← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 3346

العراق في أحاديث وآثار الفتن

مشهور آل سلمان

Полный текст (775 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

المعروف بابن قُرْقُول (١) : أن الراء في اللفظ مقدمة على الزاي، مفتوحة باتفاق الرواة، وأن بعضهم قال أنهم الديلم والبارز بلدهم، وحكى اختلافاً في اللفظ المحكية عن سفيان ثانياً، فذكر أن بعض الرواة نقلها بتقديم الراء -أيضاً-، لكن بكسرها. قيل: على هذا أن المعنى هؤلاء البارزون لقتال الإسلام الظاهرون في البراز من الأرض، وأن بعضهم نقلها البازر بتقديم الزاي وفتحها، وأشعر ما ساقه بأن التفسير على هذا كتفسير البارز، وقضية ما ذكر أن البارز أو البازر بلد الديلم أن يكون ذلك اسماً لقزوين؛ لما اشتهر أنها بلد الديلم ومدينتهم» . قال: «واعلم أن إيراد جماعة من العلماء يشعر بحمل الحديث على الترك، على ما ورد في بعض روايات الحديث الصحيح، أن النبي ﵌ قال: تقاتلون بين يدي الساعة قوماً نعالهم الشعر، كأن وجوههم المجان المطرقة، حمر الوجوه، صغار الأعين، وهذا نعت الترك، وقد أفصح به بعض الروايات (٢) ، فقال: «لا تقوم الساعة حتى تقاتل المسلمون الترك قوماً وجوههم كالمجان المطرقة، ويلبسون الشعر، ويمشون في الشعر» . لكن في كثير من الروايات المدونة في الصحاح ما يدل على مقاتل قوم وراء الترك، كما روي أنه ﵌ قال: «لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قوماً كأن وجوههم المجان المطرقة» (٣) . وعلى هذا فيتّجه (٤)

стр. 422

تفسير الأولين بالديلم والآخرين بالترك، ووصف الترك في الرواية السابقة بأن نعالهم الشعر لا يمنع من اختلاف الفريقين، أما إذا حملناه على أن نعالهم من الشعور أو من جلود بقيت عليها الشعور؛ فلأنهم في الأصل بعيداً من التّنعّم والترفُّه، فالترك سكان البوادي، والديلم سكان الشعاب والغياض، وأما إذا حملناه على كثرة الشعور وطولها؛ فلأنهم جميعاً مشغوفون بها، أما ... الديلم فيعتنون بتوفيرها منشورة، وأما الترك فيعتنون بتطويلها مضفورة» انتهى كلامه. فصل في قتال الأكراد (١) وأهل فارس يحتمل أن يكون المراد بالأحاديث المتقدمة قريباً غير ما حصل سابقاً، إذ حملها بعضهم على أقوام غير الترك وأهل الديلم، بل وقع التصريح بذلك عند أبي نعيم الأصبهاني (٢) في «مستخرجه» من طريق سفيان، وقال في آخره: «قال أبو هريرة: وهم هذا البارز؛ يعني: الأكراد» . وقال ابن حجر (٣) : «وقيل: هي أرض فارس؛ لأن منهم من يجعل الفاء موحدة (٤) ، والزاي سيناً» .

стр. 423

وقال قبله ابن الأثير (١) : «ويعني بأهل البارز أهل فارس، كذا هو بلغتهم، وهكذا جاء في لفظ الحديث، كأنه أبدل السين زاياً (٢) ، فيكون من باب (الباء والراء) لا من باب (الباء والزاي) ، والله أعلم» . قلت: مع أنه ساق ذلك تحت (بزر) -بتقديم الزاي على الراء- تبعاً لأبي موسى المديني في كتابه «المجموع المغيث» (٣) ، فإنه قال ما نصه: «قيل: بازر: ناحية قريبة من كرمان، بها جبال، وفي بعض الروايات: هم الأكراد، فإن كان من هذا، فكأنه أراد أهل البارز، أو يكونوا سمُّوا باسم بلادهم» . قال الكرماني في «الكواكب الدراري» (٤) : «قيل: المراد بالبارز: أرض فارس، وقيل: أهل البارز هم الأكراد الذين يسكنون في البارز؛ أي: الصحراء، ويحتمل أن يراد به الجبل؛ لأنه بارز عن وجه الأرض، وقيل: هم الديالمة» . ونقله عنه العيني في «عمدة القاري» (٥) وأقره. وقال القسطلاني في «إرشاد الساري» (٦) :

стр. 424

«قيل: هم أهل فارس، أو الأكراد الذين يسكنون في البارز؛ أي: الصحراء، أو الديالمة» . قلت: لا يبعد عندي أن يكون المعنيّون أهل فارس والأكراد معاً، على وفق ما حصل ووقع من قريب، ولا سيما أن لفظ الحديث: «بين يدي الساعة تقاتلون قوماً نعالهم الشعر» . فظاهره أن مقاتلة هؤلاء تبدأ من المخاطبين، وهم العرب، ويشهد له ما أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما من حديث أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا خُوزاً وكرمان من الأعاجم» (١) . و (خُوز) (٢) -بضم الخاء المعجمة، وبالزاي-، قال الكرماني: «هو بلاد الأهواز وتستر» (٣) . قال: « (كرمان) -بفتح الكاف وكسرها-، وهو المستعمل عند أهلها بين خراسان وبحر الهند، وبين عراق العجم وسجستان» (٤) . قال العيني: «والمعنى: لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا أهل (خوز) وأهل (كرمان) ، قوله: «من الأعاجم» (٥) ؛ يعني: هؤلاء الصنفين من الأعاجم» .

стр. 425

ثم قال: «قيل: فيه إشكال؛ لأن هؤلاء ليسوا من الترك، ورُدَّ بأنه لا إشكال فيه؛ لأن هذا الحديث غير حديث قتال الترك» (١) . وقال القسطلاني: «ويحتمل أن يكون هذا الحديث غير حديث قتال الترك» (٢) . وهذا المعنى يلتقي مع ما ورد في قتال (أهل البارز) ، وهم -كما قدمنا- أهل فارس والأكراد. ويؤكد ذلك؛ أن ابن حبان في «صحيحه» بوب عليه (ذكر الإخبار عن قتال المسلمين العجم من أهل خُوز وكرمان) (٣) ، ثم بوب على الأحاديث المتقدمة في ذكر (الترك) (٤) بعده مباشرة (ذكر الإخبار عن قتال المسلمين أعداء الله الترك) (٥) ، ومن دقته تبويبه بعد بابين من ذلك: (باب الإخبار عن وصف الموضع الذي يكون ابتداء قتال المسلمين إياهم فيه) (٦) . وساقه بإسناد صحيح عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قوماً صغار الأعين، كأنّ أعينهم حَدَقُ الجراد، عراض الوجوه، كأن وجوههم المَجَان المُطْرقة، يجيئون حتى يربطوا خيولهم بالنخل» (٧) .

стр. 426

وهذا يوافق الآثار التي قدمناها عن غير واحد من الصحابة. ويؤكدّه: أن البخاري قال في «صحيحه» على إثره بعد روايته من طريق يحي: ثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن همام، عن أبي هريرة ... وساقه، قال: «تابعه غيره عن عبد الرزاق» . قال ابن حجر في «الفتح» (٦/٦٠٨) : «وقد أخرجه الإمامان أحمد وإسحاق في «مسنديهما» عن عبد الرزاق، وجعله أحمد حديثين» . والشاهد: قوله: «جعله حديثين» ، وهو عند أحمد (١) (٢/٣١٩) وإسحاق (١/٤٣١ رقم ٤٩٩) في «مسنديهما» ، وعزاه لهما ابن حجر في «تغليق التعليق» (٤/٥٥) و «هدي الساري» (ص ١٧٨) ، وأخرجه عبد الرزاق في «المصنف» (١١/٣٧٤-٣٧٥ رقم ٢٠٧٨٢) ومن طريقه: ابن حبان (٦٧٤٣) ، وأبو أحمد العسكري في «تصحيفات المحدثين» (١/١٤١) ، والبيهقي (٩/١٧٦) وفي «الدلائل» (٦/٣٣٦) ، والبغوي في «شرح السنة» (٤٢٤٤) ، ولؤلؤ في «جزئه» (رقم ٧) . و (خُوز) : هو إقليم (خوزستان) الآن، غربي إيران، «وتسمية هذا الإقليم بخوزستان قد بطلت، وصارت هذه الولاية التابعة لبلاد فارس تسمى (عربستان) ؛ أي: إقليم العرب» (٢) ، وفيه (نهر كارون) (٣) .

стр. 427

وأما (كِرمان) فهو إقليم في الجنوب الشرقي من إيران -أيضاً- (١) ، «بين خراسان وبحر الهند» (٢) . قال ابن العراقي بعد كلامه المسهب على (خوز) و (كرمان) وصفات هؤلاء القوم المذكورة في الحديث، قال: «هذه معجزة ظاهرة لرسول الله ﷺ ، فقد وجد قتال هؤلاء الترك بجميع صفاتهم التي ذكرها ﷺ : صغار الأعين، حمر الوجوه، ذلف الأنوف، عراض الوجوه، كأن وجوههم المجان المطرقة، ينتعلون الشعر، فوجدوا بهذه الصفات كلها، وقاتلهم المسلمون مرات، فإلى الله عاقبة الأمور» (٣) . قلت: هم غير (الترك) ، كما قدمناه بدلائله، ونحن أحق من ابن حجر بقوله (٤) : «وقد ظهر مصداق هذا الخبر» ، وعجلة الزمان لا تقف، والقصور في زماننا في تتبع وفهم أحاديث أشراط الساعة لائح، وهو من بابة هجران العلم، فشأنه كشأن بحث (النوازل) في الفقه، وكشأن (التجويد) في تحقيق (تراثنا) التليد، وغيره من ضروب وألوان العلم المفيد. والذي يلاحظ بقوّة: أن أشراط الساعة لا تقبل القياس، وهي أخبار لا مجال لإعمال الرأي فيها، والعجلة في إنزالها في غير محالها، أو التكهن بها قبل وقتها يخرجها عن ظاهرها، ولا داعي لذلك كله.

стр. 428

بقي بعد ذلك إشكال يذكره الشراح، وهذه عبارة الكرماني (١) في صياغته وجوابه: «فإن قلت: أهل هذين الإقليمين، ليسوا على هذه الصفة. قلت: إما أن بعضهم كانوا بهذه الأوصاف في ذلك الوقت أو سيصيرون كذلك فيما بعد، وإما أنهم بالنسبة إلى العرب كالتوابع للترك، وقيل: إنّ بلادَهم فيها موضعٌ اسمُه كِرمان، وقيل: ذلك لأنهم متوجهون من هاتين الجهتين. [قال] الطيبي: لعل المراد بهما صنفان من الترك؛ كان أحد أصول أحدهما من خوز، وأحد أصول الآخر من كرمان» (٢) . ويعجبني كلام للعيني فيه رد على من دمج بين ما ذكرناه من فتنة التتر والمغول وقتال الفرس والكرد، وفرق بينهما في معرض حديثه عن (التتر) ، قال -رحمه الله تعالى-: «كان أول خروج هذا الجنس متغلباً في جمادى الأولى سنة سبع عشرة وست مئة، فعاثوا في البلاد، وأظهروا في الأرض الفساد، وخربوا جميع المدائن حتى بغداد، وربطوا خيولهم إلى سواري الجوامع، كما في الحديث، وعبروا الفرات، وملكوا أرض الشام في مدة يسيرة، وعزموا على دخولهم إلى مصر، فخرج إليهم ملكها قطز المظفر، فالتقوا بين جالوت، فكان له عليهم من النصر والظفر كما كان لطالوت، فانجلوا عن الشام منهزمين، ورأوا ما لم يشاهدوه منذ زمان ولا حين، وراحوا خاسرين أذلاء صاغرين، والحمد لله رب العالمين. ثم إنهم في سنة ثمان وتسعين ملك عليهم رجل يسمى غازان، زعم أنه من أهل الإيمان، ملك جملة من بلاد الشام، وعاث جيشه فيها عيث عباد

стр. 429

الأصنام، فخرج إليهم الملك الناصر محمد فكسرهم كسراً ليس معه انجبار، وتفلل جيش التتار وذهب معظمهم إلى النار وبئس القرار. انتهى كلام صاحب «التلويح» . قلت: هذا الذي ذكره ليس على الأصل والوجه؛ لأن هؤلاء الذين ذكرهم ليسوا من خوز ولا من كرمان، وإنما هؤلاء من أولاد جنكز خان، وكان ابتداء ملكه في سنة تسع وتسعين وخمس مئة، ولم يزل في الترقي إلى أن صار يركب في نحو ثمان مئة مقاتل، وأفسد في البلاد، وكان قد استولى على سمرقند وبخارى وخوارزم الذي كرسيها تبريز والري وهمدان، ولم يكن هو دخل بغداد، إنما خرب بغداد وقتل الخليفة هلاون بن طلوخان بن خرخان المذكور، وقتل الخليفة المستعصم بالله وقتل من أهله وقرابته خلق كثير وشعر بنصب الخلافة بعده وكان قتله في سنة ست وخمسين وست مئة، ثم بعد ذلك توجه هلاون إلى حلب في سنة سبع وخمسين وست مئة، ودخلها في أوائل سنة ثمان وخمسين وست مئة، وبقي السيف مبذولاً ودم الإسلام ممطولاً سبعة أيام ولياليها، وقتلوا من أهلها خلقاً لا يحصون، وسبوا من النساء والذراري زهاء مئة ألف، ثم رحل هلاون من حلب ونزل على حمص، وأرسل أكبر نوابه كتيعانو مع اثني عشر طومان، كل طومان عشرة آلاف إلى مصر ليأخذها، وكان صاحب مصر حينئذٍ الملك المظفر، فتجهز وخرج ومعه مقدار اثني عشر ألف نفس مقاتلين في سبيل الله، فتلاقوا على عين جالوت، فنصره الله -تعالى- على التتار، وهزمهم بعون الله ونصرته يوم الجمعة الخامس والعشرين من شهر رمضان من سنة ثمان وخمسين وست مئة، وقتل كتيعانو في المعركة، وقتل غالب من معه، والذين هربوا قتلهم العرب في البراري والمفاوز. وقال صاحب «التوضيح» تابعاً لصاحب «التلويح» : إنه في سنة ثمان مئة وتسعين، ويسمى غازان إلى آخر ما ذكرناه عن قريب. قلت: هذا -أيضاً- كلام فيه خباط، وهذا غازان -بالغين والزاي المعجمتين- يسمى -أيضاً- قازان ... -بالقاف موضع الغين-، واسمه: محمود، تولى مملكة جنكزخان في العراقين

стр. 430

وما والاهما بعد بيدوش طرغاي بن هلاون، وكان قتل لسوء سيرته، وقازان بن أرغون بن أبغا بن هلاون مات في سنة ثلاث وسبع مئة، والملك الناصر محمد بن قلاو لم يجتمع بقازان، ولا حصلت بينهما الملاقاة، ولا وقع بينهما حرب، نعم خرج الملك الناصر لأجل حركة قازان في سنة سبع مئة لأجل حركة التتار، وحصل القتال بينه وبين قطلوشاه من أكبر أمراء قازان، فنصر الله -تعالى- الناصر، وانهزم التتار، وعاد عسكر المسلمين منصوراً» . وقال ابن كثير بعد أن أورد أحاديث قتال الترك وأحاديث مقاتلة أهل فارس والأكراد: «والمقصود؛ أن الترك قاتلهم الصحابة فهزموهم، وغنموهم، وسبوا نساءهم وأبناءهم. وظاهر هذا الحديث يقتضي أن هذا يكون من أشراط الساعة، لا يكون إلا بين يديها قريباً، فقد يكون هذا واقعاً مدة عظيمة بين المسلمين وبين الترك، حتى يكون آخر ذلك خروج يأجوج ومأجوج، كما سيأتي ذكر أمرهم، وإن كان أشراط الساعة أعم من أن يكون بين يديها قريباً منها، أو يكون مما يقع في الجملة، حتى ولو تقدم قبلها بدهر طويل؛ إلا أنه مما وقع بعد زمن النبي ﷺ ، وهذا هو الذي يظهر بعد تأمل الأحاديث الواردة في هذا الباب» (١) . فصل حصار العراق الاقتصادي (٢) مضى معنا حديث أبي هريرة: «منعت العراق درهمها وقفيزها، ومنعت

стр. 431

الشام مُدْيها ودينارها، ومنعت مصر إردبَّها ودينارها، وعدتم من حيث بدأتم، وعدتم من حيث بدأتم، وعدتم من حيث بدأتم» (١) شهد على ذلك لحم أبي هريرة ودمُه. وكذلك حديث أبي نضرة، قال: كنا عند جابر بن عبد الله، فقال: يوشك أهل العراق أن لا يُجبى إليهم قفيز ولا درهم. قلنا: من أين ذاك؟ قال: من قبل العجم؛ يمنعون ذلك. ثم قال: يوشك أهل الشام أن لا يجبى إليهم دينار ولا مدي. قلنا: من أين ذاك؟ قال: من قبل الروم. ثم سكت هنيّة. ثم قال: قال رسول الله ﷺ : «يكون في آخر أمتي خليفة يحثي المال حثياً، لا يعدُّه عدّاً» (٢) . وسبق معنى (المنع) واختلاف (الشراح) فيه، وهل وقع أم لا؟! مع قولهم: إن معنى (منع) : ستمنع، كما قدمناه عن غير واحد منهم. ويعجبني صنيع ابن كثير إذ وضع هذا الحديث وغيره تحت عنوان (ذكر أنواع من الفتن وقعت وستكثر وتتفاقم في آخر الزمان) (٣) . وإنْ حمل بعض العلماء هذا الحديث على حوادث مضت، فإنّ وقوعه هذه الأيام على وجهٍ أظهر وأشد لقرائن وأمارات كثيرة؛ منها: أولاً: تبويبات بعض العلماء ؛ مثل: ما صنعه ابن عساكر، بوّب عليه (باب ذكر بعض ما ورد من الملاحم والفتن مما له تعلّق بدمشق في غابر الزمان) (٤) ، وما صنعه أبو عمرو الداني، بوّب عليه (باب ما جاء في خروج الروم) (٥) .

стр. 432

ثانياً: قال الداودي عند إيراده هذا الحديث: «يريد أن ذلك يكون في آخر الزمان» (١) وقد حمله جمع على أمر قد تمّ؛ منهم: ابن حزم، قال بعد كلام: «إنه -أي: هذا الحديث- إنذار منه ﵇ بسوء العاقبة في آخر الأمر، وأنّ المسلمين سيمنعون حقوقهم في هذه البلاد، ويعودون كما بدأوا، وهذا -أيضاً- حق قد ظهر، وإنا لله وإنا إليه راجعون» (٢) . وذكر ذلك بناءً على معنىً ذكره في مكان سابق لهذا الكلام، قال: «وإنما قصد ﵇ في هذا الحديث الإنذار بجلاء أيدي المفتتحين لهذه البلاد من أخذ طعامها ودراهمها ودنانيرها فقط، وقد ظهر ما أنذر به ﵇» (٣) . فكأنه أراد أن معنى (المنع) : «سيرجعون من الطاعة، ويأبون مَنْ إذا ما وُظِّفَ عليهم في أحدِ الأمر، وذلك أنهم يرتدون عن الإسلام، وعن أداء الجزية، ولم يكن ذلك في زمانه، ولكن أخبر أنهم سيفعلون ذلك» (٤) . وفي هذا المعنى نظر، قدمنا المؤاخذات عليه فيما مضى (٥) . وممن ذهب إلى هذا الرأي (٦) من الأقدمين -قبل ابن حزم-: الخطابي،

стр. 433

قال -رحمه الله تعالى-: «ومعنى الحديث، أنّ ذلك كائن، وأن هذه البلاد تفتح للمسلمين، ويوضع عليها الخراج شيئاً مقدراً بالمكاييل والأوزان، وأنه سيمنع في آخر الزمان، وخرج الأمر في ذلك على ما قاله النبي ﷺ » . وارتضاه ابن الجوزي (١) وصاحب «عون المعبود» (٢) والبُجُمْعَوِي (٣) ، وزاد عليه: «قلت: فارتفع في زماننا، فهو من معجزات النبوة» . وسبق قول النووي (٤) -وارتضاه صاحب «عون المعبود» (٥) -: «هذا قد وجد في زماننا في العراق» . وقال السيوطي شارحاً للحديث: «هذا قد وجد في زماننا، وهو الآن موجود لما غلبت عليه التتار» (٦) . بينما ذهب صديق حسن خان إلى أن ذلك وقع في زمانه، قال -رحمه الله تعالى- بعد كلام النووي على الحديث -وسبق إيرادنا إياه-: «قلت: وقد وجد ذلك كله، في هذا الزمان الحاضر، في العراق والشام ومصر، واستولى الروم -يعني: النصارى- على أكثر البلاد، في هذه المئة الثالثة عشر، ولهم الاستيلاء على سائرها كل يوم، ولله الأمر من قبل ومن بعد» (٧) .

стр. 434

وعلق عليه شيخنا الألباني -رحمه الله تعالى- بقوله: «قلت: وقد انسحبوا -والحمد لله- من البلاد المذكورة، فاستقلت سورية والعراق ومصر، ولكن الكفار قد خلفوا في هذه البلاد من ثقافاتهم وقوانينهم وعاداتهم، ما لا تزال البلاد تشكو من شرورها وويلاتها، كما لو كانوا لا يزالون فيها، أو شر من ذلك، فقد دبت الفرقة والخلافات الحزبية بين سكانها، وتعددت الانقلابات العسكرية فيها، والله يعلم متى يعود الهدوء إليها، ولا سبيل إلى ذلك إلا بالرجوع إلى الشرع: الكتاب والسنة» (١) . وقد ذهب ﵀ في «السلسلة الصحيحة» (٢) إلى تقوية المراد بـ (المنع) ما قاله النووي: «معناه: أن الكفار الذين عليهم الجزية تقوى شوكتهم في آخر الزمان، فيمتنعون مما كانوا يؤدّونه من الجزية والخراج وغير ذلك» (٣) ، قال بعده مباشرة: «قلت: وهذا المعنى هو الظاهر المتبادر من لفظ «المنع» ؛ بخلاف المعنى الأول، فهو عنه بعيد جدّاً؛ لأن من أسلم وسقطت عنه الجزية لا يصح أن يقال فيه: امتنع من أداء ما عليه؛ كما هو ظاهر بين. ولقد كان الداعي إلى تخريج هذا الحديث؛ وبيان أن الموقوف منه في حكم المرفوع، وبيان معناه؛ أن بعض الناس اليوم ظنوا أن لهذا الحديث علاقة

стр. 435

بالفتنة العمياء التي حلت على المسلمين بسبب اجتياح الجيش العراقي لدولة الكويت، وما فرض على العراق من الحصار البري والبحري والجوي؛ لمنع وصول المُؤَن والأرزاق إليها من البلاد المسالمة لها! فكثر السؤال عن هذا الحديث بهذه المناسبة، وهل له علاقة أو ارتباط بهذا الحصار للعراق؟ فأجبت بالنفي، وبينت لهم معناه بنحو ما تقدم نقله عن الإمام النووي ﵀. كتبت هذا نهار الأربعاء: ١ صفر سنة ١٤١١هـ. كفى الله المسلمين شر الفتن، ما ظهر منها وما بطن» . بينما تردد بعض المعاصرين (١) في ذلك، فقال: «مسألة: في قول جابر ﵁: «يوشك أهل العراق ألا يجبى إليهم قفيز ولا درهم..» وهذا نور النبوة، ولا يُدرى هل وقع هذا الحصار لأهل العراق، ثم لأهل الشام؟ وهل يكون ما وقع من الحصار أيام الحروب الصليبية والتتار؟ أم لا يزال في علم الغيب، ويكون هذا الحصار أيام الملاحم قبل نزول عيسى ﵇ والله -تعالى- أعلم» . وجزم آخرون بأنه الحصار الذي ضرب على العراق منذ سنتين، قال صاحب كتاب «عمر أمة الإسلام» (٢) في (الفصل الثاني: أهم علامات الساعة الصغرى) (٣) :

стр. 436

«تُحاصر العراق ويمنع عنها الطعام والمساعدات. ثم تحاصر الشام (سوريا - لبنان - الأردن - فلسطين) كذلك فيمنع عنها الطعام والمساعدات، وهاتان العلامتان السابقتان من أعجب ما أخبر به النبي ﷺ أنه سيكون في آخر الزمان، فقد وقع هذا قريباً جدّاً، حوصرت العراق، ثم حوصرت فلسطين، وتحقق قول نبينا المعصوم ﷺ الذي ما ينطق عن الهوى إذ قال ﷺ : «يوشك أهل العراق أن لا يُجبى إليهم قفيز ولا درهم. قلنا: من أين ذاك؟ قال: من قِبَل العجم؛ يمنعون ذلك. ثم قال: يوشك أهلُ الشام أن لا يُجبى إليهم دينارٌ ولا مُدْي. قلنا: من أين ذلك؟ قال: من قِبَل الروم ... » » (١) . ثالثاً: المتمعن في الكلام السابق يجد أن القائلين بأن الأمر قد ظهر تتفاوت أزمانهم ، فأولهم الخطابي، وهو من وفيات سنة ٣٨٨هـ، ثم ابن حزم، وهو من وفيات سنة ٤٥٦هـ، مروراً بالنووي، وهو من وفيات سنة ٦٧٦هـ، ثم السيوطي، وهو من وفيات سنة ٩١١هـ، ثم البُجُمْعَوي (٢) ، وهو من وفيات سنة ١٣٠٦هـ، ومثله صديق حسن خان، وهو من وفيات سنة ١٣٠٧هـ، فهؤلاء على تفاوت سنيّ وفياتهم، كل منهم يقول: إن هذا المنع حصل في زمانه،

стр. 437

وهذا يؤكد مقولة ابن كثير: «وقعت وستكثر وتتفاقم في آخر الزمان» (١) . رابعاً: في الحديث ما يشير إلى هذا التكرار ، وأنّ وقوعه عند اشتداد غربة الإسلام (٢) في سائر الدّيار، عدا مدينة المختار -صلى الله عليه وعلى آله ومن سار على دربه ما تعاقب الليل والنهار-. وسبقت (٣) رواية مسلم، أن جابراً بعد أن ذكر «يوشك أهل العراق أن لا يجبى إليهم ... يوشك أهل الشام أن لا يجبى إليهم ... » رفع إلى النبي ﷺ حديث: «يكون في آخر أمتي خليفة يحثي المال حثياً، ولا يعدُّه عدّاً» . وكذا صنع في رواية البيهقي في «الدلائل» وغيره، وزاد قوله على إثره: «والذي نفسي بيده، ليعودن الأمر كما بدأ، ليعودن كل إيمان إلى المدينة، كما بدأ منها، حتى يكون كل إيمان بالمدينة» . ثم أسند إلى النبي ﷺ : «لا يخرج رجل من المدينة رغبةً عنها؛ إلا أبدلها الله خيراً منه، وليسمعن ناس برخص من أسعار ورزق يتبعونه، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون» . وإسناده صحيح (٤) . ويستفاد من هذا: إن منع خيرات العراق والشام يسبق المهدي، فالخليفة الذي يحثي المال حثياً، ولا يعده عدّاً هو المهدي، وترجم عليه أبو عمرو الداني في كتابه «الفتن» (٥/١٠٢٩، ١٠٥٣) (باب ما جاء في المهدي) ، وعلى هذا جمهور مَن ألّف في أشراط الساعة؛ مثل: القرطبي في «التذكرة» ، فوضعه في (باب: في الخليفة الكائن في آخر الزمان المسمى بالمهدي،

стр. 438

وعلامة خروجه) (١) ، وممن تحمّس لهذا: صديق حسن خان، قال: «وهذا الحثو الذي يفعله هذا الخليفة، يكون لكثرة الأموال والغنائم، والفتوحات، مع سخاء نفسه. قاله النووي (٢) ، ولم يزد على ذلك، ولم يبين المراد من هذا الخليفة، من هو؟ وهل مضى، أو يكون؟ «قال (٣) : قلت لأبي نضرة، وأبي العلاء: أتريان أنه عمر بن عبد العزيز؟» الخليفة الأموي، الذي كان خير الناس في زمنه، ويقال له: (عمر الثاني) (٤) ، لعدله وتقواه. «فقالا: لا» (٥) ، وإنما أنكرا ذلك؛ لأن الحديث يدل على أن هذا الخليفة يكون في آخر أمته ﷺ ، ولم يكن زمن (ابن عبد العزيز) آخر مدة هذه الأمة، لأحاديث أخرى وردت في بقائها، إلى مدة طويلة، وأمد بعيد. وفي رواية أخرى، بلفظ: «يكون في أمتي خليفة، يحثُو المال في الناس حثْياً» أخرجه الدارقطني. قال الشوكاني ﵀: رجاله رجال الصحيح. انتهى.

стр. 439

وهذا محمول على حديث الباب، والظاهر أن المراد بهذا الخليفة؛ هو: (المهدي) (١) الفاطمي، الموعود المنتظر، لتظاهر الأدلة على ذلك، وقد ذكرنا جملة الأحاديث الواردة فيه ﵇، في (اليقظة) ؛ فراجعْهُ» (٢) . قال أبو عبيدة: يدل عليه رواية داود بن أبي هند، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد وجابر، وذكراه مرفوعاً مختصراً بلفظ: «يكون في آخر الزمان خليفة، يقسم المال ولا يعده» . أخرجه مسلم (٢٩١٣، ٢٩١٤) بعد (٦٩) ، وأبو يعلى (١٢١٦) ، وأحمد (٣/٣٣٣) ، والحاكم (٤/٤٥٤) . وأخرجه أحمد (٣/٩٨) عن مجالد، عن أبي الوَدَّاك، عن أبي سعيد، قال: قلت: والله ما يأتي علينا أمير إلا هو شرٌّ من الماضي، ولا عام إلا وهو شرٌّ من الماضي. قال: لولا شيء سمعته من رسول الله ﷺ لقلت مثل ما تقول، ولكن سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن من أمرائكم أميراً يحثي المال حثياً، ولا يعدُّه عدّاً، يأتيه الرجل يسأَلُهُ، فيقول: خُذْ، فيبسُطُ الرجلُ ثوبَه فيحثي فيه -وبسط رسول الله ﷺ

стр. 440

ملحفةً غليظة، كانت عليه؛ يحكي صنيعَ الرجل-، ثم جمع إليه أكنافَها، فيأخذه، ثم ينطلق» . ومجالد -وهو: ابن سعيد- ليس بالقوي، وبقية رجاله ثقات. وفي رواية أخرى عنده (٣/٣٧) من طريق المعلى بن زياد: ثنا العلاء ابن بشير، عن أبي الصِّدِّيق النّاجي، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ : «أبشِّرُكُم بالمهدي، يُبعثُ في أمتي على اختلافٍ من الناس وزلازلَ، فيملأُ الأرض قسطاً وعدلاً؛ كما مُلئت جَوراً وظُلماً، يَرضَى عنه ساكنُ السَّماء وساكن الأرض، يَقسِمُ المالَ صَحَاحاً» . فقال له رجل: ما صَحَاحاً؟ قال: «بالسَّوية بين الناس» . قال: «ويملأ الله قلوبَ أمة محمد ﷺ غنىً، ويسعُهُم عَدْلَه، حتى يأمرَ منادياً فينادي، فيقول: مَنْ له في مال حاجة؟ فما يقومُ من الناس إلا رجل، فيقول: ائت السَّدّان (يعني: الخازن) ، فقل له: إنّ المهدي يأمرك أن تعطيني مالاً، فيقول له: احثُ! حتى إذا جعله في حِجْره وأبرزه نَدِمَ، فيقول: كنت أجْشَعَ أمةِ محمد نَفْساً، أَوَعَجَزَ عني ما وَسِعَهُم؟! قال: فيرُدُّه فلا يُقبلُ منه، فيُقال له: إنا لا نأخذ شيئاً أعطيناه. فيكون كذلك سبعَ سنين، أو ثمان سنين، أو تِسْعَ سنين، ثم لا خير في العيش بعده، أو قال: ثم لا خير في الحياة بعده» . قلت: ورجاله ثقات رجال مسلم؛ غير العلاء بن بشير -وهو المزني-، وهو مجهول؛ كما في «التقريب» ، لم يرو عنه غير المعلى بن زياد القردوسي، لم يوثقه غير ابن حبان، لكن قد توبع على بعضه عند الحاكم (٤/٥٥٨) . ورواه عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري مرفوعاً بلفظ: «يخرج عند انقطاعٍ من الزمان، وظهورٍ من الفتن رجلٌ يقال له: (السَّفّاح) ، فيكون إعطاؤه المال حثياً» .

стр. 441

أخرجه أحمد (٣/٨٠) ، وإسناده ضعيف؛ لضعف عطية (١) ، وبقية رجاله ثقات. وأخرجه ابن أبي شيبة (١٥/١٩٦) ، وأبو يعلى (١١٠٥) ، وأبو نعيم في «ذكر أخبار أصبهان» (٢/١٣٦) من طرق عن عطية، دون لفظ (السفاح) ! ولفظ ابن أبي شيبة: «يخرج رجل من أهل بيتي عند انقطاع من الزمن، وظهور من الفتن، يكون عطاؤه حثياً» . ولفظ أبي يعلى: «يكون في آخر الزمان على تظاهر العمر، وانقطاع من الزمان، إمام يكون أعطى الناس، يجيئه الرجل فيحثوا له في حجره، يهمّه من يقبل عنه صدقة ذلك المال ما بينه وبين أهله؛ لما يصيب الناس من الخير» . والشاهد أن قول جابر: «ليعودن الأمر كما بدأ، ليعودن كل إيمان إلى المدينة، كما بدأ منها» بعد ذكر منع خيرات (العراق) و (الشام) يدل على أنه سيكون على وجه ظاهر آخر الزمان، ويبدأ بالعراق، ثم ينتقل إلى الشام، ثم إلى مصر (٢) ، ويكون ذلك عند غربة الإسلام، وطمع الكفار فيهم، وأن الفتن آنذاك تعم البلاد جميعها، ويبقى الإيمان والدين الظاهر في مدينة النبي ﷺ ، وهذا معنى قول أبي هريرة بعد رفعه إلى النبي ﷺ : «منعت العراق درهمها وقفيزها، منعت الشام مُدْيها ودينارها، منعت مصر إِرْدبَّها ودينارها» (٣) ، قال: «وعدتم من حيث بدأتم» ، وأكده بأمرين: الأول: تكرار هذه المقولة ثلاثاً.

стр. 442

والآخر: قوله عقب التكرار: «شهد على ذلك لحم أبي هريرة ودمه» . معناه: صدّق بهذا الحديث، وشهد بصدقه كل جزء في أبي هريرة، وهذا يستلزم بأن هذا الحديث حق في نفسه، ولا بد من وقوعه (١) . و «هذا توثيق منه ﵁ في أن الحديث سمعه من رسول الله ﷺ بلا شك، ولا شبهة طارئة عليه» (٢) . ومن الجدير بالذكر أن هذا الحديث ليس في ألفاظه إلا «منعت العراق ... » ، ولا يستفاد بأبي دلالة من الدلالات المعتبرة منه وقوع (الحصار) ، وإن كان الواقع من جهة، والعقل السليم من جهة أخرى يستلزم من (منع) العراق خيراتها لأهلها، أن يكون ذلك من خلال قوة ضاغطة عليها، تحول دون ذلك، وقد يبتدئ ذلك بـ (الحصار) ، وينتهي بـ (الاحتلال) ، ويساعد على الثاني: ما أخرجه ابن النجار (٣) -كما في «كنز العمال» (١١/٢٣٢ رقم ٣١٣٤٨) - عن حذيفة، قال: قال رسول الله ﷺ : «كأنكم براكبٍ قد أتاكم، فنزل، فقال: الأرض أرضُنا، والمصر مصرُنا، والفيء فيئنا، وإنما أنتم عبيدُنا، فحال بين الأرامل واليتامى وما أفاء الله عليهم» . وفي هذا الحديث ذكر لـ (مصر) ، وقد جاءهم (الراكب) -على فرض

стр. 443

صحة الحديث-، وسيعود لما دللنا عليه من أن منع الخيرات سيسبق المهدي، وظفرتُ بكلام للإمام ابن القيم في «أحكام أهل الذمة» (١) فيه بيان وقوع الحديث على وجهٍ جليٍّ جدّاً، وهذا نص كلامه بحروفه: «وكذلك في أيام الآمر بأمر الله امتدت أيدي النصارى، وبسطوا أيديهم بالجناية، وتفننوا في أذى المسلمين وإيصال المضرة إليهم، واستعمل منهم كاتب يعرف «بالراهب» ولقب بالأب القديس، الروحاني النفيس، أبي الآباء وسيد الرؤساء، مقدم دين النصرانية، وسيد البتركية، صفيّ الرب ومختاره، ثالث عشر الحواريين، فصادر اللعين عامة مَنْ بالديار المصرية من كاتب وحاكم وجندي وعامل وتاجر، وامتدت يده إلى الناس على اختلاف طبقاتهم، فخوفه بعض مشايخ الكتاب من خالقه وباعثه ومحاسبه، وحذّره من سوء عواقب أفعاله، وأشار عليه بترك ما يكون سبباً لهلاكه. وكان جماعة من كتاب مصر وقبطها في مجلسه، فقال مخاطباً له ومسمعاً للجماعة: نحن مُلاّك هذه الديار حرباً وخراجاً: ملكها المسلمون منا، وتغلبوا عليها، وغصبوها، واستملكوها من أيدينها، فنحن مهما فعلنا بالمسلمين فهو قبالة ما فعلوا بنا، ولا يكون له نسبة إلى من قتل من رؤسائنا وملوكنا في أيام الفتوح، فجميع ما نأخذه من أموال المسلمين وأموال ملوكهم وخلفائهم حِلّ لنا، وبعض ما نستحقه عليهم، فإذا حملنا لهم مالاً كانت المنة لنا عليهم. وأنشد: بنت كرم غصبوها أمَّها ... وأهانوها فديست بالقدم ثم عادوا حكّموها فيهمُ ... ولَناهيكَ بخصم يحتكم فاستحسن الحاضرون من النصارى والمنافقين ما سمعوه منه، واستعادوه وعضوا عليه بالنواجذ حتى قيل: إن الذي اختاطَّ عليه قلم اللعين من أملاك المسلمين مئتا ألف واثنان وسبعون ألفاً ما بين دار وحانوت وأرض

стр. 444

بأعمال الدولة إلى أن أعادها إلى أصحابها أبو علي بن الأفضل، ومن الأموال ما لا يحصيه إلا الله. ثم انتبه الآمر من رقدته، وأفاق من سكرته، وأدركته الحمية الإسلامية والغيرة المحمدية، فغضبَ لله غضبَ ناصرٍ للدين وبارٍّ بالمسلمين، وألبس الذمة الغيار (١) ، وأنزلهم بالمنزلة التي أمر الله -تعالى- أن ينزلوا بها من الذل والصغار، وأمر ألا يولوا شيئاً من أعمال الإسلام، وأن ينشؤوا في ذلك كتاباً يقف عليه الخاص والعام، فكتب عنه ما نسخته: ... » وذكره بطوله. فصل المدينة النبوية ونصيبها من الفتن في هذه الفترة التي يطمع بها الكفار في خيرات بلاد المسلمين، في (العراق) و (الشام) و (مصر) تعمر المدينة بالإيمان، وتشتد الفتن في غيرها بمضيّ الزمان، ويكون حال أهلها كالمرابط على الثغران. أخرج أبو داود (٤٢٥٠، ٤٢٩٩) وتمام في «الفوائد» (٥/١٥٧ رقم ١٧٣٣ - ترتيبه «الروض البسام» ) والطبراني في «المعجم الصغير» (٢/١١٣ رقم ٨٧٣ - «الروض الداني» ) والحاكم في «المستدرك» (٤/٥١١) عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : «يكون آخر مسالح أمتي بسلاح من خيبر» . ولفظ أبي داود: «يوشك المسلمون أن يُحاصروا إلى المدينة، حتى يكون أبعد مسالحهم سَلاح» ، وإسناده قوي.

стр. 445

وأخرجه هشام بن عمار في «حديثه» (ص ١٦١ رقم ٧٣) وأحمد في «المسند» (٢/٤٠٢) والطبراني في «المعجم الصغير» (١/٣٨٥ رقم ٦٤٤ - «الروض الداني» ) و «الأوسط» (٧/٢٤ رقم ٦٧٤٣ - ط. الحرمين) بسندٍ ضعيف عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال: «يوشك أن يرجع الناس إلى المدينة، حتى تصير مسالحهم بسَلاح» . وأخرجه الحاكم (٤/٥١١) بسند صحيح عن أبي هريرة، قال: «يوشك أن يكون أقصى مسالح المسلمين سلاح» (١) ، وسلاح قريب من خيبر (٢) . ومعنى (مسالح) جمع (مَسْلَحة) ؛ «وهي كالثغر والمَرْقب، يكون فيه أقوام يرقبون العدو، لئلا يطرقهم غفلةً» (٣) . و (سَلاح) موضع أسفل خيبر (٤) ، وهو حد بينها وبين المدينة. وظاهره أن المسلمين يحاصرون في المدينة إلى جهة خيبر، وأن خيبر وما وراءها تصيبها الغربة التي تحل بسائر الأقطار، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

стр. 446

وفي هذا الوقت يخرج ناس من المدينة رغبة عنها، وطمعاً برزق ورخص فيتبعونه، ويبدلها الله خيراً منهم، والخروج من المدينة بالجملة يخالف (الأحاديث الواردة في الحث على سكناها) (١) ، وهذا الخروج غير الخروج المذكور عند الفتوحات لبلادها المجاورة، الوارد في «الصحيحين» من حديث سفيان بن أبي زهير ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «تفتح اليمن، فيأتي قوم يَبُسّون (٢) ، فيتحَمَّلون بأهليهم ومن أطاعهم، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون، وتُفتح الشام، فيأتي قوم يبسون، فيتحملون بأهليهم ومن أطاعهم، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون، وتُفتح العراق، فيأتي قومٌ يبسون، فيتحملون بأهليهم ومن أطاعهم، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون» (٣) .

стр. 447

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 448

وغيرها مما هو في معناها وبابتها (١) ، وإن كان هذا الخروج مرجوحاً مع انتشار الدين وفتوح البلدان، فهو -بلا شك- أسوأ منه حالاً عند الغربة واشتداد الفتن، و (المدينة) هي الدار التي تَبوّأَ فيها الصحابة مع الرسول ﷺ الإيمان، وهكذا تعود في حقبة من آخر الزمان، والله المستعان، وعليه التُّكلان. فصل في معنى قوله ﷺ «وعدتم من حيث بدأتم» الناظر في (بدء) الإسلام، يجد أن «مولد رسول الله ﷺ بمكة، وابتداء النبوة له بها، ونزل الكتاب عليه بمكة، ثم أسري به إلى الشام من المسجد

стр. 449

الحرام إلى المسجد الأقصى، ثم رجع إلى مكة، ثم هاجر إلى المدينة، ثم في آخر عمره كتب إلى الشام، وإلى هرقل، وإلى كثير من أتباعه، ثم غزا بنفسه غزوة تبوك، ثم رجع، ثم بعث سرية إلى مؤتة، ثم بعث جيش أسامة، فتوفي رسول الله ﷺ قبل خروجهم، ثم ابتدأ أبو بكر الصديق بفتوح الشام، واستكمل في زمن عمر ﵁» (١) . أخرج السرقسطي في «الدلائل في غريب الحديث» (٢/٩٢١) عن حذيفة، قال: «إن الله بعث نبيكم ﷺ بالهدى ودين الحق إلى جزيرة العرب، فملأها قسطاً وعدلاً، ثم طعن بهم أبو بكر، فطعن بهم طعنة رغيبة، ثم طعن بهم عمر طعنة رغيبة حق رغيبة» (٢) . ومعناه: أن أبا بكر طعن بالناس طعنة رغيبة؛ وهي تسييره إياهم إلى الشام، وفتحه إياها بهم، وكذلك تسييرهم عمر ﵁ إلى العراق وفتحها بهم، وجعلها حذيفة (رغيبة حق رغيبة) لكثرة الخير الذي ناله المسلمون آنذاك من العراق، وقد تقدم بيان ذلك (٣) . هذا معنى «بدأتم» ، فما المراد يا ترى بـ «عدتم» ؟ قال النووي (٤) -وعنه السيوطي (٥) وغيره- في معنى قوله ﷺ : «وعدتم من حيث بدأتم» : «فهو بمعنى الحديث الآخر: «بدأ الإسلام غريباً، وسيعود كما بدأ» » .

стр. 450

وقد فصل أبو العباس القرطبي (١) قليلاً، فقال: «أي: رجعتم على الحالة الأولى التي كنتم عليها من فساد الأمر، وافتراق الكلمة، وغلبة الأهواء، وذهاب الدين» . «وحاصل معناه: أن الإسلام بدأ في قلة من العَدد والعُدد، وسيعود إلى تلك الحالة في آخر الزمان» (٢) . وقال الشوكاني: «أي: رجعتم إلى الكفر بعد الإسلام» (٣) . وقال صديق حسن خان بعد كلام النووي السابق: «وهذا -أيضاً- قد وجد على الوجه الأتم، وبلغت «غربة الإسلام» إلى أن لم يبق في أيديه حلٌّ ولا عقد، وصار أهله كالعبيد والأسراء في أيدي الروم (٤) ، كما كانت حال «بني إسرائيل» عند فرعون مصر، والناس ينتظرون ظهور المهدي ونزول عيسى ﵉، ولعل الله يحدث بعد ذلك

стр. 451

أمراً، فقد طال الزمان، وآذنت الدنيا بانصرامها، وظهرت جملة الأشراط، وكملت، ودنت هذه المئة إلى الختم، ولم يبق منها إلا شهران، وسنة واحدة، وملئت الدنيا جوراً، وظلماً، وعدواناً، وفسقاً، وفجوراً، وجمعت المنكرات كلها، في كل قطر من أقطار الأرض، وعمت الكبائر في العجم والعرب، وصار المعروف منكراً، والمنكر معروفاً» (١) . وفصّل الشيخ حمود التويجري ﵀ في هذا المعنى، وجعل (الغربة) في (المكان) ؛ حيث قال: «وفي قوله: «وعدتم من حيث بدأتم» ؛ إشارة إلى استحكام غربة الإسلام، ورجوعه إلى مقره الأول؛ كما في الحديث الصحيح: أن رسول الله ﷺ قال: «إن الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها» . رواه: الإمام أحمد، والشيخان، وابن ماجه؛ من حديث أبي هريرة ﵁ (٢) . وفي رواية لأحمد: «إن الإسلام ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحيّة إلى جحرها» (٣) . وعن ابن عمر ﵄، عن النبي ﷺ ، قال: «إن الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً كما بدأ، وهو يأرز بين المسجدين كما تأرز الحية في جحرها» . رواه مسلم (٤) .

стр. 452

وعن سعد بن أبي وقاص ﵁، عن النبي ﷺ نحوه. رواه الإمام أحمد وغيره (١) . وعن عبد الرحمن بن سنَّة ﵁، عن النبي ﷺ نحوه ... -أيضاً-. رواه عبد الله ابن الإمام أحمد، والطبراني (٢) . وعن عمرو بن عوف المزني ﵁، عن النبي ﷺ نحو ذلك -أيضاً-. رواه الترمذي (٣) . وقد تقدمت هذه الأحاديث في باب غربة الإسلام، وما ذكر فيها من انضمام الإيمان إلى المدينة وما حولها لم يقع إلى الآن، ويوشك أن يقع، والله المستعان» (٤) . والمراد بالمسجدين: مسجد الكعبة ومسجد المدينة، قال النووي: «معناه أن الإيمان أولاً وآخراً بهذه الصفة؛ لأنه في أول الإسلام كان كل من خلص إيمانه وصح إسلامه أتى المدينة، إما مهاجراً أو مستوطناً، وإما متشوقاً إلى رؤية رسول الله ﷺ ، ومتعلماً منه ومتقرباً، ثم بعده هكذا في زمن الخلفاء

стр. 453

كذلك» (١) . قلت: ولا شك أن في قوله «وعدتم من حيث بدأتم» دقة متناهية؛ إذ (حيث) ظرف مكان، قال سيبويه: «وأما (حيث) ؛ فمكان، بمنزلة قولك: هو في المكان الذي فيه زيد» (٢) ، وهي مبنية «وعلّة بنائها احتياجها إلى جملة» (٣) ، و «إنما احتاجت إلى جملة من جهة أن وضعها لمكان منسوب إلى نسبة، وتلك النسبة لا تحصل إلا بالجملة» (٤) ، ونُسِبت في هذا الحديث إلى البدء، ففيه «حيث بدأتم» . و (البدء) كان في المدينة، وكانوا في غُربة، وهذا ما وقع التصريح به في حديث جابر في رواية البيهقي في «الدلائل» ، فإنه لما ذكر: «يوشك أهل العراق أن لا يجبى إليهم درهم ولا قفيز ... » ، قال في آخره ورفعه: «والذي نفسي بيده ليعودنّ الأمر كما بدأ، ليعودنّ كل إيمان إلى المدينة كما بدأ منها، حتى يكون كل إيمان بالمدينة» (٥) . وظاهر أحاديث الغربة العموم، وأن الإسلام بدأ في آحاد من الناس وقلّة، ثم سيلحقه النقص والإخلال حتى لا يبقى إلا في آحاد من الناس وقلة -أيضاً-، كما بدأ وجاء (٦) . وليس المراد ذهاب الإسلام بالكلية، قال الأوزاعي في معنى قوله ﷺ : «بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ» : «أما إنه ما يذهب الإسلام، ولكن

стр. 454

يذهب أهل السنة حتى ما يبقى منهم في البلد إلا رجل واحد» نقله عنه ابن رجب، وزاد: «ولهذا يوجد في كلام السلف -كثيراً- مدح السنة ووصفها بالغربة، ووصف أهلها بالقلّة» ، قال بعد أن أورد نصوصاً: «وفي هذا إشارة إلى قلّة عددهم، وقلّة المستجيبين لهم، والقابلين منهم، وكثرة المخالفين لهم، والعاصين لهم» (١) . وهؤلاء ولا سيما في وقت الفتنة في ديار الفتنة (٢) «هم الممدوحون المغبوطون، ولقلتهم في الناس جدّاً سموا (غرباء) ، فإن أكثر الناس على غير صفاتهم، فأهل الإسلام في الناس غرباء، والمؤمنون في أهل الإسلام غرباء، وأهل العلم في المؤمنين غرباء، وأهل السنة الذين يميزونها من الأهواء والبدع غرباء، والداعون إليها الصابرون على أذى المخالفين هم أشد هؤلاء» (٣) . وفي قوله: «وعدتم من حيث بدأتم» إشارة إلى عموم الفتن وغربة السنة؛ إلا في المدينة «وقد تكون الغربة في بعض شرائعه ما يصير به غريباً بينهم، لا يعرفه منهم إلا الواحد بعد الواحد» (٤) .

стр. 455

وقد تشتد الغربة، فيكون «الغرباء هم الذين هجروا أوطانهم إلى الله ... -تعالى-» (١) . فصل في خروج خيار أهل العراق منها أخرج أحمد (٥/٢٤٩) -ومن طريقه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (١/٩٧) -: حدثنا عبد الصمد، حدثنا حماد، عن الجُرَيري، عن أبي المشّاء ... -وهو لقيط بن المشّاء- عن أبي أمامة، قال: «لا تقوم الساعة حتى يتحوّل خيار أهل العراق إلى الشام، ويتحول شرار أهل الشام إلى العراق» . وقال رسول الله ﷺ : «عليكم بالشام» . وأخرجه أبو المعالي المشرّف بن المرجي في «فضائل بيت المقدس» (ص ٤٥٠-٤٥١) من طريق عبد الصمد بن عبد الوارث، به، ووقع في مطبوعه «أبو المسافر» ، وهو تحريف عن «أبي المشاء» . وعزاه لأحمد: شهاب الدين المقدسي في «مثير الغرام» (ص ١٠١) ، وفي مطبوعه «أبو المساور» ، وابن رجب في «فضائل الشام» (ص ٥٥/رقم ٤٩) ، ومحمد بن عبد الهادي في «فضائل الشام» -أيضاً- (ص ٢٣/رقم ٧) ، وفي مطبوعهما: «عن أبي المثنى -وهو لقيط بن المثنى» ، وكذا وقع في الطبعة الميمنية من «المسند» (٥/٢٤٩) ، وفي «تعجيل المنفعة» (٣٥٥، ٥١٩ (٢) -

стр. 456

ط. الهندية) ، وكله تحريف، صوابه ما أثبتناه، وهو على الجادة في كتب التراجم (١) و «أطراف المسند» (٦/٣٥) ، و «المسند» (٣٦/٤٦١ - ط. مؤسسة الرسالة) ، و «إتحاف المهرة» (٦/٢٥٨ رقم ٦٤٧٨) . وأخرجه نعيم بن حماد في «الفتن» (٢/٦٣١ رقم ١٧٦٢) : حدثنا ابن عبد الوارث، به. وأخرجه ابن أبي شيبة في «المصنف» (١٥/٢٤٥ - ط. الهندية و٨/٧٠١ رقم ٩٧ - ط. دار الفكر) عن يزيد بن هارون، أخبرنا حماد، به، دون المرفوع (٢) . وأخرجه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (١/٣١٦) من طريق معاذ بن هانئ، نا حماد بن سلمة، عن سعيد بن إياس (٣) ، عن أبي المشاء، عن أبي أُمامة، قال: «لا تقوم الساعة حتى تتحول أشرار الناس إلى العراق، وخيار أهل العراق إلى الشام، حتى تكون الشام شاماً، والعراق عراقاً» . وهذا إسناد رجاله رجال الصحيح، غير أبي المشاء لقيط بن المشاء،

стр. 457

روى عنه قُرة بن خالد والجُريري، وذكره ابن حبان في «الثقات» (٥/٣٤٤) ، وقال: «يخطئ ويخالف» . وله شواهد كثيرة تدلل على صحته؛ منها: ما أخرجه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (١/٣١٦) بسندٍ جيد عن شرحبيل بن مسلم، عن أبيه، قال: بلغنا أنه لن تقوم الساعة حتى يخرج خيار أهل العراق إلى الشام، ويخرج شرار أهل الشام إلى العراق. ومنها: ما أخرجه عبد الرزاق في «المصنف» (١١/٣٧٣ رقم ٢٠٧٧٨) ، وابن أبي شيبة في «المصنف» (رقم ١٩٤٣٨) ، والحاكم في «المستدرك» (٤/٤٥٧) ، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (١/٣١٥) عن عبد الله بن عمرو، قال: «ليأتينّ على الناس زمان لا يبقى فيه مؤمن إلا كان بالشام. وإسناده جيد. وأخرجه المشرَّف بن المرجَّى في «فضائل بيت المقدس» (ص ٤٥٠) ، وابن عساكر (١/٣١٥-٣١٦) مرفوعاً، وقال: «وليس بالمحفوظ، والمحفوظ الموقوف» . وأقره ابن رجب في «فضائل الشام» (ص ٤٥) . قلت: وله حكم الرفع (١) ، وأسنده ابن عساكر (١/٣١٦) بعده عن ابن عمر قوله. وفضائل الشام كثيرة، وكون جند الشام هم خير الناس (٢) شهيرة، ولكن

стр. 458

هذا في غير الأوان الذي نحن بصدده، مع التنويه بأن هذا التحول إلى الشام يكون على وجه ظاهر في أتون الفتنة، وشدّتها، وانتشارها في أقطار الأرض (١) . أخرج أحمد في «المسند» (٥/٣٣) وفي «فضائل الصحابة» (٧١٩) ، والطيالسي في «المسند» (٢/٥٧٧-٥٧٨ رقم ١٣٤٥ - ط. هجر) -ومن طريقه أبو نعيم في «الإمامة والرد على الرافضة» (١٥٢) -، وابن أبي عاصم في «السنة» (١٢٩٤) ، والقطيعي في «زوائد الفضائل» (٨٢٥) عن ابن حوالة ضمن حديث طويل، فيه قول النبي ﷺ : «يا ابن حَوالة! كيف تصنع في فتنة تثور في أقطار الأرض، كأنها صياصي بقر؟ قال: قلت: أصنع ماذا يا رسول الله؟ قال: عليك بالشام» . وإسناده صحيح، وعزاه البوصيري في «إتحاف الخيرة المهرة» (١٠/١٥٩-١٦٠ رقم ٩٧٦٧) للطيالسي وابن أبي شيبة في «مسنديهما» (٢) ، وقال الهيثمي في «المجمع» (٧/٢٢٥-٢٢٦) : «رواه أحمد والطبراني بنحوه، ورجالهما رجال الصحيح» . وقوله: «كأنها صياصي بقر» ؛ أي: قرونها، شبه الفتنة بها لشدتها، وصعوبة الأمر فيها (٣) . أخرج أبو داود في «السنن» في كتاب السنة (باب في الخلفاء) (٥/٣٢ رقم ٤٦٣٨ - ط. الدعّاس) -ومن طريقه برواية اللؤلؤي عنه: ابن عساكر في

стр. 459

«تاريخ دمشق» (١/٢٤٥) - بسندٍ صحيح عن مكحول، قال: لتَمخُرَنَّ الرومُ الشامَ أربعين صباحاً، لا يمتنع منها إلا دمشق وعَمّان. وأخرجه نعيم بن حماد في «الفتن» (٢/٤٣٧ رقم ١٢٥٧) مثله؛ إلا أن في آخره: «إلا دمشق وأعالي البلقاء» . وأخرج أبو داود -أيضاً- (٥/٣٢-٣٣ رقم ٤٦٣٩ - ط. الدعاس) ... -ومن طريقه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (١/٢٤٥) - عن أبي الأَعيس عبد الرحمن بن سلمان، قال: «سيأتي مَلِكٌ من ملوك العجم، يظهر على المدائن كلها إلا دمشق» . وهذان الأثران موجودان في بعض نسخ «سنن أبي داود» (١) دون بعض، وأثبتها الحافظ ابن حجر في حاشية نسخة، وعزا الثاني لرواية اللؤلؤي وحده، وهما في «عون المعبود» (١٢/٣٩٠-٣٩١، ٣٩١ رقم ٤٦١٤، ٤٦١٥) ، و «بذل المجهود» (١٨/١٦١-١٦٢) ، وفيه على الأثرين: «كتب مولانا محمد يحيى المرحوم في «تقريره» : «ولا يدرى متى يكون ذلك» ، وعلى الثاني: «وهذا -أيضاً- موقوف على أبي الأعيس، ولعله سمعه من بعض الصحابة، ولعله إشارة إلى ما وقع من تيمور على بلاد الإسلام» ! قلت: الظاهر خلافه، فإن تيمور اعتدى على دمشق، ولم تسلم منه، وهذا -والله أعلم- في آخر الزمان، وبوب عليه ابن عساكر مع أحاديث وآثار أخر (أنها -أي: دمشق- فسطاط المسلمين يوم الملحمة) (٢) .

стр. 460

ثم وجدتُ عند نعيم بن حماد في «الفتن» (٢/٤٣٨ رقم ١٢٥٨) بلفظ يدل على ما ذكرتُ؛ وهو: «يغلب ملك من ملوك الروم على الشام كله، إلا دمشق وعمان، ثم ينهزم، وتبنى قيسارية أرض الروم، فتصير جند من أجناد أهل الشام، ثم تظهر نار من عدن أبين» . وأعاد آخره (٢/٦٢٨ رقم ١٧٥٣) . ومعنى: «لتَمخُرَنَّ الروم الشام» ؛ أراد: أنها تدخل الشام وتخوضه، وتجوس خلاله، وتتمكن منه، فشبهه بمخر السفينة البحر (١) . ومع هذا؛ فالشام معقل للمسلمين من الفتن، وذلك عند اشتدادها بالعراق خاصة، وأما عند قيام الساعة، وخراب المدينة؛ فهي تعمر، ولا سيما فلسطين منها، وهي التي ينتقم الله بأهلها من الروم في الملاحم. والظاهر مما ورد من الأخبار، أن الخروج من العراق يقع مرات، ويكثر ويعسر مع اشتداد اعتداء العجم عليها، وهذا البيان والدليل: أولاً: مضى حديث أبي بكرة المرفوع، وفيه: «يفترق المسلمون ثلاث فرق: ... » (٢) . وجاء في مرسل أبي قلابة عند نعيم بن حماد في «الفتن» (٢/٦٧٨ رقم ١٩٠٨) : «وفرقة تلحق بالشام، وهي خير الفرق» . ثانياً: أخرج نعيم في «الفتن» -أيضاً- (٢/٦٧٨ رقم ١٩٠٩) عن أبي هريرة، قال: «أعينهم كالودع، ووجوههم كالحجف، لهم وقعة بين الدجلة والفرات، ووقعة بمرج حمار، ووقعة بدجلة، حتى يكون الجواز أول النهار
следующие страницы →