← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 3346

العراق في أحاديث وآثار الفتن

مشهور آل سلمان

Полный текст (775 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

وهكذا جاءت تبويبات جماعة ممن أخرجه في (الخراج) و (الأموال) ، فبوّب عليه يحيى بن آدم -وهو أقدم من أخرج الحديث- باباً عامّاً، وأورده مع نصوص أخرى تحت (باب الجزية والخراج) . وبوب عليه ابن زنجويه في «الأموال» (١/٢١٧) : (باب أرض العنوة تقر بأيدي أهلها ويوضع عليها الطسق والخراج) ، وهذه الترجمة تشاكل ترجمة أبي عبيد على الحديث، وقد أخرجه ابن زنجويه من طريقه. وهكذا بوب عليه ابن الجارود في «المنتقى» -وشرطه فيه أن لا يخرج إلا الثابتَ عنده-، فقال: (باب الدليل على وضع الخراج على أرض العنوة) . وبنحوه بوّبَ عليه ابن المنذر في «الأوسط» (١١/٤٤) ، فقال: (ذكر خبر دلَّ على أن الأرض إذا أُخِذت عنوة وتركها أهلها؛ أن للإمام أن يضع عليها الخراج) . وأما ابن عساكر؛ فأورده في «تاريخه» من أجل ذكر (الشام) فيه، وبوب عليه: (باب ذكر بعض ما ورد من الملاحم والفتن مما له تعلّق بدمشق في غابر الزمن) . ومن التبويبات المهمة عليه؛ ما صنعه أبو عمرو الداني في كتابه «الفتن» (٦/١١١٣) ، قال: (باب ما جاء في خروج الروم) . هذه تبويبات المخرجين للحديث، يبقى بعد ذلك أمران: الأمر الأول: تبويبات أخرى للحديث ممن أورده بغير إسناد، وسياق كلامٍ لبعض أهل العلم على الحديث في معرض الاستشهاد . ذكر هذا الحديث غير واحد من الفقهاء والعلماء، وساقوه في مواضعَ عِدّةٍ من مؤلفاتهم، واستقصاءُ ذلك أمرٌ متعذِّرٌ، ولكنا نعملُ على إبراز ما يمكن أنْ يخدمَنا في بيان المعنى، أو ذكر الفوائد المستنبطة منه (١) ؛ وهذا التفصيل:

стр. 212

١- ذكره أحمد بن نصر الداوودي (ت ٤٠٢هـ) في كتابه «الأموال» (ص ١٤٣ رقم ٢٩٤ - ط. دار السلام) في (الفصل العاشر) من كتابه، وبوب عليه (ذكر ازدراع أرض الخراج واستئثار الأمراء بها في آخر الزمان، واتخاذهم مال الله دولاً) . وأورده بتقديم (مصر) على (الشام) ، خلافاً لما في سائر المصادر، وقال بعده: «يريد: أنّ ذلك يكون في آخر الزمان» . ٢- أبو محمد علي بن أحمد بن حزم (ت ٤٥٦هـ) ، أورده في كتابه «المحلى» (١) (٧/٣٤١) تحت مسألة (رقم ٩٥٧) ، قال: «وتقسم الغنائم كما هي بالقيمة، ولا تُباع؛ لأنه لم يأتِ نصٌّ ببيعها، وتُعجَّلُ القسمة في دار الحرب، وتُخمَّسُ كسائر الغنائم ... » ، ثم تكلّم على (قسمة الأرض) ، واحتجاجِ بعضِ أهل العلم بالحديث الذي نحنُ بصددِ شرحِه على عدم وجوب ذلك، ورَدَّ عليهم، قال: «واحتجّوا بخبرٍ صحيح رويناه من طريق أبي هريرة ... » وساقه، قال: «قالوا: فهذا هو الخراج المضروب على الأرض، وهو يوجب إيقافها» . ورد عليهم بقوله: «هذا تحريف منهم للخبر بالباطل، وادعاء ما ليس في الخبر بلا نصّ ولا دليل، ولا يخلو هذا الخبرُ من أحدِ وجهين فقط، أو قد يجمَعُهُما جميعاً بظاهر لفظه؛ أحدهما: أنه أخبر ﷺ عن الجزية المضروبة على أهل هذه البلاد إذا فتحت، وهو قولنا؛ لأن الجزية بلا شك واجبة بنص القرآن، ولا نصَّ يوجِبُ الخراج الذي يدعون. والثاني: أنه إنذار منه ﵇ بسوء العاقبة في آخر الأمر، وإن المسلمين سيمنعون حقوقهم في هذه البلاد، ويعودون كما بدؤوا، وهذا -أيضاً- حقٌّ قد ظهر، وإنا لله وإنا إليه راجعون، فعاد هذا الخبر حجة عليهم» .

стр. 213

وظفرتُ به في «المحلى» (٥/٢٤٧-٢٤٨) -أيضاً-، أورده تحت مسألة (٦٤٢) عند تقريره عدم الزكاة في بعض أنواع الأطعمة، ثم قال: «وأما إسقاطهم الزكاة عما أصيب في أرض الخراج من بُر وتمر وشعير؛ ففاحش جدّاً، وعظيم من القول، وإسقاط للزكاة المفتَرَضة» . وأخذَ في عَرْضِ أدلة هؤلاء، ومن بين ما استدلوا به هذا الحديث، قال: «وموّه بعضهم بأن ذكر ما قد صح عن رسول الله ﷺ من قوله ... » ، وساق هذا الحديث، قال: «قالوا: فأخبر ﵇ بما يجب في هذه الأرَضين، ولم يخبر أنّ فيها زكاةً، ولو كان فيها زكاةٌ لأخبر بها» . ورد عليهم بقوله: «مثل هذا ليس لإيراده وجهٌ إلا ليَحمَد الله -تعالى- من سمعه على خلاصه من عظيم ما ابتلوا به من المجاهرة بالباطل، ومعارضة الحق بأغثّ ما يكون من الكلام! وليت شعري! في أي معقول وجدوا أنّ كل شريعة لم تذكر في هذا الحديث فهي ساقطة؟ وهل يقول هذا من له نصيب من التمييز؟ وهل بين من أسقط الزكاة -لأنها لم تذكر في هذا الخبر- فرقٌ وبين من أسقط الصيام لأنه لم يذكر في هذا الخبر، ومن أسقط الصلاةَ والحجَّ لأنهما لم يذكرا في هذا الخبر؟» . ثم قال مؤكّداً المعنى نفسه: «وحتى لو صح لهم أن رسول الله ﷺ قصد بهذا الخبر ذكرَ ما يجب في هذه الأرضين -ومعاذَ الله من أنْ يصحَّ هذا فهو الكذب البحت على رسول الله ﷺ ؛ لما كان في ذلك إسقاطُ سائر حقوق الله -تعالى- عن أهلها، وليس في الدنيا حديثٌ انتظمَ ذكرَ جميع الشرائع أولها عن آخرها، نعم ولا سورة -أيضاً-» . ثم قال شارحاً لهذا الحديث بما ينفعنا من ذكر (نبوءته) ﷺ : «وإنما قصد ﵇ في هذا الحديث الإنذارَ بخلاءِ أيدي المفتتحين لهذه البلاد من أخذِ طعامها ودراهمها ودنانيرها فقط، وقد ظهر ما

стр. 214

أنذر به ﵇. ومن الباطل الممتنع؛ أن يريد رسول الله ﷺ ما زعموا؛ لأنه لو كان ذلك، وكان أرباب أراضي الشام ومصر والعراق مسلمين؛ فمن هم المخاطبون بأنهم يعودون كما بدؤوا؟ ومن المانع ما ذكر منعه؟! هذا تخصيص منهم بالباطل، وبما ليس في الخبر منه نص ولا دليل ... » انتهى المراد من نقله مما له صلة بحديثنا هذا. ٣- أبو بكر أحمد بن علي الرازي الجصاص (ت ٣٧٠هـ) . ذكره -فيما عثرت عليه- في كتابين من كتبه؛ هما: الأول: «اختلاف العلماء» (١) . وذكر حديثنا هذا في ثلاثة مواطن؛ هي: ١- في (١/٤٤٣-٤٤٤ مسألة رقم ٤٣٦) : (هل يجتمع العشر والخراج) . واستدل لمذهب الحنفية (٢) ، وأورد هذا الحديث، وقال عن قوله: «منعت» : «معناه: سيمنع» . ثم وجهه بقوله: «ولو كان العشر واجباً فيما زرع في أرض الخراج؛ لاستحال (٣) أن يكون الخراج ممنوعاً منه، والعشر غير ممنوع؛ لأن من منع الخراج بجحوده ما عليه في ذمته، كان للعشر أمنع، وفي تركه ذكر العشر دلالة على أن لا عشر في أرض الخراج» (٤) .

стр. 215

وكأني بابن حزم يرد عليه في كلامه المتقدم وما يتبعه مما لم ننقله عنه. ٢- في (٣/٤٩٥ مسألة رقم ١٦٤٤) : (في أحكام الأرض المفتتحة بعد إخراج الخمس) ، وأورد الحديث وقال: «فدل على أنها تكون للغانمين؛ لأن ما ملكه الغانمون يكون فيه القفيز والدرهم» . ٣- في (٣/٤٩٦ مسألة رقم ١٦٤٦) : (في شراء أرض الخراج واستئجارها) . واستدل (١) للمانعين من ذلك بحديثنا هذا، وساقه مختصراً -كما فعل في المرة الأولى- هكذا: «منعت العراق قفيزها ودرهمها» (٢) . والآخر: «أحكام القرآن» . وذكرَ حديثَنا هذا في ثلاثة مواطن من كتابه هذا؛ هي: ١- في (٤/١٨٣ - ط. دار إحياء التراث العربي) في مسألة (اجتماع العشر والخراج) ، وأورد نحو النص الذي قدمناه عنه آنفاً، ووقع حديثُنا مختصراً -أيضاً-. ٢- في (٥/٣٢٠) مسألة (الأرض المفتتحة عنوة، لا يملكها الغانمون بإحراز الغنيمة في الرقاب والأرضين إلا أن يجعلها الإمام لهم) . وذكر أدلةً على ذلك، وأورد الحديث بطوله (٣) ، وعلقه عن سهل، وقال على إثره: «فأخبر ﷺ عن منع الناس لهذه الحقوق الواجبة لله -تعالى- في الأرضين، وإنهم يعودون إلى حال أهل الجاهلية في منعها» .

стр. 216

٣- في (٥/٣٢٤) مسألة (شراء أرض الخراج) ، وذكر الحديث مختصراً كعادته، وعلَّق عليه بقوله: «يدل على أنه واجب على المؤمنين؛ لأنه أخبر عما يُمنع المسلمون من حق الله في المستقبل، ألا ترى أنه قال: «وعدتم كما بدأتم» ، والصَّغار لا يجب على المسلمين، وإنما يجب على الكفار للمسلمين» انتهى. ٤- أبو عمر يوسف بن عبد الله النمري، الشهير بـ (ابن عبد البر) (١) ... (ت ٤٦٣هـ) . ذكره في كتابين من كتبه؛ هما: أولاً: «الاستذكار» ، وذكره في موطنين منه؛ هما: ١- عند كلامه على قسمة الغنائم، ثم تطرق إلى قسمة (الأرض) ، فقال فيه (٢١/٢٠٤ رقم ٣١٠٢٩) : «ومعلوم أن الأرض لم تجر هذا المجرى، إلى أشياء كثيرة، احتجوا بها، ليس فيها بيان قاطع، أحسنها حديث أبي هريرة ... » (وساقه، دون ذكر مصر وما بعده) ، وقال: «ومنعت ها هنا؛ بمعنى: ستمنع» . ٢- عند كلامه في (الحج) على (مواقيت الإهلال) ، قال فيه (١١/٧٨) عند (ميقات أهل العراق) ، وقول طائفة: عمر ﵁ هو الذي وقّت لأهل العراق (ذات عرق) ، واحتج: «لم تكن العراق على عهد رسول الله ﷺ ذات إسلام» ، فقال: «والشام كلُّها يومئذٍ ذاتُ كُفر، كما كانت العراق يومئذٍ ذات كفر، فوقّت لأهل النواحي؛ لأنه علم أنه سيفتح الله على أمته: الشام، والعراق، وغيرهما من البلدان. وقد قال رسول الله ﷺ : ... » وذكر الحديث دون ذكر مصر، وما بعده، وقال: «بمعنى: ستمنع» .

стр. 217

ثانياً: «التمهيد» (١) ، وذكره في موطنين منه -أيضاً-؛ هما: ١- في (٦/٤٥٦) ، عند كلامه على (قسمة الأرض) في (الغنيمة) ، قال في معرض الاحتجاج له: «ومما يصحح هذا المذهب -أيضاً- ما رواه أبو هريرة ... » وساق الحديث مقتصراً على (ذكر العراق) ، وقال: «بمعنى: ستمنع، فدل ذلك على أنها لا تكون للغانمين؛ لأن ما ملكه الغانمون لا يكون فيه قفيز ولا درهم، ولو كانت الأرض تقسم كما تقسم الأموال؛ ما بقي لمن جاء بعد الغانمين شيء، ... » . ثم أسند الحديث في (٦/٤٥٧) ، وقال: «قال أبو جعفر الطحاوي: «منعت» ؛ بمعنى: ستمنع، واحتج بهذا الحديث لمذهب عمر في إيقاف الأرض وضَرْبِ الخراج عليها على مذهب الكوفيين ... » ، وأطال النفس في كلام العلماء ومذاهبهم وأدلتهم على المسألة، ونقلنا منه ما يخص حديثنا هذا، والحمد لله، ولا ربّ سواه. ٢- في (١٥/١٤١) ، عند كلامه على (المواقيت) ، وصنع (٢) هنا كما صنع في الموطن الثاني من «الاستذكار» .

стр. 218

٥- أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي المفسّر (١) ... (ت ٦٧١هـ) . ذكره في تفسيره «الجامع لأحكام القرآن» في موطنين؛ هما: الأول: عند تفسيره لقول الله -تعالى-: ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيءٍ﴾ [الأنفال: ٤١] في (٨/٤) ، ذكر تحت الآية ستّاً وعشرين مسألة، وذكر هذا الحديث في (المسألة الثالثة) ، قال: «لم يختلف العلماء أن قوله: ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيءٍ﴾ ليس على عمومه، وأنه يدخله الخصوص ... » ، قال بعد كلام: «وأما الأرض فغير داخلة في عموم هذه الآية، ... » ، ثم قال: «ومما يصحح هذا المذهب ما رواه الصحيح ... » وسرد الحديث، وأورد كلام ابن عبد البر السابق في «التمهيد» (٦/٤٥٦) بالحرف، وهذه عادته؛ ... ولا سيما في المباحث الحديثية المحررة التي فيها خلاف بين الرواة، فإنه ينقل منه، ولا يعزو إليه إلا نادراً، عفى الله عنا وعنه بمنه وكرمه. والآخر: عند تفسيره لقول الله -تعالى-: ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ [الشورى: ٣٧] في (١٦/٣٥) ، قال: « ﴿كبائر الإثم﴾ قرأ حمزة والكسائي: ﴿كبيرَ الإثم﴾ ، والواحد قد يراد به الجمع عند الإضافة؛ كقوله -تعالى-: ﴿وإِنْ تَعُدّوا نِعمَةَ اللهِ لا تُحْصوها﴾ [إبراهيم: ٣٤] ، وكما جاء في الحديث: «منعت العراق درهمها وقفيزها» » . قلت: في هذا خلاف، يأتي التنبيه عليه في آخر الكتاب في (الفائدة الثانية عشرة) من الفوائد المستنبطة من الحديث.

стр. 219

٦- مجد الدين أبو البركات ابن تيمية (١) (ت ٦٥٢هـ) . بوب على الحديث -وساقه مع ستة غيره- في كتابه «منتقى الأخبار» (٨/١٦١ - مع «نيل الأوطار» ) (باب حكم الأرضين المغنومة) . وصلة هذه الترجمة ظاهرة مع الحديث من خلال كلام العلماء المتقدم عليه. ٧- الإمام النووي (ت ٦٧٦هـ) . قال في كتابه «المجموع» (٥/٤٨٠) ، بعد أن ذكر استدلال الحنفية بالحديث على اجتماع العشر والخراج، وذكر أن الراجح خلاف ذلك، ورد عليهم في توجيه الحديث بقوله: «وأما حديث أبي هريرة: «منعت العراق» ؛ ففيه تأويلان مشهوران في كتب العلماء المتقدمين والمتأخرين: (أحدهما) : معناه: أنهم سيسلمون وتسقط عنهم الجزية. و (الثاني) : أنه إشارة إلى الفتن الكائنة في آخر الزمان، حتى يمنعوا الحقوق الواجبة عليهم من زكاة وجزية وغيرهما، ولو كان معنى الحديث ما زعموه؛ للزم أن لا تجب زكاة الدراهم والدنانير والتجارة، وهذا لا يقول به أحد» . ٨- شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية (ت ٧٢٨هـ) . ذكره في «مجموع الفتاوى» (٢٦/٢٠٦) ، واستدل به على منع بيع الأرض المفتتحة عنوة، وقال عنه: «واتفق الصحابة مع عمر على فعله» . وذكره في موطنٍ آخرَ من «مجموع الفتاوى» (٢٨/٦٦٢) عند كلامه على (الرهبان وأخذ الجزية منهم) ، قال: «فهؤلاء الموصوفون تؤخَذُ منهم الجزيةُ بلا ريب ولا نزاع بين أئمة العلم، فإنه ينتزع منهم، ولا يحلُّ أن يُترَك شيءٌ من أرض المسلمين التي

стр. 220

فتحوها عنوة وضربُ الجزيةِ عليها، ولهذا لم يتنازع فيه أهلُ العلم من أهل المذاهب المتبوعة من الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة: أن أرض مصر كانت خراجية. وقد ثبت ذلك في الحديث الصحيح الذي في «صحيح مسلم» ؛ حيث قال ﷺ : ... » وساقه. «لكنِ المسلمون لما كثروا؛ نقلوا أرض السواد في أوائل الدولة العباسية من المُخارجة إلى المُقاسمة، ولذلك نقلوا مصر إلى أنِ استغلّوها هم، كما هو الواقع اليوم، ولذلك رفع عنها الخراج» . ٩- شمس الدين محمد بن أبي بكر، المعروف بـ (ابن القيم) ... (ت ٧٥١هـ) . ذكر الحديث في كتابه «أحكام أهل الذمة» (١/٢٦٥-٢٦٦ - ... ط. رمادي) ، قال: «وقد أشار النبي ﷺ إلى الخراج في الحديث الصحيح المتفق عليه (١) من حديث أبي هريرة ... » وساقه، قال: «والمعنى: سيمنع ذلك في آخر الزمان» . ١٠- أبو الفرج عبد الرحمن بن أحمد، المعروف بـ (ابن رجب الحنبلي) (ت ٧٩٥هـ) . ذكره في كتابه «الاستخراج لأحكام الخراج» (ص ٧٤ - ط. محمد الناصر) في (الباب الثاني) ، وبوب عليه (فيما ورد في السنة من ذكر الخراج) . ١١- جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي (ت ٩١١هـ) . ذكره في كتابه «الخصائص الكبرى» (٢/١١١) ، وبوب عليه: (باب

стр. 221

إخباره ﷺ بفتح مصر وما يحدث فيها) . في جماعة آخرين يطول تعدادهم (١) ، ويصعب حصرهم، آخرهم: ١٢- الشيخ مقبل بن هادي الوادعي -رحمه الله تعالى-. ذكره في كتابه «الصحيح المسند من دلائل النبوة» (ص ٤٢٣) ، وبوب عليه: (إخباره ﷺ بفتح الشام) . فصل تعليقات وإيضاحات على حديث: «منعت العراق ... » والأمر الآخر: تعليقات وإيضاحات لمن خرّجَ الحديث، تُعِينُ على توضيح المراد منه، واستنباط فوائده: ١- قال أبو عبيد في «الأموال» (ص ٩١ رقم ١٨٢) عقِبَ إخراجِهِ الحديثَ: «معناه -والله أعلم-: أنّ هذا كائنٌ، وأنه سيُمنع بعدُ في آخر الزمان. قال أبو عبيد: فاسمع قول رسول الله ﷺ في الدرهم والقفيز، كما فعل عمر بالسواد، وهذا هو التّثبُّت. وفي تأويل فعل عمر -أيضاً- حين وضع الخراج ووظفه على أهله؛ مع العلم أنه جعله شاملاً عامّاً على كل من لزمته المساحة وصارت الأرض في يده، من رجل أو امرأة، أو صبي أو مكاتب أو عبد، فصاروا متساوين فيها، ألا تراه لم يستثن أحداً دون أحد!» . وقال قبله لمّا أسند عن عمر: «وضع على كل جريب من الأرض درهماً

стр. 222

وقفيزاً من طعام لا يشق ذلك عليهم ولا يُجْهِدُهم» ، قال (ص ٩٠-٩١) : «فلم يأتنا في هذا حديثٌ عن عمرَ أصحُّ من حديث عَمْرِو بن ميمون (١) ، ولم يذكر فيه مما وضع على الأرض أكثَرَ من الدرهم والقفيز، ومع هذا فقد رُويَ عن النبي ﷺ حديث فيه تقوية له، وحجة لعمر فيما فرض عليهم من الدرهم والقفيز» . ٢- ونقل ابن زنجويه في كتابه «الأموال» (١/٢١٧، ٢١٨) كلام شيخه أبي عبيد برمّته (٢) . ٣- ومع هذا؛ فقد نقل عنه البيهقي في «الدلائل» (٦/٣٢٩-٣٣٠) شيئاً زائداً، قال: «وقال أبو عبيد الهروي ﵀ في هذا الحديث: قد أخبر النبي ﷺ بما لم يكن، وهو في علم الله كائن. فخرج لفظه على لفظ الماضي؛ لأنه ماضٍ في علم الله . وفي إعلامه بهذا قبل وقوعه ما دل على إثبات نبوته، ودل على رضاه من عمر ﵁ ما وظّفه على الكفرة من الجِزى في الأمصار (٣) .

стр. 223

وفي تفسير المنع وجهان: أحدهما: أن النبي ﷺ علم أنهم سيسلمون وسيسقط عنهم ما وُظِّف عليهم [بإسلامهم، فصاروا مانعين بإسلامهم ما وظِّف عليهم] (١) . والدليل على ذلك قوله في الحديث: «وَعُدْتم مِن حيث بَدَأتم» ؛ لأنه بدأهم في علم الله وفيما قدّر، وفيما قَضَى، أنهم سيسلمون، فعادوا من حيث بدؤوا. وقيل في قوله: «منعت العراق درهمها» : إنهم يرجعون عن الطاعة، وهذا وجه، والأول أحسن» . قال أبو عبيدة: وما قال عنه: «أحسن» ؛ ليس براجح، بل هو مرجوح، كما سيأتي -إن شاء الله تعالى-. فصل في بيان معنى (المنع) الوارد في الحديث لا أعلم من أفرد هذا الحديث بمصنَّف خاص، على الرغم من كثرة التصانيف المفردة في كثير من آحاد الأحاديث (٢) ، واقتصرت عناية العلماء به

стр. 224

على سرد ما يحتمل من المعاني، دون التحقيق والتدقيق في المراد بها، ولعل ما يجري من أحداث، وما سيحصل من أمورٍ أكبرُ شاهدٍ على تحرير معانيه وبيان خوافيه، كيف لا؛ وهو من (علم الغيب) الذي أطلع الله نبيه ﷺ عليه؟! ويمكننا أن نحصر المعاني التي أوردها العلماء في معنى (المنع) الوارد في الحديث بالأمور الآتية: أولاً: هذا منه إخبار بأن أمورَ الدين وقواعدَه يُتركُ العمل بها لضعف القائم عليها، أو لكثرة الفتن واشتغال الناس بها، وتفاقم أمر المسلمين، فلا يكون مَنْ يأخذ الزكاة ولا الجزية ممن وجبت عليه، فيمتنع من وجب عليه حقّ من أدائه. قاله أبو العباس القرطبي في «المفهم» (٧/٢٣٠ - ط. دار ابن كثير) . وهذا كلام عامّ (١) ، ينقصه: أولاً: بيانُ هلْ وقع ذلك في عصر المصنف -وهو من وفيات سنة (٦٥٦هـ) - أم لا؟ ثانياً: بيانُ مَن هو المانعُ للخيرات المذكورة في الأحاديث؟ ثالثاً: وفيه أن سببَ المنع: عدمُ وجودِ مَن يأخذ الزكاة والجزية، ولفظ الحديث لا يساعد عليه. رابعاً: أما قوله: «يُتركُ العملُ بها لضعف القائم عليها أو لكثرة الفتن، واشتغال الناس بها، وتفاقم أمر الناس» ؛ فبعيد -أيضاً-؛ إذِ البلادُ المذكورة هي التي تمنع خيراتها، و (المنع) فيه معنى الكفّ (٢) والحرمان مع جبر وقسْر

стр. 225

وغلبة، والمذكور فيه غفلة وقلة الوازع للقيام بها، وشتان ما بين المعنيين! وذكر بعض الشرّاح (١) معانيَ رجحوا غيرها عليها؛ هي: ثانياً: أنّ هذه البلاد تمنع خيراتها بسبب إسلام أهلها، فتسقط عنهم الجزية (٢) ، قال النووي -وتبعه صِدّيق حسن خان (٣) ، وصاحب «عون المعبود» (٨/٢٨٢) - عنه: «وهذا قد وجد» . وقال السخاوي في «القناعة» (ص ١٠٦) : «وفي تأويله -أي: المنع- قولان» ، وجعل الأول: «لإسلامهم فسقطت عنهم الجزية» . قلت: نعم، ولكن يرد عليه ما يرد على سابقه -وهو (حق) (٤) -، ولكن لا صلة لهذا المعنى بمنطوق الحديث، وقد يقال: لازمٌ أن تمنع هذه البلاد خيراتها أن تكون -قبل ذلك- تحت سيطرة المسلمين، وفي هذا دلالة على إسلام أهلها أو بعضهم. ويبقى -بناءً عليه- بيانُ (المنع) ، وسببه، ووقته الوارد في الحديث، ويقال عنه: هو لازم المعنى وليس المعنى. وهذا القول هو الذي قدمه أبو محمد البغوي في «شرح السنة» (١١/١٧٨) ، قال: «وللحديث تأويلان؛ أحدهما: سقوط ما وظّف عليهم باسم الجزية بإسلامهم، فصاروا بالإسلام مانعين لتلك الوظيفة، وذلك معنى قوله ﷺ :

стр. 226

«وعدتم من حيث بدأتم» ؛ أي: كان في سابق علم الله ، وتقديره: أنهم سيسلمون، فعادوا من حيث بدؤوا» . قلت: وا عجبي من تأييده لهذا المعنى بما ورد في آخره: «وعدتم حيث بدأتم» (١) ! وعذره -وهو من وفيات سنة (٥١٦هـ) - أنه لم يشاهد ما شاهدناه، ولم يسمع بما سمعناه. وقول البغوي هذا شبيه بما قدمناه قريباً عن البيهقي (٢) ، وعلق ابن كثير (٣) في «البداية والنهاية» (٦/٢٠٣) على تأييده هذا المعنى، بما ورد في آخره: «وعدتم حيث بدأتم» ، بقوله: «والعجب أن الحافظ أبا بكر البيهقي احتج به على ما رجّحه من أحد القولين المتقدمين، وفيما سلكه نظر، والظاهر خلافه» . وقال صاحب «تكملة فتح الملهم» (٦/٢٩١) : «وهذا التفسير فيه نظر؛ لأن أهل هذه البلاد لم يكونوا يؤدّون الجزية إلى المسلمين قبل أن يفتتحها المسلمون، وأما بعد ما افتُتِحَتْ هذه البلاد، صار المسلمون هم ولاة هذه البلاد، فلا معنى لأداء هذه البلاد الجزية. ... نعم؛ كان الكفار من ساكني هذه البلاد يؤدون الجزية إلى ولاة المسلمين، ولم يثبت أن جميعهم أسلموا حتى سقطت عنهم الجزية رأساً» . وأشار الشوكاني في «نيل الأوطار» (٨/١٦٤) إلى رد هذا المعنى، فقال: «وهذا الحديث من كلام النبوة لإخباره ﷺ بما سيكون من ملك المسلمين هذه الأقاليم، ووضعهم الجزية والخراج، ثم بطلان ذلك؛ إما

стр. 227

بتغلبهم -وهو أصح التأويلين، وفي «البخاري» (١) ما يدل عليه، ولفظ الحديث يرشد إلى ذلك-، وإما بإسلامهم» (٢) . قلت: فجعل إسقاط ما وُظِّف عليهم بسبب إسلامهم من التأويلين، وقال عن الآخر: «أصح» . ويقتضي هذا أن هذا القولَ مرجوحٌ، وقد ردّه ابن الجوزي (٣) وشيخنا الألباني (٤) -رحمهما الله تعالى-، وفصّل الحميدي في ذلك، فقال: «وفي تفسير المنع وجهان؛ أحدهما: أن النبي ﷺ أَعلم أنهم سيسلمون، وسيسقط ما وُظِّف عليهم بإسلامهم، فصاروا مانعين بإسلامهم ما وظف عليهم، واستُدِلَّ على ذلك بقوله: «وعدتم من حيث بدأتم» ؛ لأن بدْأهم في علم الله، وفي ما قضى وقدّر أنهم سيسلمون، فعادوا من حيث بدؤوا، وقيل في قوله: «مَنَعَت العراق درهمها» الحديث: أنهم يرجعون عن الطاعة؛ وهذا وجه، وقد استَحْسنَ الأولَ بعضُ العلماء، وكان يكون هذا لولا الحديث الوارد الذي أفصَحَ فيه برجوعهم عن الطاعة، أخرجه البخاري (٥) من حديث سعيد بن عمرو، عن أبي هريرة، قال: «كيف أنتم إذا لم تَجْبُوا ديناراً ولا درهماً؟» فقيل: وكيف ترى ذلك؟ قال: «والذي نفسي بيده عن قول الصادق المصدوق. قال: عمَّ ذاك؟ قال: تُنتَهك ذمةُ الله وذِمّة رسوله، فيَشُدُّ الله قلوبَ أهلِ الذمة، فيَمنعون ما في أيديهم» » (٦) .

стр. 228

ثالثاً: وهو التأويل الثاني عند البغوي، ونص كلامه: «والتأويل الثاني: هو أنهم يرجعون عن الطاعة، فيمنعون ما وظف عليهم، وكان هذا القول من النبي ﷺ دليلاً على نبوته حيث أخبر عن أمر أنه واقع قبل وقوعه، فخرج الأمر في ذلك على ما قاله. وفيه بيانٌ على أن ما فعل عمر ﵁ بأهل الأمصار فيما وَظَّف عليهم كان حقّاً، وقد رُوي عنه اختلافٌ في مقدار ما وضعه على أرض السواد» (١) . قلت: وهذا القول من ضمن الأقوال التي أوردها النووي، مصدرة بـ (قيل) -وفيه إشارة إلى ضعفه عنده-، ونص عبارته: «قيل: لأنهم يرتدون في آخر الزمان، فيمنعون ما لزمهم من الزكاة وغيرها» (٢) ، ونحوه: رابعاً: قوله: «وقيل: معناه: أن الكفار الذين عليهم الجزية تقوى شوكتهم في آخر الزمان، فيمتنعون مما كانوا يؤدّونه من الجزية والخراج وغير ذلك» (٣) . والملاحظ أن هذين المعنيين على نقيض ما قبلهما، وبَيْنَ المعنى (الثالث) و (الرابع) تلازمٌ وترابطٌ؛ إذ رِدّةُ المشركين ومنعهم الزكاة تستلزم قوة شوكتهم، كما لا يخفى. وردد هذا المعنى غيرُ واحد من العلماء والباحثين؛ مثل:

стр. 229

* العلامة صِدّيق حسن خان -رحمه الله تعالى-. قال في «شرحه صحيح مسلم» بعد أن أورد الأقوال السابقة -بترتيبها- عن النووي، وعلق على الأخيرين بقوله: «قلت: وقد وُجد ذلك كله، في هذا الزمان الحاضر، في العراق، والشام، ومصر، واستولى الروم -يعني: النصارى- على أكثر البلاد، في هذه المئة الثالثة عشر، ولهم الاستيلاء على سائرها كل يوم، ولله الأمر من قبل ومن بعد» (١) . * العلامة المحدث أحمد شاكر ﵀. قال في تعليقه على «الخراج» (٢) ليحيى بن آدم موضّحاً هذا المنع عن الأقطار المذكورة: «فإن الأقطار الثلاثة لم تكن فُتحَتْ في عصر النبوة، وهذا الحديث آية كبرى، ففي خلافة عمر ضُمّتِ الأقطارُ الثلاثة إلى أمها -الحجاز-، وكانت دولة ملأت الخافقين، ثم توالت الفتن والأرزاء (٣) على المسلمين، وتقطعت

стр. 230

أوصالهم، وضمرت دولتهم، وتوزعت هذه الأمم ممالك لا صلة لواحدة منها بالحجاز، وفي كل منها حركة لنزع ربقة الإسلام، يقوم بها أفراد يسمون أنفسهم «المجددين» ، وإنما هم «المجردون» ، وها نحن نرى آثارها، ونسأل الله الوقاية من فتنتها. ولقد صدق رسول الله ﷺ : «إن الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها» (١) » . * الشيخ محمد خليل هراس -رحمه الله تعالى-. قال في تعليقه على كتاب «الأموال» (٢) لأبي عبيد: «المقصود من الحديث: أنّ كلَّ قطرٍ من هذه الأقطار المفتوحة ستمنع ما كان يؤديه من الخراج إلى بيت مال الخلافة. وهذا الحديث عَلَمٌ من أعلام النبوة، فقد أخبر النبي ﷺ بذلك قبل أن تُفتَح هذه الأقطار، ويُضربَ عليها الخراج» . خامساً: للإمام الخطابي في «معالم السنن» (٣) كلمة في تفسير (المنع) أوسع من العبارات السابقة، وليس فيها ما في القول الرابع، وإن كانت تلتقي معه في المعنى العام (٤) ، هذا نصها: «ومعنى الحديث: أن ذلك كائن، وأن هذه البلاد تفتح للمسلمين،

стр. 231

ويوضع عليها الخراج شيئاً مقدراً بالمكاييل والأوزان، وأنه سيمنع في آخر الزمان، وخرج الأمر في ذلك على ما قاله النبي ﷺ . وبيان ذلك: ما فعله عمر ﵁ بأرض السواد، فوضع على كل جريب عامر أو غامر درهماً وقفيزاً، وقد روي عنه اختلاف في مقدار ما وضعه عليه» انتهى. ونقلها ابن الجوزي (١) والبُجُمْعَوي (٢) ، وزاد عليها: «قلت: فارتفع في زماننا، فهو من معجزات النبوة» . فكلمته هذه فيها: «وأنه سيمنع في آخر الزمان» ، ولم يذكر (المانع) ، ولا (سبب المنع) ، بخلاف ما في القول السابق. ويبقى أن فيه إبهاماً وغموضاً، وذكرَ لازمَ المنع، وأنه يسبقه فتحٌ ووضع. سادساً: المراد منع هذه البلاد كنوزها من أصحابها، واستيلاء المسلمين عليها، وهذا المنع هو المراد من قوله ﷺ : «إنّ الله زوى (٣) لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن مُلْكَ أمتي سيبلغ ما زوي لي منها، وأعطيت الكنزين الأحمر والأبيض» (٤) . قال القاضي عياض في كتابه «إكمال المعلم» (٥) شارحاً الحديث:

стр. 232

«وهذا الحديث عَلَم من أعلام نبوته ﷺ لظهوره كما قال، وأنّ مُلكَ أمته اتسع في المشارق والمغارب، كما أخبر؛ مِن أقصى بحر طنجة (١) ، ومنتهى عمارة المغرب إلى أقصى المشرق، مما وراءَ خراسان والنهر، وكثير من بلاد الهند والسند والصغد (٢) ، ولم يتسعْ ذلك الاتساعَ من جهةِ الجنوب والشمال الذي لم يذكر ﵇ أنه أُرِيَه وأن ملك أمته سيبلغه. وقوله: «وأعطيت الكنزين الأحمر والأبيض» ظاهره الذهب والفضة، والأشبه أنه أراد كنز كسرى وقيصر وقصورهما وبلادهما؛ يدل على ذلك: قوله في الحديث الآخر عنهما في هلاكهما: «ولتنفق كنوزهما في سبيل الله» (٣) . وقوله في حديث جابر بن سمرة المخرج بعد -: «لتفتحن عصابة من المسلمين كنز آل كسرى الذي بالأبيض» (٤) . فقد بان أن الكنز الأبيض هو كنز كسرى، ويكون الأحمر هو كنز قيصر. ويدل عليه: ما جاء في حديث آخر في ذكر الشام: «إني لأبصر قصورهما الحمر» (٥) .

стр. 233

وقوله: «إني لأبصر قصر المدائن الأبيض» (١) . ثم ذكر حديثَنا في هذا السياق، قال: «ويدل على ذلك -أيضاً-: قوله ﵇: «إذا منعت العراق درهمها وقفيزها، ومنعت الشام مديها ودينارها» . فقد أضاف الفضة البيضاء إلى العراق وهي مملكة كسرى، والدينار الأحمر إلىالشام وهي مملكة قيصر. وقد يدل هذا -أيضاً- إلى ما ذكرناه أولاً من المراد به الذهب والفضة. وقيل: هو المراد بالحديث» انتهى. وذهب إلى نحوه أبو عبد الله محمد بن خلفة الوشتالي، الشهير بـ (الأُبّي) (ت ٨٢٧هـ) في شرحه المسمى «إكمال إكمال المعلم» (٢) ، قال في شرح قوله ﷺ : «وأعطيت الكنزين: الأحمر والأبيض» ما نصه: «الظاهر أنهما الذهب والفضة، وهما كنزا كسرى وقيصر، ملكي الشام والعراق؛ لحديث: «إذا (٣) منعت العراق درهمها (٤) ، ومنعت الشام مُدْيها

стр. 234

ودينارها» ، فأضاف الفضة إلى العراق، وهي مملكة كسرى، والدينار إلى الشام، وهي مملكة قيصر» . قلت: وهذا المعنى بعيدٌ عن حديثِنا، ولا صلَةَ له بقوله ﷺ في آخره: «وعدتم كما بدأتم» ، وهو على نقيض ما ذكره الشراح الآخرون، ويُلاحَظُ عليه الأمور الآتية: أولاً: إنه أهمل ذكر العراق فيه. ثانياً: أورده بلفظ رواية ابن ماهان: «إذا ... » ، والخبر محذوف، ويقدر ... -كما قدمناه (١) - بأمرين، يُبْعدان أن يكون المراد (استيلاء المسلمين على خيرات هذه البلاد) ، نعم؛ لازم أن تمنع هذه البلاد خيراتها -بعد سيطرة المسلمين عليها- أن تكون تحت أيديهم. ثالثاً: المنع -على هذا المعنى- كان للمسيطرين عليها، ورجعت خيراتُها إلى أهلها بعد إسلامهم، فمنعت مملكة كسرى الخيرَ الذي يُجبَى إليها من العراق، ومنعت مصر الخير الذي يجبى إليها من الشام، بسبب هلاكهم، وهذا مستلزم لعزّ الإسلام وأهله، ولا مناسبة لهذا المعنى للمنع في حديثنا الذي في آخره: «وعدتم كما بدأتم» . فصل في بيان الراجح في معنى (المنع) الوارد في الحديث عند الشراح القول الذي ارتضاه النووي ورجحه، وقال عنه: «وهو الأشهر» (٢) ؛ هو قوله: «إن معناه: أن العجم والروم يستولون على البلاد في آخر الزمان؛

стр. 235

فيمنعون حصول ذلك للمسلمين» (١) . وأيد ذلك بنصّ آخر، قال بعد العبارة السابقة مباشرة: «وقد روى مسلم هذا بعد هذا بورقات عن جابر، قال: «يوشك أن لا يجيء إليهم قفيز ولا درهم. قلنا: من أين ذلك؟ قال: من قبل العجم، يمنعون ذاك» (٢) . وقال على إثره: «وذكر في منع الرومِ ذلكَ بالشام مثلُه، وهذا قد وُجِد في زماننا في العراق، والآن موجود» (٣) . فصل في سياق قول جابر وتخريجه يشير النووي في كلامه السابق إلى ما أخرجه مسلم في «صحيحه» (٤) ، قال: «حدثنا زُهير بن حرب وعلي بن حُجر (واللفظ لزهير) ، قالا: حدثنا

стр. 236

إسماعيل بن إبراهيم، عن الجُريْري، عن أبي نَضْرة، قال: كنا عند جابر بن عبد الله، فقال: يوشك أهل العراق أن لا يُجبى (١) إليهم قفيز ولا درهم. قلنا: من أين ذاك؟ قال: من قبل العَجم، يمنعون ذاك. ثم قال: يوشك أهل الشام أن لا يجبى إليهم دينار ولا مُدْي. قلنا: من أين ذاك؟ قال: من قبل الروم، ثم أَسْكت (٢) هُنيَّة (٣) ، ثم قال: قال رسول الله ﷺ : «يكون في آخر أمتي خليفة يحثي المال حثياً، لا يعده عدّاً» . قال: قلت لأبي نضرة وأبي العلاء: أتريان أنه عمر بن عبد العزيز؟ فقالا: لا» انتهى. وأبو نضرة السائل؛ هو: المنذر بن مالك بن قُطعة العَبْديّ (٤) ، وأما أبو العلاء؛ فهو: يزيد بن عبد الله بن الشّخير. والسائل لهما: «أتريان أنه عمر بن عبد العزيز؟ فقالا: لا» ؛ هو الجُريري؛

стр. 237

واسمه: سعيد بن إياس، وهو ثقة، احتج به الشيخان، وأطلق ابن معين والنسائي القول بتوثيقه (١) . وقال أحمد بن حنبل: محدث أهل البصرة (٢) . وقال أبو حاتم: تغير حفظه قبل موته، فمن كتب عنه قديماً فهو صالح، وهو حسن الحديث (٣) . وقال كهمس: أنكرناه أيام الطاعون (٤) . وقال يزيد بن هارون: سمعتُ منه سنة اثنتين وأربعين ومئة، وهي أول سنة دخلتُ البصرة، ولم ننكر منه شيئاً، وكان قيل لنا: إنه اختلط. وقال ابن حبان: كان قد اختلط قبل أن يموت بثلاث سنين، قال: ولم يكن اختلاطه اختلاطاً فاحشاً (٥) . وقال الأبناسي (٦) : ومن سمع منه قبل التغيير، ... وذكر عشرة؛ منهم: (إسماعيل ابن عليّة) ، وهو منسوب هنا لأمه (٧) ؛ وهو: (إسماعيل بن إبراهيم) الذي في إسنادنا. والضابط في السماع من (الجريري) قبل الاختلاط ما قاله أبو داود فيما

стр. 238

رواه عنه أبو عبيد الآجري (١) : «كل من أدرك أيوب، فسماعه من الجريري جيد» . وحكاه الأبناسي (٢) -أيضاً-. وأخرج البخاري في «صحيحه» (كتاب استتابة المرتدين) (باب إثم من أشرك بالله) (١٢/٢٦٤ - مع «الفتح» ) من طريق إسماعيل بن إبراهيم عن الجريري بسنده حديث أبي بكر رفعه: «أكبر الكبائر: الإشراك بالله، ... » . وكذا أخرج له مسلم في «صحيحه» (٤/٢١٩٩ - ط. محمد فؤاد عبد الباقي) في كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها (باب عرض مقعد الميت) من الطريق نفسه حديثاً آخر. إذن؛ اختلاط الجريري (٣) لا يضر، والحديث السابق بسياقته التامة مداره عليه، ورواه عنه من طرق كل من: أولاً: إسماعيل بن إبراهيم (٤) (ابن عليّة) . أخرجه من طرق عنه: أحمد في «المسند» (٣/٣١٧) ، وابن حبان في «صحيحه» (٦٦٨٢ - «الإحسان» ) ، وأبو عوانة في «مسنده» -كما في «إتحاف المهرة» (٣/٥٧٦ رقم ٣٧٨٢) -، وأبو يعلى -رواية أبي بكر بن المقري (٥) - ومن طريقه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٢/٢١٣) -.

стр. 239

وأخرجه أبو عمرو الداني في «الفتن» (٥/١١١٩-١١٢٠ رقم ٦٠٣) من طريق علي بن معبد، حدثنا إسماعيل، به. مقتصراً على قول جابر بن عبد الله: «يوشك أهل العراق ألا يجبى إليهم قفيز ولا درهم من قبل العجم، يمنعون ذلك» . وسبق عنده (٥/١٠٥٣ رقم ٥٦٩) من الطريق نفسه المرفوع فقط، فكأنه فرق الحديث وقطعه. وأخرجه -أيضاً- في «الفتن» (٥/١١٢٠) من طريق زهير بن حرب، ثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن الجريري، عن أبي نضرة، قال: ... وذكره مقتصراً على قول جابر في ذكر (العراق) و (الشام) ، كما في رواية مسلم، دون قوله: «ثم أسكت هنيّة ... » وما بعده من المرفوع. وتابع ابنَ عليةَ عليه غيرُ واحد، وهذا ما وقفت عليه: ثانياً: عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي (١) . أخرجه مسلم (٢٩١٣) إثر رواية إسماعيل بن إبراهيم، قال: «بهذا الإسناد ونحوه» (٢) . وأخرجه البيهقي في «الدلائل» (٦/٣٣٠) وفي «الخلافيات» (٢/ق١٣٢/أ) من طريق محمد بن إسحاق بن خزيمة، قال:

стр. 240

حدثنا محمد بن بشار (١) وأبو موسى (٢) ، قالا: حدثنا عبد الوهاب، أخبرنا سعيد -قال بندار: ابن (٣) إياس- الجُرَيري، وقالا: عن أبي نضرة، عن جابر بن عبد الله، قال: يوشك أهل العراق لا يُجبى إليهم درهم ولا قفيز، قالوا: مما (٤) ذاك يا أبا عبد الله؟ قال: من العجم. وقال بُندار: من قِبل العجم. وقالا: يمنعون ذاك، ثم سكت هنيهة وقال هنيّة (٥) . [وقالا] (٦) : ثم قال: يوشك أهل الشام أن لا يُجبَى إليهم دينار ولا مُدْي. قال: مما (٧) ذاك؟ قال: من قبل الروم يمنعون ذاك. ثم قال رسول الله ﷺ : «يكون في أمتي خليفة يحثي المال [حثياً] (٨) ، لا يعده عدّاً» . ثم قال: والذي نفسي بيده ليعودن الأمر كما بدأ، ليعودن كل إيمان إلى المدينة كما بدأ بها (٩) ، حتى يكون كل إيمان بالمدينة. ثم قال رسول الله ﷺ (١٠) :

стр. 241

«لا يخرج رجل من المدينة رَغبة عنها إلا أبدلها الله خيراً منه، وليسمعن ناس برخْصٍ من أسعارٍ ورزقٍ فيتَّبِعونه، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون» وإسناده صحيح. وعلقه أبو عوانة في «مسنده» -كما في «إتحاف المهرة» (٣/٥٧٦ رقم ٣٧٨٢ و٥/٤٤٠ رقم ٥٧٢٨) - من طريق ابن عليّة وعبد الوهاب، عن الجريري، به. وأخرجه نعيم بن حماد في «الفتن» (١/٣٦٢ رقم ١٠٥٥) : حدثنا عبد الوهاب الثقفي، به مختصراً مقتصراً على قوله ﷺ : «يكون في أمتي خليفة يحثي المال حثياً، ولا يعده عدّاً» . وأخرجه نعيم في «الفتن» (٢/٦٨٤ رقم ١٩٣١) -أيضاً-: حدثنا عبد الوهاب، عن الجريري، عن أبي نضرة، عن جابر بن عبد الله، قال: قال حذيفة: «يوشك أهل العراق أن لا يجبى إليهم درهم ولا قفيز، يمنعهم من ذلك العجم، ويوشك أهل الشام أن لا يجبى إليهم دينار ولا مُدي، يمنعهم من ذلك الروم» . كذا فيه زيادة: «قال: قال حذيفة» ، وهي مثبتة في الطبعة الأخرى منه (٢/١٨٤) وفي النسخة الخطية (ج١٠/ق٧/ب) ، ولعلها من تخاليط (نعيم ابن حماد) ، فقد رواها من هو أوثق منه، وأكثر عدداً دونها. ونعيم بن حماد «في قوة روايته نزاع» . قاله الذهبي (١) ، وقال مسلمة بن القاسم: «كان صدوقاً، وهو كثير الخطأ، وله أحاديث منكرة في (الملاحم) انفرد بها» (٢) . ثالثاً: عبد الوهاب بن عطاء الخفاف (٣) .

стр. 242

أخرجه الحاكم في «المستدرك» (٤/٤٥٤) : أخبرنا الحسن بن يعقوب ابن يوسف العدل، وأحمد بن مروان الدينوري في «المجالسة» (٥/٣٩٨-٤٠٠ رقم ٢٢٦٣ - بتحقيقي) -ومن طريقه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٢/٢١٣-٢١٤) -، قالا: ثنا يحيى بن أبي طالب، ثنا عبد الوهاب بن (١) عطاء، به. ولفظه: «يوشك أهل العراق أن لا يجبى (٢) إليهم ... » وساقه (٣) مثل رواية عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي. وأخرجه الدينوري في «المجالسة» (٧/٥٢ رقم ٢٩٠٤) من طريق يحيى بن أبي طالب، به مقتصراً على قوله ﷺ : «والذي نفسي بيده، ما يخرج أحد من المدينة رغبةً عنها إلا أبدلها الله خيراً منه أو مثله» . وقال الحاكم عقبه: «هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه بهذه السياقة (٤) ، إنما أخرج مسلم حديث داود بن أبي هند عن أبي نضرة، عن

стр. 243

أبي سعيد، عن النبي ﷺ : «يكون في آخر الزمان خليفة يعطي (١) المال، لا يعدّه عدّاً» . قال: «وهذا له علة» ، قال: «فقد حدثناه علي بن عيسى، ثنا الحسين بن محمد بن زياد، ثنا أبو موسى ومحمد بن بشار، قالا: ثنا عبد الوهاب بن عبد الحميد (٢) ، ثنا داود بن أبي هند، عن أبي نضرة، عن جابر أو أبي سعيد، أن النبي ﷺ قال: «يكون في آخر هذه الأمة خليفة يقسم المال، لا يعده عدّاً» . قال شيخنا الألباني (٣) -رحمه الله تعالى- بعد كلام الحاكم السابق: «وأقول: لي على هذا الكلام ملاحظات: الأولى: أنه أوهم أن مسلماً لم يخرج حديث الجُريري مطلقاً، وليس كذلك كما ترى. الثانية: أن العلة التي أشار إليها ليست قادحة؛ لأن مسلماً قد أخرج الحديث من طريق عبد الصمد بن عبد الوارث: حدثنا أبي، حدثنا داود، به. إلا أنه قال: «عن أبي سعيد وجابر بن عبد الله، قالا: ... » هكذا بدون شك، وكذلك أخرجه أحمد (٣/٣٣٣) . وهذا أصح؛ لأن عبد الوارث والد عبد الصمد ثقة ثبت، بخلاف عبد الوهاب بن عبد المجيد (وفي الأصل: عبد الحميد، وهو خطأ مطبعي) ؛ ففيه

стр. 244

ما يأتي. الثالثة: أن عبد الوهاب هذا -وإن كان ثقة من رجال الشيخين فإنه- مذكور فيمن كان اختلط، فلا يُعل بروايته ما رواه الثقة الثبت عبد الوارث. ثم إن الحديث قد أورده السيوطي في «الجامع الكبير» مفرقاً من حديث جابر دون جملة الشام، وعزا الجملة الأولى المتعلقة بالعراق لأحمد وأبي عوانة وابن عساكر، وعزا حديث الترجمة لأحمد ومسلم فقط، وفي ذكره للجملة الأولى فيه -مع كونها موقوفة- إشارة منه إلى أنها في حكم المرفوع؛ وذلك لأنها من الأمور الغيبية التي لا تقال بالرأي والاجتهاد. وأيضاً؛ فإنه يشهد له حديث أبي هريرة مرفوعاً بلفظ: «منعت العراق ... » وساقه وعزاه لمسلم وأبي داود والبيهقي وابن عبد البر» انتهى كلام شيخنا ... -رحمه الله تعالى-. قال الذهبي في «التلخيص» : «رواه مسلم، فقال: عن أبي سعيد، ولم يشك» . قلت: أخرجه أحمد (٣/٣٣٣) : حدثنا عبد الصمد (١) ، حدثنا أبي، حدثنا داود، به، وفيه: «عن أبي سعيد وجابر» بالجمع لا بالشك (٢) ، ولفظه: «يكون في آخر الزمان خليفة يقسم المال ولا يعُدُّه» . وإسناده صحيح. وفي هذا متابعة للجريري على أصل الحديث، وليس فيه قول جابر (موطن الشاهد الذي سقناه من أجله) . قال أبو عبيدة: وأخرجه مسلم -أيضاً- (٢٩١٤، ٢٩١٣) بعد (٦٩) ،

стр. 245

وأبو يعلى (١٢١٦) من طريق عبد الصمد، وفيه: «عن أبي سعيد وجابر» . وأما حديث أبي سعيد؛ فقد أخرجه مسلم (٢٩١٤) بعد (٦٨) من طريق بشر -يعني (١) : ابن الفضل- وإسماعيل -يعني (٢) : ابن عليّة-؛ كلاهما عن سعيد بن يزيد، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد (٣) رفعه: «مِن خلفائكم خليفة يحثو المال حثياً (٤) ، لا يعده عدّاً» . قال مسلم: «وفي رواية ابن حُجر (٥) : يحثي المال» . وأخرج حديث أبي سعيد وحده: أحمد (٣/٥، ٣٧، ٤٨، ٤٩، ٦٠، ٨٠، ٩٦، ٩٨) ، وأبو عوانة -كما في «إتحاف المهرة» (٥/٤٤٠ رقم ٥٧٢٨) -، وليس فيه ذكر لـ (العراق) و (الشام) ، وستأتي بعض ألفاظه (٦) .

стр. 246

فصل في سياق كلام العلماء في تحديد من هم المانعون أورد غير واحد قول جابر الذي فيه: «يوشك أهل العراق أن لا يجبى إليهم قفيز ولا درهم. قلنا (١) : من أين ذاك؟ قال: من قبل العجم، يمنعون ذاك. ثم قال: يوشك أهل الشام أن لا يجبى إليهم دينار ولا مُدي. قلنا: من أين ذاك؟ قال: من قبل الروم» (٢) في معرض بيانه للمنع الوارد في حديثنا هذا: «منعت العراق درهمها وقفيزها، ... » إلخ. ومن ذهب إلى هذا جماعة؛ منهم: * الإمام البيهقي في كتابه «دلائل النبوة» (٦/٣٣٠-٣٣١) ، فإنه ساق حديث أبي هريرة، وذكر تأويلين (٣) له؛ أحسنهما عنده: «إن النبي ﷺ علم أنهم سيسلمون وسيسقط عنهم ما وُظِّف عليهم» ! وقال: «وتفسيره ... » . وأورد حديث جابر هذا (٤) . وناقشه في اختياره ابنُ كثير، وأقره على الاستدلال بحديث جابر، قال في «البداية والنهاية» (٦/٢٠٣) : «وقد اختلف الناس في معنى قوله ﵇: «منعت العراق ... » إلخ؛ فقيل: معناه: أنهم يسلمون فيسقط عنهم الخراج، ورجّحه البيهقي، وقيل: معناه: أنهم يرجعون عن الطاعة ولا يؤدون الخراج المضروب عليهم، ولهذا

стр. 247

قال: «وعدتم من حيث بدأتم» ؛ أي: رجعتم إلى ما كنتم عليه قبل ذلك. كما ثبت في «صحيح مسلم» (١) : «إن الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً، فطوبى للغرباء» » ، قال: «ويؤيد هذا القول؛ ما رواه الإمام أحمد ... » وأورد قول جابر، ثم عطف على ذكر لفظ مسلم في «صحيحه» ، وفيه قولة جابر مع ما رفعه إلى النبي ﷺ (٢) ، وقال: «والعجب أن الحافظ أبا بكر البيهقي احتجّ به على ما رجّحه من أحد القولين المتقدمين، وفيما سلكه نظر، والظاهر خلافه» (٣) . قال أبو عبيدة: وما رجحه ابن كثير غير دقيق (٤) ؛ إذ (المنع) فيه معنى (الغلبة) ، ويدل عليه قول جابر هذا، وقد أحسن النووي لما قال: «إن معناه -أي: المنع-: أن العجم والروم يستولون على البلاد في آخر الزمان، فيمنعون حصول ذلك للمسلمين» . ولي هنا ملاحظات مهمات: الأولى: في الحديث الذي معنا: «منعت العراق ... » وفي قول جابر: «يوشك أهل العراق أن لا يجبى إليهم قفيز ولا درهم» وكذا أهل الشام، وليس في هذا استيلاء عسكري على البلاد، وإنما في (منع أهل العراق) خيرات بلادهم؛ بحيث لا يتوسعون فيها على الرغم من كثرة الخيرات، وخصوبة الأرض، ووجود المقوّمات الاعتيادية لتحصيل ذلك، فقول النووي -رحمه الله تعالى-: «يستولون على البلاد في آخر الزمان» لازمٌ لهذه الألفاظ المتصوّرة في زمانه، والجامع بين (أشراط الساعة) عدم وجودها في زمن

стр. 248

النبي ﷺ ، وليس (الذم) ، أو (الكراهة) ، أو (الحرمة) ؛ كما يعتقد كثير من الناس. الثانية: أما بالنسبة إلى (الاستيلاء العسكري) ؛ فيحتاج إلى نصٍّ آخر، وهذا ما سأقوم به -إن شاء الله تعالى- في دراسة مفردة عن (الروم) و (العجم) وصِلَتِهِما بأحاديث الفتن، وسيكون ذلك بخصوص (ديار أهل الإسلام) جميعاً، بما فيها (العراق) ، ولكن الذي يهمني الآن ما يخص (منع خيرات العراق والشام ومصر) أهلها - (وهو منطوق حديثنا) -. الثالثة: المتأملُ قولَ جابر: «يوشك أهل العراق أن لا يجبى إليهم قفيز ولا درهم، ... من قبل العجم، يمنعون ذلك، يوشك أهل الشام أن لا يجبى إليهم دينار ولا مُدي، ... من قبل الروم» يخلص إلى: ١- منع أهل العراق هو الأول، ثم يتبعه منع أهل الشام (١) ، إذ «معنى قوله ﵁: «يوشك» : يسرع. وقيل: عسى» (٢) . والمعنى الأول يفيد الزمن، وكذا وقع ترتيبه في حديث أبي هريرة، وأثر جابر. ٢- المانعون لخيرات العراق هم العجم، والمانعون لخيرات الشام هم الروم، وهما مختلفان، وهذا هو الفرق بينهما: العَجم: من (العُجمة) ؛ وهي: «كون اللفظ مما وضعه غير العرب» (٣) ؛ بمعنى: «أن تكون الكلمة أو الجملة على غير أوزان الكلام، عند العرب الفصحاء» (٤) . وعليه؛ فـ (الأعجمي) : «معناه في كلام العرب: الذي في لسانه (عُجمة) ،

стр. 249

وإن كان من العرب. والعَجميّ: الذي أهله من العجم، وإن كان فصيح اللسان. يقال: رجل أعجمي، ورجل أعجم: إذا كان في لسانه عُجمة. ويقال للدواب: عُجم؛ لأنها لا تتكلم» (١) . فهؤلاء هم الذين يمنعون العراق خيراتهم، فهم خليط وأمشاج من الناس، تجمعهم (العُجمة) . وأما الروم: فهم «جيل من الناس معروف، كالعرب والفرس والزنج وغيرهم، والروم الذين تسمّيهم أهل هذه البلاد (٢) : الإفرنج. قال الإمام الواحدي -رحمه الله تعالى-: هم جيل من ولد (روم بن عيصو بن إسحاق) ، غلب اسم أبيهم عليهم، فصار كالاسم للقبيلة. قال: وإن شئت: هو جمع (روميّ) منسوب إلى (روم بن عيصو) ، كما يقال: زنجيّ وزنج، ونحو ذلك» (٣) . وجاء ذكرهم كثيراً في النصوص، وسموا في بعض الأحاديث الصحيحة بـ (بني الأصفر) (٤) . وعليه؛ فيحتمل أن يكون الحديث «مُنِعت» -بضم الميم وكسر النون- على البناء للمجهول، وهو حينئذٍ يلتقي مع: «يوشك أهل العراق أن لا يُجبى إليهم» . قال صاحب «تكملة فتح الملهم» (٦/٢٩٢) شارحاً حديث: «منعت العراق ... » :

стр. 250

«إنه إخبار بأن الكفار يسيطرون في آخر الزمان على معظم البلاد، فيمنعون مسلمي هذه البلاد من الحصول على ما يحتاجون إليه من الأموال (١) ، ويؤيده ما سيأتي في باب (لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل ... إلخ) من حديث جابر ﵁، قال: «يوشك أهل العراق أن لا يُجبى إليهم قفيز ولا درهم. قلنا: من أين ذاك؟ قال: من قبل العجم، يمنعون ذلك. ثم قال: يوشك أهل الشام أن لا يجبى إليهم دينار ولا مُدْي. قلنا: من أين ذاك؟ قال: من قبل الروم» . والظاهر على هذا التفسير أن يكون حديث الباب بلفظ: «مُنِعَت» ، بضم الميم وكسر النون على البناء للمجهول، ولم أر ذلك مصرحاً في شيء من الروايات، والله أعلم» انتهى. ودرج على هذا جماعة من السابقين؛ مثل: * القاضي عياض. قال في «إكمال المعلم» (٨/٤٥٧) : «وقوله: «يوشك أهل العراق أن لا يجبى إليهم قفيز ولا درهم ... » هو مثل قوله: «منعت العراق درهمها ... » الحديث، وقد فسّره في الحديث أن معناه: منعها الجزية والخراج؛ لغلبة العجم والروم على البلاد» . * النووي في هذا الموطن. فإنه اكتفى بقوله في «شرح صحيح مسلم» (١٨/٥٣) عند أثر جابر: «يوشك أهل العراق أن لا يجبى إليهم ... » : «قد سبق شرحه قبل هذا بأوراق» ؛ يريد: كلامه الذي قدمناه عنه (٢) . * صديق حسن خان.
следующие страницы →