(١/٣١٦، ٣١٧) : «حدث عن ... والثوري ... بأحاديث لا يُتابع عليها» ، وقال بعد إيراد شيء منها: «عامتها مما لا يتابع إسماعيل أحد عليها، وهو ضعيف» ، وقال العقيلي في «ضعفائه» (١/٨٦-٨٧) : «في حديثه مناكير، ويحيل على من لا يحتمل» ، وقال أبو الشيخ في «طبقات المحدثين بأصبهان» (٢/٧١-٧٤) : «غرائب حديث إسماعيل تكثر» ، وأورد بعضاً منها.
وذكره الدارقطني في «ضعفائه» (ص ١٤٠ رقم ٨٧) ، وقال عنه: «ضعيف» ، وقال الخطيب البغدادي في «تاريخه» (١/٣٧) : «إسماعيل بن نَجيح (١) ؛ هو إسماعيل بن عمرو بن نجيح البَجَلي، نُسب في الرواية إلى جده، وهو صاحب غرائب ومناكير عن سفيان الثوري وعن غيره» ، ونقل عن الحافظ ابن عقدة قوله فيه: «ضعيف، ذاهب» (٢) .
ثالثاً: عبيد الله بن سفيان الغُداني .
أخرجه الخطيب في «تاريخه» (١/٣٢ - ط. القديمة، أو ١/٣٣٠-٣٣١ - ط. دار الغرب) ومن طريقه ابن الجوزي في «الموضوعات» (٢/٦٧) .
وعبيد الله بن سفيان بن عبيد الله بن رواحة الأَسَدي الغُداني الصوفي، أبو سفيان البصري الصواف، هو آفة هذا الطريق، قال الدوري في «تاريخ ابن معين» (٢/٣٨٢) : «كان كذاباً» ، وقال ابن حبان في «المجروحين» (٢/٦٦) : «كان ممن ينفرد بالمقلوبات عن الأثبات، ويأتي عن الثقات بالمعضلات» ،
стр. 492
وأقرهما السمعاني في «الأنساب» (٩/١٢٧-١٢٩) ، والذهبي في «الميزان» (٣/٩) . وقال أبو حاتم في «الجرح والتعديل» (٥/٣١٨) : «شيخ، ليس بالقوي» ، وقال ابن عدي في «الكامل» (٤/١٦٣٨-١٦٣٩) : «في بعض أحاديثه بعض النُّكرة» ، وذكره الساجي في «الضعفاء» ، وقال: «لم ألق أحداً يحدث عنه» ، ثم حكى عن ابن معين تكذيبه. كذا في «لسان الميزان» (٥/٣٣٠ - ط. أبو غدة) (١) .
رابعاً: عبد الرزاق بن همام الصَّنعاني .
أخرجه الخطيب في «تاريخ بغداد» (١/٣٢-٣٣ - ط. القديمة، أو ١/٣٣١ - ط. دار الغرب) ، ومن طريقه ابن الجوزي في «الموضوعات» (٢/٦٧-٦٨) من طريق أحمد بن محمد بن عمر اليمامي عن عبد الرزاق، به.
وآفة هذا الطريق أحمد بن محمد بن عمر، «وتفرد بروايته عن عبد الرزاق، وليس بمحل الحجة» (٢) ، قال أبو حاتم في «الجرح والتعديل» (٢/٧١) : «قدم علينا، وكان كذاباً، وكتبت عنه، ولا أحدث عنه» ، وقال ابن عدي في «الكامل» (١/١٨٢-١٨٣) : «حدث بأحاديث مناكير عن الثقات، وجدته ينسخ عن الثقات العجائب» ، وقال: «وهو مُقارب الحال، وهو إلى الضعف أقرب منه إلى الصدق» ، وقال ابن حبان في «المجروحين» (١/١٤٣-١٤٤) : «يروي عن عبد الرزاق وعمر بن يونس وغيرهما أشياء مقلوبة، لا يعجبنا الاحتجاج بخبره إذا انفرد» .
وأسند ابن يونس في «تاريخ مصر» إلى علي بن أحمد بن سليمان علاّن، قال: كان سلمة بن شبيب يكذبه. كذا في «تاريخ دمشق» (٥/٤٢٤) ، و «تاريخ
стр. 493
بغداد» (٥/٦٦) ، و «المقفى الكبير» (١/٦٤٦ رقم ٦٢٠) .
وكان يحيى بن محمد بن صاعد يرميه بالكذب. كذا في «تاريخ بغداد» (٥/٦٦) ، و «تاريخ دمشق» (٥/٤٢٦) ، و «المقفى الكبير» (١/٦٤٧) ، وقال أبو الشيخ في «طبقات المحدثين بأصبهان» (٣/٧٥) : «له أحاديث منكرات» ، وسرد واحداً منها (١) .
فهذه أحد عشر (٢) طريقاً لحديث جرير بن عبد الله البجلي، مدارها على متّهمين أو متروكين، أو على من تكلم فيهم شديداً، أو على من هم أحسن حالاً من ذلك، ولكن كانت فيهم غفلة، ومَرَدُّ أحاديثهم على مَن قبلهم.
وقد سبق قول الإمام أحمد: «كل من حدث هذا الحديث عن سفيان فهو كذاب» .
وقوله: «هذا الحديث ليس بصحيح. أو قال: كذب» .
وأسند الخطيب في «تاريخه» (١/٣٣٣ - ط. دار الغرب) إلى علي بن عبد العزيز، قال: ذكرت لأحمد -يعني: ابن مَنيع- حديث عاصم، عن أبي عثمان، عن جرير: تُبنى مدينة ... ، ففارقني، ثم رجع إليّ، فقال: ذَهبتُ إلى أحمد ابن حنبل فأخبرته به، فقال لي: يا أبا جعفر ليس لهذا الحديث أصل.
وهكذا قال -فيما نقلناه- ابن معين، في جمع آخرين نذكر أقوالهم -إن شاء الله تعالى- بعد سياق شواهد الحديث، والله الموفق، لا رب سواه.
стр. 494
شواهد حديث جرير بن عبد الله البَجَليّ:
ورد في معنى حديث جرير أحاديث عديدة، عن كل من: أنس بن مالك، وحذيفة، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن عمر ﵃ جميعاً-، وهذا التفصيل:
* حديث أنس بن مالك .
أخرج ابن عدي في «الكامل» (٤/١٣٨٤) ، والخطيب في «تاريخ بغداد» (١/٣٣ - ط. القديمة) -ومن طريقهما ابن الجوزي في «الموضوعات» (٢/٦٢) من طريق أحمد (١) بن مُطَهَّر المصِّيصي عن صالح بن بيان، عن أبي عبيدة، عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : «تبنى مدينة بين دجلة ودجيل، لهي أسرع ذهاباً في الأرض من الوتد الحديد في الأرض الرخوة» .
قال ابن عدي عقبه: «أبو عبيدة هذا أظنه حميد الطويل، وقد روي عن الثوري هذا بإسناد آخر، وصالح بن بيان لا أعرف له إلا الشيء اليسير، وإنما ذكرت هذا الحديث لأنه منكر» .
قلت: صالح بن بيان، هو المعروف بالسَّاحلي، كان قاضي سيراف، ترجمه الخطيب في «تاريخ بغداد» (٩/٣١٠) ، وقال: «وكان ضعيفاً، يروي المناكير عن الثقات» ، وقال العقيلي في «الضعفاء الكبير» (٢/٢٠٠) : «يحدث بالمناكير عمن لا يحتمل، والغالب على حديثه الوهم» ، وقال المستغفري في أواخر كتاب «الطب النبوي» (٢) له: «كان يروي العجائب، وينفرد بالمناكير» ، نقله ابن حجر في «اللسان» (٤/٢٨٢ - ط. أبو غدة) (٣) ، وقال الدارقطني في
стр. 495
«السنن» (١/١٨٥) : «متروك» ، وقال ابن القطان في «بيان الوهم والإيهام» (٣/٣٣٣ رقم ١٠٧٦) : «لا يعرف» ، ونقله عنه ابن العراقي في «ذيل ميزان الاعتدال» (ص ٢٨٣/رقم ٤٤٤) .
وقال الذهبي في ترجمة (صالح) هذا في «الميزان» (٢/٢٩٠) -وأقره ابن حجر في «اللسان» (٤/٢٨١) - عن هذا الحديث: «قلت: هذا الحديث باطل» .
وأما الطريق الأخرى عن سفيان، فهي:
ما أخرجه الطبراني (١)
-ومن طريقه الخطيب في «تاريخ بغداد» (١/٣٣ - ط. القديمة، أو ١/٣٣١-٣٣٢ - ط. دار الغرب) ومن طريقه ابن الجوزي في «الموضوعات» (٢/٦٢) -: حدثنا إبراهيم بن محمد التُّسْتَريّ الدَّسْتوائي، والخطيب (١/٣٣) -ومن طريقه ابن الجوزي (٢/٦٢) - من طريق جعفر بن أحمد بن يحيى المروزي المؤذّن؛ كلاهما قال: حدثنا سليمان بن الربيع، قال: حدثنا همام بن مسلم، قال: سمعتُ سفيان، به.
وإسناده ضعيف جدّاً، همام بن مسلم الزاهد، قال الدارقطني في «العلل» : «مجهول» ، ونقله عنه ابن حجر في «اللسان» (٦/١٩٩-٢٠٠، أو٨/٣٤٤ - ط. أبو غدة) ، وقال ابن حبان في «المجروحين» (٣/٩٦-٩٧) : «كان ممن يسرق الحديث، ويحدِّث به، ويروي عن الثقات ما ليس من
стр. 496
أحاديثهم على قلّة معرفته بصناعة الحديث، فلما فحش ذلك منه وكثر في روايته، بطل الاحتجاج به» (١) .
والراوي عنه (سليمان بن الربيع بن هشام النَّهدي الكوفي) ، قال الدارقطني فيه: «كان ضعيفاً» ، وقال مرة: «روى أحاديث مناكير» . كذا في «تاريخ بغداد» (٩/٥٤) .
وترجمه الذهبي في «الميزان» (٢/٢٠٧) ، وقال: «تركه أبو الحسن الدارقطني، وقال: غيَّر أسماء مشايخ، وروى البرقاني (٢) عن الدارقطني: ضعيف» . ونقله عنه ابن حجر في «اللسان» (٤/١٥٢ رقم ٣٦١٢ - ط. أبو غدة) (٣) ، ولذا قال الخطيب على إثر الحديث بطريقيه: «أبو عبيدة، هو حُميد الطويل، وهذا الإسناد ليس بمحفوظ، وصالح بن بيان: ضعيف، وهمام بن مسلم: مجهول، والمحفوظ: حديث عاصم الأحول، عن أبي عثمان، عن جرير» انتهى.
فعاد هذا الحديث إلى حديث جرير.
قال الشوكاني (٤) عن حديث أنس: «رواه الخطيب وابن عدي والطبراني عن أنس مرفوعاً، وفي إسناده متروك ومجهول، وقال في «الميزان» : باطل، وللحديث طرق كثيرة جدّاً، قد استوفاها صاحب «اللآلئ» ، وفي بعضها التصريح بأنها بغداد» .
стр. 497
* حديث حذيفة بن اليمان .
أخرج الخطيب (١) في «تاريخ بغداد» (١/٣٨ - ط. القديمة، أو ١/٣٣٨ - ط. دار الغرب) -ومن طريقه ابن الجوزي في «الموضوعات» (٢/٦١-٦٢) - قال: حدثنا أبو بكر البَرْقاني -من كتابه-، قال: قرئ على: الحسين بن عليّ التميمي -وأنا أسمع-، حدَّثَكُم زَنْجُويَه بن محمد اللبّاد، قال: حدثنا سهل بن محمد بن يعيش الخُتَّلِيّ العسكري أو السَّرِيّ، قال: حدثنا عمر بن يحيى، قال: حدثنا سفيان، عن قيس بن مسلم، عن رِبْعِي بن حِرَاش، عن حذيفة، قال: قال رسول الله ﷺ : «تكون وقعة بين زوراء» . قالوا: وما الزوراء يا رسول الله؟ قال: «مدينة بين أنهار في أرض جُوخَى (٢) ، يسكنها جبابرة أمتي، تُعذّب بأربعة أصناف: بخسف، ومسخ، وقذف» .
قال البرقاني: «ولم يذكر الرابع» .
وعمر بن يحيى هو ابن عمر بن أبي سلمة بن عبد الرحمن، ترجمه الذهبي في «الميزان» (٣/٢٣٠) ، ونقل عن أبي نعيم الأصبهاني (٣) قوله فيه: «متروك الحديث» ، وقال: «أتى بحديث شبه موضوع عن شعبة ... » وذكر حديث: «قلوب بني آدم تلين في الشتاء» ، وأورد ابن حجر في «اللسان» (٦/١٥٧-١٥٨ - ط. أبو غدة) جملة من (منكراته) ، وأورد ما يشعر أن الدارقطني ضعّفه، والخطيب جهله (٤) .
стр. 498
وذكره السيوطي (١) وبوب عليه: (باب إخباره ﷺ ببناء بغداد) من حديث حذيفة بلفظ:
«ستبنى مدائن بين نهرين من المشرق، يحشر إليها خزائن الأرض، وكنوزها، يسكنها شرار خلق الله، يخسف الله بها بعد ما يعذب بالسيف» . وعزاه إلى أبي نعيم (٢) ، وقال:
«قلت: قد بُنيت -أي: بغداد- في القرن الثاني، وعذّبت بالسيف أشدّ العذاب من التتار في القرن السابع، وبقي الخسف» .
فصل
في العراق والملاحم والسفياني
ورد في هذا الباب جملة من الأحاديث، وبعضها شاهد للحديث السابق، مثل:
* حديث علي بن أبي طالب ﵁:
أخرج الخطيب في «تاريخ بغداد» (١/٣٨ - ط. القديمة، أو ١/٣٣٨-٣٣٩ - ط. دار الغرب) -ومن طريقه ابن الجوزي في «الموضوعات» (٢/٦٠-٦١) -: أخبرنا الحسن بن أبي بكر، قال: أخبرنا شُجاع بن جعفر الأنصاري، قال: حدثنا محمد بن زكريا الغَلابي، قال: حدثنا محمد بن عبد الرحمن بن القاسم التَّيْمي، قال: حدثنا أبي، عن يحيى بن عبد الله بن
стр. 499
حسن، عن أبيه، عن حسن بن حسن، عن محمد ابن الحنفية، قال (١) : وحدثني عثمان بن عِمران العُجَيفي (٢) ، عن نائل بن نَجيح، عن عمرو بن شِمر (٣) ، عن أبي حرب بن أبي الأسود الدُّؤلي، عن أبيه، قالا (٤) :
قال عليّ بن أبي طالب: سمعتُ حبيبي محمداً ﷺ يقول: «سيكون لبني عمي مدينة من قبل المشرق، بين دجلة ودُجَيْل وقُطْرَبُّل والصَّراة، يشيد فيها بالخشب والآجر والجص والذهب، يسكنها شرار خلق الله وجبابرة أمتي، أما إن هلاكها على يد السُّفياني كأني بها والله قد صارت خاويةً على عروشها» .
وفي إسناده محمد بن زكريا الغلابي، قال الدارقطني في «سؤالات الحاكم» (ص ١٤٨/رقم ٢٠٦) : «يضع الحديث» ، وهكذا قال في كتابه «الضعفاء» (ص ٣٥٠/رقم ٤٨٣) .
وقال برهان الدين الحلبي في «كشف الحثيث» (ص ٣٧١-٣٧٢ رقم ٦٦٣) : «قال الدارقطني ويحيى: يضع الحديث» .
стр. 500
وألان ابن حبان الكلام فيه، لما قال في «الثقات» (٩/١٥٤) عنه: «كان صاحب حكايات وأخبار، يُعتبر حديثه إذا روى عن الثقات؛ لأنه في روايته عن المجاهيل بعض المناكير» !
وقد علّق ابن الجوزي في «الموضوعات» (١/٤١٨) جناية وضع خُطبة النبي ﷺ على تزويج فاطمة من علي به، وكذا صنع الذهبي في «الميزان» (٣/٥٥٠) ؛ فإنه قال عنه: «ضعيف» . قال: «وقال ابن منده: تُكُلِّم فيه» . وسرد له حديثاً، وقال: «فهذا كذب على الغلابي» .
وأعله ابن الجوزي (٢/٦٨-٦٩) بالغلابي، وعمرو بن شمر.
وقال السيوطي في «اللآلئ المصنوعة» (١/٤٧٧) : «موضوع، آفته الغلابي» .
وأما عمرو بن شِمْر الجُعفي الكوفي، فقال ابن سعد في «الطبقات الكبرى» (٦/٣٨٠) : «كان ضعيفاً جدّاً، متروك الحديث» ، وقال البخاري في «التاريخ الكبير» (٦/٣٤٤) : «منكر الحديث» ، وقال الجوزجاني في «أحوال الرجال» (ص ٥٦/رقم ٤٤) : «كذاب زائغ» ، وقال أبو حاتم في «الجرح والتعديل» (٦/٢٣٩-٢٤٠) : «منكر الحديث جدّاً، ضعيف الحديث، لا يشتغل به، تركوه» ، ونقل عن الفلاس قوله فيه: «منكر الحديث، حدّث بأحاديث منكرة» ، وقال ابن عدي في «الكامل» (٥/١٧٧٩-١٧٨٠) : «عامّة ما يرويه غير محفوظ» ، وقال النسائي في «ضعفائه» (ص ١٨٥/رقم ٤٧٥) : «متروك الحديث» ، وقال ابن معين في «تاريخ الدوري» (٢/٤٤٦) : «ليس بثقة» ، وقال ابن حبان في «المجروحين» (٢/٧٥-٧٦) : «كان رافضيّاً يشتم أصحاب رسول الله ﷺ ، وكان ممن يروي الموضوعات عن الثقات في فضائل أهل البيت وغيرها، لا يحلُّ كتابة حديثه إلا على جهة التعجب» . وجزم في «الثقات» (٤/٣٦٥) في ترجمة غيره -وأورد حديثاً هو في سنده- بأنه «كان رافضيّاً يكذب» .
стр. 501
وفي الإسناد الثاني نائل بن نَجيح الحنفي البصري، وهو ضعيف، قال أبو حاتم في «الجرح والتعديل» (٨/٥١٢) : «مجهول» (١) ، وقال العقيلي في «الضعفاء الكبير» (٤/٣١٣) : «لا أصل لحديثه» ، وقال ابن عدي في «الكامل» (٧/٢٥٢٠) : «أحاديثه مظلمة جدّاً، وخاصة إذا روى عن الثوري» ، وقال ابن حبان في «المجروحين» (٣/١٦١) : «شيخ يروي عن الثوري المقلوبات، وعن غيره من الثقات المُلْزَقَات، لا يعجبني الاحتجاج بخبره، إذا انفرد» . وفي «الكاشف» (٣/٧٤) و «التقريب» (ص ٥٥٩/رقم ٨٠٧٩) : «ضعيف» .
ولحديث علي ﵁ طريق أخرى (٢) ؛ هي:
ما أخرجه الخطيب في «تاريخ بغداد» (١/٣٨-٣٩ - ط. القديمة، أو ١/٣٣٩ - ط. دار الغرب) -ومن طريقه ابن الجوزي في «الموضوعات» (٢/٦١٣) -، قال:
أخبرنا أبو القاسم الزهري، قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن موسى، وأخبرنا الحسن بن علي الجوهري، قال: أخبرنا محمد بن العباس بن حيويه، قال: أخبرنا أحمد بن جعفر ابن المُنادي، قال: ذُكِرَ في إسناد شديد الضعف عن سفيان الثوري، عن أبي إسحاق الشيباني، عن أبي قيس، عن علي بن أبي طالب، أنه قال: سمعتُ النبيَّ ﷺ يقول: «تكون مدينةٌ بين الفُرات ودِجلة، يكون فيها مُلْك بني العباس، وهي الزَّوراء، يكون فيها حَرْب مُقْطعة يسبى فيها النساء ويذبح فيها الرجال كما تذبح الغنم» . قال أبو قيس: فقيل لعلي: يا أمير المؤمنين! لِمَ سَمَّاها رسول الله ﷺ الزوراء؟ قال: لأن الحرب تدور في جوانبها حتى تطبقها.
стр. 502
وهذا الطريق «قد صرح ابن المنادي بشدة ضعفه فلا يعوّل عليه» (١) .
وأبو قيس الأودي -واسمه: عبد الرحمن بن ثروان- «مختلف في عدالته» (٢) ، وقال ابن حجر في «التقريب» (ص ٣٣٧/رقم ٣٨٢٣) : «صدوق، ربما خالف» . وأما أبو إسحاق الشيباني فهو سليمان بن أبي سليمان الكوفي، ثقة.
والعلة فيه من الراوي عن سفيان، ولا يبعد عندي أن الحديث يعود على بعض الكذابين ممن رواه عنه وجعله من (مسند جرير بن عبد الله البجلي) ، وتقدّم ذلك بتفصيل، ولله الحمد والمنة.
والهلاك المذكور في الطريقين الأوليين من حديث علي ﵁، جاء مفصّلاً في بعض الأحاديث الواهية (٣) ،
وهذا البيان، والله المستعان:
стр. 503
أخرج نعيم بن حماد في «الفتن» (١/٣٠٤-٣٠٥ رقم ٨٨٥) -ومن طريقه الطبراني (١) وعنه أبو نعيم (٢) وعنه الخطيب في «تاريخ بغداد» (١/٣٩ - ط. القديمة، أو ١/٣٣٩-٣٤٠ - ط. دار الغرب) -، قال: حدثنا أبو عمر ... -صاحب لنا من أهل البصرة-، عن ابن لَهِيعَة، عن عبد الوهاب بن حسين، عن محمد بن ثابت، عن أبيه، عن الحارث، عن ابن مسعود، عن النبي ﷺ قال: «إذا عبر السفياني الفرات، وبلغ موضعاً يقال له: عاقَرْ قُوفَا، محا الله الإيمان من قلبه، فيقتل بها إلى نهر يقال له الدُّجَيْل سبعين ألفاً متقلّدين سيوفاً محلاّة، وما سواهم أكثر منهم، فيظهرون على بيت الذهب، فيقتلون المقاتلة والأبطال، ويبقرون بطون النساء، يقولون لعلها حبلى بغلام، وتستغيث نسوة من قريش على شاطئ دجلة (٣) إلى المارة من أهل السفن، يطلُبْن إليهم أن يَحمِلُوهن حتى يلقوهن إلى الناس، فلا يحملوهن بغضاً ببني (٤) هاشم، فلا تبغضوا بني
стр. 504
هاشم، فإنَّ منهم نبي الرحمة، ومنهم الطيار في الجنة. فأما النساء فإذا جنهن (١) الليل، أوينَ إلى أغْوَرِها مكاناً مخافة الفساق، ثم يأتيهم المدد من البصرة (٢) حتى يستنقذوا ما مع السفياني من الذراري والنساء من بغداد والكوفة» .
وإسناده ضعيف جدّاً، مسلسل بالعلل، ففيه:
نعيم بن حماد، قال الذهبي في «السير» (١٠/٦٠٩) : «لا يجوز لأحد أن يحتج به، وقد صنَّف كتاب «الفتن» ، فأتى فيه بعجائب ومناكير» ، وقال فيه (١٠/٦٠٠) : «نُعيم من كبار أوعية العلم، لكنه لا تركن النفس إلى روايته» .
وأبو عمر مجهول.
وابن لَهِيعة «العمل على تضعيف حديثه» . قاله الذهبي في «الكاشف» (٢/١٠٩) .
وعبد الوهاب بن حسين، ترجمه ابن حجر في «اللسان» (٥/٣٠٣ - ط. أبو غدة) ، وقال: «عن محمد بن ثابت وعنه ابن لهيعة، أخرج له الحاكم في (كتاب الأهوال) من «المستدرك» (٣) حديثاً، وقال: «أخرجتُه تعجّباً، وعبد الوهاب مجهول» ، قال الذهبي في «تلخيصه» : قلت: ذا الخبر موضوع» .
وقال الدوري في «تاريخه» (٢/٥٠٧) : «ليس بشيء» ، وقال مرة: «صالح الحديث» .
ومحمد بن ثابت بن أسلم؛ قال البخاري في «التاريخ الكبير» (١/٥٠) عنه: «فيه نظر» ، وقال الترمذي في «العلل الكبير» (٢/٧٩٧) عن البخاري:
стр. 505
«لمحمد بن ثابت عجائب» ، وقال أبو حاتم في «الجرح والتعديل» (٧/٢١٧) : «يكتب حديثه، ولا يحتج به، منكر الحديث» ، وقال ابن حبان في «المجروحين» (٢/٢٥٢) : «يروي عن أبيه ما ليس من حديثه، كأنه ثابت آخر، لا يجوز الاحتجاج به ولا الرواية عنه لقلّته» . وضعفه النسائي (١) وأبو داود (٢) والدارقطني، وقال الأزدي (٣) : «ساقط» ، وقال ابن حجر في «التقريب» (ص ٤٧٠/رقم ٥٧٦٧) : «ضعيف» .
والحارث غير منسوب، وكذا وقع في حديث عند الحاكم (٤) (٤/٥٢١-٥٢٣) ، ولم يعيّنه ابن حجر في «إتحاف المهرة» (١٠/١٧٣ رقم ١٢٥١٤) .
وذكره ابنُ عرَّاق في «تنزيه الشريعة» في (الفصل الثالث) -وهو الفصل الذي ضمنه ابن عرّاق ما زاده السيوطي على ابن الجوزي في كتابه «الموضوعات» (٢/٣٥٠) -، وقال بعد عزوه له لـ (نعيم بن حماد) : «وفيه مجهولون وضعفاء. قلت: هذا لا يقتضي الحكم عليه بالوضع، لكنه فيه رَكَّة ظاهرة، والله -تعالى- أعلم» .
وأخبار (السُّفياني) (٥)
كثيرة، ونسج القصاص والأخباريون عنه أشياء
стр. 506
خيالية، وتسابق الكذابون في التّزوّد عليه، وله -عندهم- في بغداد أحداث ومجريات، ومما هو على شرطنا (١) في هذا الباب:
ما أخرجه الخطيب في «تاريخ بغداد» (١/٣٩-٤٠ - ط. القديمة، أو ١/٣٤٠-٣٤١ - ط. الغرب) ، قال:
أخبرنا أبو القاسم عليّ بن محمد بن عيسى البزَّاز (٢) ، قال: أنبأنا علي بن
стр. 507
محمد بن أحمد المِصري، قال: أنبأنا عبد الملك بن يحيى بن عبد الله بن بُكَير أبو الوليد، قال: نبأنا يحيى (١) بن عبد الله بن بُكَير، قال: حدثني الهِقل بن زياد، قال: حدثني الأوزاعي (٢) ، قال: حدَّث أبو أسماء الرَّحَبي أنه سمع ثوبان يُحدّث، قال: قال رسول الله ﷺ : «يخرج السُّفيانِيُّ حتى ينزل دمشق، فيبعث جيشين: جيشاً إلى المدينة خمسة عشر ألفاً، ينتهبون المدينة ثلاثة أيام ولياليهن، ثم يسيرون متوجهين إلى مكة» . (وذكر الحديث) .
وقال: «ثم يسير جيشه الآخر في ثلاثين ألفاً، وعليهم رجلٌ من كَلْبٍ، حتى يأتوا بغداد، فيقتلون بها ثلاث مئة كبش من ولد العبّاس، ويبقرون بها ثلاث مئة امرأة» .
قال ثوبان: فسمعت رسول الله ﷺ يقول: «وذلك بما قدّمت أيديهم، وما الله بظلاّم للعبيد. فيقتلون ببغداد أكثر من خمسة مئة ألف» .
«وذكر حديثاً في الملاحم طويلاً كتبنا منه هذا» .
قلت: وهذا إسناد منقطع، الأوزاعي لم يسمع أبا أسماء الرَّحبي، فأبو أسماء -واسمه: عمرو بن مَرْثَد- توفي في خلافة عبد الملك بن مروان (٣) ، ووفاة الخليفة عبد الملك كانت سنة (٨٦هـ) (٤) ، وكانت ولايته ثلاثة عشر عاماً وشهرين ونصفاً» (٥) ،............................................................
стр. 508
وولادة الأوزاعي كانت سنة (٨٨هـ) (١) ، فسنُّه لا يتحمل السماع؛ إذ ولادته كانت بعد وفاة أبي أسماء، ولذا قال في الإسناد: «حدّث أبو أسماء الرحبي» .
وعبد الملك بن يحيى مذكور في ترجمة والده من الرواة عنه، ولم أجد من ترجمه، وأبوه صدوق، وسائر رجاله ثقات.
ولبعض ما فيه شاهد من حديث أبي هريرة ﵁:
أخرج الحاكم (٢) في «المستدرك» (٤/٥٢٠) من طريق الوليد بن مسلم، حدثنا الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ... ﵁، قال: قال رسول الله ﵌: «يخرج رجل يقال له السفياني في عمق دمشق، وعامة من يتبعه من كلب، فيقتل حتى يبقر بطون النساء، ويقتل الصبيان، فتجمع لهم قيس، فيقتلها حتى لا يمنع ذَنَب تلْعَةٍ (٣) ، ويخرج رجل من أهل بيتي في الحرّة، فيبلغ السفياني، فيبعث إليه جنداً من جنده فيهزمهم، فيسير إليه السفياني بمن معه، حتى إذا صار ببيداء من الأرض خُسِف بهم فلا ينجو منهم إلا المخبرُ عنهم» .
قال الحاكم: «هذا حديث صحيح الإسناد على شرط الشيخين ولم يخرِّجاه» . ووافقه الذهبي.
قلت: يحيى بن أبي كثير، ثقة، ثبت، لكنه يدلِّس ويرسل، كما في
стр. 509
«التقريب» (ص ٥٩٦/رقم ٧٦٣٢) ، وروايته عن أبي سلمة -وهو ابن عبد الرحمن بن عوف- أخرجها الجماعة، كما في «تهذيب الكمال» (٣١/٥٠٦) .
والوليد بن مسلم، يدلس ويسوِّي (١) ، وصرح بالسماع من شيخه الأوزاعي، وفي مثله -حتى يكون الإسناد صحيحاً- لا بد من تصريح الأوزاعي -أيضاً- بالسماع، وهذا لم يحصل في إسنادنا هذا.
قال أبو مسهر في الوليد: «كان الوليد يأخذ من ابن أبي السفر حديث الأوزاعي، وكان ابن أبي السفر كذاباً، وهو يقول فيها: قال الأوزاعي» (٢) .
وقال أبو مسهر -أيضاً-: «كان الوليد بن مسلم يحدث بأحاديث الأوزاعي عن الكذابين، ثم يدلسها عنهم» (٣) .
وقال الهيثم بن خارجة: «قلت للوليد بن مسلم: قد أفسدت حديث الأوزاعي.
стр. 510
قال: كيف؟!
قلت: تروي عن الأوزاعي عن نافع، وعن الأوزاعي عن الزهري، وعن الأوزاعي عن يحيى بن سعيد، وغيرك يدخل بين الأوزاعي وبين نافع عبد الله ابن عامر الأسلمي، وبينه وبين الزهري إبراهيم بن مرة وقرة وغيرهما، فما يحملك على هذا؟! قال: أُنَبِّلُ الأوزاعيَّ أن يروي عن مثل هؤلاء. قلت: فإذا روى الأوزاعي عن هؤلاء -وهؤلاء ضعفاء- أحاديث مناكير، فأسقطتهم أنت وصيرتها من رواية الأوزاعي عن الثقات ضعف الأوزاعي. فلم يلتفت إلى قولي» (١) .
وقال يحيى بن معين: «وكان الوليد بن مسلم مدلساً» (٢) .
وقال ابن حبان عنه: «ربما قَلَب الأسامي وغَيّرَ الكنى» (٣) .
وقال الدارقطني: «الوليد بن مسلم يرسل، يروي عن الأوزاعي أحاديث عند الأوزاعي عن شيوخ ضعفاء عن شيوخ قد أدركهم الأوزاعي؛ مثل نافع وعطاء والزهري، فيسقط أسماء الضعفاء، ويجعلها عن الأوزاعي عن نافع، وعن الأوزاعي عن عطاء والزهري؛ يعني: مثل عبد الله بن عامر الأسلمي وإسماعيل بن مسلم» (٤) .
والذي يهمني هنا تقرير أن الوليد بن مسلم كان قد يروي عن الأوزاعي عن أحد الضعفاء عن ثقة، فيُسقِط الوليد الضعيف الذي روى عنه الأوزاعي، ويذكر (الأوزاعي عن الثقة) ، دون التصريح بسماع الأوزاعي، وبإسقاط الضعيف، ويسمى هذا (تدليس التسوية) .
стр. 511
قال الخطيب: «وربما لم يسقط المدلس اسم شيخه الذي حدثه، لكنه يسقط ممن بعده في الإسناد رجلاً يكون ضعيفاً في الرواية أو صغير السن، ويحسن الحديث بذلك، وكان سليمان الأعمش والثوري وبقية بن الوليد يفعلون مثل هذا» (١) .
وقال العراقي: «وصورة هذا القسم من التدليس، أن يجيء المدلس (٢) إلى حديث سمعه من شيخ ثقة، وقد سمعه ذلك الشيخ الثقة من شيخ ضعيف، وذلك الشيخ الضعيف يرويه عن شيخ ثقة، فيعمد المدلس الذي سمع الحديث من الثقة الأول فيسقط منه شيخ شيخه الضعيف، ويجعله من رواية الثقة عن الثقة الثاني بلفظ محتمل كالعنعنة ونحوها، فيصير الإسناد كله ثقات، ويصرح هو بالاتصال بينه وبين شيخه؛ لأنه قد سمعه منه، فلا يظهر حينئذٍ في الإسناد ما يقتضي عدم قبوله إلا لأهل النقد والمعرفة بالعلل» (٣) .
وقال ابن الوزير: «قال الذهبي: إذا قال الوليد بن مسلم: «حدثنا» فهو حجة. قلت (القائل: هو ابن الوزير) : ما تغني عنك حدثنا الأوزاعي، إذا جاء بلفظ محتمل بعد الأوزاعي، فلهذا قال العلائي: إن هذا الجنس أفحش أنواع التدليس وشرها. قلت (والقائل: هو الصنعاني) : ولعل من جرح بالتدليس يحتج بأنه لا شك أن قصد المدلس الإيهام في موضع الخلاف، فلا يؤمن تدليس التسوية من كل مدلس، وإن لم يشعر به أحد، وذلك يقتضي رد ما فيه سمعت وحدثنا، وفي الإيهام في موضع الخلاف نوع من الجرح في الرواية،
стр. 512
إن لم يجرح في الديانة» (١) .
وقال الحافظ في «فتح الباري» (٢/٥٣٧) في كلام على حديث من رواية الوليد بن مسلم: «وقد صرح بتحديث الأوزاعي له وبتحديث نافع للأوزاعي، فأمن تدليس الوليد وتسويته» ا. هـ. وقال (١/٤٩) في حديث رواه الوليد بن مسلم عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير: «وسيأتي الحديث من وجه آخر عن الوليد، وفيه تصريحه وتصريح الأوزاعي بالتحديث» ا. هـ. وقال -أيضاً- (٣/٥٢٩) في سياق كلام على حديث رواه الوليد: حدثنا الأوزاعي، قال: حدثنا الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: «في رواية مسلم عن زهير بن حرب، عن الوليد بسنده، حدثني أبو سلمة، حدثني أبو هريرة» ا. هـ. قلت: يريد الحافظ بذلك نفي علة تدليس الوليد وتسويته بالتصريح بالتحديث في طوال السند حتى الصحابي. وقال في «التلخيص الحبير» (٢/٤٣) على حديث لبقية: «إن سلم من وهم بقية ففيه تدليس التسوية؛ لأنه عنعن لشيخه» . قلت: الحديث هو: «من أدرك ركعة من صلاة الجمعة فليضف إليها أخرى ... » .
قال المعلِّمي ﵀ في تعليقه على «الفوائد المجموعة» للشوكاني (ص ١٢٨) متعقباً الحافظ ابن حجر في قوله: «فهذا فيه التصريح من بقية بالتحديث، وهو ثقة إذا صرح بالتحديث» :
قال المعلمي: «أخشى أن يكون هذا خطأ، ومع ذلك فقد بقيت التسوية كما ذكره ابن حجر في آخر عبارته؛ لأن بقية ممن يفعلها» .
وقال شيخنا العلامة محدث العصر ناصر الدين الألباني -رحمه الله تعالى- في «السلسلة الضعيفة» (٣/٤٠٩) الحديث رقم (١٢٥٣) : «وتدليس التسوية: هو أن يسقط من السند رجلاً من فوق شيخه، كأن يكون مثلاً بين
стр. 513
مالك وسمّي رجل فيسقطه، فهذا الفعل يسمى تدليس التسوية عند المحدثين، والوليد معروف بذلك؛ فالمحققون لا يحتجون بما رواه الوليد إلا إذا كان مسلسلاً بالتحديث أو السماع، والله أعلم» .
وقال -أيضاً- في «الضعيفة» (٤/٣١٢) : «والوليد -وهو ابن مسلم- كان يدلس تدليس التسوية، ولم يصرح بالتحديث في جميع أماكن العنعنة» . وانظر في «الضعيفة» الأحاديث (٥٢١، ٦٢٢، ١٨٣٠) .
وقال في «الصحيحة» (١/٤٥٩) : «والوليد بن مسلم وإن كان من رجال الشيخين؛ فإنه كثير التدليس والتسوية، فيخشى أن يكون أسقط رجلاً بين سعيد (يعني: ابن عبد العزيز شيخه) وإسماعيل (يعني: ابن عبد الله شيخ شيخه) ، وعليه؛ فيحتمل أن يكون المسقط ضعيفاً» .
وانظر في «الصحيحة» المواضع التالية: (١/٣٢٤، ٤٥٩، ٥٤٨) ، (٢/٥٥٦) ، (٤/٥٦١، ٦١٥) وغيرها (١) .
والشاهد من هذا: إنّ علة هذا الطريق تسوية الوليد، وليس تدليس (يحيى بن أبي كثير) (٢) فقط، وهذه علة قادحة، ولا غرابة في ذلك، قال العلامة المعلمي اليماني -رحمه الله تعالى-:
«إذا استنكر الأئمة المحققون المتن، وكان ظاهر السند الصحة؛ فإنهم يتطلبون له علة، فإذا لم يجدوا له علة قادحة مطلقاً حيث وقعت، أعلوه بعلة ليست قادحة مطلقاً، ولكنهم يرونها كافية للقدح في ذلك المنكر ... » ثم ذكر أمثلة على ذلك، ثم قال:
«وحجتهم في هذا، أن عدم القدح بتلك العلة مطلقاً إنما بني على أن دخول الخلل من جهتها نادر، فإذا اتفق أن يكون المتن منكراً يغلب على ظن
стр. 514
الناقد بطلانه، فقد يحقق وجود الخلل وإذا لم يوجد سبب له إلا تلك العلة، فالظاهر أنها هي السبب، وأن ذلك من النادر الذي يجيء الخلل من جهتها، وبهذا يتبين أن ما وقع ممن دونهم من التعقب بأن تلك العلة غير قادحة، وأنهم قد صححوا ما لا يحصى من الأحاديث مع وجودها فيها، إنما هو غفلة عما تقدم من الفرق، اللهم إلا أن يثبت المتعقب أن الخبر غير منكر» (١) .
* شواهد أخرى للأحاديث السابقة .
قال الإمام القرطبي في «تفسيره» (١٦/٢) في أوائل تفسير (سورة الشورى) :
«قال أرطاة بن المنذر: قال رجل لابن عباس وعنده حذيفة بن اليمان: أخبرني عن تفسير قوله -تعالى-: ﴿حم. عسق﴾ ؟ فأعرض عنه حتى أعاد عليه ثلاثاً، فأعرض عنه. فقال حذيفة بن اليمان: أنا أنبئك بها، قد عرفت لِمَ تركها؛ نزلت في رجل من أهل بيته يقال له: عبد الإله أو عبد الله؛ ينزل على نهر من أنهار المشرق، يبني عليه مدينتين يشق النهر بينهما شقّاً، فإذا أراد الله زوال ملكهم وانقطاع دولتهم، بعث على إحداهما ناراً ليلاً، فتصبح سوداء مظلمة، فتحترق كلها كأنها لم تكن مكانها، فتصبح صاحبتها متعجبة، كيف قُلبت! فما هو إلا بياض يومها حتى يجتمع فيها كل جبار عنيد، ثم يخسف الله بها وبهم جميعاً؛ فذلك قوله: ﴿حم. عسق﴾ . أي: عزمة من عزمات الله، وفتنة وقضاء حُمّ: حم. «ع» : عدلاً منه، «س» : سيكون، «ق» : واقع في هاتين المدينتين» ، ثم قال:
стр. 515
«ونظير هذا التفسير (١) ، ما روى جرير بن عبد الله البَجَلي، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «تُبنَى مدينة بين دجلة ودُجيل وقُطْرَبُّل والصَّراة، يجتمع فيها جبابرة الأرض ... إلخ» .
قال أبو عبيدة:
أثر ابن عباس وحذيفة السابق، أخرجه ابن جرير في «تفسيره» (٢٥/١١) -وعنه القاضي أبو الفرج المعافى بن زكريا في «الجليس الصالح» ومن طريقه الثعلبي في «الكشف والبيان» (٨/٣٠٢) -، قال: حدثنا أحمد بن زهير، حدثنا عبد الوهاب بن نجدة الحوطي، حدثنا أبو المغيرة عبد القدوس بن الحجاج.
وأخرجه نعيم بن حماد في «الفتن» (١/٣٠٥ رقم ٨٨٦) -ومن طريقه الطبراني وعنه أبو نعيم ومن طريقهم الخطيب في «تاريخ بغداد» (١/٣٤١-٣٤٢ - ط. دار الغرب) - حدثنا عبد القدوس، عن أرطاة بن المنذر، وزاد نعيم: «عمن حدثه، عن ابن عباس أنه أتاه رجل وعنده حذيفة، ... » بنحوه.
وزاد الخطيب عقبه: «قال أرطاة عن كعب: إذا بُنيت مدينة على شاطئ الفُرات، ثم أتتكم العواضل (٢) والقواصم، وإذا بُنيت مدينة بين النهيرين بأرض منقطعة من أرض العراق أتتكم الدّهيماء» (٣) .
стр. 516
والأثر في «تفسير ابن أبي حاتم» (١٠/٣٢٧٤ رقم ١٨٤٦٤) -دون إسناد (١) - نقلاً عن «الدر المنثور» (٧/٣٣٥) .
وإسناده ضعيف، إما لإرساله؛ كما في إسناد الطبري، وإما للمبهم الذي فيه؛ كما عند نعيم بن حماد. وقال ابن كثير في «تفسيره» (١٢/٢٥٣ - ... ط. أولاد الشيخ) قبل إيراد إسناد ابن جرير: «غريب عجيب منكر» .
وله شاهد من حديث ابن عمر مرفوعاً.
أخرج الدارقطني في «غرائب مالك» -كما في «اللسان» ترجمة (جعفر ابن محمد الخراساني) (٢/٤٧١-٤٧٢ - ط. أبو غدة) -، والخطيب البغدادي في «رواة مالك» -كما في «اللآلئ المصنوعة» (٢) (١/٤٧٧) - من طريق أحمد بن يحيى الصَّدَفي: حدثنا جعفر بن محمد الخراساني، حدثنا أبو ضمرة أنس بن عياض الليثي، عن مالك بن أنس، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : «تُبنى مدينة بين جدولين عظيمين، لهي أسرع انكفاءً بأهلها من القِدر بما في أسفلها» .
قال الذهبي في «الميزان» (١/٤١٥) : «هذا باطل، قال أبو بكر الخطيب: الحمل فيه على جعفر وهو مجهول» .
وقال ابن حجر في «اللسان» (٢/٤٧٢) : «أورده الخطيب في «الرواة عن مالك» بسندٍ قوي إلى جعفر، وقال: «هذا حديث منكر، والحمل فيه ... » .
وورد نحوه عن جمع بأسانيد فيها مقال، وهذا التفصيل:
стр. 517
أخرج نعيم بن حماد في «الفتن» (١/٣٠٥ رقم ٨٨٧) : حدثنا غير واحد، عن عبد الحميد بن بهرام، عن شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غنم (١) ، قال:
تُوشكُ أمتان أن تقعدان على ثفال رَحا يطحنان، يُخسف بأحدهما، والأخرى تنظر، وسيكون حيان متجاوران، يشقُّ بينهما نهر يسقيان منه جميعاً، يقتبس بعضُهم من بعض، فيصبحان يوماً من الأيام قد خُسف بإحداهما، والأخرى تنظر.
وأخرج نعيم بن حماد في «الفتن» (١/٣٠٥-٣٠٦ رقم ٨٨٨) -ومن طريقه الطبراني وعنه أبو نعيم وعنه الخطيب في «تاريخ بغداد» (١/٣٤٢ - ط. دار الغرب) -، قال: حدثنا نوح بن أبي مريم، عن مقاتل بن سليمان، عن عطاء، عن عُبيد بن عمير، عن حذيفة أنه سُئل عن: ﴿حم. عسق﴾ [الشورى: ١-٢] ، وعمر وعلي وابن مسعود وأُبي بن كعب وابن عباس وعدةٌ من أصحاب النبي ﷺ حُضورٌ، فقال حذيفة: العين: عذاب، والسين: السَّنَةُ والمجاعة، والقاف: قوم يقذفون في آخر الزمان. فقال له عمر: ممن هم؟ قال: من ولد العباس في مدينة يقال لها: الزَّوراء، ويُقتل فيها مَقتلة عظيمة وعليهم تقوم الساعة. قال ابن عباس: ليس ذلك فينا. ولكن القاف: قذفٌ وخسفٌ يكون. قال عمر لحذيفة: أما أنت فقد أصبتَ التفسير، وأصاب ابن عباس المعنى. فأصابت ابن عباس الحُمَّى حتى عاده عمر وعدةٌ من أصحاب النبي ﷺ مما سمع من حذيفة.
وإسناده موضوع، نوح بن أبي مريم، أبو عصمة المروزي، القرشي مولاهم، مشهور بكنيته، ويعرف بـ (الجامع) ؛ لجمعه العلوم، لكن كذّبوه في الحديث، وقال ابن المبارك: كان يضع. كذا في «التقريب» (ص ٥٦٧/رقم
стр. 518
٧٢١٠) .
ومقاتل بن سليمان، أبو الحسن البلخي، كذّبوه وهجروه، كما في «التقريب» (ص ٥٤٥/رقم ٦٨٦٨) -أيضاً-.
قال الخطيب (١) بعد أن أورد جلّ ما ذكرناه في هذا الفصل: «قلت: وكل هذه الأحاديث التي ذكرناها، واهيةُ الأسانيد عند أهل العلم والمعرفة بالنقل، لا يثبت بأمثالها حجة، وأما متونُها فإنها غير محفوظة؛ إلا عن هذه الطرق الفاسدة، وأمرها إلى الله العالِمِ بها، لا معقب لأمره، ولا رادَّ لحكمه، يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد» .
وأورد جلَّها -كما مضى- ابن الجوزي في «الموضوعات» ، وتعقبه السيوطي في «اللآلئ» بأنها ضعيفة لتعدد طرقها.
والذي أُراه أن المرفوع واهٍ جدّاً، بينما مجموع ما ورد في الأحاديث يدلّل على أن (العراق) أرضُ الفتن، ستقع فيها قلاقل ومحن، وكان هذا الأمر مقرراً في أذهان السلف (٢) .
أخرج الخطيب في «تاريخ بغداد» (١/٣٤٢ - ط. دار الغرب) إلى سفيان بن عيينة، قال: رآني قيس بن الربيع على قنطرة الصَّراة، فقال: النجاء النجاء، فإنا كنا نتحدث أنّ هذا المكان الذي يُخسف به. قال سفيان: ورآني أبو بكر الهُذَلي ببغداد، فقال: بأي ذنب دخلت بغداد؟!
وأخرج ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٢/٢١٥) بسنده إلى كعب
стр. 519
الأحبار، قال: «سَتُعرَكُ العراق عَرْكَ الأديم (١) ، وتفتّ مصر فتّ البعر (٢) .
ولم يقتصر الأمر عند هذا الحدّ، بل يتعداه في آخر الزمان إلى كون (العراق) محلاًّ للحروب والمعارك (٣) ، على وجه كثير وشهير، ويتداعى الناس إليها من أجل خيرات تظهر فيها، وتكون بينهم مَقاتِلُ وسفكُ دماءٍ، وزَهقُ أرواحٍ، وهذا ما سيظهر معنا في الفصل الآتي.
فصل
في حسر الفرات عن جبل من ذهب في الملاحم التي تكون
بين يدي ظهور المهدي وحصول مقتلة عظيمة آنذاك
أخرج البخاري في «صحيحه» في كتاب الفتن (باب خروج النار) (رقم ٧١١٩) ، ومسلم في «صحيحه» في كتاب الفتن (باب لا تقوم الساعة حتى يحسر الفرات عن جبل من ذهب) (رقم ٢٨٩٤) بعد (٣٠) ، وأبو داود (٤٣١٣) ، والترمذي (٢٥٦٩) ، وابن حبان (٦٦٩٣، ٦٦٩٤ - «الإحسان» ) -ومن طريقه ابن العديم في «بغية الطلب» (١/٥١٤) -، وأبو عوانة -كما في «إتحاف المهرة» (١٤/٤٤٥ رقم ١٧٩٧٦) -، والبزار في «مسنده» (ق١٦٠/أ-ب) ، والدارقطني في «العلل» (١٠/٢٧٧) من طريق حفص بن عاصم (٤) .
стр. 520
والبخاري (٧١١٩) ومسلم (٢٨٩٤) بعد (٣١) ، وأبو داود (٤٣١٤) ، والترمذي (٢٥٧٠) ، وابن حبان (٦٦٩٥ - «الإحسان» ) -ومن طريقه ابن العديم في «بغية الطلب» (١/٥١٤) -، وأبو عوانة -كما في «إتحاف المهرة» (١٤/٤٤٥ رقم ١٧٩٧٦) ، والبزار في «مسنده» (ق٢٠١/ب) من طريق الأعرج (١) ؛ كلاهما عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ :
«يوشك الفراتُ أن يَحسِرَ عن كنز من ذهب، فمن حضره فلا يأخذ منه شيئاً» لفظ حفص.
وقال الأعرج: «يحسر عن جبل» .
وهذا لفظ مجمل (٢) ، جاء مفصّلاً في روايات أخرى.
стр. 521
أخرج عبد الرزاق في «المصنف» (٢٠٨٠٤) -وعنه أحمد (٢/٣٠٦) ، ومن طريق عبد الرزاق: البغوي في «شرح السنة» (١٥/٣٤ رقم ٤٢٤٠) -: أخبرنا معمر، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : «يحسر الفرات عن جبل من ذهب، فيقتتل الناسُ، فيُقتل من كل مئة تسعون -أو قال: تسعة وتسعون-، كلهم يرى أنه ينجو» .
وأخرجه مسلم (٢٨٩٤) بعد (٢٩) -ومن طريقه أبو عمرو الداني في «الفتن» (ص ٢٢٧/رقم ٤٩٧) - من طريق يعقوب بن عبد الرحمن القاري عن سهيل، به. ولفظه: «لا تقوم الساعة حتى يحسر الفراتُ عن جبل من ذهب، يقتتل الناس عليه، فيقتل من كل مئة تسعة وتسعون، ويقول كل رجل منهم: لَعَلِّي أكون أنا الذي أنجو» .
وكذلك جزم بالتسعة والتسعين من غير شك: يزيد بن زريع عن سهيل، مثل الذي قبله، وزاد (١) : «فقال أبي: إن رأيته فلا تقربنّه» . أخرجه مسلم (٢٨٩٤) بعد (٢٩) .
وكذلك رواه زهير بن معاوية عن سهيل، عند أحمد (٢/٣٣٢) ، وابن حبان (٦٦٩١) ، والخطيب في «تاريخ بغداد» (١٣/٢٦٩ - ط. المصرية) .
وفي آخره: «يا بني! فإن أدركته -وعند الخطيب: فإن أدركت ذلك الزمان- فلا تكونَنّ ممن يُقاتل عليه» . وكذلك رواه علي بن عاصم عن سهيل، عند ابن العديم في «بغية الطلب» (١/٥١٢-٥١٣) ، ولفظه: «لا تذهب الدنيا حتى يحسر الفرات عن جبل من ذهب ... » ، وفيه: «قال لي أبي: «يا بني! إنْ أدركته فلا تقربنه» . قال علي بن عاصم: فحدّثتُ بهذا الحديث شعبةَ، فقال: إني قد سمعته من سهيل، ولكنْ لا أحفظ أنه قال: «يا بني إن أدركته فلا تقربنه» ، استيقنت أنه قال: يا بني إن أدركته فلا تقربنه» ؟ قلت: نعم. وقائل
стр. 522
المقولة: «يا بني ... » ؛ هو أبو صالح ذكوان، والد سهيل.
ورواه خالد بن عبد الله الواسطي عن سهيل، به. دون مقولة أبي صالح عند: ابن العديم في «بغية الطلب» (١/٥١٣) .
ورواه عن سهيل -أيضاً-: سفيان الثوري، واختلف عليه فيه، وهذا التفصيل:
رواه أبو أمية الطرسوسي -واسمه: محمد بن إبراهيم، صدوق، صاحب حديث، يهم-، عن عبيد الله بن موسى، عن الثوري، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، ولم يتابع عليه. قاله الدارقطني في «العلل» (١٠/١٨٩) ، وزاد: «وخالفه أصحاب الثوري، رووه عن الثوري، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، إلا أن الثوري شك في رفعه» .
قال أبو عبيدة: ثم أخرجه الدارقطني (١٠/١٩٠) : ثنا أحمد بن محمد ابن أبي الرجال، ثنا أبو أمية الطرسوسي (ح) وثنا محمد بن علي بن الحسن النقاش بتنّيس، قال: ثنا محمد بن عبد الله بن عبد السلام ببيروت، ثنا محمد بن إبراهيم بن مسلم بن أمية، به. وفيه:
«عن أبي هريرة لا أعلمه إلا عن النبي ﷺ » . وقال ابن أبي الرجال: «لا أعلمه إلا قد رفعه. قال: يحسر الفرات عن جبل من ذهب، فيقتتلون عليه، فيقتل من كل مئة تسعة وتسعون» .
قلت: أما الرواة له عن سفيان، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة ؛ فهم:
* الحسين بن حفص الأصبهاني .
أخرجه الدارقطني في «العلل» (١٠/١٩٠) من طريق أسيد بن عاصم، وأبو نعيم في «الحلية» (٧/١٤١) من طريق عمران بن عبد الرحمن؛ كلاهما عنه (١) عن
стр. 523
الثوري، به. قالا: «لا أعلمه إلا رفعه» .
وعند أبي نعيم زيادة في آخره: «كفاراً» ؛ أي: «فيقتل من كل مئة تسعة وتسعون كفاراً، وقال:
«ورواه قبيصة وأبو حذيفة عن الثوري مرفوعاً من غير شك» .
قلت: ولم يشك في رفعه -أيضاً-:
* شهاب بن خراش .
أخرجه ابن عدي في «الكامل» (٤/١٣٥٠) ، وأبو نعيم في «الحلية» (٧/١٤٣) ، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٢٣/٢٠٧) من طرق عن هشام ابن عمار، عن شهاب، به. وزاد في آخره: «ولا تقوم الساعة إلا نهاراً» .
واقتصر أبو نعيم على سياق هذه اللفظة، دون أصل الحديث.
قال ابن عدي عقبه: «وهذا عن الثوري قوله: «يحسر الفرات» ، وهو مشهور، رواه عن الثوري جماعة، وقوله في الحديث: «ولا تقوم الساعة إلا نهاراً» هذه اللفظة ما أعلم أحداً رواه عن الثوري بهذا الإسناد غير شهاب بن خراش» .
وقال الدارقطني في «العلل» (١٠/١٩٠) عن زيادة شهاب: «ووهم في ذلك» .
وقال أبو نعيم: «تفرد به شهاب عن الثوري» .
قلت: وسبب وهمه -والله أعلم- أن سفيان الثوري رواه عن سهيل، به. بلفظ: «لا تذهب الأيام والليالي حتى تعود أرض العرب مروجاً وأنهاراً، ويحسر الفرات عن جبل من ذهب، فيقتتلون عليه، فيقتل من كل مئة تسعة وتسعون، وينجو واحد» .
أخرجه ابن العديم في «بغية الطلب» (١/٥١٢) من طريق محمد بن
стр. 524
يوسف الفريابي، عن سفيان، به.
وروى جمع عن سفيان القطعة الأولى منه إلى قوله: «وأنهاراً» مع زيادات أخرى، لا صله لها بحديثنا؛ مثل:
* إسماعيل بن زكريا ، عند أحمد (٢/٣٧١-٣٧٢) .
* يعقوب بن عبد الرحمن الإسكندراني ، عند أحمد (٢/٤١٧) ، ومسلم (ص ٧٠/رقم ٦٠ وص ٢٢١٥/رقم ١٨) ، وأبي عوانة -كما في «إتحاف المهرة» (١٤/٥٧٣-٥٧٤ رقم ١٨٢٤٦) -، وابن حبان (٦٦٨١) .
* الحسين بن حفص، عند الحاكم (٤/٤٧٧) .
فأخطأ شهاب بن خراش فيه، فقال: «لا تقوم الساعة إلا نهاراً» ، وصوابه ما ذكرنا، والله أعلم.
وقال الدارقطني: «ورواه سليمان بن بلال، وزهير بن معاوية، ومعمر، وخالد الواسطي، ويعقوب الإسكندراني، وجرير بن عبد الحميد، وعبد العزيز ابن أبي حازم، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة مرفوعاً، ووقفه ابن عيينة عن سهيل» (١) .
قلت: وتقدمت رواية بعض المذكورين، وظفرتُ -أيضاً- برواية يحيى ابن يمان عن سفيان الثوري، به مرفوعاً، ولفظه:
«لا تذهب الدنيا حتى ينجلي فراتُكم عن جزيرة من ذهب، فيقتتلون عليه، فيُقْتل من كل مئة تسعة وتسعون» .
أخرجه حنبل بن إسحاق في «جزئه» (ص ٢١٦/رقم ١٨) : حدثنا محمد بن سعيد الأصبهاني، عن ابن يمان، به.
стр. 525
وللمرفوع عن أبي هريرة طرق أخرى، هذا ما وقفت عليه منها:
أخرج أحمد (٢/٢٦١) : حدثنا يعلى و (٢/٣٤٦، ٤١٥) : ثنا عفان، ثنا حماد بن سلمة، وابن ماجه (٤٠٤٦) من طريق محمد بن بشر، وابن حبان (٦٦٩٢ - «الإحسان» ) من طريق الفضل بن موسى السيناني، وهشام بن عمار في «حديثه» (ص ١٩١/رقم ٩٠) : حدثنا سعيد بن يحيى، وأبو عمرو الداني في «الفتن» (رقم ٧٢، ٤٩٦ - ط. بيت الأفكار) من طريق المثنى بن بكر؛ جميعهم عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ :
«يحسُرُ الفرات عن جبل من ذهب، فيقتتل الناسُ عليه، فيُقتل من كل عشرة تسعةٌ» لفظ يعلى.
ولفظ حماد: «يوشك أن يُحسِر الفرات عن جبل من ذهب، يقتتل (١) عليه الناس حتى يُقتَل من كل عشرة تسعة، ويبقى واحد» .
* حديث أُبيّ بن كعب ﵁.
أخرج مسلم في «صحيحه» في كتاب الفتن (باب لا تقوم الساعة حتى يحسر الفرات عن جبل من ذهب) (رقم ٢٨٩٥) بعد (٣٢) ، قال:
حدثنا أبو كامل، فضيل بن حسين وأبو معن الرَّقَاشيُّ (واللفظ لأبي معن) ، قالا: حدثنا خالد بن الحارث، حدثنا عبد الحميد بن جعفر، أخبرني أبي (٢) ، عن سليمان بن يسار، عن عبد الله بن الحارث بن نوفل، قال:
كنت واقفاً مع أبي بن كعب، فقال: لا يزال الناس مختلفة أعناقهم (٣) في
стр. 526
طلب الدنيا. قلت: أجل. قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يوشك الفرات أن يحسر عن جبل من ذهب، فإذا سمع به الناس ساروا إليه، فيقول من عنده: لئن تركنا الناسَ يأخذون منه ليُذهَبَنَّ به كلِّه (١) . قال: فيقتتلون عليه، فيُقتل من كل مئة تسعةٌ وتسعون» .
قال أبو كامل في حديثه: قال: وقفت أنا وأُبي بن كعب في ظل أجمِ (٢) حسّان.
قال أبو عبيدة: وكذلك قال عفان بن مسلم عن خالد بن الحارث به. فيما رواه عنه أحمد في «المسند» (٥/١٣٩) ، والهيثم بن كليب الشاشي في «مسنده» (٣/٣٦١) ، وأبو عوانة في «الفتن» -كما في «إتحاف المهرة» (١/٢٢٠ رقم ٦٣) -، ولفظه:
وقفتُ أنا وأُبي بن كعب في ظل أُجُم حسّان، فقال لي أُبي: ألا ترى الناس مختلفةً أعناقُهم في طلب الدنيا؟ قال: قلت: بلى. قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: وذكره مثله، وفي آخره: «والله لئن ترَكْنَا الناسَ يأخذون فيه ليذهبَنَّ، فيقتتل الناس، حتى يقتل من كل مئة تسعةٌ وتسعون» .
стр. 527
ولفظ الشاشي: «يَحتَقُّون (١) أعناقهم» ، و: «يوشك أن يحسر الفرات ... فإذا سمع به الناس نادوا، فيقول من عنده ... يأخذون ليذهبن به، فيقتتل الناس، فيُقتل من كل ... » .
ورواه عن خالد بن الحارث غير الثلاثة المذكورين، ووقفت على اثنين آخرين؛ هما:
الأول: قيس بن حفص.
أخرج البخاري في «التاريخ الكبير» (١/٣٨٨ رقم ١٢٤١) ، قال لي (٢) قيس بن حفص، قال: حدثنا خالد بن الحارث، به. ولم يسق لفظه، واكتفى بقوله: «نحوه» ، وكان قد ساق لفظ إسحاق بن العلاء عن عمرو بن الحارث الآتي ذكره.
والآخر: الصَّلت بن مسعود الجحدري.
أخرجه عبد الله بن أحمد في «زوائد المسند» (٥/١٣٩) ، وأبو عوانة في «مسنده» -كما في «إتحاف المهرة» (١/٢٢٠) -.
وتابع خالداً -فيما وقفتُ عليه- ثلاثة، فرووه عن عبد الحميد بن جعفر؛ هم:
الأول: أبو محمد بن أبي شيبة.
أخرج عبد بن حميد في «المنتخب» (ص ٩٢/رقم ١٨٠) -ومن طريقه ابن العديم في «بغية الطلب» (١/٥١٣) -: أخبرني ابن أبي شيبة، قال: وجدتُ في كتاب أبي محمد بن أبي شيبة عن عبد الحميد بن جعفر، قال: أُخبرتُ عن سليمان بن يسار، فأرسله ولم يذكر ابن جعفر أباه! ولفظه مثل لفظ الجماعة
стр. 528
عن خالد؛ إلا أن فيه: «فيقول الذين عنده» ، وفيه: «يأخذون منه؛ ليذهبون به» . ولم يذكر أجم حسّان، ولا قولة أُبيٍّ أوله.
الثاني: بكر بن بكار.
أخرجه أبو نعيم في «الحلية» (١/٢٥٥) -ومن طريقه الذهبي في «السير» (١/٣٩٣) - وفيه زيادة بعد قوله: «أطم حسان» : «والسوق سوق الفاكهة اليوم» ، وذكر لفظ الجماعة؛ إلا أن فيه: «يأخذون منه، لا يدعون منه شيئاً، فيقتتل الناس [فيقتل] (١) من كل مئة ... » .
وقال أبو نعيم على إثره: «ورواه الزُّبيدي عن الزهري، عن إسحاق مولى المغيرة، عن أُبي» (٢) .
وأخرجه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٨/١١١) من طريق آخر عن بكر بن بكار مقتصراً على المرفوع، ولفظه: «يحسر الفرات عن جبل من ذهب، فيقتتل الناس عليه، فيقتل من كل مئة تسعة وتسعون ويبقى واحد» .
والثالث: عبد الله بن حمران، وهو صدوق يخطئ قليلاً، واضطرب فيه؛ فرواه على الجادة تارة، وجعله تارة أخرى عن عبد الله بن الحارث بن نوفل، قال: قال الحارث بن نوفل: سمعتُ أُبيّاً، فزاد (الحارث) ! وهذا من أوهامه.
أخرجه عبد الله بن أحمد في «زوائد المسند» (٥/١٣٩-١٤٠) : حدثنا شجاع بن مخلد وأبو خيثمة زهير بن حرب، والشاشي في «مسنده» (٣/٣٦٦-٣٦٧ رقم ١٤٨٨) : حدثنا أبو قلابة الرقاشي؛ جميعهم عن عبد الله ابن حمران، به على الجادة بألفاظ متقاربة.
стр. 529
وأخرجه البخاري في «التاريخ الكبير» (١/٣٨٨-٣٨٩) ، قال: قال لي محمد بن بشار: حدثنا عبد الله بن حمران، به. بزيادة الحارث بن نوفل، قال: سمعت أبيّ (١) .
ثم وجدت ابن حمران رواه على لون آخر، وهذا من اضطرابه -أيضاً-؛ وهو:
ما أخرجه ابن عساكر (٧/٣٣٢-٣٣٣) من طريق محمد بن بشار وابن معمر، قالا: نا عبد الله بن حمران، نا عبد الحميد بن جعفر، عن عبد الله بن الحكم بن رافع بن سنان، عن أبيه، عن سليمان بن يسار، عن عبد الله بن الحارث، قال: قال الحارث بن نوفل: وقفتُ أنا وأبيّ بن كعب في ظل أُطُم حسان، وسوق الناس يومئذ في موضع سوق الفاكهة اليوم ... وذكره بنحوه.
ولحديث أُبيّ بن كعب طريق أخرى فيها مقال، جاء فيها: «فيقتل تسعة أعشارهم» ، وهذا التفصيل، والله المستعان:
أخرج البخاري في «التاريخ الكبير» (١/٣٨٨) ، والفسوي في «المعرفة والتاريخ» (١/٣١٥، ٤١٦) -ومن طريقه الخطيب في «موضح أوهام الجمع والتفريق» (١/٥٦) -، وابن حبان (٦٦٩٦ - «الإحسان» ) -ومن طريقه ابن العديم في «بغية الطلب» (١/٥١٥) -، والطبراني في «المعجم الكبير» (رقم ٥٣٧) و «مسند الشاميين» (رقم ١٧٨٩) من طريق إسحاق بن إبراهيم بن العلاء: حدثنا عمرو بن الحارث، حدثنا عبد الله بن سالم، عن محمد بن الوليد الزُّبيدي، قال: أخبرني الزهري، قال: أخبرني إسحاق مولى المغيرة بن نوفل، أن المغيرة بن نوفل أخبره، عن أُبيّ بن كعب، أن رسول الله ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى يحسر الفرات عن تلّ من ذهب، فيقتتل عليه الناس، فيُقتل تسعة
стр. 530
أعشارهم» .
وإسناده ضعيف بهذا اللفظ، وله علتان:
الأولى: إسحاق (١) مولى المغيرة مجهول، وثقه ابن حبان (٦/٤٦) ، وتبعه ابن قطلوبغا، فترجمه في كتابه «الثقات» (ق٧٨/أ) ، قال الخطيب في «الموضح» (١/٥٥) : «لا أعلم حدث عنه غير الزهري» . وذكره مسلم في «المنفردات والوحدان» (ص ١٢٣/رقم ٢٦١) تحت عنوان (ومن روى عنه الزهري ممن لم يرو عنه أحد سواه فيما علمنا) .
والثانية: إسحاق بن إبراهيم بن العلاء بن الضحاك الزُّبيدي.
قال النسائي: «ليس بثقة عن عمرو بن الحارث (٢) » كذا في «تاريخ دمشق» (٨/١٠٩) ، وقال الآجري في «سؤالاته» (رقم ١٦٨٢) : «سئل أبو داود عنه، فقال: ليس هو بشيء. قال أبو داود: قال لي ابن عوف (٣) : ما أشك أن إسحاق بن إبراهيم بن زُريق يكذب» .
وقال ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» (٢/٢٠٩) : «كتب عنه أبي، سمعتُ أبي يقول: سمعت يحيى بن معين وأثنى على إسحاق بن الزِّبْرِيق (٤)