بكرة) هكذا بالإبهام، ووقع خلاف في تعيينه، ولا عبرة بتضعيفه لمجرد هذا السبب (١) .
بقيت علّة أخرى؛ وهي مستمسك مضعّفيه؛ وهي: (سعيد بن جُمهان) ، قال ناقدوه: «سعيد بن جُمهان، وإن ذُكر توثيقه عن غير واحد من أهل العلم، فقد قال المروزي: قلت لأحمد: يروى عن يحيى القطان أنه سئل عنه فلم يرضه! فقال: باطل، وغضب، وقال: ما قال هذا أحد غير علي بن المديني، ما سمعت يحيى يتكلم فيه بشيء (٢) .
وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به (٣) . وقال أبو داود مع توثيقه له: وقوم يضعِّفونه. وقال الساجيّ: لا يتابع على حديثه. ونقل الحافظ ابن حجر في «التهذيب» أن البخاري قال: عنده عجائب. وقال في «التقريب» : صدوق له أفراد (٤) .
قلت: ليس كل خلاف في الراوي يضر، بل لا بد من النظر والترجيح، وقد قال ابن أبي عاصم في «السنة» (٥) : حديثه ثابت، وقد روى عنه حماد بن سلمة، والعوام بن حوشب، وحشرج.
قال شيخنا الإمام الألباني مدافعاً عن (ابن جمهان) وقد صحح له حديثاً
стр. 317
آخر (١) : «وقد وثقه جماعة من الأئمة، منهم أحمد وابن معين، وأبو داود، وقال الحافظ في «التقريب» : صدوق له أفراد.
قال: ولذلك قوّى حديثه الترمذي، وقال: حسن. والحاكم (٣/٧١، ١٤٥) وصححه، وفي [ (٣/٦٠٦) حديث آخر] . ووافقه الذهبي.
وأشار إلى مثل هذا التصحيح الحافظ في «الفتح» (١٣/١٨٢) ، فقال موافقاً: وصححه ابن حبان (١٥٣٤، ١٥٣٥ - «الموارد» ) وغيره.
واحتج به الإمام ابن جرير الطبري في جزئه في «الاعتقاد» (ص ٧) .
وصححه شيخ الإسلام ابن تيمية في «قاعدة» له في هذا الحديث ... قال: اعتمده الإمام أحمد.
وصححه ابن عبد البر في «جامع بيان العلم» (٢/١٨٤) ، ويضاف إليهم هنا ابن حبان؛ فإنه ذكر سعيداً في «الثقات» والنسائي؛ فإنه هو الذي قال: ليس به بأس.
وعارض هؤلاء قولَ البخاري: في حديثه عجائب، وقولَ الساجي: لا يتابع على حديثه.
قال الشيخ: فهذا جرحٌ مبهم غير مفسَّر، فلا يصحّ الأخذُ به في مقابلة توثيق من وثّقه، كما هو مقرر في (المصطلح) ، زد على ذلك أن الموثِّقين جمع، ويزداد عددُهم إذا ضُمَّ إليهم مَنْ صحَّحَ حديثه، باعتبار أن التصحيح يستلزم التوثيق كما هو ظاهر» (٢) .
стр. 318
وبناءً على ما سبق؛ فقد حسّن هذا الحديث شيخُنا الألباني في «صحيح الجامع الصغير» (٢/١٣٥٧ رقم ٨١٧٠) ، و «صحيح سنن أبي داود» (٣/٢٧ رقم ٤٣٠٦) ، و «صحيح موارد الظمآن» (٢/٢٢٦-٢٢٧ رقم ١٥٧٠-١٨٧٣) ، و «المشكاة» (٥٤٣٢) ، وهو في «هداية الرواة» (٥/١١٠-١١١ رقم ٥٣٥٩) ، وبهامشه: «إسناده جيد» (١) ، وهو في (القسم الحسن) (٢) من «مصابيح السنة» ، وهذا الذي أراه صواباً.
* هل الحديث منكر ؟
قال ابن أبي حاتم في «العلل» (٢/٤١٩-٤٢٠ رقم ٢٧٦٤) : سألت أبي عن حديث رواه دُرُست بن زياد، عن راشد أبي محمد الحِمّاني، عن أبي الحسن مولى أبي (٣) بكرة، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه، عن النبي ﷺ قال: «تسكن طائفة من أمتي أرضاً يقال لها البصرة ... » فسمعت أبي يقول: هو حديث منكر» .
نستفيد من هذا النقل أن ابن جمهان لم يتفرد بالحديث، وإنما تابعه مولى أبي بكرة، المكنى (أبا الحسن) ، ولكني لم أظفر له بترجمة!
ويبقى بيان معنى (حديث منكر) ، في السياق المذكور، و «من تتبع كتب تواريخ رجال الحديث وتراجمهم، وكتب العلل؛ وجدَ كثيراً من الأحاديث التي يطلِقُ عليها الأئمةُ (حديث منكر) ، من جهة المعنى» (٤) ، وكذا كان النقاد
стр. 319
القدامى «يستعملون كلمة (منكر) على تفرد الثقة بحديث ليس له متابعٌ ولا شاهدٌ، حتى ولو كان إماماً، وهو أمرٌ يخالفهم فيه جمهورُ النقّاد، لأنهم لا يعتبرونه منكراً، إلا إذا أوقع ذلك التفرد في نفوسهم شيئاً من الريبة» (١) .
قال الحافظ أبو بكر البِرْدِيجي: «إن المنكر هو الذي يحدّث به الرجل عن الصحابة، أو عن التابعين عن الصحابة، لا يعرف ذلك الحديث -وهو متن الحديث- إلا من طريق الذي رواه؛ فيكون منكراً» (٢) .
والذي أُراه في هذا الباب أن هذا النوع من (الأحكام) لا ينبغي الجمود عليه، وأن ما يستجدّ من (أحداث) له صلة بفحص كلام الأئمة الأعلام، مع عدم مسّ (قواعد الاستنباط) و (قواعد الترجيح) و (قواعد التجريح) و (قواعد التخريج) ، فالقواعد هي هي، ولكن الحكم بـ (النكارة) وعدمها يتغيّر في مثل هذا النوع من شخص إلى شخص، إذ مردّها إلى (الملكة) ، وتختلف -أيضاً- من زمان إلى زمان (٣) ، وقد يدرك (المتأخر) المتأهّل ما لا يدركه (المتقدّم)
стр. 320
المتبحّر، لا بزيادة علم عنده عليه (١) ؛ وإنما بما يحسّه ويشاهده ويدور حواليه (٢) !
стр. 321
والنكارة المذكورة عند الإمام أبي حاتم الرازي غير ظاهرة لمن نظر في شروح الحديث، ولا لمن جمع أحاديث الباب، والله أعلم بالصواب، اللهم إلا أن يقال: إنّ المدينة المشهورة في أحاديث الفتن هي (الكوفة) لا (البصرة) ، وقد سبقت جملة من الآثار في ذلك عن ابن مسعود وعبد الله بن عمرو وحذيفة (١) ! وهذا مزيد آخر منها:
فصل
في أخبار أخرى في الفتن
فيما ذكر للكوفة والبصرة أو إحديهما
أخرج أحمد (٥/٣٨٥) وابن سعد في «الطبقات الكبرى» (٦/٦-٧) والبزار في «البحر الزخار» (٧/٣٤٧-٣٤٨ رقم ٢٩٤٤) من طرق عن محمد ابن عبيد الطنافسي: حدثنا يوسف -يعني: ابن صُهيب- عن موسى بن أبي المختار، عن بلال العبسي، قال:
قال حذيفة: ما أَخبيةٌ بعد أَخبيةٍ كانت مع رسول الله ﷺ ببدرٍ يُدفعُ عنهم، ما يُدْفعُ عن أهل هذه الأخبية (٢) ، ولا يُريد بهم قومٌ سوءاً إلا أتاهم ما يشغلهم عنه. لفظ أحمد، وليس عند البزار «ببدر» ، وآخره عنده: «ولا يريدهم قوم بسوء إلا أتاهم الله بما يشغلهم عنهم» (٣) ، وقال البزار عقبه:
«يعني الكوفة» ، وقال:
стр. 322
«وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن بلال بن يحيى عن حذيفة إلا بهذا الإسناد» .
قلت: وأورده ابن سعد في (طبقات الكوفيين: تسمية من نزل الكوفة من أصحاب رسول الله ﷺ ... ) وبوب عليه في «كشف الأستار» (٣/٣٢٤ رقم ٢٨٥٤) (باب في أهل الكوفة) .
وأخرجه الطبراني في «الأوسط» (٤/٤٠ رقم ٣٠٥٢ - ط. المعارف) من طريق الزِّبرقان عن موسى بن المختار، به، وآخره عنده:
« «ما يدفع الله عن هذه الأخبية» ؛ يعني: الكوفة» ، ونقله عنه هكذا الهيثمي في «المجمع» (١٠/٦٤) ، وقال:
«رجال أحمد والبزار ثقات» .
قال أبو عبيدة: فيه موسى بن أبي المختار مجهول، تفرد بالرواية عنه يوسف بن صهيب، ولم يوثقه غير ابن حبان (٧/٤٥٦) ، وترجمه ابن أبي حاتم (٨/١٦٤) ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً.
وبلال بن يحيى العبسي، مختلف في سماعه من حذيفة، قال ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» (٢/٣٩٦) : «وجدته يقول: بلغني عن حذيفة» ، وقال أبو الحسن القطان: هو ثقة، روى عن حذيفة أحاديث معنعنة، ليس في شيء منها ذكر سماع، أما الترمذي فقد حسّن له حديثاً من روايته عن حذيفة. وقال ابن معين: روايته عن حذيفة مرسلة (١) .
وظفرتُ له بطريق أخرى عن بلال:
أخرجه أحمد (٥/٣٩١) بسندٍ صحيح إلى بلال عن حذيفة، قال:
стр. 323
«ما أخبيةٌ بعد أخبية، كانت مع رسول الله ﷺ ، يُدفع عنها من المكروه أكثر من أخبية وُضعت في هذه البقعة» .
وورد هذا الخبر من طرق كثيرة بعضها صحيح لذاته، مثل:
ما أخرجه ابن أبي شيبة في «المصنف» (١٢/١٨٨ - ط. الهندية أو ٧/٤، ٥ - ط. دار الفكر) ، وابن سعد في «الطبقات الكبرى» (٦/٦) عن وكيع، عن مسعر، عن الركين بن الربيع الفزاري، عن أبيه، قال: قال حذيفة مثل اللفظ الأول، وفي آخره: «يعني الكوفة» .
وإسناده صحيح.
وأخرجه ابن أبي شيبة (١٢/١٨٦ - ط. الهندية أو ٧/٥٥٣ - ط. دار الفكر) ، وابن سعد (٦/٦) من طريق الأعمش عن عمرو بن مرة المرادي، عن سالم بن أبي الجعد، عن حذيفة، قال:
«ما يدفع الله عن أخبية على وجه الأرض ما يدفع عن أخبية بالكوفة، ليس أخبية كانت مع محمد ﷺ » .
ورجاله ثقات إلا أن سالماً لا تعرف له رواية عن حذيفة، وهو كثير الإرسال (١) .
وأخرجه ابن سعد (٦/٦) عن مغيث البكري عن حذيفة قال: «والله ما يُدفع عن أهل قرية ما يُدفع عن هذه -يعني: الكوفة- إلا أصحاب محمد الذين اتبعوه» .
وأخرجه الطيالسي (٢) في «المسند» (ص ٥٩/رقم ٤٤٠) بسندٍ صحيح
стр. 324
إلى نعيم بن أبي هند (١) قال: قال حذيفة ﵁:
«ما رأيت أخصاصاً إلا أخصاصاً كانت مع رسول الله ﷺ ما يدفع عن هذه، يعني: الكوفة» .
قال الطيالسي عقبه: «الأخصاص: بيوت عندنا من قصب» .
ولم يقتصر هذا المعنى على (حذيفة) ؛ وإنما ذكره سلمان -أيضاً ﵄، وهذا يدل على أن له حكم الرفع (٢) .
أخرجه ابن سعد (٦/٦) : أخبرنا الفضل بن دُكين، حدثنا موسى بن قيس الحضرمي، عن سلمة بن كهيل عن سلمان، قال:
وما يُدفع عن أرض بعد أخبية مع رسول الله ﷺ ما يُدفع عن الكوفة، ولا يريدها أحد خارباً إلا أهلكه الله، ولتصيرنّ يوماً وما من مؤمن إلا بها أو يصير هواه بها» .
وسلمة بن كهيل لم يدرك سلمان.
وقد دفع الله عن أهل الكوفة في عصر الصحابة ﵃ كلَّ شرٍّ وسوء وبلاء، وأصبحت مهوى المؤمنين، وانتشرت منها الفتوحات، فعمل
стр. 325
الصحابة والتابعون من خلالها على فتح البلاد بالجلاد، وفتح قلوب العباد بالتعليم والحُجج والبراهين، فاجتمعت لهم ﵃ فروسيتان: فروسية العلم والبيان، وفروسية السيف والسنان (١) ، وكان دفع الله عنهم، ونصرته لهم خارج (جزيرة العرب) ، كدفع الله عن أهل بدر وحفظه لهم، ونشرهم الإسلام فيها، فرضي الله عنهم جميعاً (٢) .
ثم استمر الحال بخير وعافية، وأمن وإيمان، حتى وقع ما ليس بالحسبان، من توالي الفتن واشتدادها على مرّ الزمان، والله المستعان، لا ربّ سواه.
أخرج ابن أبي شيبة في «المصنف» (٨/٦٣٨ رقم ٢٩١) بسندٍ صحيح
стр. 326
إلى حذيفة يخاطب أهل الكوفة:
«ليوشكنّ أن يصبّ عليكم الشر من السماء حتى يبلغ الفيافي، قال: قيل: وما الفيافي يا أبا عبد الله؟ قال: الأرض القفر» .
وأخرج -أيضاً- (٨/٦٢٧-٦٢٨ رقم ٣٣٠) بسندٍ صحيح على شرط الشيخين عن مسروق، قال: أشرف عبد الله -أي: ابن مسعود- على داره -أي: في الكوفة-، فقال:
أعظم بها حرمة، ليحطبنّ. فقيل: ممن؟ فقال: أناس يأتون من ههنا، وأشار أبو حصين -الراوي عن يحيى بن وثّاب عن مسروق، واسمه عثمان بن عاصم- بيده نحو المغرب.
وأخرج ابن أبي شيبة (٨/٦٣٩ رقم ٢٩٩) بسندٍ صحيح عن أبي موسى الأشعري، قال: إن لهذه -يعني: البصرة- أربعة أسماء: البصرة، والخريبة، وتدمر، والمؤتفكة.
وأخرج أبو عمرو الداني في «الفتن» (٤/٩٠٨ رقم ٤٧١) بسندٍ فيه ضعف (١) عن عليّ قال: لتغرقنّ البصرة -أو لتحرقن- كأني بمسجدها وبيت مالها كأنه جؤجؤ (٢) سفينته» .
وله طريق أخرى فيها انقطاع، أخرجه عبد الرزاق (١١/٢٥٢ رقم ٢٠٤٦٣) عن معمر، عن قتادة: أنّ عليّاً قال: «تخرب البصرة إما بحريق وإما بغرق، ... » مثله.
ثم ظفرتُ له بطريق ثالثة، ولكنها ضعيفة.
стр. 327
أخرج الدارقطني في «المؤتلف والمختلف» (٢/٥٥٩) من طريق سيف ابن عمر، عن حَصيرة بن عبد الله والحارث بن حَصيرة -ابنه- كلاهما عن أبي صادق، قال: قال علي ﵁:
«ويلكِ يا كوفة، وأختك البُصَيْرة، كأني بكما تُمَدَّانِ مَدَّ الأديم، وتُعركان عَرْك الأديم (١) العُكاظِيّ، سَلمْتُما بَعدُ -أو سجيتُما-، إني لأعلم فيما علَّمني الله أنّه لا يريدُ بكما جبّار سُوءاً، إلا أتاه اللهُ بشاغل» .
وإسناده ضعيف، فيه سيف بن عمر التميمي، صاحب كتاب «الردة» ، الكوفي، ضعيف الحديث، عمدة في التاريخ، أفحش ابن حبان القول فيه. قاله ابن حجر في «التقريب» (ص ٢٦٢/رقم ٢٧٢٤) .
والحارث بن حَصيرة، صدوق يخطئ، وروايته مقرونة مع رواية أبيه.
وأخرج عبد الله بن أحمد في «زيادات الزهد» : حدثني عمر بن شبة (٢) ، حدثني يحيى بن بسطام، حدثني أنيس بن سوار، حدثنا مالك بن دينار، عن الأحنف بن قيس، قال: أتيتُ المدينة في إمارة عثمان ﵁، فإذا رجل كث اللحية، قعد لهم وأغلظ، فتفرقوا، فقلت: يا عبد الله! ما أراك إلا قد أسأت، قال: إن هؤلاء مداهنون، أتعرفني؟ قلت: لا، قال: أنا أبو ذر، فمن أنت؟ قلت: من أهل البصرة، فقال: ألا أحدثك حديثاً سمعته من رسول الله ﷺ يقول: بلايا بالعراق، وذلك بالكوفة، فأما أهل البصرة فأقوم الأمصار قبلة، وأكثره مؤذناً، يدفع الله عنهم ما يكرهون (٣) .
стр. 328
وأخرج عبد الله فيه -أيضاً-، قال:
حدثنا أبو إسحاق الطبري، حدثنا هاشم بن القاسم، عن صالح المري، عن سعيد الربعي، عن مالك بن دينار، عن الأحنف، عن أبي ذر ﵁، قال: إن النبي ﷺ ذكر أهل الكوفة، فذكر أنه ستنزل بهم بلايا عظام. ثم ذكر أهل البصرة، فذكر أنهم أفضل أهل الأمصار قبلة، وأكثرهم مؤذناً، يدفع عنهم ما يكرهون (١) .
وأخرج أبو نعيم في «الحلية» (٦/٢٤٩) -ومن طريقه الديلمي (٢) في «الفردوس» (١/ق٣٤١ - «زهر الفردوس» ) وابن الجوزي في «الواهيات» (١/٣١٢ رقم ٥٠٠) - قال:
حدثنا أبو بكر بن خلاد، ثنا محمد بن يونس، ثنا محمد بن عباد المهلبي، ثنا صالح المري، عن المغيرة بن حبيب صهر مالك، قال: قلت لمالك بن دينار (٣) : يا أبا يحيى! لوذهبت بنا إلى بعض جزائر البحر، فكنا فيها حتى يسكن أمر الناس؟ فقال: ما كنت بالذي أفعل، حدثني الأحنف بن قيس، عن أبي ذر، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إني لأعرف أرضاً يقال لها البصرة، أقومها قبلة، وأكثرها مساجد ومؤذنين، يدفع عنها من البلاء ما لم يدفع عن سائر البلاد» (٤) .
стр. 329
قال أبو نعيم على إثره: «غريب من حديث المغيرة وصالح، رواه الجراح بن مخلد عن محمد بن عباد، رواه القاسم بن محمد بن عباد عن أبيه، مثله» .
قلت: وأخرجه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٣٨/٤١٩) من طريق رجاء بن محمد عن محمد بن عباد، به.
وسأل ابن أبي حاتم في «العلل» (٢/٤٣٥ رقم ٢٨١١) عن حديث رواه عمرو بن علي الصيرفي، عن محمد بن غسان، عن صالح المري، به، ... أباه، فقال: «هذا حديث منكر، ليس بقوي» .
وعزاه ابن عرّاق في «تنزيه الشريعة» (٢/٥٨ رقم ٣٣) إلى ابن قانع (١) من حديث أبي ذر، وقال: «فيه الكديمي» .
وقال ابن الجوزي قبله في «الواهيات» (١/٣١٢) تحت عنوان (حديث في فضل البصرة) : «هذا حديث لا يصح، وفيه محمد بن يونس الكديمي، قال ابن حبان (٢) : كان يضع على الثقات الحديث وَضعاً، لعله قد وضع أكثر من ألف حديث» .
قال أبو عبيدة: الأسانيد الثلاثة السابقة ضعيفة، وآخرها أضعفها، وصالح المري ضعيف، واضطرب فيه، فشيخه في الإسناد الثاني (سعيد بن سلمان ... -أو سليمان- الرَّبعي) مقبول، وفي الذي بعده (المغيرة بن حبيب صهر مالك ابن دينار) ، أورده الذهبي في «الميزان» لقول الأزدي فيه: «منكر الحديث» ، وذكره ابن حبان في «الثقات» (٧/٤٦٦) ، وقال: «يغرب» ، وروى عنه جمع، فيما سمّىابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» (٨/٢٢٠ رقم ٩٩١) ، وابن
стр. 330
حبان، «فمثله تطمئن النفس لحديثه، لرواية هذا الجمع من الثقات عنه، دون أن يعرف بما يسقِطُ حديثَه، وأما قول الأزدي: «منكر الحديث» ؛ فمما لا يلتفت إليه؛ لأنه معروف بالتعنُّت في (التجريح) ، فلعله من أجل ذلك لم يورده الذهبي في كتابه الآخر «الضعفاء» ولا في «ذيله» ، والله أعلم» (١) .
ومالك بن دينار صدوق عابد.
فهذه الأسانيد ضعيفة، لا تنهض بالاحتجاج، ولا تتقوّى بتعدد الطرق، وتذكر للاستئناس عند الجمع، من باب تكثير العساكر والجيوش، وإن لم تكن بذاك، فالكثرة لها أثر في النفوس، على منهج أئمة الهدى في التصنيف في المواضيع المفردة في المسائل الخاصة، من باب التقميش الذي يتبعه التفتيش، كما حصل لابن القيم في «اجتماع الجيوش» ، والذهبي في «العلو» و «العرش» ، وغيرهما كثير كثير.
أخرج أبو داود (٢) في «سننه» في كتاب الملاحم (باب في ذكر البصرة) (٤/١١٣ رقم ٤٣٠٧) :
حدثنا عبد الله بن الصباح، ثنا عبد العزيز بن عبد الصمد، ثنا موسى الحناط، لا أعلمه إلا ذكره عن موسى بن أنس، عن أنس بن مالك، أن رسول الله ﷺ قال له: «يا أنس! إن الناس يُمَصِّرون أمصاراً، وإن مصراً منها يقال له البصرة أو البصيرة، فإن أنت مررت بها، أو دخلتها؛ فإياك وسِباخَها وكِلاءَها وسوقَها وبابَ أمرائها، وعليك بضواحيها؛ فإنه يكون بها خَسْفٌ وقذْفٌ ورَجْفٌ، وقوم يبيتون يصبحون قردة وخنازير» .
وإسناده صحيح.
стр. 331
وصححه شيخنا الألباني في «صحيح سنن أبي داود» (٤٣٠٧) و «مشكاة المصابيح» (٣/١٤٩٦ رقم ٥٤٣٣) .
واعترض على هذا التصحيح بشك موسى الحناط في شيخه! قال المنذري في «مختصر سنن أبي داود» (٦/١٧٠) : «لم يجزم الراوي به، قال: لا أعلمه إلا ذكره عن موسى بن أنس» ، وأعله به المعلمي اليماني في تعليقه على «الفوائد المجموعة» (١) ، وزاد: «وهذا إذا انضم إلى كون المتن منكراً» !!
وسبقت الإجابة على النكرة، أما الشك فليس بعلة، وأجاب على ذلك ابن حجر في «أجوبته عن أحاديث المصابيح» (٣/١٧٨٧ - «المشكاة» ) (الحديث الخامس عشر) ، قال عقب إيراده بسنده ومتنه: «ورجاله ثقات، ليس فيه إلا قول أنس: لا أعلمه إلا عن موسى بن أنس، ولا يلزم من شكه في شيخه الذي حدثه به أن يكون شيخه فيه ضعيفاً، فضلاً عن أن يكون كذاباً، وتفرد به، والواقع [أنه] لم ينفرد به، بل أخرج أبو داود -أيضاً- لأصله شاهداً بسند صحيح من حديث سفينة مولى رسول الله ﷺ » (٢) .
قال أبو عبيدة: لم أظفر بحديث سفينة عند أبي داود، ولا غيره مع طول بحث وكثرة فتْش، ثم وجدتُ بعض الباحثين (٣) المعاصرين يقول في كتابه «النقد الصريح لأجوبة الحافظ ابن حجر من أحاديث المصابيح» (ص ٨٨-٨٩) ، وأورد طريق النضر بن حفص الآتية، ثم قال: «وأما الشاهد الذي ذكره الحافظ ابن حجر في «أجوبته» من حديث سفينة؛ فلم أقف عليه عند أبي داود، ولا عند غيره، ولم أجد له ذكراً في (مسند سفينة) من «تحفة الأشراف» للحافظ المزي، وإنما له شاهد حسن من حديث أبي بكرة، ... » وساق ما
стр. 332
ذكرناه، وعزاه لأحمد والطيالسي وأبي داود فقط، وقال:
«وليس فيه التحذير من سباخها وكلائها وسوقها وباب أمرائها، ولا فيه ذكر القذف والخسف والرجف» .
قلت: ولذلك شواهد كثيرة في الموقوف، مبثوثة في كتابنا هذا، ولله الحمد والمنة.
وأخرجه أبو يعلى في «معجمه» (ص ٢٢٥ رقم ٢٧٣ - ط. إرشاد، أو ص ٣٠٥/رقم ٢٧٣ - ط. أسد) -وعنه- كل من ابن عدي في «الكامل» (٥/١٧٣١) ، وأبي الشيخ في «الفتن» كما في «اللآلئ المصنوعة» (٢/٤٦٨) من طريق ابن عدي، وابن الجوزي في «الموضوعات» (٢/٦١) - قال: حدثنا عمار بن زَرْبي أبو المعتمر، ثنا النضر بن حفص بن النضر بن أنس، عن أبيه، عن جده، عن أنس، قال: قال لي رسول الله ﷺ ، مثله، وفيه:
«فإذا أنت أتيتَها، فسكنتَ فيها؛ فاجتنب مسجدها، وسوقها وفيضَها، وأحسبُه قال: «عليك بضواحيها، فسيكون بها خسف ومسخ» .
وفي آخره: «قال أنس: فمن ها هنا سكنتُ القصر؛ يعني: قصر أنس ... ﵁» .
وهذا إسناد ضعيف جدّاً، عمار بن زربي، ترجمه ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» (٦/٣٩٢) ، ونقل عن أبيه قوله فيه: «هو كذاب، متروك الحديث، وضرب على حديثه ولم يقرأه علينا» .
وقال ابن عدي على إثر الحديث: «وهذا -أيضاً- غير محفوظ» ، وقال عن (عمار) : «لم يبلغني مما أنكرته من حديث عمار بن زربي غير هذه الأحاديث التي ذكرتها، وله غير هذا الشيء اليسير» ، وأورد هذا الحديث في ترجمته.
وقال العقيلي في «ضعفائه» (٣/٣٢٧) عن (ابن زربي) : «الغالب على
стр. 333
حديثه الوهم» ، وتركه عبدان الأهوازي، ورماه بالكذب، انظر: «لسان الميزان» (٤/٢٧١ - ط. الهندية و٤/٣١٢ - ط. الفكر و٦/٤٥ - ط. أبو غدة) .
وذكره ابن حبان في «الثقات» (٨/٥١٧) ، وقال: «كان ضريراً يغرب ويخطئ» (١) .
وأخرجه العقيلي في «الضعفاء الكبير» (٤/٢٩٤) : حدثنا أحمد بن عبد الله بن جرير بن جبلة، قال: حدثنا عمار بن زريق (٢) ، حدثني النضر بن حفص، به، مثله.
وأورده في ترجمة (النضر) ، وقال عنه: «مجهول بالنقل حديثه غير محفوظ» .
قال العلائي في «النقد الصحيح لما اعترض عليه من أحاديث المصابيح» (ص ٤٨/رقم ١٦) ، وأورد هذا الحديث وكلام الأئمة في (عمار ابن زربي) ، قال: «ولكن لم ينفرد عمار به، بل أخرجه أبو داود، وساق سنده، وقال: «وهذا الإسناد رجاله على شرط مسلم، احتجّ بهم جلّهم، وليس فيه سوى عدم الجزم باتصاله، بل هو بغلبة الظن، وذلك كافٍ كما صرح به أئمة الفن في أمثاله، والله أعلم» .
وأورد كلامه وأقره: السيوطي في «اللآلئ المصنوعة» (٢/٤٦٨) ، وابن عراق في «تنزيه الشريعة» (٢/٥١/رقم ١٥) ، والشوكاني في «الفوائد
стр. 334
المجموعة» (ص ٤٣٤ رقم ١٣) .
وله شواهد بمعانٍ مقاربة من المرفوع والموقوف ، أورد منها السيوطي (١) وتبعه ابن عرَّاق (٢) ثلاثة: واحد مرفوع، واثنان موقوفان؛ وهذا البيان (٣) :
أولاً: أخرج الطبراني في «الأوسط» (٦/١٦٧ رقم ٦٠٩٥ - ط. الحرمين) ،
стр. 335
قال:
حدثني محمد بن عبد الرحمن -ثعلبٌ- البصري، قال: نا عليُّ بن الحسين الدرهمي، قال: نا عبدُالخالق أبو هانئ، قال: حدثني زياد بن (١) الأبْرَص.
عن أنس بن مالك، قال: كانت أمّ سُليْم تُداوي الجرحىفي عسكر رسول الله ﷺ ، فقالت: يا رسول الله! لو دعوتَ الله لابني (٢) ، قال رسول الله ﷺ : «أُنيس؟» قالت: نعم، فأقعدني بين يديه، ومسح على رأسي، فقال: «يا أُنيس، إن المسلمين يتمصَّرون بعدي أمصاراً، مما يُمَصِّرون مصراً يقال لها: البصرة، فإن أنت وردْتَها فإياك وفيضها وسوقَها وبابَ سلطانِها، فإنها سيكون بها خسفٌ ومسْخٌ وقذف، آيةُ ذلك الزمان أن يموت العدل، ويَفشُو فيه الجَوْر ويكثر فيه الزِّنا، ويفشو فيه شهادة الزور» .
قال الطبراني عقبه: «لا يُروى هذا الحديث عن زياد الأبرص إلا بهذا الإسناد» .
وإسناده مظلم، قال الهيثمي في «المجمع» (٨/١١) : «فيه جماعة لم أعرفهم» .
قلت: لعله يريد: محمد بن عبد الرحمن (ثعلب البصري) (٣) ،
стр. 336
وعبد الخالق أبو هانئ، وزياد الأبرص، فإني لم أظفر بكلام لأئمة الجرح والتعديل فيهم. ووجدتُ المعلمي يقول عن عبد الخالق وزياد: «لم أجدهما» (١) .
ثانياً: أخرج ابن أبي شيبة في «المصنف» (٨/٦٤٠ رقم ٣٠٥) بسندٍ صحيح إلى غالب بن عجرد، قال: أتيتُ عبد الله بن عمرو أنا وصاحب لي، وهو يحدث الناس، فقال: ممن أنتما؟ فقلنا: من أهل البصرة، قال: فعليكما إذاً بضواحيها، فلما تفرق الناس عنه دَنوْنا منه، فقلنا: رأيتَ قولك: ممن أنتما، وقولك: عليكما بضواحيها إذاً؟ قال: إن دار مملكتها وما حولها مشوب بهم، قال ثابت (الراوي عن غالب) : فكان غالب بن عجرد إذا دخل على الرحبة سعى حتى يخرج منها.
وأخرجه عبد الرزاق في «المصنف» (١١/٢٥٢ رقم ٢٠٤٦٤) عن معمر، عن قتادة، أن عبد الله بن عمرو قال: «البصرة أخبث الأرض تراباً، وأسرعه خراباً» (٢) ، قال: «ويكون في البصرة خسف، فعليك بضواحيها، وإياك وسباخها» وإسناده منقطع؛ قتادة لم يسمع عبد الله بن عمرو، ولم يسمع إلا من أنس، كما قال أئمة هذا الشأن، وبعضهم يزيد معه سماعه من عبد الله بن سرجس.
ثالثاً: وأخرج ابن أبي شيبة في «المصنف» (٨/٦٤٠ رقم ٣٠٦ - ط. دار الفكر) قال: حدثنا أبو معاوية عن عاصم، عن أبي عثمان، قال: جاء رجل إلى حذيفة، فقال: إني أريدُ الخروجَ إلى البصرة، فقال: إنْ كنتَ لا بد لك من
стр. 337
الخروج؛ فانزل عَزَواتِها، ولا تنزل سُرَّتها.
وإسناده صحيح، أبو معاوية محمد بن خازم الضرير، وعاصم هو ابن سليمان الأحول، وأبو عثمان هو عبد الرحمن بن مَلّ النهدي، أدرك حذيفة، وكلهم ثقات.
ثم وجدته في موطن آخر من «مصنف ابن أبي شيبة» (٧/٥٥٥ رقم ٤ - ط. الفكر، أو ١٢/١٨٩-١٩٠ رقم ١٢٥٠٥ - ط. الهندية) بالسند واللفظ نفسه، وفيه: «فانزل عدوتها ولا تنزل سربها» .
وكلاهما تصحيف (١) ، وصوابه: «عَذَواتها» .
أخرج أبو محمد السرقسطي في «الدلائل في غريب الحديث» (٢/٩٢٦ رقم ٥٠٠) : حدثنا إبراهيم -هو ابن نصر، ثقة- قال: أنا أبو الحسن -هو أحمد ابن عبد الله، ثقة إمام- قال: نا أبو حذيفة، قال: نا سفيان، عن عاصم الأحول، به، ولفظه:
«إن كنتَ لا بد فاعلاً (٢) ، فانزل بسُرَّتها، وتجنب عَذَواتها» .
وقال: «وروى هذا الحديث عن شعبة عن عاصم، عن أبي عثمان، إلا أنه قال: فانزل عَذَواتها، ولا تنزل سُرَّتها» .
وإسناده حسن لغيره (٣) ، وأبو حذيفة، موسى بن مسعود النهدي، قال العجلي: ثقة صدوق، وقال الترمذي: يضعّف في الحديث، وقال ابن حبان: يخطئ، وقال الفلاس: لا يحدّث عنه من يبصر الحديث، وقال الذهبي في «السير» (١٣/٤٠٦) : «هو صدوق في نفسه، وليس بمتقن» . وقال ابن حجر:
стр. 338
صدوق سيئ الحفظ (١) .
وأفاد السرقسطي: أنه يقال: أرض عذاة وعَذِية (٢) ؛ وهي: البعيدة من الماء، قال: «ومن ثم يقال: زرع عِذْي يشرب بماء السماء، ولا يدنو من المياه ولا من الأنهار» ، قال: «وقد روي هذا الحرف بلفظ آخر: «فانزل عُدُواتها» ، كأنه جمع عُدْوة ... » ، قال: «وقال بعضهم: عَدولاتها» فإن كان محفوظاً؛ فإنه أراد كلاءها ومرسى سفنها» .
قلت: لفظ حديث أنس عند أبي داود (٣) يرجح أن المراد (العذية: البعيدة من الماء) ، وله شواهد أوردها السرقسطي (٤) .
وقد ورد بلفظ آخر، أخرجه أبو الحسين الحنائي في «الفوائد المنتقاة الصحاح والغرائب» (٥) (٣/٩٤١ رقم ٢٨٧ - بتحقيقي) ، قال:
أخبرنا أبو بكر محمد بن أحمد بن عثمان بن أبي الحديد السلمي (٦) ، قال: أنبأ محمد بن جعفر بن محمد بن هشام بن ملاّس النُّمَيري، قثنا أبو جعفر محمد بن عمرو السوسي النميري، قثنا أبو معاوية، عن عاصم، عن أبي
стр. 339
عثمان، قال: جاء رجل إلى حذيفة، فقال: إني أريد الخروج إلى البصرة، فقال: لا تخرج إليها، قال: إن لي بها حاجة، قال: لا تخرج، قال: لا بد لي من الخروج، قال: إن لي بها قرابة، قال: «إن كان لا بدَّ من الخروج، فانزل غربيها، ولا تنزل شرقيها» .
وإسناده حسن لغيره، فيه محمد بن عمرو السوسي، قال العقيلي في «الضعفاء الكبير» (٤/١١١) : «كان بمصر يذهب إلى الرفض، وحدّث بمناكير» ، ونقله عنه الذهبي في «الميزان» (٣/٦٧٥) وابن حجر في «اللسان» (٥/٣٧٠) ، ولخّص حاله في «ديوان الضعفاء» (٣٩١٤) بقوله: «صاحب مناكير يترفض» (١) .
ويشهد للفظ الأخير: «انزل غربيها ولا تنزل شرقيها» أثرٌ لجرير بن عبد الله البجلي.
أخرجه ابن أبي شيبة في «المصنف» (١٣/٣٦٣) عن وكيع، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن جرير، قال: «إن أول الأرض خراباً يُسراها ثم تتبعها يُمناها» (٢) .
وإسناده صحيح.
وهكذا رواه يحيى القطان، ويعلى، وأبو أسامة، عن إسماعيل، عن قيس، عن جرير قوله، وهو الصواب، أفاده الدارقطني فيما حكاه ابن الجوزي في «العلل المتناهية» (٢/٨٥٣ رقم ١٤٢٧) .
وقد خالف حفص بن عمر الرقي فرواه عن أبي حذيفة موسى بن
стр. 340
مسعود النَّهدي، عن سفيان الثوري، عن إسماعيل، به، رفعه.
أخرجه الطبراني في «الأوسط» (٣٥١٩) -وعنه أبو نعيم في «الحلية» (٧/١١٢) -، وتمام في «الفوائد» (٥/١٤٥ رقم ١٧٢٤ - ترتيبه «الروض البسام» ) -ومن طريقه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (١٥/ق٢٥٧) أو (٥٢/٤٥ و٥٣/٣٣٣ - ط. دار الفكر) -، وأبو يعلى الخليلي في «الإرشاد» (٢/٤٧٤ رقم ١٣١) ، والدارقطني في «العلل» -ومن طريقه ابن الجوزي في «الواهيات» (٢/٨٥٣ رقم ١٤٢٧) -، وابن جميع الصيداوي في «معجم الشيوخ» (ص ٢٥٨) ، وابن المقرئ (١) في «معجمه» (ص ٢٨٣ رقم ٩٢٩) ؛ جميعهم من طريق حفص بن عمر الرّقّي، المعروف بـ (سِنْجَة) (٢) : نا أبو حذيفة، به.
قال الطبراني: «لم يرو هذا الحديث موصولاً إلا أبو حذيفة» ، وقال أبو نعيم: «غريب» ، وقال الهيثمي في «المجمع» (٧/٢٨٩) : «فيه حفص بن عمر ابن الصباح الرّقّي، وثّقه ابن حبان، وبقية رجاله رجال الصحيح» .
قلت: ليس كذلك، موسى بن مسعود سيئ الحفظ، وتقدم الكلام عليه قريباً، وكذا لم يخرج له البخاري إلا في المتابعات، وحفص بن عمر، قال الخليلي: «كان يحفظ وينفرد برفع الحديث» ، وقال أبو أحمد الحاكم: «حدث بغير حديث لم يتابع عليه» ، وقال ابن حبان: «ربما أخطأ» (٣) ، والمحفوظ في هذا اللفظ الوقف، وإن كان له حكم الرفع.
стр. 341
ثم وجدتُ أبا يعلى الخليلي أسنده في «الإرشاد» (٢/٤٧٤) من طريق هلال بن العلاء الرّقّي، عن أبي حذيفة موقوفاً، وقال: «وهذا أصح» (١) .
ومما يستفاد من هذا الأثر؛ أن الجهة اليسرى أو جهة الشرق من الأرض تخرب قبل اليمنى أو الغرب (٢) ، وهذا يشهد لما ورد في حديث أبي هريرة: «منعت العراق ... منعت الشام ... منعت مصر ... » ، وأيّدنا هذا فيما مضى بقول جابر في «صحيح مسلم» : «يوشك أهل العراق أن لا يجبى إليهم قفيز ولا درهم ... يوشك أهل الشام أن لا يجبى إليهم دينار ولا مُدْي ... » ، و «يوشك» ؛ معناه: «يسرع» ، ففيه معنى الحدوث في الزمان، وذكرها قبل لفظة (خليفة) في آخر الزمان، يؤيّد ويقوي الترتيب، وتكاد تُجمع الآثار على الترتيب المذكور، ولا يوجد فيها ما يخالف ذلك، فضلاً على العموم الوارد في أثر حذيفة هذا، وظفرتُ بحديث وقع التصريح فيه بتأخير الفتن عن (مصر) ؛ وهو:
ما أخرجه الطبراني في «الأوسط» (٩/٣٣٧-٣٣٨ رقم ٨٧٣٥) و «الكبير» (٣) ، والفسوي في «المعرفة والتاريخ» (٢/٤٨٣) -ومن طريقه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٤٥/٤٩٢-٤٩٣) -، وابن عبد الحكم في «فتوح مصر» (ص ٥٢٨ رقم ٢١٧ - ط. محمد الحجيري) ، والبزار في «مسنده» (٦/٢٨٧ رقم ٢٣١١) أو (٢/٢٦١ رقم ١٦٥٦ - زوائده: «كشف الأستار» ،
стр. 342
أو ١/٧٠١ رقم ١٢٩٧ - «مختصر الزوائد» ) ، وابن قانع في «معجم الصحابة» (١٠/٣٧١١ رقم ١٢٢٢) من طريق عبد الله بن صالح، نا أبو شريح، أنه سمع عميرة بن عبد الله المعافري يقول: حدثني أبي، أنه سمع عمرو بن الحَمِق يقول: قال رسول الله ﷺ :
«تكون فتنة أسلم الناس فيها -أو قال: خير الناس فيها- الجند الغربي» ، قال عمرو بن الحمق: فلذلك قدمت عليكم مصر (١) .
وعلقه البخاري في «التاريخ الكبير» (٦/٣١٤) عن عبد الله بن صالح، به، بلفظ: «ستكون فتنة، خير الناس فيها الجند الغربي» .
وإسناده ضعيف، فيه عبد الله بن صالح، كاتب الليث بن سعد، صدوق كثير الغلط، ولم ينفرد به، بل توبع عليه.
أخرجه الحاكم في «المستدرك» (٤/٤٤٨) وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٤٥/٤٩٢) من طريق ابن وهب (٢) : حدثني أبو شريح، عن عمير (٣) بن عبد الله المعافري، عن أبيه، به.
وقال: «صحيح الإسناد ولم يخرجاه» ، ووافقه الذهبي في «التلخيص» .
قلت: أبو شريح هو عبد الرحمن (٤) بن شريح، وقع التصريح به عند
стр. 343
الفسوي والطبراني والبزار وابن عساكر، وليس هو (ضبارة بن مالك) المجهول، كما عينه الأستاذ حمدي الدمرداشي في تحقيقه لـ «معجم الصحابة» لابن قانع!
وعبد الرحمن بن شريح المعافري؛ ثقة من رجال الشيخين.
وعميرة بن عبد الله المعافري؛ قال الذهبي في «الميزان» (٣/٢٩٧ رقم ٦٤٩٤) : «مصري، لا يُدرى من هو» ، وساق هذا الحديث في ترجمته، ولم يزد ابن حجر في «اللسان» (٦/٢٣٧ رقم ٥٨٦٧) عليه شيئاً، وأقرّه، والعجب أن محقق «معجم الصحابة» لابن قانع قال عنه: «مقبول، تقدم في الحديث (١٤) » ! ولم يتقدم، ولا أدري ما هو مستنده في حكمه؟! وله مثله كثير! ولا قوة إلا بالله!
وقال البزار: «لا نعلم له طريقاً إلا هذا الطريق، ولا نعلم رواه عن ابن شريح إلا عبد الله بن صالح» !!
وقال الطبراني: «لا يروى هذا الحديث عن ابن الحَمِق إلا بهذا الإسناد، تفرد به أبو شريح» !
قال أبو عبيدة: ظفرتُ له بطريق أخرى:
أخرج ابن شبة في «تاريخ المدينة» (٣/١١١٦-١١١٧) :
حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي، قال: حدثنا عبد الله بن وهب، قال: حدثنا الليث بن سعد، عن عبد الكريم بن الحارث، عمن حدثه، عن عمرو بن الحَمِق الخُزَاعي: أنه قام عند المنبر بمصر -وذاك عند فتنة عثمان ﵁، فقال: أيها الناس، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: إنها ستكون فتنة، خيرُ الناس فيها الجند الغزَّى، وأنتم الجند الغُزَّى، فجئتكم لأكون معكم فيما أنتم فيه. قال الليث: فكان معهم في أشرِّ أمورهم.
قال أبو عبيدة: كذا فيه: «الغزّى» في الموطنين، وهو خطأ، صوابه:
стр. 344
الغربي، وهذا الإسناد ضعيف؛ للإبهام الذي فيه، ويحتمل أن يكون هو المجهول في الإسناد الذي قبله، وسائر رواته ثقات.
وأخرج نعيم بن حماد في «الفتن» (١/٥٤ رقم ٥٤) عن الوليد، قال: قال ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب، قال: بلغني أن رسول الله ﷺ قال: «تكون فتنة، تشمل الناس كلَّهم، لا يسلم منها إلا الجند الغربي» (١) .
ويغني عن هذا المعنى:
ما أخرجه مسلم في «صحيحه» (١٩٢٥) ، وأبو عوانة (٥/١٠٩-١١٠) وأبو يعلى (٧٨٣) والشاشي (١/٢٠٤ رقم ١٥٩) والبزار (١٥٢ - مسند سعد) أو «البحر الزخار» (رقم ١٢٢٢) في «مسانيدهم» ، والدّورقي في «مسند سعد» (ص ١٩٥ رقم ١١٦) ، وابن الأعرابي في «معجمه» (١/١٧٤و٣/٥٨٦-٥٨٧ رقم ٢٩٨، ١١٥٦) ، والسهمي في «تاريخ جرجان» (ص ٤٦٧) ، وأبو العرب في «طبقات علماء إفريقيا» (ص ١٠) ، وأبو عمرو الداني في «الفتن» (٣/٧٤٠-٧٤١ رقم ٣٦٢) ، وأبو نعيم في «الحلية» (٣/٩٥-٩٦) -وقال: «حديث ثابت مشهور» - من طرق عن داود بن أبي هند، عن أبي عثمان، عن سعد بن أبي وقاص، قال: قال رسول الله ﷺ :
«لا يزال أهل الغرب ظاهرين على الحق إلى يوم القيامة» .
واختلف الشراح في المراد بأهل الغرب: «قيل: أراد به: غرب الأرض. وهو ظاهر حديث سعد. ورواه عبد بن حميد وبقي بن مخلد: «لا يزال أهل المغرب» ، لكن؛ أول المغرب بالنسبة إلى المدينة -مدينة النبي ﷺ إنما هو الشام، وآخره: حيث تنقطع الأرض من المغرب الأقصى وما بينهما، كلُّ ذلك يقال له: مغرب. فهل أراد المغرب كلَّه، أو أوله؟ كلُّ ذلك محتمل؛ لا جرم
стр. 345
قال معاذ في الحديث الآخر: هم أهل الشام. رواه الطبري وقال: هم ببيت المقدس. وقال أبو بكر الطرطوشي في رسالة بعث بها إلى أقصى المغرب، بعد أن أورد حديثاً في هذا المعنى قال -والله تعالى أعلم-: هل أرادكم رسول الله ﷺ أو أراد بذلك جملةَ أهل المغرب؛ لما هم عليه من التمسُّك بالسُّنَّة والجماعة، وطهارتهم من البِدَع والإحداث في الدين، والاقتفاء لآثار من مضى من السلف الصالح؟ والله -تعالى- أعلم» (١) .
وساق السيوطي رواية عبد بن حميد وبقي بن مخلد، وزاد رواية للدارقطني بلفظ: «في الغرب» ، وقال:
«قلت: لا يبعد أن يراد بالمغرب «مصر» فإنها معدودة في الخط الغربي بالاتفاق، وقد روى الطبراني والحاكمُ وصححه عن عمرو بن الحمق، قال: قال رسول الله ﷺ : «تكون فتنة، أسلم الناس فيها الجند الغربي» . قال ابنُ الحمق: «فلذلك قدمت عليكم مصر» . وأخرجه محمد بن الربيع الجيزي في «مسند الصحابة الذين دخلوا مصر» ، وزاد فيه: «وأنتم الجند الغربي» . فهذه منقبة لمصر في صدر الملة، واستمرت قليلة الفتن معافاةً طول الملة، لم يعترها ما اعترى غيرها من الأقطار، وما زالت معدن العلم والدين، ثم صارت في آخر الأمر دار الخلافة ومحط الرحال، ولا بلد الآن في سائر الأقطار بعد مكة والمدينة يظهر فيها من شعائر الدين ما هو ظاهر في مصر» (٢) .
قال أبو عبيدة: حفظ الله مصرَ وأهلَها المتَّقين إلى يوم الدين، ولا شك
стр. 346
أنّ المراد بـ (الغرب) أصالةً (الشَّام) ، وسلامتها هي علامة (خير) ، وعافيتها شارة (نصر) للأمة المرحومة، كما صرحت به الأحاديث الكثيرة الشهيرة الصريحة الصحيحة، وألّفت في هذا الباب كثير من المصنفات المفردة المليحة (١) .
قال شيخنا أسد السنة، ومحدث العصر الألباني -رحمه الله تعالى- بعد تخريجه حديث سعد بن أبي وقاص السابق، وبيان صحّته ما نصه:
«واعلم أن المراد بأهل الغرب في هذا الحديث أهل الشام؛ لأنهم يقعون في الجهة الغربية الشمالية بالنسبة للمدينة المنورة التي فيها نطق -عليه
стр. 347
الصلاة والسلام- بهذا الحديث الشريف، وبهذا فسر الحديث الإمام أحمد ﵀، وأيده شيخ الإسلام ابن تيمية في عدة مواضع من «الفتاوى» (٧/٤٤٦ و٢٧/٤١، ٥٠٧ و٢٨/٥٣١، ٥٥٢) ، وقد أبعد النجعة من فسره من المعاصرين ببلاد (المغرب) المعروفة اليوم في شمال إفريقيا؛ لأنه مما لا سلف له؛ مع مخالفته لإمام السنة وشيخ الإسلام.
وإذا عرفت هذا ففي الحديث بشارة عظيمة لمن كان في الشام من أنصار السنة المتمسكين بها، والذابين عنها، والصابرين في سبيل الدعوة إليها. نسأل الله -تعالى- أن يجعلنا منهم، وأن يحشرنا في زمرتهم تحت لواء صاحبها محمد ﷺ » (١) .
قال أبو عبيدة: لا يبعد عندي أنّ (مصر) يتأخر خرابها عن (الشام) ؛ ... -أعني: مَنْعَها إردبَّها ودينارها (٢) -، ولم يذكر جابر (٣) (مصر) ألبتة، واقتصر على ذكر (العراق) و (الشام) ، وأن (الشام) تخرب بعد منع مصر خيراتها مرة أخرى على وجه فيه ظهور، حتى تشتد الفتن بالمسلمين جدّاً، وحتى يرسل إلى المهدي جيش منها للمقاتلة، وبعد ذلك تعود (العافية) و (الإيمان) للشام، وعلى هذه الفترة تحمل النصوص التي فيها (هلاك العرب) (٤) ، ولم يبق منهم إلا بقية هم بالشام (٥) .
стр. 348
قال ابن رجب شارحاً حديث سعد: «لا يزال أهل الغرب ظاهرين على الحق..» ما نصه:
«وقد فسّر الإمام أحمد أهل الغرب في هذا الحديث بأهل الشام؛ فإن التشريق والتغريب أمر نسبي، والنبي ﷺ إنما قال هذا بالمدينة، وقد سمّى النبي ﷺ أهلَ نجد والعراق: أهل المشرق، فكذلك كانوا يسمُّون أهل الشام: أهل المغرب؛ لأن الشام تتغرَّب عن المدينة، كما أنّ نجداً تتشرَّق عنها» ، قال:
«وقد وردت الأحاديث بأنّ العرب تهلك في آخر الزمان، فلا يبقى منهم بقية إلا بالشام، فيرجع الأمر إلى تفسير الحديث بأهل الشام» (١) وساق جملة منها.
ويستأنس بتأخير مصر بما أخرجه ابن عبد الحكم في «فتوح مصر والمغرب» (ص ٩٥-٩٦ - ط. الحجيري، أو ص ٤٩ - ط. عبد المنعم عامر) ، قال:
«حدثنا أبي عبد الله بن عبد الحكم، أبو الأسود، قالا: حدثنا ابن لهيعة، [عن أبي قبيل] (٢) ، عن عبد الرحمن بن غَنم (٣) الأشعري،......................
стр. 349
أنه قدم من الشام (١) إلى عبد الله بن عمرو بن العاص، فقال له عبد الله بن عمرو (٢) : ما أقدمك إلى بلادنا؟ قال: أنت. قال: لماذا؟ قال: كيف تحدثنا أن مصر أسرع الأرضين خراباً، ثم أراك قد اتخذت فيها الرباع، وبنيت فيها القصور، واطمأننت فيها؟!
فقال: إن مصر قد أوفت خرابها، حَطَمها بخت نصر، فلم يدع فيها إلا السباع والضباع، وقد مضى خرابها، فهي اليومَ أطيبُ الأرضين تراباً، وأبعده خراباً، ولن تزالَ فيها بركةٌ ما دام في شيء من الأرضين بركة (٣) .
و (أبو قبيل) ؛ هو: حيي بن هانئ المعافري، صدوق يهم، وابن غَنْم من كبار ثقات التابعين، وهذا الإسناد لا بأس به.
والشاهد منه: أنّ البركةَ فيها ما زالت في الشام بركةٌ، فإن زالتْ مِنَ الشام ذهبت عنها.
والمتأمل في مجموع ما ورد من أحاديث وآثار يتيقّن بما قدمناه، من أن الهلاك يبدأ بالمشرق (أهل العراق) ، ثم ينتقل إلى (المغرب) (الشام ومصر) ، والذي أُراه أن اقتران خراب (مصر) مع (البصرة) ، الوارد في بعض الأخبار (٤) -إن صحت- إنما كان للتداخل الذي يجري في الأحداث عند هلاك (العراق) ، فإنه يجعل (العجم) أو (الروم) (٥) يطمعون في (مصر) مطمعهم
стр. 350
بـ (الشام) ، بعد استيلائهم على خيرات (العراق) .
أخرج نعيم بن حماد في «الفتن» (١/٢٤٨ رقم ٧١٠) ، قال: حدثنا عبد القدوس، عن عُفَير بن معدان، عن قتادة، عن أبي ذر ﵁، عن النبي ﷺ ، قال:
«أول الخراب بمصر والعراق، فإذا بلغ البناء لسَلْع (١)
فعليك يا أبا ذر بالشام» (٢) .
стр. 351
وإسناده واهٍ بمرة، عبد القدوس بن حبيب الكلاعي، كذبه ابن المبارك، وقال الفلاس: أجمعوا على ترك حديثه (١) .
وعفير بن معدان ضعيف (٢) .
ولم ينسبه في «كنز العمال» (٥/٧٨٨ رقم ١٤٣٨٨) إلا لنعيم، وقال السيوطي: «وفيه عبد القدوس، متروك» .
وأخرجه عبد الرزاق في «المصنف» (١١/٣٣٤) عن معمر، عن قتادة، قال: لقي النبيُّ ﷺ أبا ذر وهو يحرك رأسه، فقال: يا رسول الله! أتعجب مني؟ قال: لا، ولكن مما تلقون من أمرائكم بعدي..» وساق حديثاً، في آخره: «واعلم أنّ أسرع أرض العرب خراباً الجناحان: مصر والعراق» . وإسناده منقطع، قتادة لم يسمع من أحد من الصحابة، إلا من أنس.
وأخرج أبو عمرو الداني في «الفتن» (٤/٩٠٧-٩٠٨، ٩١٥ رقم ٤٧٠، ٤٧٦) بسندٍ فيه مجاهيل إلى عبد الله بن الصامت، قال: خرجتُ أنا وأبيٌّ من المسجد، فقال عبد الله: إنّ أسرعَ الأرَضينَ خراباً البصرةُ ومصرُ. فقلت: وما يخربهما، وفيهما عيون الرجال والأموال؟ فقال: يخربهما القتل الأحمر، والجوع الأغبر، كأني بالبصرة، كأنها نعامة جاثمة (٣) ، وأما مصر فإن نيلها
стр. 352
ينضُب (١) . أو قال: ييبس. فيكون ذلك خرابها» (٢) .
وأخرج الديلميُّ من حديث حذيفة بن اليمان ﵁ عن النبي ﷺ :
«ويبدأ الخراب في أطراف الأرض حتى تخربَ مصر، ومصر آمنة من الخراب حتى تخرب البصرة، وخراب البصرة من العراق، وخراب مصر من جفاف النيل» ، وفيه: «وخراب الأُبُلَّة من الحصار» ، وآخره: «وخراب العراق من القحط» (٣) .
ووجدته معزوّاً للديلمي في «تنزيه الشريعة» (٢/٣٥١ رقم ١٩
стр. 353
مختصراً) بلفظ: «خراب الري من قبل الديلم، وخراب الديلم من قبل الأرض» ، وقال: «قلت: لم يبيّن علته» .
وأخرج أبو نعيم في «الحلية» (٦/٥٠) بسند حسن عن نوف البكالي، قال: «إنّ الدنيا مُثِّلَتْ على طير، فإذا انقطع جناحاه وقع، وإنَّ جناحَيِ الأرض: مصر والبصرة، فإذا خربتا ذهبت الدنيا» .
وبنحوه عن إياس بن معاوية (١) عند: ابن أبي الدنيا في «الإشراف» (رقم ٢١٣) ، ووكيع في «أخبار القضاة» (١/٣٥٥) ، والدينوري في «المجالسة» (رقم ٣١٨) -ومن طريقه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (١/١٩٢-١٩٣) -.
وأخرج ابن أبي شيبة في «المصنف» (٨/٦٣٩ رقم ٣٠٣) بسند رجاله ثقات عن عبد الله بن عمرو، قال: «ويل للجناحين من الرأس، ويل للرأس من الجناحين» . قال شعبة: فقلت: وما الجناحان؟ قال -أي: يعلى بن عطاء-: العراق (٢) ومصر، والرأس: الشام.
وإن كان الطمع في العراق يكون بالفرات، فإنما الخراب بمصر يقع
стр. 354
بالاعتداء على النيل، كما يكون -أيضاً- بحسر الفرات عن جبل من ذهب، كما هو وارد في الأخبار التي وردت في أحداث ما قبل ظهور المهدي، وسيأتي بيان ذلك -إن شاء الله تعالى- مفصّلاً لاحقاً، والله المستعان، لا رب سواه.
ولا يبعد أن يكون (المنع) الوارد في حديث أبي هريرة يبدأ بـ (القفيز) و (الدرهم) أو (المدي) و (الدينار) أو (الإردب) و (الدينار) ، وينتهي بحسر الفرات والعمل على الاعتداء على (النيل) ، ويكون ذلك من إرهاصات وأمارات خروج المهدي، وسيأتي لهذا مزيد بيان (١) ، مع التنويه على ذكر المهدي في المرفوع (٢) عن جابر بعد ذكره منع العراق والشام القفيز والمدي.
فصل
في وصول الشر والفتن آخر الزمان كل مكان
مما ينبغي ذكره، أن السلف الصالح «كانوا يسمون (البصرة) (هنداً) ؛ لأنها من جهة الهند، ومنها يُسلك إلى الهند» (٣) ، ودليله:
стр. 355
ما أخرجه أحمد في «المسند» (٤/٩٠) ، وابن أبي عاصم في «الجهاد» (٢/٦٦٦ رقم ٢٨٩) ، والطبراني في «الكبير» (٤/١٣٧ رقم ٣٨٤١) و «الأوسط» (٨/٢٢٧ رقم ٨٤٧٩) ، والفسوي في «المعرفة والتاريخ» (٣/١١٥-١١٦) ، والخطيب في «المتفق والمفترق» (٣/١٧٤٣-١٧٤٤) ، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (١١/ق٣٠٠ أو ٤٠/٣١٠ - ط. دار الفكر) من طرق عن أبي عوانة -وهو: الوضاح بن عبد الله اليشكري- عن عاصم ... -وهو: ابن أبي النجود-، وأبو عبيد في «غريب الحديث» (٤/٢٩) ، والفسوي في «المعرفة والتاريخ» (٣/١١٦) ، ونعيم بن حماد في «الفتن» (١/٢٨١ رقم ٨١٩) ، والخطيب في «المتفق والمفترق» (٣/١٧٤٣) ، وابن عساكر (٤٠/٣١٠-٣١١، ٣١٢-٣١٣) من طريق الأعمش؛ كلاهما عن أبي وائل ... -وهو: شقيق بن سلمة-، عن عَزْرَة (١) بن قيس:
عن خالد بن الوليد، قال: كتب إليّ أميرُ المؤمنين حين ألقى الشامُ بَوَانِيَه (٢) : بَثْنِيَّةً (٣) ................................................................