وإسناده واهٍ بمرة، عبد القدوس بن حبيب الكلاعي، كذبه ابن المبارك، وقال الفلاس: أجمعوا على ترك حديثه (١) .
وعفير بن معدان ضعيف (٢) .
ولم ينسبه في «كنز العمال» (٥/٧٨٨ رقم ١٤٣٨٨) إلا لنعيم، وقال السيوطي: «وفيه عبد القدوس، متروك» .
وأخرجه عبد الرزاق في «المصنف» (١١/٣٣٤) عن معمر، عن قتادة، قال: لقي النبيُّ ﷺ أبا ذر وهو يحرك رأسه، فقال: يا رسول الله! أتعجب مني؟ قال: لا، ولكن مما تلقون من أمرائكم بعدي..» وساق حديثاً، في آخره: «واعلم أنّ أسرع أرض العرب خراباً الجناحان: مصر والعراق» . وإسناده منقطع، قتادة لم يسمع من أحد من الصحابة، إلا من أنس.
وأخرج أبو عمرو الداني في «الفتن» (٤/٩٠٧-٩٠٨، ٩١٥ رقم ٤٧٠، ٤٧٦) بسندٍ فيه مجاهيل إلى عبد الله بن الصامت، قال: خرجتُ أنا وأبيٌّ من المسجد، فقال عبد الله: إنّ أسرعَ الأرَضينَ خراباً البصرةُ ومصرُ. فقلت: وما يخربهما، وفيهما عيون الرجال والأموال؟ فقال: يخربهما القتل الأحمر، والجوع الأغبر، كأني بالبصرة، كأنها نعامة جاثمة (٣) ، وأما مصر فإن نيلها
стр. 352
ينضُب (١) . أو قال: ييبس. فيكون ذلك خرابها» (٢) .
وأخرج الديلميُّ من حديث حذيفة بن اليمان ﵁ عن النبي ﷺ :
«ويبدأ الخراب في أطراف الأرض حتى تخربَ مصر، ومصر آمنة من الخراب حتى تخرب البصرة، وخراب البصرة من العراق، وخراب مصر من جفاف النيل» ، وفيه: «وخراب الأُبُلَّة من الحصار» ، وآخره: «وخراب العراق من القحط» (٣) .
ووجدته معزوّاً للديلمي في «تنزيه الشريعة» (٢/٣٥١ رقم ١٩
стр. 353
مختصراً) بلفظ: «خراب الري من قبل الديلم، وخراب الديلم من قبل الأرض» ، وقال: «قلت: لم يبيّن علته» .
وأخرج أبو نعيم في «الحلية» (٦/٥٠) بسند حسن عن نوف البكالي، قال: «إنّ الدنيا مُثِّلَتْ على طير، فإذا انقطع جناحاه وقع، وإنَّ جناحَيِ الأرض: مصر والبصرة، فإذا خربتا ذهبت الدنيا» .
وبنحوه عن إياس بن معاوية (١) عند: ابن أبي الدنيا في «الإشراف» (رقم ٢١٣) ، ووكيع في «أخبار القضاة» (١/٣٥٥) ، والدينوري في «المجالسة» (رقم ٣١٨) -ومن طريقه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (١/١٩٢-١٩٣) -.
وأخرج ابن أبي شيبة في «المصنف» (٨/٦٣٩ رقم ٣٠٣) بسند رجاله ثقات عن عبد الله بن عمرو، قال: «ويل للجناحين من الرأس، ويل للرأس من الجناحين» . قال شعبة: فقلت: وما الجناحان؟ قال -أي: يعلى بن عطاء-: العراق (٢) ومصر، والرأس: الشام.
وإن كان الطمع في العراق يكون بالفرات، فإنما الخراب بمصر يقع
стр. 354
بالاعتداء على النيل، كما يكون -أيضاً- بحسر الفرات عن جبل من ذهب، كما هو وارد في الأخبار التي وردت في أحداث ما قبل ظهور المهدي، وسيأتي بيان ذلك -إن شاء الله تعالى- مفصّلاً لاحقاً، والله المستعان، لا رب سواه.
ولا يبعد أن يكون (المنع) الوارد في حديث أبي هريرة يبدأ بـ (القفيز) و (الدرهم) أو (المدي) و (الدينار) أو (الإردب) و (الدينار) ، وينتهي بحسر الفرات والعمل على الاعتداء على (النيل) ، ويكون ذلك من إرهاصات وأمارات خروج المهدي، وسيأتي لهذا مزيد بيان (١) ، مع التنويه على ذكر المهدي في المرفوع (٢) عن جابر بعد ذكره منع العراق والشام القفيز والمدي.
فصل
في وصول الشر والفتن آخر الزمان كل مكان
مما ينبغي ذكره، أن السلف الصالح «كانوا يسمون (البصرة) (هنداً) ؛ لأنها من جهة الهند، ومنها يُسلك إلى الهند» (٣) ، ودليله:
стр. 355
ما أخرجه أحمد في «المسند» (٤/٩٠) ، وابن أبي عاصم في «الجهاد» (٢/٦٦٦ رقم ٢٨٩) ، والطبراني في «الكبير» (٤/١٣٧ رقم ٣٨٤١) و «الأوسط» (٨/٢٢٧ رقم ٨٤٧٩) ، والفسوي في «المعرفة والتاريخ» (٣/١١٥-١١٦) ، والخطيب في «المتفق والمفترق» (٣/١٧٤٣-١٧٤٤) ، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (١١/ق٣٠٠ أو ٤٠/٣١٠ - ط. دار الفكر) من طرق عن أبي عوانة -وهو: الوضاح بن عبد الله اليشكري- عن عاصم ... -وهو: ابن أبي النجود-، وأبو عبيد في «غريب الحديث» (٤/٢٩) ، والفسوي في «المعرفة والتاريخ» (٣/١١٦) ، ونعيم بن حماد في «الفتن» (١/٢٨١ رقم ٨١٩) ، والخطيب في «المتفق والمفترق» (٣/١٧٤٣) ، وابن عساكر (٤٠/٣١٠-٣١١، ٣١٢-٣١٣) من طريق الأعمش؛ كلاهما عن أبي وائل ... -وهو: شقيق بن سلمة-، عن عَزْرَة (١) بن قيس:
عن خالد بن الوليد، قال: كتب إليّ أميرُ المؤمنين حين ألقى الشامُ بَوَانِيَه (٢) : بَثْنِيَّةً (٣) ................................................................
стр. 356
وعسلاً -وشك عفانُ (١) ، مرة قال: حين ألقى الشامُ كذا وكذا-، فأمرني أن أسيرَ إلى الهند -والهندُ في أنفُسنا يومئذٍ البصرة-، قال: وأنا لذلك كارهٌ، قال: فقام رجلٌ، فقال لي: يا أبا سليمان! اتق الله، فإنَّ الفِتَنَ قد ظهرت. قال: فقال: وابنُ الخطاب حيّ؟! إنما تكون بعدَه، والناسُ بذي بِلِيَّان -أو بذي بِلِّيان (٢) - بمكان كذا وكذا، فينظرُ الرجلُ، فيتفكّرُ: هل يجد مكاناً لم ينزل به مثلَ ما نزلَ بمكانه الذي هو فيه من الفتنة والشر فلا يجده، قال: وتلك الأيام التي ذكر رسولُ الله ﷺ : «بين يَدَي الساعة، أيام الهَرْج» . فنعوذ بالله أن تدركنا تلك وإياكم الأيام.
قال الطبراني: «لم يرو هذا الحديث عن عاصم إلا أبو عوانة» .
وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٧/٣٠٧) : «رواه أحمد والطبراني في «الكبير» و «الأوسط» ، ورجاله ثقات، وفي بعضهم ضعف» .
قلت: يريد: (عَزْرَة البجلي) ، وصرح به البوصيري في «إتحاف الخيرة المهرة) (١٠/١٩١ رقم ٩٨٠٩) ، وعزاه إلى ابن أبي شيبة في «مسنده» ، وذكره ابن حبان في «الثقات» (٥/٢٧٩) في (الطبقة الثانية) ، وترجمه البخاري في «التاريخ الكبير» (٧/٦٥ رقم ٢٩٩) ، وابن أبي حاتم في «الجرح
стр. 357
والتعديل» (٧/٢١ رقم ١٠٩) وسكتا عنه، وقال الحسيني في «الإكمال» (٢٩٤) : «مجهول» ، وفاتَ ابنَ حجرَ ترجمَتُه في «تعجيل المنفعة» ، وهو على شرطه، وسبب جهالته ما قاله علي بن المديني: «إن أبا وائل -يعني: شقيق بن سلمة- تفرد عن جماعة مجهولين؛ منهم: عزرة بن قيس» (١) .
قلت: ذكر البلاذري في «فتوح البلدان» (ص ٣٤٨) أنه ولي في خلافة عمر، وغزا شهرزور منها، فلم يفتحها، حتى افتتحها عتبة بن فرقد، ورجل استعمله عمر يُمشَّى حديثه، إذ ما استخدمه إلا وقد بلغ مبلغه في الديانة، وإن لم يشتهر بالرواية.
وهذا سند حسن، ولا سيما في المتابعات والشواهد، كما قال شيخنا الألباني ﵀ في «السلسلة الصحيحة» (٤/٢٤٩ رقم ١٦٨٢) .
وتعجبني جدّاً مقولة ابن حجر في «الفتح» (١٣/١٧) عند ذكره (الهرج) ، قال: «وجاء تفسير أيام الهرج فيما أخرجه أحمد والطبراني بسندٍ حسن ... » وساقه.
والخبر هذا لا نُكرة فيه، والهرج (٢) المجمل فيه مذكور في «الصحيحين» ، وكذا ظهور الفتن، وسائر رواته ثقات رجال الشيخين، وغاية ما فيه أن تابعيّه -وهو من أواسطهم- غير معروف، ومضى معك قولُ الإمام الذهبيِّ الذهبيُّ:
«وأما المجهولون من الرواة، فإن كان الرجل من كبار التابعين أو أوساطهم، احتمل حديثه، وتُلقِّيَ بحُسن الظنّ إذا سَلِمَ من مخالفةِ الأصول
стр. 358
وركاكة الألفاظ» (١) .
والخبر الذي معنا؛ لا أقول: إنه لا يخالف الأصول، بل فيه ما هو مقرر في العقول في زمن صحابة الرسول ﷺ ، والغاية من إيراده أمور:
الأول: كثرة الخير الذي ظهر من الشام في زمن عمر للمسلمين (٢) ، وأجرى الله ذلك على يد عبده خالد بن الوليد، ويقول هنا ما معناه: «لما اطمأنّ الشام وهدأ وذهبت شوكته، وسكنت الحرب منه، وصار ليناً، لا مكروه فيه، فإنما هو خِصب كالحنطة والعسل عزلني عمر، واستعمل غيري» (٣) .
ويدلك على هذا لفظ الأعمش؛ وهو: «إن عمر بعثني إلى الشام وهي بهمة» .
الثاني: إن الهند كانت في نفوسهم البصرة، وبه تفهم سائر الأحاديث الواردِ فيها ذكرُ (الهند) .
الثالث: الفتن ظهرت في زمن الصحابة ، ولكن الذي يموج منها موج البحر يكون بعد وفاة عمر، وسبق تفصيل وتأصيل وتدليل هذا، ولله الحمد والمنة.
الرابع -وبيت القصيد-: إن الفتن آخر الزمان ستشتد ، وتظهر بجلاء في جميع البلدان، «فينظر الرجل، فيتفكر: هل يجد مكاناً لم ينزل به مثل ما نزل بمكانه الذي هو فيه من الفتنة والشر، فلا يجده» ، ويكون هذا وهم (بذي بليان) ؛ أي: وهم طوائف وفرق من غير إمام، كما قدمناه، وإن كان خالد قد تعوذ أن تدركه تلك الأيام، فوالله إنا نعيشها ونحسّ بها، فنعوذ بالله من الخذلان، أو أن نردّ على أعقابنا، أو أن نفتن.
стр. 359
نعم؛ الفتن تظهر آخر الزمان على هيئة أمواج (تجيء) و (تنكشف) (١) ، وهذه الأمواج لها أماكن، تكاد لا تسلم منها محلّة، ولكن ارتطامها المباشر يكون في بلدان معيّنة، وتبدأ بالمشرق، ثم تتحوّل إلى المغرب، وعندئذٍ تكون بدايات وإرهاصات الملاحم التي تسبق خروج المهدي.
أخرج البخاري في «التاريخ الكبير» (١/٦٣) ، ونعيم بن حماد في «الفتن» (١/٢٦٣ رقم ٧٤٩) ، وابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» (٣/٧٣ رقم ١٣٨٩) -ومن طريقه أبو نعيم في «معرفة الصحابة» (٤/٢١٤٦ رقم ٥٣٨٥) -، وابن سعد في «الطبقات الكبرى» (٧/٦٣) ، والطبراني في «المعجم الكبير» (١٧/١٨٧ رقم ٥٠٢) ، وابن عبد البر في «الاستيعاب» (٣/١٣٨-١٣٩ - بهامش «الإصابة» ، أو ٣/١٧٩ - ط. دار الكتب العلمية) من طريق حريز بن عثمان، ونعيم بن حماد في «الفتن» (١/٢٦٥ رقم ٧٥٨) ، وابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» (٣/٧٣ رقم ١٣٨٨) ، والطبراني (٢) في «الكبير» (١٧/١٨٧ رقم ٥٠١) ، وأبو نعيم في «معرفة الصحابة» (٤/٢١٤٦ رقم ٥٣٨٤) من طريق صفوان بن عمرو. ونعيم بن حماد في «الفتن» (١/٢٦٣ رقم ٧٤٨) من طريق أرطاة بن المنذر؛ ثلاثتهم عن الأزهر (٣) بن عبد الله، عن عصمة بن قيس صاحب رسول الله ﷺ ، أنه كان يتعوّذ في صلاته
стр. 360
من فتنة المغرب، لفظ حريز.
ولفظ صفوان: «أنه كان يتعوذ بالله من فتنة المشرق. فقيل له: كيف فتنة المغرب؟ قال: تلك أعظم وأعظم» .
ولفظ أرطاة: «تلك أعظم وأطمّ» .
قال الهيثمي في «المجمع» (٧/٢٢٠) : «رجاله ثقات» .
قلت: فيه أزهر الهوزني، شامي، ذكره ابن حبان (٤/٣٩) في (ثقات التابعين) ، وعده أبو القاسم البغوي في «معجم الصحابة» (١/١٨٥ رقم ٥٠) من (الصحابة) ، وأسند برقم (١٢٨) من طريق مبشر بن إسماعيل عن جرير (١) ، عن أبي الوليد أزهر بن قيس صاحب النبي ﷺ أنه كان يتعوذ في صلاته من فتنة المغرب.
وقال: «لا أعلم له غيره» .
وأخرجه ابن شاهين -ومن طريقه أبو موسى في «الذيل» -: حدثنا عبد الله بن محمد البغوي، به. أفاده ابن حجر في «الإصابة» (١/٢٢٨) .
وترجم ابن عبد البر في «الاستيعاب» (١/٧٤) لأزهر بن قيس، وقال: «لم يرو عنه غير حريز بن عثمان -فيما علمت-، حديثه عن النبي ﷺ (٢) أنه كان يتعوذ في صلاته من فتنة المغرب، لا أعلم له غيره» ، وتابعه الذهبي في «تجريد أسماء الصحابة» (١/١٣ رقم ٨٥) ، وهذا وهم سببه سَقْطٌ في طريق البغوي، وتابعه عليه الآخرون، حتى الذهبي! وكشف ابن حجر في «الإصابة» (١/٢٢٨-٢٢٩ رقم ٥١٦) عن هذا الوهم وترجم (أزهر بن قيس) في
«وقد تم الوهْمُ عليهم فيه جميعاً؛ وسببه أن الإسناد الذي ساقه البغوي سقط منه والدُ أزهر، واسم الصحابي، وبقي اسمُ أبيه، فتركيب هذه الترجمة من اسم أزهر ومن اسم والد أزهر، واسم الصحابي؛ ولا وجود لذلك في الخارج، وتبع البغوي ابن شاهين، وبقيَّة مَن جاء بعده من غير تأمُّل.
وإيضاح ذلك، أن حريز بن عثمان إنما رَوَى الحديث المذكور عن أزهر ابن راشد، وقيل: ابن عبد الله الهوزني، عن عصمة بن قيس، عن النبي ... ﷺ (١) (!!) ، قال أبو زرعة الدمشقي: حدثنا علي بن عيّاش، قال: حدثنا حريز ابن عثمان، عن أبي الوليد أزهر الهَوزني، عن عصمة بن قيس صاحب النبي ﷺ ، أنه كان يتعوّذ بالله من فتنة المغرب.
ورواه ابن سعد عمن أخبره، عن أبي اليمان، عن حريز.
وكذا رواه البخاري في «تاريخه» عن أبي اليمان. ورواه ابن أبي عاصم والطبراني وأبو نعيم من طريق إسماعيل بن عياش، عن حريز بن عثمان، عن أزهر بن عبد الله، عن عصمة بن قيس.
ويزيد ذلك وضوحاً، أن البخاري وغيره لما ذكروا ترجمة أزهر الهوزني، عرّفوه بأنه يروي عن عصمة بن قيس، وأن حريز بن عثمان يَرْوِي عنه.
стр. 363
قال البخاري: أزهر أبو الوليد الهوزني روى عن عصمة صاحب النبي ﷺ روى عنه حريز.
وقال ابن أبي حاتم: أزهر بن راشد أبو الوليد الهوزني روى عن عصمة ابن قيس صاحب النبي ﷺ ، وأرسل عن ابن عباس، وسمع من سليم بن عامر. روى عنه حريز بن عثمان وغيره.
وقال ابن حبان في (ثقات التابعين) : أزهر أبو الوليد الهوزني يروي عن رجل من الصحابة، روى عنه حريز بن عثمان.
فوضَح بهذا أن أزهر بن قيس لا وجودَ له في الخارج» .
قلت: والشاهد أن الفتن تشتد آخر الزمان، وتزيد الصادق المخلص تألّماً وتوجّعاً، لما يترتب على انتشارها من غربة الإسلام والمسلمين، كما هو مُشاهدٌ الآن لكل مسلم في كل مكان، ولا قوة إلا بالله.
فصل
في الأخبار السابقة، هل مضت وانتهت ؟
ظهر لنا من خلال ما مضى، أن الأخبار الواردة في الفتن، ذكرت العراق بعامة، والبصرة والكوفة بخاصة، وأن فتنة التتر والمغول التي قد ظهرتْ سابقاً، قد حملها العلماء على حديث: «لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قوماً نعالهم الشعر، وحتى تقاتلوا الترك، صغار الأعين، ... » (١) .
وهذا أمر مشهور عندهم، سبق أن نقلناه (٢) عن ابن تيمية وابن حجر والنووي.
стр. 364
ونزيد هذا الأمر وضوحاً، فنقول:
أولاً: ليست كل الأحاديث والآثار السابقة مضت وانتهت (١) ، بل في بعضها مؤيِّدات ومرجِّحات إلى عدم وقوعها بعد، ولا سيما حديث: «منعت العراق ... » ، فإنه -فيما يبدو لي- لا صلة له بما مضى من فتنة المغول والتتر، وسيأتي لهذا مزيد بيان في فصل خاص.
ثانياً: لا شك أن لفتنة المغول والتتر صلة بحديث وأخبار سبقت، وتكاد تُجمِعُ كلمة العلماء (مؤرخين وشراح حديث) على ذلك، ونخص الفصل الآتي لنقولاتهم وكلامهم على اختلاف أعصارهم وأمصارهم.
ثالثاً: ما قيل سابقاً في الأحاديث يقال -أيضاً- في الآثار؛ فإنّ بعضها قد ظهر بعد زمانهم بمدة يسيرة، وبعضها لم يظهر، ويعجبني ما قاله أبو أحمد الحسن بن عبد الله العسكري (ت ٣٨٢هـ) في كتابه «تصحيفات المحدثين» (١/٨٢-٨٣) :
«سمعتُ شيخاً من شيوخ البصرة يحكي ولم يذكر إسناداً، قال: غَبَر المحدثون بالبصرة زماناً يروون، أن عليّاً ﵁ قال: «ألا إن خراب بصرتكم هذه يكون بالريح» . فما أقلعوا عن هذه التصحيفة إلا بعد مئتي سنة، عند معاينتهم أمر الزّنج» .
قال ابن خلكان في «وفيات الأعيان» (٣/٢٨) : «دخل الزِّنج البصرة وقت الجمعة لثلاث عشرة ليلة بقيت من شوال سنة سبع وخمسين ومئتين، فأقاموا على القتل والإحراق ليلة السبت ويوم السبت، ثم عادوا لها يوم الإثنين، فدخلوها وقد تفرق الجند وهربوا، فنادَوْا بالأمان، فلما ظهر الناس
стр. 365
قتلوهم، فلم يسلم منهم إلا النادر، واحترق الجامع ومن فيه» (١) .
قال البرزنجي في «الإشاعة» (ص ٨٧ - ط. دار الهجرة) :
«وفي أيام المعتمد في سنة ست وستين ومئتين دخلت الزنج البصرة وأعمالها وخربوها، وبذلوا السيف وسبوا وهم من الخوارج الذين قتلهم أمير المؤمنين عليّ، وأعقب ذلك الوباء العظيم فمات خلق كثير لا يحصون، ثم أعقبه هزات وزلازل فمات تحت الردم ألوف من الناس، واستمر القتال مع الزنج إلى سنة سبعين.
قال الصولي: إنه قتل من المسلمين ألف ألف وخمس مئة آدمي، وقتل في يوم واحد بالبصرة ثلاث مئة ألف، وكان له منبر في بلده يصعد عليه يسب عثمان وعليّاً ومعاوية وطلحة والزبير وعائشة، وكان ينادي على المرأة العلوية في عسكره بدرهمين وثلاثة، وكان عند الواحد منهم العشرين من العلويات يستخدمهن، فقتل اللعين رئيس الزنج سنة سبعين، وكان اسمه يهبود، وكان يدّعي أنه أُرسِل إلى الخلق؛ فردَّ الرسالة، وإنه مطلع على المغيبات، ووقع في زمنه غلاء مفرط بالحجاز والعراق، وبلغ كُرُّ الحنطة ببغداد بمئة وخمسين ديناراً، والكُرّ ستة أحمال الحمير والبغال واثنا عشر وَسْقاً، وفي أيامه انبثق في نهر عيسى بَثْقٌ، فجاء الماء إلى الكرخ فهدم سبعة آلاف درهم، وفي زمنه ظهرت القرامطة بالكوفة، وهم نوع من الملاحدة وهم الباطنية يدّعون أنه لا
стр. 366
غسيل من الجنابة، وأن الخمر حلال، وأن الصوم في السنة يومان، ويزيدون في أذانهم محمد ابن الحنفية رسول الله، وأن الحج والقبلة إلى بيت المقدس، وأشياء أُخر» .
وأسند ابن المقرئ في «معجمه» (ص ٣٥٣/رقم ١١٧٢) إلى ذي النون المصري الزاهد، قال -وأومأ إلى موضع بمصر-: «كأنك عن قليل ترى هذه المدينة عامرة، ويخرج منها الخيل المحذفة وقوم من عجم، وعن قليل تراها خراباً» ، وعقبه: «قال أبو الحسن: ورأيناها عامرة، ورأيناه خراباً» .
فصل
في فتنة التتر والمغول
فتنة المغول والتتر من أعظم الفتن التي اجتاحت المسلمين، فقد قُوِّضَتْ بسببها الخلافةُ العباسية سنة ٦٥٦هـ، واستحلوا بغداد، وأبادوا خضراءها، واستحلوا بيضتها، وفعلوا فيها ما لا يمكن وصفه، ثم فعلوا نحواً من ذلك في حلب، وأخذوا دمشق سهلة سائغة، ثم فعلوا مثل ذلك في مصر -أيضاً-، حتى أمكن الله منهم في عام (٦٥٨هـ) في موقعة (عين جالوت) على يد المظفر قطز بن عبد الله المعزي، وقائد جيشه الظاهر بيبرس، فلم ينج منهم إلا من وَلّى الأدبار، واختفى عن الأنظار.
قال ابن كثير في كتابه «البداية والنهاية» (١) في حوادث سنة (ست وخمسين وست مئة) ما نصُّه:
стр. 367
«فيها أخذت التتار بغداد، وقتلوا أكثر أهلها حتى الخليفة، وانقضت دولة بني العباس منها.
استهلّت هذه السنة وجنود التتار قد نازلت بغداد صُحبةَ الأميرين اللذَيْن على مقدمة عساكر سلطان التتار هولاكوقان (١) ، وجاءت إليهم أمدادُ صاحبِ الموصل يساعدونَهم على البغاددة ومِيرَتُه وهداياه وتحفُه، وكل ذلك خوفاً على نفسه من التتار، ومصانعةً لهم -قبحم الله تعالى-، وقد سُتِرَت بغداد، ونُصبت فيها المجانيقُ والعَرَّادَاتُ وغيرُها من آلات الممانعة التي لا تَرُدُّ من قدر الله شيئاً، كما ورد في الأثر: «لن يُغنِيَ حَذَرٌ من قَدَر» (٢) ،
وكما قال -تعالى-: ﴿إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لا يُؤَخَّر﴾ [نوح: ٤] ،
стр. 368
وقال -تعالى-: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوم حَتى يُغَيِّرُوا ما بِأَنفُسِهم وَإِذا أَرادَ اللَّهُ بقوم سُوءاً فلا مَرَدَّ له وما لَهُم مِن دُونه مِن وَال﴾ [الرعد: ١١] .
وأحاطت التتارُ بدار الخلافة يرشقونها بالنُّشَّاب من كل جانب، حتى أصيبت جاريةٌ كانت تلعب بين يدي الخليفة وتُضحكه، وكانت من جملة الحظايا، وكانت مُوَلَّدةً تُسمى عرفةَ، جاءها سهمٌ من بعض الشبابيك فقتلها وهي ترقص بين يدي الخليفة، فانزعج الخليفةُ من ذلك، وفزع فزعاً شديداً، وأحضر السهمَ الذي أصابها بين يديه، فإذا عليه مكتوب: إذا أراد الله إنفاذ قضائه وقدرِه سلبَ ذوي العقول عقولَهم.
فأمر الخليفة عند ذلك بزيادة الاحتراز، وكثرةِ الستائر على دار الخلافة، وكان قدوم هولاكوقان بجنوده كلِّها -وكانوا نحواً من مئتي ألف مقاتل- إلى بغداد في ثاني عَشَرَ المُحَرَّمِ من هذه السنة، وهو شديدُ الحَنَق على الخليفة بسبب ما كان تقدم من الأمر الذي قدّره الله وقضاه وأنفذه وأمضاه، وهو أن هولاكوقان لما كانَ أولُ بروزِه من هَمَذان متوجهاً إلى العراق أشار الوزير مُؤَيِّدُ الدِّين محمد بنُ العَلقمي على الخليفة بأن يبعث إليه بهدايا سَنِية؛ ليكون ذلك مداراةً عما يريده من قصد بلادهم، فخذَّل الخليفة عن ذلك دُوَيْدارُه (١)
الصغيرُ أَيْبَك وغيرُه، وقالوا: إن الوزير إنما يريد بهذا مصانعة ملك التتار بما يبعثه إليه من الأموال، وأشاروا بأن يبعث إليه بشيء يسير، فأرسل شيئاً من الهدايا، فاحتقرها هولاكوقان، وأرسل إلى الخليفة يطلب منه دُوَيْدارَه المذكورَ، وسليمان شاه، فلم يبعثهما إليه، ولا بالى به حتى أزِف قدومُه،
стр. 369
ووصل إلى بغداد بجنوده الكثيرة الكافرة الفاجرة الظالمة الغاشمة، ممن لا يُؤمِن بالله ولا باليوم الآخر، فأحاطوا ببغداد من ناحيتها الغربية والشرقية، وجنودُ بغداد في غاية القلة ونهاية الذِّلَّة، لا يبلغون عشرةَ آلاف فارس، وهم في غاية الضعف، وبقيةُ الجيش كلُّهم قد صُرفوا عن إقطاعاتهم حتى استعطى كثيرٌ منهم في الأسواق وأبواب المساجد، وأنشد فيهم الشعراء القصائد يرثون لهم، ويحزنون على الإسلام وأهله، وذلك كلُّه عن آراء الوزير ابن العلقمي الرافضي، وذلك أنه لما كان في السنة الماضية كان بين أهل السنة والرافضة حرب شديدة، نُهبت فيها الكَرْخُ مَحَلَّةُ الرافضة، حتى نُهبت دورُ قَرابات الوزير، فاشتد حنقُه على ذلك، فكان هذا مما أهاجه على أن دبَّر على الإسلام وأهله ما وقع من الأمر الفظيع الذي لم يُؤَرَّخْ أشنعُ منه منذ بُنيت بغداد، وإلى هذه الأوقات (١) ،
ولهذا كان أولَ من برز إلى التتار هو، فخرج في أهله وأصحابه وخدمه وحشمه، فاجتمع بالسلطان هولاكوقان -لعنه الله تعالى-، ثم عاد فأشار على الخليفة بالخروج إليه والمثول بين يديه لتقع المصالحة على أن يكون نصف خراج العراق لهم ونصفه للخليفة، فاحتاج الخليفةُ إلى أن خرج في سبع مئة راكب من القضاة والفقهاء والصوفية ورءوس الأمراء والدولة والأعيان، فلما اقتربوا من منزل السلطان هولاكوقان حُجبوا عن الخليفة إلا سبعة عشر نفساً، فخلص الخليفة بهؤلاء المذكورين، وأُنزل الباقون عن مراكبهم ونُهبت، وقُتلوا عن آخرهم، وأُحضر الخليفة بين يدي
стр. 370
هولاكو فسأله عن أشياء كثيرة، فيقال: إنه اضطرب كلامُ الخليفة من هول ما رأى من الإهانة والجبروت، ثم عاد إلى بغداد وفي صحبته خواجا نصيرٌ الطوسي -لعنة الله عليه-، والوزير ابن العلقمي وغيرُهما، والخليفةُ تحت الحَوْطة والمصادرة، فأحضَر من دار الخلافة شيئاً كثيراً من الذهب والحُلِي والمَصاغ والجواهر والأشياء النفيسة، وقد أشار أولئك الملأُ من الرافضة ... -لعنة الله عليهم- وغيرُهم من المنافقين على هولاكوقان أن لا يصالح الخليفة، وقال الوزير: متى وقع الصلحُ على المناصفة لا يستمر هذا إلا عاماً أو عامين، ثم يعود الأمرُ إلى ما كان عليه قبل ذلك.
وحسّنوا له قتلَ الخليفة، فلما عاد الخليفةُ إلى السلطان هولاكوقان أمر بقتله، ويقال: إن الذي أشار بقتله الوزيرُ ابن العلقمي والنصيرُ الطوسيُّ، وكان النصير عند هولاكوقان قد استصحبه في خدمته لما فتح قلاع الأَلْموت وانتزعها من أيدي الإسماعيلية، وكان النصير وزيراً لشمس الشموس ولأبيه من قبله علاء الدين بن جلال الدين، وكانوا ينتسبون إلى نزار بن المستنصر العُبَيدي، وانتخب هولاكوقان النصير ليكون في خدمته كالوزير المشير، فلما قدم هولاكوقان وتهيَّب من قتل الخليفة هوّن عليه الوزيران ذلك، فقتلوه رَفْساً وهو في جُوالق؛ لئلا يقع إلى الأرض شيءٌ من دمه، خافوا أن يُؤخذ بثأره فيما قيل لهم، وقيل: بل خنقٌ. ويقال: غُرِّق. فالله أعلم. فباءوا بإثمه وإثم من كان معه من سادات العلماء والقضاة والأكابر والرؤساء والأمراء وأولي الحل والعقد ببلاد بغداد، ومالوا على البلد، فقتلوا جميع من قدروا عليه من الرجال والنساء والولدان والمشايخ والكهول والشُّبان، ودخل كثير من الناس في الآبار وأماكن الحشوش، وقُنِيّ (١) الوسخ، وكمَنوا كذلك أياماً لا يظهرون، وكان الفئام من الناس يجتمعون في الخانات، ويُغلقون عليهم الأبواب، فتفتحها التتارُ إمّا بالكسر أو بالنار، ثم يدخلون عليهم فيهربون منهم إلى أعالي
стр. 371
المكان، فيقتلونهم في الأسطحة، حتى تجريَ الميازيبُ من الدماء في الأزقة، فإنا لله وإنا إليه راجعون، وكذلك في المساجد والجوامع والرُّبُط، ولم ينجُ منهم أحدٌ سوى أهلِ الذمة من اليهود والنصارى، ومَنِ التجأ إليهم وإلى دار الوزير ابن العلقمي الرافضي، وطائفةٍ من التجار أخذوا لهم أماناً بذلوا عليه أموالاً جزيلة حتى سلِموا وسلِمت أموالهم، وعادت بغداد بعدما كانت آنَسَ المدنِ كلِّها كأنها خرابٌ ليسَ فيها أحدٌ إلا القليلُ من الناس، وهم في خوف وجوع وذِلّة وقِلة.
وكان الوزير ابنُ العلقمي قبل هذه الحادثة يجتهد في صرف الجيوش وإسقاط أسهمهم من الدِّيوان، فكانت العساكر في آخر أيام المستنصر قريباً من مئة ألف مقاتل، فيهم من الأمراء مَن هو كالملوك الأكابر، فلم يَزَل يجتهد في تقليلهم إلى أن لم يبق إلا عشرة آلاف، ثم كاتب التتار، وأطمعهم في أخذ البلاد، وسهَّل عليهم ذلك، وجلَّى لهم حقيقةَ الحال، وكشف لهم ضعفَ الرجال، وذلك كلُّه طمعاً منه أن يُزيل السُّنَّةَ بالكلية، وأن يُظهِرَ البدعةَ الرافضية، وأن يقيم خليفةً من الفاطميّين، وأن يُبيد العلماءَ والمُفتِين، واللهُ غالبٌ على أمره، وقد ردَّ كيدَه في نحره، وأذلَّه بعد العزة القَعساء (١) ، وجعله حوشكاشاً للتتار بعد ما كان وزيراً للخلفاء، واكتسب إثمَ من قُتل بمدينة بغداد من الرجال والنساء والأطفال، فالحكمُ لله العليِّ الكبير ربِّ الأرض والسماء.
وقد جرى على بني إسرائيل ببيت المقدس قريبٌ مما جرى على أهل بغداد، كما قصَّ اللهُ -تعالى- علينا ذلك في كتابه العزيز، حيث يقول: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوّاً كَبِيراً. فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلاَلَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْداً مَفْعُولاً﴾ [الإسراء: ٤-٥] الآيات.
стр. 372
وقد قتل من بني إسرائيل خلقٌ من الصُّلحاء، وأُسِر جماعةٌ من أولاد الأنبياء، وخُرِّب بيتُ المقدس بعد ما كان معموراً بالعباد والزُّهَّاد والأحبار والأنبياء، فصار خاوياً على عروشه، واهيَ البناء.
وقد اختلف الناسُ في كمية من قُتل ببغداد من المسلمين؛ فقيل: ثمان مئة ألف. وقيل: ألفُ ألف وثمانُ مئة ألف. وقيل: بلغت القتلى ألفي ألف نفس. فإنا لله وإنا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم العلي العظيم.
وكان دخولُهم إلى بغداد في أواخر المحرم، وما زال السيف يقتل أهلَها أربعين صباحاً، وكان قتل الخليفة المستعصم بالله أمير المؤمنين يوم الأربعاء رابع عشر صفر، وعفَى قبرُه، وكان عمره يومئذ ستّاً وأربعين سنةً وأربعةَ أشهرٍ، ومدة خلافته خمسَ عشْرةَ سنة وثمانيةُ أشهرٍ وأيامٌ، وقُتل معه ولدُه الأكبر أبو العباس أحمد، وله خمس وعشرون سنة، ثم قُتل ولدُه الأوسط أبو الفضل عبدُالرحمن، وله ثلاثٌ وعشرون سنة، وأُسر ولدُه الأصغر مبارك، وأُسرت أخواته الثلاث؛ فاطمة وخديجة ومريم، وأُسر من دار الخلافة من الأبكار ما يقارب ألفَ بكر فيما قيل، والله أعلم، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وقُتل أُستاذُدار (١) الخلافة الشيخُ محيي الدين يوسف بن الشيخ أبي الفرج ابن الجوزي، وكان عدوَّ الوزير، وقُتل أولاده الثلاثة؛ عبدُالرحمن، وعبدُالله، وعبدُالكريم، وأكابرُ الدولة واحداً بعد واحد، منهم الدُّوَيْدارُ الصغير مجاهد الدين أيْبَك، وشهابُ الدين سليمان شاه، وجماعةٌ من أمراء السُّنَّةِ وأكابرِ البلد.
وكان الرجلُ يُستدعى به من دار الخلافة من بني العباس، فيخرجُ
стр. 373
بأولاده ونسائِه وجواريه، فيُذهَبُ به إلى مقبرة الخلاّل، تُجاهَ المَنْظَرَة، فيُذبح كما تُذبح الشاةُ، ويُؤسَرُ من يختارون من بناته وجواريه.
وقُتل شيخُ الشيوخ مؤدب الخليفة صدر الدين علي بن النَّيَّار، وقُتل الخطباء والأئمة، وحملة القرآن، وتعطّلت المساجدُ والجماعات والجُمُعات مدة شهور ببغداد، وأراد الوزيرُ ابن العلقمي -قبحه الله ولعنه- أن يُعطل المساجد والجوامع والمدارس والرُّبُطَ ببغداد، ويستمرَّ بالمشاهدِ ومحالِّ الرفض، وأن يبنيَ للرافضة مدرسةً هائلة ينشرون علمهم وعَلَمَهم بها وعليها، فلم يُقْدِرْه الله -تعالى- على ذلك، بل أزال نعمته عنه، وقصف عمره بعد شهور يسيرة من هذه الحادثة، وأتبعه بولده فاجتمعا -والله أعلم- في الدرك الأسفل من النار.
ولما انقضى أمدُ الأمر المقدور، وانقضت الأربعون يوماً بقيت بغداد خاوية على عروشها، ليس بها أحد إلا الشاذ من الناس، والقتلى في الطرقات كأنها التلول، وقد سقط عليهم المطر، فتغيرت صورهم، وأنتنتِ البلدُ من جيفهم، وتغير الهواء، فحصل بسببه الوباء الشديد، حتى تعدّى وسرَى في الهواء إلى بلاد الشام، فمات خلقٌ كثير من تغير الجو وفساد الريح، فاجتمع على الناس الغلاءُ والوباء والفناء والطعن والطاعون، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
ولما نُودي ببغداد بالأمان خرج من كان تحت الأرض بالمطامير والقُنِيِّ والمغاير كأنهم الموتى إذا نبشوا من القبور، وقد أنكر بعضُهم بعضاً، فلا يعرف الوالدُ ولدَه ولا الأخُ أخاه، وأخذهم الوباء الشديد، فتفانوا ولحقوا بمن سلف من القتلى، واجتمعوا في البِلَى تحت الثرى، بأمر الذي يعلم السر وأخفى، الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى.
وكان رحيل السلطان المُسَلَّطِ هولاكوقان عن بغداد في جمادى الأولى من هذه السنة إلى مقر ملكه، وفوَّض أمر بغداد إلى الأمير علي بَهادُر، فوّض
стр. 374
إليه الشِّحْنَكِيَّةَ (١) بها وإلى الوزير مؤيد الدين محمد بن العلقمي، فلم يُمهله الله ولا أهمله بعد، بل أخذه أخذ عزيز مقتدر، في مستهل جمادى الآخرة عن ثلاث وستين سنة، وكان عنده فضيلةٌ في الإنشاء، ولديه فضيلة في الأدب، ولكنه كان شيعيّاً جلداً خبيثاً رافضيّاً، فمات كمداً وغمّاً وحزناً وندماً، إلى حيث ألقت رحلها أمُّ قَشْعَم (٢) ، فَوَلِيَ بعده الوزارةَ ولدُه عزُّ الدين أبو الفضل محمد، فألحقه الله بأبيه في بقية هذا العام، ولله الحمد والمنة.
وذكر أبو شامة وشيخُنا أبو عبد الله الذهبيُّ وقُطب الدين اليونينيُّ (٣) ، أنه أصاب الناسَ في هذه السنة بالشام وباءٌ شديد، وذكروا أن سببَ ذلك من فساد الهواء والجو، فسد من كثرة القتلى ببلاد العراق، وانتشر حتى تعدَّى إلى بلاد الشام. فالله أعلم» .
وهذا البيان فيه الهلاك العام، والمصيبة العظمى التي حلّت بالمسلمين، ونحوه كثير في كتب التاريخ، ولا سيما تلك التي أُفردت بخصوصِ هذه الواقعة (٤) ،......................................................................
стр. 375
وراقم هذه السطور يرغب في إجراء دراسة تحليلية (١)
لما جرى آنذاك، وعرضِها مع ما ورد من صفات (بني قنطوراء) في الآثار الصحيحة المتقدمة، لنرى دقّة التطابق بين ما يذكره شراح الحديث -وستأتي أقوالهم في الفصل الآتي- وبين ما هو واقع من التتر والمغول.
و من الجدير بالذكر هنا أمور:
أولاً: وردت في بعض الحوادث صفاتٌ تأذن بأن بعض الآثار المتقدم ذكرُها إنما هي في هذه الفتنة ، منها ما ذكره صاحب كتاب «الحوادث» (٢)
стр. 376
(حوادث سنة ست وخمسين وست مئة) ، قال ما نصه:
«ذكرنا في سنة خمس وخمسين مسير السلطان هولاكوقان من بلاده نحو بغداد، وأنه أمر الأمير بايجو بالمسير إلى إرْبل وأن يعبر دجلة ويسير إلى بغداد من الجانب الغربي، ففعل ذلك، فلما بلغ الخليفة وصوله تقدم إلى الدُّويدار الصغير مجاهد الدين أيْبَك وجماعة من الأمراء بالتوجه إلى لقائه، فعبروا دجلةَ، فلما تجاوزوا قنطرة باب البصرة (١) بفرسخ واحد رأوا عساكر المغول قد أقبلت كالجراد المنتشر، فالتقوا واقتتلوا يوم الأربعاء تاسع المحرم، فانكسرت عساكر المغول قصداً وخديعة، فتبعهم الدُّويدار وقتل منهم عدة كثيرة وحمل رؤوسهم إلى بغداد، وما زال يتبعهم بقية نهاره، فأشار عليه الأمير فتح الدين بن كُرّ (٢) بأن يثبت مكانه ولا يتبعهم، فلم يصغ إليه، فأدركه الليل وقد تجاوز نهر بشير بين دُجَيْل، فباتوا هناك.
فلما أصبحوا حَمَلت عليهم عساكر المغول وقاتلوهم قتالاً شديداً، فلم يثبت عساكر الدويدار، فانكسروا وكَرُّوا راجعين إلى بغداد، فوجدوا نهر بَشِير قد فاض من الليل وملأ الصحراء، فعجزت الخيول عن سلوكه ووحلت فيه، فلم يخلص منه إلا من كانت فرسه شديدة، وألقى معظم العسكر نفسَه في دجلة فهلك منهم خلق كثير، ودخل من نجا منهم بغداد مع الدُّويدار على أقبح صورة، وتبعهم الأمير بايجو وعسكره يقتلون فيهم، وغنموا سوادهم وكل ما كان معهم، ونزلوا بالجانب الغربي، وقد خلا من أهله، فشرعوا بالرمي بالنشاب إلى الجانب الشرقي، فكانت السِّهام تصل إلى الآدُر الشَّطَّانية، وكان الخليفة جالساً في رواقه وبين يديه صغيرة من مولّدات العرب تسمى «عَرَفة» ،
стр. 377
كانت مُدَلَّلة مطبوعة مضحكة، فأصابها سهم دخل من بعض الشبابيك فقتلها، فانزعج الخليفةُ لذلك، وأحضر السهمَ بين يديه، فإذا عليه مكتوب: «إذا أراد اللهُ أن يُنفِذَ قضاءَه سَلَبَ ذوي العقول عقولَهم» ، فأمر عند ذلك بعمل ما يحول بين شبابيك الدَّار وبين الرُّماة، فعملت ستائر من ألواح الخشب.
وأما السلطان هولاكوقان فإنه وصل إلى ظاهر بغداد في ثاني عشر المحرم في جيش لا يُحصى عدده ولا ينفذ مَدَده، وقد أُغلقت أبواب السُّور، فعرف بذلك ضعفهم عن لقائه، فأمر بحفر خندق، فحُفر وبُني بترابه سور محيط ببغداد وعُمل له أبواب ورُتّب عليها أمراء المغول، وشَرَعوا في عمل ستائر للمناجيق، ونصبوا مجانيق والعَرَّادات، واستظهروا غايةَ الاستظهار، والناسُ يُشاهدون ذلك من السور، وقد نصبوا -أيضاً- عليه المجانيق إلا أنها لم تصح ولا حصل بها انتفاع، ثم إن السلطان أمر بعقد جسر تحت بغداد ليمنع من ينحدر إلى واسط، فعُقِد تحت قرية العقاب (١) ، ولم يعلم أهل بغداد به، فكانت السُّفن تصل إليه فيُؤخذ مَن بها، ويقتل، فقتل عنده خلق كثير، فلما كان اليوم الرابع عشر من المحرم، خرج الوزير مؤيد الدين ابن العلقمي إلى خدمة السلطان في جماعة من مماليكه وأتباعه، وكانوا ينهون الناس عن الرَّمي بالنشاب ويقولون: سوف يقع الصلح -إن شاء الله- فلا تحاربوا.
هذا وعساكر المغول يبالغون في الرمي، وقد اجتمع منهم خلق كثير على بُرج العَجَمي (٢) ...........................................................
стр. 378
الذي عن يمين باب سور الحَلبة (١) ، ونصبوا عليه المجانيق، وواصلوا الرمي بالحجارة، فهدموا وصعدوا على السور في اليوم الحادي والعشرين من المحرم، وتمكنوا من البلد، وأمسكوا عن الرمي، وعاد الوزير إلى بغداد يوم الأحد سابع عشري (٢) من المحرم.
وقال للخليفة: قد تقدَّم السلطان أن تخرجَ إليه.
فأخرجَ ولدَه الأوسط -وهو: أبو الفضل عبد الرحمن- في الحال، فلم يقع الاقتناع به، فخرج الخليفة والوزير في يوم الإثنين ثامن عِشْري المحرم ومعه جمع كثير، فلما صاروا ظاهر السور منعوا أصحابه من الوصول معه، وأفردوا له خيمة وأُسكن بها، وخرج مجاهد الدين أيبك الدويدار الصغير، وشهاب الدين سليمان شاه وسائر الأمراء في أول صفر، وخرج ابن الخليفة الأكبر أبو العباس أحمد يوم الجمعة ثاني صفر، ثم دخل الخليفة بغداد يوم الأحد رابع صفر ومعه جماعة من أمراء المغول وخواجه نصير الدين الطوسي، فأخرج إليهم من الأموال والجواهر والحلي والزركش والثياب وأواني الذهب والفضة والأعلاق النفيسة جملةً عظيمة، ثم عاد مع الجماعة إلى ظاهر السور بقية ذلك اليوم، فأمر السلطان بقتله، فقُتل يوم الأربعاء رابع عشر صفر، ولم يهرق دمه، بل جُعل في غراراة ورُفِسَ حتى مات، ودُفن وعُفي أثر قبره، وكان قد بلغ من العمر ستّاً وأربعين سنة وأربعة أشهر، وكانت مدة خلافته خمس عشرة سنة وثمانية أشهر وأياماً.
ثم قُتل ولده أبو العباس أحمد، وكان مولده سنة إحدى وثلاثين وست
стр. 379
مئة، وله من الأولاد: أبو الفضل محمد، ورابعة وهي التي تزوج بها خواجه هارون ابن الصاحب شمس الدين الجُويني، ومولدها يوم عيد النحر سنة خمس وخمسين، وأختها ست الملوك.
ثم قُتل ابن الخليفة الأوسط أبو الفضل عبد الرحمن، ومولده سنة ثلاث وثلاثين، وله من الأولاد: أبو القاسم محمد، وبنت واحدة.
وأما ولد الخليفة الأصغر مُبارك وأخواته فاطمة وخديجة ومريم فإنهم لم يقتلوا، بل أسروا.
ثم عُيّن على بعض الأمراء فدخل بغداد ومعه جماعة ونائب أستاذ الدار ابن الجوزي، وجاءوا إلى أعمام الخليفة وأنسابه الذين كانوا في دار الصَّخْر ودار الشجرة، وكانوا يُطلبون واحداً بعد واحد، فيخرج بأولاده وجواريه، فيُحمل إلى مقبرة الخلاّل (١) التي تجاه المنظرة (٢) فيُقتل، فقُتلوا جميعهم عن آخرهم.
ثم قُتِل مجاهدُ الدين أيبك الدُّويدارُ الصغير، وأمير الحاج فَلَك الدين محمد ابن علاء الدين ألطبرس الدُّويدار الكبير، وشهاب الدين سليمان شاه ابن برجم، وفَلَك الدين محمد بن قَيْران الظَّاهري، وقُطب الدين سَنْجر البَكْلكي الذي كان شِحْنة بغداد وحج بالناس عدة سنين، وعز الدين أبقرا شحنة بغداد -أيضاً-، ومحيي الدين ابن الجوزي أستاذ الدار وولده جمال
стр. 380
الدين عبد الرحمن، وأخوه شرف الدين عبد الله، وأخوه تاج الدين عبد الكريم، وشيخ الشيوخ صدر الدين علي بن النَّيّار، وشَرَف الدين عبد الله ابن أخيه، وبهاء الدين داود بن المختار، والنَّقيب الطاهر شمس الدين علي بن المختار، وشرف الدين محمد بن طاوس، وتقي الدين عبد الرحمن ابن الطَّبّال وكيل الخليفة.
وأُمر بحمل رأس الدويدار، وابن الدويدار الكبير، وسليمان شاه إلىالموصل، فحُمِلت وعُلِّقت ظاهر سور البلد.
ووضع السيف في أهل بغداد يوم الإثنين خامس صفر وما زالوا في قتل ونهب وأسر وتعذيب الناس بأنواع العذاب، واستخراج الأموال منهم بأليم العقاب، مدة أربعين يوماً، فقتلوا الرجال والنساء والصبيان والأطفال، فلم يبق من أهل البلد ومن التجأ إليهم من أهل السواد إلا القليل، ما عدا النصارى فإنهم عُيّن لهم شِحَانٌ حرسوا بيوتهم، والتجأ إليهم خلق كثير من المسلمين فسلموا عندهم، وكان ببغداد جماعة من التجار الذين يسافرون إلى خراسان وغيرها، قد تعلّقوا من قبل على أمراء المغول وكُتِب لهم فَرامين، فلما فُتحت بغداد خرجوا إلى الأمراء، وعادوا ومعهم من يحرس بيوتهم والتجأ إليهم ... -أيضاً- جماعة من جيرانهم وغيرهم فسلموا، وكذلك دار الوزير مؤيد الدين ابن العلقمي، فإنه سلم بها خلق كثير، ودار صاحب الديوان ابن الدَّامَغاني، ودار حاجب الباب ابن الدَّوامي، وما عَدا هذه الأماكن فإنه لم يسلم فيه أحد إلا من مَن كان في الآبار والقَنَوات.
وأُحرِقَ معظم البلد وجامع الخليفة وما يجاوره، واستولى الخَراب على البلد، وكانت القتلى في الدُّروب والأسواق كالتُّلول، ووقعت الأمطار عليهم ووطئتهم الخيول، فاستحالت صُورهم وصاروا عبرة لمن يَرَى، ثم نودي بالأمان، فخرجَ من تَخَلَّف وقد تَغَيَّرت ألوانهم، وذهلت عقولهم لما شاهدوا من الأهوال التي لا يُعَبَّر عنها بلسان، وهم كالموتى إذا خرجوا من القبور يوم
стр. 381
النشور من الخوف والجوع والبرد.
وأما أهل الحلة والكوفة فإنهم انتزحوا إلى البطائح بأولادهم وما قدروا عليه من أموالهم، وحضر أكابرهم من العلويين والفقهاء مع مجد الدين بن طاوس العَلَوي إلى حضرة السلطان وسألوه حقن دمائهم فأجاب سؤالهم، وعَيَّن لهم شِحْنَةً فعادوا إلى بلادهم وأرسلوا إلى من في البطائح من الناس يُعَرِّفونهم ذلك، فحضروا بأهلهم وأموالهم، وجمعوا مالاً عظيماً، وحملوه إلى السلطان، فتصدق عليهم بنفوسهم.
وأما واسط؛ فإن الأمير بغاتمر انحدر إليها بعساكره، وانتهى فيها إلى قَريب البصرة، فقتل ونَهَب وسَبَى، وكان الولاة والنُّقباء وأكبار الناس قد انحدروا بأهلهم وأموالهم إلى البصرة والبطائح فَسَلِموا.
قيل: إنَّ عدة القتلى ببغداد زادت على ثمان مئة ألف نفس عدا من ألقي من الأطفال في الوحول ومن هلك في القني والآبار وسراديب الموتى جوعاً وخوفاً، ووقع الوباء فيمن تخلَّف بعد القتل من شم روائح القتلى وشُرب الماء الممتزج في الجِيَف. وكان الناس يُكثرون من شم البصل لقوة الجيفة وكثرة الذُّباب فإنه ملأ الفضاء، وكان يسقط على المطعومات فيفسدها، وكان أهل الحلة والكوفة والسِّيب يجلبون إلى بغداد الأطعمة، فانتفع الناسُ بذلك، وكانوا يبتاعون بأثمانها الكتب النفيسة والصُّفر المُطَعَّم وغيره من الأثاث بأوهى قيمة، فاستغنى بهذا الوجه خلق كثير منهم.
ورحل السلطان من بغداد في جُمادى الأولى عائداً إلى بلاده ومقر ملكه، وفوّض أمر بغداد إلى الأمير علي بهادر وجعله شحنة بها، وإلى الوزير مؤيد الدين ابن العلقمي، وصاحب الديوان فخر الدين ابن الدَّامَغاني، ونجم الدين أحمد بن عِمران وهو من أهل باجِسرى كان يخدم في زمن الخليفة عاملاً، فاتصل الآن ببعض الأمراء، وحَضَر بين يدي السلطان، وأنهى إليه من حال العراق ما أوجب تقديمه وتشريفه وتعيينه في الأعمال الشرقية؛ وهي
стр. 382
الخالص وطريق خُراسان والبَنْدَنيجين، وأن يتفق مع الوزير وصاحب الدِّيوان في الحكم ولُقِّب المَلِك، ونجم الدين عبد الغني بن الدَّرْنوس، وشرف الدين العَلَوي المعروف بالطَّويل. وكان تاج الدين علي ابن الدَّارمي حاجب الباب قد خرج مع الوزير إلى حضرة السلطان، فأمر له أن يكون صَدْرَ الأعمال الفُراتية، فلم تطل مدته وتوفي في ربيع الأول، فجعل ولده مجد الدين حسين عوضه. وحضر أقضى القضاة نظام الدين عبد المنعم البَنْدَنيجي بين يدي السلطان، فأمر بأن يُقَرَّ على القضاء.
فلما عاد الوزير والجماعة من خدمة السلطان قرروا حالَ البلاد، ومهَّدوا قواعدَها وعينوا بها الصدور والنُّظار والنُّواب، فعينوا سراج الدين ابن البَجَلي (١) في الأعمال الواسطية والبَصْرية، ونجم الدين بن المُعين صدر الأعمال الحِلّية والكوفية، وفخر الدين مبارك ابن المُخَرِّمي صدر دُجَيْل والمُسْتَنصري، وعز الدين بن أبي الحديد كاتب السلة، فلم تطل أيامه وتوفي، فرُتِّب عوضه ابن الجمل النصراني، وعزَّ الدين ابن الموسوي العَلوي نائب الشرطة، والشيخ عبد الصمد بن أبي الجيش إمام مسجد قُمْرية خازن الديوان، ورتبوا في جميع الأعمال نُواباً وشرعوا في عمارتها.
فتوفي الوزير مؤيد الدين محمد ابن العلقمي في مستهل جمادى الآخرة، ودُفن في مشهد موسى بن جعفر ﵇، فأمر السلطان أن يكون ابنُه عز الدين أبو الفضل وزيراً بعده، ووصل الأمير قَرَاغا بعد ذلك إلى بغداد، وعَيَّنَ عماد الدين عمر بن محمد القزويني نائباً عنه، فكان يحضر الديوان مع الجماعة وكان ذا دين ومروءة، عَيَّنَ علي شهاب الدين بن عبد الله صدراً في الوقوف، وتقدم إليه بعمارة جامع الخليفة، وكان قد أُحرق كما ذكرنا، ثم فتح المدارس والرُّبط، وأثبت الفقهاء والصوفية وأدرَّ عليهم الأخباز
стр. 383
والمشاهرات، وسُلِّمَت مفاتيح دار الخليفة إلى مجد الدين محمد ابن الأثير، وجُعل أمر الفرّاشين والبوّابين إليه، وتقدم للجاثليق بسُكنى دار علاء الدين ألطبرس الدويدار الكبير التي على شاطئ دجلة فسكنها، ودق الناقوس على أعلاها، واستولى على دار الفلك التي كانت رباطاً للنساء تجاه هذه الدار المذكورة، وعلى الرِّباط البشيري المجاور لها، وهَدَم الكتابة التي كانت على البابين، وكتب عوضها بالسّرياني!» .
ولقد قال الشعراء في واقعة بغداد أشعاراً كثيرة (١) ، منها ما قاله شمس الدين محمد بن عُبيدالله الكوفي الواعظ (٢) :
بانُوا ولي أدمعٌ في الخَدّ تَشتَبكُ ... ولوعةٌ في مجال الصَّدْر تَعتَركُ
بالرُّغم لا بالرِّضا مني فراقُهم ... ساروا ولم أدر أيَّ الأرض قد سَلَكوا
يا صاحبي ما احتيالي بعد بُعدِهِمُ ... أشِرْ عليَّ فإنَّ الرأي مُشتَرَكُ
عَزَّ اللقاءُ وضاقت دونه حِيَلي ... فالقلبُ في أمره حَيْران مرتبكُ
يَعُوقني عن مُرادي ما بُليتُ به ... كما يَعُوق جَناحَيْ طائرٍ شَرَكُ
أروم صَبراً وقلبي لا يُطاوعني ... وكيف يَنهضُ من قد خانَه الورِكُ
إنْ كنتَ فاقد إلْفٍ نُحْ عليه معي ... فإننا كلُّنا في ذاك نشتركُ
يا نكبةً ما نجا من صرفها أحدٌ ... من الوَرَى فاستوى المملوكُ والمَلِكُ
تَمَكَّنَتْ بعد عِزٍّ في أحبَّتنا ... أيْدي الأعادي فما أبْقوا ولا تَرَكوا
لو أنَّ ما نالهم يُفدَى فديتهم ... بمُهجَتي وبما أصبَحْتُ أمتَلِكُ
стр. 384
رَبْع الهِدَاية أضحَى بعد بُعدهم ... معَطَّلاً ودم الإسلام مُنسَفِكُ
أين الذين على كل الوَرَى حَكَمُوا ... أين الذين اقتنوا أين الأُولَى ملكوا
وقفتُ من بَعدِهم في الدار أسألها ... عنهم وعَمّا حَوَوْا فيها وما مَلَكُوا
أجابني الطَّلَلُ البالي ورَبعُهم الـ ... ـخالي: نعم ها هنا كانوا وقد هَلَكوا
لا تَحسَبُوا الدَّمع ماءً في الخُدود جَرَى ... وإنما هي رُوح الصَّب تَنسَبكُ
ولما شاهد تُرَب الرُّصافة وقد نُبشت قبور الخلفاء وأُحرقت تلك الأماكن، وأُبرزت العظام والرؤوس! كتب على بعض الحيطان (١) :
إن تَرِد عِبرَة فتلكَ بنو العبـ ... ـاس حَلَّت عليهم الآفاتُ
استبيح الحَريم إذ قُتِلَ الأحـ ... ـياء منهم وأُحرِقَ الأمواتُ
ومما قاله -أيضاً- (٢) :
يا عُصبة الإسلام نُوحوا واندبوا ... أَسَفاً على ما حَلَّ بالمُستَعصِمِ
دَسْت الوَزارة كان قبل زَمَانه ... لابن الفُرات فصار لابن العَلقَمِي!» (٣)
стр. 385
ولابن الشروي ضمن قصيدة فيما ذكر ابن شاكر الكتبي في «عيون التواريخ» (٢٠/١٤٠-١٤١) :
وانزل على بغداد وانْدُب أهلَها ... دار السلام وقل عليك سلامُ
فإذا رأيتَ وقد عفّت من أهلها ... واعتادها بعد الضياء ظلامُ
فانشد هناك وقل بقلب والهٍ ... يا دارُ ما صنعتْ بك الأيامُ
ويلاه! يا بغدادُ أورثتِ الحشا ... ناراً لها بين الضّلوع ضرامُ (١)
قال أبو عبيدة: تأمل قوله: «فعبروا دجلة، فلما تجاوزوا قنطرة باب البصرة بفرسخ واحد رأوا عساكر المغول قد أقبلت كالجراد المنتشر، ... » .
وهذا التطابق مع حديث أبي بكرة المرفوع: «ينزل ناس من أمتي بغائط يسمونه البصرة عند نهر يقال له: دجلة، يكون عليه جسر يكثر أهلها، وتكون من أمصار المهاجرين، فإذا كان في آخر الزمان جاء بنو قنطورا، عراض الوجوه، صغار الأعين، حتى ينزلوا على شط النهر» . والحديث حسن، كما سبق بيانه بالتفصيل (٢) .
стр. 386
وذهب إلى ما قررتُ جمعٌ من شراح الحديث، وهذه عباراتهم التي تدل على ذلك:
قال الطيبي في «شرحه على المشكاة» (١) في (الفصل الثاني) من (باب الملاحم) في (كتاب الفتن) عند هذا الحديث، -وهو التاسع منه- ما نصه:
«الحديث التاسع عن أبي بكرة: قوله: «بغائط» . الغائط: الوادي المطمئن، وغاط في الأرض يغوط ويغيط إذا غار. قوله: «عند نهر يقال له: دجلة» ؛ أراد: النبي ﷺ بهذه المدينة مدينة بغداد؛ فإن دجلة هي الشطّ، وجسرها في وسطها لا في وسط البصرة. وإنما عرفها النبي ﷺ ببصرة؛ لأن بغداد [كانت] موضعاً خارجاً منه قريب من بابه يدعى بباب البصرة، فسمى النبي ﷺ بغداد باسم بعضها، أو على حذف المضاف؛ كقوله -تعالى-: ﴿وَاسْأَل القَريَةَ﴾ . وبغداد ما كانت مبنية في عهد النبي ﷺ على هذه الهيئة ولا كان مصراً من الأمصار؛ ولذلك قال النبي ﷺ : «ويكون من أمصار المسلمين» بلفظ المستقبل، بل كان في عهده ﷺ قُرىً متفرقة سورت بعد ما خربت مدائن كسرى منسوبة إلى البصرة محسوبة من أعمالها، وأن أحداً لم يسمع إلى زماننا بدخول الترك بصرة قط على سبيل القتال والحرب. ومعنى الحديث: أن بعضاً من أمتي سينزلون عند دجلة فيتوطنون ثَمَّةَ، ويصير ذلك الموضع مصراً من أمصار المسلمين، وهو بغداد، فإذا كان في آخر الزمان جاء بنو قنطوراء فتقاتل أهل بغداد. وقال بلفظ: «جاء» دون يجيء؛ إيذاناً بوقوعه، فكأنه قد وقع» انتهى.
وتأمل تتمة الحديث؛ وهو:
«فيتفرق أهلها ثلاث فرق: فرقة يأخذون في أذناب البقر والبرية، هلكوا، وفرقة يأخذون لأنفسم، وهلكوا، وفرقة يجلعون ذراريهم خلف ظهورهم
стр. 387
ويقاتلونهم وهم شهداء» .
فقوله: «فرقة يأخذون في أذناب البقر» ؛ أي: فرقة يعرضون عن المقاتلة هرباً منها وطلباً للخلاص، فيهيمون في البوادي ويهلكون فيها؛ أي: يعرضون عن المقاتلة، ويشتغلون بالزراعة ويتبعون البقر للحراثة. «وفرقة يأخذون لأنفسم» ؛ أي: يطلبون الأمان من بني قنطوراء، وهلكوا بأيديهم.
ولعل المراد بهذه الفرقة «المستعصم بالله» ومن معه من المسلمين، طلبوا الأمان لأنفسم ولأهل بغداد، هلكوا بأيديهم عن آخرهم. وفرقة ثالثة هم الغازية المجاهدة في سبيل الله قاتلوا الترك قبل ظهورهم على أهل الإسلام فاستشهد معظمهم، نجت منهم شرذمة قليلون. قاله الطيبي (١) -أيضاً-. وهذا ظاهر من خلال ما نقلناه عن ابن كثير وغيره.
ولِعَلي القاري شرح مفصّل لهذا الحديث في «المرقاة» (٢) ، نسوقه بتمامه، قال ﵀:
« «ينزل أُناس» -بضم الهمزة، لغة- في ناس «من أمتي بغائط» ؛ أي: بغائر من الأرض، ذكره شارح، وفي الفائق: أي: بواد مطمئن «يسمونه البَصرة» -بفتح الموحدة، وفي نسخة بكسرها، وفي «القاموس» : البصرة: بلدة معروفة، ويحرك ويكسر الصاد، أو هو معرب بسرة؛ أي: كثير الطرق (٣)
- «عند نهر» ... -
стр. 388
بفتح الهاء ويسكن- «يقال له: دِجلة» -بكسر الدال، ويفتح- نهر بغداد «يكون عليه جسر» ؛ أي: قنطرة ومعبر، «يكثر أهلها» ؛ أي: أهل البصرة، وفي «حاشية الشفاء» للعلبي: البصرة مثلث الباء، والفتح أفصح، بناها عتبة بن غزوان في خلافة عمر -رضي الله تعالى عنه-، ولم يعبد الصنم قط على ظهرها، والنسبة إليها بالكسر والفتح. قال «المغني» : والكسر في النسبة أفصح من الفتح. قلت: ولعله لمجاورة كسر الراء، هذا؛ وقد قال الأشرف: أراد ﷺ بهذه المدينة مدينة السلام بغداد، فإن دجلة هي البسط وجسرها في وسطها، لا في وسط البصرة، وإنما عرفها النبي ﷺ ببصرة؛ لأن في بغداد موضعاً خارجياً منه قريباً من بابه، يدعى باب البصرة، فسمى النبي ﷺ بغداد باسم بعضها، أو على حذف المضاف؛ كقوله -تعالى-: ﴿واسئل القرية﴾ . وبغداد ما كانت مبنية في عهد النبي ﷺ على هذه الهيئة ولا كان مصراً من الأمصار في عهده ﷺ ، ولذا قال ﷺ : «ويكون من أمصار المسلمين» بلفظ الاستقبال، بل كان في عهده ﷺ قُرىً متفرقة بعد ما خربت مدائن كسرى منسوبةً إلى البصرة محسوبةً من أعمالها، وهذا وإن أحداً لم يسمع في زماننا بدخول الترك بصرة قط على سبيل القتال والحرب، ومعنى الحديث: أن بعضاً من أمتي ينزلون عند دجلة ويتوطنون ثَمّةَ، ويصير ذلك الموضع مصراً من أمصار المسلمين، وهو بغداد، «وإذا كان» -اسمه مضمر- «في آخر الزمان جاء بنو قَنطورا» ... -بفتح القاف وسكون النون مقصوراً وقد يمد-؛ أي: يجيئون ليقاتلوا أهل بغداد، وقال بلفظ: «جاء» دون يجيء؛ إيذاناً بوقوعه، فكأنه قد وقع، وبنو
стр. 389
قنطورا (١)
اسم أبي الترك، وقيل: اسم جارية كانت للخليل ﵊، ولدت له أولاداً، جاء من نسلهم الترك وفيه نظر؛ فإن الترك من أولاد يافث بن نوح، وهو قبل الخليل بكثير. كذا ذكره بعضهم، ويمكن دفعه بأن الجارية كانت من أولاد يافث، أو المراد بالجارية بنت منسوبة للخليل؛ لكونها من بنات أولاده وقد تزوجها واحد من أولاد يافث، فأتت بأبي هذا الجيل، فيرتفع الإشكال بهذا القال والقيل، ويصح انتسابهم إلى يافث والخليل «عراض الوجوه» ، بدل أو عطف بيان، وكذا قوله: «صغار الأعين حتى ينزلوا على شط النهر فيتفرق أهلها ثلاث فرق» -بكسر ففتح: جمع فرقة-، (فرقةٌ) -بالرفع ويجوز نصبها- «يأخذون في أذناب البقر» ؛ من أخذ في الشيء: شرع فيه، وقوله: «في البرية» تتميم وتذييل؛ لأن أخذ أذناب البقر لا يكون غالباً إلا في البرية الخارجة عن المدينة التي يعبر عنها بالبحرية، ومنه قوله -تعالى-: ﴿ظهر الفساد في البر والبحر﴾ ، أو المراد بقوله: «في البرية» : اختيار العزلة، وإيثار الصحراء والخلاء على البلد، واجتماع الملأ، فعلى الأول: صفة أو حال، وعلى الثاني: بدل كل أو بعض، ويمكن أن تكون «في» تعليلية، وقوله: «وهلكوا» فذلك نتيجة لأفعالهم، والمعنى: أن فرقة يُعرِضُون عن المقاتلة هرباً منها وطلباً لخلاص أنفسهم، ومواشيهم، ويحملون على البقر فيهيمون في البوادي، ويهلكون فيها أو يعرضون عن المقاتلة، ويشتغلون بالزراعة ويتبعون البقر للحراثة إلى البلاد الشاسعة، فيهلكون. قال الطيبي ﵀: قوله: «يأخذون في أذناب البقر» ، على معنى يوقعون الأخذ في الأذناب؛ كقوله:
بجرح في عراقيبها نصلى
وكأنهم يبالغون في الاشتغال ولا يعبئون بأمر آخر، أو يوغلون في السير خلفها إلى البلاد الشاسعة فيهلكون فيها، «وفرقة يأخذون» ؛ أي: يطلبون أو
стр. 390
يقبلون الأمان من بني قنطوراء، «لأنفسهم وهلكوا» ؛ أي: بأيديهم، ولعل المراد بهذه الفرقة المستعصم بالله ومن معه من المسلمين، طلبوا الأمان لأنفسهم ولأهل بغداد، وهلكوا بأيديهم عن آخرهم. وقال شارح: أراد النبي ﷺ بالبصرة بغداد؛ لأن بغداد كانت قرية في عهد النبي ﷺ من قرى البصرة، إطلاقاً لاسم الجزء على الكل، فالواقعة وقعت كما ذكره النبي ﷺ ، وإن أراد البصرة المعهودة فلعله يقع بعد ذلك إذ لم يسمع أن الكفار نزلوا بها قط للقتال، «وفرقة يجعلون ذراريهم» ؛ أي: أولادهم الصغار ونساءهم، «خلف ظهورهم ويقاتلونهم وهم الشهداء» ؛ أي: الكاملون، والمعنى: أن فرقة ثالثة هم الغازية المجاهدة في سبيل الله قاتلوا الترك قبل ظهروهم على أهل الإسلام، فاستشهد معظمهم، ونجت منهم شرذمة قليلون. كذا ذكره الأشرف. وقال غيره: وهذا من معجزاته ﷺ ؛ فإنه وقع كما أخبر، وكانت هذه الواقعة في صفر سنة ست وخمسين وست مئة» .
ثانياً: وقعت حوادث كثيرة قبل الاجتياح المذكور لبغداد ، ثم الشام، ثم مصر، دلت على تفرق المسلمين وتشتتهم، وطمع الكفار بأطراف بلادهم، إذ كان أول خروج التتار قبل وصولهم إلى بغداد بخمسين سنة، فهم دخلوها سنة (٦٥٦هـ) ، وكان أول خروجهم سنة (٦٠٦هـ) زمن طاغية التتار الأكبر (جنكيز خان) .
قال ابن العماد في «شذرات الذهب» في حوادث سنة (٦٢٤هـ) :
«وفيها في رمضان قبل المصاف بأيام، اتفق موت جنكيز خان طاغيةُ التتار وسلطانهم الأعظمُ، الذي خرَّبَ البلاد، وأباد الأمم، وهو الذي جيّشَ الجيوشَ، وخرَجَ بهم من باديَةِ الصين، فدانَتْ له المغول، وعقدوا له عليهم، وأطاعوه -لا طاعة الأبرار للملك القهّار-، واسمه قبل الملك تمرحين (هكذا) ، ومات على الكفر، وكان من دهاة العالم، وأفراد الدهر، وعقلاء الترك، وهو جد ابني العَمِّ بركة وهولاكو» .