ط. الهندية) ، وكله تحريف، صوابه ما أثبتناه، وهو على الجادة في كتب التراجم (١) و «أطراف المسند» (٦/٣٥) ، و «المسند» (٣٦/٤٦١ - ط. مؤسسة الرسالة) ، و «إتحاف المهرة» (٦/٢٥٨ رقم ٦٤٧٨) .
وأخرجه نعيم بن حماد في «الفتن» (٢/٦٣١ رقم ١٧٦٢) : حدثنا ابن عبد الوارث، به.
وأخرجه ابن أبي شيبة في «المصنف» (١٥/٢٤٥ - ط. الهندية و٨/٧٠١ رقم ٩٧ - ط. دار الفكر) عن يزيد بن هارون، أخبرنا حماد، به، دون المرفوع (٢) .
وأخرجه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (١/٣١٦) من طريق معاذ بن هانئ، نا حماد بن سلمة، عن سعيد بن إياس (٣) ، عن أبي المشاء، عن أبي أُمامة، قال: «لا تقوم الساعة حتى تتحول أشرار الناس إلى العراق، وخيار أهل العراق إلى الشام، حتى تكون الشام شاماً، والعراق عراقاً» .
وهذا إسناد رجاله رجال الصحيح، غير أبي المشاء لقيط بن المشاء،
стр. 457
روى عنه قُرة بن خالد والجُريري، وذكره ابن حبان في «الثقات» (٥/٣٤٤) ، وقال: «يخطئ ويخالف» .
وله شواهد كثيرة تدلل على صحته؛ منها:
ما أخرجه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (١/٣١٦) بسندٍ جيد عن شرحبيل بن مسلم، عن أبيه، قال: بلغنا أنه لن تقوم الساعة حتى يخرج خيار أهل العراق إلى الشام، ويخرج شرار أهل الشام إلى العراق.
ومنها: ما أخرجه عبد الرزاق في «المصنف» (١١/٣٧٣ رقم ٢٠٧٧٨) ، وابن أبي شيبة في «المصنف» (رقم ١٩٤٣٨) ، والحاكم في «المستدرك» (٤/٤٥٧) ، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (١/٣١٥) عن عبد الله بن عمرو، قال: «ليأتينّ على الناس زمان لا يبقى فيه مؤمن إلا كان بالشام. وإسناده جيد.
وأخرجه المشرَّف بن المرجَّى في «فضائل بيت المقدس» (ص ٤٥٠) ، وابن عساكر (١/٣١٥-٣١٦) مرفوعاً، وقال: «وليس بالمحفوظ، والمحفوظ الموقوف» . وأقره ابن رجب في «فضائل الشام» (ص ٤٥) .
قلت: وله حكم الرفع (١) ، وأسنده ابن عساكر (١/٣١٦) بعده عن ابن عمر قوله.
وفضائل الشام كثيرة، وكون جند الشام هم خير الناس (٢) شهيرة، ولكن
стр. 458
هذا في غير الأوان الذي نحن بصدده، مع التنويه بأن هذا التحول إلى الشام يكون على وجه ظاهر في أتون الفتنة، وشدّتها، وانتشارها في أقطار الأرض (١) .
أخرج أحمد في «المسند» (٥/٣٣) وفي «فضائل الصحابة» (٧١٩) ، والطيالسي في «المسند» (٢/٥٧٧-٥٧٨ رقم ١٣٤٥ - ط. هجر) -ومن طريقه أبو نعيم في «الإمامة والرد على الرافضة» (١٥٢) -، وابن أبي عاصم في «السنة» (١٢٩٤) ، والقطيعي في «زوائد الفضائل» (٨٢٥) عن ابن حوالة ضمن حديث طويل، فيه قول النبي ﷺ : «يا ابن حَوالة! كيف تصنع في فتنة تثور في أقطار الأرض، كأنها صياصي بقر؟ قال: قلت: أصنع ماذا يا رسول الله؟ قال: عليك بالشام» .
وإسناده صحيح، وعزاه البوصيري في «إتحاف الخيرة المهرة» (١٠/١٥٩-١٦٠ رقم ٩٧٦٧) للطيالسي وابن أبي شيبة في «مسنديهما» (٢) ، وقال الهيثمي في «المجمع» (٧/٢٢٥-٢٢٦) : «رواه أحمد والطبراني بنحوه، ورجالهما رجال الصحيح» .
وقوله: «كأنها صياصي بقر» ؛ أي: قرونها، شبه الفتنة بها لشدتها، وصعوبة الأمر فيها (٣) .
أخرج أبو داود في «السنن» في كتاب السنة (باب في الخلفاء) (٥/٣٢ رقم ٤٦٣٨ - ط. الدعّاس) -ومن طريقه برواية اللؤلؤي عنه: ابن عساكر في
стр. 459
«تاريخ دمشق» (١/٢٤٥) - بسندٍ صحيح عن مكحول، قال:
لتَمخُرَنَّ الرومُ الشامَ أربعين صباحاً، لا يمتنع منها إلا دمشق وعَمّان.
وأخرجه نعيم بن حماد في «الفتن» (٢/٤٣٧ رقم ١٢٥٧) مثله؛ إلا أن في آخره: «إلا دمشق وأعالي البلقاء» .
وأخرج أبو داود -أيضاً- (٥/٣٢-٣٣ رقم ٤٦٣٩ - ط. الدعاس) ... -ومن طريقه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (١/٢٤٥) - عن أبي الأَعيس عبد الرحمن بن سلمان، قال:
«سيأتي مَلِكٌ من ملوك العجم، يظهر على المدائن كلها إلا دمشق» .
وهذان الأثران موجودان في بعض نسخ «سنن أبي داود» (١) دون بعض، وأثبتها الحافظ ابن حجر في حاشية نسخة، وعزا الثاني لرواية اللؤلؤي وحده، وهما في «عون المعبود» (١٢/٣٩٠-٣٩١، ٣٩١ رقم ٤٦١٤، ٤٦١٥) ، و «بذل المجهود» (١٨/١٦١-١٦٢) ، وفيه على الأثرين:
«كتب مولانا محمد يحيى المرحوم في «تقريره» : «ولا يدرى متى يكون ذلك» ، وعلى الثاني: «وهذا -أيضاً- موقوف على أبي الأعيس، ولعله سمعه من بعض الصحابة، ولعله إشارة إلى ما وقع من تيمور على بلاد الإسلام» !
قلت: الظاهر خلافه، فإن تيمور اعتدى على دمشق، ولم تسلم منه، وهذا -والله أعلم- في آخر الزمان، وبوب عليه ابن عساكر مع أحاديث وآثار أخر (أنها -أي: دمشق- فسطاط المسلمين يوم الملحمة) (٢) .
стр. 460
ثم وجدتُ عند نعيم بن حماد في «الفتن» (٢/٤٣٨ رقم ١٢٥٨) بلفظ يدل على ما ذكرتُ؛ وهو: «يغلب ملك من ملوك الروم على الشام كله، إلا دمشق وعمان، ثم ينهزم، وتبنى قيسارية أرض الروم، فتصير جند من أجناد أهل الشام، ثم تظهر نار من عدن أبين» . وأعاد آخره (٢/٦٢٨ رقم ١٧٥٣) .
ومعنى: «لتَمخُرَنَّ الروم الشام» ؛ أراد: أنها تدخل الشام وتخوضه، وتجوس خلاله، وتتمكن منه، فشبهه بمخر السفينة البحر (١) .
ومع هذا؛ فالشام معقل للمسلمين من الفتن، وذلك عند اشتدادها بالعراق خاصة، وأما عند قيام الساعة، وخراب المدينة؛ فهي تعمر، ولا سيما فلسطين منها، وهي التي ينتقم الله بأهلها من الروم في الملاحم.
والظاهر مما ورد من الأخبار، أن الخروج من العراق يقع مرات، ويكثر ويعسر مع اشتداد اعتداء العجم عليها، وهذا البيان والدليل:
أولاً: مضى حديث أبي بكرة المرفوع، وفيه: «يفترق المسلمون ثلاث فرق: ... » (٢) .
وجاء في مرسل أبي قلابة عند نعيم بن حماد في «الفتن» (٢/٦٧٨ رقم ١٩٠٨) : «وفرقة تلحق بالشام، وهي خير الفرق» .
ثانياً: أخرج نعيم في «الفتن» -أيضاً- (٢/٦٧٨ رقم ١٩٠٩) عن أبي هريرة، قال: «أعينهم كالودع، ووجوههم كالحجف، لهم وقعة بين الدجلة والفرات، ووقعة بمرج حمار، ووقعة بدجلة، حتى يكون الجواز أول النهار
стр. 461
بمئة دينار للعبور إلى الشام (١) ، ثم يزيد آخر النهار» .
ثالثاً: أخرج عبد الرزاق في «المصنف» (١١/٣٧٣-٣٧٤) ، والحاكم في «المستدرك» (٤/٥٠٤ رقم ٢٠٧٧٩) ، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (١/٣١٣-٣١٤) ، وابن العديم في «بغية الطلب» (١/٣٦٧، ٥١١) من طرق عن المسعودي، عن القاسم بن عبد الرحمن، قال: شكي إلى ابن مسعود الفرات، فقالوا: نخاف أن ينفتق علينا، فلو أرسلت من يَسْكُره (٢) ، فقال عبد الله: «لا نَسْكُره، فوالله ليأتين على الناس زمان لو التمستم فيه ملء طست من ماءٍ ما وجدتموه، وليرجعنّ كل ماء إلى عنصره، ويكون بقية الماء والمسلمين بالشام» لفظ عبد الرزاق.
ولفظ الحاكم: «يوشك أن تطلبوا بفراتكم (٣) هذا ماء فلا تجدونه ... » بنحوه.
ورجاله ثقات، إلا أنه منقطع.
وفي رواية الحاكم: «عن القاسم عن أبيه» ، وقال:
«صحيح الإسناد» ، ووافقه الذهبي، وأقرّهما شيخنا الألباني -رحمه الله تعالى- في «السلسلة الصحيحة» (٣٠٧٨) بقوله:
стр. 462
«قلت: وهو كما قالا؛ فإن المسعودي هذا -واسمه: عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة-وإن كان قد اختلط؛ فقد ذكروا أن رواية سفيان-وهو: الثوري- عنه قبل الاختلاط؛ كما ذكروا أن أحاديثه عن القاسم صحيحة، وهذا من روايته عنه كما ترى، فراجع إن شئت ترجمته في «التهذيب» و «الكواكب النيرات» (ص ٢٨٢-٢٩٨) .
والحديث وإن كان موقوفاً؛ فهو في حكم المرفوع؛ لأنه لا يقال من قبل الرأي، كما هو ظاهر.
والحديث حمله مؤلف كتاب «المسيح الدجال قراءة سياسية في أصول الديانات الكبرى» (ص ٢١٤) على أنه يكون بعد القحط الذي قال: إنه يأتي بعده الدجال! وليس فيه، ولا في غيره -فيما أعلم- ما يدل على هذا التحديد (١) ، فيمكن أن يكون قبل ذلك أو بعده، وهذا لعله هو الأقرب أن يكون بين يدي القيامة» .
قال أبو عبيدة: سبب ما رجحه شيخنا العلامة الألباني هو تحريف وقع في رواية الحاكم: «يوشك أن تطلبوا بقريتكم (٢) هذه» . ولم يعزه شيخنا ... ﵀ إلا للحاكم، وهذا الحديث من القسم الذي طبع ونشر بعد موته دون مراجعته.
وتبيّن لنا من خلال جمع طرقه وألفاظه أن الصواب: «يوشك أن تطلبوا فراتكم هذا» ، وحينئذ ينبغي أن يفهم على ضوء الأحاديث الأخرى التي فيها
стр. 463
انحسار الفرات عن (تل) أو (جزيرة) أو (كنز) أو (جبل) -على تعدد الروايات (١) ، وسيأتي -إن شاء الله- بيان ذلك في فصل مستقل بالتفصيل.
بقي التنويهُ على أن للأثر متابعاً للمسعودي في روايته عن القاسم، فقد رواه الأعمش عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن ابن مسعود متصلاً، وهو صحيح، ولفظه:
«شكونا إليه الفرات، وقلة الماء، فقال: يأتي عليكم زمان لا تجدون فيه ملء طست من ماء، ويرجع كل ماء إلى عنصره، ويبقى الماء والمؤمنون بالشام» .
أخرجه الفسوي في «المعرفة والتاريخ» ، ومن طريقه وطريق غيره: ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (١/٣١٤-٣١٥) ، وابن العديم في «بغية الطلب» (١/٥١١) . ونقل ابن عساكر وابن العديم (٢) عن ابن المنادي قوله: «في رواية الأعمش هذه ذكر قلة الماء في الفرات، وفي رواية المسعودي ذكر كثرته فيه، ثم إن الروايتين على الاتفاق؛ أن الفرات يقل ماؤه قلة ضارة بالناس، والله أعلم» .
قلت: وهذا يؤكد أن هذا التحوّل يكون قبل المهدي (٣) ؛ شأنه شأن
стр. 464
الحصار، ووقته وقته.
ومن المفيد هنا أن أنقل إلى القراء ما جاء في كتاب «المسيح الدجال قراءة سياسية في أصول الديانات الكبرى» (ص ٢١٠) فيما يتعلق بنضوب المياه:
«أصدر معهد (وواردوانش) الأمريكي دراسة تشير إلى أن العالم استخرج كميات كبيرة من المياه الجوفية، وفي (تكساس) و (نيومكسيكو) أصبح هناك احتمال بنضوب المياه الجوفية تماماً في هذه المنطقة؛ وفي الأقاليم الشمالية يهبط مستوى المياه الجوفية بمقدار ١٢ قدماً كل عام (١) .
وأشارت دراسة في الولايات الأمريكية أن العالم سوف يتعرض لنقص في موارد المياه التي لا علاج لها، ولن تفيد الطرق التقليدية في توفير المياه؛ مثل: السدود والخزانات والقنوات (٢) .
كما أعلن مركز تحليل المناخ الفيدرالي في الولايات المتحدة في بيان له أن درجة حرارة مياه المحيط الهادي آخذة في الارتفاع، وهذه الظاهرة تؤثر على الأحوال المناخية في جميع أنحاء العالم، وتؤدي إلى تفاقم حالة الجفاف في إفريقيا واستراليا، وفيضانات في الصين، وسيول رعدية في (بيرو) و (أكوادور) ، وعواصف وأعاصير على الولايات المتحدة وكندا وجنوب إفريقيا (٣) .
ولا يفهم من هذه الآثار السابقة أن الشام لا تصلها الفتن ألبتة؛ وإنما هي معْقل ومُتَنفّس لأهل الديانة، ولا سيما في فترة، وهي قاصمة للروم في الملاحم، إلا أن حصار الروم ينتقل إليها بعد حصار العجم للعراق، ويضيَّق
стр. 465
على أهلها، ويخرجهم الروم من بعض مناطقها (١) ،
وأورد ابن عساكر في «تاريخ دمشق» في ذلك آثاراً ومقطوعات كثيرة، فيها ضعف، مجموعها يدلل على أن لذلك أصلاً (٢) ؛ مثل:
أخرج نعيم بن حماد في «الفتن» (٢/٤٨٩ رقم ١٣٧٤) ، وابن المنادي في «الملاحم» -ومن طريقه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٢/٢١٤) واللفظ له- عن خالد بن معدان، قال: «لا يذهب الليل والنهار حتى يطرد الروم أهل الشام، فيموت منهم ناس كثير من العيال بالفلاة، جوعاً وعطشاً» .
وأخرج ابن عساكر (١٢/٢١٤) عن أبي الدرداء، قال: «ليخرجنكم الروم من الشام كَفْراً (٣) كفراً، حتى يوردونكم البلقاء، كذلك الدنيا تبيد (٤) وتفنى، والآخرة تدوم وتبقى» .
وأخرجه نعيم بن حماد في «الفتن» (ص ٣٧١/رقم ١٣٩٠ - ...
стр. 466
ط. التوفيقية) مختصراً بإسنادٍ لين.
وأخرج نعيم بن حماد في «الفتن» (٢/٤٦٨ رقم ١٣١٨) ، وابن عساكر (٢/٢١٤-٢١٥) عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: «ليخرجنكم الروم من الشام كَفراً كَفراً، حتى يوردونكم حِسْمى (١)
جذام، حتى يجعلوكم في ظُنبُوبٍ (٢) من الأرض» .
وورد في بعض الآثار أن هذا الإخراج يتم والروم في العراق.
أخرج ابن عساكر (٢/٢١٥) عن أبي هريرة، قال: «يا أهل الشام! ليخرجنكم الروم منها كَفْراً كَفراً، حتى تلحقوا بسُنْبُك (٣) من الأرض. قيل: وما ذاك السُّنْبُك؟ قال: حِسْمى جُذام، ولتسيرنّ الرومُ على كَوادنها (٤) مُتعلِّقي جعابَها (٥) بين بارق ولعلع» .
و (بارق) : ماء بالعراق، وهو الحد بين القادسية والبصرة، وهو من أعمال
стр. 467
الكوفة، وقد ذكره الشعراء فأكثروا (١) .
و (لعلع) : منزل بين البصرة والكوفة، بينها وبين (بارق) عشرون ميلاً (٢) .
وانتقال خيار أهل العراق إلى الشام عامٌّ في الفتن التي تموج موج البحر كلِّها، ودل على ذلك:
ما أخرجه أحمد (٢/٨٤، ١٩٨-١٩٩) عن عبد الرزاق (٢٠٧٩٠) -ومن طريقه -أيضاً- الحاكم (٤/٤٨٦) ، والبغوي (٤٠٠٨) ، وابن عساكر (١/١٦٠) -، والطيالسي (٢٢٩٣) -ومن طريقه أحمد (٢/٢٠٩) ، وأبو نعيم في «الحلية» (٦/٥٣-٥٤) ، وابن عساكر (١/١٦٠-١٦١) -، وإسحاق بن راهويه -ومن طريقه أبو نعيم في «الحلية» (٦/٦٦) -، وأبو داود في «السنن» (٢٤٨٢) -مختصراً دون الشاهد المذكور-، وابن عبد الحكم في «فتوح مصر» (ص ٢٣٢) ، ونعيم بن حماد في «الفتن» (٢/٦٣٠، ٦٣٢ رقم ١٧٥٨، ١٧٦٥) ، والحاكم (٤/٥١٠، ٥١١) عن عبد الله بن عمرو، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
«إنها ستكون هجرة بعد هجرة (٣) ، ينحاز الناس إلى مُهاجَر إبراهيم» (٤) .
стр. 468
وفي رواية: «إنها ستكون هجرة بعد هجرة، لخيار الناس إلى مهاجر إبراهيم ﵇» .
وهو حسن بمجموع طرقه (١) .
قال ابن رجب بعد كلام في فضل الشام: « ... وعقيبها جرت واقعة ببغداد، وقتل بها الخليفة وعامة من كان ببغداد، وتكامل خراب أرض العراق على أيدي التتار، وهاجر خيار أهلها إلى الشام من حينئذ» (١) .
وقال قبل ذلك بعد إيراده لجملة أحاديث وآثار في فضائل الشام:
«وأما إضاءة قصور بُصرى بالنور الذي خرج معه؛ فهو إشارة إلى ما خصّ الشام من نور نبوّته، فإنها دار مُلكه» ، قال: «فمن مكة بدئت نبوة محمد ﷺ ، وإلى الشام ينتهي ملكه، ولهذا أسري به ﷺ إلى الشام، إلى بيت المقدس، كما هاجر إبراهيم ﵇ من قبله إلى الشام. قال بعض السلف: ما بعث الله نبيّاً إلا من الشام، فإن لم يبعث منها هاجر إليها، وفي آخر الزمان يستقرّ العلم والإيمان بالشام، فيكون نور النبوة فيها أظهرَ منه في سائر بلاد الدنيا» (٢) .
стр. 471
وقال بعد جملة أخرى من الأحاديث والآثار: «فهذا كله يدل على أن خيار الناس في آخر الزمان مهاجرون إلى مُهاجَر إبراهيم ﵇؛ وهي الشام طوعاً، فيجتمعون فيها» (١) .
ولذا استحبّ الإمام أحمد سكنى الشام عند الفتن.
قال إبراهيم بن هانئ في «مسائل أحمد» (١/١٥٠ رقم ٤٧٢) :
«سئل عن الرجل إذا كره ما هو من مسكن بأرض، فإلى أين ترى له أن ينتقل؟
قال: إلى المدينة.
قال له: فغير المدينة؟
قال: مكة.
قيل له: فغير مكة؟
قال: أما الشام إلى دمشق؛ لأنها يجتمع إليها الناس إذا غلبت عليهم الروم» .
وفي رواية المروزي التي نقلها الخلال في «الجامع» (٢) ، قال:
«الشام، والشام أرض المحشر. ثم قال: دمشق؛ لأنها يجتمع إليها الناس إذا غلبت عليهم الروم» .
ونقل أبو طالب عن أحمد قريباً من ذلك، وزاد أبو طالب:
«قلت له: فأصير إلى دمشق؟ قال: نعم. قلت: فالرملة؟ قال: لا؛ هي قريبة من الساحل» .
стр. 472
ونقل حنبل عن أحمد، قال: إذا لم يكن للرجل حرمة، فالسّاحل والرباط أعظم للأجر، يردُّ عن المسلمين، والشام بلد مبارك.
ونقل أبو داود (١) عن أحمد أنه قيل له: هذه الأحاديث التي جاءت: «إن الله تكفل لي بالشام وأهله» ونحو هذا؟ قال: ما أكثر ما جاء في هذا! قيل له: فلعله في الثغور (٢) ؟ قال: لا. وقال: أرض بيت المقدس أين هي؟ «ولا يزال أهل الغرب ظاهرين على الحق» ؛ هم أهل الشام.
ونقل يعقوب بن بُخْتان، قال: سمعت أبا عبد الله -يعني: أحمد- يقول: كنت آمر بحمل الحريم إلى الشام، فأما اليوم فلا.
ونقل مُهَنّا وبَكر بن محمد وأبو الحارث عن أحمد نحوه، وزاد في روايتهما: قال: لأنّ الأمر قد اقترب.
زاد مُهنّا: قال: أخاف على الذّريّة من العدو.
وقال جعفر بن محمد: سألت أبا عبد الله عن الحُرمة: قلت: دمشق؟ فأعجبه ذلك، وأحسبه قال: نعم.
ونقل حنبل: قيل لأبي عبد الله: فأين أحبُّ إليك أن ينزل الرجل بأهله، وينتقل؟ قال: كلُّ مدينةٍ معقلٌ للمسلمين؛ مثل دمشق.
стр. 473
قال أبو بكر الخلال: كل ما ذكروه عن أبي عبد الله -يعني: أحمد- من معاقل المدن، ثم ذكرهم عنه -أيضاً-؛ فهذا لما يبلغه من الحوادث، فأما ذكرهم عنه دمشق فهي عنده معقل دون الشام ودون غيرها، إلا ما ذكر في أول الباب من محبته المدينة على غيرها. انتهى.
وحاصل ما نقل عن الإمام أحمد: أنه يَستَحِب سكنى الشام، والانتقال بالذرية والعيال إلى معاقلها؛ كدمشق، وأما أطرافها وثغورها القريبة من السّواحل فلا يستحب سكناها بالذرية؛ لما يُخشى عليهم من إغارة الكفار، وإنما يَستحب الإقامة بها للرِّباط بدون نقل النساء والذرية.
وكل ما كان من بلدانها أقرب إلى السواحل، وأشد خوفاً، فإنه يكره نقل الذرية إليه.
وأما الأحاديث في فضائل الشام فلا تختصُّ عنده بثغورها، بل هي عامة لجميع أرض الشام؛ كبيت المقدس وما والاه، ودمشق وغيرها. والله ... -تعالى- أعلم (١) .
ويلاحظ أنّ الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- كان في العراق عند سؤال السائل له عن التحوّل، فأرشد إلى الشام، هذا في زمنه، فما بالك في هذا الزمان؟ فماذا نقول؟ ولا سيما عند سؤال إخواننا العراقيين من أهل السنة والحديث لنا، وهم الغريبون -حقّاً- في الديار، وفي الظاهر (٢) ، غير القادرين على ذكر أسماء أئمة الدين والهدى (٣) في دروسهم ومساجدهم، فضلاً عن
стр. 474
تداول مصنفاتهم، ونشر اختياراتهم، ليقع التواصي بالحق والصبر، الذي عليه -مع الإيمان والعمل الصالح- مدار النجاة، والله الهادي إلى الصالحات، والموفق للخيرات.
стр. 475
فصل (١)
فيما ورد من اجتماع جبابرة الأرض وإنفاق خزائنها لضرب بغداد
وذهابها في الأرض على وجه أسرع من الوتد الحديد في الأرض الرخوة
أخرج الخطيب في «تاريخه» (١/٢٨ أو ١/٣٢٥- ٣٢٦ - ط. دار الغرب) -وعنه الديلمي في «الفردوس» (٢/ق ٥٠ - مع «الزهر» ) - وهو في مطبوعه (٢/٧٣ رقم ٤١١ -غير المسندة-) ومن طريقه ابن الجوزي في «الموضوعات» (٢/٦٣-٦٤) - من طريق خلف بن تميم، قال: حدثني عمار ابن سيف، عن عاصم، عن أبي عثمان، قال: مرَّ جرير بن عبد الله بقنطرة الصَّراة، فقيل: يا صاحب رسول الله! ألا تنزل فتصيب من الغداء؟ قال: فضرب خاصرة فرسه بسوطه، وقال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول:
«تُبنى مدينة (٢) . . .
стр. 476
بين دجلة ودُجَيل (١) ،
وقُطْرَبُّل (٢) والصَّراة (٣) ، يُجبى إليها خزائن الأمصار وجبابرتها، يخسف بها وبمن فيها، فلهي أسرعُ ذهاباً في الأرض من الوتد الحديد في الأرض الرخوة» .
كذا رواه يوسف بن سعيد عن خلف، ورواه إبراهيم بن زياد عنه دون: «يخسف بها وبمن فيها» . وقال: «الأرض» ، بدل: «الأمصار» ، وروايته عند الخطيب (١/٣٢٥) ومن طريقه ابن الجوزي (١/٦٣) .
وأخرجه ابن عدي في «الكامل» (٥/١٧٢٦) من طريق القاسم بن زكريا ابن دينار، والخطيب في «تاريخ بغداد» (١١/٤٥٩-٤٦٠ - ط. الغرب) من طريق يحيى بن عبد الحميد الحِمّاني، وابن بشران في «الأمالي» (٤) -وعنه
стр. 477
الخطيب (١/٣٢٦) ، ومن طريقه ابن الجوزي في «الموضوعات» (٢/٦٣-٦٤) - من طريق الحسن بن حماد؛ ثلاثتهم عن إسحاق بن منصور الأسدي، عن عمار بن سيف، به. ولفظه -وهو للحماني-: «عن أبي عثمان، قال:
كنا مع جرير في موضع يقال له: التُّلول، فقال لي: أين دجلة؟ قلت: هذه. قال: فأين الدُّجيل؟ قال: قلت: هذا. قال: فأين قُطربل؟ قال: قلت: هذه. قال: فأين الصَّراة؟ قال: قلت: هذه. قال: النجاء النجاء، فارتَحِل بنا؛ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول:
«تبنى مدينة بين دجلة والدُّجيل، وقُطْربل والصَّراة، يجتمع فيها -أُراه قال: كلُّ جبار عنيد-، تُجبى إليها خزائن الأرض، يعملون فيها بأعمال، فإذا عملوا ذلك خُسف بهم، فلهي أسرع ذهاباً في الأرض من المِرْود الحديد يُضرب في أرض رخوة» .
وأخرجه الخلال في «علله» (ص ٢٩٨ رقم ١٩٧ - «منتخب ابن قدامة» ) من طريق الهيثم بن عبد الرحمن، عن عمار، به. إلا أن في مطبوعه: «عن عاصم عن أبيه» ! وهو خطأ؛ صوابه: «عن عاصم عن أبي عثمان» ، كما عند أبي عمرو الداني في «الفتن» (٤/٩٠٤-٩٠٥ رقم ٤٦٩ - ط. العاصمة، أو ص ٢١٧/رقم ٤٧٠ - ط. بيت الأفكار) ، والخطيب في «تاريخ بغداد» (١٦/٨٢ - ط. دار الغرب) ، بنحو اللفظ الذي قبله.
قال ابن حجر في «زهر الفردوس» (٢/ق ٥٠) على إثره:
«ورواه أبو نعيم في «الدلائل» -وهو ليس في طبعتيه. وأصوله الخطية ناقصة- عن حبيب بن الحسن بن علي بن الوليد، حدثنا إسحاق بن بشر، حدثنا عمار بن سيف، به.
قلت: وأخرجه الثعلبي في تفسيره المسمى «الكشف والبيان» (٨/٣٠٢) من طريق عبد الله بن مخلد، ثنا إسحاق بن بشر الكاهلي، به.
стр. 478
وفي لفظ ابن حماد: «يخرج بها جبابرة أهل الدنيا، يُجبى إليهم الخراج، يخسف الله بها» ، وفيه: «في الأرض النَّخِرة أو الخوّارة» .
وأخرجه المحاملي في «أماليه» (رواية ابن الصَّرْصَري (١) (ص ٣٥٠-٣٥١ رقم ١٤٣، ٣٨٥ - رواية ابن البيع) -ومن طريقه الخطيب (١/٣٢٦-٣٢٧) ومن طريقه ابن الجوزي (٢/٦٤) - من طريق أبي غسان مالك بن إسماعيل، عن عمار بن سيف، به. وفيه: «يجبى إليها خزائن الأرض وجبابرتها، يُخْسف بأهلها، ... » .
ورواه حسين الأشقر عن عمار بلفظ: «يجبى إليها خراج أهل الدنيا وجبابرتها» . أخرجه الخطيب (١/٣٢٦) .
قال عمار بن سيف -في رواية ابن زياد عن خلف المتقدمة-: سمعتُ سفيان الثوري يسأل عاصماً الأحول عن هذا الحديث، فحدّثه عاصم، وأنا حاضر، عن أبي عثمان.
وقال في رواية ابن حماد عن ابن منصور: سمعتُ عاصماً الأحول وسأله سفيان عن أبي عثمان.
وقال في رواية القاسم بن زكريا عنه: سمعته يحدّث به في مجلس سفيان، وأعانني على بعضه.
وقال أبو غسان عقبه: «قال عمار: سمعته يحدّث به رجلاً» ، قال أبو غسان: «فقلت له: أبا سفيان (٢) ؟ فقال: قد أخذ عليَّ أن لا أسميه، ولم يقل لي: قال عمار، فشككتُ في بعضه فقوّمني فيه، وقد حفظتُ إسناده من عاصم، والحديث لا شيء» .
стр. 479
وأسند أبو بكر محمد بن عمر الجِعابي -ومن طريقه الخطيب (١/٣٢٧) - عن أحمد بن يعقوب المسعودي، قال: قلت لعمار بن سيف: سمعتَ هذا الحديث من عاصم؟ قال: لا، قلت: من حدّثك عن عاصم؟ قال: رجل ثقة كأنك تسمعه منه.
وهذا خلاف ما تقدم؛ لأن عماراً ذكر في تلك الرواية أنه حضر الثوري يسأل عاصماً عنه، وفي هذه الرواية أنكر أن يكون سمعه من عاصم، وقد يجاب عن هذا بوجوه:
الأول: أنه نسي تحديثه به، فهو من باب (من حدّث ونسي) .
الثاني: أن المراد عدم سماعه لحديث آخر، إذ لم يرد ذكر للحديث في الرواية.
الثالث: رواية الجماعة مقدمة على رواية الجِعابي، ولا سيما أن الذهبي قال عنه في «الميزان» (٣/٦٧٠) : «فاسق رقيق الدين» !
الرابع: أنه سمع لفظَ الحديث من سفيانَ لا من عاصمٍ، فيكون (سفيانُ) واسِطَتَه بالسماع منه. وشكَّ فيه؛ فراجَعَ (عاصماً) ، فحفظ الإسناد منه، دون المتن إلا الشيء منه، كما صرح به أبو غسان فيما تقدم عنه.
ولذا كان يرويه عمار بن سيف عن سفيان -أيضاً-، وهذا البيان:
أخرجه العقيلي في «الضعفاء الكبير» (٣/٣٢٤-٣٢٥) من طريق محمد ابن واصل، عن عمار، عن سفيان، عن عاصم، به. وفيه: «يجتمع إليها جُباة الأرض وكنوزها» .
وأخرجه المحاملي في «أماليه» (ص ٣٥١/رقم ٣٨٦ - رواية ابن البيع) ، قال: ثنا ابن إشكال، ثنا أبو جعفر الكوفي محمد بن فلان، ثنا عمار، به.
وأخرجه عبد الله بن أحمد في «العلل ومعرفة الرجال» (٢/٣٧٠ رقم
стр. 480
٢٦٤٥) -وعنه أبو بكر الشافعي (١) ، ومن طريقه الخطيب (١/٣٢٩) ، ومن طريقه ابن الجوزي (٢/٦٥-٦٦) -، وأبو عمرو الداني في «الفتن» ... (ص ١٦٩-١٧٠ رقم ٣٥٠ - ط. بيت الأفكار (٢) ، أو ٣/٧١٨-٧١٩ رقم ٣٥٠) : حدثنا يحيى بن معين، قال: حدثنا يحيى بن أبي بكير، عن عمار بن سيف، به. وفيه: «يجمع فيها خزائن الأرض، يخسف بها، فلَهي أسرع ذهاباً في الأرض من الحديد أو الحديدة في الأرض الخوّارة» .
ولم يروه ابن معين على أنه صحيح، وإنما رواه على الذاكرة، ثم عرف محله من الوهاء، فقال عنه -كما سيأتي-: «هذا موضوع» ، أو قال: «كذب» .
وأخرجه الإسماعيلي (٣) - ومن طريقه الخطيب (١/٣٢٩) ، ومن طريقه ابن الجوزي (٢/٦٦) -: أخبرني الحسن بن سفيان (٤) وعمران بن موسى، قالا: حدثنا محمد بن الحسن الأعين أبو بكر، قال: حدثنا يحيى بن معين، به. ولفظه: «يكون خسف بين دجلة ودُجيل، وقُطْرَبُّل والصَّراة، بأمراء جبابرة يخسف الله بهم الأرض، ولهي أسرع بهم هُوِيّاً من الوتد اليابس في الأرض الرطبة» .
وأعلّ هذا الحديث شديداً، بل نبز بالوضع، وعُلِّقت الجناية بـ (عمار بن سيف) !
قال يحيى بن معين على إثره: «هذا موضوع» ، أو قال: «كذب» .
مع أن إسناده لا يتحمل ذلك، فعمار: قال ابن معين في «تاريخ الدارمي»
стр. 481
(ص ١٨٦/رقم ٦٧٥) وفي «تاريخ الدوري» (٢/٤٢٣) : «ثقة» ، وقال الليث ابن عبدة عن ابن معين: «رجل صدق ثقة» . وقال العجلي في «تاريخ الثقات» (ص ٣٥٢ رقم ١٢٠٥) : «ثقة ثبت، متعبد، وكان صاحب سنة» . وفي «الجرح والتعديل» (٦/٣٩٣) : «إن عبد الله بن المبارك أثنى عليه خيراً، وقال عبيد بن إسحاق: كان شيخ صدق» . كذا في «تهذيب الكمال» (٢١/١٩٥) .
وقد ضعّفه بعض الأئمة، قال ابن معين في رواية ابن أبي خيثمة: «ليس حديثه بشيء» ، وقال أبو حاتم: «كان شيخاً صالحاً، وكان ضعيف الحديث، منكر الحديث» ، وقال أبو زرعة: «ضعيف» . كذا في «الجرح والتعديل» (٦/٣٩٣) . وقال البزار: «ضعيف» ، وقال في موضع آخر: «صالح» . نقله مغلطاي في «إكمال تهذيب الكمال» (٩/٣٩٤) ، وعنه -كعادته- ابن حجر في «التهذيب» (٧/٤٠٣) ، وجمع بينهما بزيادة قوله بعد «صالح» : «في نفسه» . وقال ابن عدي في «الكامل» (٥/١٧٢٧) : «الضعف بيِّن على حديثه» ، وقال قبله: «منكر الحديث» ، وقال أبو داود في «سؤالات الآجري» (ص ١٢٤/رقم ٦٥) : «كان مغفَّلاً» ، وقال الدارقطني في «سؤالات البرقاني» (٣٧٧) : «متروك» .
وهذا الضعف شديد، ومثله قول البخاري في «التاريخ الصغير» (٢/٢٢٥-٢٢٦) : «منكر، ذاهب» ، وفي «التاريخ الأوسط» (١) (٢/١٧٧ - رواية الخفاف) : «حدثني عمرو بن محمد، ثنا عمار بن محمد أبو اليقظان، وكان أوثق من سيف ابن أخت سفيان الثوري، ومات عمار بن سيف الضبي، فيروي عنه عن سفيان، عن عاصم، عن أبي عثمان: في قطربل وصراة؛ قطربل: موضع عند باب بغداد، وصراة: نهر، لا يتابع عليه، منكر، ذاهب» . وقول ابن حبان في «المجروحين» (٢/١٩٥) : «كان ممن يروي المناكير عن المشاهير،
стр. 482
حتى ربما سبق إلى القلب أنه كان المتعمّد لها، فبطل الاحتجاج به؛ لما أتى من المعضلات عن الثقات» ، وقال:
«روى عن إسماعيل بن أبي خالد، عن ابن أبي أوفى، عن النبي ﷺ أحاديث بواطيل، لا أصول لها، يطول الكتاب بذكرها» .
وقال الحاكم في «المدخل إلى الصحيح» (١٨٣) : «روى عن إسماعيل ابن أبي خالد والثوري المناكير» ، ونقل مغلطاي في «إكمال تهذيب الكمال» (٩/٣٩٥) مثله عن أبي سعيد النقاش.
ومثله عند أبي نعيم في «ضعفائه» (١٧٢) ، وزاد: «لا شيء» .
ولخص حاله في «التقريب» بقوله: «ضعيف الحديث، عابد» .
وسبب الحكم على الحديث بالوضع -مع أنّ صنيعَ المخرجين في ظاهرِ إسنادِه القولُ بالضعف- ما أفصح به العقيلي في «ضعفائه» (٣/٣٢٥) ؛ قال:
«قال المخرمي: سمعتُ يحيى بن معين يقول: سمعت يحيى بن آدم يقول: إنما أصاب عمار بن سيف هذا الحديث على ظهر كتاب فرواه» .
وبيّن ذلك الخلال في «علله» (ص ٢٩٨-٢٩٩/ «منتخب ابن قدامة» ) ، قال بعد أن أسند مقولة يحيى بن آدم بلفظ: «إنما أصاب عمار هذا الحديث فرواه» ، قال:
«وروى عن يحيى بن آدم، قال: ما رواه أحدٌ إلا عمار بن سيف (١) .
قال يحيى بن معين: ومنهم من يرويه عنه، عن سفيان، عن عاصم،
стр. 483
وليس لهذا الحديث أصل (١) .
أخبرنا عبد الله، قال: ذكر أبي حديث المحاربيّ، عن عاصم، عن أبي عثمان -يعني: هذا الحديث- فقال: ليس بصحيح -أو قال: كذب-، وكل من حدّث به فهو كذاب.
وقال: كان المحاربيّ جليساً لسيف بن محمد ابن أخت سفيان، وكان سيف كذاباً، فأرى المحاربيّ سمعه منه» انتهى.
قلت: «نَقْلُه عن عبد الله ابن الإمام أحمد موجودٌ في كتابه «العلل ومعرفة الرجال» (٢/٣٧٠ رقم ٢٦٤٤) بزيادة؛ ونص كلامه:
«ذكر أبي حديث المحاربي عن عاصم، عن أبي عثمان، حديث جرير: «تُبنى مدينة بين دجلة ودُجيل» ، فقال: كان المحاربي جليساً لسيف بن محمد -ابن أخت سفيان-، وكان سيف كذاباً، فأظن المحاربي سمع منه، قيل له: إن عبد العزيز بن أبان رواه عن سفيان، فقال: كل من حدّث به فهو كذاب -يعني: عن سفيان-.
قلت له: إن لُويناً حدثناه عن محمد بن جابر، فقال: كان محمد ربما ألحق في كتابه، أو يلحق في كتابه -يعني: الحديث-، وقال: هذا حديث ليس بصحيح، أو قال: كذب» .
قلت: أما رواية المحاربي -واسمه: عبد الرحمن بن محمد بن زياد أبو محمد الكوفي-؛ فقد أخرجها الخطيب (١/٣٥ - ط. القديمة، و١/٣٣٤ - ط. دار الغرب) -ومن طريقه ابن الجوزي في «الموضوعات» (٢/٦٨) من طريق عبد الله بن أحمد، وساق كلامه السابق.
والمحاربي ثقة يغرب، كما في «الكاشف» (٢/١٦٣) ، وفي «التقريب»
стр. 484
(ص ٣٤٩/رقم ٣٩٩٩) : «لا بأس به، وكان يدلّس، قاله أحمد» .
ونقل مغلطاي في «إكمال تهذيب الكمال» (٩/٣٩٥) في ترجمة (عمار ابن سيف) عن البخاري في «التاريخ الكبير» قوله:
«وروى المحاربي عن عمار، عن ابن أبي خالد، عن ابن أبي أوفى، قال: آخى النبي ﷺ بين أصحابه ... بطوله، يروي عنه سفيان عن (١) عاصم في الدجلة وقطربل، وهو حديث منكر، والأول -أيضاً- ليس بشيء» .
ولم أظفر بهذا النقل في «التاريخ الكبير» (٥/٣٤٧ رقم ١١٠٢) في ترجمة (المحاربي) ، ولا في ترجمة (عمار) (٢) .
وأما رواية سيف بن محمد الكوفي -ابن أخت سفيان الثوري- عن عاصم، به. فقد أخرجها العقيلي في «الضعفاء الكبير» (٢/١٧٢) ، والخطيب في «تاريخ بغداد» (١/٣٠ - ط. القديمة، أو ١/٣٢٧-٣٢٨ - ط. دار الغرب) -ومن طريقه ابن الجوزي في «الموضوعات» (٢/٦٤-٦٥) -.
وعلقه البخاري في «التاريخ الكبير» (٤/١٧٢ رقم ٢٣٨٠) في ترجمة (سيف) ، قال: «قاله محمد بن الصباح، نا سيف بن محمد» ، وقال:
«لا يتابع عليه، وهو أخو عمار بن محمد، ضعّفه أحمد» .
قلت: قال الدارمي في «تاريخه» (ص ١١٨-١١٩ رقم ٣٦٧) : «كان شيخاً ها هنا كذّاباً خبيثاً» ، وفي «العلل» (١/٨٨) لأحمد: «لا يكتب حديث سيف» ، و «ليس سيف بشيء، وكان سيف يضع الحديث» ، وفي «الجرح والتعديل» (٤/٢٧٧) : «ضعيف، لا يكتب حديثه، ذاهب الحديث» ، وفي
стр. 485
«الضعفاء» للدارقطني (ص ٢٤١-٢٤٢ رقم ٢٨١) : «كوفي ضعيف متروك» ، وفي «الكامل» لابن عدي (٣/١٢٧١) : «بيّن الضعف جدّاً» ، وقال أبو داود: «كذاب» ، وقال الساجي: «يضع الحديث» . كذا في «تاريخ بغداد» (٩/٢٢٦-٢٢٧) ، وفي «المجروحين» (١/٣٤٦-٣٤٧) : «كان شيخاً صالحاً متعبداً، إلا أنه يأتي عن المشاهير بالمناكير، كان ممن يُدخَل عليه فيجيب، إذا سمع المرءُ حديثه شهد عليه بالوضع» ، وفي «الكاشف» (١/٣٣٣) : «كذاب، والعجب من الترمذي يحسِّن له» ، وفي «التقريب» (رقم ٢٧٢٦) : «كذّبوه» .
وأما رواية عبد العزيز بن أبان عن سفيان؛ فقد أخرجها الخطيب في «تاريخه» (١/٣١-٣٢ - ط. القديمة، أو ١/٣٣٠ - ط. دار الغرب) -ومن طريقه ابن الجوزي في «الموضوعات» (٢/٦٦) -.
وعبد العزيز بن أبان الأموي:
قال الدارمي في «تاريخه عن ابن معين» (ص ٢٩٣/رقم ٥٦٩) : «ليس بثقة، قلت (الدارمي) : من أين جاء ضعفه؟ فقال: كان يأخذ أحاديث الناس فيرويها» .
وشدد وأغلظ عليه في «سؤالات ابن الجنيد» (ص ٢٩٣/رقم ٨٢) ، قال عنه: «كذاب خبيث، يضع الحديث» ، وقال في رواية ابن أبي خيثمة: «وضع أحاديث عن سفيان، لم يكن بشيء» . كذا في «الجرح والتعديل» (٥/٣٧٧) ، و «تاريخ بغداد» (١٠/٤٤٥) ، و «تهذيب الكمال» (١٨/١١٠) ، وقال في «سؤالات ابن محرز» (رقم ٥) : «ليس حديثه بشيء، كان يكذب» ، وقال (رقم ٩١) : «كان يحدث بأحاديث موضوعة» ، وقال في «تاريخ الدوري» (٣/٢٧٧) : «ليس بشيء» .
وكذبه محمد بن عبد الله بن نمير، قال عنه: «ما رأيت أحداً أبين أمراً منه، وهو كذاب» .
стр. 486
وقال ابن عدي (٥/١٩٢٦-١٩٢٧) : «له عن الثوري غير ما ذكرت من البواطيل وعن غيره» ، وقال البخاري في «التاريخ الكبير» (٦/٣٠) : «تركه أحمد» ، وقال في «الضعفاء الصغير» (ص ١٥١ رقم ٢٢٤) : «تركوه» ، وقال النسائي في «ضعفائه» (١٦٨/رقم ٤١٣) : «متروك الحديث» ، وقال أبو حاتم في «الجرح والتعديل» (٥/٣٧٧-٣٧٨) : «متروك الحديث، لا يشتغل به، تركوه، لا يكتب حديثه» ، وقال ابن سعد (٦/٤٠٤) : «كان كثير الرواية عن سفيان، ثم خلط بعد ذلك، فأمسكوا عن حديثه» . وضعفه أبو زرعة؛ فذكره في «ضعفائه» (٦٣٥) ، ونقل (٦٣٣) عن ابن نمير قوله فيه: «ما مات عبد العزيز حتى قرأ ما ليس من حديثه» ، وقال البزار في «مسنده» (٣٤٤٠ - «زوائده» ) : «ليس بالقوي» ، وقال الخليلي في «الإرشاد» (٢/٤٨٥) : «ضعفوه والحمل عليه» ، وقال الدارقطني في «سننه» (٤/٢٦٤) : «متروك الحديث» ، وقال أبو نعيم في «ضعفائه» (ص ١٠٥ رقم ١٢٩) : «يروي عن مسعر والثوري المناكير، لا شيء» ، وقال ابن حبان في «المجروحين» (٢/١٤٠-١٤١) : «كان ممن يأخذ كتب الناس، فيرويها من غير سماع، ويسرق الأحاديث، ويأتي عن الثقات بالأشياء المعضلات» ، وقال يعقوب بن شيبة: «هو عند أصحابنا جميعاً متروك، كثير الخطأ، كثير الغلط، وقد ذكروه بأكثر من هذا» ، وقال ابن المديني: «ليس بذاك، وليس هو في شيء من كتبي» . نقلهما الخطيب في «تاريخ بغداد» (١/٤٤٢، ٤٤٥) . وقال ابن حزم في «المحلى» (١٠/٤٨٤) : «متفق على ضعفه» ، وقال الذهبي في «المغني» (٢/٣٦٩) : «متروك متّهم» ، وفي «التقريب» (رقم ٤٠٨٣) : «متروك، وكذبه ابن معين وغيره» .
وأسند الخطيب في «تاريخه» (١/٣٣٣ - ط. دار الغرب) إلى عليّ بن الحسين بن حِبّان، قال: وجدتُ في كتاب أبي بخط يده: قال أبو زكريا -يعني: يحيى بن معين-: عبد العزيز بن أبان كذاب خبيث. قلت له: بأي شيء استدللت على كذبه؟ قال: حدَّث عن سفيان، عن عاصم، عن أبي عثمان، عن
стр. 487
جرير في دجلة ودجيل. فقلت له: فقد حدث به عمار بن سيف عن سفيان، قال: عمار كان رجلاً مُغفَّلاً لا يدري مِن سفيان سمعه أو من عاصم؟ كذا قال يحيى بن آدم.
وأما رواية لُوين -وهو لقبه (١) ، واسمه: محمد بن سليمان الأسَدي- عن محمد بن جابر الحنفي عن عاصم، به. فقد أخرجها أبو حيان في «الفتن» ... -كما في «اللآلئ المصنوعة» (١/٤٧٣) -، والخطيب في «تاريخه» (١/٣٠ - ط. القديمة، أو ١/٣٢٨ - ط. دار الغرب) -ومن طريقه ابن الجوزي في «الموضوعات» (٢/٦٥) -.
ومحمد بن جابر بن سيَّار الحنفي اليماني، ضعيف، لقِّن هذا الحديث، أو ألحقه في كتبه، دلت على هذا أقوال النّقّاد فيه، وهذا البيان:
قال الدارمي في «تاريخه» (رقم ٧٤٢) ، والدوري في «تاريخ ابن معين» (٢/٥٠٧) عن ابن معين: «ليس بشيء» ، وقال الدوري: «كان أعمى واختلط عليه حديثه، وكان كوفيّاً، فانتقل إلى اليمامة، وهو ضعيف» (٢) ، وقال ابن طهمان (٩٤، ٣٧٥) : «لا يكتب حديثه، ليس بثقة» ، وقال ابن الجنيد في «سؤالاته» (رقم ٢٣٢، ٤٤٨) : «ليس بثقة» ، وقال البخاري في «التاريخ الكبير» (١/٥٣) : «ليس بالقوي» ، وكذا في «ضعفائه الصغير» (ص ٢٠٤/رقم ٣١٣) ، وزاد: «عندهم» .
وقال أبو حاتم في «الجرح والتعديل» (٧/٢١٩-٢٢٠) : «ذهبت كتبه في آخر عمره، وساء حفظه، وكان يلقَّن» ، وقال: «كان يروي مناكير، وهو معروف بالسماع، جيد اللقاء، رأَوا في كتبه لَحَقاً، وحديثه عن حماد فيه اضطراب» ، وقال النسائي في «ضعفائه» (ص ٢١٧/رقم ٥٥٩) : «ضعيف» ،
стр. 488
وقال العقيلي في «الضعفاء الكبير» (٤/٤١-٤٢) : «لا يتابع على عامة حديثه» .
وقال ابن حبان في «المجروحين» (٢/٢٧٠) : «كان أعمى يُلحق في كتبه ما ليس من حديثه، ويسرق ما ذوكِر به، فيحدّث به» .
قلت: حديثنا هذا يبرهن على صحة هذه المقولة.
وقال ابن عدي في «الكامل» (٦/٢١٥٨) : «خالف في أحاديث، ومع ما تكلّم فيه من تكلم، يكتب حديثه» ، وقال الذهبي في «الكاشف» (٣/٢٤) : «سيئ الحفظ» ، وقال ابن حجر في «التقريب» (ص ٤٧١/رقم ٥٧٧٧) : «صدوق ذهبت كتبه، فساء حفظه، وخلط كثيراً، وعمي فصار يُلقَّن، ورجّحه أبو حاتم على ابن لهيعة» .
وظفرتُ براوٍ له عن عاصم، ممن يحتمل حاله، ويمشّى حديثه؛ وهو:
* أبو شهاب الحنّاط عبد ربه بن نافع الكِناني (١) ، قال في «التقريب» (ص ٣٣٥/رقم ٣٧٩٠) عنه: «صدوق يهم» ، وقال الذهبي في «الكاشف» (٢/١٣٧) : «صدوق» .
أخرجه الخطيب في «تاريخ بغداد» (١/٣٠-٣١ - ط. القديمة، أو ١/ ٣٢٨-٣٢٩ - ط. دار الغرب) ، ومن طريقه ابن الجوزي في «الموضوعات» (٢/٦٥) من طريق الحسن بن الربيع، قال: نبأنا أبو شهاب عن عاصم، به.
وظاهر هذا الإسناد الحُسْن، ولم يقع تصريح من أبي شهاب بسماعه من عاصم، فتعلّق من أعلّه بسماع أبي شهاب له من عمار أو سيف، وأرجع هذا الطريق إلى أحد الطرق السابقة.
стр. 489
قال الخطيب البغدادي في «تاريخه» (١/٣٦) في بيان علّة هذا الطريق: «وأما أبو شهاب الحنّاط؛ فقد كان صدوقاً، إلا أن يحيى بن سعيد القطّان لم يكن يرضى أمره، وكان يقول: لم يكن بالحافظ، وأحسب أنه وقع إليه حديث عاصم من جهة عمار بن سيف، أو سيف بن محمد، أو محمد بن جابر، فرواه عن عاصم مرسلاً؛ لأن الحسن بن الربيع لم يذكر عنه الخبر فيه، والله أعلم» .
* ذكر سائر رواة الحديث عن سفيان الثوري عن عاصم وبيان حالهم:
أما من رواه عن سفيان من غير المذكورين سابقاً فكثير، وهذا ما وقفتُ عليه منهم، مع بيان حالهم بإيجاز، والله المستعان:
أولاً: إسماعيل بن أبان الغنوي الخياط .
أخرجه الخطيب في «تاريخ بغداد» (١/٣١ - ط. القديمة، أو ١/٣٢٩-٣٣٠ - ط. دار الغرب) ومن طريقه ابن الجوزي في «الموضوعات» (٢/٦٦) .
وإسماعيل هذا متروك، رُمي بالوضع؛ كما في «التقريب» (ص ١٠٥/ رقم ٤١١) .
قال البخاري في «التاريخ الكبير» (١/٣٤٧) : «متروك، تركه أحمد» ، وفي «الضعفاء الصغير» (ص ٣٢/رقم ١٦) : «متروك الحديث» ، وكذا قال النسائي في «الضعفاء» (ص ٣٢/رقم ٣٣) ، والدارقطني في «الضعفاء» ... (ص ١٣٢-١٣٣ رقم ٧٥) ، وقاله -أيضاً- أبو حاتم في «الجرح والتعديل» (٢/١٦٠) -وزاد: «وكان كذاباً» -، ومسلم بن الحجاج وزكريا بن يحيى الساجي -وزاد: «عنده مناكير» -. كذا في «تاريخ الخطيب» (٦/٢٤٢) ، والبزار كما في «التهذيب» (١/٢٧٠) .
واتهمه ابن معين بالوضع؛ كما في «الجرح والتعديل» (٢/١٦٠) ، وقال الجوزجاني في «أحوال الرجال» (ص ٨٤/رقم ١١٣) : «ظُهر منه على
стр. 490
الكذب» ، وقال ابن حبان في «المجروحين» (١/١٢٨) : «كان يضع الحديث على الثقات» ، وقال الخطيب البغدادي في «تاريخه» (٦/٢٤٠) : «كان سيئ الحال في الرواية، وقدم بغداد، وحدث بها أحاديث تبيَّن الناس كذبه فيها، فتجنبوا السماع منه، واطرحوا الرواية عنه» .
ونقل مغلطاي في «إكمال تهذيب الكمال» (٢/١٤١) عن ابن خلفون قوله: «أجمعوا على ترك حديثه» ، وقال: «وذكره أبو العرب وابن شاهين في جملة الضعفاء» .
وقال ابن عدي في «الكامل» (١/٣٠٤) : «ولإسماعيل بن أبان غير ما ذكرت من الروايات عن هشام بن عروة وغيره، وعامّتها لا يُتابع عليه، إما إسناداً وإما متناً» .
وقال المزي في «تهذيب الكمال» (٣/١٢) : «وهو مجمع على ضعفه» ، وتناوله الذهبي في «الميزان» (١/٢١١-٢١٢) ، ونقل عن الأئمة ما لا يقبل الشك بوهائه وضرورة تركه، وقال في «ديوان الضعفاء والمتروكين» ... (١/٧٩ رقم ٣٦٩) : «متروك» .
ثانياً: إسماعيل بن عمرو (١) بن نَجيج الكوفي ثم الأصبهاني.
أخرجه الخطيب في «تاريخ بغداد» (١/٣٢ - ط. القديمة، أو ١/ ٣٣٠ - ط. دار الغرب) ، ومن طريقه ابن الجوزي في «الموضوعات» (٢/٦٦-٦٧) .
وإسماعيل هذا هو آفة هذا الطريق، تساهل ابن حبان بترجمته في «الثقات» (٨/١٠٠) ، وقال عنه: «يُغرب كثيراً» ، بينما قال أبو حاتم في «الجرح والتعديل» (٢/١٩٠) عنه: «ضعيف الحديث» ، وقال ابن عدي في «الكامل»
стр. 491
(١/٣١٦، ٣١٧) : «حدث عن ... والثوري ... بأحاديث لا يُتابع عليها» ، وقال بعد إيراد شيء منها: «عامتها مما لا يتابع إسماعيل أحد عليها، وهو ضعيف» ، وقال العقيلي في «ضعفائه» (١/٨٦-٨٧) : «في حديثه مناكير، ويحيل على من لا يحتمل» ، وقال أبو الشيخ في «طبقات المحدثين بأصبهان» (٢/٧١-٧٤) : «غرائب حديث إسماعيل تكثر» ، وأورد بعضاً منها.
وذكره الدارقطني في «ضعفائه» (ص ١٤٠ رقم ٨٧) ، وقال عنه: «ضعيف» ، وقال الخطيب البغدادي في «تاريخه» (١/٣٧) : «إسماعيل بن نَجيح (١) ؛ هو إسماعيل بن عمرو بن نجيح البَجَلي، نُسب في الرواية إلى جده، وهو صاحب غرائب ومناكير عن سفيان الثوري وعن غيره» ، ونقل عن الحافظ ابن عقدة قوله فيه: «ضعيف، ذاهب» (٢) .
ثالثاً: عبيد الله بن سفيان الغُداني .
أخرجه الخطيب في «تاريخه» (١/٣٢ - ط. القديمة، أو ١/٣٣٠-٣٣١ - ط. دار الغرب) ومن طريقه ابن الجوزي في «الموضوعات» (٢/٦٧) .
وعبيد الله بن سفيان بن عبيد الله بن رواحة الأَسَدي الغُداني الصوفي، أبو سفيان البصري الصواف، هو آفة هذا الطريق، قال الدوري في «تاريخ ابن معين» (٢/٣٨٢) : «كان كذاباً» ، وقال ابن حبان في «المجروحين» (٢/٦٦) : «كان ممن ينفرد بالمقلوبات عن الأثبات، ويأتي عن الثقات بالمعضلات» ،
стр. 492
وأقرهما السمعاني في «الأنساب» (٩/١٢٧-١٢٩) ، والذهبي في «الميزان» (٣/٩) . وقال أبو حاتم في «الجرح والتعديل» (٥/٣١٨) : «شيخ، ليس بالقوي» ، وقال ابن عدي في «الكامل» (٤/١٦٣٨-١٦٣٩) : «في بعض أحاديثه بعض النُّكرة» ، وذكره الساجي في «الضعفاء» ، وقال: «لم ألق أحداً يحدث عنه» ، ثم حكى عن ابن معين تكذيبه. كذا في «لسان الميزان» (٥/٣٣٠ - ط. أبو غدة) (١) .
رابعاً: عبد الرزاق بن همام الصَّنعاني .
أخرجه الخطيب في «تاريخ بغداد» (١/٣٢-٣٣ - ط. القديمة، أو ١/٣٣١ - ط. دار الغرب) ، ومن طريقه ابن الجوزي في «الموضوعات» (٢/٦٧-٦٨) من طريق أحمد بن محمد بن عمر اليمامي عن عبد الرزاق، به.
وآفة هذا الطريق أحمد بن محمد بن عمر، «وتفرد بروايته عن عبد الرزاق، وليس بمحل الحجة» (٢) ، قال أبو حاتم في «الجرح والتعديل» (٢/٧١) : «قدم علينا، وكان كذاباً، وكتبت عنه، ولا أحدث عنه» ، وقال ابن عدي في «الكامل» (١/١٨٢-١٨٣) : «حدث بأحاديث مناكير عن الثقات، وجدته ينسخ عن الثقات العجائب» ، وقال: «وهو مُقارب الحال، وهو إلى الضعف أقرب منه إلى الصدق» ، وقال ابن حبان في «المجروحين» (١/١٤٣-١٤٤) : «يروي عن عبد الرزاق وعمر بن يونس وغيرهما أشياء مقلوبة، لا يعجبنا الاحتجاج بخبره إذا انفرد» .
وأسند ابن يونس في «تاريخ مصر» إلى علي بن أحمد بن سليمان علاّن، قال: كان سلمة بن شبيب يكذبه. كذا في «تاريخ دمشق» (٥/٤٢٤) ، و «تاريخ
стр. 493
بغداد» (٥/٦٦) ، و «المقفى الكبير» (١/٦٤٦ رقم ٦٢٠) .
وكان يحيى بن محمد بن صاعد يرميه بالكذب. كذا في «تاريخ بغداد» (٥/٦٦) ، و «تاريخ دمشق» (٥/٤٢٦) ، و «المقفى الكبير» (١/٦٤٧) ، وقال أبو الشيخ في «طبقات المحدثين بأصبهان» (٣/٧٥) : «له أحاديث منكرات» ، وسرد واحداً منها (١) .
فهذه أحد عشر (٢) طريقاً لحديث جرير بن عبد الله البجلي، مدارها على متّهمين أو متروكين، أو على من تكلم فيهم شديداً، أو على من هم أحسن حالاً من ذلك، ولكن كانت فيهم غفلة، ومَرَدُّ أحاديثهم على مَن قبلهم.
وقد سبق قول الإمام أحمد: «كل من حدث هذا الحديث عن سفيان فهو كذاب» .
وقوله: «هذا الحديث ليس بصحيح. أو قال: كذب» .
وأسند الخطيب في «تاريخه» (١/٣٣٣ - ط. دار الغرب) إلى علي بن عبد العزيز، قال: ذكرت لأحمد -يعني: ابن مَنيع- حديث عاصم، عن أبي عثمان، عن جرير: تُبنى مدينة ... ، ففارقني، ثم رجع إليّ، فقال: ذَهبتُ إلى أحمد ابن حنبل فأخبرته به، فقال لي: يا أبا جعفر ليس لهذا الحديث أصل.
وهكذا قال -فيما نقلناه- ابن معين، في جمع آخرين نذكر أقوالهم -إن شاء الله تعالى- بعد سياق شواهد الحديث، والله الموفق، لا رب سواه.
стр. 494
شواهد حديث جرير بن عبد الله البَجَليّ:
ورد في معنى حديث جرير أحاديث عديدة، عن كل من: أنس بن مالك، وحذيفة، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن عمر ﵃ جميعاً-، وهذا التفصيل:
* حديث أنس بن مالك .
أخرج ابن عدي في «الكامل» (٤/١٣٨٤) ، والخطيب في «تاريخ بغداد» (١/٣٣ - ط. القديمة) -ومن طريقهما ابن الجوزي في «الموضوعات» (٢/٦٢) من طريق أحمد (١) بن مُطَهَّر المصِّيصي عن صالح بن بيان، عن أبي عبيدة، عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : «تبنى مدينة بين دجلة ودجيل، لهي أسرع ذهاباً في الأرض من الوتد الحديد في الأرض الرخوة» .
قال ابن عدي عقبه: «أبو عبيدة هذا أظنه حميد الطويل، وقد روي عن الثوري هذا بإسناد آخر، وصالح بن بيان لا أعرف له إلا الشيء اليسير، وإنما ذكرت هذا الحديث لأنه منكر» .
قلت: صالح بن بيان، هو المعروف بالسَّاحلي، كان قاضي سيراف، ترجمه الخطيب في «تاريخ بغداد» (٩/٣١٠) ، وقال: «وكان ضعيفاً، يروي المناكير عن الثقات» ، وقال العقيلي في «الضعفاء الكبير» (٢/٢٠٠) : «يحدث بالمناكير عمن لا يحتمل، والغالب على حديثه الوهم» ، وقال المستغفري في أواخر كتاب «الطب النبوي» (٢) له: «كان يروي العجائب، وينفرد بالمناكير» ، نقله ابن حجر في «اللسان» (٤/٢٨٢ - ط. أبو غدة) (٣) ، وقال الدارقطني في
стр. 495
«السنن» (١/١٨٥) : «متروك» ، وقال ابن القطان في «بيان الوهم والإيهام» (٣/٣٣٣ رقم ١٠٧٦) : «لا يعرف» ، ونقله عنه ابن العراقي في «ذيل ميزان الاعتدال» (ص ٢٨٣/رقم ٤٤٤) .
وقال الذهبي في ترجمة (صالح) هذا في «الميزان» (٢/٢٩٠) -وأقره ابن حجر في «اللسان» (٤/٢٨١) - عن هذا الحديث: «قلت: هذا الحديث باطل» .
وأما الطريق الأخرى عن سفيان، فهي:
ما أخرجه الطبراني (١)
-ومن طريقه الخطيب في «تاريخ بغداد» (١/٣٣ - ط. القديمة، أو ١/٣٣١-٣٣٢ - ط. دار الغرب) ومن طريقه ابن الجوزي في «الموضوعات» (٢/٦٢) -: حدثنا إبراهيم بن محمد التُّسْتَريّ الدَّسْتوائي، والخطيب (١/٣٣) -ومن طريقه ابن الجوزي (٢/٦٢) - من طريق جعفر بن أحمد بن يحيى المروزي المؤذّن؛ كلاهما قال: حدثنا سليمان بن الربيع، قال: حدثنا همام بن مسلم، قال: سمعتُ سفيان، به.
وإسناده ضعيف جدّاً، همام بن مسلم الزاهد، قال الدارقطني في «العلل» : «مجهول» ، ونقله عنه ابن حجر في «اللسان» (٦/١٩٩-٢٠٠، أو٨/٣٤٤ - ط. أبو غدة) ، وقال ابن حبان في «المجروحين» (٣/٩٦-٩٧) : «كان ممن يسرق الحديث، ويحدِّث به، ويروي عن الثقات ما ليس من