← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 3346

العراق في أحاديث وآثار الفتن

مشهور آل سلمان

Полный текст (775 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

فالخلاصة: أنه ثقة ثبت وعُدَّ من أصحاب الزهري (١) . الخامسة -والأخيرة-: إن يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس لم يسمع من ابن عمر شيئاً، لذا لم يخرج له أصحاب الكتب الستة ولا غيرهم شيئاً عنه مباشرة، فلا ترجمة له في (مسند ابن عمر) في «تحفة الأشراف» ولا في «إتحاف المهرة» ، ولا رواية له عن ابن عمر في ترجمته من «تهذيب الكمال» (٣٢/٣٥٠-٣٥٣) ، وبينهما واسطة على الأقل، يعرف ذلك من خلال من روى عنهم، بل بين بعض شيوخه وابن عمر واسطتان. قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/٦٠) : «رواه الطبراني في «الكبير» و «الأوسط» من رواية يعقوب بن عبد الله بن عتبة بن الأخنس، عن ابن عمر ولم يسمع منه، ورجاله ثقات» . قلت: وهذا أدق من قول شهاب الدين المقدسي في «مثير الغرام» (ص ٩٨) : «رواه الطبراني عن ابن عمر، وإسناده قوي» ! نعم؛ روي مرفوعاً من وجه آخر، بلفظ فيه تبديل، ذُكر فيه ما لأهل مصر في الطريق السابق لأهل العراق في هذا الطريق، ولكن لا يفرح به! وهذا التفصيل: أخرج المشرف بن المرجى في «فضائل بيت المقدس» (ص ٤٣٤) ، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (١/٣١٨) من طريق خطاب بن أيوب: نا عباد ابن كثير، عن سعيد، عن قتادة، عن سالم، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الشيطان أتى العراق، فباض فيهم وفرّخ، ثم أتى مصر، فبسط عبقريَّه، ثم أتى الشام فطردوه» .

стр. 177

ولفظ ابن عساكر: «إنّ إبليس ... » مثله. (خطاب بن أيوب) ، اختلف في اسمه على وجوه وألوان، نقله ابن رجب في «فضائل الشام» (ص ٥٩) : «خطاب بن يوسف» ، ووقع في مطبوع «تاريخ ابن عساكر» و «اللآلئ» (٢/٤٦٦) : «خطاب بن أيوب» ، ووقع في مطبوع «فضائل بيت المقدس» : «حطاب -بالحاء المهملة- ابن أيوب» ، وآفة الحديث شيخه (عباد بن كثير) ، قال البخاري في «الضعفاء الصغير» (رقم ٢٢٧) : «تركوه» ، وقال النسائي في «الضعفاء والمتروكين» (٤٠٨) : «متروك» ، وكان فيه بلاء وغفلة (١) . وسعيد هو الجُريري مختلط. فهذا إسناد ضعيف جدّاً. وروي من مرسل إياس بن معاوية، أخرجه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (١/٩٩) من طريق الحسين بن الطيب البلخي: ثنا عون بن موسى، عن إياس بن معاوية رفعه، بلفظ: «إن الله تكفّل لي بالشام وأهله، وإن إبليس أتى العراق فباض وفرّخ، ... » بنحوه. وهذا مع إرساله منقطع بين البلخي وعون بن موسى. هذه هي الطرق المرفوعة (٢) التي وقفت عليها للحديث، وهي ضعيفة لا

стр. 178

تنجبر بتعددها. وأصح ما وقفت عليه في هذا الباب: ما أخرجه الفسوي في «المعرفة والتاريخ» (٢/٣٠٥-٣٠٦) -ومن طريقه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (١/٣١٨) - من طريق عباس بن أبي شملة، عن موسى بن يعقوب، عن زيد بن أبي عتاب، عن أسيد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب (١) ، عن ابن عمر، قال: «نزل الشيطان بالمشرق، فقضى قضاءه، ثم خرج يريد الأرض المقدسة (الشام) ، فمنع، فخرج على بُساق حتى جاء المغرب، فباض بيضه، وبسط بها عبقريَّه» . قال ابن رجب: «وهذا الموقوف أشبه» (٢) .

стр. 179

قلت: إسناده لا بأس به، وفي بعض رواته كلام لا يضر -إن شاء الله-، وإنما أطلت النفس في تخريجه مرفوعاً -أيضاً-، لشيوعه وكثرة سؤال الناس عنه، ولا سيما هذه الأيام. وقد ظفرتُ به من كلام عمر ﵁، فلعل عبد الله أخذه عن أبيه، وهذا البيان: أخرج أبو بكر البيهقي في كتابه «دلائل النبوة» (٦/٤٨٦-٤٨٧) : أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو النصر، حدثنا عثمان بن سعيد الدارمي، حدثنا عبد الله بن صالح المصري، أن معاوية بن صالح حدثه عن شريح بن عبيد، عن أبي عَذَبَةَ، قال: جاء رجل إلى عمر بن الخطاب فأخبره أن أهل العراق قد حصبوا أميرهم، فخرج غضبان، فصلى لنا الصلاة، فسهى فيها حتى جعل الناس يقولون: سبحان الله! سبحان الله! فلما سلَّم أقبل على الناس، فقال: مَنْ هاهنا من أهل الشام؟ فقام رجل، ثم قام آخر، ثم قمت أنا ثالثاً أو رابعاً، فقال: يا أهل الشام! استعدوا لأهل العراق، فإن الشيطان قد باض فيهم وفرّخ، اللهم إنهم قد لبسوا عليّ فالبس عليهم وعجل عليهم بالغلام الثقفي، يحكم فيهم بحكم الجاهلية، لا يَقبَلُ من محسنهم ولا يتجاوز عن مسيئهم. قال عبد الله بن صالح: وحدثني ابن لهيعة بمثله، قال: وما ولد الحجاج يومئذٍ. وكذا رواه يعقوب بن سفيان في «المعرفة والتاريخ» (٢/٥٢٩) عن عبد الله بن صالح، عن معاوية بن صالح. ورواه عثمان الدارمي ويعقوب بن سفيان (٢/٧٥٥) -ومن طريقه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٦٧/٨١-٨٢) -، وابن سعد في «الطبقات الكبرى» (٧/٤٤٢) عن أبي اليمان، عن حريز بن عثمان، عن عبد الرحمن بن ميسرة ابن أزهر، عن أبي عذبة، قال: قدمت على عمر رابع أربعة ... ، وذكر الحديث.

стр. 180

قال عثمان: قال أبو اليمان: علم عمر أن الحجاج خارج لا محالة، فلما أغضبوه استعجل العقوبة التي لا بد لهم منها. وأخرجه ابن عساكر (٦٧/٨٢) من طريق شريح بن عبيد عن عمر بن سليم الحضرمي ... وذكر نحوه. قلت: وطريقه في علم هذا النقل عن النبي ﷺ في مسند أسماء بنت الصديق، أن رسول الله ﷺ قال: «إن في ثقيف كذاباً ومبيراً» ؛ فالكذاب: المختارُ بن أبي عبيد، والمبير هو الحجاج، كما فَسَّرتْ ذلك للحجاج حين قتل ولدها ﵁، وذلك ثابت في «صحيح مسلم» (٤/١٩٧١-١٩٧٢) . وقد كان الحجاج من الملوك الجبارين الذين طغوا في البلاد، وقتل الجمَّ الغفير من صدر هذه الأمة، ومع هذا فأمره إلى الله، فإنه لم يقترف بغير الظلم وسفك الدماء، ولا يلتفت إلى قول الرافضة فيه من تكفيره وتكفير مستتيبيه، بل هو من ملوك الإسلام، له ما لهم، وعليه ما عليهم. أفاده ابن كثير في «مسند الفاروق» (٢/٦٦٣-٦٦٤) . وذكر البلاذري في «أنساب الأشراف» (١٠/٣٨٧ - جمل منه) ضمن خبر طويل، فيه وصية عمر للمغيرة بن شعبة، وقوله له: «إني أريد أن أبعثك إلى بلد قد عشش فيه الشيطان» ؛ يريد: العراق. وأسنده من طريق ضعيف، ومنقطع. وجاء نحوه ضمن أثر طويل عن كعب قوله في محاورة له مع عمر ... ﵁. أخرج ابن عساكر (١/١٥٩) بسنده إلى أبي إدريس، قال: قدم علينا عمر بن الخطاب الشام، فقال: إني أريد أن آتي العراق، فقال له كعب الأحبار: أُعيذك بالله يا أمير المؤمنين من ذلك. قال: وما تكره من

стр. 181

ذلك؟ قال: بها تسعة أعشار الشر، وكل داء عضال، وعصاة الجن، وهاروت وماروت، وبها باض إبليس وفرَّخ (١) . ورواه مالك في «الموطأ» (٦٠٤ - رواية يحيى، و٢/١٥٤ رقم ٢٠٥٥- رواية أبي مصعب الزهري) بلاغاً، قال: بلغه أن عمر بن الخطاب أراد الخروج إلى العراق، فقال له كعب الأحبار: لا تخرج إليها يا أمير المؤمنين، فإنّ بها تسعة أعشار السحر، وبها فسقة الجن، وبها الداء العضال. زاد أبو مصعب: «والعضال؛ يعني: الأهواء» . وقال ابن عبد البر: «سئل مالك عن الداء العضال، فقال: الهلاك في الدين» ، وقال: «وأما السحر؛ فمنسوب إلى أرض بابل، وهي من العراق، وتنسب ... -أيضاً- إلى مصر. وأما فسقة الجن؛ فهذا لا يعرف إلا بتوقيف ممن يجب التسليم له، وذلك معدوم في هذه القصة. ولأهل الكوفة والبصرة روايات؛ رواها علماؤهم في فضائلها. ذكر أبو بكر بن أبي شيبة كثيراً منها. ولم تُختطّ الكوفة ولا البصرة إلا برأي عمر ﵁، ونزلها جماعة من كبار الصحابة، وكان بها العلماء والعباد والفضلاء، وأهل الأدب،

стр. 182

والفقهاء، وأهل العلم، وهذا أشهر وأغرب من أن يحتاج إلى استشهاد؛ لأنه علم ظاهر، وعلم فسقة الجن علم باطن، وكل آية تعرف لناحيتها فضلاً تنشره إذا سئلَتْ عنه، وتطلب العيب لمن عابها، ومن طلب عيباً وجده، والفاضل حيث كان فهو فاضل، والمفضول الساقط حيث كان من البلدان، لا تصلحه بلدة؛ لأنّ الأرض لا تقدس صاحبها، وإنما يقدس المرء عمله (١) ، وإن من مدح بلدة وذم أخرى يحتاج إلى توقيف ممن يجب التسليم له على أنه لا مدح ولا ذم لبلدة إلا على الأغلب من أحوال أهلها، وأما على العموم فلا. وقد عم البلاء والفتن اليوم في كل جهة من جهات الدنيا» (٢) . قال أبو عبيدة: هذا كلامه -رحمه الله تعالى- في عصره وأوانه، فكيف لو رأى ما رأينا، وبلغه ما بلغنا، فإلى الله المشتكى، ولا حول ولا قوة إلا بالله من غربة الإسلام وأهله. وقد يكون التحذير حاصلاً لأمارات واقعة من غير مدافعة في بعض الأحداث (٣) ، أو في حق بعض الأشخاص، فها هو عبد الله بن سلام جلس على طريق علي ﵁ حين أتاه، فقال له: أين تريد؟ قال: العراق. قال: «لا تأت العراق، وعليك بمنبر رسول الله ﷺ فالزمه، ولا أدري هل ينجيك، فوالله لئن تركته لا تراه أبداً» . أخرجه إسحاق بن راهويه -كما في «المطالب العالية» (١٨/٥٧-٥٨ رقم ٤٣٧٦ - العاصمة) -، وأبو العرب في «الفتن» (ص ٨٢) ، ونعيم بن حماد في «الفتن» (١/١٥٣ رقم ٣٩٠) ، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (ص

стр. 183

٣٥٤، ٣٥٦ - ترجمة عثمان) بإسناد صحيح. وقال البوصيري في «إتحاف المهرة» (١٠/١١٨-١١٩ رقم ٩٦٩٦) ... -وعزاه لإسحاق-: «ورواته ثقات» . ومما يتفطن له بهذا الصدد، ما سبق تخريجه مطولاً -وهو في «الصحيحين» وغيرهما- من قوله ﷺ : «ألا إن الفتنة ها هنا من حيث يطلع قرن الشيطان» و «المراد بذلك: اختصاص المشرق بمزيد من تسلط الشيطان، ومن الكفر» (١) ، وضرب المثل بقرني الشيطان فيما لا يحمد من الأمور. «والحاصل: أن المشرق اختص بمزيد من تسلط الشيطان عليه، وأنه رأس الكفر ومنبع الفساد، وبؤر الإلحاد والعناد، فجهته ممقوتة غير محمودة، فلذلك ضرب النبي ﷺ به المثل بقرني الشيطان، كما يفهم من كلام الخطابي ﵀ المتقدم، وقد تسلط الشيطان وأعوانه على تلك الديار أيما تسلط، ومن تسلطه عليه نتج الفساد العريض، والفتن العاصفة المهلكة، عبر الأزمان الغابرة والمعاصرة، والتي تقدم ذكر جملة منها؛ كقتل عثمان بن عفان والحسين بن علي ﵃ أجمعين-، وموقعة الجمل وصفين، وظهور الفرق المارقة، وحركة القرامطة، وغزو التتار، والحرب بين العراق وإيران، ثم بين العراق والكويت، فنعوذ بالله من تسلط الشيطان وأعوانه علينا وعلى المسلمين، والله أعلم» (٢) .

стр. 184

فصل في تخريج حديث: «منعت العراق ... » عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنعتِ العراقُ درهمها وقَفيزَها، ومَنعتِ الشّامُ مُدْيَها ودينارها، ومنعت مصرُ إردبَّها ودينارها، وعدتم من حيث بدأتم، وعدتم من حيث بدأتم، وعدتم من حيث بدأتم» . شهد على ذلك لحمُ أبي هريرة ودمُه. * تخريجه: أخرجه مسلم في «صحيحه» (٢٨٩٦) بعد (٣٣) -ومن طريقه أبو عمرو الداني في «الفتن» (رقم ٦٠٢) - من طريق يحيى بن آدم -وهو في «الخراج» (ص ٦٧-٦٨/رقم ٢٢٧) له- عن زهير، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة. واللفظ السابق له. وأخرجه البيهقي في «الخلافيات» (٢/ق١٣١/ب) من طريق الحسين ابن علي بن عفّان، نا يحيى بن آدم، به. وأخرجه أبو داود في «سننه» (٣٠٣٥) من طريق أحمد بن يونس عن زهير بن معاوية، به. ولم يعزه في «تحفة الأشراف» (٩/٤٠٣ رقم ١٢٦٥٢) من هذا الطريق إلا لمسلم وأبي داود، ووقع الحديث معزوّاً في «أحكام أهل الذمة» (١/٢٦٦ - ط. رمادي) للشيخين! وهو ليس عند البخاريّ بهذا اللفظ، وفيه ما يدلُّ عليه،

стр. 185

كما سيأتي قريباً، فقول المعلقين عليه: «بل هو في «صحيح مسلم» ، ولم يخرجه البخاري، كما ذكر ابن القيم ﵀» ؛ فيه نظر! مع أنّ أخانا الشيخ عبد الله العبيلان -حفظه الله- ذكره في كتابه «إرشاد القاري إلى أفراد مسلم عن البخاري» (١) (٢/٢١٢ رقم ١٠٩٣) . قلت: وأخرجه أحمد (٢/٢٦٢) ، وأبو عبيد في «الأموال» (ص ٩١/ رقم ١٨٢) ، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (٢/١٢٠) و «أحكام القرآن» (٢/٢٨) ، وابن المنذر في «الأوسط» (١١/٤٥ رقم ٦٤٣٣) ، وأبو القاسم البغوي في «الجعديات» (رقم ٢٧٦٧ - ط. الفلاح، أو ٢٦٧٣ - ط. مؤسسة نادر، أو ٢٦٨٤ - ط. الخانجي) ، وابن زنجويه في «الأموال» (١/٢١٧ رقم ٢٧٤) ، وابن عبد البر في «التمهيد» (٩/٤٥٧) ، وابن عدي في «الكامل» (٣/١٢٨٦ - ط. دار الفكر، أو ٤/٥٢٣ - ط. دار الكتب العلمية) ، والبيهقي في «دلائل النبوة» (٦/٣٢٩) و «السنن الكبرى» (٩/١٣٧) ، وأبو محمد البغوي في «شرح السنة» (٢٧٥٤) ، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٢/٢١٠ - ط. دار الفكر) من طرق عن زهير، به. وعزاه ابن حجر في «إتحاف المهرة بالفوائد المبتكرة» (١٤/٥٤٩ رقم ١٨١٩٥) إلى أبي عوانة في «مسنده» (كتاب الفتن) من طرق عن زهير، به. وهو في (القسم المفقود) منه. وأعاده (١٤/٥٨٥ رقم ١٨٢٧٣) معزوّاً لابن الجارود. وهو في «المنتقى» له (ص ٣٧٣-٣٧٤/رقم ١١٠٨) من طريق زهير -أيضاً-.

стр. 186

فالحديث إسناده صحيح، وهو غريب من هذا الطريق، مداره على زهير ابن معاوية، به. قال الطحاوي في «أحكام القرآن» (٢/٢٩) : «لم يروه غير زهير» . وتوبع زهير (١) ، ولم أجد له متابعاً إلا (عياش بن عباس القتباني) وآخران، قال ابن عدي في «الكامل» (٣/١٢٨٦ - ط. دار الفكر، أو ٤/٥٢٣ - ط. دار الكتب العلمية) بعد أن أخرجه من طريق زهير: «وهذا الحديث لا يعرف إلا بسهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة. ولا أعلم رواه عن سهيل إلا رجلين: * زهير بن معاوية؛ هذا الذي ذكرتُه. * وعياش بن عباس القتباني» (٢) . وأسنده من طريق عياش، فقال: «حدثناه الحسين بن محمد المديني، ثنا يحيى بن بكير، عن ابن لهيعة، عن عياش بن عباس؛ هكذا، ولم يسق لفظه. ثم ظفرتُ بلفظه من طريق عياش -وهو ثقة-. أخرجه ابن عدي في «الكامل» -أيضاً- (٤/١٤٦٨ - ط. دار الفكر، أو ٥/٢٤٨ - ط. دار الكتب العلمية) ، قال: أخبرنا الحسن بن محمد المدني (٣) ، ثنا يحيى بن عبد الله بن بكير، ثنا ابن لهيعة، عن عياش بن عباس (٤) ، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي

стр. 187

هريرة، عن رسول الله ﷺ ، قال: «لا تقوم الساعة حتى يُغلبَ أهلُ المدّ (١) على مُدِّهم (٢) ، وأَهلُ القفيزِ على قفيزهم، وأهلُ الإردَبّ على إردبِّهم، وأهلُ الدينارِ على دينارهم، وأهل الدّرهم على درهمهم، ويرجع الناس إلى بلادهم» . وقال على إثره كما تقدم عنه، ونصّ كلامه: «ولا أعلم يرويه عن سهيل غيرُ عياشٍ وزهيرِ بن معاوية، وحدث به عن عياش: ابنُ لهيعة، ورواه -أيضاً- زهير بن معاوية عن سهيلِ بن أبي صالح كذلك» . قلت: نعم؛ المعنى مؤتلف، والألفاظ مختلفة، وسبق لفظ زهير. أما بالنسبة إلى رواية ابن لهيعة؛ فقد رواها غير ابن بكير! أخرجه ابن زنجويه في «الأموال» (١/٢١٧-٢١٨ رقم ٢٧٥) -ومن طريقه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٢/٢١١-٢١٢) -: أنا أبو الأسود، أنا ابن لهيعة، به. وأخرجه الطبرانيُّ في «المعجم الأوسط» (٨/٣٨٣ رقم ٨٩٤٤ - ... ط. الحرمين، أو ٩/٤٣٦-٤٣٧ رقم ٨٩٣٩ - ط. الطحان) : حدثنا مقدام، ثنا أبو الأسود، به. وقال: «لم يرو هذا الحديث عن عياش بن عباس إلا ابنُ لهيعةَ، تفرد به أبو الأسود» . وأبو الأسود هو النضر بن عبد الجبار المصري، مشهور بكنيته، وهو ثقة، ولم ينفرد به، وإنما تابعه عليه -كما رأيت- يحيى بن عبد الله بن بكير. ووجدته في «الخلافيات» (٢/ق١٣١/ب) من طريق الحسين بن بكر:

стр. 188

نا أبو النضر، نا ابن خيثمة، نا سهيل، به. كذا في مخطوطه، وصوابه: «أبو الأسود النضر، نا ابن لهيعة» بالإسناد السابق؛ ففيه تحريف وسقط، والله أعلم. وخالفَ أبا الأسود وابنَ بكير: (عبدُالله بن وهب) . أخرجه ابن قتيبة -ومن طريقه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٢/٢١١) -، قال: نا حرملة، نا ابن وهب، أنا ابن لهيعة، عن عبد الله الفهري، عن سهيل، به مثله. إلا أنه قال: «لا تقوم الساعةُ حتى يُغلَبَ أهلُ القفيز على قفيزهم» . هكذا بدأه بالقفيز، وبعده المد، بتقديم وتأخير، وفيه: «وأهل الدراهم» على الجمع، وسائره مثله. ومشّى العلماءُ (١) رواية ابن وهب عن ابن لهيعة؛ لأنه روى عنه قبل اختلاطه، هذا الذي درج عليه أهل الصنعة الحديثية. وأما عبد الله الفهري؛ فهو غير مذكور في الرواة عن (سهيل) ، ولا فيمن روى عنهم (ابن لهيعة) في «تهذيب الكمال» ، وهذا مُشعِرٌ -في الغالب-؛ إما بتحريف في اسمه، أو في عدم صلة متميزة له بالتتلمذ على الأول، والأخذ عن الثاني؛ إذ لو كان لوقع في الكتب الستة، وهي -بالجملة- أنظف الكتب إسناداً، وأقلها -عَدَا أشياء محدودة- دخلاً. بقي النظر في «إكمال تهذيب الكمال» لمغلطاي في ترجمة (سهيل) و (ابن لهيعة) ، فالترجمتان في القسم المطبوع منه -ولله الحمد-، ولكن؛ لم يزِدْ شيئاً عما أورده المزي في (الشيوخ) و (التلاميذ) في الترجمتين، فلم ينفعْنا

стр. 189

ذلك في تحديد (عبد الله الفهري) . ثم نظرتُ في «الجامع» (١) لابن وهب، فلم أظفر بالحديث فيه، ولا يوجد في سلسلة رواته ما يسعِفُ على تعيينه. ثم نظرتُ في النسخة الخطية من «تاريخ دمشق» (١/ق٢٨٨ - الظاهرية) ، ففيه -كما في المطبوع- بالسند إلى (ابن لهيعة عن عبد الله الفهري ابن (كذا في المخطوط) سهيل ... ) ، وقال عقبه: «خالفه أبو الأسود النضر بن عبد الجبار المصري عن ابن لهيعة، فقال: عن (عياش بن عباس) ، بدل: (عبد الله الفهري) » انتهى. إذن؛ (عبد الله الفهري) من تخاليط الرواة (٢) ، فالبحث عنه عبثٌ، وجُهدٌ ضائعٌ، والطريق المحفوظة هي الطريق السابقة؛ فقد جوده ابن بكير وأبو الأسود عن ابن لهيعة، وإسنادها يُحتجُّ به في الشواهد، كما في روايتنا هذه. ولم يعزه السيوطي في «الجامع الكبير» (١٤/٢٥٠ رقم ٣٨٦٠٥ - ترتيبه «الكنز» ) إلا لابن عساكر!

стр. 190

وقال ابن بدران في «تهذيب تاريخ دمشق» (١/١٨٧) : «لم أجد من خرجه في كتب الحديث المعتبرة إلا ابن عساكر، وقد كشفت عنه في «الجامع الكبير» للسيوطي، فرأيته لم يخرجه إلا عن ابن عساكر، وهو حديث ضعيف الإسناد» . فصل في ألفاظ الحديث أعتني هنا بألفاظ هذا الحديث من طريق زهير بن معاوية، وأما الطرق الأخرى؛ فستأتي في مبحثٍ خاصٍّ -إن شاء الله تعالى-، فأقول: تكاد تطبق دواوين السنة التي خرجت هذا الحديث على اللفظ الذي سقْتُه؛ وهو لفظ مسلم. إلا أنّ ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٢/٢١٠) أورده من ثلاثة طرق عن أبي القاسم البغوي، وفيه: «مدُّها» (١) -وهو المثبت في طبعتَيْ «مسند علي ابن الجعد» - وقال: «الصواب: مدْيها، قال القشيري -وهو: شيخه أبو المظفر-: لفظهما سواء» . وعند ابن عدي: «مدها» -أيضاً-، «ومنعت مصر إردبّها» ، دون: «ودينارها» ، وهو من طريق سعيد بن حفص النفيلي عن زهير. وفي مطبوع «مسند أحمد» : «مدها» -أيضاً-، وكذا في طبعة شاكر له (١٣/٢٩١ رقم ٧٥٥٥) ، ووقع على الصواب «مُدْيها» في (١٣/١٢ رقم

стр. 191

٧٥٦٥ - ط. مؤسسة الرسالة) ، وفرق كبير بين (المدي) و (المد) ، كما سيأتي قريباً تحت بيان الغريب. ووقع الحديث عند ابن عبد البر في «التمهيد» (١٥/١٤١) هكذا: «منعت العراق دينارها ودرهمها، ومنعت الشام إردبها ومديها وقفيزها» ! وهو ليس بمحفوظ بهذا اللفظ! نعم؛ في رواية ابن داسة لـ «سنن أبي داود» (٣/٤٨٧ - ط. عوامة) عن مصر: «إرْدَبها [وتِبْرها] ودينارها» ، بزيادة: «وتبرها» . وانظرها: (١/٢٥) . وأورده أبو عبيد في «الأموال» (ص ٩٣) هكذا: «وضعت العراق درهمها وقفيزها» !! وأورده الأزهري في «تهذيب اللغة» (١٤/١٠٤) هكذا: «مَنَعت العراق درهمها وقفيزها، ومَنَعت مصر إرْدَبّها، وعدتم من حيث بَدَأْتم» . ووقع في مطبوع «الجوهر النقي» لابن التركماني (٥/٢٨-٢٩) : «منعت العراق درهمها ودرهمها» ! وهذا خطأ. ووقع في «طلبة الطلبة» (ص ٩٦) لأبي حفص النسفي هكذا: «مُنعتِ العراق قفيزها ودرهمها، ومُنِعتِ الشام مُديَها وإرْدبّها» ، وهذا اللفظ -أيضاً- غير محفوظ. فصل في غريبه قوله: «مَنَعَت» كذا بالماضي، والمراد به: المستقبل؛ بقرينة: «وعدتم من حيث بدأتم» ؛ فالمعنى: «ستمنع (١) ، وإنما أتى بصيغة الماضي للدلالة على

стр. 192

تحقق وقوعها» (١) . قال ابن الجوزي في «كشف المشكل من حديث الصحيحين» (٣/٥٦٦) : «المعنى: ستمنع، فلما كان إخباراً عن متحتّمِ الوقوع؛ حَسُن الإخبارُ عنه بلفظ الماضي؛ تحقيقاً لكونه، يدل عليه أنه في بعض الألفاظ: «كيف أنتم إذا لم تَجتَبوا ديناراً ولا درهماً» (٢) . وقال أبو العباس القرطبي في «المفهم» (٧/٢٢٩) : « «منعت» : كذا الرواية المشهورة بغير (إذا) ، فيكون ماضياً بمعنى الاستقبال؛ كما قال -تعالى-: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ (٣) [النحل: ١] ؛ أي: يأتي. وكقوله: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ﴾ [المائدة: ١١٦] ؛ يعني: إذ يقول. ومثله كثير. وقد رواه ابن ماهان: «إذا منعت» (٤) ، وهو أصل الكلام، غير أنه يحتاج

стр. 193

إلى (جواب إذا) . ويحتمل ذلك وجهين: أحدهما: أن يكون الجواب: (عدتم من حيث بدأتم) ، وتكون الواو زائدة، كما قال امرؤ القيس: فلما أجَزْنا ساحةَ الحيِّ وانتحى (١) أي: لما أجزنا انتحى، فزاد الواو. و [الثاني] : يحتمل أن يكون جواب (إذا) محذوفاً؛ تقديره: إذا كانت هذه الأمور؛ جاءت الساعة، أو ذهب الدين، ونحو ذلك، والله أعلم» . وقال ابن حجر في «الفتح» (٦/٢٨٠) : «وساق الحديث بلفظ الماضي، والمراد: ما يستقبل؛ مبالغة في الإشارة إلى تحقق وقوعه» ، وبحروفه في «عمدة القاري» (١٥/١٠٢) . وقال الحميدي (محمد بن أبي نصير) (ت ٤٨٨هـ) في «تفسير غريب ما في الصحيحين» (ص ٣٦٣) : « «وعُدتم كما بدأتم» هذا نص الحديث؛ كقوله -تعالى-: ﴿كما بَدَأَكُم تَعودُون﴾ [الأعراف: ٢٩] ، وفي هذا إخبار منه -عليه

стр. 194

السلام- بما لم يكن وهو في علم الله -سبحانه- أمر كائن، فخرج لفظه على لفظ الماضي تحقيقاً لكونه» ؛ «أي: ستُمنَعُ هذه البلادُ الحبَّ والمالَ بسببِ الفتنِ بين المسلمين» (١) . قلت: ومن المحتمل أن تكون: (مُنِعَت) -بضم الميم وكسر النون- على البناء للمجهول، ولم أرَ ذلك مصرّحاً في شيء من الروايات (٢) ، وإن كان التوجيه الراجح لمعنى الحديث يقتضيه ويلزمه، كما سيأتي. ووقع خلاف بين شراح الحديث في سبب المنع، يأتي الكلام عليه مفصلاً عند سردنا كلام الشراح عليه. قوله: «القفيز» : «بالقاف، فالفاء، فالياء، فالزاي؛ كأمير» (٣) : مكيال معروف لأهل العراق؛ هو: ثمانية مكاكيك. والمكوك: صاع ونصف، وهو نصف كيلجات (٤) . قال الأزهري في «تهذيب اللغة» (٨/٤٣٧) : «القفيز مكيال، وهو ...

стр. 195

-أيضاً- مقدار من مساحة الأرض» . قال العلامة ابن هشام الأنصاري النحْوِيّ في «المفصح المفهم والموضح الملهم لمعاني صحيح مسلم» (ص ٣٧٤ - ط. الفاروق) : «القفيز: مكيال أو مقدار مبلغه ثمانية مكاكيك، ويجمع على قُفْزان» انتهى. فصل تنبيهات مهمات قال أبو عبيدة: لا بد من التنبيه هنا على ثلاثة أمور: الأول: ليس المراد بـ (القفيز) هنا مقدار الكيل المذكور؛ إذ هو قليل لا يلتفت إليه بالنسبة إلى خيرات العراق؛ وإنما المراد به: (الجمع) . قال القرطبي في «تفسيره» (١٦/٣٥) : «الواحدُ قد يُرادُ به الجمع عند الإضافة» ، قال: «كما جاء في الحديث: «منَعت العراق درهمها وقفيزها» » . وهكذا يقال عن «درهمها» . الثاني: أثبتتِ الدراساتُ التي تُعنى بهذا النوع أنه بحجمين؛ فإما أن يكون ثمانية مكاكيك = ١٢ صاعاً، أو ستة عشر مكوكاً = ٢٤ صاعاً، وهو ما يعادل (٦٤) رطلاً، أو (١٢٨) رطلاً (١) .

стр. 196

وقد حقق بعضهم (١) في دراسة تاريخية مهمة، انتهى فيها إلى الترجيح بأنّ القفيزَ الذي وضعه عمر (٢) على السواد مع الدرهم عند فتحه هو القفيز الأصلي، الذي كان موضوعاً في عهد كسرى. قلت: ولا يبعد أن يكون (القفيز) هذا معمولاً به في زمنه ﷺ مع أهل الكتاب. قال ابن حزم في «الإحكام» (٢/٢٢٥ فقرة رقم ٨٦٠ - بتحقيقي) : «صح أن النبي ﷺ أمر بأخذ دينارٍ من كل محتلِمٍ منهم ومحتلِمَة» . قال يحيى بن آدم في كتابه «الخراج» (ص ٦٧-٦٨) بعد أن أورد حديثنا هذا: «يريد الحديث: أن رسول الله ﷺ ذكر القفيز والدرهم قبل أن يضعه عمر على الأرض» . ثم أسند حديث مسروق عن معاذ، وفيه ما يدل على صحة قوله -وهو المعني بكلام ابن حزم السابق-. قال أبو عبيدة: حديث معاذ هذا قد اختُلِفَ في إسناده؛ وروايةُ الجماعةِ عن الأعمش عن أبي وائل، عن مسروق، عن معاذ، قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن، فأمرني أن آخذ من البقر من كلِّ أربعين مُسِنّةً، ومن كل ثلاثين تبيعاً أو تبيعةً، ومن كل حالمٍ ديناراً أو عِدْلَه من المَعَافِر (٣) .

стр. 197

أخرجه من هذا الطريق: عبد الرزاق (٦٨٤١) ، وأحمد في «مسنده» (١/٣٨٢) ، والطيالسي (٥٦٧) ، والدارمي (١/٣٨٢) ، وأبو داود (١٥٧٨) في الزكاة (باب في زكاة السائمة) ، والترمذي (٦٢٢) في الزكاة (باب ما جاء في زكاة البقر) ، والنسائي في «المجتبى» (٥/٢٥-٢٦) و (٢٦) في الزكاة (باب زكاة البقر) وفي «الكبرى» (رقم ٢٢٣٠) ، ويحيى بن آدم في «الخراج» (رقم ٢٢٨، ٣٦٤) ، وابن الجارود (٣٤٣) ، وابن حبان (٤٨٨٦) ، والدارقطني (٢/١٠٢) ، والحاكم (١/٣٩٨) ، والبيهقي (٤/٩٨ و ٩/١٩٣) . قال الترمذي: «هذا حديث حسن، وروى بعضهم هذا الحديث عن سفيان، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن مسروق: أن النبي ﷺ بعث معاذاً إلى اليمن، فأمره أن يأخذ. وهذا أصح» . وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه. وصححه ابن عبد البر في «التمهيد» (٢/٢٧٥) ، وقال: «روي هذا الخبر عن معاذ بإسناد متصل صحيح ثابت» . وقال ابن القطان -كما في «نصب الراية» (٢/٣٤٧) -: «ولا أقول أن مسروقاً سمع من معاذ، إنما أقول: إنه يجب على أصولهم أن يحكم بحديثه عن معاذ ﵁ بحكم حديث المتعاصرين اللذين لم يعلم انتفاء اللقاء بينهما، فإن الحكم فيه أن يحكم له بالاتصال عند الجمهور، وشرط البخاري وابن المديني: أن يُعلَمَ اجتماعُهما ولو مرة واحدة، فهما إذا لم يعلما لقاء أحدهما للآخر، لا يقولان في حديث أحدهما عن الآخر: منقطع، إنما يقولان: لم يثبت سماعُ فلان من فلان، فإذن ليس في حديث المتعاصرين إلا رأيان؛ أحدهما: أنه محمول على الاتصال. والآخر: أن يقال: لم يعلم اتصال ما بينهما. فأما الثالث: وهو منقطع؛ فلا. أقول: معاذ ﵁ توفي بالشام سنة ١٨هـ.

стр. 198

ومسروق مات سنة ٦٣هـ، وله ثلاث وستون سنة، وأصله من اليمن، وفد على عمر في رواية في سندها مجالد بن سعيد، وهو ضعيف، وعاش بالكوفة، ومعاذ أرسله النبي ﷺ إلى اليمن، ومسروق كان صغيراً، وجاء في خلافة أبي بكر -كما في «الإصابة» -، وقد لحق بالشام في خلافة عمر بن الخطاب، ومات بالطاعون هناك، فإدراك مسروق له ولقاؤه به، وروايته عنه شبه مستحيلة؛ لأنه كان عمره حين وفاة معاذ (١٨) سنة، وقد عرفت حال كل منهما -فإثبات السماع بمجرد المعاصرة -كما فعل ابن القطان، وابن حزم في «الإحكام» (رقم ٨٨٧ - بتحقيقي) - لا يكفي هنا، والله أعلم. وقد رأيت -أيضاً- من قبل أن الترمذي قد رجّح الرواية المرسلة، ونقل الحافظ في «التلخيص» (٢/١٥٢) عن الدارقطني في «علله» أنه رجح الرواية المرسلة كذلك، لكن عبارة الدارقطني في «العلل» (٦/٦٩) : «والمحفوظ عن أبي وائل عن مسروق عن معاذ، وعن إبراهيم مرسلاً» . وعلى كل حال؛ سواء رجحنا الإرسال أو الوصل، فمسروق لم يسمع من معاذ كما ترجح لدينا، وبه قال ابن القيم في «الزاد» ، وابن التركماني في «الجوهر النقي» (٢/٢١٠) ، والله أعلم. قال أبو عبيدة: ثبت هذا الحديث أو لم يثبت؛ فقد صح ذلك عن عمر، بل كان القفيز معروفاً قبل الإسلام، وهو من أصل آراميّ (١) ، وقد شاع استخدامه في عصر الجاهلية عند العرب، حتى نجدَ زهيرَ بن أبي سلمى يقول (٢) :

стр. 199

فَتُغْلِلْ لكم ما لا تُغِلُّ لأهلها ... قُرىً بالعراقِ منْ قَفيزٍ ودِرْهمِ الثالث: للمعاصرين جهود في بيان مقدار (القفيز) بمكاييل اليوم، و (القفيز) المعنيّ هنا ما كان قبل القرن الرابع الهجري؛ وهو الكبير على ما قدمناه، وقدره غير واحد (١) بحوالى (٤٥) كغم (قمح) ، ويقدر بـ (٦٠) لتراً. ومن الجدير بالذكر عن هذا المكيال؛ ما يتعلق بقفيز (الحجاج) ، وتفيدنا المراجع (٢) أن قفيزه كان يساوي الصاع النبوي، وهو يساوي (٤١.٢١٢٥) لتراً. قوله: «مُدْيَها» : مكيال معروف لأهل الشام، مفرده (المُدْي) -بضم الميم، على وزن قُفْل-، قال العلماء: يسع خمسة عشر مكوكاً. كذا قال شارحو «صحيح مسلم» ؛ مثل: النووي في «منهاجه» (١٨/٢٨) ، والسيوطي في «ديباجه» (٦/٢٢٣) -وفيه: «المدي: بضم الميم، وسكون الدال» -، وصديق حسن خان في «السراج الوهاج» (١١/٣٦٧) ، ومثله عند بعض شارحي «سنن أبي داود» ؛ مثل: السهارنفوري في «بذل المجهود» (١٣/٣٧٤) ، والبُجُمْعَوي في «درجات مرقاة الصعود» (ص ١٢٨) ، وكذا في كتب الغريب. وقاله -أيضاً- ابن اللباد في «المجرد للغة الحديث» (ص ٣٤٨) وغيره.

стр. 200

وقال الخطابي في «معالم السنن» (٤/٢٤٨) : «المُدْي: مكيال أهل الشام، يقال: إنه يسع خمسة عشر أو أربعة عشر مكوكاً» . ونقله عنه صاحب «عون المعبود» (٨/٢٨٢) . وقال القاضي عياض في «مشارق الأنوار» (١/٣٧٦) : «والمُدْي: صاع لأهل الشام معروف، قيل هو تسعة -كذا- عشر مكوكاً، والمكوك صاع ونصف، والصاع: أربعة أمداد، والمد خمسة أرطال وثلث، وهذا خلاف الحساب الأول» . قلت: يريد بالأولِ مئةَ مدٍّ واثنان وتسعون مدّاً. قلت: وكذا في «مطالع الأنوار» لابن قُرْقول (ق ٣١٤ - نسخة المكتبة السعودية العامة) ، وفيه -أيضاً-: «تسعة -بتقديم التاء على السين- عشر مكوكاً» . وقال ابن الأثير في «النهاية» (٤/٣١٠) : «المُدْي: مكيال لأهل الشام، يسع خمسة عشر مكوكاً، والمكوك: صاع ونصف، وقيل: أكثر من ذلك» . وكذا في «المُعْرب» دون: «وقيل: ... » . وقال ابن الجوزي في «كشف المشكل من حديث الصحيحين» (٣/٥٦٧) : «والمُدْي: مكيال لأهل الشام، يقال: إنه يسع خمسة عشر مكوكاً» . وفي «المصباح المنير» (ص ٧٧٨) : «والمُدْي: وزن قُفْل: مكيال يسع تسعة عشر صاعاً، وهو غير المد، والمَدَى بفتحتين» . وفي «القاموس المحيط» (١٧١٩) : «المُدي -بالضم-: مكيال للشام ومصر، وهو غير المُدِّ (١) ، وجمعه أمداء» . ولم يذكر مقداره.

стр. 201

وفي «لسان العرب» (١٥/٢٧٤) : «المُدْي: من المكاييل المعروفة، قال ابن الأعرابي: هو مكيال ضخم لأهل الشام وأهل مصر» . وفي «تهذيب اللغة» (١٤/٢٢١) : «والمُدْي: مكيال يأخذ جريباً» . وكذا في «إثبات ما ليس منه بد لمن أراد الوقوف على حقيقة الدينار والدرهم والصاع والمد» (ص ١٣١) . قلت: الجريب: مكيال كان يساوي في القرن السابع الميلادي سبعة أقفزة في عهد الخليفة عمر بن الخطاب، وكان عيار مكيال الجريب في صدر الإسلام (٢٩.٥) لتراً، أو (٢٢.٧١٥) كغم (قمح) (١) . قال أبو عبيدة: والظاهر أن (المُدْي) أكثر من ذلك، فهو -على ما تقدم- خمسة عشر مكوكاً، والمكوك صاع ونصف؛ فهو (٢٢.٥) صاعاً. وإذا كان (القفيز) -وهو يساوي ٨ مكاكيك = ١٢ صاعاً- قد قدر بـ (٦٠) لتراً، أو (٤٥) كغم قمح؛ فلا شك أن (المُدي) أكثر من ذلك. وقد عاير أبو عبيد القاسم بن سلام المُديين من الطعام بخمسة عشر صاعاً (٢) ، وعايرها أبو عبيد الهروي في «الغريبين» (١/١٣٩) بالوزن، فقال: «والمُدي: مكيال لأهل الشام، يقال له: الجريب، يسعُ خمسةً وأربعين رطلاً» (٣) .

стр. 202

وهو عند الأول بمعاير الوزن -على ما يلزم من كلامه- نيف وثمانون رطلاً، وكذا قال بعض الباحثين (١) : «ومن المحتمل أن يكون هناك مكيال آخر باسم (مُدْي) ذي سعة مختلفة» . قوله: (درهَمَها) : المراد به الجمع، فالواحد يراد به الجمع عند الإضافة، ولهذا شواهدُ عديدةٌ (٢) . و (الدرهم) عملةٌ ساسانيةٌ متداوَلَةٌ بين أقطار الشرق قبل الإسلام، تشكل مع (الدنانير) البيزنطية السكةَ المتداوَلةَ في بلاد العرب قبل الإسلام، وقد تعامل النبي ﷺ بهذه السكة، وتعامل المسلمون بها (٣) ، وقد ورد ذكر الدرهم في القرآن الكريم (٤) ، والسنة النبوية (٥) ، وكان هناك درهمٌ (يمنيّ) ، وهو المعروف بـ (الدرهم الحِمْيَرِيِّ) ، كان يرِدُ إلى الحجاز، ولكن بأعداد قليلة (٦) .

стр. 203

قوله: «ودينارها» : كان المسلمون في زمن النبي ﷺ يتعاملون بالذهب والفضة وزناً، وكانت دنانير الفرس بين أيديهم، ويردّونها في معاملتهم إلى الوزن، ويتصارفون بها بينهم (١) . ويقال للدنانير: (الهرقلية) ؛ تنسب إلى هرقل عظيم الروم، فكانت العرب تسميها (الهرمكية) ، وقد ذكرها كُثيّر عزّة في شعره، فقال (٢) : يروق عيون الناظرات كأنه ... هرقْليُّ وزْنٍ أحمرُ التبر راجحُ ويمكن تحديد وزن المثقال للدينار آنذاك بدرجة عالية من الدّقة، ولا يلزمنا هنا أن ننطلق من قطع النقود نفسها، بل من صَنْج الزجاج التي صنعت لتعييرها، إن أكثر الصَّنج الزجاجية التي عُثِرَ عليها حتى الآن دقةً -وترجع إلى سنة ٧٨٠هـ- وتتطابق فيما بينها بفارق لا يتجاوز الثلث المليغرام، تعطينا للدينار وزناً وسطاً قدره (٤.٢٣١) غم (٣) .

стр. 204

والمراد بـ (الدينار) هنا؛ الجمع، كما قدمناه على (القفيز) و (الدرهم) . قوله: «إِرْدبَّها» : (الإرْدبّ) -بالراء والدال المهملتين بعدهما موحدة-: مكيال معروف لأهل مصر. قال الأزهري في «تهذيب اللغة» (١) وغيره: «يأخذ أربعة وعشرين صاعاً من الطعام بصاع النبي ﷺ ، ... والإردب أربعة وستون مَنّاً بمَنِّ بلدنا» . كذا في جل شروح الحديث (٢) ، وبعضهم زاد: «والهمزة زائدة مكسورة» (٣) . وفي «القاموس» (ص ١١٤) ، مادة (ردب) : «الإرْدَب -كقِرْشَبٍّ-: مكيالٌ ضخمٌ بمصر، يضمّ أربعةً وعشرين صاعاً» . ونقله صاحب «عون المعبود» (٨/٢٨٢) . وقدره البغوي في «شرح السنة» (١١/١٧٨) والمناوي في «التوقيف على مهمات التعاريف» (ص ٥٠) بأربعةٍ وستين مَنّاً، ولا يزال هذا المكيال

стр. 205

مستخدماً في مصر (١) ، وذكر بعض المعاصرين (٢) أنواعاً كثيرة للأرادب. ويقدر الإردب بـ (١٩٨) لتراً، ويوافق هذا (١٥٠) كغم من القمح، أو (١٣٠) كغم من الشعير، أو (١٤٠) كغم من الذرة، أو (١٥٥) كغم من الفول، أو (١٥٧) كغم من العدس (٣) . والمراد هنا الجمع، كما قدمناه عن نظائره. فصل تبويبات العلماء على الحديث * تبويبات المخرجين له: بوب عليه النووي (٤) في «المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج» : (باب الفتن التي تموج كموج البحر) ، وبوب عليه -ووضعه مع الذي قبله (٥) -

стр. 206

أبو العباس القرطبي في «تلخيص صحيح مسلم» (٢/١٢٨٠) : (باب لا تقوم الساعة حتى يحسر الفرات عن جبل من ذهب، وحتى يمنع أهل العراق ومصر والشام ما عليهم) ، وهكذا صنَعَ القاضي عياضٌ في كتابه «إكمال المعلم» (٨/٤٣٤) ؛ فوضعه مع الذي قبله، ولكنْ لم يؤثِّرْ هذا على تبويبه، فاقتصر على: (باب لا تقوم الساعة حتى يحسر الفرات عن جبل من ذهب) ، وتابعه على هذا السيوطي في «الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج» (٦/٢٢٢-٢٢٣) ، ومحمد تقي العثماني في «تكملة فتح الملهم» (٦/٢٩١) ، ولكن الأخيرين شَرَحاه واعتنيا به، بينما الأولُ أهملَهُ بالكلية، ولم يورد شيئاً تحته، وبوب عليه المنذري في «مختصر صحيح مسلم» (ص ٥٣٨ رقم ٢٠٣٣) ، وتبعه صديق حسن خان في «السراج الوهاج» (١١/٣٦٦) : (باب في منع العراق درهمها) ، بينما بُوِّب عليه في نسخة ابن خير الإشبيلي من «صحيح مسلم» (١) (ق ٢٦٤) : (باب في منع العراق درهمها والشام مُدْيها ومصر دينارها) ، وبوب عليه المباركفوري في «منية المنعم» (٤/٣٥٠) (باب تنفصل البلاد: العراق والشام ومصر، وتمنع خراجها وجبايتها» (٢) . ووضعه أبو داود في «سننه» تحت (كتاب الخراج والفيء والإمارة) ، وبوب عليه: (باب في إيقاف أرض السواد وأرض العنوة) . و (أرض السواد) : قال في «المراصد» : السواد؛ يراد به: رستاق من رساتيق العراق وضياعها التي فتحها المسلمون على عهد عمر بن الخطاب ﵁، سمّي سواداً لحضرته بالنخل والزرع. وحد السواد؛ قال أبو عبيد: الموصل طولاً إلى عبادان، ومن عذيب القادسية إلى حلوان عرضاً،

стр. 207

فيكون طولَه مئةٌ وستون فرسخاً، فطوله أكثر من طول العراق، فطول العراق ثمانون فرسخاً، ويقصر من طول السواد خمسة وثلاثون فرسخاً. قال صاحب «المراصد» : وهذا التفاوت كأنه غلط، ولعله أن يكون بينهما خمسون فرسخاً أو أكثر. وعرض العراق هو عرض السواد، لا يختلف، وذلك ثمانون فرسخاً. انتهى. و (أرض العنوة) ؛ أي: إيقافُ الأرضِ التي أُخِذَت قهراً لا صُلْحاً، يقال: عَنَا يعنو عنوة: إذا أَخَذ الشيء قهراً. قال الحافظ ابن القيم: إن الأرض لا تَدخُل في الغنائم، والإمام مخيّرٌ فيها بحسب المصلحة، وقد قسم رسول الله ﷺ وترك، وعمر لم يقسم، بل أقرها على حالها، وضرب عليها خراجاً مستمرّاً في رقبتها تكون للمقاتلة، فهذا معنى وقفها، ليس معناه الوقف الذي يمنع من نقل الملك في الرقبة، بل يجوز بيع هذه الأرض؛ كما هو عمل الأمة. وقد أجمعوا على أنها تورَثُ، والوقف لا يورَث. وقد نصّ الإمامُ أحمدُ على أنها يجوز أن يُجعلَ صداقاً، والوقف لا يجوز أن يكون مهراً، ولأنّ الوقف إنما امتنع بيعُه ونقلُ الملك في رقبته؛ لما في ذلك من إبطال حقّ البطون الموقوف عليهم من منفعته، والمقاتِلَةِ حقَّهم في خراج الأرض، فمن اشتراها صارت عنده خراجية كما كانت عند البائع سواء، فلا يبطل حقّ أحدٍ المسلمين بهذا البيع، كما لم يبطل بالميراث والهبة والصداق. انتهى مختصراً. وأما وجه استدلال أبي داود بهذا الحديث على ما ترجم به (١) من (إيقاف سواد الأرض) ؛ فبأن النبي ﷺ قد علم أن الصحابة يفتتحون تلك البلاد، ويضعون الخراج على أرضهم، ويقفونها على المقاتلة والمجاهدين،

стр. 208

ولم يرشدْهُم إلى خلاف ذلك، بل قرره وحكاه لهم، لكن المؤلف لم يجزم على أنّ إيقافَها أمرٌ لازم، بل تبويبه كأنه على طريق الاستفهام؛ أي: ماذا يفعل بأرض العنوة؛ يوقف على المقاتلة، أو يقسم للغانمين؟ وما حكم إيقاف الأرض السواد (١) ؟ ووضعه الطحاوي تحت (باب المواقيت التي ينبغي لمن أراد الإحرام أن لا يتجاوزها) ، وأزال به إشكالاً، وأجاب به على اعتراض القائل: «وكيف يجوز أن يكون النبي ﷺ وقّت لأهل العراق يومئذٍ ما وقَّت، والعراقُ إنّما كانت بعده؟» . فأجاب على هذا الاعتراض بكلامٍ جرّه لسردِ هذا الحديث، قال: «قيل له -أي: للسائل-: «كما وقَّت لأهل الشام ما وقّت، والشام إنما فتحت بعده. فإن كان يريد بما وقَّت لأهل الشام من كان في الناحية التي افتتحت حينئذٍ من قِبَل الشام، فكذلك يريد بما وقَّت لأهل العراق، مَنْ كان في الناحية التي افتتحت حينئذٍ من قِبَل العراق، مثل جبل طَيّ ونواحيها. وإن كان ما وقّت لأهل الشام إنما هو لما علم بالوحي أن الشام ستكون دار إسلام، فكذلك ما وقَّت لأهل العراق؛ إنما هو لما علم بالوحي أن العراق ستكون دار إسلام، فإنه قد كان ﷺ ذكر ما سيفعله أهل العراق في زكواتهم، معَ ذِكرِه ما سيفعلُه أهلُ الشام في زكواتهم» . ثم أسند الحديث، وقال: «فهذا رسول الله ﷺ قد ذكر ما سيفعلُه أهلُ العراق من منع الزكاة قبل أن يكونَ عراقٌ، وذكر مثل ذلك في أهل الشام وأهل مصر قبل أن يكون الشام

стр. 209

ومصر؛ لما أعلمه الله -تعالى- من كونهما من بعده. فكذلك ما ذكره من التوقيت لأهل العراق، مع ذكرِه التوقيتَ لغيرهم المذكورين؛ هو لما أخبره الله -تعالى- أنه سيكون من بعده. وهذا الذي ذكرناه، من تثبيت هذه المواقيت التي وصفناها لأهل العراق، ولمَنْ ذكرنا معهم، قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد -رحمهم الله تعالى-» (١) . وقال في «أحكام القرآن» (٢/٢٨-٢٩) في معرض حديثه على (ميقات أهل العراق) ما نصّه: «فإنْ قال قائل: وكيف يجوز أن يوقت لأهل العراق هذا الوقت ولم يكُنْ يومئذٍ عراقٌ؟ قيل له: كما جاز أنْ يُوقّتَ لأهل الشام، ولم يكن يومئذٍ شام. وقد كان رسول الله ﷺ على علم أنّ العراقَ ستكون، وأنّ كنوزَ كسرى ستفتح على المسلمين من بعده، وأخبر أصحابُه مع ذلك أنّ أهلَ العراق سيمنعون قفيزهم ودرهمهم الواجبَيْن عليهم خراجاً لأرضيهم، وأن أهل الشام سيمنعون مدَّهم ودينارهم الواجبَيْن عليهم خراجاً لأرضيهم، وأنّ أهلَ مصر سيمنعون إردبّهم ودينارهم الواجبين عليهم خراجاً لأرضيهم. فمما روي عنه في ذلك ما: ... » وأسند الحديث، ثم قال: «فكان رسول الله ﷺ قد ذكر ما سيفعلُه أهلُ العراق من منع الخراج، ولا عراقَ يومئذٍ؛ لعلمه أنه ستكون العراق. كما ذكر فيما سيفعله أهل الشام، ولا شام يومئذٍ؛ لعلمه أنه ستكون الشام.

стр. 210

ولما كانتا عنده ﷺ كائنتين لا محالةَ؛ وقَّت لأهلها المواقيتَ لحجّهم، إذ كان لا بدَّ لهم من ذلك، كما وقّت لمن سواهم من أهل البلدان التي قد كانت قبل ذلك. وهذا الذي ذكرناه في هذه المواقيتِ قولُ أبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد فيما حدثنا سليمان، عن أبيه، عن محمد» . فالذي يُهِمُّنا من الكلام السابق قول الأخير: «ما سيفعله أهل العراق من منع الزكاة ... وذكر مثل ذلك في أهل الشام وأهل مصر» ، وقول الأول: «قد علم ﷺ أن الصحابة يفتتحون تلك البلاد» . وسيأتي بيان ما فيه، والله الهادي والموفق. وبوَّب عليه البيهقي في «الدلائل» (٦/٣١٧) بقوله: « (باب: قول الله : ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ من بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٥٥] ) . ثم وعد رسول الله ﷺ أمَّتَه بالفتوح التي تكون بعده، وتصديق الله وعده» . ووضعه في «السنن الكبرى» في (كتاب السير) ، وبوَّب عليه (باب قدْر الخراج الذي وضع على السواد) . وبوب عليه أبو محمد البغوي في «شرح السنة» (١١/١٧٥) (باب سقوط الجزية عن الذمي إذا أسلم) . وبوب عليه أبو عبيد (باب أرض العنوة تقرُّ في أيدي أهلها، ويوضع عليها الطّسق؛ وهو: الخراج) . وبوب عليه الساعاتي في «الفتح الرباني بترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني» (٢٤/٣٦-٣٧) : (ومن الفتن منع أهل الذمة أداء الجزية) .

стр. 211

وهكذا جاءت تبويبات جماعة ممن أخرجه في (الخراج) و (الأموال) ، فبوّب عليه يحيى بن آدم -وهو أقدم من أخرج الحديث- باباً عامّاً، وأورده مع نصوص أخرى تحت (باب الجزية والخراج) . وبوب عليه ابن زنجويه في «الأموال» (١/٢١٧) : (باب أرض العنوة تقر بأيدي أهلها ويوضع عليها الطسق والخراج) ، وهذه الترجمة تشاكل ترجمة أبي عبيد على الحديث، وقد أخرجه ابن زنجويه من طريقه. وهكذا بوب عليه ابن الجارود في «المنتقى» -وشرطه فيه أن لا يخرج إلا الثابتَ عنده-، فقال: (باب الدليل على وضع الخراج على أرض العنوة) . وبنحوه بوّبَ عليه ابن المنذر في «الأوسط» (١١/٤٤) ، فقال: (ذكر خبر دلَّ على أن الأرض إذا أُخِذت عنوة وتركها أهلها؛ أن للإمام أن يضع عليها الخراج) . وأما ابن عساكر؛ فأورده في «تاريخه» من أجل ذكر (الشام) فيه، وبوب عليه: (باب ذكر بعض ما ورد من الملاحم والفتن مما له تعلّق بدمشق في غابر الزمن) . ومن التبويبات المهمة عليه؛ ما صنعه أبو عمرو الداني في كتابه «الفتن» (٦/١١١٣) ، قال: (باب ما جاء في خروج الروم) . هذه تبويبات المخرجين للحديث، يبقى بعد ذلك أمران: الأمر الأول: تبويبات أخرى للحديث ممن أورده بغير إسناد، وسياق كلامٍ لبعض أهل العلم على الحديث في معرض الاستشهاد . ذكر هذا الحديث غير واحد من الفقهاء والعلماء، وساقوه في مواضعَ عِدّةٍ من مؤلفاتهم، واستقصاءُ ذلك أمرٌ متعذِّرٌ، ولكنا نعملُ على إبراز ما يمكن أنْ يخدمَنا في بيان المعنى، أو ذكر الفوائد المستنبطة منه (١) ؛ وهذا التفصيل:

стр. 212

١- ذكره أحمد بن نصر الداوودي (ت ٤٠٢هـ) في كتابه «الأموال» (ص ١٤٣ رقم ٢٩٤ - ط. دار السلام) في (الفصل العاشر) من كتابه، وبوب عليه (ذكر ازدراع أرض الخراج واستئثار الأمراء بها في آخر الزمان، واتخاذهم مال الله دولاً) . وأورده بتقديم (مصر) على (الشام) ، خلافاً لما في سائر المصادر، وقال بعده: «يريد: أنّ ذلك يكون في آخر الزمان» . ٢- أبو محمد علي بن أحمد بن حزم (ت ٤٥٦هـ) ، أورده في كتابه «المحلى» (١) (٧/٣٤١) تحت مسألة (رقم ٩٥٧) ، قال: «وتقسم الغنائم كما هي بالقيمة، ولا تُباع؛ لأنه لم يأتِ نصٌّ ببيعها، وتُعجَّلُ القسمة في دار الحرب، وتُخمَّسُ كسائر الغنائم ... » ، ثم تكلّم على (قسمة الأرض) ، واحتجاجِ بعضِ أهل العلم بالحديث الذي نحنُ بصددِ شرحِه على عدم وجوب ذلك، ورَدَّ عليهم، قال: «واحتجّوا بخبرٍ صحيح رويناه من طريق أبي هريرة ... » وساقه، قال: «قالوا: فهذا هو الخراج المضروب على الأرض، وهو يوجب إيقافها» . ورد عليهم بقوله: «هذا تحريف منهم للخبر بالباطل، وادعاء ما ليس في الخبر بلا نصّ ولا دليل، ولا يخلو هذا الخبرُ من أحدِ وجهين فقط، أو قد يجمَعُهُما جميعاً بظاهر لفظه؛ أحدهما: أنه أخبر ﷺ عن الجزية المضروبة على أهل هذه البلاد إذا فتحت، وهو قولنا؛ لأن الجزية بلا شك واجبة بنص القرآن، ولا نصَّ يوجِبُ الخراج الذي يدعون. والثاني: أنه إنذار منه ﵇ بسوء العاقبة في آخر الأمر، وإن المسلمين سيمنعون حقوقهم في هذه البلاد، ويعودون كما بدؤوا، وهذا -أيضاً- حقٌّ قد ظهر، وإنا لله وإنا إليه راجعون، فعاد هذا الخبر حجة عليهم» .

стр. 213

وظفرتُ به في «المحلى» (٥/٢٤٧-٢٤٨) -أيضاً-، أورده تحت مسألة (٦٤٢) عند تقريره عدم الزكاة في بعض أنواع الأطعمة، ثم قال: «وأما إسقاطهم الزكاة عما أصيب في أرض الخراج من بُر وتمر وشعير؛ ففاحش جدّاً، وعظيم من القول، وإسقاط للزكاة المفتَرَضة» . وأخذَ في عَرْضِ أدلة هؤلاء، ومن بين ما استدلوا به هذا الحديث، قال: «وموّه بعضهم بأن ذكر ما قد صح عن رسول الله ﷺ من قوله ... » ، وساق هذا الحديث، قال: «قالوا: فأخبر ﵇ بما يجب في هذه الأرَضين، ولم يخبر أنّ فيها زكاةً، ولو كان فيها زكاةٌ لأخبر بها» . ورد عليهم بقوله: «مثل هذا ليس لإيراده وجهٌ إلا ليَحمَد الله -تعالى- من سمعه على خلاصه من عظيم ما ابتلوا به من المجاهرة بالباطل، ومعارضة الحق بأغثّ ما يكون من الكلام! وليت شعري! في أي معقول وجدوا أنّ كل شريعة لم تذكر في هذا الحديث فهي ساقطة؟ وهل يقول هذا من له نصيب من التمييز؟ وهل بين من أسقط الزكاة -لأنها لم تذكر في هذا الخبر- فرقٌ وبين من أسقط الصيام لأنه لم يذكر في هذا الخبر، ومن أسقط الصلاةَ والحجَّ لأنهما لم يذكرا في هذا الخبر؟» . ثم قال مؤكّداً المعنى نفسه: «وحتى لو صح لهم أن رسول الله ﷺ قصد بهذا الخبر ذكرَ ما يجب في هذه الأرضين -ومعاذَ الله من أنْ يصحَّ هذا فهو الكذب البحت على رسول الله ﷺ ؛ لما كان في ذلك إسقاطُ سائر حقوق الله -تعالى- عن أهلها، وليس في الدنيا حديثٌ انتظمَ ذكرَ جميع الشرائع أولها عن آخرها، نعم ولا سورة -أيضاً-» . ثم قال شارحاً لهذا الحديث بما ينفعنا من ذكر (نبوءته) ﷺ : «وإنما قصد ﵇ في هذا الحديث الإنذارَ بخلاءِ أيدي المفتتحين لهذه البلاد من أخذِ طعامها ودراهمها ودنانيرها فقط، وقد ظهر ما

стр. 214

أنذر به ﵇. ومن الباطل الممتنع؛ أن يريد رسول الله ﷺ ما زعموا؛ لأنه لو كان ذلك، وكان أرباب أراضي الشام ومصر والعراق مسلمين؛ فمن هم المخاطبون بأنهم يعودون كما بدؤوا؟ ومن المانع ما ذكر منعه؟! هذا تخصيص منهم بالباطل، وبما ليس في الخبر منه نص ولا دليل ... » انتهى المراد من نقله مما له صلة بحديثنا هذا. ٣- أبو بكر أحمد بن علي الرازي الجصاص (ت ٣٧٠هـ) . ذكره -فيما عثرت عليه- في كتابين من كتبه؛ هما: الأول: «اختلاف العلماء» (١) . وذكر حديثنا هذا في ثلاثة مواطن؛ هي: ١- في (١/٤٤٣-٤٤٤ مسألة رقم ٤٣٦) : (هل يجتمع العشر والخراج) . واستدل لمذهب الحنفية (٢) ، وأورد هذا الحديث، وقال عن قوله: «منعت» : «معناه: سيمنع» . ثم وجهه بقوله: «ولو كان العشر واجباً فيما زرع في أرض الخراج؛ لاستحال (٣) أن يكون الخراج ممنوعاً منه، والعشر غير ممنوع؛ لأن من منع الخراج بجحوده ما عليه في ذمته، كان للعشر أمنع، وفي تركه ذكر العشر دلالة على أن لا عشر في أرض الخراج» (٤) .

стр. 215

وكأني بابن حزم يرد عليه في كلامه المتقدم وما يتبعه مما لم ننقله عنه. ٢- في (٣/٤٩٥ مسألة رقم ١٦٤٤) : (في أحكام الأرض المفتتحة بعد إخراج الخمس) ، وأورد الحديث وقال: «فدل على أنها تكون للغانمين؛ لأن ما ملكه الغانمون يكون فيه القفيز والدرهم» . ٣- في (٣/٤٩٦ مسألة رقم ١٦٤٦) : (في شراء أرض الخراج واستئجارها) . واستدل (١) للمانعين من ذلك بحديثنا هذا، وساقه مختصراً -كما فعل في المرة الأولى- هكذا: «منعت العراق قفيزها ودرهمها» (٢) . والآخر: «أحكام القرآن» . وذكرَ حديثَنا هذا في ثلاثة مواطن من كتابه هذا؛ هي: ١- في (٤/١٨٣ - ط. دار إحياء التراث العربي) في مسألة (اجتماع العشر والخراج) ، وأورد نحو النص الذي قدمناه عنه آنفاً، ووقع حديثُنا مختصراً -أيضاً-. ٢- في (٥/٣٢٠) مسألة (الأرض المفتتحة عنوة، لا يملكها الغانمون بإحراز الغنيمة في الرقاب والأرضين إلا أن يجعلها الإمام لهم) . وذكر أدلةً على ذلك، وأورد الحديث بطوله (٣) ، وعلقه عن سهل، وقال على إثره: «فأخبر ﷺ عن منع الناس لهذه الحقوق الواجبة لله -تعالى- في الأرضين، وإنهم يعودون إلى حال أهل الجاهلية في منعها» .
следующие страницы →