه مما دخل فيه من الشركيات والوثنيات حتى صار أكثرهم لا يعرفون معنى قولهم: (لا إله إلا الله) ، وأنّ هذه الكلمة الطيبة تستلزم توحيد الله في عبادته -تعالى- وحده لا شريك له، فلا يستغاث إلا به، ولا يذبح ولا ينذر إلا له، وأن لا يعبدوه -تعالى- إلا بما شرع الله على لسان رسول الله ﷺ ، وأنّ هذا من مستلزمات قولهم: (محمد رسول الله) ، وهذا يقتضيهم أن يُصَفُّوا كتب الفقه مما فيها من الآراء والاجتهادات المخالفة للسنة الصحيحة، حتى تكون عبادتهم مقبولة، وذلك يستلزم تصفية السنة مما دخل فيها -على مر الأيام- من الأحاديث الضعيفة والموضوعة، كما يستلزم ذلك تصفية السلوك من الانحرافات الموجودة في الطرق الصوفية، والغلو في العبادة والزهد، إلى غير ذلك من الأمور التي تنافي العلم النافع.
والآخر: أن يُرَبُّوا أنفسهم وذويهم ومن حولهم من المسلمين على هذا العلم النافع، ويومئذ يكون علمهم نافعاً وعملهم صالحاً؛ كما قال -تعالى-: ﴿فَمَن كَان يَرجُو لِقَاء ربِّه فَليعمل عملاً صالحاً ولا يُشرك بعبادة ربِّه أَحَداً﴾ [الكهف: ١١] ، وحينئذٍ إذا قامت جماعة من المسلمين على هذه التصفية والتربية الشرعية، فسوف لا تجد فيهم من يختلط عليه الوسيلة الشركية بالوسيلة الشرعية؛ لأنهم يعلمون أنّ النبي ﷺ قد جاء بشريعة كاملة بمقاصدها ووسائلها، ومن مقاصدها -مثلاً-: النهي عن التشبه بالكفار وتبني وسائلهم ونظمهم التي تتناسب مع تقاليدهم وعاداتهم. ومنها: اختيار الحكام والنواب بطريقة الانتخابات، فإن هذه الوسيلة تتناسب مع كفرهم وجهلهم الذي لا
стр. 84
يفرق بين الإيمان والكفر، ولا بين الصالح والطالح، ولا بين الذكر والأنثى، وربنا يقول: ﴿أَفَنجعَل المسلمين كالمجرمين. مَا لكم كيف تَحكُمون﴾ [القلم: ٣٥-٣٦] ويقول: ﴿وَلَيس الذّكر كالأنثى﴾ [آل عمران: ٣٦] .
وكذلك يعلمون أن النبي ﷺ إنما بدأ بإقامة الدولة المسلمة بالدعوة إلى التوحيد، والتحذير من عبادة الطواغيت، وتربية من يستجيب لدعوته على الأحكام الشرعية، حتى صاروا كالجسد الواحد؛ إذا اشتكى منه عضو تداعى سائر الجسد بالسهر والحمى، كما جاء في الحديث الصحيح، ولم يكن فيها من يُصِرُّ على ارتكاب الموبقات والربا والزنا والسرقات إلا ما ندر.
فمن كان يريد أن يقيم الدولة المسلمة حقّاً لا يُكتّل الناس ولا يجمعهم، على ما بينهم من خلاف فكري وتربوي، كما هو شأن الأحزاب الإسلامية المعروفة اليوم، بل لا بد من توحيد أفكارهم ومفاهيمهم على الأصول الإسلامية الصحيحة: الكتاب والسنة، وعلى منهج السلف الصالح كما تقدم، ﴿وَيَومئذ يَفرَح المُؤمنون بِنَصر الله﴾ [الروم: ٤-٥] .
فمن أعرض عن هذا المنهج في إقامة الدولة المسلمة وسلك سبيل الكفار في إقامة دولتهم؛ فإنما هو (كالمستجير بالرمضاء من النار) ! وحَسْبُه خطأً -إن لم أقل: إثماً- أنه خالف هديه ﷺ ولم يتخذه أسوة، والله يقول: ﴿لَقَد كَان لَكُم في رَسُول اللهِ أُسوةٌ حسنةٌ لِمَن كَان يَرجُو اللهَ واليَومَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كثيراً﴾ .
السؤال الثاني: ما الحكم الشرعي في النصرة والتأييد المتعلقين بالمسألة المشار إليها سابقاً (الانتخابات الشرعية) ؟
الجواب: في الوقت الذي لا ننصح أحداً من إخواننا المسلمين أن يرشِّح نفسه ليكون نائباً في برلمان لا يحكم بما أنزل الله، وإن كان قد نص في دستوره: (دين الدولة الإسلام) ، فإنّ هذا النص قد ثبت عمليّاً أنه وضع
стр. 85
لتخدير أعضاء النواب الطيِّبي القلوب!! ذلك لأنه لا يستطيع أن يغير شيئاً من مواد الدستور المخالفة للإسلام، كما ثبت عمليّاً في بعض البلاد التي في دستورها النص المذكور.
هذا إن لم يتورط مع الزمن أن يُقر بعض الأحكام المخالفة للإسلام، بدعوى أنّ الوقت لم يحن بعدُ لتغييرها، كما رأينا في بعض البلاد؛ يُغَيِّر النائب زيّه الإسلامي، ويتزيّا بالزي الغربي مسايرة منه لسائر النواب! فدخل البرلمان ليُصلِح غيره فأفسد نفسه، وأوَّل الغيث قطرٌ، ثم ينهمر! لذلك فنحن لا ننصح أحداً أن يرشح نفسه، ولكن لا أرى ما يمنع الشعب المسلم إذا كان في المرشَّحين من يعادي الإسلام وفيهم مرشَّحون إسلاميون من أحزاب مختلفة المناهج، فننصح -والحالة هذه- كل مسلم أن ينتخب من الإسلاميين فقط، ومن هو أقرب إلى المنهج العلمي الصحيح الذي تقدم بيانه.
أقول هذا -وإن كنت أعتقد أنّ هذا الترشيح والانتخاب لا يحقق الهدف المنشود كما تقدم بيانه- من باب تقليل الشر، أو من باب دفع المفسدة الكبرى بالمفسدة الصغرى، كما يقول الفقهاء.
السؤال الثالث: حكم خروج النساء للانتخابات؟
الجواب: يجوز لهن الخروج بالشرط المعروف في حقهن؛ وهو أن يتجلببن الجلباب الشرعي، وأن لا يختلطن بالرجال، هذا أولاً.
ثم أن ينتخبن من هو الأقرب إلى المنهج العلمي الصحيح من باب دفع المفسدة الكبرى بالصغرى كما تقدم.
السؤال الرابع: الأحكام الشرعية المتعلقة بأنماط العمل الشرعي في (البرلمان) ورجالاته؟
الجواب: فنقول: هذا سؤال غامض مرادكم منه غير ظاهر لنا؛ ذلك لأنّ المفروض أن النائب المسلم لا بد أن يكون عالماً بالأحكام الشرعية على
стр. 86
اختلاف أشكالها وأنواعها، فإذا ما طرح أمر ما على بساط البحث فلا بد أن يوزن بميزان الشرع، فما وافق الشرع أيده، وإلا رفضه؛ كالثقة بالحكومة، والقَسَم على تأييد الدستور ونحو ذلك!!
وأما رجالات البرلمان! فلعلكم تعنون: ما موقف النواب الإسلاميين من رجالات البرلمان الآخرين؟ فإن كان ذلك مرادكم، فلا شك أنه يجب على المسلمين -نواباً وناخبين- أن يكونوا مع من كان منهم على الحق؛ كما قال رب العالمين: ﴿وَكُونوا مَعَ الصّادِقين﴾ [التوبة: ١١٩] .
وأما السؤال الخامس والسادس: فجوابهما يُفهم مما تقدم من الأجوبة.
ونضيف إلى ذلك، أنْ لا يكون همُّكم -معشر الجبهة الإسلامية! - الوصول إلى الحكم قبل أن يصبح الشعب مهيَّئاً لقبول الحكم بالإسلام، ولا يكون ذلك إلا بفتح المعاهد والمدارس التي يتعلم فيها الشعب أحكام دينه على الوجه الصحيح، ويربَّى على العمل بها، ولا يكون فيهم اختلاف جذري ينشأ منه التحزب والتفرق، كما هو الواقع الآن مع الأسف في الأفغان، ولذلك قال ربنا في القرآن: ﴿وَلا تَكُونوا مِنَ المُشركين مِن الّذين فَرّقوا دِينَهم وَكانوا شِيَعاً كُلُّ حِزبٍ بما لَدَيهم فَرِحون﴾ [الروم: ٣١-٣٢] ، وقال رسول الله ﷺ : «لا تقاطعوا ولا تدابروا ولا تباغضوا ولا تحاسدوا، وكونوا إخواناً كما أمركم الله» رواه مسلم.
فعليكم إذن بالتصفية والتربية بالتأني؛ فإنّ «التأني من الرحمن، والعجلة من الشيطان» ، كما قال نبينا ﵊ (١) -، ولذلك قيل: من استعجل الشيء قبل أوانه ابتلي بحرمانه، ومن رأى العبرة بغيره فليعتبر، فقد جرب بعض الإسلاميين من قبلكم في غير ما بلد إسلامي الدخول في البرلمان بقصد إقامة دولة الإسلام، فلم يرجعوا من ذلك ولا بخفي حنين!
стр. 87
ذلك لأنهم لم يعملوا بالحكمة القائلة: «أقيموا دولة الإسلام في قلوبكم تقم لكم في أرضكم» ، وهكذا كما قال رسول ﷺ : «إنّ الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم» رواه مسلم.
فالله أسأل أن يلهمنا رشدنا، وأن يعلمنا ما ينفعنا، ويهدينا للعمل بشرعة ربنا، متبعين في ذلك سنة نبينا ومنهج سلفنا، فإن الخير كله في الاتباع، والشر كله في الابتداع، وأن يفرج عنا ما أهمَّنا وأغمَّنا، وأن ينصرنا على من عادانا، إنه سميع مجيد.
عمان صباح الأربعاء ١٩ جمادى الآخرة سنة ١٤١٢هـ.
وكتب
محمد ناصر الدين الألباني أبو عبد الرحمن
وسمعت الشيخ الألباني ﵀ بعد صياغته للأجوبة، والفراغ منها، التأسُّف على ما آل إليه حال المسلمين، ويشكو من عجلة الشباب وتهوّرهم، وأنّ الجزائريين معروفون بحدّتهم، ويخشى على خيارهم من فتنة عظيمة، قد تصل إلى إراقة الدماء، وزجّ بمئات أو ألوف -وقد يزيد- في السجون! إي والله! إني سمعت ذلك بأُذنَيَّ منه، ووعاه قلبي، ثم بعد فترة غير بعيدة من الزمن قرأت كلاماً للعلامة السلفي الجزائري محمد البشير الإبراهيمي، كتبه سنة ١٩٦٤م، ونشره في جريدته «البصائر» -وكأنه مكتوب بعد الذي حصل في الجزائر-، فتذكرت كلام شيخنا الألباني، فقرأته عليه في مجلس علمي في مكتبته، فأعجب الشيخ -رحمه الله تعالى-، وهذا نصُّه وفصُّه:
«أما في الجزائر؛ فالانتخابات -منذ سنّت لعبة لاعب، وسخرية ساخر، ورهينة استبداد، ولدت شوهاء ناقصة، وما زالت متراجعة ناكصة، وضعت من أول يوم على أسوأ ما يعرف من التناقض، وأشنع ما يُعلم من التحكم والميز والعنصرية، وهو تمثيل الأكثرية في المجالس المنتخبة للأقلية من السكان،
стр. 88
ولأقلية فيها للأكثرية منهم، قد كانت هذه الانتخابات شرّاً مستطيراً على الأمة الجزائرية، وأفتك سلاح رماها به الاستعمار، بعد أن نظر النظر البعيد، وكانت ضربة قاضية على ما كانت تصبو إليه وتستعد من وحدة الكلمة واجتماع الشمل، فكلما جهد المصلحون جهدهم في جمع كلمتها -وكادوا يفلحون- جاءت هذه الانتخابات فهدمت ما بنوا وتبرته تتبيراً؛ كان هذا كله قبل أن تقف الحكومة مواقفها المعروفة في انتخابات السنة الماضية، أما بعد أن ظهرت بذلك المظهر، وسنت للانتخابات الجزائرية دستوراً عنوانه: «الحيف والسّيف» ، وارتكبت فيها تلك الفضائح التي يندى لها الجبين خجلاً، والتي يأنف الفرد المستبد من ركوبها فضلاً عن حكومة جمهورية في مظهرها، ديمقراطية في دعواها، فإنّ الانتخاب أصبح وبالاً على الأمة ووباء، وذهب بالبقايا المدخرة فيها من الأخلاق الصالحة هباء، وأصبحت هذه الكراسي عاملاً قويّاً في إفساد الرجولة والعقيدة والدين، وإمراض العزائم والإرادات، وفيها من معاني الخمر أنّ من ذاقها أدمن، وفيها من آفات الميسر أن من جرّبها أمعن، وقد كنا نخشى آثارها في تفريق الشمل وتبديد المال، فأصبحنا نخشاها على الدين والفضيلة، فإنّ الحكومة اتخذت منها مقادة محكمة الفتل لضعفاء الإيمان ومرضى العقيدة وأسرى المطامع منا، وما أكثرهم فينا، خصوصاً بعد أن أحدثت فيها هذه الأنواع التي تجر وراءها المرتبات الوافرة، والألقاب المغرية.
ليت شعري؛ إلى متى تتناحر الأحزاب على الانتخاب وقد رأوا بأعينهم ما رأوا؟ وعلام تصطرع الجماعات؟ وعلام تنفق الأموالُ في الدعايات والاجتماعات إذا كانت الحكومة خصماً في القضية لا حكماً؟ وكانت تعتمد في خصومتها على القوة وهي في يدها، وكانت ضامنة لنفسها الفوز في الخصومة قبل أن تنشب، ويحٌ للأمة الجزائرية من الانتخاب، وويل للمفتونين به من يوم الحساب» (١) .
стр. 89
وكان الشيخ -رحمه الله تعالى- يسئل عما يجري في (الجزائر) ، وهل يبشّر بخير وتمكين للمسلمين؟ فكان لا يزيد على قوله: «فقاقيع صابون» ، سمعته أُذناي، ووعاه قلبي.
وأما (الجبهة) ، فقد زادوا أتون (الفتنة) ، بأن أخذوا من (ناسوخ) (١) الشيخ الألباني المرسل لهم ما يفهم الناس أن الشيخ يؤيدهم، وكتموا الباقي، وركبوا رأسهم، ولم ينزلوا عند توجيهات العلماء، فكان ما كان، والله المستعان، وعليه التكلان.
وذهب ضحية هذه الفتنة عشرات الألوف (٢) من الشباب، وفرّ قسم منهم في الجبال، وبايعوا (أميراً) لهم، وحصل بينهم خلاف، وانقسموا فرقاً (٣) ، شأن سنة الله في أهل الباطل، وولغ بعضهم في دماء بعض، بل حدثني -عبر الهاتف واحد من كبائرهم- ممن تاب (٤) أنّ النساء اللاتي في الجبل، كن يؤخذن سبايا للأمراء بعد الافتراق، وتحل الفروج باسم الجهاد، فعلى العلم والفهم، والدين والخلق والأعراض سلام؟!
стр. 90
وكان هؤلاء بين الحين والحين يقومون بالغزو -على تسميتهم-، ويرتكبون المجازر ويفخخون السيارات، ويثورونها في أماكن ازدحام الناس، مما سببوا قتل عدد غير قليل من الأبرياء!
ونشرت بعض الصحف (١) على لسان بعض التائبين من هؤلاء مقالةً تحت عنوان (كنا ضحايا فتاوى السلفية) ، وهذا كذب، بل أولئك سلموا أنفسهم لقادة ساقوهم باسم الدين، والكذب على العلماء السلفيين؛ مثل: ابن باز (٢) ، والألباني، وابن عثيمين (٣) -رحمهم الله تعالى-، فأوهموهم أنّ العلماء معهم، وأنهم ينزلون عند تقريراتهم، ويسيرون بفتاواهم وتوجيهاتهم!
والأمر ليس كذلك، بل هم يقرون أنّ الذي جرى في الجزائر ليس إلا على منهج (الخوارج) !
فها هو شيخنا الألباني يقول عما حصل في الجزائر بعد كلام: «فإذا كان
стр. 91
السؤال إذاً بأنَّ هؤلاء حينما يفخِّخون -كما يقولون- بعض السيارات ويفجِّرونها، تصيب بشظاياها من ليس عليه مسؤولية إطلاقاً في أحكام الشرع، فما يكون هذا من الإسلام إطلاقاً، لكن أقول: إنَّ هذه جزئية من الكُليَّة، أخطرها هو هذا الخروج الذي مضى عليه بضع سنين، ولا يزداد الأمر إلا سوءاً، لهذا نحن نقول: إنَّما الأعمال بالخواتيم، والخاتمة لا تكون حسنةً إلا إذا قامت على الإسلام، وما بُني على خلاف الإسلام فسوف لا يُثمر إلا الخراب والدَّمار» (١) .
فالشيخ الألباني ﵀ يرى أنّ هذه المفاسد، من إراقة الدماء، وزعزعة الأمن، سببه (الخروج) الذي وقع في الجزائر، واستمر عليه (الخارجون) بضع سنين.
وبلا شك أن قتل المسلمين -أفراداً وجنوداً- لبعضهم بعضاً، واستحلال ذلك، هو عين مذهب الخوارج، وإن لم يقع التصريح بالتكفير بالكبيرة!!
ولذا لما سئل فقيه الزمان الشيخ ابن عثيمين عما يجري في الجزائر، فقيل له: تنطلق بعض الجماعات في محاربتها لأنظمتها من قاعدة تقول: «إنَّ محاربة الدول الإسلامية أوْلى من محاربة الدول الكافرة كفراً أصليّاً؛ لأنَّ الدول الإسلامية مرتدَّةٌ، والمرتدُّ مقدَّمٌ في المحاربة على الكافر، فما مدى صحة هذه القاعدة؟
فأجاب الشيخ -رحمه الله تعالى- بقوله: «هذه القاعدة هي قاعدة الخوارج الذين يقتلون المسلمين ويَدَعون الكافرين، وهي باطلة» (٢) .
стр. 92
ولا أشك أنّ مراد النبي ﷺ في الحديث السابق الذي فيه ذكر الخوارج أفعالاً ومخالفاتٍ حذر منها، وليست العبرة بالاصطلاحات (١) التي تواطأ عليها العلماء.
وعليه؛ فلا يقال: هذه خرجت من أُناس سلفيين! عندهم بعض الأخطاء، وليسوا من الخوارج، فلا صلة لهذه الأحداث بما هُيِّج من فتن (العراق) !! بل هي خرجت من تحت قدمي أصناف، لهم وفاق وفراق مع (الخوارج) ، بل بعضهم يتطابق معهم في دينه، ولا ينفك عنهم قيد أُنملة (٢) ، وقد أفصح عن هذه الأنواع بعضُ من تاب الله عليهم، عندما رجعوا إلى رشدهم وصوابهم، واتّصل بالعلماء الربانيين، وطلبة العلم، المتقدّمين النابهين، ولمزيد البيان والإيضاح أنقل لإخواني القراء الكرام ما جرى بين هؤلاء والشيخ ابن عثيمين -رحمه الله تعالى-:
حوار (٣) بين ثوار الجزائر برؤوس الجبال مع العلاّمة ابن عثيمين بتاريخ: ١ رمضان ١٤٢٠هـ
قال السائل: نحن أوّلاً: نُعلمكم أنَّ الذي يُخاطبكم الآن هم إخوانك المقاتلون، وبالضبط المقاتلون من (الجماعة السلفية للدعوة والقتال) ، ونحن طبعاً سننقل كلامَكم -إن شاء الله إلى جميع إخواننا المقاتلين في هذه الجماعة وغيرها -أيضاً-.
وذلك بعد أن بلغنا نداؤكم ونصيحتكم المؤرَّخة بتاريخ ١٣ من شهر صفر من العام الحالي.
стр. 93
والجدير بالذِّكر أنَّ نداءَكم ذلك لم يصل إلينا إلا منذ شهر ونصف، وهناك من الإخوة من لم يصلهم حتى الآن، هذا من جهة.
ومن جهة أخرى، فإنَّ الكثير من الإخوة مِمَّن بلغَتْهم نصيحتكم وقعت لهم شبهةٌ حالت دون الاستجابة لِما دعوتم إليه، فكان لا بدَّ إذاً من إجراء هذا الحوار الجديد مع فضيلتكم؛ أملاً أن نتمكَّن من خلاله من الإجابة على جميع التساؤلات المطروحة، وإزاحة جميع الشُّبه، وبيان الحقِّ البواح؛ حتى نصبح على مثل المحجَّة البيضاء، لا يزيغ عنها إلاّ هالك.
وعلى هذا الأساس، فإننا نلتمس من سماحتكم -حفظكم الله- إعطاءنا أكبر قدر من وقتكم، وأن تسهبوا في الشرح والبيان؛ لأنه لا يخفى عليكم -يا شيخنا! - أنَّ الإخوة عندنا قد رسَّختْ فيهم سنوات القتال أفكاراً وعقائد ليس من السهل -يا شيخ! - ولا من البسيط التخلي عنها واعتقاد بطلانها، إلا ببيان شافٍ منكم، وذلك لما لكم في قلوب الإخوة عندنا من عظيم المنزلة، ووافي التقدير والإجلال والاحترام؛ لأننا نعتقد أنكم من أعلام أهل السنة والجماعة في هذا العصر.
وإليكم الآن الشبه المطروحة -يعني: عندنا-.
الشيخ: دعني أتكلَّم قليلاً، ثم قال:
الحمد لله رب العالمين، وأصلِّي وأسلم على نبيِّنا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد، فإنني من عنيزة القصيم -المملكة العربية السعودية- وفي أول يوم من رمضان عام عشرين وأربع مئة وألف، أتحدث إلى إخواني في الجزائر، وأنا: محمد بن صالح آل عثيمين.
أقول لهم: إنَّ النبيَّ ﷺ قرَّر في حجَّة الوداع تحريمَ دمائنا وأموالنا وأعراضنا تقريراً واضحاً جليّاً، بعد أن سأل أصحابه عن هذا اليوم، والشهر،
стр. 94
والبلد، وقال: «إنَّ دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا هل بلغت؟» (١) .
فهذا أمرٌ مجمعٌ عليه، لا يختلف فيه اثنان، والإخوة الذين قاتلوا في الجزائر منذ سنوات قد يكون لهم شبهة، ففي أوَّل الأمر، حينما اتَّجه الشعب الجزائري إلى جبهة الإنقاذ، وعلت أصواتهم لصالح الجبهة، ولكن ... هذه الجبهة، حتى سيطر غيرُها، ولا شكَّ أنَّ هذا مؤسفٌ، وأنّ الواجب اتِّباع الأكثر الذي وافق ما ينبغي أن تكون عليه الأمة الجزائرية، من قول الحقِّ واتِّباع الحقِّ.
ولكن هذا لا يقتضي ولا يسوِّغ حمل الإخوةِ السلاحَ بعضِهم على بعض، وكان الواجب عليهم من أول الأمر أن يمشوا ويُكثِّفوا الدعوة إلى تحكيم الكتاب والسنة، وفي الجولة الأخرى، تكون أصواتهم ... ، ويكون وزنُهم في الشعب الجزائري أكبر، ولكن نقول: قَدَرُ الله وما شاء فعل، لو أراد الله أن يكون ما ذكرتُ لكان.
والآن، أرى أنَّه يجب على الإخوة أن يَدَعوا هذا القتال، لا سيما وأنَّ الحكومة الجزائرية عرضت هذا، وأمَّنت من يَضَع السلاح، فلم يبق عذرٌ.
والجزائر الآن تحمل الويلات بعد الويلات مما كانت عليه، وكنَّا قد تفاءلنا خيراً، حينما تولَّى الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، وهدأت الأمور بعض الشيء.
لكننا -مع الأسف- سمعنا أنه حصل بعض العنف في هذه الأيام القريبة، وهو مِمَّا يُؤسف له أن يعود العنف إلى الجزائر المسلمة ... شهر رمضان المبارك.
стр. 95
والذي يجب على المسلمين أن يجمعوا كلمتهم على الحقِّ، في رمضان وفي غيره، لكن في رمضان أوكد.
فنصيحتي لإخوتنا المقاتلين ...
ثم قاطعه السائل قائلاً: ... أحيطكم به علماً -يعني- حتى يخرج جوابكم موافقاً أو نافعاً للإخوة، يعني كأنكم تعتقدون أو تظنون أنَّ الذي يخاطبكم الآن هم أنصار الجبهة الإسلامية للإنقاذ؟ يا شيخ! الآن الساحة القتالية الجزائرية تضمُّ ثلاث فصائل (١) :
- أتباع (الجبهة الإسلامية للإنقاذ) الذين خرجوا من أجل الانتخابات، وهلمَّ جرّاً تلك الأمور.
- وهناك (الجماعة السلفية للدعوة والقتال) ، التي نكلِّمكم باسمها، ونحن من أعضائها، هذه -يا شيخ- ليس لها علاقة بالجبهة الإسلامية للإنقاذ، وليس لها علاقة بالتحزُّب، وليس لها علاقة بالانتخاب، إنّما خرجت بناء على اعتقادها كفر هذا الحاكم، وجواز الخروج عليه.
- وهناك طائفة ثالثة -يا شيخ- (الهجرة والتكفير) ، هذه التي لا زالت تمارس العنف، ولا تستمع إلى العلماء، أمَّا نحن المقاتلون في (الجماعة السلفية للدعوة والقتال) ، فكما أسلفت لك منذ قليل نحب العلماء ونجُّلهم، خصوصاً علماء أهل السنة والجماعة كأمثالكم، ونأخذ بأقوالهم، غير أنه -كما ذكرتُ لك- هناك بعض التساؤلات والشبه حالت دون أن يُتلقّى كلامُكم بالقبول التام.
الشيخ: فهمتُ من كلامك الآن أنكم ثلاثة أقسام: جبهة الإنقاذ، الجماعة السلفية، والجماعة التكفيرية، هكذا؟
стр. 96
السائل: أي نعم، جيّد يا شيخ!
الشيخ: أما جبهة الإنقاذ، فأظنّها أنّها وافقت المصالحة؟
السائل: أي نعم، هم الآن في هُدنة يا شيخ!
الشيخ: أما الجماعة السلفية؛ فأرى أن يُوافقوا؛ لأنه مهما كان الأمر، الخروج على الحاكم -ولو كان كفرُه صريحاً مثل الشمس- له شروط، فمن الشروط: ألا يترتب على ذلك ضررٌ أكبر، بأن يكون مع الذين خرجوا عليه قدرة على إزالته بدون سفك دماء، أما إذا كان لا يمكن بدون سفك دماء، فلا يجوز؛ لأنَّ هذا الحاكم -الذي يحكم بما يقتضي كفره- له أنصار وأعوان لن يَدَعوه.
ثمَّ ما هو ميزان الكفر؟ هل هو الميزان المزاجي -يعني- الذي يوافق مزاج الإنسان لا يكفر، والذي لا يوافقه يكفر؟! من قال هذا؟!
الكفر لا يكون إلا من عند الله ومن عند رسوله، ثم إن له شروطاً، ولهذا قال النبيُّ ﷺ لمَّا تحدَّث عن أئمة الجوْر -وقيل له: أفلا ننابذهم- قال: «لا، إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم فيه من الله برهان» (١) ، وأين هذا؟
كثيرٌ من الإخوة -ولا سيما الشباب- الكفر عندهم عاطفي، مزاجي، ليس مبنيّاً على شريعة، ولا صدر عن معرفة بشروط التكفير، لهذا نشير إلى إخواننا في الجزائر أن يضعوا السّلاحَ، وأن يدخلوا في الأمان، وأن يُصلحوا بقدر المستطاع بدون إراقة دماء، هذا هو الذي يجب علينا أن نناصحهم به، ومن وُجِّهت إليه النصيحة، فالواجب عليه على الأقل أن يتأنَّى وينظر في هذه النصيحة، لا أن يردَّها بانزعاج واستكبار وعناد، نسأل الله -تعالى- أن يُطفئ الفتنة، وأن يزيل الغُمَّة عن إخواننا في الجزائر.
стр. 97
السائل: هم الإخوة عندنا يعتمدون في الحكم بكفر حاكمهم على فتوى للشيخ ناصر الدِّين الألباني قديمة بُنيت -والله أعلم- على واقع غير صحيح (١) ، يعتمدون علىهذا -يعني: في تكفير حاكمهم- وبالتالي، وكذلك هناك بعض طلبة العلم -أيضاً- يعتمدون عليهم في هذه المسألة، وعلى هذا الأساس فعندما ناديتموهم بوضع السلاح -مع اعتقادهم كفر حاكمهم- شقَّ ذلك عليهم كثيراً -يعني- وكبُر عليهم كثيراً -يعني- وضع السلاح والعودة تحت حكم من يعتقدون كفره -يعني- هذه معضلة كيف حلُّها يا شيخ؟
الشيخ: والله ليست معضلة؛ أوَّلاً: ننظر هل هناك دليل على كفر هذا الحاكم، والنظر هنا من وجهين:
الوجه الأول: الدليل على أنَّ هذا الشيءَ كفرٌ.
الثاني: تحقق الكفر في حقِّ هذا الفاعل؛ لأنَّ الكلمة قد تكون كفراً صريحاً، ولكن لا يكفر القائل، ولا يخفى علينا جميعاً قول الله : ﴿من كفر من بعد إيمانه إلا مَن أُكره وقلبُه مُطمئنٌّ بالإيمان ولكنْ مَن شَرَحَ بالكُفر صَدراً فَعليهم غضبٌ من الله وَلَهُم عذابٌ عظيم﴾ [النحل: ١٠٦] ، رفع الله حكم الكفر عن المكره وإن نطق به.
ولقد أخبر النبيُّ ﷺ أنَّ الربَّ أشدُّ فرحاً بتوبة عبده من رجل فقد راحلته، وعليها طعامه وشرابه، فلمَّا أَيِس منها اضطجع تحت شجرة، فبينما هو كذلك إذا بناقته حضرت، فأخذ بزمامها وقال: اللهم! أنت عبدي وأنا ربك، قال النبي ﷺ : «أخطأ من شدة الفرح» (٢) .
وكذلك الرجل الذي كان ... وقال: «لئن قدر الله علي ليعذبني عذاباً ما يعذبه أحداً من العالمين، فأمر أهله إذا مات أن يحرقوه ويسحقوه في اليم،
стр. 98
فجمعه الله وسأله؟ فقال: فعلت ذلك خوفاً منك يا رب» (١) ، ولم يكفر.
الحاكم قد يكون عنده حاشية خبيثة، ترقق له الأمور العظيمة وتسهلها عليه، وتزينها في نفسه، فيمضي فيما يعتقد أنه حلال، ولكنه ليس بكفر، ولا أظن أحداً من الجزائريين يقول: نعم! أنا أعلم أنّ هذا حكم الله ولكني أخالفه، ما أظن أحداً يقول ذلك عن عقيدة، فإنْ كان قد يقوله في باب المناظرة، لكن عن عقيدة لا يمكن فيما أظن؛ لأن شعب الجزائر شعب مسلم، وهو الذي أخرج الفرنسيين عن إكراه من أرضه، فالواجب على هؤلاء أن ينظروا في أمرهم، وأن يلقوا السلاح، وأن يصطلحوا مع أمتهم، وأن يبثوا الدعوة إلى الله بتيسير ... لا بعنف، نعم!
السائل: شيخنا -حفظكم الله- هل يستلزم -يعني: لو فرضنا كفر الحاكم- هل يستلزم الخروج عليه بدون شروط يعني؟
الشيخ: لا! لا بد من شروط، ذكرتها آنفاً.
السائل: أي نعم!
الشيخ: لو فرض أنه كافر مثل الشمس في رابعة النهار، فلا يجوز الخروج عليه إذا كان يستلزم إراقة الدماء، واستحلال الأموال.
السائل: الآن -يعني- بعض الإخوة عندنا مثلاً يقولون إنهم ما داموا خرجوا وحملوا السلاح وخاضوا هذه الحرب مع هذا النظام، هم اليوم وإن اعتقدوا أن ما هم فيه ليس بجهاد؛ لأنهم كما ذكرتم لم يستوفوا الشروط، لكن رغم ذلك يسألون: هل يمكنهم رغم ذلك المواصلة وإن أيقنوا الفناء والهلاك، أم يهاجرون، أم ماذا؟
стр. 99
الشيخ: والله! لا يجوز لهم، والله! لا يجوز لهم المضي فيما هم عليه من الحرب الآن؛ إذ أنها حرب عقيم ليس لها فائدة ولا تولد إلا الشر والشرر.
السائل: أي نعم، شيخنا هم -يعني- إذاً أنتم لا تعتقدون كفر حاكم الجزائر يعني، فترون ذلك؟
الشيخ: لا نرى أن أحداً كافر إلا من كفره الله ورسوله وصدقت عليه شروط التكفير، من أي بلد، ومن أي إنسان، الكفر ليس بأيدينا، وليس إلينا، بل هو إلى الله ورسوله، إنّ الرجل إذا كفر أخاه وليس بكافر عاد الأمر إليه: المكفِّر، وكفر إلا أن يتوب.
السائل: شيخنا! بعض الإخوة عندنا -بعد أن سلموا بأن هذا ليس بجهاد على وفق ما ذكرتم يعني- لم يثقوا في الحكومة -يعني- نسبيّاً، فيسألون هل يجوز لهم المكث في الجبال دون الرجوع إلىالحياة المدنية بدون قتال ... -يعني- يبقون بأسلحتهم في الجبال ويتوقفون عن القتال، لكن لا يرجعون إلى الحياة المدنية؟
الشيخ: أقول: إنهم لن يبقوا على هذه الحال، مهما كان الحال، ولا بد أن تحركهم نفوسهم في يوم من الأيام حتى ينقضوا على أهل القرى والمدن، فالإنسان مدني بالطبع.
يبقى في رؤوس الجبال وفي تلالها وشعابها، ومعه السلاح؟!
في يوم من الأيام لا بد أن تهيجهم النفوس حتى يكونوا قطاع طرق!
السائل: إذاً لا يجوز لهم المكث على هذه الحال؟
الشيخ: هذا ما أراه، أرى أن ينزلوا للمدن والقرى لأهليهم وذويهم وأصحابهم.
السائل: يعني الآن ما يجب على كل -في حالة إذا لم تستجب القيادة
стр. 100
لندائكم هذا، إذا لم تستجب يعني- إذا لم تستجب رؤوس المقاتلين لندائكم هذا، ما واجب كل مقاتل في حق نفسه؟
الشيخ: الواجب وضع السلاح، وأن لا يطيعوا أمراءهم إذا أمروهم بمعصية؛ لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
السائل: شيخنا! هل يجوز أو يمكن -يعني- هل يجوز مخالفة نداءكم هذا من أجل فتاوى لبعض الدعاة؟
الشيخ: هذا يرجع إلى الإنسان نفسه، إن اعتقد أن ما يقوله أولئك القوم الذين يدعون إلى الاستمرار هو الحق لا يلزمهم الرجوع، ولكن يجب أن يتأمل الإنسان ويتدبر وينظر ما النتيجة في الاستمرار، كم للشعب الجزائري من سنة، وهو يرقب الويلات بعد الويلات ولم يستفد شيئاً؟!
السائل: الملاحظة أن هؤلاء الدعاة الذين ذكرتهم -يعني- دعاة غير معروفين -يعني- من أمثالهم أبو قتادة الفلسطيني الماكث في بريطانيا، هل تعرفونه يا شيخنا؟
الشيخ: لا نعرفه.
السائل: تعرفونه؟!
الشيخ: لا!
السائل: أبو مصعب السوري، ما تعرفونه؟
الشيخ: كل لا نعرفه، لكني أقول لك، إن بعض الناس ولا أخص هذا ولا هذا؛ إذا رأى الشباب اجتمعوا حوله، انفرد بما يذكر به، كما يقول القائل: خالف تُذكر، نعم (١) !
стр. 101
السائل: شيخنا! هناك أحدهم يسمى أبا حنيفة الأريتيري، يدعي أنه تلميذكم، ويدعي أنّ الاتصال بكم أمر صعب، وأنكم محاطون بالمخابرات ... -يعني- وغير ذلك، والإخوة ههنا، الإخوة المقاتلين يعتقدون أن الاتصال بكم بين الاستحالة والصعوبة، بناءً علىكلام هذا الإنسان، هل هذا صحيح؟
الشيخ: غير صحيح، أبداً كل الناس يأتون ويتصلون بنا، ونحن نمشي ... -والحمد لله- من المسجد إلى البيت، في خلال عشر دقائق في الطريق، وكل يأتي ... ويمشي، والدروس -والحمد لله- مستمرة، ونقول ما شئنا مما نعتقده أنه الحق.
السائل: هذا أبو حنيفة هل تعرفونه، أبو حنيفة الأريتيري هذا؟
الشيخ: والله! أنا لا أعرفه الآن، لكن ربما لو رأيته لعرفته، لكن كلامه الذي قاله كذب، لا أساس له من الصحة ...
وبعد حوار بينهم وبين الشيخ حول الذين قتلوا، وحول تأجيل هذه المكالمة.
قال الشيخ: والله! لو أجَّلتمونا إلى ما بعد رمضان إذا أمكن؟
السائل: يا شيخ! مستحيل؛ القضية جِدُّ شائكة كما ترى، وقضية دماء، وقضية أمة يا شيخ!
الشيخ: إذاً غداً ...
ثم تقدم سائل آخر فقال: يا شيخ! لو تعطينا الآن خمس دقائق لسؤال أخير؟
الشيخ: طيب!
السائل: إخواننا من الجماعة السلفية للدعوة والقتال يحبونكم، وينظرون إليكم على أنكم من علمائنا الذين يجب أن نسير وراءكم، لكن ...
стр. 102
الشيخ: جزاهم الله خيراً.
السائل: لكن هناك أسئلة تدور في رؤوسهم، من بين هذه الأسئلة يقولون: أننا إذا نقلنا إلى الشيخ عن طريق أشرطة مصورة -يعني- وبينا له فيها قتالنا أننا لا نقتل الصبيان، ولا نقتل الشيوخ، ولا نفجر المدن، بل نقتل من يقاتلنا من هؤلاء الذين لا يحكمون كتاب الله فينا، فإن الشيخ ... -يعني- بعد أن يعرف بأن عقيدتنا سليمة، وأن منهجنا سليماً، وأن قتالنا سليم، فإن فتواه ستتغير، ما قولكم في هذا بارك الله فيكم وجزاكم الله خيراً؟
الشيخ: لا! قولي: إن الفتوى لا تتغير-مهما كانت نية المقاتل- فإنها لا تتغير؛ لأنه يترتب على هذا أمور عظيمة، قتل نفوس بريئة، استحلال أموال، فوضى!
السائل: شيخنا! حفظك الله، إذا كان في صعودنا إلى الجبال اعتمدنا علىفتاوى، وإن كانت كما قال الأخ -يعني- ظهر خطؤها، ولو كانت من عند أهل العلم، وبعض فتاوى بعض الدعاة ظنًّا منا أن ذلك حجة في القتال، فصعدنا إلى الجبال وقاتلنا سنين، يعني فما دور المجتمع الآن في معاملتنا؟ هل يعاملنا كمجرمين، أم أننا كمجاهدين أخطأنا في هذه الطريق؟
الشيخ: أنت تعرف أن جميع المجتمعات لا تتفق على رأي واحد، فيكون الناس نحوكم على ثلاثة أقسام:
- قسم يكره هؤلاء ويقول: إنهم جلبوا الدمار وأزهقوا الأرواح وأتلفوا الأموال، ولن يرضى إلا بعد مدة طويلة.
- وقسم آخر راضٍ يشجع، وربما يلومهم إذا وضعوا السلاح!
- القسم الثالث: ساكت، يقول: هؤلاء تأولوا وأخطأوا، وإذا رجعوا فالرجوع إلى الحق فضيلة.
السائل: شيخنا! حفظك الله، نريد كلمة توجيهية إلى الطرفين، أقصد
стр. 103
إلى الإخوة الذين سينزلون إلى الحياة المدنية وإلى المجتمع؛ يعني: كيف نتعامل الآن؟ وأن ينسوا الأحقاد، نريد نصيحة في هذا الباب حفظكم الله؟
الشيخ: بارك الله فيكم، أقول: إنّ الواجب أن يكون المؤمنون إخوة، وأنه إذا زالت أسباب الخلاف وأسباب العداوة والبغضاء فلنترك الكراهية، ولنرجع إلى ما يجب أن نكون عليه من المحبة والائتلاف، كما قال الله : ﴿إنّما المُؤمنون إخوةٌ فَأَصلِحوا بين أَخَوَيْكم واتّقوا الله﴾ [الحجرات: ١٠] .
نسأل الله التوفيق والسداد، وهل أنتم على عزم أن تتصلوا غداً أم لا؟ أما الآن فنقطع، وما يمكن أن نزيد ...
وعند الموعد قال السائل: المهم -يعني- أن أركز على أهم ما يمكن أن يؤثِّر على الإخوة عندنا -يعني- المقاتلين حتى يرجعوا إلى الحق.
الشيخ: طيب! توكل على الله.
السائل: إن شاء الله، أهم قضية -يا شيخ- ادعاؤهم أنك لا تعلمون واقعنا في الجزائر، وأن العلماء لا يعرفون الواقع في الجزائر، وأنكم لو عرفتم أننا (سلفيين) ! أن هذا سيغير فتواكم، فهل هذا صحيح؟
الشيخ: هذا غير صحيح، وقد أجبنا عنه بالأمس، وقلنا مهما كانت المبالغات فإراقة الدماء صعب، فالواجب الكف الآن والدخول في السلم.
السائل: شيخنا! ما رأيكم فيمن يعتقد أن الرجوع إلى الحياة المدنية يعتبر ردة؟
الشيخ: رأينا أن من قال هذا فقد جاء في الحديث الصحيح أن من كفّر مسلماً أو دعا رجلاً بالكفر وليس كذلك عاد إليه (١) .
стр. 104
السائل: شيخنا! ما رأيكم في قولهم أنه لا هدنة ولا صلح ولا حوار مع المرتدين؟
الشيخ: رأينا أن هؤلاء ليسوا بمرتدين، ولا يجوز أن نقول إنهم مرتدون حتى يثبت ذلك شرعاً.
السائل: بناءً على ماذا شيخنا؟
الشيخ: بناء على أنهم يصلون ويصومون ويحجون ويعتمرون ويشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.
السائل: نعم! نعم يا شيخنا!
الشيخ: فكيف نقول إنهم كفار على هذه الحال؟! إن النبي ﷺ قال لأسامة بن زيد لما قتل الرجل الذي ... بالسيف، فشهد أن لا إله إلا الله، أنكر الرسول ﷺ على أسامة، مع أن الرجل قال ذلك تعوذاً كما ظنه أسامة، والقصة مشهورة (١) .
السائل: شيخنا! سؤال عقائدي -يعني- قضية الفرق بين الكفر العملي والكفر الاعتقادي في مسألة الحكم بغير ما أنزل الله؟
الشيخ: يعني مثلاً من ترك الصلاة فهو كافر، من سجد لصنم فهو كافر، من قال إن مع الله خالقاً فهو كافر، وهذا كفر عملي، وأما الكفر الاعتقادي ففي القلب.
السائل: شيخنا! الكفر العملي هل يخرج من الملة؟
الشيخ: بعضه مخرج وبعضه غير مخرج، كقتال المؤمن، فقد قال النبي ﵌: «فقتاله كفر» (٢) ، ومع ذلك لا يخرج من الملة من قاتل أخاه المؤمن بدليل آية الحجرات: ﴿وإنْ طائفتان من المؤمنين اقتتلوا
стр. 105
فأصلحوا بينهما﴾ ، قال: ﴿إنّما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم﴾ [الحجرات: ٩-١٠] .
السائل: متى يصبح الكفر العملي كفراً اعتقاديّاً شيخنا؟
الشيخ: إذا سجد لصنم، فهو كافر كفراً مخرجاً عن الملة، إلا أن يكون مكرهاً.
السائل: وفي قضية الحكم بغير ما أنزل الله؟
الشيخ: هذا باب واسع، هذا باب واسع، قد يحكم بغير ما أنزل الله عدواناً وظلماً، مع اعترافه بأن حكم الله هو الحق، فهذا لا يكفر كفراً مخرجاً عن الملة، وقد يحكم بغير ما أنزل الله تشهياً ومحاباة لنفسه، أو لقريبه، لا لقصد ظلم المحكوم عليه ... ولا لكراهة حكم الله، فهذا لا يخرج عن الملة، إنما هو فاسق، وقد يحكم بغير ما أنزل الله كارهاً لحكم الله، فهذا كافرٌ كفراً مخرجاً عن الملة، وقد يحكم بغير ما أنزل الله طالباً موافقة حكم الله، لكنه أخطأ في فهمه، فهذا لا يكفر، بل ولا يأثم؛ لقول النبي ﷺ : «إذا حكم الحاكم فاجتهد فأخطأ فله أجر واحد، وإن أصاب فله أجران» (١) .
السائل: شيخنا! مثلاً عندنا للأسف الشديد مسجد حُوِّل إلى ثكنة عسكرية، تشرب فيها الخمور، وتسمع فيها الموسيقى، وتعطل فيها الصلاة، ويسب فيها الله ورسوله -يعني- هذا ما حكمه؟
الشيخ: هذا فسوق، فلا يحل تحويل المسجد إلى ثكنة عسكرية،؛ لأنه تحويل للوقف عن جهته وتعطيل للصلاة فيه.
السائل: شيخنا! كلامكم واضح والحمد لله، وبهذه الصيغة يزيح -إن شاء الله- الشبه التي تحول دون أن يعمل الحق عمله -إن شاء الله-.
стр. 106
الشيخ: نسأل الله أن يهديهم، وأن يرزقهم البصيرة في دينه، ويحقن دماء المسلمين.
السائل: هلا شرحتم لنا قوله ﷺ : «من رأى منكم منكراً فليغيره بيده ... » (١) الحديث؟
الشيخ: لا يتسع المجال؛ لأنه ما بقي إلا دقيقة واحدة.
السائل: أعطِنا تاريخ المكالمة واسمك.
الشيخ: هذه المكالمة يوم الجمعة في شهر رمضان، أجراها مع إخوانه محمد بن صالح العثيمين من عنيزة بالمملكة العربية السعودية ١٤٢٠هـ، نسأل الله أن ينفع بهذا (٢) .
يظهر لنا من هذه المكالمة، أن اتجاهاً خارجيّاً عشعش في قلوب وعقول صغار الطلبة، وتعجلوا البلاء، فَجَرَتْ على أيديهم أحداث فيها فتن، أريقت بسببها دماء، وهتكت أعراض، ولا حول ولا قوة إلا بالله -تعالى-.
وهذا كلُّه، من مهيِّجات الفتن العراقية المنشأ، الخارجية المذهب، التي ثارت من تحت قدمي ذاك الرجل الذي أخبر النبي ﷺ أنه لو قُتل ما كانت (٣) فتنة، ولكن ليقضي الله أمراً كان مفعولاً.
فصل
التباس (الثورة) بمفهوم الجهاد
المتمعِّن في (فتنتي حماة والجزائر) يجد أنهما اتخذتا مظهر (الثورة) ،
стр. 107
وأُلبستا لباس (الجهاد) الشرعي، ونزِّلت عليهما أحكامُه!
ولهذا؛ (الثورات) أسباب نفسية، وقد تكون من (قناعات) عقدية، و (تصورات) منهجية، ومواقف عملية، فهي تدور على تكفير (السلطة) الحاكمة، بجميع فِآتِها، اعتماداً على ظاهر بعض النصوص، وأخذها أخذاً أوّليّاً، دون مراعاة لقواعد الاستنباط السلفية، كما حصل تماماً مع التابعي يزيد ابن صهيب أبو عثمان الكوفي (١) ، المعروف بـ (الفقير) ، فإنه قال فيما أخرج مسلم في «صحيحه» (رقم ١٩١) بعد (٣٢٠) بسنده إليه:
كنتُ قد شغَفَني رأيٌ من رأي الخوارج، فخرجنا في عصابة ذوي عدد نريد الحج، ثم نخرج على الناس (أي: بالثورة المسلحة) ، قال: فمررنا على المدينة، فإذا جابر بن عبد الله يحدث القوم -جالس إلى سارية- عن رسول الله ﷺ . قال: فإذا هو قد ذكر الجهنَّميِّين (٢) . قال: فقلت له: يا صاحب رسول الله! ما هذا الذي تحدثون؟ والله يقول: ﴿إنك من تدخل النار فقد أخزيته﴾ [آل عمران: ١٩٢] ، و ﴿كلما أرادوا أن يخرجوا منها أُعيدوا فيها﴾ [السجدة: ٢٠] ، فما هذا الذي تقولون؟
احتج هذا التابعي بآيات على مشربه، لُقِّنَها على أنها تقرر معانيَ أُخِذَت بالاستقلال دون سائر النصوص، فنبّه الصحابي الجليل جابر على خطئه المنهجي هذا، فقال له:
стр. 108
«أتقرأ القرآن؟» قال يزيد: نعم. قال: فهل سمعت بمقام محمد ﵇-يعني: الذي يبعثه الله فيه-؟ قال يزيد: نعم. قال: فإنه مقام محمد ﷺ المحمود الذي يُخرِجُ الله به من يُخرج؟
ثم نعت (أي: جابر) وضع الصراط، ومر الناس عليه ... و «أن قوماً يخرجون من النار، بعد أن يكونوا فيها» .
قال يزيد على إثر هذا الحديث، وقد نفعه الله به، وفهم الآيات السابقة التي احتج بها على ضوئه، ومعه، دون منافرة بين النصوص، ولا تضارب ولا تعارض، قال: «فرجعنا -أي: إلى الكوفة-، قلنا: وَيْحكم! أترون الشيخ يكذب على رسول الله ﷺ ؟» . فنفعه الله باعتقاد صدق علماء الصحابة، وهذا أول شرط للانتفاع بالعلماء الربانيين عموماً، وفي وقت الفتن خصوصاً.
قال يزيد -كما في «صحيح مسلم» -أيضاً-: «فرجعنا، فلا والله ما خرج منا -أي: للثورة المسلحة- غيرُ رجل واحد» .
فالنفع لهؤلاء لا يكون إلا بمحاجة العلماء، وإزالة الشبه، ولا سبيل إلى إصلاحهم إلا بذلك، والعنف معهم يزيد من قوتهم وعنادهم، ويلهب نارهم، ويُبعدهم عن الجادة على وجه أظهر، وبمسافة أبعد.
ومع وجود الحماسات، والعواطف العاصفات، ودندنة الخطباء الحماسيين بضرورة إقامةِ (الجماعةِ المسلمةِ) ، مهمَّتَها التي وُجِدَت من أجلها، وهي حمل لواء الحق، ووجوب الجهاد ضد السلطات التي تمنع ذلك، وإيراد النصوص من الكتاب والسنة التي في ظاهرها تكفير هؤلاء، والاعتماد على فتاوى (المهابيل) وتقريرات أنصاف المتعلمين، وتوظيف نقولات الأقدمين من العلماء بغير إنصاف، وغالباً ما يكون ذلك بعد التورط في أعمال العنف أو التلبس بمقدماته؛ لتسويغ أحداث عنف، قد اندلعت على وجه عفوي، وأحياناً بطرق مجهولة، قد تكون من عمل جهات مغرضة، فتشعل نيران الحمية،
стр. 109
ويظهر الغضب العام، ويفلت الزمام من بين يدي العقلاء، فضلاً عن العلماء، ويفقد العقل دوره وسيطرته على مجريات الأحداث، ويتزحزح عن مكانه في هذه (الحضرة الجهادية الهستيرية) ، تاركاً مكانه للاندفاعات العاطفية، والحماسات الشبابية، وللرؤى والمنامات (١) والإلهامات، فيجتمع عرس الشيطان، بتزاوج هذه العناصر معاً، وإذا بالناس يصحون على هول الكارثة، ولا يفرقون بين الإسلام وما يمارس باسمه، فتتسع الفجوة، وتنوء النفوس عن حمل الأمانة، وتتراجع الدعوة إلى الإسلام الصحيح، كما عايشناه وعايناه، وملأ أسماعنا وأبصارنا، وإلى الله عاقبة الأمور.
ومن أهم المهمات، وأوجب الواجبات: تقعيد التفريق بين (الجهاد الشرعي) و (العمل الثوري) .
فقد «تداخلت في الآونة الأخيرة إلى درجة الالتباس، مفاهيم (الثورة) التي خلّفتها أحداث متنوعة، ورسختها في الأذهان فلسفات سياسية وإنسانية شتى، مع مبدأ (الجهاد الشرعي) وأحكامه، في أذهان كثير من الناس.
ولعل من أهم العوامل التي سببت هذا التداخل والمزج (٢) :
أولاً: وحدة الظروف التي تبعث على الرغبة في التغيير والإصلاح.
ثانياً: وحدة الحوافز النفسية -أيضاً-، وهي التي تنشأ عادة من تلك الظروف.
ثالثاً: عدم تحصيل العلم الشرعي، الذي يصقل صاحبه بشخصية متميزة، تنظر إلى الأمور نظرة واسعة، وتحسن تقدير مآلات الأفعال، والنتائج، والمصالح والمفاسد، من خلال سنة الله الكونية والشرعية، وتحقيق واجب
стр. 110
الوقت (١) .
رابعاً: الهالة اللامعة من الدعاية التي أحيطت بها كلمة (الثورة) في أذهان كثير من الناس، في أعقاب ثورات عالمية، تركت وراءها أصداء كبيرة في الأذهان وفي النفوس، وجرّت وراءها ذيولاً من النتائج الانقلابية على صعيد الأفكار الاجتماعية، والأنظمة الاقتصادية.
ومع عدم التأصيل العلمي، ووجود هذه الهالة اللامعة، وجدنا الشباب المتحمس -الذي لم يتحصّن بتقعيدات العلماء الربانيين ومواقفهم (٢) - أمام ما يشبه المفتاح السحري الذي لا يعجزه شيء عن فتح المغاليق المستعصية أمام طموحاتهم، ووفق تخيّلاتهم، لتحقيق تطلعاتهم في التغيير، وإعادة العز المنشود، والحلم المفقود.
خامساً: وزاد الطين بلة، أنّ هذا الطريق (طريق الثورات) أصبح مسلوكاً، ومارسته اتجاهات لها أصول متعددة باسم الإسلام، ووجدوا من يفتيهم بذلك لملابسات، وأسباب قد تظهر وقد تختفي!
وأن كثيراً ممن قوّم (هذه الثورات) علّق الجناية بسوء أصحابها، وعدم صدق نواياهم، وحرصهم على المناصب والمراتب والرواتب فحسب! دون أن يضع يده على المصاب الحقيقي، و (أصل الداء) !
فها هو -مثلاً- محمد سرور بن نايف زين العابدين يقول في تقويمه لما حصل في (فتنة حماة) :
«أتدرون كيف يربي بعضهم اليوم أصحابه؟! لقد وزعوا المناصب على أهل الحل والعقد فيهم: فهذا وزير الداخلية، وذاك للدفاع، والثالث للتربية والتعليم، والرابع للخارجية، والخامس لقيادة الجيش ... ما تركوا وظيفة كبيرة