← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 3346

العراق في أحاديث وآثار الفتن

مشهور آل سلمان

Полный текст (775 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

وذهب إلى ما قررتُ جمعٌ من شراح الحديث، وهذه عباراتهم التي تدل على ذلك: قال الطيبي في «شرحه على المشكاة» (١) في (الفصل الثاني) من (باب الملاحم) في (كتاب الفتن) عند هذا الحديث، -وهو التاسع منه- ما نصه: «الحديث التاسع عن أبي بكرة: قوله: «بغائط» . الغائط: الوادي المطمئن، وغاط في الأرض يغوط ويغيط إذا غار. قوله: «عند نهر يقال له: دجلة» ؛ أراد: النبي ﷺ بهذه المدينة مدينة بغداد؛ فإن دجلة هي الشطّ، وجسرها في وسطها لا في وسط البصرة. وإنما عرفها النبي ﷺ ببصرة؛ لأن بغداد [كانت] موضعاً خارجاً منه قريب من بابه يدعى بباب البصرة، فسمى النبي ﷺ بغداد باسم بعضها، أو على حذف المضاف؛ كقوله -تعالى-: ﴿وَاسْأَل القَريَةَ﴾ . وبغداد ما كانت مبنية في عهد النبي ﷺ على هذه الهيئة ولا كان مصراً من الأمصار؛ ولذلك قال النبي ﷺ : «ويكون من أمصار المسلمين» بلفظ المستقبل، بل كان في عهده ﷺ قُرىً متفرقة سورت بعد ما خربت مدائن كسرى منسوبة إلى البصرة محسوبة من أعمالها، وأن أحداً لم يسمع إلى زماننا بدخول الترك بصرة قط على سبيل القتال والحرب. ومعنى الحديث: أن بعضاً من أمتي سينزلون عند دجلة فيتوطنون ثَمَّةَ، ويصير ذلك الموضع مصراً من أمصار المسلمين، وهو بغداد، فإذا كان في آخر الزمان جاء بنو قنطوراء فتقاتل أهل بغداد. وقال بلفظ: «جاء» دون يجيء؛ إيذاناً بوقوعه، فكأنه قد وقع» انتهى. وتأمل تتمة الحديث؛ وهو: «فيتفرق أهلها ثلاث فرق: فرقة يأخذون في أذناب البقر والبرية، هلكوا، وفرقة يأخذون لأنفسم، وهلكوا، وفرقة يجلعون ذراريهم خلف ظهورهم

стр. 387

ويقاتلونهم وهم شهداء» . فقوله: «فرقة يأخذون في أذناب البقر» ؛ أي: فرقة يعرضون عن المقاتلة هرباً منها وطلباً للخلاص، فيهيمون في البوادي ويهلكون فيها؛ أي: يعرضون عن المقاتلة، ويشتغلون بالزراعة ويتبعون البقر للحراثة. «وفرقة يأخذون لأنفسم» ؛ أي: يطلبون الأمان من بني قنطوراء، وهلكوا بأيديهم. ولعل المراد بهذه الفرقة «المستعصم بالله» ومن معه من المسلمين، طلبوا الأمان لأنفسم ولأهل بغداد، هلكوا بأيديهم عن آخرهم. وفرقة ثالثة هم الغازية المجاهدة في سبيل الله قاتلوا الترك قبل ظهورهم على أهل الإسلام فاستشهد معظمهم، نجت منهم شرذمة قليلون. قاله الطيبي (١) -أيضاً-. وهذا ظاهر من خلال ما نقلناه عن ابن كثير وغيره. ولِعَلي القاري شرح مفصّل لهذا الحديث في «المرقاة» (٢) ، نسوقه بتمامه، قال ﵀: « «ينزل أُناس» -بضم الهمزة، لغة- في ناس «من أمتي بغائط» ؛ أي: بغائر من الأرض، ذكره شارح، وفي الفائق: أي: بواد مطمئن «يسمونه البَصرة» -بفتح الموحدة، وفي نسخة بكسرها، وفي «القاموس» : البصرة: بلدة معروفة، ويحرك ويكسر الصاد، أو هو معرب بسرة؛ أي: كثير الطرق (٣) - «عند نهر» ... -

стр. 388

بفتح الهاء ويسكن- «يقال له: دِجلة» -بكسر الدال، ويفتح- نهر بغداد «يكون عليه جسر» ؛ أي: قنطرة ومعبر، «يكثر أهلها» ؛ أي: أهل البصرة، وفي «حاشية الشفاء» للعلبي: البصرة مثلث الباء، والفتح أفصح، بناها عتبة بن غزوان في خلافة عمر -رضي الله تعالى عنه-، ولم يعبد الصنم قط على ظهرها، والنسبة إليها بالكسر والفتح. قال «المغني» : والكسر في النسبة أفصح من الفتح. قلت: ولعله لمجاورة كسر الراء، هذا؛ وقد قال الأشرف: أراد ﷺ بهذه المدينة مدينة السلام بغداد، فإن دجلة هي البسط وجسرها في وسطها، لا في وسط البصرة، وإنما عرفها النبي ﷺ ببصرة؛ لأن في بغداد موضعاً خارجياً منه قريباً من بابه، يدعى باب البصرة، فسمى النبي ﷺ بغداد باسم بعضها، أو على حذف المضاف؛ كقوله -تعالى-: ﴿واسئل القرية﴾ . وبغداد ما كانت مبنية في عهد النبي ﷺ على هذه الهيئة ولا كان مصراً من الأمصار في عهده ﷺ ، ولذا قال ﷺ : «ويكون من أمصار المسلمين» بلفظ الاستقبال، بل كان في عهده ﷺ قُرىً متفرقة بعد ما خربت مدائن كسرى منسوبةً إلى البصرة محسوبةً من أعمالها، وهذا وإن أحداً لم يسمع في زماننا بدخول الترك بصرة قط على سبيل القتال والحرب، ومعنى الحديث: أن بعضاً من أمتي ينزلون عند دجلة ويتوطنون ثَمّةَ، ويصير ذلك الموضع مصراً من أمصار المسلمين، وهو بغداد، «وإذا كان» -اسمه مضمر- «في آخر الزمان جاء بنو قَنطورا» ... -بفتح القاف وسكون النون مقصوراً وقد يمد-؛ أي: يجيئون ليقاتلوا أهل بغداد، وقال بلفظ: «جاء» دون يجيء؛ إيذاناً بوقوعه، فكأنه قد وقع، وبنو

стр. 389

قنطورا (١) اسم أبي الترك، وقيل: اسم جارية كانت للخليل ﵊، ولدت له أولاداً، جاء من نسلهم الترك وفيه نظر؛ فإن الترك من أولاد يافث بن نوح، وهو قبل الخليل بكثير. كذا ذكره بعضهم، ويمكن دفعه بأن الجارية كانت من أولاد يافث، أو المراد بالجارية بنت منسوبة للخليل؛ لكونها من بنات أولاده وقد تزوجها واحد من أولاد يافث، فأتت بأبي هذا الجيل، فيرتفع الإشكال بهذا القال والقيل، ويصح انتسابهم إلى يافث والخليل «عراض الوجوه» ، بدل أو عطف بيان، وكذا قوله: «صغار الأعين حتى ينزلوا على شط النهر فيتفرق أهلها ثلاث فرق» -بكسر ففتح: جمع فرقة-، (فرقةٌ) -بالرفع ويجوز نصبها- «يأخذون في أذناب البقر» ؛ من أخذ في الشيء: شرع فيه، وقوله: «في البرية» تتميم وتذييل؛ لأن أخذ أذناب البقر لا يكون غالباً إلا في البرية الخارجة عن المدينة التي يعبر عنها بالبحرية، ومنه قوله -تعالى-: ﴿ظهر الفساد في البر والبحر﴾ ، أو المراد بقوله: «في البرية» : اختيار العزلة، وإيثار الصحراء والخلاء على البلد، واجتماع الملأ، فعلى الأول: صفة أو حال، وعلى الثاني: بدل كل أو بعض، ويمكن أن تكون «في» تعليلية، وقوله: «وهلكوا» فذلك نتيجة لأفعالهم، والمعنى: أن فرقة يُعرِضُون عن المقاتلة هرباً منها وطلباً لخلاص أنفسهم، ومواشيهم، ويحملون على البقر فيهيمون في البوادي، ويهلكون فيها أو يعرضون عن المقاتلة، ويشتغلون بالزراعة ويتبعون البقر للحراثة إلى البلاد الشاسعة، فيهلكون. قال الطيبي ﵀: قوله: «يأخذون في أذناب البقر» ، على معنى يوقعون الأخذ في الأذناب؛ كقوله: بجرح في عراقيبها نصلى وكأنهم يبالغون في الاشتغال ولا يعبئون بأمر آخر، أو يوغلون في السير خلفها إلى البلاد الشاسعة فيهلكون فيها، «وفرقة يأخذون» ؛ أي: يطلبون أو

стр. 390

يقبلون الأمان من بني قنطوراء، «لأنفسهم وهلكوا» ؛ أي: بأيديهم، ولعل المراد بهذه الفرقة المستعصم بالله ومن معه من المسلمين، طلبوا الأمان لأنفسهم ولأهل بغداد، وهلكوا بأيديهم عن آخرهم. وقال شارح: أراد النبي ﷺ بالبصرة بغداد؛ لأن بغداد كانت قرية في عهد النبي ﷺ من قرى البصرة، إطلاقاً لاسم الجزء على الكل، فالواقعة وقعت كما ذكره النبي ﷺ ، وإن أراد البصرة المعهودة فلعله يقع بعد ذلك إذ لم يسمع أن الكفار نزلوا بها قط للقتال، «وفرقة يجعلون ذراريهم» ؛ أي: أولادهم الصغار ونساءهم، «خلف ظهورهم ويقاتلونهم وهم الشهداء» ؛ أي: الكاملون، والمعنى: أن فرقة ثالثة هم الغازية المجاهدة في سبيل الله قاتلوا الترك قبل ظهروهم على أهل الإسلام، فاستشهد معظمهم، ونجت منهم شرذمة قليلون. كذا ذكره الأشرف. وقال غيره: وهذا من معجزاته ﷺ ؛ فإنه وقع كما أخبر، وكانت هذه الواقعة في صفر سنة ست وخمسين وست مئة» . ثانياً: وقعت حوادث كثيرة قبل الاجتياح المذكور لبغداد ، ثم الشام، ثم مصر، دلت على تفرق المسلمين وتشتتهم، وطمع الكفار بأطراف بلادهم، إذ كان أول خروج التتار قبل وصولهم إلى بغداد بخمسين سنة، فهم دخلوها سنة (٦٥٦هـ) ، وكان أول خروجهم سنة (٦٠٦هـ) زمن طاغية التتار الأكبر (جنكيز خان) . قال ابن العماد في «شذرات الذهب» في حوادث سنة (٦٢٤هـ) : «وفيها في رمضان قبل المصاف بأيام، اتفق موت جنكيز خان طاغيةُ التتار وسلطانهم الأعظمُ، الذي خرَّبَ البلاد، وأباد الأمم، وهو الذي جيّشَ الجيوشَ، وخرَجَ بهم من باديَةِ الصين، فدانَتْ له المغول، وعقدوا له عليهم، وأطاعوه -لا طاعة الأبرار للملك القهّار-، واسمه قبل الملك تمرحين (هكذا) ، ومات على الكفر، وكان من دهاة العالم، وأفراد الدهر، وعقلاء الترك، وهو جد ابني العَمِّ بركة وهولاكو» .

стр. 391

وقال الجلال السيوطي في «تاريخ الخلفاء» (١) في الكلام على خلافة المستعصم بالله آخر خلفاء العباسيين: «أرضُ التتار بأطراف بلاد الصين، وهم سكان براري، ومشهورون بالشَّر والغدر، وسببُ ظهورهم أنّ إقليم الصين متسع، دَورُه ستةُ أشهر، وهو ستُّ ممالك، ولهم ملك حاكم على الممالك الست، هو القان الأكبر المقيم بطمغاج، وهو كالخليفة للمسلمين، وكان سلطانُ إحدى الممالِك السِّت -وهو دوش خان- قد تزوجَ بعمَّةِ جنكيز خان، فحضر زائراً لعمته، وقد مات زوجُها، وكان قد حضر مع جنكيز خان كشلوخان، فأعلمَتْهُما أن الملك لم يخلف ولداً، وأشارت على ابن أخيها أن يقوم مقامه، فقام وانضمَّ إليه خلقٌ من المغول، ثم سير التقادم إلى القان الأكبر، فاستشاط غيظاً، وأمر بقطْعِ أذناب الخيل التي أهدِيَتْ، وطردها، وقتْل الرسل؛ لكون التتار لم يتقدَّمْ لهم سابقةٌ بتملُّك، إنما هم بادية الصين، فلما سمع جنكيز خان وصاحبُه كشلوخان تحالفا على التعاضد، وأظهرا الخلاف للقان، وأتَتْهُما أممٌ كثيرة منَ التتار، وعلمَ القانُ قوَّتَهم وشرَّهم، فأرسل يؤانِسُهُم ويُظْهِرُ مع ذلك أنه ينذرُهُم ويهدِّدُهم، فلمْ يُغْن ذلك شيئاً، ثم قَصَدَهُم وقصدوه، فوقع بينهم ملحمةٌ عظيمةٌ، فكَسرُوا القانَ الأعظَم وملكوا بلاده، واستَفْحَل شرُّهم، واستمر المُلْك بين جنكيز خان وكشلوخان على المشاركة. ثم سارا إلى بلاد شاقون (٢) من نواحي الصين فمَلَكَاها، فمات كشلوخان، فقام مقامه ولده، فاستضعفه جنكيز خان، فوثب عليه وظفر به، واستقلَّ جنكيزُ خان، ودانَتْ له التتارُ، وانقادتْ له، واعتقدوا فيه الألوهية، وبالغوا في طاعته.

стр. 392

ثم كان أولُ خروجهم في سنةِ ستٍّ وستِّ مِئَةٍ من بلادهم إلى نواحي الترك وفرغانة، فأرسلَ خوارزمُ شاه محمدَ بنَ تكش صاحب خراسان الذي أبادَ الملوكَ، وأخذ الممالِكَ، وعزمَ على قصدِ الخليفة، فلمْ يتهيّأْ له، فأمرَ أهلَ فرغانة والشاش وكاسان وتلكَ البلادِ النّزِهَةِ العامرةِ بالجلاءِ والجَفَلَى إلى سَمْرَقند وغيرِها، ثم خرَّبَها جميعاً خوفاً من التتار أن يملِكُوها؛ لعلمه أنه لا طاقة له بهم. ثم صارت التتار يتخطفون ويتنقلون إلى سنةِ خمسَ عشْرةَ، فأرسل فيها جنكيزُ خان إلى السلطان خوارزم شاه رُسلاً وهدايا، وقال الرسول: إن القان الأعظم يسلِّمُ عليك، ويقول لك: ليسَ يَخْفَى عليَّ عِظَمُ شأْنِك، وما بلغْتَ من سلطانك، ونفوذِ حُكمِك على الأقاليم، وأنا أرى مسالمَتَك من جملة الواجبات، وأنت عندي مثلُ أعزّ أولادي، وغيرُ خافٍ عليك أنني تملَّكتُ الصينَ، وأنتَ أخبرُ الناس ببلادي، وأنها مثاراتُ العساكرِ والخيول، ومعادنِ الذهبِ والفضةِ، وفيها كفايةٌ عن غيرها، فإن رأيتَ أن تعقد بيننا المودَّة، وتأمُرَ التجّار بالسفر لتعمَّ المصلحتين فعلت. فأجابه خوارزمُ شاه إلى مُلتَمَسه، وبشَّر جنكيز خان بذلك، واستمرَّ الحالُ على المهادنة إلى أنْ وصل من بلاده تجّار. وكان خال خوارزم شاه ينوب على بلاد ما وراء النهر، ومعه عشرون ألف فارس، فشرَهَتْ نفسُه إلى أموالِ التّجار، وكاتَب السلطانَ يقول: إن هؤلاء القومِ قدْ جاءوا بزيّ التجار، وما قصْدُهُم إلاّ التجسُّس، فإنْ أذِنْتَ لي فيهم، فأذِنَ له بالاحتياط عليهم، فقبَضَ عليهم وأخذَ أموالهَم (١) ، فرَدَّتْ رسل جنكيز

стр. 393

خان إلى خوارزم شاه تقولُ: إنك أعطَيْتَ أمانَكَ التجارَ فَغدَرْتَ، والغدرُ قبيح، وهو من سلطان الإسلام أقبَح، فإن زعمتَ أنّ الذي فعله خالُكَ بغيرِ أمركَ فسلِّمْه إلينا، وإلا سَوف تشاهدُ مِني ما تَعرِفُني به، فحصلَ عند خوارزم شاه من الرعبِ ما خَامَر عقْلَه، فتجلّد وأمر بقتل الرسل، فقُتِلوا. فيا لها من حركة لما أَهدَرَتْ من دماءِ المسلمين، وأجرَتْ بكلِّ نقطةٍ سيلاً من الدم. ثم سار جنكيز خان إليه، فانجفل خوارزم شاه عن جيحون إلى نيسابور، ثم سار إلى برج همذان رعباً من التتار، فأحدق به العدو، فقتل كل من معه، ونجا هو بنفسه، فخاضَ الماءَ إلى جزيرة، ولحِقَته علّة ذات الجنب، فمات بها وحيداً فريداً، وكُفِّن في شاش فراش كان معه، وذلك في سنة (سبع عشرة وست مئة) ، وملكوا جميع مملكة خوارزم شاه» . وذكر ابن الأثير في «كامله» (١) ما كان من أمر التتار إلى سنة (٦٢٨) ،

стр. 394

وأبو الفدا (١) ما كان منهم إلى حين وفاته. ثم قال الجلال السيوطي (٢) : «ولما دخلت سنةُ ستٍّ وخمسين وصل التتار إلى بغداد، وهم مئتا ألف ويقدمهم هولاكو، فخرج إليهم عسكر الخليفة، فهُزِمَ العسكَرُ، ودخلوا بغداد يوم عاشوراء، فأشار الوزير -لعنه الله- على المستعصم بمصانعتهم، وقال: أخرج إليهم أنا في تقرير الصلح، فخرج وتوثق بنفسه منهم، وورد إلى الخليفة، وقال: إن الملك قد رغب في أن يزوّج ابنته بابنك الأمير أبي بكر، ويبقيك في منصب الخلافة، كما أبقى صاحب الروم في سلطنته، ولا يريد إلا أن تكون الطاعة كما كان أجدادك مع السلاطين السلجوقية، وينصرف عنك بجيوشه، فليُجب مولانا إلى هذا فإن فيه حقن دماء المسلمين، ويمكن ... بعد ذلك أن تفعل ما تريد، والرأي أن تخرج إليه، فخرج إليه في جمع من الأعيان. فأُنزِل في خيمةٍ، ثم دخل الوزير فاستدعى الفقهاء والأماثل ليحضُروا العَقْد، فخرجوا من بغداد فَضُرِبَتْ أعناقُهم، وصار كذلك: تخرجُ طائفةٌ بعد طائفة، فتضربُ أعناقُهم، حتى قُتِل جميعُ من هُناك من العُلماء والأمراءِ والحُجّاب والكبار، ثم مُدَّ الجسرُ، وبُذل السيف في بغداد، واستمر القتلُ فيها نحوَ أربعين يوماً، فبلغَ القتلى أكثر من ألف ألف نَسمة، ولم يسلَم إلا مَن اختفى في بئرٍ أو قناة، وقُتِل الخليفة رفساً، قال الذهبي (٣) : وما أظنه دُفن، وقُتل

стр. 395

معه جماعةٌ من أولادِه وأعمامِه، وأسر بعضُهم، وكانَت بليّةٌ لم يُصَبِ الإسلامُ بمثلها، ولم يتمَّ للوزير ما أراد، وذاق من التتار الذلَّ والهوان، ولم تطُل أيامُه بعد ذلك» . ثم قال (١) : «ولما فرغ هلاكو من قتل الخليفة وأهل بغداد وأقامَ على العراق نوّابَه، وكان ابنُ العلقميّ حسّن لهم أن يقيموا خليفةً علويّاً، فلم يوافقوه وطرحوه، وصار معهم في صورة بعض الغلمان، ومات كمداً -لا ﵀ ولا عفا عنه-» اهـ. ولخص علي بن موسى في خاتمة رسالته «في وصف المدينة» (٢) (ص ١٥٣-١٥٥) ما جرى في بغداد على وجهٍ أظهر فيه سبب قدوم التتار -عليهم لعائن الله إلى يوم القيامة، ولا رحم فيهم مغرز إبرة-، فقال عن (أهل بغداد) : «وقصتهم مع التتار عجيبة مهولة، ولم يتفق مثلُها من قَبْلُ ولا من بَعْدُ، وتلخيصها على ما ذكره المؤرخون؛ أن وزيرَ الخليفة المعتصم بالله مؤيدُ الدين -بل هو خاذل الدين- ابنُ العلقميّ الرافضيّ، كان بينه وبين أبي بكر ابن المسعتصم والدوادار عداوةٌ عظيمةٌ لأذيّتهما لإخوانه الرافضة ونهب مَحَلَّتهم المسماة بالكرخ؛ فإنه كان قد وقع في سنة خمس وخمسين وست مئة فتنةٌ بين أهل السنة والرافضة ببغداد فأدَّتْ إلى نَهبِ وقتلِ جماعة، وذلت الرافضةُ إخوانُه وأوذوا، فكاتب التتار وحرَّضَهم على أخذ بغداد لأجل ما جرى على الرافضة من النهب والخزي، وظن المخذول أن الأمر يتم له، وأن يقيم خليفة علويّاً، فأرسل أخاه ومملوكه إلى هلاكو -أخزاه الله- يسهل عليه أخذ بغداد،

стр. 396

وطلب أن يكون نائباً لهم عليها، فوعدوه بذلك، ثم ساروا ونزلوا على بغداد سنة ست وخمسين وست مئة، وفي كلام بعضهم أنه حلق رأس إنسان، وكتب الرسالة على رأسه بالوشم، وفي آخرها: إذا قرأتم الرقعة قطعوها. وتركه إلى أن ينبت شعره واستتر ذلك بالشعر بعث به إليهم، وقال له: مُرْهم يحلقوا رأسك ويقرأوا ما عليها، ففعلوا ذلك، ثم قتلوه امتثالاً لأمره، فلما نزلوا على بغداد أشار ابن العلقمي على المعتصم بالله أن يرسله إليهم في تقرير الصلح، فخرج الخبيث وتوثق لنفسه، ورجع فقال للمستعصم: إن الملك هلاكو قد رغب في أن يزوج بنته بابنك الأمير أبي بكر، وأن يكون الطاعة له كما كان أجدادك مع الملوك السلجوقية، ثم يرتحل عنك، فأجابه الخليفة إلى ذلك، وخرج إليك الخليفة في أعيان الدولة، ثم استدعى الوزير العلماء والرؤساء، ليحضروا لعقد ابن عمه، فخرجوا إليه، فضُربَتْ رقابُهم، وصار يبعث إلى طائفته فتضرب أعناقهم، حتى بقيت الرعية بلا راع، ثم أمر هلاكو بالمستعصم وولده أبي بكر، فرُفِسا حتى ماتا، ثم دخلت التتار بغداد وبذلوا السيف في أهلها، واستمر القتل والسبي نيفاً وثلاثين (١) يوماً، فقَلَّ من نجا، وعبارة ابن السبكي في «الطبقات الوسطى» : وقتل أمير المؤمنين وبعده سائر المسلمين، ورفع الصليب على جدران دور بني العباس، وسُمِع الناقوس من بيوت الخلفاء بني عم نبي الله محمد المصطفى ﷺ ، وانتُهِكَتِ المحارم، وخُربت الجوامع، وعُطلت المساجد وصارت بلاقع» . وقال النجم سعيد الذهلي في «مقدمة تاريخه» : إن عسكر بغداد كان قد خرج إليهم أولاً، فهربوا وتبعهم عسكر بغداد، وقتل البغداديون منهم خلقاً، وأبعدت لأُوبُهُم إلى بغداد، فلما تَعدَّوْا نهر نشيرين من دُجَيل فتح عسكر هلاكو من نهر نشير المذكور، فحال بين عسكر بغداد والرجوع إليها، وحكى

стр. 397

لي بعض الأعيان أن ابن العلقمي أنفذَ أحد أصحابه وفتح ذلك النهر على جيش المسلمين، والله أعلم، فدهمهم عسكرُ هلاكو ليس لهم منجى، فلم ينج منهم إلا من نجت به دابته من المياه والأوحال، وألقى عالَمٌ عظيمٌ أنفسَهم في دجلة طلباً للسلامة، فهلكوا لمّا نُقِلَ اللأمَةُ، وغلقت أبواب سور بغداد، ونصب عليه المجانيق (١) ، وصَعَد من تخلّفَ ببغدادَ مِنَ الرَّمْيِ، ويقولون: الحالُ ينصلحُ -إن شاء الله- فلا تظهروا (٢) حرباً، فبقي أياماً كذلك، ثم عاد إلى بغداد، وعسكرُ هلاكو يبالغون ويرمون المجانيق (١) ، حتى صعدوا على السور وتمكنوا من البلد، ثم ذكرَ خروجَ ابنِ العلقمي إليهم، ثم رجوعَه وخروجَ الخليفةِ وابنِه إليهم، ثم قَتْلَ الخليفةِ ووقوعَ السيفِ في بغدادَ، قال: وعمل السيفُ في بغداد مدّةَ شهرٍ وعشَرةِ أيام، ولم ينجُ إلا الطفيف من أهل بغداد، وإلا أهل الحلة والكوفة، فإن أكابرهم توصلوا إلى هلاكو في الطاعة والانقياد، وقضى الله سلامة أهل البصرة لعدم تمكُّنِ العسكر من العبور إليهم بطريق المد والجزر، ومَسحَ السيفُ من عداهُم من أهل الضياع وغيرهم سوى النصارى، وخلَتْ بغدادُ من أهلها، واستولى عليها الحريقُ فحرقت المحالُّ والأسواقُ، واحترقت دارُ الخليفة والجامعُ الكبير بها، حتى وصلت النار إلى خزائن الكتب الخاصة، وعمّ الحريقُ أكثر الأماكن حتى القصور البرانية؛ مثل الحلة وترب الرصافة مدفن ولاة الخلافة، وشوهد يختُ مدفن الإمام المستنصر بالله عظام الخلفاء ورؤوسهم وآثار الحريق وشوهد على بعض حيطانها مكتوب: إنْ تُرِد عبرةً فهذي بنو العباس دارت عليهم الدايرات استُبيحَ الحريمُ إذ قُتِل الأحيا ... ء منهم وأُحرِقَ الأموات

стр. 398

ولم يسلم من الحريق إلا ما سكَنَه عسكرُ هلاكو في الوقعة، وقد جافَتِ القتلى وامتزجت بالأوحال حتى لم يَبقَ للمارِّ في الأسواق موضعُ قدمٍ إلا على قتيل، ووجد في كثير من المواضع جثثُ القتلى كالتلول الكبار، وشاهد من سلم من الأهوال ما لا يُعبّرُ عنه، ثم عمّ الوباءُ وكثرةُ الموتِ والفَنا، وثار الذباب على الناس حتى غطى الجدران، ووصلت قوافل الحلّة بأنواعِ المأكول، وكانوا يتعرضون للكتب المجلدة النفيسة؛ كلّ مجلدٍ بفلس، فإن خزائن الوقوف نُهبَت، واحترقت الكتب، وأُلقيَتْ تحت أرجل الدواب، وشوهد بالمدرسة المستنصرية معالف للدواب مبنية بالكتب موضع اللبن، وكذا كان بباب سوق النظامية، قال: وبالجملة فلم يسمع في قديم الزمان بأعظم من هذه الحادثة، انتهى ملخصاً. ويقال: إن هلاكو أمر بعدِّ القتلى، فبلغوا ألف ألف وثمان مئة ألف وكسر، فعند ذلك نودي بالأمان، ثم هلك ابن العلقمي في السنة المذكورة قبل شهر رجب، وخيَّب الله أمله، وانعكست عليه آراؤه، وأكل يده ندماً، فإنه بعد تلك الرتبة الرفيعة ووزارة العراق منفرداً أربع عشرة سنة منفرداً، ولي وزارة التتار مشاركاً لغيره وانحطت رتبته، حتى كان يركب كديشاً فصاحت عليه امرأة: يا ابن العلقمي، هكذا كنت تركب في أيام أمير المؤمنين؟ وكان ذا حِقدٍ وغِلٍّ لأهل السنة، وكان المستعصمُ آخرَ الخلفاء العراقيين، وكانت دولتهم خمس مئة وأربعاً وعشرين سنة، وكان هذا الخليفةُ حليماً كريماً سليمَ الباطِن، لكنه كان لا يخرج عن رأي ابن العلقمي، فدبّر هذه المكيدة التي أهلكت المسلمين. وكانت بغداد في ذلك الزمان فسطاط الإسلام ومَحَطَّ رحالِ العلماء وأهل الصلاح، فهلك غالبهم، وبقي الوقت بلا خليفة ثلاث سنين، ومن أحسن ما أنشد في ذلك قول ابن التعاويذي: بادتْ وأهلُوها معاً فبُيوتُهم ... بِبَقاءِ مولانا الوزيرِ خرابُ

стр. 399

ولا يَسَعُ مختصرُنا هذا من الكلام على هذه القصة أكثرَ من هذه النبذة، والله -تعالى- أعلم بالصواب» . فلا ريبَ أن تلك المصائب العظمى التي أزالتِ الدولةَ العباسية، وقتلت من المسلمين ما يربو عن أربعين مليوناً، وخربت تلك البلاد الزاهية العامرة، هي الشر الكبير، والمصيبة العظمى، والويل للعرب والمسلمين. وقال ابن السبكي في «طبقات الشافعيةالكبرى» (١) مبيّناً ما أصاب المسلمين آنذاك، وأفاض في ذلك على النحو الذي ذكرناه، ثم قال: «وقيل: إن هولاكو أمر بعد ذلك بعدِّ القتلى، فكانوا ألفَ ألفٍ وثمان مئة، النصف من ذلك تسع مئة ألف، غير من لم يُعَدّ ومن غرق، ثم نودي بعد ذلك بالأمان، فخرج من كان مختبئاً، وقد مات الكثيرُ منهم تحت الأرض، بأنواع من البلايا، والذين خرجوا ذاقوا أنواع الهوان والذل، ثم حُفِرَتِ الدُّورُ، وأُخِذَتِ الدفائنُ والأموال التي لا تُعدُّ ولا تُحصَى، وكانوا يدخلون الدارَ فيجدون الخبيئةَ فيها، وصاحبُ الدار يحلفُ أنّ له السنين العديدة فيها ما علم أن بها خبيئةً، ثم طلبتِ النصارى أن يقعَ الجهرُ بشرب الخمر وأكل لحم الخنزير، وأن يَفعَل معهم المسلمون ذلك في شهر رمضان، فأُلزم المسلمون بالفطر في رمضان، وأكلِ الخنزير، وشربِ الخمر، ودخل هولاكو إلى دار الخليفة راكباً -لعنه الله-، واستمر على فرسه، إلى أن جاء إلى سُدَّة الخليفة، وهي التي تتضاءلُ عندها الأسودُ ويتناوله سَعْدُ السُّعودِ، كالمستهزئ بها، وانتهك الحُرَمَ من بيت الخليفة وغيرِه، وأعطى دار الخليفة لشخص من النصارى، وأُريقت الخمور في المساجد والجوامع، ومُنِع المسلمون من الإعلان بالأذان، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. هذه بغدادُ، لم تكن دارَ كُفرٍ قَطُّ، جرى عليها هذا الذي لم يقع منذ

стр. 400

قامت الدنيا مثلُه (١) ، وقُتل الخليفةُ، وإن كان وقع في الدنيا أعظمُ منه إلا أنه أضيف له هوانُ الدِّين والبلاءُ الذي لم يختص، بل عمّ سائر المسلمين، وهذا أمرٌ قدره الله -تعالى-، فثبّط له عزم هذا الخليفة، ليقضِيَ الله ما قدره» . ثم ذكر ما حصل للمسلمين في الشام، ومما قال: «وشمخت النصارى بدمشق، وصاروا يرفعون الصليب، ويمرون به في الأسواق، والخمر معهم يرشُّونه على المساجد والمصلين، ومن رأى الصليب ولا يقوم له عاقبوه» (٢) ! ثالثاً: تتابعت غزوات التتار الذين أسسوا لهم عدةَ ممالك في بلاد الهند وبلخ وبخارى وغزنة والعراق، وصار منهم عدة ملوك فيها، ثم كان منهم ذلك الطاغية الجبار (تيمرلنك بن أيتمش) الذي ولد سنة (٧٢٨هـ) بقرية تسمى (خواجا أبغار) من عمل (كش) إحدى مدائن (ما وراء النهر) ، وهي تبعد عن سمرقند يوماً واحداً، وأمه من ذرية (جنكيز خان) اللعين، وكان منه ما كان في طروقه لبلاد العراق وبلاد الدولة العثمانية، ثم البلاد السورية، وكان منه فيها ما كان، وذلك في سنة (٨٠٣هـ) ، ثم هلك في سنة (٨٠٧هـ) (٣) . رابعاً: الناظر في كتب التأريخ، ولا سيما في الغارات التي حصلت سنة (٨٠٣هـ) ، وقبل ذلك بقليل على بلاد المسلمين؛ يعلم علم اليقين أنها أخت الغارات التي تحدثنا عنها سابقاً، والتي كانت سنة (٦٥٦هـ) وسنة (٦٥٨هـ) ؛ لأنها أتمَّت تخريب هذه البلاد، وتقويض عمرانها، والقضاء على مدنيتها الزاهرة، والمدارس والعلوم التي كانت مشيّدة وزاخرة فيها. وهذا تفصيل للخطيب الجوهري علي بن داود الصيرفي في كتابه «نزهة

стр. 401

النفوس والأبدان في تواريخ الزمان» (١) قال تحت (فصل: فيما وقع من الحوادث في السنة الثالثة بعد الثمان مئة) مفصلاً ما وقع ببلاد المسلمين آنذاك من قبل (تيمورلنك) ، أسوقه على طوله، وهو لا يَقِلُّ عما أوردناه سابقاً من أمر (التتار) ، وفي عباراته تألمّ وتوجّع واستشهاد بأشعار، وبعرضه على ما سمعنا ورأينا في بعض ديار المسلمين، نقول: (التاريخ يعيد نفسه) ! ولا قوة إلاّ بالله، وإليه المشتكى. وهذا نص كلامه، مقتصراً على ما وقع بالمسلمين في اختلاف أمصارهم، قال: «وفي يوم الإثنين التاسع منه، حضر طغيتمر مقدم البريدية من الشام، وأخبر بأنّ تمرلنك قد أخذ سِيواسَ في آخِر السَّنةِ الماضِية، وأنّه قاصدٌ مملكة الشَّام، وكان تمرلنك قد جاء على سيواس من ناحية تبريز وأقامَ عليها وحاصَرها أشدَّ المحاصرة، وأذاقَ أهلها أشد العذاب، وفيها نائبٌ من جهة ابن عثمان يُسمَّى: أمير مصطفى، ومعه من العساكر ما يزيدُ على عشْرةِ آلاف نفر، ولم يُفد هؤلاء شيئاً، فآخر الأمر مُسِك نائبُها، واستَوْلى تمرلنك عليها، وقتل من أهلها ما ينوفُ على ثلاثة آلاف نفْس، وأخرب أسوارها، وحرقَ بقاعها، وأزالَ بهجَتها، وبدَّد جمعها، وفرَّق شملها، وأفسدَ عسْكَرُه فيها مفاسد عظيمةً، من نهبِ الأموالِ، وسفْكِ الدماء، وسبي الحريم، وأسر الأطفال، فأقاموا عليها نحوَ شهر أو فوقه وهم يفسدون، وفي أرجائها يعيثون. ثم رحلوا منها وجاءوا على لارندة والبلستين، وأفسدوا فيها فساداً لا يُعدُّ ولا يُحْصَى. ثم توجهوا إلى مَلْطية، ودخلوا فيها وأفسدوا فيها وعتَوْا عُتُوّاً كبيراً، بعد أن أقاموا عليها فوق عشرة أيام.

стр. 402

ثم رجعوا منها وتوجهوا إلى بهسنا، وهم يفسدون في كل موضع ينزلون فيه، وفي أطراف كل بقعة وأرجائها، وأثناء كلِّ طريق وأنحائها، بحيث لم يَسلمْ منهم مقيم من أهل الحضر، ولا مسافرٌ من أهل الخبَا والوبَر، إلى أن نزلوا على بهسنا وأطرافها وأذاقوا أهلها العذاب من أوضاعِها وأشرافِها، وأفسدوا فيها فساداً عظيماً، وبغَوْا على أهلها بغْياً جَسيماً. ثم رحلوا عنها بعد أن أقاموا عليها عشرين يوماً متوجهين إلى مدينة عينتاب، موصلين إلى أهل تلك البلاد من أنواع العذاب، فقدِمُوا عليها وأخرَبوا دُورها، وأحرقُوا أسواقها، وهدّوا أبراج قلعتها. ثم رحلوا منها -بعد أن أقاموا عليها أربعة أيام- متوجهين إلى حلب، طالبين لأهلها جميع الشرّ والنّصَب، وكل ذلك في أوائل السنة» . وقال في (٢/٧٤-٧٧) تحت عنوان (ذكرُ مجيء تمرلنك على حلب وأخذها) : «بتاريخ الحادي والعشرين من ربيع الأول، وصل بَريديٌّ من الشام إلى الأبواب الشريفة، وأخبر بأنَّ تمرلنك حضر إلى حلب، واحتاط بها يوم الخميس الحادي عشر من ربيع الأول، معه العساكر ما لا يحصيهم إلا الله من سائر الطوائف: من الخراسانية، والسَّمْرَقندية، والقحطانية، والمغل، والتراكمين، وغيرهم من المفسدين والكفار ما لا يَعرِفون اللهَ ... -تعالى- ولا رسوله، فنزلوا على حلبَ وأرجائِها، واشْتملُوا على أطرافها وأنحائها، بحيثُ صارَت بقعةُ حلبَ الشهباء مظلمةً كالليلة الدهماء، فَخرَجَتْ من العساكر المنصورة طائفةٌ بمثلها مقرونة، وتقاتلوا مع طلائعهم المفسدة، فتحاربوا وتشاجروا، وتخابطوا وتعابطوا، وتراموا بالحجارة والنبال، وتقابلت النساءُ والرجالُ، وارتفعت الأصواتُ كما يلبي العُمّار والحجيج، وجُرحَتْ ناسٌ كثيرون، وسُفكت دماءٌ غزيرة، فافترقوا على ذلك، وخواطِرُ المسلمين في همٍّ وغمٍّ من ذلك.

стр. 403

ولما كان يوم السبت الثالثَ عشَر من ربيع الأول، ركبَتْ عساكرُ تمرلنك وتكردسوا على المسلمين وركسوا، وصبرَ المسلمون على ذلك صبراً عظيماً، وابتُلُوا بلاءً مبيناً، ثم ضعُفَت قلوبُهم وبالهُم، وتشتّت شملهم وتلاشَت أحوالهُم، إلى أن ولَّوا مدبرين، وطلبوا أبواب المدينة هاربين، فتزاحموا على الدخول في الأبواب، حتى هلكَ خلقٌ كثيرٌ على الأعتاب، ووقع في المدينة الهرجُ والمرج، وارتفعتْ أصواتُهم بالنَّوح والضجّ، واجتمعت نساؤهم في الجامع الكبير، وتزاحم الكبير على الصغير؛ فكأنهم وقد نفخ فيهم الصور، وحُشروا إلى يوم النشور، فبينما هم في هذه الداهية الدهماء، وإذا هم بالتمرلنكية لحقوهم بالسيوف السود، وركبوا أقْفِيتهم إلى أنْ دخلوا مدينتهم، فتفرقوا في أزقَّتها وهم ينهبون، وشرعوا يقتلون ويأسرون، ويخربون ويحرقون، فأذاقوا أهل الشهباء من أنواع العذاب، من القتل والعصر والكي والعقاب، ولله درُّ من قال: على حلبَ الشهباء حلّتْ مصائب ... بأيدي تمرلنكَ ومغلَ وجقطاي مِنْ آل هلاوز وباطو وجنكز ... وإلغاز وقازان وبيد وطقطاي وطوسى وخربندا وننجى وكتبغا ... نويس وصمغار وقيدو وبولاي وروس ونكداد وبلطد وطلسبا ... وطولوا وسور وزيخى ونوغاي ولم يزالوا في أزقَّتها جاثمين، وفي دماء المسلمين عائمين، فقتلوا خَلقاً لا يُحصى عددُهُم من الصغار والكبار، غيرَ من ماتَ من الأطفال تحت سنَابك الخيول من الدوس والعثار، وغير من مات من النساء في أبواب الجوامع وسوق البلاط، ومن مات من شدة الرعب وكثرة الصياح والعياط. ثم اشتغلوا بنقْبِ القلعة وتخريبها، وصَرفِ المياه عنها وسيْبِها، وذلك بعد أن تحصّن بها أمراؤُها ونائبها، ونوابُ القلاع الشامية ممّن ذكَرناهم سالفاً، ونزل تمرلنك في السلطانية التي تجاه باب القلعة، ثم إنه أرسل للأمراء وغيرهم وغَشَّهُم، إلى أن اطمأنّوا إليه وأقبلوا عليه، فنزلوا واحداً بعد واحد،

стр. 404

فأخلعَ على بعضهم خِلَعاً ظاهُرها رضىً وصفا، وباطُنها مكرٌ وجورٌ وجَفا، فلما تمثلوا كلَّهم بين يديه، أقبل يخاطبُ كل واحد بما لَديه، ثم أشار بمسك الجميع، بعد التهديد والتقريع، وأخذ جميع ما في القلعة من الحواصِل والأموال من الذهب والفضة والقماش والسلاح والأثقال، ومسك أعيان الشهباء وقضاتِها وكبراءَها وولاتها، واستخلَص منهم أموالاً تعجز عن حصرها العقولُ والأفهام، ويَكِلُّ عن ضبطها الحِسابُ بالأقلام، وأقام عليها عشرين يوماً يسقيهم عذاباً أليماً، ويعاقِبُهم عقاباً عظيماً، فصارت الشهباءُ عبرةً للنّاظرين، وموعظةً للمتذكرين، فكأنها وقد صاح بها صائح فإذا أهلُها خامدون، ولسان حالها يقول: يا حسرة على العباد الذين كانوا بالأمس في أمن راغدين، فـ: ﴿إنّا للهِ وَإنَّا إليهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ٤٦] . فصار أغنياؤها فقراءَ يسألون، وتجارُها لابسين الأجلال، والأعدال يدورون، ومخدّراتُها عارياتٍ مأسورات، ثكْلى على أولادهن مكسورات، وجوامعُها ومساجدها عن الأذان والصلاة والخُطب خاليةً، ودورُها على أرضها خاويةً، ولسانُ حالها يقول: ﴿مَا أغْنى عَنّي مَاليه. هَلَكَ عَنّي سُلطانية﴾ [الحاقة: ٢٨-٢٩] . وقال في (٢/٨٢-٨٦) تحت عنوان: (ذكر دخول السلطان دمشق وخروجه منها وما جرى عليه وعلى عسكره وعلى المسلمين) ما نصه: «ولما كان بتاريخ يوم الخميس السادس من جمادى الأولى، دخل السلطان الملك الناصر وصحبته العساكر المنصورة المصريون إلى دمشق، واستقرّ ركابُه في القلعة، وكان تمرلنك قد أتى إلى تحت جبل الثلج. وفي يوم السبت جاءت من عند تمرلنك طائفة زهاءَ عشرة آلاف فارس، ومقدّمتهم رجلٌ يقال له السلطان حسين، فتقدم إليهم من عسكر السلطان جماعة، فتقابلوا وقتلوا منهم خلقاً، فولّوا منهزمين، ولم يتحرّك تمرلنك من منزِله ذلك مدة أيام، وكان كلَّ يوم يخرج من عسكره شِرذمة إليهم ويقرُبُون

стр. 405

منهم، ثم يرجعون، ثم أرسل تمرلنك إلى السلطان فطلب منه شخصاً يقال له أطلمش، وكان الملكُ الظاهرُ قد مَسَكه وحبَسَه، واستمرَّ محبوساً بقلعة الجبل من مدَّة سنينَ، وقال: «أرسلوا إليّ هذا وأنا أرحل!» ، وذلك مكرٌ وخديعةٌ وكذِب. ثم بعد أيام قلائل حضر للسلطان الملك الناصر حسينٌ المذكور طائعاً، وعلى رأسه تاج مرصع بالجوهر والفصوص، وهو شاب ذو صورة جميلة وقامة حسنة، فخلع عليه السلطان قباء بطرز زركش، وأنعمَ عليه بفرس بسرج ذهب وكنبوش زركش، وذكر عن تمرلنك أنه في التلاشي والهوان، ثم إنه تواخَى مع الأمير يشبك الدوادار، وقد قيل إنّ مجيئه كان بطريق النصيحة للمسلمين، والله أعلم بحقيقة ذلك. وكان المذكورُ عند تمرلنك من الأمراء الكبار ومعه حاشيته فوق ألف نفس، وكانوا كلُّهم ينتهزون الفرصة للهروب والمجيء عند السلطان لأجل مخدومهم حسين، وكان ما تهيّأ لهم ذلك بسبب هروب العسكر المصري. ثم بعد أيامٍ قلائل رحل تمرلنكَ من منزلته تلك وأخذ ناحية شُقحب من فوق جبل الكسوة، فلما رأت العساكرُ المصريةُ ذلك طمعوا فيهم وقالوا إنه يريدُ الهرب، فقام جماعةٌ من الأمراء وبرزوا إليهم حتى عدوا جسر الكسوة، وكان تمرلنك قد أكمن جماعة كثيرة وراء الجبل، ولم يظهر للمصريين منهم إلا أناسٌ قلائل، فهزت أنفسَهم أريحيَةُ الشجاعةِ، فحملوا عليهم، فعند ذلك ظهرت أناسٌ مثلُ قطع الليل المظلم، كردوساً بعد كردوس، وصفّاً بعد صف، إلى أن هجموا على المسلمين، فلما رأى المصريون ذلك شرَعوا في تولي الأدبار، ونوَوا الهروب والفرار، فرجعوا وهم يقاتلون مدافعةً عن أنفسهم، ولم يزالوا على ذلك إلى أن تفرقوا كلُّهم شغر بغَر، ودخلوا المدينة متفرقين، وقد أُخذَ منهم بعضُ ناسٍ من ورائهم ممن كان فرسُه ضعيفاً، وقُتِل من عسكر تمرلنك جماعة، ولم يزل عسكر تمرلنك في السوق وراءهم إلى أن وصلوا

стр. 406

قريباً من قبَّة يلبغا الخاصكي، فنزلوا تحت جبال الكسوة مد البصر، فلما أظلم الليل أوقدوا نيراناً عظيمة، بحيث أوقعوا في قلوب الناس رعباً عظيماً. فلما أصبحوا اصطفَّ الفريقان وتجهزوا للقتال، وكان ذلك يوم الخميس العشرين من جمادى الأولى، فقام تمرلنك وصفّف عسكره مدَّ البصر فوق سبعين صفّاً، واصطفت المصريون كذلك، وجعل الأمير نوروز الحافظي رأس الميمنة، ويشبك الدوادار رأس الميسرة، والسلطان واقف في القلب، فوقع بينهم بعضُ القتال من أطراف الطرفين، ولم يزالوا على ذلك إلى آخر النهار. ثم وقع بين المصريين هرْج عظيم؛ لما قيل: إن بعض الأمراء الخاصكية قد هربوا من دمشق طالبين الديار المصرية، وكثر الكلامُ والقيل والقال، حتى وقع في قلوب الناس رعبٌ عظيم وخوف جسيم. ولما كان نصف الليل -ليلة الجمعة الحادي والعشرين من جمادى الأولى- خرج السلطان وصحبته بعضُ المماليك، ويشبك الدوادار والأمير أقباي وقطلوبغا الكركي، فأخذوا طريق بعلبك، وساقوا من فوق جبل الثلج على طريق عكا، ولم يلتفتوا وراءهم، فعند ذلك وقع الجفل بين الأمراء المصريين، فلما تواترت الأخبار بذلك نهض كل منهم وساق، ولم يتخلف أحد من الأمراء الكبار والصغار إلا أربعةُ أنفس من العشرات؛ وهم: سودون البجاسي، وألطنبغا الحبشي، وآقبغا رأس نوبة، ومصطفى بن تكا. ثم حضروا بعد أيام كثيرة ما خلا مصطفى المذكور، فإنه لحق بتمرلنك، وتخلفت غالب المماليك السلطانية هناك متفرقين، ولم يجىءْ في صحبته غير مقدار خمس مئة نفس من مماليكه ومماليك الأمراء، والجميع تركوا الخيول والهجن والجمَال والأسلحةَ والأثقال والخيام والبغال وسائر الأصناف من الذهب والفضة والدروع وغير ذلك، حتى ذكِر أنّ جملة ما خلفوه من الخيول ما يقاربُ ثلاثين ألفَ رأس، ومن البغال ما يقارب عشرين ألف رأس، ومن الجمال ما يقارب خمسين ألف رأس، ومن الهجن ما يقارب عشرة آلاف

стр. 407

رأس، ثم إنهم قاسَوْا في الطريق من التعب والنصب والخوف والجوع والبرد ما لا يوصف، حتى ذكر أن منهم من أصبح صائماً ثلاثة أيام ولا يجد غير الماء، ومنهم من كان يأكلُ العشب والكلأ، ومنهم من مشى حافياً عارياً حتى تورمت قدماه، وغالبُهم قلعُوا دروعهم ورموها حتى أخذها العشير، وذكر أن منهم من حل سيفه ورمى به، ثم كلُّ من سمع من المماليك المتخلفة أن السلطان أخلى دمشق وطلب الديار المصرية ترك ثَقَله وخرج طالباً متوجهاً إليهم، فمنهم من أُسِر ومنهم من عُرِّي، وما عُرِّيَ أكثرهم إلا العشير من جبال صفد واللجون وقاقول وغير ذلك. واختلفت طرقُهم؛ فمنهم من جاء من عقبة دمر، ومنهم من جاء من عكّا، ومنهم من جاء من وادي التيم، ومنهم من ركب البحر المالح من طرابلس، ومنهم من ذهب إلى ناحية حلب، ومنهم من ذهب إلى ناحية السواحل، ومنهم الأمير آقبغا الجمالي والأمير دمرداش نائب حلب، وتفرقت العساكر شَغَر بَغَر. ولم يزل كلُّ يومٍ كان يدخل القاهرة جماعة من المماليك المسلحين بعد أخرى إلى أكثر من شهرين؛ فمنهم من جاء ماشياً وقد ورمت رجلاه، ومنهم من جاء راكباً على حمار، ومنهم من جاء على الجمال وعلى رؤوسهم الزموط الدنسة العتيقة، وعلى أكتافهم اللبابيد الدنسة المهرية، والبُسُط العُتُق، وكلٌّ من المذكُورين يذكر عن أفعال العشير أنها أنجس من أفعال تمرلنك في حق المسلمين، فإن عسكر تمرلنك -مع ما فعله قاتله الله- كانوا يشفقون على أسراهم بشيء من القُوت والكِسوة، بخلاف العَشير، ولا سيما في تلك الأيام الباردة، أيام الثلج والمطر والصقعة، مع الجوع والخوف الزائد» . وقال في (٢/٨٧-٩٤) تحت عنوان: (ذكر استيلاء تمرلنك على دمشق وما أفسده فيها لعنه الله) ما نصه: «لما أخْلت العساكرُ المصريَّة مدينة دمشق في التاريخ الذي ذكرناه،

стр. 408

استولى تمرلنك بعسكره عليها، ونزلوا في حواليها. وفي يوم الجمعة الحادي والعشرين صبيحة الليلة التي رحل فيها السلطان، نهض الشاميون وقاتلوا مع عسكر تمرلنك قتالاً عظيماً، فقُتل منهم ناسٌ كثير، فلما كان يوم الإثنين الرابع والعشرين من جمادى الآخرة ملَك تمرلنك دمشق وفتحوا الأبواب، وولى على كلِّ باب شِحْنَةً، ونادى بين الناس بالأمان والاطمئنان حتى سكن أهل المدينة، وكلُّ ذلك مكر منه وحيلة وخبث وخديعة، ثم شرَع في حصار القلعة، ونصب عليها مجانيق (١) من نواحيها، فنصبوا منجنيقاً في وسط جامع بني أمية وقفلوا أبواب الجامع، ولم يُصَلَّ فيه الجمعةُ بعد دخول تمرلنك الشام إلا مرة واحدة، ونصبوا منجنيقاً آخر في ناحية حكر السماق، وآخر في ناحية الصالحية، وآخر في ناحية العقَبة، وآخر من ناحية التربة، ورسم بالنُّقوب، وصرف ماء الخندق، فنقبوا إلى أن علقوا البرج الذي عليه الطارمة وهدّوه، وزحفوا زحفاً عظيماً، فقُتل من جماعة تمرلنك خلق كثير تحت الردم، ثم لم يزل أهل القلعة في رمي المكاحل والمدافعِ والحجارةِ والقتال ليلاً ونهاراً مدة شهر، ثم لما تعبوا وضجروا وخافوا على أنفسهم لعدم من يساعدهم سلموا، فتسلَّمها تمرلنك يوم الجمعة الحادي والعشرين من رجب، فولى فيها شِحْنةً من جهَته، ومسَك جميعَ مَن فيها ونائِبَهم معهم، وهو الأمير يزدار، وقيّدهم ولم يقتل أحداً منهم. ثم شرع في أخذ أموال الناس، فحوّل من القلعة أموالاً لا تُعدُّ ولا تحُصى ولا تحُصر، ما بين ذهب وفضة وقماش وسلاح وأثاث، وغير ذلك من أموال الشاميين والمصريين. ثم إنه باع دمشق لأهلها ثلاث مرات، في كل مرة بجملة مستكثرة من الذهب والفضة، ... » ، قال:

стр. 409

«ثم إنه رسم بهدِّ القلعة فهُدمَتْ وهدُّوا معها جامعَها، الذي تحيَّرت العقول في تكْوينه وكُنْهه وحُسنه، الذي لم يكن فيه عَيبٌ سوى أنه لم تَقَع العيونُ على نظيره، ولله درُّ مادِحه، فقد أجادَ في المقال: دمشقُ لها مَنْظرٌ فائق ... وكلٌّ إلى وصْلِهَا مائِقُ وكيفَ تُقَاسُ بها بلدةٌ ... أبى اللهُ والجامِع الفارقُ» ثم فصَّل في ذكر محاسنِ جامع دمشق، وما قيل فيه، وقال بعد ذلك: «فبينما المدينة بجامعها على هذه الصفة البهية، إذ وردت عليها الطغاة من التمرلنكية، فأزالوا بهجَتها بالهدّ والنيران، وغيّروا رسومها وآثارها من العمران، فصارت النيران كأنها قد نشرت في مدد الطعام ومعصفرات عصائبها، وصعدت إلى عنان السماء عذباتُ ذوائبها. ذوائبُ لجتْ في عُلُوٍّ كأنمَّا ... تُحاولُ ثأراً عنِد بعضِ الكَواكب وعلَتْ في الجوِّ كأنّها أعلامُ ملائكة النّصر، وكان الواقف في الميدان يراها وهي ترمي بشرَر كالقصر، فكَم زخر لذلك الدخان جاثيةٌ، وكم نفْسٌ كانت في النزعات وهي تتلو: ﴿هَلْ أتَاكَ حَدِيْثُ الغَاشِيَة﴾ [الغاشية: ١] ، ولم تزلِ النارُ تأكلُ ما يليها، وتُفْني ما يُشعِلُها ويقليها، إلى أن شملَت على دُورها ومدارسها، وعلَتْ على أسواقها ومجالسها، فكادت تكون كنار القيامة، وقودُها الناسُ والحِجارة، وأصبحَ بابُ الساعات وهو من آيات الساعة، وخلت مصاطب الشهود من السُّنَّةِ والجماعة، وأصبحَت الدْهشَة وقد آل أمرُها إلى الوَحْشَة، كأن لم يكن بها شهيد ولا شهود، من ثيابها وقماشها جبة وحرير، وأصبحت الميادين وقد صارت كالعِهن المنفوش، ومحُيَتْ بأيدي النار سطورُ كلِّ جامٍ منقوش، وأصبح أصحابها كالحمام ينوح على أقفاصها، وتودُّ اللآلىء أنها لم تخرج إليهم من مغائصها، فما منهم إلا ربُّ نعمة سُلبت، وأصبح بعد الجديد في خَلَق، وغنيّ أمسى فقيراً يكدى في الخلق، ولله در الشاعر الماهر:

стр. 410

حريقُ دمشقَ قَدْ بدا لعَيانِ ... ليُظهر لي عِنْدَ البيانِ معاني غدَتْ نارهُ في الجوِّ تعلُو وَتَرْتَقي ... كأنّ لها عندَ النُّجوم أمَاني ولو لمَ تكُنْ نارُ الأعَادِي لما غَدَتْ ... وخَبآتُها بادٍ لكلِّ بنَان ولا صبَغَتْ بالزعفران قميصَها ... سروراً بها ولا طارَتْ بكل لسان فيا لَسيوف المكفن كيف باد، وفتتت به الأكباد، وأين بأسُه الشديد، ومنافعه التي لا تبيد، وبالسيوف الخيم كيف ذهب، وعدم النصر على الكافرين فتَبَّتْ يدا أبي لهب، لقد تمسكت النارُ بأطْنابه وتجلّدَ بها، والنار تحت ثيابه وياما حصل لها ولأهلها، من ضرْبٍ بسِياط كَشَطَ غِلَظَ جِلدِهم، وأوْهى قُوى شجاعتهم وجلَدهم، كم فيه من أَسوَدِ اللحية فتَق جلدَه الشيبُ، وخُطّ على جنبه ما كان مخبوءاً له في الغيب، وكم من عالم في الذل بالهزء واليد، وكم من تاجر يقاد وهو في قيد، وكم من شاب يستَغيبُ وهو ينقلُ التراب، وكم من شيخ يصيح وهو في العِقَاب، وكم من صغير تحت سنابك الخيل طريحٌ، وكم من فقير من الجوع يصِيح، وكم من بِكر قد أزيلَت عذرَتُها، وكم من مخدَّرة قد هُتك سِترها، وكم من غنيّ كان يُطعم الناسَ ويعطيهم، فصار اليوم يسألُ الناسَ ويسْتَعطِيهم، وكم من عزيز وصاحبِ رفْعَة وشأنٍ، صار اليوم في قهرٍ وخذلان، فصار أهلُها ما بين كسير وطريح، وأسير وجريح، فصاروا كبني إسرائيل في القضايا، سُلِّطَ عليهم أنواعُ البلايا، قهرُ تمرلنك وأسرُه وخرابُ الدور والبقاع، ووقوعُ الحريق في الأصقاع، وسبْيُ الحريم والأطفال، واستِعباد النساء والرجال، والغلاءُ المفرِطُ الشامل، والبردُ والثلجُ والمطر النازل. ثم بعد ذلك كلِّه جرادٌ منتشر وموت ذريع، وخوف مستمر وضَنْكٌ منيع، آيات بينات فيها عبر وتنبيه، ولم تزل دمشقُ ترى أموراً عجاباً، ولسان حالها يقول: ﴿يا لَيْتَني كُنتُ تُرَاباً﴾ [النبأ: ٤٠] ، فَلَعِبَتْ فيها التمرلنكية يميناً وشمالاً، في أرضها: وهاداً وجِبالاً، ولم يزل خيلُهم ورَجِلُهم تركض من باب الشَّهباء،

стр. 411

إلى جسر الحديد، ومن جسر الحديد إلى جسر الشريعة الزهراء، إلى أن خرجوا في أوائل شعبان، بعد أن أخربوا العمران، وهدُّوا البنيان، فصارت أسوارُها كيماناً سوداً، ينعِق عليها غربانها جُرْداً. ولما رحلوا أخذوا معهم غالب النساء الجميلة والجواري والعبيد والطواشية والصناع الحذاق من كل طائفة، وذهب معهم قاضي القضاة محيي الدين محمود ابن القاضي نجم الدين الحنفي وأخوه بهاء الدين محمد الشهيران بابني الكشك. فلما قربوا من حلب جاء إليهم من كان تمرلنك خَلفَهُم فيها لحماية الأموال التي أخذوها، وهم ثلاثة آلاف نفس أو يزيدون، وذلك بعد أن أخربوا قلعة حلب، فأَرَمُوا أبراجها وأسوارها في الخندق. ثم اجتمعوا وعدَّوْا من جسر البيرة، ولم يتعرضوا لنائبها وهو الأمير ناصر الدين محمد بن شهرى يُعرَفُ بصرق سيدي، وذلك لإظهار الطاعة إليهم، فقرره على أنه نائب غزة. ثم ذهبوا وأخذوا طريق ماردين، فلما وصلوا إليها نازلوها واستنزلوا صاحبها وهو الملك الظاهر مجد الدين عيسى، وكان قد تحصن بقلعتها، فلم يسمع منهم ولا أصغى إليهم، فأقاموا مدة عشرين يوماً. ثم لما رحلوا، أمرهم تمرلنك بتخريب المدينة فأخربوها كلها وطمّوا آبارها، وقلعوا أشجارها، وجعلوا أعاليها أسافِلَها، ولقد أخبر من الثقات جماعةٌ أنّ تمرلنك لما وصل إلى حلب وقرر رجوعه، أرسل شرذمة وراء طائفة من التركمان يقال لهم ابن كُبْك -بكافين أولاهما مضمومة، بينهما باء موحدة ساكنة-، وكانوا نازلين عند عينتاب من ناحية الشمال فناجزوهم بالكبس، وأخذوا أموالَهم وحريمَهم وأغنامَهم وجِمالَهم، وخلّوهم على الأرض السوداء.

стр. 412

ثمّ لما رجعوا دخلوا عينتاب مرة أخرى، وأخذوا كل امرأة جميلة فيها، وما ظفروا به من الأموال والأطفال، بل أخذوا مثل الزبيب ومثل الدبس ومثل الأرز، ونهبوا الأسواق، ثم لحقوا بتمرلنك، فعند ذلك وصلت غرارة القمح في دمشق إلى ثلاثةِ آلافِ درهمٍ فِضّةً، والغرارة ثلاثة أردَابٍّ مصرية، ووصلت كلُّ عَليقَةٍ إلى نصف دينار أو عشرين درهماً. وأما أهل القرى فماتوا من الجوع والعري والبرد، وكانت التمرلنكية يأخذون لحوم الكلاب يطعمونها للجمال. ولقد خربت في هذه السنة على أيدي التمرلنكية من البلاد الشمالية: ملطية، وأبلستين، ودرنده، وزبطرا، وكختا، وكركر، وحصن منصور، وبهسنا، وقلعة الروم، وعينتاب، وتل باشر، وكلت، وأغزاز، وحلب الشهباء، والباب، والرها، ومعرة النعمان، وحماة، وبعلبك، وأعظمها دمشق التي لم يكن مثلها في البلاد من زمن إرم ذات العماد. وأما التي أخذ منها الأموال، ووقع فيها الشتات والنكال: صفد وصيدا وبيروت وخحمي وإلبيرة. وأما التي وقع فيها الحوادث وأُخلِيَ أهلُها منها: رواندان وتبريز وبيسة وحارم وسرمين وشيزر وكرك نوح وطرابلس، وكل ذلك بمقدور الله -تعالى- وصغر سن المقام الشريف، ورأي يشبك الدوادار ومن وافقه على ذلك، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم إذا أراد أمراً بلغه. فمن جملة ما قيل في وصف هذه السنة؛ أعني: سنة ثلاث وثمان مئة المشهورة بأمور الشواطية: سَنةٌ بها أبصَرْتُ ما لا أبْصَرَتْ ... عينٌ ولا سَمِعَتْ به أذنانِ مِنْ نهْبِ أموالٍ وسَفْكِ دِمَا، ومن ... تسليطِ شَيْطَانٍ على السُّلْطانِ وقال آخر:

стр. 413

لا يَشرَبُونَ سوى الدِّماءِ مَدامَةً ... أو ينشُقُونَ من الأسِنّة سَوسَنا وقال غيره: وخوّفني ذكْرُ الأسِير لوَصْفِهم ... فلمّا رأيْتُ القومَ زدْتُ تخَوّفا وقال آخر غيره: عساكرُ كظَلامِ الليل مُقْبلَةٌ ... فيها الأَسِنَّةُ مثلُ الشُّهب قد لمَعَتْ الخيلُ قَد صَهَلَتْ والسُّمْرُ قَدْ نهَلَتْ ... والهامُ قَدْ سَجَدت والبيضُ قد رَكَعَتْ فتذكْرتُ قولَ من قال، فضمَمْتُه إلى هذا المقال: بذا قَضَت الأيام ما بين أهلِهَا ... مصائبُ قومٍ عنْد قومٍ فوائدُ ووجدتُ بيتين لبعض الشعراء أنشَدَهُما كبيرٌ من كبراء حلب عندما طافت الشوطية ببلده، ثم فرَّ خارجاً منها، وكان مُتَرْجماً بالشجاعة والبسالة، لما عوتب على الهروب وهما في هذا المصراع الذي سيذكر؛ أعني: معناهما: «أعاير بذلك ولا أقتلا» . فأما الرملة فإن العشير أخربوها، وأفسدوا فيها وأخذوا أموالها، وزادوا في الطغيان أكثر من التمرلنكية، نعوذ بالله من ذلك» . خامساً: حمل بعض شراح الحديث ما حصل من التتار على أنهم هم يأجوج ومأجوج ! قال الكرماني في شرحه لـ «صحيح البخاري» المسمى «الكواكب الدراري» (١) عند شرحه حديثَ زينبَ بنتِ جحش، قالت: «استيقظ النبي ﷺ من النوم محمرّاً وجهُه، يقول: لا إله إلا الله، ويل للعرب من شرٍّ قد اقترب، فتح اليوم من رَدْم يأجوج ومأجوج مثل هذه» (٢) .

стр. 414

وعقد سفيان (١) (أحد رواة الحديث) تسعين أو مئة، قال -رحمه الله تعالى-: «وقد وقع بعضُ ما أخبر به ﷺ ؛ حيث يقال: إن يأجوج هم الترك، وقد أهلكوا الخليفة المستعصم، وجرى ما جرى ببغداد» . وقبل هذا العينيُّ مرةً، وردّه أخرى، قال في في «عمدة القاري» (٢) : «وإنما خصّ العرب؛ لاحتمال، أنه أراد ما وقع من قتل عثمان بينهم، وقيل: يحتمل أنه أراد ما وقع من الترك من المفاسد العظيمة في بلاد المسلمين من نسل يأجوج ومأجوج» انتهى. ثم نقل ما ذكره هنا عن الكرماني في كلامه السابق وتعقبه، فقال في موطن آخر من «العمدة» (٣) ما نصه: «قال الكرماني: يقال: إن يأجوج ومأجوج هم التُّرك، وجرى ما جرى ببغدادَ منهم! قلت: هذا القول غير صحيح؛ لأن الترك ما لهم ردم، والردم بيننا وبين يأجوج ومأجوج، وهما من بني آدم من أولاد يافثَ بنِ نوح ﵇، والذي جرى ببغداد كان من (هلاكو) من أولاد (جنكيز خان) فإنه هو الذي قتل الخليفة المستعصم بالله العباسي، وأخرب بغداد في سنة ست وخمسين وست مئة» اهـ. ووافق الكرمانيَّ شيخُ شيوخِنا محمد راغب الطباخ في كتابه «ذو القرنين وسد الصين» (٤) وخطّأ العيني، قال:

стр. 415

«فقول العيني: «هذا القول غير صحيح» ، هو غير صحيح، وهُوَ قَدْ ناقضَ نفسَه حيثُ قال في شرحه للحديث الأول -كما تقدم-: «إن الترك هم من نسل يأجوج ومأجوج، والجميعُ عنصرٌ واحد، وهم من أولاد يافث بن نوح» ، فيكون ما قاله الكرماني من أنّ يأجوجَ ومأجوجَ هم الترك، وقد جرى ما جرى ببغداد منهم هو الصَّواب والصحيح» . قال أبو عبيدة: اضطربت الأقوال في (يأجوج ومأجوج) ، واختلفت أقوال العصريين فيهم على حدّ لا يمكن أن يكون مقبولاً، وقد ذكرتُ ذلك كله، مع تعقب ما ذهب إليه العلامة الطباخ ﵀ في تعليقي على كتابه «ذو القرنين وسد الصين.. من هو.. وأين هو» (١) ، وأطلْتُ النفس جدّاً في ذلك، ولا معنى لإيراد ذلك هنا، إلا هذا التنويه والتنبيه، والله الموفق للخيرات، والهادي إلىالصالحات. سادساً: لا يفهم من خلال ما سبق أنّ مقاتَلةَ الأعداء المذكورين في الأحاديث النبوية بصفات معيّنة هي محصورة فيهم، وأنهم هم فقط الذين أخبر النبي ﷺ عنهم، فعلى شهرة ما وقع ببلاد المسلمين من التتار والمغول، وحمل العلماء الأحاديثَ عليهم؛ إلا أنّ في بعضها ما يُشعِر بأن الأمر سيتكرر، وفق سنة الله الكونية. فقد ورد في حديث بريدة السابق (٢) أنهم يسوقون المسلمين ثلاث مرات، وفيه: «أما السائقة الأولى فينجو من هرب منهم، وأما الثانية فيهلك بعض وينجو بعض، وأما الثالثة فيصطلمون كلهم من بقي منهم» . ولا ندري هل تمت السياقات الثلاث أم لا؟! قال أبو العباس القرطبي

стр. 416

-﵀ في «التذكرة» (١) عند حديث بريدة: «والحديث يدل على خروجهم وقتالهم المسلمين وقتلهم، وقد وقع ذلك على نحو ما أخبر ﷺ ، فخرج منهم في هذا الوقت أنهم لا يحميهم إلا الله، ولا يردهم عن المسلمين إلا الله حتى كأنهم يأجوج ومأجوج أو مقدمتهم» ، وقال -أيضاً-: «قال الحافظ السيد ابن دحية ﵁: يخرج في جمادى الأولى سنة سبع عشرة وست مئة جيشٌ من الترك يقال له الططر، عظُمَ في قتله الخطب والخطر، وقضى له من قتل النفوس المؤمنة الوطر، ولم تهتد إلى دفعه بالحيل الفطر، يقتلون من وراء النهر وما دونه من جميع البلاد بلاد خراسان، ومحو رسوم ملك بنى ساسان، وهذا الجيش ممن يكفر بالرحمن، ويُرى أنّ الخالقَ المصورَ هما النيران، وملكهم يعرف بخان خاقان، وخربوا بيوت مدينة نشاور وأطلقوا فيها النيران، وخار عنهم من أهل خوارزم كل إنسان، ولم يبق منهم إلا من اختبأ في المغارات والكهفان؛ حتى وصلوا إليها وقتلوا وسبوا وخربوا البنيان، وأطلقوا الماء في المدينة من نهر جيحان، فغرق فيها مباني الذرا والأركان، ثم صيروا المشهد الرضوي بطوس أرضاً بعد أن كان، وقطعوا ما أمر الله به أن يوصل من الدين بأخسر الأديان، إلى أن وصلوا بلاد قهستان، فخربوا مدينة الري وقزوين وأبهر وزنجبان، ومدينة أردبيل ومدينة مراغة كرسي بلاد أذربيجان، واستأصلوا شأفة من في هذه البلاد من العلماء والأعيان، واستباحوا قتل النساء وذبح الولدان، ثم وصلوا إلى العراق الثاني وأعظم مدنه مدينة أصبهان، ودور سورها أربعون ألف ذراع في غاية الارتفاع والإتقان، وأهلها مشتغلون بعلم الحديث فحفظهم الله بهذا الشأن، وكَفَّ كَفَّ الكفر عنهم بإيمان الإيمان، وأنزل عليهم مواد

стр. 417

التأييد والإحسان، فتلقوهم بصدور هي في الحقيقة صدور الشجعان، وحققوا الخبر بأنها بلد الفرسان، واجتمع فيها مئة ألف ألف إنسان، وخرجوا إليهم كأُسْد ولكن غاباتها عوامل الخرصان، وقد لبسوا البياض كالثغور الأقحوان، وعليهم دروع فضفاضة في صفاء الغدران، وهُيِّئت للمجاهدين درجاتُ الجنان، وأُعِدت للكافرين دركاتُ النيران، وبرز إلى الططر القتلُ في مضاجعهم، وساقهم القدر المحتوم إلى مصارعهم، فمروا عن أصبهان مروق السهم من الرِّمَى وأنشدوا: إلى الوادي فطمّ على القرى ففروا منهم فرار الشيطان يوم بدر له حصاص، ورأوا أنهم إن وقفوا لم يكن لهم من الهلاك محاص، وواصلوا السير بالسرى وهدوا من همدان الوهاد والذرى بعد أن قامت الحرب على ساق والأرواح في مساق، من ذبح مثله وضرب الأعناق، وصعدوا جبل أورند فقتلوا من فيه من جموع صلحاء المسلمين، وخربوا ما فيه من الجنات والبساتين، وانتهكوا منهم ومن نسائهم حرمات الدين، وكانت استطالتهم على مقدار ثلثي بلاد المشرق الأعلى، وقتلوا فيها من الخلائق ما لا يحصى، وقتلوا في العراق الثاني عدة تقرب أن يستقصى، وربطوا خيولهم في سواري المساجد والجوامع، كما جاء في الحديث المنذر لخروجهم الشارع الجامع، وأوغلوا في بلاد المشرق أي إيغال، ونادوا الجيوش إليها مقادة أبي رغال» في كلام له إلى أن قال: «وقطعوا السبل وأخافوها وجاسوا خلال الديار، وطافوها وملأوا قلوب المؤمنين رعباً وسحبوا ذيل الغلبة على تلك البلاد سحباً، وحكموا سيوفهم في رقاب أهلها، وأطلقوا يد التخريب في وعرها وسهلها، ولا شك أنهم هم المنذر بهم في الحديث، وأن لهم ثلاث خرجات يصطلمون (١) في الآخرة منها.

стр. 418

قال المؤلف -أي: القرطبي-﵀: فقد كملت -بحمد الله- خرجاتهم، ولم يبق إلا قتلهم وقتالهم، فخرجوا على العراق الأول والثاني كما ذكرنا، وخرجوا في هذا الوقت على العراق الثالث بغداد وما اتصل بها من البلاد، وقتلوا جميع من كان فيها من الملوك والعلماء والفضلاء والعباد، وحصروا ميَّافارقين واستباحوا جميع من فيها من الملوك والمسلمين، وعبروا الفرات إلى أن وصلوا إلى مدينة حلب فخربوها وقتلوا من فيها إلى أن تركوها خالية يباباً، ثم أوغلوا إلى أن ملكوا جميع الشام، في مدة يسيرة من الأيام، وفلقوا بسيوفهم الرؤوس والهام، ودخل رعبهم الديار المصرية، ولم يبق إلا اللحوق بالدار الأخروية، فخرج إليهم من مصر الملك المظفر الملقب بقطز ﵁ بجميع من معه من العسكر، وقد بلغت الحناجر القلوب والأنفس، بعزيمة صادقة ونية خالصة، إلى أن التقى بعين جالوت، فكان له عليهم من النصر والظفر كما كان لطالوت، فقُتِل منهم جَمعٌ كثير وعدد غزير، وانجلوا عن الشام من ساعتهم، ورجع جميعه كما كان إلى الإسلام وعبروا الفرات منهزمين، ورأوا ما لم يشاهدوه منذ زمان ولا حين، وراحوا خائبين خاسرين، مدحورين أذلاء صاغرين» . قال أبو عبيدة: حمل بعضُ العلماءِ الأحاديثَ على خروجهم الأول، ووصولهم بلاد قهستان، وخرابهم قزوين. ففي «الصحيحين» عن أبي هريرة، قال: صحبتُ رسول الله ﷺ ثلاث سنين، لم أكن في سنة أحرص على أن أعيَ الحديث مني فيهنّ، سمعته يقول -وقال هكذا بيديه-: «بين يدي الساعة تقاتلون قوماً نعالهم الشعر، وهو هذا البارِز. وقال سفيان (١) مرة: وهم أهل البازر» (٢) .

стр. 419

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 420

قال القزويني في كتابه «التدوين في أخبار قزوين» (١) : «قوله: «لم أكن في شيء أحرص» ، وفي بعض النسخ: «لم أكن في سني» ، وهما صحيحان. وقوله: «وقال هكذا بيده» ؛ يعني: أشار، يقال: قال بيده، وقال بعينه، كأن السبب في التعبير عن الإشارة بالقول أن الإشارةَ تُفهِمُ المقصودَ إفهام اللفظ. وقوله: «نعالهم الشعر» ؛ أي: نعالهم من ضفائر الشعر، أو من جلود غير مدبوغة بقيت عليها الشعور، وذكر أنه يحتمل أنه أشار به إلى وفور شعورهم، وانتهاء طولها إلى أن يطأوها بأقدامهم أو أن يقرب من الأرض. قوله: وهو هذا البارز، ذكر الحافظ أبو إسحاق الحموي المغربي

стр. 421

المعروف بابن قُرْقُول (١) : أن الراء في اللفظ مقدمة على الزاي، مفتوحة باتفاق الرواة، وأن بعضهم قال أنهم الديلم والبارز بلدهم، وحكى اختلافاً في اللفظ المحكية عن سفيان ثانياً، فذكر أن بعض الرواة نقلها بتقديم الراء -أيضاً-، لكن بكسرها. قيل: على هذا أن المعنى هؤلاء البارزون لقتال الإسلام الظاهرون في البراز من الأرض، وأن بعضهم نقلها البازر بتقديم الزاي وفتحها، وأشعر ما ساقه بأن التفسير على هذا كتفسير البارز، وقضية ما ذكر أن البارز أو البازر بلد الديلم أن يكون ذلك اسماً لقزوين؛ لما اشتهر أنها بلد الديلم ومدينتهم» . قال: «واعلم أن إيراد جماعة من العلماء يشعر بحمل الحديث على الترك، على ما ورد في بعض روايات الحديث الصحيح، أن النبي ﵌ قال: تقاتلون بين يدي الساعة قوماً نعالهم الشعر، كأن وجوههم المجان المطرقة، حمر الوجوه، صغار الأعين، وهذا نعت الترك، وقد أفصح به بعض الروايات (٢) ، فقال: «لا تقوم الساعة حتى تقاتل المسلمون الترك قوماً وجوههم كالمجان المطرقة، ويلبسون الشعر، ويمشون في الشعر» . لكن في كثير من الروايات المدونة في الصحاح ما يدل على مقاتل قوم وراء الترك، كما روي أنه ﵌ قال: «لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قوماً كأن وجوههم المجان المطرقة» (٣) . وعلى هذا فيتّجه (٤)

стр. 422

تفسير الأولين بالديلم والآخرين بالترك، ووصف الترك في الرواية السابقة بأن نعالهم الشعر لا يمنع من اختلاف الفريقين، أما إذا حملناه على أن نعالهم من الشعور أو من جلود بقيت عليها الشعور؛ فلأنهم في الأصل بعيداً من التّنعّم والترفُّه، فالترك سكان البوادي، والديلم سكان الشعاب والغياض، وأما إذا حملناه على كثرة الشعور وطولها؛ فلأنهم جميعاً مشغوفون بها، أما ... الديلم فيعتنون بتوفيرها منشورة، وأما الترك فيعتنون بتطويلها مضفورة» انتهى كلامه. فصل في قتال الأكراد (١) وأهل فارس يحتمل أن يكون المراد بالأحاديث المتقدمة قريباً غير ما حصل سابقاً، إذ حملها بعضهم على أقوام غير الترك وأهل الديلم، بل وقع التصريح بذلك عند أبي نعيم الأصبهاني (٢) في «مستخرجه» من طريق سفيان، وقال في آخره: «قال أبو هريرة: وهم هذا البارز؛ يعني: الأكراد» . وقال ابن حجر (٣) : «وقيل: هي أرض فارس؛ لأن منهم من يجعل الفاء موحدة (٤) ، والزاي سيناً» .

стр. 423

وقال قبله ابن الأثير (١) : «ويعني بأهل البارز أهل فارس، كذا هو بلغتهم، وهكذا جاء في لفظ الحديث، كأنه أبدل السين زاياً (٢) ، فيكون من باب (الباء والراء) لا من باب (الباء والزاي) ، والله أعلم» . قلت: مع أنه ساق ذلك تحت (بزر) -بتقديم الزاي على الراء- تبعاً لأبي موسى المديني في كتابه «المجموع المغيث» (٣) ، فإنه قال ما نصه: «قيل: بازر: ناحية قريبة من كرمان، بها جبال، وفي بعض الروايات: هم الأكراد، فإن كان من هذا، فكأنه أراد أهل البارز، أو يكونوا سمُّوا باسم بلادهم» . قال الكرماني في «الكواكب الدراري» (٤) : «قيل: المراد بالبارز: أرض فارس، وقيل: أهل البارز هم الأكراد الذين يسكنون في البارز؛ أي: الصحراء، ويحتمل أن يراد به الجبل؛ لأنه بارز عن وجه الأرض، وقيل: هم الديالمة» . ونقله عنه العيني في «عمدة القاري» (٥) وأقره. وقال القسطلاني في «إرشاد الساري» (٦) :

стр. 424

«قيل: هم أهل فارس، أو الأكراد الذين يسكنون في البارز؛ أي: الصحراء، أو الديالمة» . قلت: لا يبعد عندي أن يكون المعنيّون أهل فارس والأكراد معاً، على وفق ما حصل ووقع من قريب، ولا سيما أن لفظ الحديث: «بين يدي الساعة تقاتلون قوماً نعالهم الشعر» . فظاهره أن مقاتلة هؤلاء تبدأ من المخاطبين، وهم العرب، ويشهد له ما أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما من حديث أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا خُوزاً وكرمان من الأعاجم» (١) . و (خُوز) (٢) -بضم الخاء المعجمة، وبالزاي-، قال الكرماني: «هو بلاد الأهواز وتستر» (٣) . قال: « (كرمان) -بفتح الكاف وكسرها-، وهو المستعمل عند أهلها بين خراسان وبحر الهند، وبين عراق العجم وسجستان» (٤) . قال العيني: «والمعنى: لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا أهل (خوز) وأهل (كرمان) ، قوله: «من الأعاجم» (٥) ؛ يعني: هؤلاء الصنفين من الأعاجم» .

стр. 425

ثم قال: «قيل: فيه إشكال؛ لأن هؤلاء ليسوا من الترك، ورُدَّ بأنه لا إشكال فيه؛ لأن هذا الحديث غير حديث قتال الترك» (١) . وقال القسطلاني: «ويحتمل أن يكون هذا الحديث غير حديث قتال الترك» (٢) . وهذا المعنى يلتقي مع ما ورد في قتال (أهل البارز) ، وهم -كما قدمنا- أهل فارس والأكراد. ويؤكد ذلك؛ أن ابن حبان في «صحيحه» بوب عليه (ذكر الإخبار عن قتال المسلمين العجم من أهل خُوز وكرمان) (٣) ، ثم بوب على الأحاديث المتقدمة في ذكر (الترك) (٤) بعده مباشرة (ذكر الإخبار عن قتال المسلمين أعداء الله الترك) (٥) ، ومن دقته تبويبه بعد بابين من ذلك: (باب الإخبار عن وصف الموضع الذي يكون ابتداء قتال المسلمين إياهم فيه) (٦) . وساقه بإسناد صحيح عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قوماً صغار الأعين، كأنّ أعينهم حَدَقُ الجراد، عراض الوجوه، كأن وجوههم المَجَان المُطْرقة، يجيئون حتى يربطوا خيولهم بالنخل» (٧) .
следующие страницы →