← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 3346

العراق في أحاديث وآثار الفتن

مشهور آل سلمان

Полный текст (775 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

فصل في سياق كلام العلماء في تحديد من هم المانعون أورد غير واحد قول جابر الذي فيه: «يوشك أهل العراق أن لا يجبى إليهم قفيز ولا درهم. قلنا (١) : من أين ذاك؟ قال: من قبل العجم، يمنعون ذاك. ثم قال: يوشك أهل الشام أن لا يجبى إليهم دينار ولا مُدي. قلنا: من أين ذاك؟ قال: من قبل الروم» (٢) في معرض بيانه للمنع الوارد في حديثنا هذا: «منعت العراق درهمها وقفيزها، ... » إلخ. ومن ذهب إلى هذا جماعة؛ منهم: * الإمام البيهقي في كتابه «دلائل النبوة» (٦/٣٣٠-٣٣١) ، فإنه ساق حديث أبي هريرة، وذكر تأويلين (٣) له؛ أحسنهما عنده: «إن النبي ﷺ علم أنهم سيسلمون وسيسقط عنهم ما وُظِّف عليهم» ! وقال: «وتفسيره ... » . وأورد حديث جابر هذا (٤) . وناقشه في اختياره ابنُ كثير، وأقره على الاستدلال بحديث جابر، قال في «البداية والنهاية» (٦/٢٠٣) : «وقد اختلف الناس في معنى قوله ﵇: «منعت العراق ... » إلخ؛ فقيل: معناه: أنهم يسلمون فيسقط عنهم الخراج، ورجّحه البيهقي، وقيل: معناه: أنهم يرجعون عن الطاعة ولا يؤدون الخراج المضروب عليهم، ولهذا

стр. 247

قال: «وعدتم من حيث بدأتم» ؛ أي: رجعتم إلى ما كنتم عليه قبل ذلك. كما ثبت في «صحيح مسلم» (١) : «إن الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً، فطوبى للغرباء» » ، قال: «ويؤيد هذا القول؛ ما رواه الإمام أحمد ... » وأورد قول جابر، ثم عطف على ذكر لفظ مسلم في «صحيحه» ، وفيه قولة جابر مع ما رفعه إلى النبي ﷺ (٢) ، وقال: «والعجب أن الحافظ أبا بكر البيهقي احتجّ به على ما رجّحه من أحد القولين المتقدمين، وفيما سلكه نظر، والظاهر خلافه» (٣) . قال أبو عبيدة: وما رجحه ابن كثير غير دقيق (٤) ؛ إذ (المنع) فيه معنى (الغلبة) ، ويدل عليه قول جابر هذا، وقد أحسن النووي لما قال: «إن معناه -أي: المنع-: أن العجم والروم يستولون على البلاد في آخر الزمان، فيمنعون حصول ذلك للمسلمين» . ولي هنا ملاحظات مهمات: الأولى: في الحديث الذي معنا: «منعت العراق ... » وفي قول جابر: «يوشك أهل العراق أن لا يجبى إليهم قفيز ولا درهم» وكذا أهل الشام، وليس في هذا استيلاء عسكري على البلاد، وإنما في (منع أهل العراق) خيرات بلادهم؛ بحيث لا يتوسعون فيها على الرغم من كثرة الخيرات، وخصوبة الأرض، ووجود المقوّمات الاعتيادية لتحصيل ذلك، فقول النووي -رحمه الله تعالى-: «يستولون على البلاد في آخر الزمان» لازمٌ لهذه الألفاظ المتصوّرة في زمانه، والجامع بين (أشراط الساعة) عدم وجودها في زمن

стр. 248

النبي ﷺ ، وليس (الذم) ، أو (الكراهة) ، أو (الحرمة) ؛ كما يعتقد كثير من الناس. الثانية: أما بالنسبة إلى (الاستيلاء العسكري) ؛ فيحتاج إلى نصٍّ آخر، وهذا ما سأقوم به -إن شاء الله تعالى- في دراسة مفردة عن (الروم) و (العجم) وصِلَتِهِما بأحاديث الفتن، وسيكون ذلك بخصوص (ديار أهل الإسلام) جميعاً، بما فيها (العراق) ، ولكن الذي يهمني الآن ما يخص (منع خيرات العراق والشام ومصر) أهلها - (وهو منطوق حديثنا) -. الثالثة: المتأملُ قولَ جابر: «يوشك أهل العراق أن لا يجبى إليهم قفيز ولا درهم، ... من قبل العجم، يمنعون ذلك، يوشك أهل الشام أن لا يجبى إليهم دينار ولا مُدي، ... من قبل الروم» يخلص إلى: ١- منع أهل العراق هو الأول، ثم يتبعه منع أهل الشام (١) ، إذ «معنى قوله ﵁: «يوشك» : يسرع. وقيل: عسى» (٢) . والمعنى الأول يفيد الزمن، وكذا وقع ترتيبه في حديث أبي هريرة، وأثر جابر. ٢- المانعون لخيرات العراق هم العجم، والمانعون لخيرات الشام هم الروم، وهما مختلفان، وهذا هو الفرق بينهما: العَجم: من (العُجمة) ؛ وهي: «كون اللفظ مما وضعه غير العرب» (٣) ؛ بمعنى: «أن تكون الكلمة أو الجملة على غير أوزان الكلام، عند العرب الفصحاء» (٤) . وعليه؛ فـ (الأعجمي) : «معناه في كلام العرب: الذي في لسانه (عُجمة) ،

стр. 249

وإن كان من العرب. والعَجميّ: الذي أهله من العجم، وإن كان فصيح اللسان. يقال: رجل أعجمي، ورجل أعجم: إذا كان في لسانه عُجمة. ويقال للدواب: عُجم؛ لأنها لا تتكلم» (١) . فهؤلاء هم الذين يمنعون العراق خيراتهم، فهم خليط وأمشاج من الناس، تجمعهم (العُجمة) . وأما الروم: فهم «جيل من الناس معروف، كالعرب والفرس والزنج وغيرهم، والروم الذين تسمّيهم أهل هذه البلاد (٢) : الإفرنج. قال الإمام الواحدي -رحمه الله تعالى-: هم جيل من ولد (روم بن عيصو بن إسحاق) ، غلب اسم أبيهم عليهم، فصار كالاسم للقبيلة. قال: وإن شئت: هو جمع (روميّ) منسوب إلى (روم بن عيصو) ، كما يقال: زنجيّ وزنج، ونحو ذلك» (٣) . وجاء ذكرهم كثيراً في النصوص، وسموا في بعض الأحاديث الصحيحة بـ (بني الأصفر) (٤) . وعليه؛ فيحتمل أن يكون الحديث «مُنِعت» -بضم الميم وكسر النون- على البناء للمجهول، وهو حينئذٍ يلتقي مع: «يوشك أهل العراق أن لا يُجبى إليهم» . قال صاحب «تكملة فتح الملهم» (٦/٢٩٢) شارحاً حديث: «منعت العراق ... » :

стр. 250

«إنه إخبار بأن الكفار يسيطرون في آخر الزمان على معظم البلاد، فيمنعون مسلمي هذه البلاد من الحصول على ما يحتاجون إليه من الأموال (١) ، ويؤيده ما سيأتي في باب (لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل ... إلخ) من حديث جابر ﵁، قال: «يوشك أهل العراق أن لا يُجبى إليهم قفيز ولا درهم. قلنا: من أين ذاك؟ قال: من قبل العجم، يمنعون ذلك. ثم قال: يوشك أهل الشام أن لا يجبى إليهم دينار ولا مُدْي. قلنا: من أين ذاك؟ قال: من قبل الروم» . والظاهر على هذا التفسير أن يكون حديث الباب بلفظ: «مُنِعَت» ، بضم الميم وكسر النون على البناء للمجهول، ولم أر ذلك مصرحاً في شيء من الروايات، والله أعلم» انتهى. ودرج على هذا جماعة من السابقين؛ مثل: * القاضي عياض. قال في «إكمال المعلم» (٨/٤٥٧) : «وقوله: «يوشك أهل العراق أن لا يجبى إليهم قفيز ولا درهم ... » هو مثل قوله: «منعت العراق درهمها ... » الحديث، وقد فسّره في الحديث أن معناه: منعها الجزية والخراج؛ لغلبة العجم والروم على البلاد» . * النووي في هذا الموطن. فإنه اكتفى بقوله في «شرح صحيح مسلم» (١٨/٥٣) عند أثر جابر: «يوشك أهل العراق أن لا يجبى إليهم ... » : «قد سبق شرحه قبل هذا بأوراق» ؛ يريد: كلامه الذي قدمناه عنه (٢) . * صديق حسن خان.

стр. 251

نقل كلام النووي على حديث أبي هريرة السابق بتمامه، وقال عقبه: «قلت: وقد وجد ذلك كله في هذا الزمان الحاضر في العراق والشام ومصر. واستولى الروم -يعني: النصارى- على أكثر البلاد، في هذه المئة الثالثة عشرة، ولهم الاستيلاء على سائرها كل يوم، ولله الأمر من قبل ومن بعد» (١) . ودرج على هذا جماعة من الباحثين والمطَّلعين المعاصرين، فإنهم اعتنوا بكلام النووي، وأقروه على ما قال، ومنهم من أورد مقولته في سياق كلامٍ زاد الحديثَ معنىً وبياناً، وإليك شذرات من كلامهم: * قال الأستاذ مصطفى أبو النصر الشلبي في كتابه «صحيح أشراط الساعة ووصف ليوم البعث وأهوال يوم القيامة» (٢) تحت عنوان (قطع المال والغذاء عن العراق وغيرها من بلاد الإسلام) : «ومن علامات الساعة في آخر الزمان وأشراطها: استيلاء العجم والروم على البلاد، أو يحاصرونها سياسيّاً واقتصاديّاً، فيمنعون عنها المال والغذاء لإجبارها على الخضوع لإرادتها وسيطرتها على البلاد والعباد، والتحكم في أرزاقهم ومعاشهم، وسَلْبِ ما عندهم من الخيرات؛ كالبترول وغيره مما أنعم الله به على هذه البلاد» . ثم أورد حديثَ جابرٍ بلفظ مسلمٍ، وكلامَ النووي بتمامه عليه، وعلق عليه قائلاً: «قلت: لا يعني من قوله أنه قد وُجد في زمانهم أن ذلك لا يتكرر؛ فإنّ مِنْ أشراط الساعة ما يتكرر أكثرَ من مرة، كما في حديث تداعي الأمم على

стр. 252

الأمة الإسلامية؛ فقد حدَثَ هذا أكثر من مرة في تاريخ الأمة، وهو يحدث الآن بشكل أوسع وأوضح» . * وقال الأستاذ عمر سليمان الأشقر -حفظه الله تعالى- في كتابه «اليوم الآخر القيامة الصغرى» (١) تحت عنوان (توقُّفُ الجزية والخراج) ما نصه: «كانتِ الجزيةُ التي يدفعها أهلُ الذمة في الدولة الإسلامية، والخراجُ الذي يدفعه من يستغلُّ الأراضيَ التي فُتِحت في الدولة الإسلامية من أهم مصادر بيت مال المسلمين، وقد أخبر الرسول ﷺ بأن ذلك سيتوقف، وسيفقد المسلمون بسبب ذلك مورداً إسلاميّاً هامّاً، ففي «صحيح مسلم» عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «منعت العراق درهمها وقفيزها، ومنعت الشام مدها (٢) ودينارها، ومنعت مصر إردبها ودينارها، وعدتم من حيث بدأتم، وعدتم من حيث بدأتم» شهد على ذلك لحم أبي هريرة ودمه. والقفيز والمد (٢) والإردب: مكاييلُ لأهلِ ذلك الزمان في تلك البلاد، وبعضها لا يزال معروفاً إلى أيامنا، والدرهم والدينار أسماءٌ للعملات المعروفة في ذلك الوقت، ومنع تلك البلاد للمذكورات في الحديث بسبب استيلاء الكفار على تلك الديار في بعض الأزمنة، فقد استولى الروم، ثم التتار على كثير من البلاد الإسلامية، وفي عصرنا احتَلَّ الكفار ديار الإسلام، وأذهبوا دولة الخلافة الإسلامية، وأبعدوا الشريعة الإسلامية عن الحكم. قال النووي في تعليقه على الحديث: «الأشهر في معناه: أن العجم والروم يستولون على البلاد في آخر الزمان، فيمنعون حصول ذلك للمسلمين، وقد روى مسلم هذا بعد ذاك بورقات عن جابر، قال: «يوشك أن لا يجيء إليهم قفيز ولا درهم. قلنا من أين ذلك؟ قال: من قبل العجم، يمنعون ذاك» . وذكر

стр. 253

في منع الروم ذلك بالشام مثله، وهذا قد وجد في زماننا في العراق، وهو الآن موجود. وقيل: لأنهم يرتدون آخر الزمان، فيمنعون ما لديهم من الزكاة وغيرها. وقيل: معناه: أن الكفار الذين عليهم الجزية تقوى شوكتهم في آخر الزمان، فيمتنعون مما كانوا يؤدونه من الجزية والخراج، وغير ذلك» . وكل هذه التعليلات لسبب منع تلك الإيرادات لخزينة الدولة الإسلامية التي ذكرها النووي وُجِدَتْ، علاوةً على انهيار الدولة الإسلامية التي كانت تقيم اقتصادها على الشريعة الإسلامية، فإلى الله المشتكى» . وقال العلامة الشيخ التويجري في كتابه «إتحاف الجماعة فيما جاء في الفتن والملاحم وأشراط الساعة» (١) بعد أن أورد حديث أبي هريرة -وعزاه لأحمد ومسلم وأبي داود-: «وقد اختُلِفَ في معنى هذا الحديث: فقيل: معناه: أنهم يسلمون، فيسقط عنهم الخراج. ورجحه البيهقي (٢) . وقيل: معناه: أنهم يرجعون عن الطاعة، ولا يُؤدُّون الخراجَ المضروبَ عليهم، ولهذا قال: وعدتم من حيث بدأتم؛ أي: رجعتم إلى ما كنتم عليه قبل ذلك. ورجحَ هذا القولَ ابنُ كثير، ولم يحك الخطابيُّ في «معالم السنن» (٣) سواه. واستشهد له ابن كثير بما رواه الإمام أحمد ومسلم (٤) من حديث أبي نضرة، قال: كنا عند جابر بن عبد الله ﵄، ... » وساقه» ، ثم قال: «قلت: وأصرح من هذا ما رواه الإمام أحمد والبخاري عن أبي هريرة ﵁، قال: «كيف أنتم إذا لم تجتبوا ديناراً ولا درهماً؟! فقيل له:

стр. 254

وكيف ترى ذلك كائناً يا أبا هريرة؟ قال: إي؛ والذي نفس أبي هريرة بيده عن قول الصادق المصدوق. قالوا: عم ذلك؟ قال: تنتهك ذمة الله وذمة رسوله ﷺ ، فيشد الله قلوب أهل الذمة، فيمنعون ما في أيديهم (١) . والذي يظهر لي في معنى قوله: «منعت العراق درهمها ... » الحديث: أن ذلك إشارةٌ إلى ما صار إليه الأمر في زماننا وقبله بأزمان، من استيلاء الأعاجم من الإفرنج وغيرهم على هذه الأمصار المذكورة في حديث أبي هريرة ... ﵁، وانعكاسِ الأمور بسبب ذلك، حتى صار أهلُ الذمّةِ أقوى من المسلمين وأعظمَ شوكةً، فامتنعوا من أحكام الإسلام التي كانت تجري عليهم من قبل، وانتفض حكم الخراج وغيره، ثم زاد الأمر شدة، فوُضِعَتْ قوانينُ أعداءِ الله ونظمُهم مكانَ الأحكام الشرعية، وأَلزَموا بها مَن تحتَ أيديهم من المسلمين، والذين انفلتوا من أيدي المتغلبين عليهم ما زالوا على ما عهدوه من تحكيم القوانين وسنن أعداء الله -تعالى-، والتخلق بأخلاقهم الرذيلة، بل على شرٍّ مما عهدوه؛ كما لا يخفى على من له أدنى علم ومعرفة» انتهى. وأخيراً؛ فإن كثيراً من المحدثين في تخريجاتهم عَدُّوا (قول جابر) ... -الذي له حكم الرفع (٢) ، وفيه بيان المانعين- شاهداً لحديث أبي هريرة المرفوع الذي نحن بصدده، وهذا يدل على الصلة الوثيقة بينهما، وهو يلتقي مع كلام الشُّرّاح السابق، وهذا ما صنعه ابنُ كثير (٣) ، وابنُ حجر (٤) ، وأظهره

стр. 255

على وجهٍ جليٍّ شيخُنا الألباني -رحمه الله تعالى- في كتابه «صحيح سنن أبي داود» (١) (٨/٣٦٨-٣٦٩) ، فإنه قال في آخر تخريجه لحديث أبي هريرة: «وله شاهد من حديث جابر ... نحوه: رواه مسلم (٨/١٨٥) ، وأحمد (٣/٣١٧) » . وقال في «السلسلة الصحيحة» (٧/القسم الأول/ ١٩٨، رقم ٣٠٧٢) عند تخريج حديث جابر مرفوعاً: «يكون في آخر أمتي خليفةٌ يحثو المال حثْواً، لا يعده عدّاً» : «وأيضاً: فإنه شهد له (٢) حديث أبي هريرة مرفوعاً بلفظ ... » وأورده. ويمكن أن يفرق بين الحديثين (٣) بقولنا:

стр. 256

إن قوله: «يوشك أهل العراق أن لا يُجبى إليهم ... » ومثله الشام أن لا يُجبى هكذا بضم «أوله «يُجبى» ؛ أي: يُمنعون منه بسبب حصار ونحوه، أو مقاطعة خارجية، وهذا خاص -كما في الحديث- بالعراق والشام فقط، ولم تذكر «مصر» هنا، أما الحديث الآخر وهو «منَعَت العراق» ومثله الشام، ومثله مصر؛ فهو بفتح أوله «مَنَعت» ؛ أي أنهم هم الذين يمنعون ذلك؛ أي: هم الفاعلون، وليسوا المفعولَ بهم، وذكرت مصر هنا. وطبعاً هناك فرق هائل جوهري بين المعنيين؛ استفدناه من حركة «الحرف» الأول في كلٍّ من اللفظين: «يُجبى» و «مَنَعَت» ؛ فالأول (مبني للمجهول أو لما لم يسمّ فاعله) ، والثاني (مبني للمعلوم) . فالنبي الكريم ﷺ أخبر أن أهل العراق سيحاصرون ويقاطعون، ويُمنع (بضم الياء التحتية) عنهم الطعام والمساعدات، ثم يفعل هذا بالشام -أيضاً-. وكذلك أخبر النبي ﷺ في حديث آخر -ليس له علاقة بالحديث الأول- أن البلدان الإسلامية سترتد (!!) في آخر الزمان فتمنع ما لزمها من الزكاة وغيرها، وقد ذكر العلماء أقوالاً أخرى، ولكن هذا الذي أثبته هو المعتبر؛ لأنه الواقع، ونص الحديث يؤيده، فقد جاء في آخر الحديث التالي: «وعدتم من حيث بدأتم، وعدتم من حيث بدأتم، وعدتم من حيث بدأتم» . ويمكن أن نقول: أن الردة التي ذكرها العلماء ليست الردة عن الدين بالكلية، وإنما هي سقوط «الخلافة» وتفكك الدولة الإسلامية إلى دويلات مستقلة وانعدام بيت المال، ومنعت البلدان «الإسلامية» الخراج الذي كان يؤدى لبيت المال، وعلى أي التأويلات والتقديرات؛ فالحديثان مختلفان، سنداً ومتناً وفقهاً، ويمكن أن نضيف هذه العلامة كعلامة صغرى من علامات الساعة؛ وهي سقوط الخلافة، ومنع الدويلات الإسلامية المتشرذمة ما كان يجب عليها ويلزمها في دولة الخلافة» (١) .

стр. 257

وهو محمول على معنىً مرجوح لـ (المنع) المذكور في الحديث، وسبق بيان ذلك بالتفصيل، ولله الحمد والمنة. فصل في سياق كلام أبي هريرة ﵁ - سبق أن أشرت عند الكلام على تخريج حديث أبي هريرة المرفوع: «منعت العراق ... » أنّ ابن القيم -رحمه الله تعالى- عزاه في «أحكام أهل الذمة» (١/٢٦٦ - ط. رمادي) للشيخين، وأن لذلك وجهاً، وهذا التفصيل: علق الإمام البخاري في «صحيحه» في كتاب الجزية (باب إثم من عاهد ثم غدر) (٤/٨١ - ط. اليونينية) ، قال: قال أبو موسى: حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا إسحاق بن سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁، قال: كيف أنتم إذا لم تَجْتبوا (١) ديناراً ولا درهماً؟ فقيل له: وكيف؛ ترى ذلك كائناً يا أبا هريرة؟ قال: إي والذي نفسُ أبي هريرة بيده عن قول الصادق المصدوق (٢) ....................................................................

стр. 258

قالوا: عمّ (١) ذاك؟ قال: تُنتَهك ذمَّة (٢) الله وذمة رسوله ﷺ ، فَيَشُدُّ (٣) الله قلوب أهل الذمة، فيمنعون ما في أيديهم (٤) . وأخرجه أحمد (٥) في «المسند» (٢/٣٣٢) : حدثنا أبو النضر، حدثنا إسحاق بن سعيد، به. وزاد في آخره: «والذي نفس أبي هريرة بيده، لَيَكونَنَّ» مرتين. وأبو النضر هو هاشم بن القاسم، وإسناد أحمد صحيح على شرط الشيخين. وأخرجه أبو يعلى (١١/٦٦٣١ رقم ٦٦٣١) : حدثنا بشر بن الوليد، حدثنا إسحاق بن سعيد (٦) ، به. وإسناده حسن من أجل شيخ أبي يعلى.

стр. 259

وأخرجه أبو نعيم (١) في «المستخرج على البخاري» : حدثنا أبو أحمد، ثنا موسى بن العباس، ثنا محمد بن المثنى -هو أبو موسى-، به. قاله ابن حجر في «تغليق التعليق» (٣/٤٨٥) ، وقال في «فتح الباري» (٦/٢٨٠) : «قوله: «وقال أبو موسى» هو محمد بن المثنى شيخ البخاري، وقد تكرر نقل الخلاف في هذه الصيغة: هل تقوم مقام (العنعنة) فتحمل على السماع، أم لا تحمل على السماع إلا ممن جرت عادته أن يستعملها فيه؟ وبهذا الأخير جزم الخطيب (٢) ، وهذا الحديث قد وصله أبو نعيم في «المستخرج» من طريق موسى بن العباس، عن أبي موسى مثله. ووقع في بعض نسخ البخاري: «حدثنا أبو موسى» . والأول هو الصحيح، وبه جزم الإسماعيلي وأبو نعيم وغيرهما» . قال أبو عبيدة: لم يعزه المزي في «تحفة الأشراف» (٩/٥٠٤ رقم ١٣٠٨٧) إلا للبخاري، ورمز له بـ: (خت) ؛ أي: معلقاً، ولم يشر إلى وقوع خلاف فيه، بينما قال الشيخ زكريا الأنصاري في «تحفة الباري» (٣) (٦/٤٠٧) : «قال أبو موسى: هو محمد بن المثنى. وفي نسخة قال -أي: البخاري-: وقال أبو موسى. وفي أخرى: وحدثنا أبو موسى» . وقال العيني في «عمدة القاري» (١٥/١٠٢) : «وهذا التعليق، كذا وقع في أكثر نسخ «الصحيح» ، وقاله -أيضاً- أصحاب الأطراف، والإسماعيلي

стр. 260

والحميدي في «جمعه» (١) وأبو نعيم. وفي بعض النسخ: حدثنا أبو موسى، والأول هو الصحيح» . وساقا -أي: ابن حجر والعيني- حديث أبي هريرة عند مسلم المرفوع (٢) ، وقول جابر (٣) عند شرح هذا الحديث (٤) . ويلاحظ هنا اجتماع المعاني في هذه النصوص، ومن أجل ذلك جعل ابن القيم حديث أبي هريرة متفقاً عليه، وساق لفظ مسلم، كعادة من ألف في «الصحيحين» ، ولم يقتصر الأمر عليه، بل هو مسبوق بذلك، وهذا البيان: أورد محمد بن فُتوح الحُميدي في كتابه «الجمع بين الصحيحين» (٥)

стр. 261

(٣/٢٩٤-٢٩٥ رقم ٢٦٧٦) في (أفراد مسلم) (وهو الحادي والتسعون) من (مسند أبي هريرة) : «منعت العراق ... » ، وقال: «وقد أخرج البخاري معناه من حديث سعيد بن عمرو عن أبي هريرة تعليقاً (١) ، وإنما فرقناهما؛ لأن اللفظين مختلفان جدّاً، وإن كان المعنى واحداً،

стр. 262

ولو جُمِعَا لجاز، وقد ذكرنا في (أفراد البخاري) وهو (السابع والثمانون) من (أفراده) ، وأوله: «وكيف أنتم إذا لم تجبوا ديناراً ولا درهماً ... » الحديث» انتهى. قلت: وقال عند أثر أبي هريرة: «كيف أنتم إذا ... » في (٣/٢٦١ رقم ٢٥٧٩) من (مسند أبي هريرة) -أيضاً- في (أفراد البخاري) وهو (السابع والثمانون) : «أخرجه البخاري تعليقاً ... » (١) وساقه بتمامه إلى قوله: «فيمنعون ما في أيديهم» ، وقال: «وقد أخرجَ مسلمٌ معنى هذا الحديث بلفظٍ آخرَ أوجب تفريقَه، وإلا فهو في المعنى (متفق عليه) ، وهو (الحادي والتسعون) من (أفراد مسلم) ، وأوله: «منعت العراق درهمها وقفيزها ... » » . وكذلك صنع ابن الجوزي في شرحه لكتاب الحميدي، المسمى: «كشف المشكل من حديث الصحيحين» (٣/٥٤٧ رقم ٢٠٧٤/٢٥٧٩) ، قال عند (الحديث السابع والثمانين) : من (أفراد البخاري) وفيه لفظة: «تُنتهك ذمة الله ... » : قال: «سيأتي هذا الحديث في (أفراد مسلم) من هذا (المسند) -إن شاء الله تعالى-» . وقال فيه -أيضاً- (٣/٥٦٦-٥٦٧ رقم ٢١٤٢/٢٦٧٦) ما نصه: «وفي الحادي والتسعين: «منعت العراق درهمها وقفيزها» : «المعنى: ستمنع، فلما كان إخباراً عن متحتّم الوقوع حسن الإخبار عنه بلفظ الماضي؛ تحقيقاً لكونه يدل عليه أنه في بعض الألفاظ: «كيف أنتم إذا لم تَجتبوا ديناراً ولا درهماً» . وقد كان بعض العلماء يقول: إنما منعوا هذا لأنهم أسلموا. قال:

стр. 263

وهذا إخبار عن إجماع الكل على الإسلام. وهذا ليس بشيء؛ لأنه قد سبق صريحاً في هذا (المسند) في الحديث (السابع والثمانين) من (أفراد البخاري) : قال أبو هريرة: كيف أنتم إذا لم تجتبوا ديناراً ولا درهماً؟ قيل: وكيف؟ قال: تُنتهك ذمة الله وذمة رسوله، فيشدّ الله قلوب أهل الذمة، فيمنعون ما في أيديهم» » . قلت: فقوله «في هذا (المسند) » ؛ يريد: (مسند أبي هريرة) ، وجعلوا قولة أبي هريرة: «كيف أنتم ... » من ألفاظ حديث: «منعت العراق ... » . وهذا يؤكد أن الحديثين عنده سواء، وأنه فرقهما تبعاً لأصله، وجارى في ذلك الحميدي، وسبق قريباً قوله عند حديث مسلم: «هو في المعنى متفق عليه» . ومشى على هذا غير واحد من العلماء (١) غير ابن القيم -رحمه الله تعالى-. ولكن ترد هنا ثلاثة إشكالات مهمة؛ هي: الإشكال الأول: كيف يقال عن حديث مسلم الذي فيه «منعت العراق ... » متفق عليه ، وما عند البخاري: «كيف أنتم إذا لم تجتبوا» معلقاً، وليس بموصول؟ والجواب: أن هذا داخل في شرطه، وهذا النوع من التعليق صورته صورة التعليق، ولكن حقيقته ليس كذلك؛ «وذلك لأن الغالب ... على الأحاديث المعلقة أنها منقطعة بينها وبين معلقها، ولها صور عديدة ... معروفة، وهذا ليس منها» (٢) ؛ لأن أبا موسى محمد بن المثنى من شيوخ

стр. 264

البخاري (١) الذين احتج بهم وأكثر (٢) في «صحيحه» في غير ما حديث، كما بيّنه العلماء، ولما كان البخاريُّ غيرَ معروف بالتدليس؛ كان قوله في هذا الحديث: (قال) في حكم قوله (عن) أو (حدثني) أو (قال لي) . قال ابن تيمية ﵀ في كتابه «الاستقامة» (١/٢٩٤) عن رواية شبيهة بروايتنا هذه، وهي حديث هشام بن عمار في (المعازف) ، وعلقه البخاري عنه -وهو من شيوخه-: «صح فيها ما رواه البخاري في «صحيحه» تعليقاً مجزوماً به، داخلاً في شرطه» . الإشكال الثاني: كيف يقال عن لفظ مسلم: متفق عليه ، ولفظ البخاري بعيد عنه (٣) ، والمعنى وإن كان مؤتلفاً، فالألفاظ مختلفة؟

стр. 265

والجواب: إن العلماء في تخريجاتهم يتجوّزون في ذلك، وقد نبّه غيرُ واحدٍ على أنّ أصلَ الحديث إنْ كان في «الصحيحين» فإنه يُعزَى للشيخين، فقال السخاوي عند كلامه على (المستخرجات) -وأصحابُها أكثرُ الناسِ تجوّزاً في نسبة الأحاديث لـ «الصحيحين» ، على الرغم من اختلاف الألفاظ-: «إنّ أصحابَ المستخرجات غيرُ منفردين بصنيعهم، بل أكثر المخرجين للمشيخات والمعاجم، وكذا للأبواب، يوردون الحديث بأسانيدهم، ثم يصرحون بعد انتهاء سياقه غالباً بعزوه إلى البخاري أو مسلم أو إليهما معاً، مع اختلاف الألفاظ وغيرها، يريدون أصله» (١) . وقال الشيخ عبد الهادي نجا الأبياري في «نيل الأماني على مقدمة شرح القسطلاني لصحيح البخاري» (٢) : «اعلم أن ما أخرجه المؤلفون بعد الشيخين، كـ «السنن» لأبي داود إذا قالوا فيه: أخرجه البخاري أو مسلم؛ فلا يعنون بذلك أكثر من أن البخاري أو مسلماً أخرج أصل ذلك الحديث» . قال: «فعلى هذا ليس لك أن تنقل حديثاً منها وتقول: هو على هذا الوجه من كتاب البخاري أو مسلم؛ إلا أن تقابل لفظَه، أو يقول الذي خرجه: أخرجه البخاري بهذا اللفظ. كذا في «الملخص» ، ومثل ذلك يقال فيما يخرجه السيوطي في «الجامع الصغير» عن الشيخين أو أحدهما، فتفطّن» . وكلام أهل العلم في هذا الباب كثير، يصعب حصره، ويطول تعداده، ولكن أذكر كلاماً نقله الزيلعي عن ابن دقيق العيد، فيه ضرورة التزام اللفظ في الحديث المعزو، لا يجب إلا على من يقصد الاحتجاج بلفظة معينة من ذلك الحديث. ذكر ذلك في كلامه على حديث: «أيما إهاب دبغ فقد طهر» ، قال: «واعلم أن كثيراً من أهل العلم المتقدمين والمتأخرين عزوا هذا

стр. 266

الحديث في كتبهم إلى مسلم وهو وهم، وممن فعل ذلك البيهقي في «سننه» (١) ، وإنما رواه مسلم (٢) بلفظ: «إذا دبغ الإهاب فقد طَهُر» . واعتذر عنه الشيخ تقي الدين في كتاب «الإمام» ، فقال: «والبيهقي وقع له مثل ذلك في كتابه كثيراً، ويريد به أصل الحديث لا كل لفظة منه» ، قال: وذلك عندنا معيب جدّاً إذا قصد الاحتجاج بلفظة معينة؛ لأن فيها إيهام أن اللفظ المذكور أخرجه مسلم، مع أن المحدثين أعذر في هذا من الفقهاء؛ لأن مقصود المحدثين الإسناد ومعرفة المخرج، وعلى هذا الأسلوب ألفوا كتب الأطراف. فأما الفقيه الذي يختلف نظره باختلاف اللفظ؛ فلا ينبغي له أن يحتج بأحد المخرجين، إلا إذا كانت اللفظة فيه» (٣) انتهى. الإشكال الثالث: كيف يقال: إن لفظ مسلم متفق عليه، وغاية ما عند البخاري أنه من قول أبي هريرة، ولم يرفعه إلى رسول الله ﷺ ؟ والجواب من أربعة وجوه: الأول: في لفظ البخاري قسم مرفوع؛ وهو: «تنتهك ذمة الله ... » . الثاني: ذكر أبو هريرة منع ما في أيدي أهلِ الذّمة لحديث سمعه من النبي ﷺ ، ولم يصرح في هذه الرواية بألفاظه، أو لم يسقه بتمامه، وإنما وقع

стр. 267

له ذلك في مرة أخرى، وهي حديثه عند مسلم: «منعت العراق ... » . الثالث: إن هذا الوقف له حكم الرفع، إذ هو ليس مما يقال بالرأي. الرابع: ثبت نحوه، ووقع التصريح برفعه، وهذا البيان: أخرجه ابن أبي شيبة في «المصنف» (١٥/٦٢) بسندٍ جيد عن أبي حكيم مولى محمد بن أسامة، عن النبي ﷺ ، قال: «كيف أنتم إذا لم يُجْب لكم دينار ولا درهم؟» . قالوا: ومتى يكون ذلك؟ قال: «إذا نقضتم العهد شدد الله قلوب العدوّ عليكم، فامتنعوا منكم» . فصل في سياق الألفاظ وما يشهد لها من الآثار تبين لنا من خلال ما مضى، أن لحديثنا هذا ألفاظ متعددة سبق تخريجها بالتفصيل؛ هي: أولاً: حديث أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : «منعت العراق درهمها وقفيزها، ومنعت الشام مُدْيها ودينارها، ومنعت مصر إردبّها ودينارها، وعدتم من حيث بدأتم، وعدتم من حيث بدأتم، وعدتم من حيث بدأتم» . ثانياً: قول أبي هريرة: كيف أنتم إذا لم تجتبوا ديناراً ولا درهماً؟ فقيل له: وكيف ترى ذلك كائناً يا أبا هريرة؟ قال: إي؛ والذي نفس أبي هريرة بيده! عن قول الصادق المصدوق. قالوا: عمّ ذاك؟ قال: تُنتهك ذمّة الله وذمة رسوله ﷺ ، فيشدّ الله قلوب أهل الذمّة، فيمنعون ما في أيديهم. والأول لفظ مسلم مرفوعاً، والثاني لفظ البخاري، والقسم الأول منه موقوف له حكم الرفع، والآخر مرفوع.

стр. 268

ثالثاً: عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال: «لا تقوم الساعة حتى يُغلبَ أهلُ المُدِّ على مدهم، وأهلُ القفيزِ على قفيزهم، وأهلُ الإردبِّ على إردبهم، وأهلُ الدينار على دينارهم، وأهلُ الدرهم على درهمهم، ويرجع الناس إلى بلادهم» . وهذا لفظ ابن لهيعة عن عياش. رابعاً: عن أبي هريرة، قال: «كيف أنتم إذا لم يُجْبَ لكم دينارٌ ولا درهم ولا قفيز» . هذا لفظ ابن أبي شيبة (٨/٦٣٩ رقم ٢٩٧ - ط. دار الفكر) . خامساً: عن أبي نضرة، قال: كنا عند جابر بن عبد الله، فقال: «يوشك أهل العراق أن لا يجبى إليهم قفيز ولا درهم، قلنا: من أين ذاك؟ قال: من قبل العجم، يمنعون ذاك. ثم قال: يوشك أهل الشام أن لا يجبى إليهم دينار ولا مُدْي. قلنا: من أين ذاك؟ قال: من قبل الروم. ثم أسكت هنيّة، ثم قال: قال رسول الله ﷺ : «يكون في آخر أمتي خليفة يحثي المال حثياً، لا يعدّه عدّاً» . هذا لفظ مسلم، وأخرجه غيره كما تقدم. هذه الألفاظ التي أوردها الشراح والمخرجون. وقبل بيان ما يستنبط منها؛ أضيف إليها ما وقع لي من موقوفات لها صلة بهذا الباب؛ فأقول -والله المستعان-: سادساً: أخرج ابن أبي شيبة في «المصنف» (٨/٦٢٨ رقم ٢٣١ - ... ط. دار الفكر) ، قال: حدثنا حسين بن علي عن زائدة، قال: حدثنا أبو إسحاق، عن أرقم بن

стр. 269

يعقوب، قال: سمعتُ عبد الله يقول: كيف أنتم إذا خرجتم من أرضكم هذا (أي: العراق) إلى جزيرة العرب، ومنابت الشيح (١) ؟ قلت: من يخرجنا من أرضنا؟ قال: عدو الله. وإسناده ضعيف، أبو إسحاق هو عمرو بن عبد الله بن عبيد السَّبيعي «روى عن سبعين أو ثمانين لم يرو عنهم غيره» (٢) ، «وفي روايةِ زائدةَ (٣) بن قدامة عنه كلام» (٤) ، «وروايته عنه في «سنن أبي داود فقط» (٥) . نعم؛ تابعه زكريا بن أبي زائدة، أخرجه نعيم بن حماد في «الفتن» (٢/٦٨٤ رقم ١٩٣٢) ، قال: حدثنا عبدة بن سليمان، عن زكريا، به. ورواية زكريا عن أبي إسحاق في «الصحيحين» ، كما في «الكواكب النيرات» (ص ٣٥١) ، فزالت هذه العلة، وبقيت علة أخرى؛ هي: الأرقم بن يعقوب يُعد في الكوفيين (٦) ، وذكره مسلم في كتابه «المنفردات والوحدان» (ص ١٣٩/رقم ٣٨٠) ضمن (من تفرد بالرواية عنه أبو إسحاق السبيعي ممن لم يرو عنه أحد سواه) .

стр. 270

ولم ينفرد به، بل توبع عليه: تابعه ابن سيرين -وستأتي روايته قريباً (١) -، إلا أنه منقطع، فابن سيرين لم يسمع ابن مسعود، ولكن هذا يدلل على أن للأثر أصلاً، ولا سيما مع ضميمة ما ورد في الباب ما مضى، وسيأتي ما يشهد له في المعنى. ثم ظفرتُ بإسنادٍ حسنٍ لِذاته، يشهد لهذا الأثر: أخرج ابن أبي شيبة في «المصنف» (١٥/١٧٥ - ط. الهندية) عن جرير، عن عبد العزيز بن رفيع، عن شداد بن معقل، قال: قال عبد الله بن مسعود: «يوشك أن لا تأخذوا من الكوفة نقداً ولا درهماً، قلت: وكيف يا عبد الله بن مسعود!! قال: «يجيء قوم كأن وجوههم المجان المطرقة، حتى يربطوا خيولهم على السواد، فيجلوكم إلى منابت الشيح، حتى يكون البعير والزاد أحب إلى أحدكم من قصورهم هذه» . قلت: فيه شداد بن معقل وهو صدوق، كما في «التقريب» (ص ٢٦٤/ رقم ٢٧٥٨) ، وبقية رواته ثقات، وعليه؛ فإنه حسن لذاته. ويشهد لسائر ما في هذا اللفظ طريق (الربيع بن ناجذ) الآتي تحت (عاشراً) ، وهو به صحيح لغيره. ويحتمل أن يكون المذكوران أثرين منفصلين، وأن المذكور في رواية (الأرقم) هو (الدجال) ، ويوضحه: ما أخرجه البيهقي في «البعث والنشور» (ص ٢٨/رقم ٣١ - الاستدراكات) بسندٍ قوي -قاله الحافظ ابن حجر في «الفتح» (١١/٣١١) - من طريق أبي الزعراء -واسمه: عبد الله بن هانئ، وثقه العجلي وابن حبان-، قال: كنا عند عبد الله بن مسعود، فذكر الدجال، فقال: يفترق الناس عند

стр. 271

خروجه ثلاث فرق: فرقة تتبعه، وفرقة تلحقُ بأهلها منابتَ الشيح، وفرقة تأخذ شط هذا الفرات يقاتلهم ويقاتلونه، حتى يقتلون بغربي الشام، فيبعثون طليعة فيهم فرس أشقر وأبلق، فلا يرجع منهم أحد ... » وساق خبراً طويلاً. وأخرجه ابن أبي شيبة (٧/٥١١-٥١٢) ، والحاكم في «المستدرك» (٢/٥٠٧-٥٠٨ و٤/٤٩٦، ٥٩٨) ، والطبراني في «الكبير» (٩/٤١٣، ٤١٣-٤١٤ رقم ٩٧٦٠، ٩٧٦١) ، وعزاه في «الدر المنثور» (٨/٢٥٩) -أيضاً- إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم -وهو في «تفسيره» (١٠/٣٣٦٦-٣٣٦٨ رقم ١٨٩٥٧ - القسم غير المسند) -، وصححه الحاكم على شرط الشيخين، وتعقبه الذهبي في «التلخيص» بقوله: «ما احتجا بأبي الزعراء» (١) . سابعاً: أخرج ابن أبي شيبة -أيضاً- (٨/٦٢٨ رقم ٢٣٢) ، قال: حدثنا وكيع، عن محمد بن قيس، عن الشعبي، قال: قال حذيفة: «كأني بهم مُشرِّفي (٢) آذانَ فِيَلِهم رابطيها بحافّتي الفرات» . وهذا إسناد رجاله ثقات، محمد بن قيس هو الأَسْدِي، ثقة، والشعبي مات سنة ست أو سبع مئة، وهو ابن سبع وسبعين (٣) ، ومات حذيفة سنة ست وثلاثين (٤) ، وكان للشعبي آنذاك نحو سبع سنوات! وهذا يُؤْذِنُ بالانقطاع، ولم يذكر أحدٌ ممن ألف في (المراسيل) (٥) أنه أرسل عنه، ولم تقع للشعبي رواية عن حذيفة في الكتب الستة، ولا في «المسند» ، ولا في «إتحاف

стр. 272

المهرة» (١) . فهذا الإسناد ضعيف لإرساله. ولكن له طريق أخرى: أخرجه نعيم بن حماد في «الفتن» (٢/٦٨٠ رقم ١٩١٦) ، قال: حدثنا أبو المغيرة عن ابن عياش، عن أبي وهب الكلاعي، عن بسر، عن حذيفة، قال لأهل الكوفة: «ليخرجنكم منها قوم صغار الأعين، فطس الآنف، كأن وجوههم المجانّ المطرقة، ينتعلون الشعر، يربطون خيولهم بنخل (جوخا) (٢) ، ويشربون من فرض الفرات» . وهذا إسناد حسن، إسماعيل بن عياش صدوق في روايته عن الشاميين، وأبو وهب دمشقي -واسمه: عبيد الله بن عبيد الكلاعي-، صدوق -أيضاً-. ورواه منصور بن صقير: نا عبيد الله بن عمرو، عن زيد بن أبي أنيسة، عن حبيب بن أبي ثابت، قال: حدثني عامر بن واثلة، قال: سمعت حذيفة بن أسيد يقول: قال رسول الله ﷺ : «يوشك خيل لتُرْكٍ أن تُرْبَط بسعُف نخلٍ» (٣) . فجعله من المرفوع، وهو ليس كذلك.

стр. 273

أخرجه ابن قانع في «معجم الصحابة» (٤/١٤٦٢ رقم ٣٨٣) ، وأبو عمرو الداني (١) في «الفتن» (٤/٩٠٤ رقم ٤٦٨) ، والبيهقي في «البعث والنشور» (ص ٨٠/رقم ٤٢) من طرق عن عمرو بن غالب التمتام، عن منصور، به. وإسناده ضعيف، منصور بن صقير ضعيف، والتمتام متكلم فيه. ثامناً: وأخرج الحاكم في «المستدرك» (٤/٤٤٥) من طريق سفيان عن الأعمش، عن عبد الرحمن بن سعيد (٢) بن وهب، عن أبيه، عن حذيفة ﵁، قال: «كأني براكب قد نزل بين أظهركم حال بين اليتامى والأرامل، وبين ما أفاء الله على آبائهم، فقال: المال لنا» . قال الحاكم: «هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه» ، ووافقه الذهبي في «التلخيص» . قلت: إسناده صحيح، وعبد الرحمن بن سعيد لم يخرج له البخاري في «صحيحه» ، وإنما في «الأدب المفرد» ، وهو ثقة، وأبوه كذلك. تاسعاً: أخرج ابن أبي شيبة في «المصنف» (٧/٥٥٤ رقم ١٥ و٨/٦٧٢-٦٧٣ رقم ٦٦) عن عفان: ثنا حماد بن سلمة، عن عطاء بن السائب، عن أبيه، قال: قال لي عبد الله بن عمرو: ممن أنت؟ قلت: من أهل الكوفة. قال: والذي نفسي في يده! لتساقُنَّ (٣) منها إلى أرض العرب لا تملكون قفيزاً ولا درهماً، ثم لا ينجيكم.

стр. 274

وهذا إسناد حسن، وعطاء بن السائب الثقفي صدوق اختلط، ووالده السائب بن مالك أو ابن يزيد الكوفي ثقة، ورواية حماد بن سلمة عن عطاء قبل اختلاطه. قاله ابن معين وأبو داود والطحاوي وحمزة الكناني، وعزاه العراقي في «التقييد والإيضاح» (٤٤٣) وابن الكيال في «الكواكب النيرات» (ص ٣٢٥) إلى الجمهور. والأثر صحيح، وله شواهد تأتي قريباً. عاشراً: أخرج ابن أبي شيبة في «المصنف» (١٥/١٨٦ - ط. الهندية، أو ٨/٦٧٣ رقم ١٧٢ - ط. دار الفكر) : حدثنا غندر، عن شعبة، عن الحكم (١) ، قال: سمعتُ أبا صادق يحدث عن الربيع بن ناجذ، عن ابن مسعود، قال: «يأتيكم قوم من قبل المشرق عراض الوجوه، صغار العيون، كأنما ثقبت أعينهم في الصخر، كأن وجوههم المجانّ المطرقة، حتى يوثقوا خيولهم بشطّ الفرات» . وأبو صادق هو مسلم بن يزيد الأزدي، وقيل: عبد الله بن ناجذ، صدوق (٢) ، والربيع -كذا في الأصل، وصوابه: «ربيعة» - بن ناجذ -بالذال المعجمة، كما في «التبصير» (٤/١٤٠٣) ، وفي «التقريب» (ص ٢٠٨ رقم ١٩١٨ - ط. عوامة) بالدال المهملة- الأزدي، هو أخو أبي صادق الراوي عنه، قال عنه ابن حجر في «التقريب» : «ثقة» ، ووثقه ابن حبان والعجلي وابن خلفون، وقال الذهبي في «الميزان» (٢/٤٥ رقم ٢٧٥٨) : «لا يكاد يعرف» ،

стр. 275

وقال في «المغني» (١/٣٣٥ رقم ٢١٠٩) : «فيه جهالة» (١) . وأخرجه ابن الشجري في «أماليه» (٢/٢٦٦-٢٦٧) من طريق زيد بن أبي أنيسة، عن الحكم، به، وجعله من قول حذيفة لا ابن مسعود، ولفظه: «ليخرجنّ أهل هذه القرية -يعني: الكوفة- قومٌ -يجيئون ها هنا- وأهوى بيده نحو الشرق -كأن وجوههم المجانّ المطرقة، كأنما نُقِبت أعينهم في الصخر- يجيئون على خيل مخرمة الآذان، حتى يربطوا خيولهم بشاطئ هذا الفرات» . وهذا الأثر صحيح لغيره عن ابن مسعود وحذيفة بالطُّرُق التي تقدمت تحت (سادساً) و (سابعاً) ، ولآخره عن ابن مسعود شاهد من طريق أخرى عن ابن سيرين؛ يأتي قريباً. حادي عشر: أخرج ابن أبي شيبة (٨/٦٩٦ رقم ٧٠) عن وكيع، عن إسماعيل، عن قيس: أن رجلاً كان يمشي مع حذيفة نحو الفرات، فقال: كيف أنتم إذا خرجتم لا تذوق منه قطرة؟ قلنا: أتظن ذلك؟ قال: ما أظنه، ولكن أستيقنه. وقيس هو ابن أبي حازم، قال علي بن المديني في «العلل» (ص ٨٦-٨٧ - ط. غراس) : «قيس بن أبي حازم سمع من: ... وحذيفة بن اليمان» ، وإسماعيل هو ابن أبي خالد. فالإسناد صحيح على شرط الشيخين. وتابع وكيعاً: مروان بن معاوية الفَزَاري، وسمى الرجل الذي كان يمشي مع حذيفة (عروة بن أبي الجعد البارقي) .

стр. 276

أخرجه نعيم بن حماد (١) في «الفتن» ومن طريقه الطبراني، ومن طريق الطبراني (١) : ابنُ العديم في «بغية الطلب» (١/٥١٥-٥١٦) . وعلق السرقسطي في «الدلائل» (٢/٩٣٥-٩٣٦ رقم ٥٠٦) عن حذيفة قوله: «يوشك بنو قَنْطُورى أن يخرجوا أهل العراق من عراقهم» ، وذكره ابن الأثير في «النهاية» (٤/١١٣) . فصل في بيان أن المراد بالأخبار السابقة أكثر من حادثة من الجدير بالذكر أن المراد ببعض الآثار السابقة ما حصل زمن (التتار) و (المغول) ، عندما خرجوا إلى (العراق) و (الشام) و (مصر) ، وعاثوا فيها الفساد، وصبوا على أهلها العذاب، وهذا الدليل: فلفظ ابن مسعود في الأثر قبل الأخير عند عبد الرزاق في «المصنف» (١١/٣٨٠ رقم ٢٠٧٩٨) -ومن طريقه نعيم بن حماد في «الفتن» (٢/٦٨٣ رقم ١٩٢٨) ، والطبراني في «الكبير» (٩/١٩٢ رقم ٨٨٥٩) ، والحاكم في «المستدرك» (٤/٤٧٥) ، وابن العديم في «بغية الطلب» (١/٥١٧-٥١٨) - عن معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن ابن مسعود، قال: «كأني بالترك (٢) على براذين، مجذمة (٣) الآذان، حتى يربطوها بشط

стр. 277

الفرات» رجاله ثقات، إلا ابن سيرين عن ابن مسعود منقطع. قاله البيهقي (١) . قال الهيثمي في «المجمع» (٧/٣١٢) : «رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح إن كان ابن سيرين سمع من ابن مسعود» . قلت: هذا الإسناد منقطع؛ لأن ابن سيرين لم يسمع من عبد الله بن مسعود ﵁، وذلك أن ابن سيرين ولد سنة ثلاث وثلاثين من الهجرة؛ لأن أخاه أنساً قال: «ولد أخي محمد لسنتين بقيتا من خلافة عثمان، وولدتُ بعده بسنة» ، ومن المعروف أن عثمان ﵁ استشهد سنة خمس وثلاثين، وعليه؛ فإن ولادة ابن سيرين كانت سنة ثلاث وثلاثين، وأما عبد الله بن مسعود فإنه توفي سنة اثنتين وثلاثين؛ أي: توفي قبل ولادة ابن سيرين بسنة. انظر: «سير أعلام النبلاء» (٤/٦٠٦) ، «التقريب» (ص ٣٢٣ رقم ٣٦١٣) . ثم وجدت الخبر عند أبي عمرو الداني في «الفتن» (٤/٩٠٣ رقم ٤٦٧١) من طريق علي بن معبد، قال: ثنا إسماعيل ابن عليّة عن أيوب، به. وفيه: «عن ابن سيرين، قال: نبّئتُ أن ابن مسعود كان يقول: كيف أنتم يا أهل الكوفة! إذا أتتكم الترك على براذين مُجذمة الآذان، حتى يربطون بشط الفرات بالنخل» . فوقع التصريح هنا أن ابن سيرين لم يسمعه من ابن مسعود، وبينهما واسطة، وقد ظهرت لنا في الآثار السابقة. فالخبر صحيح بطرقه، وتقدمت، والشاهد منه هنا: «كأني بالترك» .

стр. 278

وفي الأثر نفسه بلفظ ابن أبي شيبة السابق وصف للقوم بأنهم (عراض الوجوه، صغارالعيون) (١) ، ووصفُهم هذا مع مقاتِلَتِهم واردٌ في أحاديث صحيحةٍ شهيرةٍ كثيرةٍ؛ منها: ما أخرجه البخاري (٢) ومسلم (٣) عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قوماً نعالهم الشعر (٤) ، وحتى تقاتلوا الترك (٥) صغار الأعين،.........................................................

стр. 279

حمر الوجوه، ذلف الأنوف (١) ، كأن وجوههم المجانّ المطرقة (٢) ، وتجدون من خير الناس أشدهم كراهية لهذا الأمر حتى يقع فيه، والناس معادن، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام، وليأتين على أحدكم زمان لأن يراني أحبُّ إليه من أن يكون له مثل أهله وماله» . وأخرجه الحميدي (١١٠٠) وأحمد (٢/٢٣٩، ٢٧٦، ٣٠٠، ٣١٩، ٣٩٨، ٤٩٣) وإسحاق (١/٢٦٦-٢٦٧ رقم ٢٣٥) وأبو يعلى (٥٨٧٨) في «مسانيدهم» ، وابن أبي شيبة (١٥/٩٢) وعبد الرزاق (٢٠٧٨١) في «مصنفيهما» ، ومالك في «الموطأ» (٢/١٩١) ، وأبو داود (٤٣٠٣، ٤٣٠٤) والنسائي (٦/٤٤-٤٥) والترمذي (٢٢١٥) وابن ماجه (٤٠٩٦) في «سننهم» ، وابن حبان في «صحيحه» (٦٧٤٤، ٦٧٤٥، ٦٧٤٦) ، وأبو عوانة في «الفتن» -كما في «إتحاف المهرة» (٥/٢٤٦) ، والدارقطني في «العلل» (٩/١٨٣) -، والبغوي (٤٢٤٤) ، ونعيم بن حماد (٢/٦٨١، ٦٨٤-٦٨٥ رقم ١٩١٩ و١٩٣٣ و١٩٣٤) وأبو عمرو الداني (٤/٨٧٢ رقم ٤٥١) كلاهما في «الفتن» ، والخطيب في «الكفاية» (٤١٦) ، والقزويني في «التدوين» (١/٣٦) ، والطبراني في «مسند الشاميين» (١/٨٦-٨٧ رقم ١٢٠) ، والديلمي في «الفردوس» (٥/٨٢ رقم ٧٥٢٢) ، وأبو نعيم في «الدلائل» (٢/٥٤٣-٥٤٤

стр. 280

رقم ٤٧٢، ٤٧٣) ، وغيرهم كثير من طرق عن أبي هريرة (١) . وفي رواية أخرى للبخاري (٢) : «لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا خُوزاً وكِرْمان (٣) من الأعاجم، حُمْر الوجوه، فُطْس (٤) الأُنُوف، صغار الأعين، وجوههم المجانّ المطرقة، نعالهم الشّعر» . ولمسلم (٥) : أن رسول الله ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون الترك، قوماً وجوههم كالمجانّ المُطْرَقة، يلبسون الشَّعر، ويمشون في الشعر» (٦) . وقد وقع قتال هؤلاء الذين وصفهم رسول الله ﷺ ، وكان ذلك في أول

стр. 281

خلافة بني أمية، وانتصر عليهم المسلمون وغنموا منهم. ووقع هذا -أيضاً- في عصر مجدد الإسلام الإمام ابن تيمية ﵀، وكان ممن تشرف بقتالهم، وحث المسلمين على جهادهم، فكانت آية كبرى حيث رآها بعينه، وعايشها بوجدانه، فقال: «وفي القرآن والأحاديث عنه ﷺ من الأخبار بما سيكون في الدنيا والآخرة أضعافُ أضعافِ ما يوجد عن الأنبياء قبله، حتى إنه ينبئ عن الشيء الذي يكون بعدما يَبِينُ من السنين خبراً أكملَ مِنْ خبرِ مَنْ عايَنَ ذلك» (١) . ثم أورد الحديث، وقال -وهذا موطن الشاهد-: «فمن رأى هؤلاء الترك الذين قاتلهم المسلمون من حين خرج جنكيز خان، مَلِكُهم الأكبر، وأولادُه وأولاد أولاده؛ مثل (هولاكو) وغيرِه من الترك الكفار الذين قاتلهم المسلمون؛ لم يحسن أن يصفَهم بأحسنَ من هذه الصفة، وقد أخبر بهذا قبل ظهوره بأكثر من ست مئة سنة» ؛ أي: التي وصفهم بها رسولُ الله ﷺ . ويقول الإمام النووي ﵀ في «شرح صحيح مسلم» : «وقد وُجِد في زماننا الترك الذين تحدَّثَ عنهم الرسول الكريم ﷺ ، هكذا بجميع صفاتهم التي ذكرها النبي ﷺ ، وقاتلهم المسلمون مرات» (٢) . ويقول الحافظ ابن حجر ﵀: «وقاتل المسلمون الترك في خلافةِ بني أمية، وكان ما بينَهم وبين المسلمين مسدوداً إلى أن فُتح ذلك شيئاً بعد شيء، وكثُرَ السَّبْيُ منهم، وتنافسَ الملوك فيهم، لما فيهم من الشدة والبأس، حتى كان أكثرُ عسكرِ المعتصم منهم.

стр. 282

ثم غلبَ الأتراكُ على المَلِك، فقتلوا ابنه المتوكل، ثم أولاده واحداً بعد واحد، إلى أن خالط المملكةَ الدَّيلمُ، ثم كان الملوك السامانية من الترك ... -أيضاً- فملكوا بلاد العجم. ثم غلب على تلك الممالك آل سُبُكْتكين، ثم آل سلجوق، وامتدت مملكتهم إلى العراق والشام والروم، ثم كان بقايا أتباعهم بالشام؛ وهم آل زنكي أتباع هؤلاء وهم بيت أيوب، واستكثر هؤلاء -أيضاً- من الترك، فغلبوهم على المملكة بالديار المصرية والشامية والحجازية. وخرج على آل سلجوق في المئة الخامسة الغُزُّ، فخربوا البلاد وفتكوا في العباد. ثم جاءت الطامة الكبرى بالتتر، فكان خروج جنكيز خان بعد الست مئة، فأُسعِرَتْ بهم الدنيا ناراً، خصوصاً المشرق بأسره، حتى لم يبقَ بلدٌ منه حتى دخله شرُّهم، ثم كان خراب بغداد، وقتل الخليفة المستعصم آخر خلفائهم على أيديهم في سنة ست وخمسين وست مئة، ثم لم تزل بقاياهم يخربون إلى أن كان آخرهم (اللَّنْك) ، ومعناه: الأعرج، واسمه: تَمُر -بفتح المثناة وضم الميم وربما أشبعت-، فطَرَقَ الديارَ الشامية، وعاث فيها، وحرّق دمشقَ، حتى صارت خاويةً على عروشها، ودخل الروم والهند وما بين ذلك، وطالت مدته إلى أن أخذه الله، وتفرق بنوه [في] البلاد، وظهر بجميع ما أوردته مصداق قوله ﷺ : «أن بني قنطورا أول من سلب أمتي ملكهم» (١)

стр. 283

(والمراد ببني قنطورا: الترك) » (١) . قال أبو عبيدة: (بنو قنطوراء) هم الترك، نسبة إلى (قنطوراء) ؛ كانت جارية لإبراهيم، فولدت له أولاداً، والترك من نسلها. قاله الأزهري (٢) . والمتمعن في ألفاظ حديث (بني قنطورا) يجد أن بعض الآثار السابقة تخصهم؛ مثل: ما أخرجه عبد الرزاق في «المصنف» (١١/٣٨١ رقم ٢٠٧٩٩) -ومن

стр. 284

طريقه الحاكم في «المستدرك» (٤/٤٧٥) - ونعيم بن حماد في «الفتن» (٢/٦٨٣ رقم ١٩٢٩) عن معمر. وأخرجه نعيم بن حماد في «الفتن» (٢/٦٧٩ رقم ١٩١٢) : حدثنا ابن عليّة؛ كلاهما قال: عن أيوب، عن ابن سيرين، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، قال: قال [لي] (١) عبد الله بن عمرو بن العاص: أوشك بنو قنطوراء أن يخرجوكم من أرض العراق، قال: قلت: ثم نعود؟ (٢) قال: وذاك (٣) أحب إليك؟ ثم تعودون (٤) ، ويكون لكم (٥) بها سلوة من عيش» . قال الحاكم: «هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، وبنو قنطوراء: هم الترك» . وأخرجه ابن أبي شيبة في «المصنف» (٨/٦٣٦-٦٣٧ رقم ٢٨١) ، قال: حدثنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا هشام، عن محمد، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، قال: قدمتُ الشام، قال: فقلتُ: لو دخلت على عبد الله بن عمرو فسلّمتُ عليه، فأتيتُه، فسلمت عليه، فقال لي: من أنت؟ فقلت: أنا عبد الرحمن ابن أبي بكرة، قال: «يوشك أن يخرجوكم من أرض العراق. قلت: ثم نعود؟ قال: أنت تشتهي ذلك؟ قلت: نعم، قال: نعم، وتكون لكم سلوة من عيش» . وأخرجه الحاكم في «المستدرك» (٢/٤٧٥) من طريق معاذ بن هشام: حدثني أبي عن قتادة، عن ابن سيرين، به، وفيه قول ابن عمرو:

стр. 285

«يوشك بنو قنطوراء بن كركر أن يخرجوا أهل العراق من أرضهم (١) ... » مثله. وهذه أسانيد صحيحة، لها حكم الرفع. وتكرر سؤال أهل العراق عبدَالله بن عمرو عن خروجهم من العراق، ولم يقتصر السؤال على عبد الرحمن بن أبي بكرة -وهو بصري (٢) -، وإنما سأله عن هذا -أيضاً- جماعة من أهل البصرة (٣) -أيضاً-؛ منهم: سليمان بن ربيعة -ووصف في بعض الروايات (٤) : بأنه «من نساك أهل البصرة» -، وصاحبه المنتصر بن الحارث الضّبّي في (جماعة من القُرّاء) (٥) ، أخرج قصتهم بطولها الحاكم في «المستدرك» (٤/٥٣٣-٥٣٥) ، قال: أخبرنا أحمد بن عثمان المقرئ وبكر بن محمد المروزي، (قالا) : ثنا أبو قلابة. وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٣١/٢٨١-٢٨٤) من طريق الحسن بن أبي الربيع الجرجاني؛ كلاهما قال: حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، ثنا أبي، ثنا حسين بن ذكوان المعلم، ثنا عبيد (٦) الله بن بريدة الأسلمي: أن سليمان بن
следующие страницы →