← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 3346

العراق في أحاديث وآثار الفتن

مشهور آل سلمان

Полный текст (775 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

خلافة بني أمية، وانتصر عليهم المسلمون وغنموا منهم. ووقع هذا -أيضاً- في عصر مجدد الإسلام الإمام ابن تيمية ﵀، وكان ممن تشرف بقتالهم، وحث المسلمين على جهادهم، فكانت آية كبرى حيث رآها بعينه، وعايشها بوجدانه، فقال: «وفي القرآن والأحاديث عنه ﷺ من الأخبار بما سيكون في الدنيا والآخرة أضعافُ أضعافِ ما يوجد عن الأنبياء قبله، حتى إنه ينبئ عن الشيء الذي يكون بعدما يَبِينُ من السنين خبراً أكملَ مِنْ خبرِ مَنْ عايَنَ ذلك» (١) . ثم أورد الحديث، وقال -وهذا موطن الشاهد-: «فمن رأى هؤلاء الترك الذين قاتلهم المسلمون من حين خرج جنكيز خان، مَلِكُهم الأكبر، وأولادُه وأولاد أولاده؛ مثل (هولاكو) وغيرِه من الترك الكفار الذين قاتلهم المسلمون؛ لم يحسن أن يصفَهم بأحسنَ من هذه الصفة، وقد أخبر بهذا قبل ظهوره بأكثر من ست مئة سنة» ؛ أي: التي وصفهم بها رسولُ الله ﷺ . ويقول الإمام النووي ﵀ في «شرح صحيح مسلم» : «وقد وُجِد في زماننا الترك الذين تحدَّثَ عنهم الرسول الكريم ﷺ ، هكذا بجميع صفاتهم التي ذكرها النبي ﷺ ، وقاتلهم المسلمون مرات» (٢) . ويقول الحافظ ابن حجر ﵀: «وقاتل المسلمون الترك في خلافةِ بني أمية، وكان ما بينَهم وبين المسلمين مسدوداً إلى أن فُتح ذلك شيئاً بعد شيء، وكثُرَ السَّبْيُ منهم، وتنافسَ الملوك فيهم، لما فيهم من الشدة والبأس، حتى كان أكثرُ عسكرِ المعتصم منهم.

стр. 282

ثم غلبَ الأتراكُ على المَلِك، فقتلوا ابنه المتوكل، ثم أولاده واحداً بعد واحد، إلى أن خالط المملكةَ الدَّيلمُ، ثم كان الملوك السامانية من الترك ... -أيضاً- فملكوا بلاد العجم. ثم غلب على تلك الممالك آل سُبُكْتكين، ثم آل سلجوق، وامتدت مملكتهم إلى العراق والشام والروم، ثم كان بقايا أتباعهم بالشام؛ وهم آل زنكي أتباع هؤلاء وهم بيت أيوب، واستكثر هؤلاء -أيضاً- من الترك، فغلبوهم على المملكة بالديار المصرية والشامية والحجازية. وخرج على آل سلجوق في المئة الخامسة الغُزُّ، فخربوا البلاد وفتكوا في العباد. ثم جاءت الطامة الكبرى بالتتر، فكان خروج جنكيز خان بعد الست مئة، فأُسعِرَتْ بهم الدنيا ناراً، خصوصاً المشرق بأسره، حتى لم يبقَ بلدٌ منه حتى دخله شرُّهم، ثم كان خراب بغداد، وقتل الخليفة المستعصم آخر خلفائهم على أيديهم في سنة ست وخمسين وست مئة، ثم لم تزل بقاياهم يخربون إلى أن كان آخرهم (اللَّنْك) ، ومعناه: الأعرج، واسمه: تَمُر -بفتح المثناة وضم الميم وربما أشبعت-، فطَرَقَ الديارَ الشامية، وعاث فيها، وحرّق دمشقَ، حتى صارت خاويةً على عروشها، ودخل الروم والهند وما بين ذلك، وطالت مدته إلى أن أخذه الله، وتفرق بنوه [في] البلاد، وظهر بجميع ما أوردته مصداق قوله ﷺ : «أن بني قنطورا أول من سلب أمتي ملكهم» (١)

стр. 283

(والمراد ببني قنطورا: الترك) » (١) . قال أبو عبيدة: (بنو قنطوراء) هم الترك، نسبة إلى (قنطوراء) ؛ كانت جارية لإبراهيم، فولدت له أولاداً، والترك من نسلها. قاله الأزهري (٢) . والمتمعن في ألفاظ حديث (بني قنطورا) يجد أن بعض الآثار السابقة تخصهم؛ مثل: ما أخرجه عبد الرزاق في «المصنف» (١١/٣٨١ رقم ٢٠٧٩٩) -ومن

стр. 284

طريقه الحاكم في «المستدرك» (٤/٤٧٥) - ونعيم بن حماد في «الفتن» (٢/٦٨٣ رقم ١٩٢٩) عن معمر. وأخرجه نعيم بن حماد في «الفتن» (٢/٦٧٩ رقم ١٩١٢) : حدثنا ابن عليّة؛ كلاهما قال: عن أيوب، عن ابن سيرين، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، قال: قال [لي] (١) عبد الله بن عمرو بن العاص: أوشك بنو قنطوراء أن يخرجوكم من أرض العراق، قال: قلت: ثم نعود؟ (٢) قال: وذاك (٣) أحب إليك؟ ثم تعودون (٤) ، ويكون لكم (٥) بها سلوة من عيش» . قال الحاكم: «هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، وبنو قنطوراء: هم الترك» . وأخرجه ابن أبي شيبة في «المصنف» (٨/٦٣٦-٦٣٧ رقم ٢٨١) ، قال: حدثنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا هشام، عن محمد، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، قال: قدمتُ الشام، قال: فقلتُ: لو دخلت على عبد الله بن عمرو فسلّمتُ عليه، فأتيتُه، فسلمت عليه، فقال لي: من أنت؟ فقلت: أنا عبد الرحمن ابن أبي بكرة، قال: «يوشك أن يخرجوكم من أرض العراق. قلت: ثم نعود؟ قال: أنت تشتهي ذلك؟ قلت: نعم، قال: نعم، وتكون لكم سلوة من عيش» . وأخرجه الحاكم في «المستدرك» (٢/٤٧٥) من طريق معاذ بن هشام: حدثني أبي عن قتادة، عن ابن سيرين، به، وفيه قول ابن عمرو:

стр. 285

«يوشك بنو قنطوراء بن كركر أن يخرجوا أهل العراق من أرضهم (١) ... » مثله. وهذه أسانيد صحيحة، لها حكم الرفع. وتكرر سؤال أهل العراق عبدَالله بن عمرو عن خروجهم من العراق، ولم يقتصر السؤال على عبد الرحمن بن أبي بكرة -وهو بصري (٢) -، وإنما سأله عن هذا -أيضاً- جماعة من أهل البصرة (٣) -أيضاً-؛ منهم: سليمان بن ربيعة -ووصف في بعض الروايات (٤) : بأنه «من نساك أهل البصرة» -، وصاحبه المنتصر بن الحارث الضّبّي في (جماعة من القُرّاء) (٥) ، أخرج قصتهم بطولها الحاكم في «المستدرك» (٤/٥٣٣-٥٣٥) ، قال: أخبرنا أحمد بن عثمان المقرئ وبكر بن محمد المروزي، (قالا) : ثنا أبو قلابة. وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٣١/٢٨١-٢٨٤) من طريق الحسن بن أبي الربيع الجرجاني؛ كلاهما قال: حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، ثنا أبي، ثنا حسين بن ذكوان المعلم، ثنا عبيد (٦) الله بن بريدة الأسلمي: أن سليمان بن

стр. 286

ربيعة العنزي حدثه أنه حج مرة في إمرة معاوية، ومعه المنتصر بن الحارث الضبي، في عصابة من قراء أهل البصرة، قال: فلما قضوا أنسكهم قالوا: والله لا نرجع إلى البصرة حتى نلقى رجلاً من أصحاب محمد ﷺ مرضيّاً يحدثنا بحديث يستظرف، نحدِّثُ به أصحابنا إذا رجعنا إليهم، قال: فلم نزل نسأل حتى حُدِّثنا أن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ نازلٌ بأسفلِ مكةَ، فعمدنا إليه، فإذا نحنُ بثَقَل عظيم يرتحلون ثلاث مئة راحلة، منها مئة راحلة ومئتا زاملة، فقلنا لمن هذا الثَّقَل؟ قالوا: لعبد الله بن عمرو، فقلنا: أكل هذا له، وكنا نُحدَّث أنه من أشد الناس تواضعاً، قال: فقالوا: ممن أنتم؟ فقلنا: من أهل العراق، قال: فقالوا: العيبُ منكم حق يا أهل العراق، أما هذه المئة راحلة فلإخوانه، يحملهم عليها، وأما المئتا زاملة فلمن نزل عليه من الناس، قال: فقلنا: دُلُّونا عليه، فقالوا: إنه في المسجد الحرام، قال: فانطلقنا نطلبه حتى وجدناه في دير الكعبة جالساً، فإذا هو قصير أرمص أصلع، بين بردين وعمامة، ليس عليه قميص، قد علق نعليه في شماله، فقلنا: يا عبد الله! إنك رجل من أصحاب محمد ﷺ ، فحدثنا حديثاً ينفعنا الله -تعالى- به بعد اليوم. قال: فقال لنا: ومن أنتم؟ قال: فقلنا له لا تسأل من نحن، حدثنا غَفَر الله لك. قال: فقال: ما أنا بمحدثكم شيئاً حتى تخبروني من أنتم. قلنا: وددنا أنك لم تَنْقُدْنا وأعفيتنا وحدثتنا بعض الذي نسألك عنه. قال: فقال: والله لا أحدثكم حتى تخبروني من أي الأمصار أنتم. قال: فلما رأيناه حلف ولَجّ، قلنا: فإنا أناسٌ من العراق. قال: فقال: أفٍّ لكم كلِّكُم يا أهل العراق، إنكم تكْذِبون وتكَذِّبون وتسخرون. قال: فلما بلغ إلى السِّخْرِيّ؛ وجدنا من ذلك وجداً شديداً. قال: فقلنا: معاذ الله أن نسخر من مثلك، أما قولك الكذب؛ فوالله لقد فشا في الناس الكذبُ وفينا، وأما التكذيب؛ فوالله إنا لنسمعُ الحديثَ لم نسمعْ به من أحدٍ نثق به، فإذاً نكادُ نكذِّبُ به، وأما قولك السّخريّ؛ فإنّ أحداً لا يسخر بمثلك من المسلمين، فوالله إنك اليوم لسيد المسلمين فيما نعلم نحن أنك من المهاجرين الأولين، ولقد بلغَنا أنك قرأْتَ القرآن على محمد

стр. 287

صلى الله عليه وسلم، وأنه لم يكن في الأرض قُرَشيّ أبرّ بوالديه منك، وأنكَ كنتَ أحسنَ الناس عيناً، فأفسد عينيك البكاءُ، ثم لقد قرأت الكتب كلَّها بعد رسول الله ﷺ ، فما أحدٌ أفضلَ منك علماً في أنفسنا، وما نعلم بقي من العرب رجلٌ كان يرغَبُ عن فقهاء أهلِ مصرِه حتى يدْخُلَ إلى مصرٍ آخرَ، يبتغي العلم عند رجل من العرب غيرك، فحدثْنا غفر اللهُ لك. فقال: ما أنا بمحدثكم حتى تعطوني موثقاً ألاّ تُكذّبوني ولا تكذِبُون عليّ، ولا تسخرون. قال: فقلنا: خذ علينا ما شئت من مواثيق. فقال: عليكم عهدُ الله ومواثيقُه أن لا تُكذِّبوني ولا تكذبون عليّ ولا تسخرون لما أحدثكم. قال: فقلنا له: علينا ذاك، قال: فقال: إن الله -تعالى- عليكم كفيل ووكيل؟ فقلنا: نعم. فقال: اللهم اشهد عليهم. ثم قال عند ذاك: أمّا وربّ هذا المسجد والبلد الحرام واليوم الحرام والشهر الحرام، ولقد استَسْمَنْتُ اليمين؛ أليس هكذا؟ قلنا: نعم، قد اجتهدت. قال: ليوشكن بنو قنطوراء بن كِركِرى خَنْسَ الأنوف، صغار الأعين، كأن وجوههم المجانّ المطرقة، في كتاب الله المنزل أن يسوقونكم من خراسان (١) وسجستان (٢) سياقاً عنيفاً، قوم يوفون اللمم، وينتعلون الشعر، ويحتجزون السيوف على أوساطهم حتى ينزلوا الأُبُلَّة (٣) . ثم قال: وكم الأبلة من البصرة؟ قلنا: أربعة فراسخ. قال: ثم يعقدون بكل نخلة من نخل دجلة رأس فرس، ثم يرسلون إلى أهل البصرة أنِ اخرُجوا منها قبل أن ننزل عليكم، فيخرج أهل البصرة من البصرة، فيلحق لاحق ببيت المقدس، ويلحق آخرون بالمدينة، ويلحق آخرون بمكة، ويلحق آخرون بالأعراب، قال: فينزلون بالبصرة سنة، ثم يرسلون إلى

стр. 288

أهل الكوفة أنِ اخرُجوا منها قبل أن ننزل عليكم، فيخرج أهل الكوفة منها، فيلحق لاحق ببيت المقدس، ولاحق بالمدينة، وآخرون بمكة، وآخرون بالأعراب، فلا يبقى أحد من المصلين إلا قتيلاً أو أسيراً يحكمون في دمه ما شاؤوا. قال: فانصرفنا عنه وقد ساءنا الذي حدثنا، فمشينا من عنده غير بعيد، ثم انصرف المنتصر بن الحارث الضبي، فقال: يا عبد الله بن عمرو! وقد حدثتنا فطعنتنا، فإنا لا ندري من يدركه منا، فحدثنا هل بين يدي ذلك علامة؟ فقال عبد الله بن عمرو: ولا تعدم عقلك؟ نعم، بين يدي ذلك أمارة. قال: المنتصر بن الحارث: وما الأمارة؟ قال: الأمارة العلامة. قال: وما تلك العلامة؟ قال: هي إمارة الصبيان، فإذا رأيت إمارة الصبيان قد طبقت الأرض؛ اعلم أن الذي أحدثك قد جاء. قال: فانصرف عنه المنتصر، فمشى قريباً من غلوة، ثم رجع إليه. قال: فقلنا له: علام تؤذي هذا الشيخ من أصحاب رسول الله ﷺ ؟ فقال: والله لا أنتهي حتى يبين لي، فلما رجع إليه؛ بينه. لفظ الحاكم. قال الحاكم فيه: «هذا حديث صحيح الإسناد على شرط مسلم، ولم يخرجاه» . قلت: وأخرجه مختصراً دون القصة الطويلة (١) التي في أوله: نعيم بن حماد في «الفتن» (٢/٦٧٧ رقم ١٩٠٦) من طريق نافع وسعيد بن أبي عروبة، والحاكم في «المستدرك» (٤/٥٠٢) من طريق معاذ بن هشام، وابن سعد في «الطبقات الكبرى» (٤/٢٦٧) -ومن طريقه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٣١/٢٨٠) - وابن جرير في «تهذيب الآثار» (٢/٨١٦ رقم ١١٤٤) وصححه (٢) ،

стр. 289

والبيهقي في «البعث والنشور» (ص ٢٠-٢١ رقم ٢١ - الاستدراكات) من طريق همام بن يحيى، عن أبيه؛ كلهم عن قتادة، عن عبد الله ابن بريدة، به. وقال الحاكم مرة أخرى: «هذا حديث صحيح الإسناد على شرط مسلم ولم يخرجاه» . قال أبو عبيدة: ليس الإسناد على شرط مسلم، وسليمان بن ربيعة لم يخرج له مسلم، إلا أن يكون مراده أن الإسناد ينتهي بـ (عبد الله بن بريدة) ؛ فهذا صحيح (١) ، وإلا فسليمان بن الربيع -أو الربيعة- ترجمه البخاري في «التاريخ الكبير» (٤/١٢ رقم ١٩٧) ، وأورد في ترجمته من طريق قتادة عن ابن بريدة، عن سليمان بن الربيع العدوي، قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق حتى يأتي أمر الله» ، وقال عقبه: «ولا يعرف سماع قتادة من ابن بريدة، ولا ابن بريدة من سليمان» . قلت: وهذا يلحق الطريق الثاني للخبر، دون الأول، وسليمان وثقه ابن حبان في «الثقات» (٤/٣٠٩) ، ولم يذكر راوياً روى عنه غير ابن بريدة، وكذا في «الجرح والتعديل» (٤/١١٧) . ولم ينفرد به، فقد توبع، تابعه -فيما وقفتُ عليه- ثلاثة (٢) ، وهذا البيان: الأول: عقبة بن عمرو بن أوس الدوسي. أخرجه الحاكم في «المستدرك» (٢/٤٥٩-٤٦٠) ، قال: أخبرنا أبو بكر بن إسحاق: أنبأنا عبيد بن شريك البزار، ثنا أبو الجماهر، ثنا سعيد بن بشير، عن قتادة، عن عقبة بن عمرو بن أوس الدوسي، قال: أتينا

стр. 290

عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، وعليه بردان قطريان، وعليه عمامة، وليس عليه سربال؛ يعني: القميص، فقلنا له: إنك قد رويت عن رسول الله ﷺ ، ورويت الكتب، فقال: ممن أنتم؟ قال: فقلنا: من أهل العراق، فقال: إنكم يا أهل العراق تَكذِبون وتكذِّبون وتسخرون، قال: فقلت: لا والله لا نكذبك، ولا نَكْذبُ عليك، ولا نسخر منك، قال: فإن بني قنطوراء وكركى لا يخرجون حتى يربطوا خيولهم بنخل الأبلة (١) ، كم بينها وبين البصرة؟ قال: فقلنا: أربع فراسخ، قال: فيبعثون أنْ خلّوا بيننا وبينها، قال: فيلحق ثلث بهم، وثلث بالكوفة، وثلث بالأعراب، ثم يبعثون إلى أهل الكوفة أنْ خلّوا بيننا وبينها، فيلحق ثلث بهم، وثلث بالأعراب، وثلث بالشام، قال: فقلنا: ما أمارة ذلك؟ قال: إذا طبّقتِ الأرضَ إمارةُ الصبيان. قال الحاكم على إثره: «وهذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه» . قلت: عقبة بن عمرو بن موسى الدّوسي البصري؛ هو المترجم في «الكمال» ومختصراته بـ (ابن أوس) ، فهو فيه منسوب إلى جدّه، وانتبه لهذا العلامة الشيخ مقبل بن هادي الوادعي ﵀ في كتابه «رجال الحاكم في المستدرك» ، فلم يذكره فيه، بناء على أنه ليس من الزوائد على رجال الستة، فأحسن وأجاد. إلا أن ابن الجنيد (٢) نقل عن ابن الغلابي قوله: «يزعمون أن عقبة بن أوس (٣) لم يسمع من عبد الله بن عمرو، وإنما يقول: قال عبد الله بن عمرو» ،

стр. 291

ونقله عنه العلائي في «جامع التحصيل» (رقم ٥٢٨) هكذا: «عقبة بن أوس عن عبد الله بن عمر أو عبد الله بن عمرو، قال ابن الغلاّبي -فيما رواه عنه إبراهيم بن عبد الله بن الجنيد-: لم يسمع منه» . قلت: يقول هنا: «أتينا عبد الله بن عمرو» ؛ فالسماع ظاهر، فلعله لم يسمع من (ابن عمر) . والإسناد المذكور رجاله ثقات، وهو قوي في الشواهد والمتابعات؛ إلا أن سعيد بن بشير فيه كلام، وسأل أبو حاتم الرازي أحمد بن صالح: كيف هذه الكثرة منه عن قتادة؟ فأجابه بقوله: كان أبوه بشيراً شريكاً لأبي عروبة، فأقدم بشيرٌ ابنَه سعيداً البصرة، فبقي بالبصرة يطلبُ الحديث مع سعيد بن أبي عروبة (١) . فإذن، أخْذُه عن قتادة صحيح، لا مطعن فيه. نعم، لم يخرج له مسلم في «صحيحه» ، وأخرج له أصحاب «السنن الأربعة» ، فالإسناد ليس على شرط مسلم كما قال الحاكم، وفيه كلام في حفظه وضبطه، وفي «تاريخ أبي زرعة الدمشقي» (١/٤٠٠ رقم ٩١٧) : «سألت عبد الرحمن بن إبراهيم عن قول من أدرك في سعيد بن بشير؛ فقال: يوثقونه كان حافظاً» ، وقال أبو حاتم وأبو زرعة الرازيان عنه: «محلّه الصدق عندنا» (٢) . وقال ابن عدي: «لا أرى بما يروى عن سعيد بن بشير بأساً، ولعله يهم في الشيء بعد الشيء، ويغلط، والغالب على حديثه الاستقامة، والغالب عليه الصدق» (٣) ،

стр. 292

ومع هذا فقد توبع عليه، تابعه نافع بن عامر، به، كما سيأتي -إن شاء الله تعالى-. وأبو الجماهر هو محمد بن عثمان التنوخي، ثقة. الثاني: ربيعة بن جوشن. أخرج ابن أبي شيبة في «المصنف» (٨/٦٣٧ رقم ٢٩٦) قال: حدثنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا عيينة بن عبد الرحمن عن أبيه، عن أخيه ربيعة بن جوشن، قال: قدمتُ الشام، فدخلتُ على عبد الله بن عمرو، فقال: ممن أنتم؟ قلنا: من أهل البصرة، قال: أما لا فاستعدوا يا أهل البصرة، قلنا: بماذا؟ قال: بالزاد والقرب، خير المال اليوم أجمال يحتمل الرجل عليهن أهله ويميرهم عليها، وفرس وقاح شديد، فوالله ليوشك بنو قنطوراء أن يخرجوكم منها، حتى يجعلوكم بدكية، قال: قلنا: وما بنو قنطوراء؟ قال: أما في الكتاب فهكذا نجده، وأما في النعت فنعت الترك. وإسناده حسن. والثالث: سلامة بن مليح الضبي. أخرج نعيم بن حماد في «الفتن» (٢/٦٨٠-٦٨١ رقم ١٩١٨) : حدثنا أبو المغيرة عن عبد الملك بن حميد بن أبي غنية، عن سلامة بن مليح الضبي، عن عبد الله بن عمرو قال: أتيناه، فقال: ممن أنتم؟ فقلنا: من أهل العراق. قال: «والله الذي لا إله إلا هو ليسوقنكم بنو قنطوراء من خراسان وسجستان سوقاً عنيفاً، حتى ينزلوا بالأبلة، فلا يدعوا بها نخلة إلا ربطوا بها فرساً، ثم يبعثون إلى أهل البصرة: إما أن تخرجوا من بلادنا، وإما أن ننزل عليكم» .

стр. 293

قال: «فيفترقون ثلاث فرق: فرقة تلحق بالكوفة، وفرقة بالحجاز، وفرقة بأرض العرب البادية، ثم يدخلون البصرة، فيقيمون بها سنة، ثم يبعثون إلى الكوفة: إما أن ترتحلوا عن بلادنا، وإما أن ننزل عليكم. فيفترقون ثلاث فرق: فرقة تلحق بالشام، وفرقة بالحجاز، وفرقة بالبادية أرض العرب، وتبقى العراق لا يجد أحد فيها قفيزاً ولا درهماً» . قال: «وذلك إذا كانت إمارة الصبيان، فوالله ليكونن» رددها ثلاث مرات. أبو المغيرة هو عبد القدوس بن الحجاج الخولاني، ثقة، وعبد الملك كذلك، وثّقه أحمد وابن معين، ولم يطعن فيه أحد (١) . يبقى سلامة بن مليح الضّبي؛ كذا في المطبوع والمخطوط (ج١٠/ق٦/أ) ، وفوق (مليح) علامة تصحيح، ولم يثبت الناسخ شيئاً في الهامش، ولم أظفر به في شيوخ (عبد الملك) من «تهذيب الكمال» ، وهو سقط من القسم المطبوع من «إكماله» لمغلطاي. نعم، ترجم الذهبي في «الميزان» (٢/١٩٤ رقم ٣٤١٧) لـ (سلمة الضّبي) ، وقال عنه: «له حديث منكر، وفيه جهالة» ، ولكنه من طبقة أخرى، إذ قال عنه: «عن هشام بن عروة» . وعلى أي حال، الخبر عن عبد الله بن عمرو ثابت، وهذا البرهان زيادة على ما تقدم من البيان، والله المستعان، وعليه وحده التُّكلان: قال الخلال في «علله» (ص ٢٩٤/رقم ١٩١ - منتخب ابن قدامة) : «أخبرني عصمة: ثنا حنبل، ثنا الهيثم بن خارجة، ثنا إسماعيل بن عياش، عن سعيد بن بشير، ونافع بن عامر، عن قتادة: ثنا عبد الله بن أبي الأسود، قال: انطلقت أنا وزرعة بن ضمرة، وعبد الله بن قيس حاجَّيْن، فجلسنا إلى عبد الله ابن عمرو، جلس زرعة عن يمينه، وجلست عن شماله. قال أبو عبد الله (٢) : إنما هو عبد الله بن بريدة، عن أبي الأسود الدِّيلي،

стр. 294

كذا رواه قتادة (١) ، عن عبد الله بن بريدة، أخطأ فيه إسماعيل. وبه: ثنا إسماعيل، عن نافع بن عامر، عن قتادة، عن عبد بن يزيد، عن سليمان ابن ربيعة -وكان من نساك البصرة-، قال: انطلقت مع ناس من أهل البصرة حاجين، فأتينا عبد الله بن عمرو، فقال: «يوشك بنو قنطوراء» - وذكر الحديث. قال أبو عبد الله: إنما هو عبد الله بن بريدة» . ففي هذا بيان أرجح طرق الخبر، وبه يثبت هذا الأثر مع ما سبق من طرق، ولله الحمد والمنّة. لكن قد يقال: إن عبد الله بن عمرو وقعت له صحف يوم اليرموك، فيها أخبار عن أهل الكتاب (٢) ، فلعل هذه منها؟ فالجواب: إن هذه الأخبار وردت عن غيره -كما تقدم- وقد أخذها عنه جمع من صلحاء التابعين من البصرة والكوفة، وروي ما يأذن برفعها عن النبي ﷺ ، وقد ظفرتُ بجملة أحاديث وردت في ذلك، لا تخلو طرقها من كلام، ولكن بمجموعها مع ما سقناه من الآثار، تدلل على أنّ لها أصلاً محتجّ به، وهذا البيان، والله المستعان، لا ربّ سواه: فصل في أحاديث الترك وإخراج أهل العراق ورد فيه عدة أحاديث وآثار، نسوقها مع بيان تخريجها، والله الموفق: الحديث الأول: حديث بريدة بن الحصيب .

стр. 295

أخرجه أحمد في «المسند» (٥/٣٤٨-٣٤٩) : حدثنا أبو نعيم، حدثنا بشير بن المهاجر، حدثني عبد الله بن بريدة، عن أبيه، قال: كنتُ جالساً عند النبي ﷺ ، فسمعت النبي ﷺ يقول: «إن أمتي يسوقُها قوم، عراض الأوجه، صغار الأعين، كأن وجوههم الحَجَفُ (١) ، ثلاث مرات، حتى يُلحقوهم بجزيرة العرب، أما السائقة (٢) الأولى فينجو من هرب منهم، وأما الثانية فيهلك بعض وينجو بعض، وأما الثالثة فيُصْطَلمون (٣) كلهم من بقي منهم» ، قالوا: يا نبي الله! من هم؟ قال: «هم الترك» ، قال: أما والذي نفسي بيده ليربطن خيولهم إلى سواري مساجد المسلمين» ، قال: وكان بريدة لا يفارقه بعيران أو ثلاثة ومتاع السفر، والأسقية، بعد ذلك، للهرب مما سمع من النبي ﷺ من أمراء الترك» . وأخرجه البزار في «مسنده» (٤/١٢٩-١٣٠ رقم ٣٣٦٧ - «كشف الأستار» ) ، قال: حدثنا علي بن المنذر، ثنا محمد بن فضيل، ثنا بشير (٤) بن المهاجر، به، ولفظه: «يجيء قوم، صغار الأعين، عراض الوجوه، كأنّ وجوههم المجانّ المطرقة، فيُلْحِقون أهل الإسلام بمنابت الشيح، كأني أنظر إليهم، قد ربطوا خيولهم بسواري المسجد» ، قيل: يا رسول الله! من هم؟ قال: «الترك» .

стр. 296

قال الهيثمي عقبه: «قلت: له حديث عند أبي داود غير هذا» . قلت: سيأتي قريباً، وهو هو، إلا أن بعض الرواة وهم فيه. وأخرجه أبو يعلى في «مسنده» (١) -ومن طريقه ابن الشجري في «الأمالي» (٢/٢٦٣) - قال: حدثنا عبد الله بن عامر بن زرارة، حدثنا ابن فضيل، به، مثله. وفيه زيادة بعد كلمة (الشيح) ما نصه: «ثلاث مرات، أما المرة الأولى؛ فينجو منهم من هرب، وأما المرة الثانية؛ فينجو بعض ويهلك بعض، وأما المرة الثالثة؛ فيهلكون جميعاً، كأني أنظر إليهم ... » الخ ما فيه. وأخرجه نعيم بن حماد في «الفتن» (٢/٦٧٨-٦٧٩ رقم ١٩١٠) من طريق يحيى بن سعيد، قال: أخبرني الحسن بن بشير بن المهاجر عن عبد الله ابن بريدة، به، ولفظه: «يسوق أمتي قوم ... » نحو لفظ أحمد، مع قولة بريدة التي في آخره. كذا في مطبوعه ومخطوطه (ج١٠/ق٦/أ) ، وفي المخطوط فوق (الحسن) علامة إلحاق، ولا شيء في الهامش، إذ النسخة غير مقابلة، وليس في الرواة عن (بشير) الحسن، فيما أورده المزي، ولم يستوعب كما يظنه بعض الطلبة، ولذا استدرك عليه مغلطاي في بعض الرواة، دون الموطن الذي نحن بصدده. وممن رواه عن بشير -أيضاً-: * وكيع بن الجراح الرؤاسي، أخرجه الروياني في «مسنده» (١/٧٧ رقم ٣٦) : نا محمد بن إسحاق، أنا سفيان بن وكيع، نا أبي، عن بشير، به، مثل لفظ

стр. 297

أحمد، إلا أنه تحرفت في مطبوعه «فيصطلمون» (بالميم) إلى (الحاء) ؛ فلتصوّب. * خلاد بن يحيى، أخرجه الحاكم في «المستدرك» (٤/٤٧٤) ، قال: أخبرنا أبو النضر محمد بن محمد الفقيه، وأبو الحسن أحمد بن محمد العنزي؛ قالا: ثنا معاذ بن نجدة القرشي، ثنا خلاد بن يحيى (١) ثنا بشير، به، مثل لفظ محمد بن فضيل. وقال: «هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. وقد اتفق الشيخان ﵄ على حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ : «لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا ... » (٢) » . وخولف معاذ بن نجدة، خالفه جعفر بن مسافر التِّنِّيس، وأخطأ فيه، وهذا البيان: أخرجه أبو داود في «السنن» في كتاب الملاحم (باب في قتال الترك) (٤/١١٣ رقم ٤٣١٥) : حدثنا جعفر بن مسافر التِّنِّيسي، ثنا خلاد بن يحيى، به، ولفظه: «يقاتلكم قوم صغار الأعين -يعني: الترك-، قال: تسوقونهم ثلاث مرات حتى تلحقوهم بجزيرة العرب، فأما في السِّياقة الأولى فينجو من هرب منهم، وأما في الثانية فينجو بعض ويهلك بعض، وأما في الثالثة فيُصْطَلَمون» أو كما قال» (٣) .

стр. 298

أخطأ جعفر بن مسافر -وفيه كلام (١) -، فقلب متنه، فجعل المسلمين هم الذين يسوقون الترك ثلاث مرات! وهذه مخالفة لابن مسافر، خالف فيه معاذ (٢) بن نجدة، وهو «صالح الحال، قد تكلم فيه» (٣) ، ولكنه جوّده. ووافقت روايته رواية سائر من نقله عن بشير، وهم ثلاثة عدا خلاد، وهذه أمارات لائحة على مخالفة ابن مسافر، والقلْبُ (٤) يقع للثقات، إذ الحفظ قد يخون، وقد يسبق اللسان، فينطق بما لا يريده صاحبه، كما هو معلوم. قال صاحب «عون المعبود» (١١/٤١٤) : «فانظر إلى سياق أحمد كيف خالف سياق أبي داود، مخالفة بينة لا يظهر وجه الجمع بينهما. وبوب القرطبي في «التذكرة» بلفظ (باب في سياق الترك للمسلمين وسياقة المسلمين لهم) (٥) ثم أورد فيه رواية أحمد ورواية أبي داود، المذكورتين، وإني لست أدري ما مراده

стр. 299

من تبويبه بهذا اللفظ، إن أراد به الجمع بين روايتي أبي داود وأحمد بأنهما محمولتان على زمانين مختلفين، ففي زمان يكون سياقة الترك للمسلمين، وفي زمان آخر يكون سياقة المسلمين لهم، فهذا بعيد جدّاً كما لا يخفى على المتأمل، وإن أراد غير هذا فالله -تعالى- أعلم بما أراد» ، وقال: «وعندي أن الصواب هي رواية أحمد، وأما رواية أبي داود؛ فالظاهر أنه قد وقع الوهم فيه من بعض الرواة، ويؤيده ما في رواية أحمد من أنه كان بريدة لا يفارقه بعيران أو ثلاثة ومتاع السفر، والأسقية بعد ذلك؛ للهرب مما سمع من النبي ﷺ من البلاء من أمراء الترك، ويؤيده -أيضاً- أنه وقع الشك لبعض رواة أبي داود، ولذا قال في آخر الحديث: أو كما قال. ويؤيده -أيضاً- أنه وقعت الحوادث على نحو ما ورد في رواية أحمد، فقد قال: ... » وساق كلام القرطبي الآتي قريباً -إن شاء الله تعالى-. ونقل السهارنفوري في «بذل المجهود» (١٧/٢١٩) كلام صاحب «العون» ، وقال بعد كلام: «ثم أيّد رواية أحمد بوجوه؛ منها: وقوع قصة فتنة التتار على حسب ما وقع في حديث أحمد مفصلاً، فجزاه الله خير الجزاء، وهذا عندي كما قال، والله أعلم، ومن شاء التفصيل فلينظر «عون المعبود» » انتهى. قلت: وما قالاه هو الصواب قطعاً، وهو الذي تقتضيه الصّنعة الحديثية. * الكلام على إسناد حديث بريدة قال القرطبي في «التذكرة» (٢/٤٢٨) : «قال الإمام أبو الخطاب عمر ابن دحية (١) :..............................

стр. 300

وهذا سند صحيح (١) ، أسنده إمام السنة، والصابر على المحنة: أبو عبد الله أحمد بن حنبل الشيباني، عن الإمام العدل، المجمع على ثقته أبي نُعيم الفضل بن دُكين، وبشير بن المهاجر ثقة (٢) ، رأى أنس بن مالك، روى عنه جماعة من الأئمة فوثقوه» . وقال الحاكم على إثره: «هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه» ووافقه الذهبي. وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٧/٣١١) : «رواه أبو داود مختصراً، ورواه أحمد والبزار باختصار، ورجاله رجال الصحيح» . قال أبو عبيدة: مدار الحديث على بشير بن المهاجر الغنوي، وفيه كلام لأئمة الجرح والتعديل، قال أبو بكر الأثرم عن أحمد بن حنبل: «منكر الحديث، قد اعتبرتُ أحاديثه، فإذا هو يجيء بالعجب» ، نقله المزي (٣) ، وزاد: «وقال البخاري: يخالف في بعض حديثه» . قلت: قولة البخاري هذه في «التاريخ الكبير» (٢/١٠١ رقم ١٨٣٩)

стр. 301

على إثر حديث: «رأس مئة سنة يبعث الله ريحاً ... » ، قال: «يخالف في بعض حديثه هذا» ، فعبارته مقيّدة بهذا الحديث (١) ، ونقل المزي هذا على خلاف دقّته المتناهية لكلام الأئمة في كتبه (٢) -رحمه الله تعالى-. وقال أبو حاتم في «الجرح والتعديل» (٢/٣٧٨ رقم ١٤٧٢) : «يكتب حديثه ولا يحتجّ به» (٣) . وقال الساجي: «منكر الحديث، عنده مناكير عن عبد الله بن بريدة أحاديث ... عدد يطول ذكرها» (٤) . وقال العقيلي: «مرجئ متّهم، يتكلم فيه، منكر الحديث» (٥) . وفي كتاب ابن الجارود: «يخالف في بعض حديثه» (٦) ، وقال ابن حبان:

стр. 302

«كان يخطئ كثيراً» (١) . وقال النسائي (٢) : «ليس بالقوي» ، وقال مرة: «ليس به بأس» (٣) ، ووثقه ابن معين في رواية إسحاق بن منصور (٤) ، وقال العجلي: «كوفيٌّ ثقة» (٥) ، وقال ابن خلفون -وذكره في كتاب «الثقات» -: «هو عندي في (الطبقة الثالثة من المحدثين) ، وقد تكلم في مذهبه، ونسب إلى الإرجاء» (٦) . وقال ابن عدي: «روى ما لا يتابع عليه، وهو ممن يكتب حديثه، وإن كان فيه بعض الضعف» (٧) ، و «روى له الجماعة سوى البخاري» (٨) ، وأجمل الذهبي الأقوال السابقة بعبارة: «ثقة فيه شيء» (٩) ، وترجمه في كتابه «ذكر أسماء من تُكُلِّم فيه وهو موثق» (١٠) ، وقال عنه ابن حجر: «صدوق، لين الحديث، رمي بالإرجاء» . وبناء على هذا الخلاف وقع اختلاف بين المعاصرين في الحكم على

стр. 303

هذا الإسناد (١) ، والذي أُراه أنه (حسن) ، ولا ينزل هذا الإسناد بأي حال من الأحوال عن درجة الحسن في الشواهد، إذ (بشير) لم ينفرد بأصل الحديث، فقد وردت آثار صحيحة تقدمت (٢) ، تشهد لبعض ما فيه، ومنها يعلم أن (السَّوق) المذكور إنما هو من العراق، وهذا ما فهمه بريدة، وهو ممن سكن (البصرة) ، وعدّه غير واحد من العلماء (٣) من أهلها، ودل عليه -أيضاً- قوله ﷺ في هذا الحديث «يلحقوهم بجزيرة العرب» ، فهم ليسوا من أهلها، ولبعض ما فيه شواهد من أحاديث أخر؛ مثل: الحديث الثاني: حديث معاوية بن أبي سفيان . أخرجه أبو يعلى في «المسند» (١٣/٣٦٦ رقم ٧٣٧٦) ، قال: حدثنا محمد بن يحيى البصري، حدثنا محمود بن يعقوب، قال: حدثني أحمد بن إبراهيم، قال: حدثني إسحاق بن إبراهيم بن الغمر مولى سموك، قال: حدثني أبي، عن جدي، قال: سمعتُ معاوية بن حُدَيجٍ يقول: كنتُ عند

стр. 304

معاوية بن أبي سفيان ﵁ حين جاءه كتاب عامله، يخبرُه أنه وقع بالترك وهزمهم، وكثرةَ من قَتل منهم، وكثرة ما غنم، فغضب معاوية ﵁ في ذلك، ثم أمر أن يكتب إليه: قد فهمتُ ما ذكرتَ مما قتلت وغنمتَ، فلا أعلمنَّ ما عُدت لشيء من ذلك، ولا قاتلتهم حتى يأتيك أمري، قلت له: لم يا أمير المؤمنين؟ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «لتظهرن الترك على العرب، حتى تُلحقها بمنابت الشيح والقيصوم» (١) ؛ فأكرهُ قتالَهم لذلك. وعزاه إلى أبي يعلى: الهيثميُّ في «مجمع الزوائد» (٧/٣١١-٣١٢) ، وقال: «رواه أبو يعلى، وفيه جماعة لم أعرفهم» . قلت: مراده -والله أعلم-: أحمد بن إبراهيم، وإسحاق بن إبراهيم مولى الغمر، وأبوه، وجده (٢) . ولفظة «لتظهرنّ الترك على العرب» مثبتة في «المجمع» و «المقصد العلي» (١٨٥٢) ، و «المقصد الأعلى» (٣/١٢٣٨ رقم ٤٥٢٠) . وكذا في الطبعة الأخرى من «مسند أبي يعلى» (٣) (٦/٤٤٠ رقم ٧٣٣٨) ، وأثبت محققا «المسند» في الهامش ما مفاده: إن في الأصول «إن الترك على العرب» ، وقال أسد: «وأخشى أن تكون (على) تحرفت إلى «تجلي» » .

стр. 305

قال أبو عبيدة: الذي أراه صواباً في متن الحديث: «إن الترك تُجلي العرب ... » (١) بناء على ما ورد في الباب، ثم وجدته هكذا في «إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة» (١٠/١٩٨-١٩٩ رقم ٩٨٢٢ - ط. الرشد) ، وبوب عليه (باب القتال على الملك وترك قتال الترك) ، وسكت عليه، وكذلك في «المطالب العالية» (١٨/٣١٧ رقم ٤٤٧٧ - ط. العاصمة) ، وبوب عليه (باب الزجر عن قتال الترك لما يُخشى من تسلطهم على بلاد الإسلام) ، وسكت عليه -أيضاً-، وعزاه لأبي يعلى، وقال محقق «المطالب» : «أتوقف في الحكم على الحديث» ، ثم قال وأورد له بعض ما قدمناه عن ابن مسعود وحذيفة قوليهما: «وما تقدم من حديث ابن مسعود وحذيفة ... ﵄ قد وردا موقوفاً عليهما، ولهما حكم الرفع؛ لأنه من الأمور الغيبية التي لا مجال للرأي فيها، وجملة القول أن حديث الباب (٢) يرتقي بهذه الطرق والشواهد لدرجة الحسن لغيره، والله أعلم» (٣) . قال أبو عبيدة: له عن معاوية طريق أخرى: أخرجه نعيم بن حماد في «الفتن» (٢/٦٨٢ رقم ١٩٢٢) عن رشدين، عن ابن لهيعة، حدثني كعب بن علقمة، حدثني حسان بن كريب، أنه سمع ابن ذي الكلاع يقول: كنت عند معاوية، فجاءه بريد من أرمينية من صاحبها، فقرأ الكتاب فغضب، ثم دعا كاتبه، فقال: اكتب إليه جواب كتابه: تذكر أن الترك أغاروا على طرف أرضك، فأصابوا منها، ثم بعثت رجالاً في طلبهم، فاستنقذوا الذي أصابوا، ثكلتك أمك! فلا تعودنّ لمثلها، ولا تحركنَّهم بشيء،

стр. 306

ولا تستنقذ منهم شيئاً، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنهم سيلحقون بمنابت الشيح» . وإسناده ضعيف؛ لضعف رشدين بن سعد، وفيه عبد الله بن لهيعة، قال الحافظ ابن حجر عنه في «التقريب» (ص ٣١٩) : «خلط بعد احتراق كتبه» . وله طريق أخرى بنحوه عن معاوية قوله. وأخرجه من طريق آخر (٢/٦٨٠ رقم ١٩١٧) -ومن طريقه ابن العديم في «بغية الطلب» (١/٥١٨) -: حدثنا بقية، عن أم عبد الله، عن أخيها عبد الله ابن خالد، عن أبيه خالد بن معدان، عن معاوية، قال: اتركوا الرابضة ما تركوكم، فإنهم سيخرجون، حتى ينتهوا إلى الفرات، فيشرب منهم أولهم، ويجيء آخرهم، فيقولون: قد كان ها هنا ماء. قلت: فيه بقية بن الوليد الحمصي، وهو صدوق، ومدلس، وقد عنعن، وخالد بن معدان ثقة، يرسل كثيراً، وقد عنعن -أيضاً-، وعليه فإن حديثه ضعيف، وفيه أم عبد الله؛ لم أقف لها على ترجمة. وله شاهد من حديث عبد الله بن السائب، ولكن لا يفرح به. أخرجه الطبراني في «الأوسط» (٦/١١١ رقم ٥٢٢٨ - ط. الطحان) من طريق عدي بن الفضل، عن علي بن الحكم، عن القاسم بن أبي بزة، عن عبد الله بن السائب، قال: قال رسول الله ﷺ : «تبلغ العربُ مولد آبائهم منابت الشيح والقيصوم» ، وقال: «لم يرو هذا الحديث عن القاسم بن أبي بزَّة إلا عليّ بن الحكم، ولا عن علي إلا عديّ بن الفضل، تفرد به سعيد بن سليمان» . قلت: وبوّب عليه الهيثمي في «مجمع البحرين» (٧/٢٦٤) و «مجمع الزوائد» (٧/٣١٠) (باب فتنة العجم) ، وقال في «المجمع» : «وفيه عديّ بن الفضل التيميّ، وهو متروك» . ودلّت الرواية قبل الأخيرة أن الإلحاق الوارد في الحديث بجزيرة

стр. 307

العرب إنما هو لأهل العراق، وكذا جاء التصريح به في جملة من الآثار السابقة، ووقع التصريح به -أيضاً- في: الحديث الثالث: حديث أبي بكرة نُفَيع بن الحارث بن كَلَدة (١) . أخرج ابن أبي شيبة في «المصنف» (١٥/٩١ - ط. الهندية) أو (٨/٦٣٠ رقم ٢٤٣ - ط. دار الفكر) ، وأحمد (٥/٤٠) ، والبزار (٩/١١٨-١١٩ رقم ٣٦٦٧) ؛ كلاهما في «المسند» (٢) ؛ جميعهم عن يزيد بن هارون، قال: أخبرنا العوّام، حدثنا سعيد بن جُمهان، عن ابن أبي بكرة، عن أبيه، قال: ذكر النبي ﷺ أرضاً يُقال لها البصيرة، إلى جنبها نهر يقال له دِجلة، ذو نخل كثير، وينزل به بنو قنطوراء، فيفترق الناس ثلاث فرق: فرقة تلحق بأصلها، وهَلكوا، وفرقة تأخذُ على أنفُسِها، وكفروا، وفرقة يجعلون ذراريّهم خلف ظهورهم، فيُقاتلون، قتلاهم شهداء، يفتح الله على بقيّتهم. وشكّ يزيد فيه مرة، فقال: البُصَيْرة أو البصرة، لفظ أحمد. ولفظ البزار: « ... ينزلونه ويكثر به عددهم، فيأتيهم بنو قنطوراء، فيفترق الناس ثلاث فرق: فرقة تتبعهم، وفرقة تولّيهم ظهورهم، وقد هلكوا، وفرقة ثالثة يقاتلونهم ويفتح الله على بقيتهم» . وأخرجه أحمد (٥/٤٠) : حدثنا محمد بن يزيد، أخبرنا العوّام، به، وفيه

стр. 308

(ابن أبي بكرة) ، ولفظه: «لتنزلُنَّ أرضاً يقال لها: البصرة -أو البصيرة-، على دِجلة، نهر ... » فذكر معناه. قال العوّام: بنو قنطوراء هم الترك. ووقع اختلاف فيه على العوّام بن حوشب، ففي «العلل» (٧/١٥٨ رقم ١٢٧٠) للدارقطني: «وسئل عن حديث عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه عن النبي ﷺ في (ذكر البصرة وما يكون فيها في آخر الزمان) ، فقال: يرويه سعيد بن جُمهان، واختلف عنه، فرواه حشرج بن نباتة، عن سعيد بن جمهان، عن ابن أبي بكرة، عن أبيه. وتابعه العوّام بن حوشب من رواية محمد بن يزيد، ومحمد بن الحسن الواسطيين، فرواه عن سعيد بن جمهان، عن ابن أبي بكرة، عن أبيه. وخالفهما أبو الأشهب جعفر بن الحارث عن العوّام، عن سعيد، عن ابن (١) أبي بكرة، ولم يذكر بينهما أحداً، والأول أصح» . قلت: رواية (حشرج) تأتي قريباً، وهمّي هنا ذكر الخلاف على (العوام) ، والخلاف عنه ليس في تسمية (ابن أبي بكرة) ، كما هو حاصل مع (حشرج) ؛ وإنما في (ذكره) و (عدمه) ، وصواب ما في «العلل» : «وخالفهما أبو الأشهب جعفر بن الحارث عن العوام، عن سعيد، عن أبي بكرة، ولم يذكر بينهما أحداً» كذا الصواب: «عن سعيد عن أبي بكرة» بحذف (ابن) . وعلقه نعيم بن حماد في «الفتن» (٢/٦٧٧-٦٧٨ رقم ١٩٠٧) عن ابن عياش، قال: وأخبرني جعفر بن الحارث، عن سعيد بن جمهان، عن أبي بكرة، عن النبي ﷺ قال: «أرض يقال لها: البصرة أو البصيرة، يأتيهم بنو قنطوراء،

стр. 309

حتى ينزلوا بنهر يقال له: دجلة، ذي نخل، فيفترق الناس ... » نحو لفظ يزيد (١) . وابن أبي بكرة وقع اختلاف في تعيينه، وسماه البزار (عُبيدالله) . وأخرجه البزار -أيضاً- (٩/١١٨ رقم ٣٦٦٦) من طريق أبي معاوية، نا العوّام بن حوشب، عن سعيد بن جمهان، عن ابن أبي بكرة، به، ولم يسق لفظه، وقال على إثره: «وإنما قلت (عن ابن أبي بكرة) ؛ لأن أبا كريب (٢) ، قال: (عن عبد الله بن أبي بكرة) ، ولا أعلم لأبي بكرة ابناً يقال له (عبد الله) ، فجعلتُه عن (ابن أبي بكرة) » . وسماه (عبد الله) أو (عبيد الله) : حشرج بن نُباتة القيسيّ الكوفي -وفيه كلام-. ووقع اختلاف عليه في اسمه، وهذا التفصيل: أخرج أحمد (٥/٤٤-٤٥) : حدثنا أبو النضر هاشم بن القاسم، حدثنا الحشرج، به، وسماه (عبد الله بن أبي بكرة) ، قال: حدثني أبي في هذا المسجد -يعني مسجد البصرة- قال: قال رسول الله ﷺ : «لتنزلنّ طائفةٌ من أمتي أرضاً يقال لها البصيرة، يكثر بها عددهم، ويكثر بها نخلهم، ثم يجيءُ بنو قنطوراء، عراض الوجوه، صغار العيون، حتى ينزلون على جسر لهم يقال له: دِجلة، فيتفرَّق المسلمون ثلاث فرق، فأما فرقة؛ فيأخذون بأذناب الإبل وتلحق بالبادية، وهَلَكت، وأما فرقة؛ فتأخذُ على أنفُسها، فكَفَرَت، فهذه وتلك سواء، وأما فرقة فيجعلون عيالَهُم خلْفَ ظهورهم

стр. 310

ويقاتلون، فقتلاهم شهداء، ويَفتحُ اللهُ على بقيَّتِها» . وأخرجه أحمد (٥/٤٥) -أيضاً-، قال: حدثنا سُريْج (١) ، حدثنا حشرج، به، وقال: «عن سعيد عن عبد الله أو عبيد الله (٢) بن أبي بكرة، قال: حدثني أبي في هذا المسجد -يعني: مسجد البصرة-» ، قال الإمام أحمد: «فذكر مثله» ؛ أي: مثل الذي قبله. وأخرجه الطيالسي في «مسنده» (ص ١١٧ رقم ٨٧٠) : حدثنا الحشرج ابن نباتة، به، وسمى ابن أبي بكرة (عبد الرحمن) ، ولفظه نحو لفظ أبي النضر هاشم بن القاسم السابق. وأخرجه أبو عمرو الداني في «الفتن» (٤/٩٠٩-٩١٠ رقم ٤٧٣) من طريق يحيى بن عبد الحميد (٣) : ثنا حشرج، به، نحوه، وفيه «عبد الرحمن بن أبي بكرة» . وأخرجه ابن عدي في «الكامل» (٢/٨٤٧ - ط. دار الفكر) من طريق الطيالسي، عن حشرج، حدثني سعيد بن جمهان، عن عبيد الله بن أبي بكرة -كذا- عن أبيه، وذكره مختصراً، وكذا في (٣/٣٧٥ - ط. دار الكتب العلمية) ، وفي مخطوطة «الكامل» (ج١/ق١٩٥ - نسخة أحمد الثالث) : «عبد الله بن أبي بكرة» وهو الصواب. وسمِّي (ابن أبي بكرة) على وجه ولون رابع، وهذا البيان: أخرجه أبو داود في «السنن» في كتاب الملاحم (باب في ذكر البصرة) (٤/١١٣ رقم ٤٣٠٦) : حدثنا محمد بن يحيى بن فارس، ثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، حدثني أبي، ثنا سعيد بن جمهان، ثنا مسلم بن أبي بكرة، قال:

стр. 311

سمعتُ أبي يحدث أن رسول الله ﷺ قال: «ينزلُ ناسٌ من أمَّتي بغائطٍ يسمونه البصرة، عند نهر يقال له دجلة، يكون عليه جسر يكثر أهلها وتكون من أمصار المهاجرين» ، قال ابن يحيى: قال أبو معمر: «وتكون من أمصار المسلمين؛ فإذا كان في آخر الزمان؛ جاء بنو قنطوراء، عراض الوجوه، صغار الأعين، حتى ينزلوا على شط النهر، فيتفرق أهلها ثلاث فرق: فرقة يأخذون أذناب البقر والبرية، وهلكوا، وفرقة يأخذون لأنفسهم وكفروا، وفرقة يجعلون ذراريهم خلف ظهورهم، ويقاتلونهم وهم الشهداء» . وأخرجه ابن حبان في «صحيحه» (١٥/١٤٨-١٤٩ رقم ٦٧٤٨ - «الإحسان» ) (١) ، أخبرنا الفضل بن الحُباب الجُمَحيّ، قال: حدثنا مسدد بن مُسَرهد، عن عبد الوارث، به، ولفظه: «إن ناساً من أمتي ينزلون بحائطٍ (٢) يسمونه البصرة، عندها نهر يقال له: دجلة، يكون لهم عليها جسر، ويكثر أهلها ... » بنحوه. وأخرجه أبو الشيخ في «طبقات المحدثين بأصبهان» (١/٣٤١ رقم ٤٣) -وأورده تحت ترجمة (عبد الله بن أبي بكرة) من طريق شعبة بن عمران أبو رافع الأصبهاني، عن سعيد بن جمهان، عن عبد الله بن أبي بكرة، به، مختصراً. وفي إسناده محمد بن إبراهيم، وشعبة بن عمران، ترجم لهما أبو الشيخ وأبو نعيم في «أخبار أصبهان» ، ولم يذكرا فيهما جرحاً ولا تعديلاً. وعزاه البوصيري في «إتحاف الخيرة المهرة» (١٠/١٩٧-١٩٨ رقم

стр. 312

٩٨٢٠) لأبي داود الطيالسي، قال: «ورواته ثقات، ومسدد» وأورد لفظ ابن حبان، وقال: «ورواه أحمد بن منيع وأبو بكر بن أبي شيبة (١) ، وعنه أبو يعلى الموصلي (٢) بلفظ: ذكر رسول الله ﷺ أرضاً يقال لها البصرة ... » وذكره. وهو في «الفردوس» (٥/٥٢٢-٥٢٣ رقم ٨٩٦١ - ط. زغلول) ، دون إسناد (٣) . * الكلام على إسناد حديث أبي بكرة اختلف الرواة في تسمية (ابن أبي بكرة) على خمسة أقوال: الأول: منهم من أبهمه، ولم يسمه، وقع ذلك في رواية يزيد بن هارون ومحمد بن يزيد عن العوّام بن حوشب، عن سعيد بن جمهان. الثاني: عبيد الله أو عبد الله، شك فيه سُريج بن النعمان في روايته عن حشرج بن نباتة، عن ابن جمهان، ورواه الطيالسي -عند ابن عدي- عن حشرج، وجزم بأنه (عبيد الله) . الثالث: عبد الله، سماه أبو النضر هاشم بن القاسم عن حشرج، به. الرابع: عبد الرحمن، سماه الطيالسي ويحيى الحماني، عن حشرج، به. الخامس: مسلم، سماه هكذا عبد الوارث بن سعيد، عن سعيد بن جمهان.

стр. 313

وهذا اضطراب لا يُعَلُّ به أصل الحديث، إن كان هؤلاء ثقات! وهذا يحتاج إلى فحص وفتش، وبها نجد أن كلاًّ من (مسلم) و (عبد الرحمن) ثقة، وأما (عبد الله) أو (عبيد الله) ؛ فترجمه هكذا بالشك: الحسيني في كتابه «الإكمال في ذكر من له رواية في مسند الإمام أحمد من الرجال سوى من ذُكر في «تهذيب الكمال» » (ص ٢٢٨/رقم ٤٢٩) ، قال: «عن أبيه، وعنه سعيد ابن جمهان، مجهول» ! وتعقّبه ابن حجر في «تعجيل المنفعة» (ص ٢١٤ رقم ٥٢٣) . فقال: «لا يقال هذا لأولاد (أبي بكرة) ، فإنهم مشاهير من رؤساء أهل البصرة في زمانهم، وعبيد الله -بالتصغير- أشهر من عبد الله، وهو الذي وقع ذكره في «الصحيح» (١) من رواية عبد الرحمن بن أبي بكرة: أنّ أبا بكرة كتب إلى ابنه عبيد الله، وهو يقضي بسجستان، وقد ذكر ابن حبان (٢) في (ثقات التابعين) : (عبيد الله) -المصغّر-؛ فقال: «ولي لزياد، وروى عنه أهل البصرة» وقد اختلف على سعيد بن جمهان ... » ، وذكر الخلاف، وقال: «فالذي يظهر أن سعيد بن جمهان كان يضطرب فيه، والله أعلم» . قلت: ما استظهره ظاهر، ولا سيما أن الطيالسي وقعت له الروايتان، فالاضطراب من (ابن جمهان) محصور في اسم (ابن أبي بكرة) ، وهذا لا يعلّ به الحديث، و «شرط الاضطراب (٣) أن تتساوى الوجوه في الاختلاف، وأما إذا تفاوتت؛ فالحكم للراجح بلا خلاف» (٤) ، فهذه العلة غير قادحة في صحة أصل الحديث، إذ الجميع ثقات، وأما عبد الله، فقد قال البزار: «لا أعلم لأبي بكرة

стр. 314

ابناً يقال له (عبد الله) » (١) ! قلت: ليس كذلك، قال ابن سعد في «الطبقات الكبرى» (٧/١٨٩) : «ووُلد عبد الله بن أبي بكرة بالبحرين، قبل أن ينزل البصرة، وكان أسنَّ ولد أبي بكرة، ولم يَلِ لهم شيئاً، وتوفي أبو بكرة عن أربعين ولداً من بين ذكر وأنثى، فأعقب منهم سبعة، عبد الله بن أبي بكرة أحدهم» . ولم يقتصر الأمر على ابن سعد، فقد ذكره ابن حبان في «الثقات» (٥/٥٣٤) في ترجمة (يزيد بن أبي بكرة) (٢) ، فقال: «أخو عبد الله ومسلم ورواد وعبيد الله» ، بني أبي بكرة، صاحب النبي ﷺ ، عداده في أهل البصرة، روى عنه أهلها» . بل لعبد الله ورود في بعض نسخ «الطبقات» (٣) للإمام مسلم بن الحجاج. وعلى فرض عدم وجوده، فيكون راوٍ قد وهم في تسميته، وخالف من

стр. 315

هو أوثق منه، وأكثر عدداً، وبقية بني بكرة المسمّين ثقات، والراجح من حيث الصنعة الحديثية: أن «اسمه في هذا الإسناد هو عبد الرحمن (١) ، ثقة متفق عليه، بيّن ذلك» (٢) ، الطيالسي في روايته: «وأما مسلم؛ فانفرد به مسلم، وأما عبد العزيز؛ فأخرج له أبو داود والترمذي وابن ماجه» (٣) . وعلى كلٍّ؛ القول بجهالة عبيد الله أو عبد الله مردودة، بما قاله ابن حجر (٤) ، وسبقه الذهبي، فقال في آخر كتابه «ديوان الضعفاء» (ص ٤٧٨) : «وأما المجهولون من الرواة، فإن كان الرجل من كبار التابعين أو أوساطهم، احتمل حديثه وتلقي بحسن الظن إذا سلم من مخالفة الأصول وركاكة الألفاظ، وإن كان الرجل منهم من صغار التابعين فيتأتى في رواية خبره، ويختلف ذلك باختلاف جلالة الراوي عنه وتحريه، وعدم ذلك» انتهى. وإذا كانت الجملة الأخيرة من هذه القاعدة في (صغار التابعين) فإنها تشمل (عبيد الله) و (عبد الله) من باب أولى، إذ جعلهما مسلم (٥) في (الطبقة الثانية من التابعين من أهل البصرة) ، وقد أخرج في «صحيحه» (٦) حديث «إن الزمان استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض ... » بسندٍ فيه (ابن أبي

стр. 316

بكرة) هكذا بالإبهام، ووقع خلاف في تعيينه، ولا عبرة بتضعيفه لمجرد هذا السبب (١) . بقيت علّة أخرى؛ وهي مستمسك مضعّفيه؛ وهي: (سعيد بن جُمهان) ، قال ناقدوه: «سعيد بن جُمهان، وإن ذُكر توثيقه عن غير واحد من أهل العلم، فقد قال المروزي: قلت لأحمد: يروى عن يحيى القطان أنه سئل عنه فلم يرضه! فقال: باطل، وغضب، وقال: ما قال هذا أحد غير علي بن المديني، ما سمعت يحيى يتكلم فيه بشيء (٢) . وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به (٣) . وقال أبو داود مع توثيقه له: وقوم يضعِّفونه. وقال الساجيّ: لا يتابع على حديثه. ونقل الحافظ ابن حجر في «التهذيب» أن البخاري قال: عنده عجائب. وقال في «التقريب» : صدوق له أفراد (٤) . قلت: ليس كل خلاف في الراوي يضر، بل لا بد من النظر والترجيح، وقد قال ابن أبي عاصم في «السنة» (٥) : حديثه ثابت، وقد روى عنه حماد بن سلمة، والعوام بن حوشب، وحشرج. قال شيخنا الإمام الألباني مدافعاً عن (ابن جمهان) وقد صحح له حديثاً

стр. 317

آخر (١) : «وقد وثقه جماعة من الأئمة، منهم أحمد وابن معين، وأبو داود، وقال الحافظ في «التقريب» : صدوق له أفراد. قال: ولذلك قوّى حديثه الترمذي، وقال: حسن. والحاكم (٣/٧١، ١٤٥) وصححه، وفي [ (٣/٦٠٦) حديث آخر] . ووافقه الذهبي. وأشار إلى مثل هذا التصحيح الحافظ في «الفتح» (١٣/١٨٢) ، فقال موافقاً: وصححه ابن حبان (١٥٣٤، ١٥٣٥ - «الموارد» ) وغيره. واحتج به الإمام ابن جرير الطبري في جزئه في «الاعتقاد» (ص ٧) . وصححه شيخ الإسلام ابن تيمية في «قاعدة» له في هذا الحديث ... قال: اعتمده الإمام أحمد. وصححه ابن عبد البر في «جامع بيان العلم» (٢/١٨٤) ، ويضاف إليهم هنا ابن حبان؛ فإنه ذكر سعيداً في «الثقات» والنسائي؛ فإنه هو الذي قال: ليس به بأس. وعارض هؤلاء قولَ البخاري: في حديثه عجائب، وقولَ الساجي: لا يتابع على حديثه. قال الشيخ: فهذا جرحٌ مبهم غير مفسَّر، فلا يصحّ الأخذُ به في مقابلة توثيق من وثّقه، كما هو مقرر في (المصطلح) ، زد على ذلك أن الموثِّقين جمع، ويزداد عددُهم إذا ضُمَّ إليهم مَنْ صحَّحَ حديثه، باعتبار أن التصحيح يستلزم التوثيق كما هو ظاهر» (٢) .

стр. 318

وبناءً على ما سبق؛ فقد حسّن هذا الحديث شيخُنا الألباني في «صحيح الجامع الصغير» (٢/١٣٥٧ رقم ٨١٧٠) ، و «صحيح سنن أبي داود» (٣/٢٧ رقم ٤٣٠٦) ، و «صحيح موارد الظمآن» (٢/٢٢٦-٢٢٧ رقم ١٥٧٠-١٨٧٣) ، و «المشكاة» (٥٤٣٢) ، وهو في «هداية الرواة» (٥/١١٠-١١١ رقم ٥٣٥٩) ، وبهامشه: «إسناده جيد» (١) ، وهو في (القسم الحسن) (٢) من «مصابيح السنة» ، وهذا الذي أراه صواباً. * هل الحديث منكر ؟ قال ابن أبي حاتم في «العلل» (٢/٤١٩-٤٢٠ رقم ٢٧٦٤) : سألت أبي عن حديث رواه دُرُست بن زياد، عن راشد أبي محمد الحِمّاني، عن أبي الحسن مولى أبي (٣) بكرة، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه، عن النبي ﷺ قال: «تسكن طائفة من أمتي أرضاً يقال لها البصرة ... » فسمعت أبي يقول: هو حديث منكر» . نستفيد من هذا النقل أن ابن جمهان لم يتفرد بالحديث، وإنما تابعه مولى أبي بكرة، المكنى (أبا الحسن) ، ولكني لم أظفر له بترجمة! ويبقى بيان معنى (حديث منكر) ، في السياق المذكور، و «من تتبع كتب تواريخ رجال الحديث وتراجمهم، وكتب العلل؛ وجدَ كثيراً من الأحاديث التي يطلِقُ عليها الأئمةُ (حديث منكر) ، من جهة المعنى» (٤) ، وكذا كان النقاد

стр. 319

القدامى «يستعملون كلمة (منكر) على تفرد الثقة بحديث ليس له متابعٌ ولا شاهدٌ، حتى ولو كان إماماً، وهو أمرٌ يخالفهم فيه جمهورُ النقّاد، لأنهم لا يعتبرونه منكراً، إلا إذا أوقع ذلك التفرد في نفوسهم شيئاً من الريبة» (١) . قال الحافظ أبو بكر البِرْدِيجي: «إن المنكر هو الذي يحدّث به الرجل عن الصحابة، أو عن التابعين عن الصحابة، لا يعرف ذلك الحديث -وهو متن الحديث- إلا من طريق الذي رواه؛ فيكون منكراً» (٢) . والذي أُراه في هذا الباب أن هذا النوع من (الأحكام) لا ينبغي الجمود عليه، وأن ما يستجدّ من (أحداث) له صلة بفحص كلام الأئمة الأعلام، مع عدم مسّ (قواعد الاستنباط) و (قواعد الترجيح) و (قواعد التجريح) و (قواعد التخريج) ، فالقواعد هي هي، ولكن الحكم بـ (النكارة) وعدمها يتغيّر في مثل هذا النوع من شخص إلى شخص، إذ مردّها إلى (الملكة) ، وتختلف -أيضاً- من زمان إلى زمان (٣) ، وقد يدرك (المتأخر) المتأهّل ما لا يدركه (المتقدّم)

стр. 320

المتبحّر، لا بزيادة علم عنده عليه (١) ؛ وإنما بما يحسّه ويشاهده ويدور حواليه (٢) !
следующие страницы →