← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 3346

العراق في أحاديث وآثار الفتن

مشهور آل سلمان

Полный текст (775 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

طلب الدنيا. قلت: أجل. قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يوشك الفرات أن يحسر عن جبل من ذهب، فإذا سمع به الناس ساروا إليه، فيقول من عنده: لئن تركنا الناسَ يأخذون منه ليُذهَبَنَّ به كلِّه (١) . قال: فيقتتلون عليه، فيُقتل من كل مئة تسعةٌ وتسعون» . قال أبو كامل في حديثه: قال: وقفت أنا وأُبي بن كعب في ظل أجمِ (٢) حسّان. قال أبو عبيدة: وكذلك قال عفان بن مسلم عن خالد بن الحارث به. فيما رواه عنه أحمد في «المسند» (٥/١٣٩) ، والهيثم بن كليب الشاشي في «مسنده» (٣/٣٦١) ، وأبو عوانة في «الفتن» -كما في «إتحاف المهرة» (١/٢٢٠ رقم ٦٣) -، ولفظه: وقفتُ أنا وأُبي بن كعب في ظل أُجُم حسّان، فقال لي أُبي: ألا ترى الناس مختلفةً أعناقُهم في طلب الدنيا؟ قال: قلت: بلى. قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: وذكره مثله، وفي آخره: «والله لئن ترَكْنَا الناسَ يأخذون فيه ليذهبَنَّ، فيقتتل الناس، حتى يقتل من كل مئة تسعةٌ وتسعون» .

стр. 527

ولفظ الشاشي: «يَحتَقُّون (١) أعناقهم» ، و: «يوشك أن يحسر الفرات ... فإذا سمع به الناس نادوا، فيقول من عنده ... يأخذون ليذهبن به، فيقتتل الناس، فيُقتل من كل ... » . ورواه عن خالد بن الحارث غير الثلاثة المذكورين، ووقفت على اثنين آخرين؛ هما: الأول: قيس بن حفص. أخرج البخاري في «التاريخ الكبير» (١/٣٨٨ رقم ١٢٤١) ، قال لي (٢) قيس بن حفص، قال: حدثنا خالد بن الحارث، به. ولم يسق لفظه، واكتفى بقوله: «نحوه» ، وكان قد ساق لفظ إسحاق بن العلاء عن عمرو بن الحارث الآتي ذكره. والآخر: الصَّلت بن مسعود الجحدري. أخرجه عبد الله بن أحمد في «زوائد المسند» (٥/١٣٩) ، وأبو عوانة في «مسنده» -كما في «إتحاف المهرة» (١/٢٢٠) -. وتابع خالداً -فيما وقفتُ عليه- ثلاثة، فرووه عن عبد الحميد بن جعفر؛ هم: الأول: أبو محمد بن أبي شيبة. أخرج عبد بن حميد في «المنتخب» (ص ٩٢/رقم ١٨٠) -ومن طريقه ابن العديم في «بغية الطلب» (١/٥١٣) -: أخبرني ابن أبي شيبة، قال: وجدتُ في كتاب أبي محمد بن أبي شيبة عن عبد الحميد بن جعفر، قال: أُخبرتُ عن سليمان بن يسار، فأرسله ولم يذكر ابن جعفر أباه! ولفظه مثل لفظ الجماعة

стр. 528

عن خالد؛ إلا أن فيه: «فيقول الذين عنده» ، وفيه: «يأخذون منه؛ ليذهبون به» . ولم يذكر أجم حسّان، ولا قولة أُبيٍّ أوله. الثاني: بكر بن بكار. أخرجه أبو نعيم في «الحلية» (١/٢٥٥) -ومن طريقه الذهبي في «السير» (١/٣٩٣) - وفيه زيادة بعد قوله: «أطم حسان» : «والسوق سوق الفاكهة اليوم» ، وذكر لفظ الجماعة؛ إلا أن فيه: «يأخذون منه، لا يدعون منه شيئاً، فيقتتل الناس [فيقتل] (١) من كل مئة ... » . وقال أبو نعيم على إثره: «ورواه الزُّبيدي عن الزهري، عن إسحاق مولى المغيرة، عن أُبي» (٢) . وأخرجه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٨/١١١) من طريق آخر عن بكر بن بكار مقتصراً على المرفوع، ولفظه: «يحسر الفرات عن جبل من ذهب، فيقتتل الناس عليه، فيقتل من كل مئة تسعة وتسعون ويبقى واحد» . والثالث: عبد الله بن حمران، وهو صدوق يخطئ قليلاً، واضطرب فيه؛ فرواه على الجادة تارة، وجعله تارة أخرى عن عبد الله بن الحارث بن نوفل، قال: قال الحارث بن نوفل: سمعتُ أُبيّاً، فزاد (الحارث) ! وهذا من أوهامه. أخرجه عبد الله بن أحمد في «زوائد المسند» (٥/١٣٩-١٤٠) : حدثنا شجاع بن مخلد وأبو خيثمة زهير بن حرب، والشاشي في «مسنده» (٣/٣٦٦-٣٦٧ رقم ١٤٨٨) : حدثنا أبو قلابة الرقاشي؛ جميعهم عن عبد الله ابن حمران، به على الجادة بألفاظ متقاربة.

стр. 529

وأخرجه البخاري في «التاريخ الكبير» (١/٣٨٨-٣٨٩) ، قال: قال لي محمد بن بشار: حدثنا عبد الله بن حمران، به. بزيادة الحارث بن نوفل، قال: سمعت أبيّ (١) . ثم وجدت ابن حمران رواه على لون آخر، وهذا من اضطرابه -أيضاً-؛ وهو: ما أخرجه ابن عساكر (٧/٣٣٢-٣٣٣) من طريق محمد بن بشار وابن معمر، قالا: نا عبد الله بن حمران، نا عبد الحميد بن جعفر، عن عبد الله بن الحكم بن رافع بن سنان، عن أبيه، عن سليمان بن يسار، عن عبد الله بن الحارث، قال: قال الحارث بن نوفل: وقفتُ أنا وأبيّ بن كعب في ظل أُطُم حسان، وسوق الناس يومئذ في موضع سوق الفاكهة اليوم ... وذكره بنحوه. ولحديث أُبيّ بن كعب طريق أخرى فيها مقال، جاء فيها: «فيقتل تسعة أعشارهم» ، وهذا التفصيل، والله المستعان: أخرج البخاري في «التاريخ الكبير» (١/٣٨٨) ، والفسوي في «المعرفة والتاريخ» (١/٣١٥، ٤١٦) -ومن طريقه الخطيب في «موضح أوهام الجمع والتفريق» (١/٥٦) -، وابن حبان (٦٦٩٦ - «الإحسان» ) -ومن طريقه ابن العديم في «بغية الطلب» (١/٥١٥) -، والطبراني في «المعجم الكبير» (رقم ٥٣٧) و «مسند الشاميين» (رقم ١٧٨٩) من طريق إسحاق بن إبراهيم بن العلاء: حدثنا عمرو بن الحارث، حدثنا عبد الله بن سالم، عن محمد بن الوليد الزُّبيدي، قال: أخبرني الزهري، قال: أخبرني إسحاق مولى المغيرة بن نوفل، أن المغيرة بن نوفل أخبره، عن أُبيّ بن كعب، أن رسول الله ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى يحسر الفرات عن تلّ من ذهب، فيقتتل عليه الناس، فيُقتل تسعة

стр. 530

أعشارهم» . وإسناده ضعيف بهذا اللفظ، وله علتان: الأولى: إسحاق (١) مولى المغيرة مجهول، وثقه ابن حبان (٦/٤٦) ، وتبعه ابن قطلوبغا، فترجمه في كتابه «الثقات» (ق٧٨/أ) ، قال الخطيب في «الموضح» (١/٥٥) : «لا أعلم حدث عنه غير الزهري» . وذكره مسلم في «المنفردات والوحدان» (ص ١٢٣/رقم ٢٦١) تحت عنوان (ومن روى عنه الزهري ممن لم يرو عنه أحد سواه فيما علمنا) . والثانية: إسحاق بن إبراهيم بن العلاء بن الضحاك الزُّبيدي. قال النسائي: «ليس بثقة عن عمرو بن الحارث (٢) » كذا في «تاريخ دمشق» (٨/١٠٩) ، وقال الآجري في «سؤالاته» (رقم ١٦٨٢) : «سئل أبو داود عنه، فقال: ليس هو بشيء. قال أبو داود: قال لي ابن عوف (٣) : ما أشك أن إسحاق بن إبراهيم بن زُريق يكذب» . وقال ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» (٢/٢٠٩) : «كتب عنه أبي، سمعتُ أبي يقول: سمعت يحيى بن معين وأثنى على إسحاق بن الزِّبْرِيق (٤)

стр. 531

خيراً، وقال: الفتى لا بأس به، ولكنهم يحسدونه» . قال: وسئل أبي عن إسحاق ابن إبراهيم بن العلاء؟ فقال: شيخ» (١) . فقوله: «شيخ» ليس تعديلاً له، وإنما يعتبر حاله، قال الذهبي في ترجمة (العباس بن الفضل العدني) من «الميزان» (٢/٣٨٥) : «قوله -أي: أبو حاتم-: هو شيخ، ليس هو بعبارة جرح، لهذا لم أذكر في كتابنا أحداً ممن قال فيه ذلك، ولكنها -أيضاً- ما هي عبارة توثيق، وبالاستقراء يلوح لك أنه ليس بحجة» . أما ألفاظ الأحاديث السابقة فهي محفوظة؛ عدا قوله: «من كل عشرة تسعة» أو «تسعة أعشارهم» ؛ فهي رواية شاذة، والمحفوظ: «من كل مئة تسعة وتسعون» . ويمكن الجمع باختلاف تقسيم الناس إلى قسمين (٢) ، «ولو صحت حملت على التقريب وإلغاء الكسر في نسبة المقتولين إلى العشرة؛ لأن تسعة وتسعين في مئة، حينما تذكر بالنسبة إلى العشرة، تكون تسعة وكسراً، والعرب من عادتهم إلغاء الكسر» (٣) . وأخرجه نعيم بن حماد في «الفتن» (١/٣٣٥-٣٣٦) من طرق أخرى ضعيفة عن أبي هريرة مرفوعاً -أيضاً-، بألفاظ فيها زيادة، وفي بعضها نُكْرة، وبوب عليها (باب آخر من علامات المهدي في خروجه) ، وهذا التفصيل: أخرج برقم (٩٦٩) ، قال: حدثني غير واحد عن ابن عياش، عن يحيى ابن أبي عمرو، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال:

стр. 532

«يحسر الفرات عن جبل من ذهب وفضة، فيُقتل عليه من كل تسعةٍ سبعةٌ، فإن أدركتموه فلا تقربوه» . وإسناده ضعيف؛ لجهالة شيوخه، ويحيى بن أبي عمرو، أبو زرعة السَّيباني الشامي الحمصي، ابن عم الأوزاعي، ثقة، ولكن لم يدرك أبا هريرة. ذكره ابن سعد في «طبقاته» (٧/٤٥٨) في (الطبقة الثانية) من أهل الشام، وذكره خليفة في «طبقاته» (٣١٥) في (الطبقة الرابعة) ، ومات سنة ثمان وأربعين ومئة (١) ، وهو ابن خمس وثمانين سنة (٢) ، فروايته عن الصحابة مرسلة، قال ابن عساكر (٣) : «قيل: إنه أدرك أبا الدرداء، وليس بصحيح» . وقوله: «فضة» شاذة، وكذا: «من كل تسعة سبعة» . وأخرج برقم (٩٧٢) : حدثنا يحيى بن سعيد، عن ضرار بن عمرو، عن إسحاق بن أبي فروة، عن أبي هريرة رفعه بلفظ: «الفتنة الرابعة (٤) ثمانية عشر عاماً (٥) ، ثم تنجلي حين تنجلي، وقد انحسر الفراتُ عن جبل من ذهب، تكبُّ عليه الأُمّةُ، فيُقتل عليه من كل تسعة سبعةٌ» (٦) .

стр. 533

وإسناده واهٍ جدّاً، إسحاق؛ هو: ابن عبد الله بن أبي فروة، متروك، ولم يدرك أبا هريرة، بينهما واسطة، يظهر ذلك مما: أخرجه نعيم نفسه في «الفتن» (١/٥٥-٥٦ رقم ٨٩) -أيضاً- بالسند نفسه؛ إلا أنه جعله عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، عمن حدثه، عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «تأتيكم بعدي أربع فتن؛ الأولى: يُستحل فيها الدماء. والثانية: يُستحل فيها الدماء والأموال. والثالثة: يُستحل فيها الدماء والأموال والفروج. والرابعة: صمّاء، عمياء، مطبقة، تمور مور الموج في البحر، حتى لا يجد أحدٌ من الناس منها ملجأً، تطيف بالشام، وتغشى العراق، وتخبط الجزيرة بيدها ورجلها، وتعرك الأمة فيها بالبلاء عركَ الأديم، ثم لا يستطيع أحدٌ من الناس يقول فيها: مه مه. ثم لا يرفعونها (١) من ناحية إلا انفتقت من ناحية أخرى» . وشيخ نعيم في الحديثين ضعيف -أيضاً-، وهو يحيى بن سعيد العطار. وأخرجه نعيم في «الفتن» (١/٥٥ رقم ٨٨) بسند رجاله ثقات؛ إلا أنه منقطع، قال: حدثنا ضمرة بن ربيعة، عن يحيى بن أبي عمرو السَّيباني، قال: قال أبو هريرة ﵁: قال رسول الله ﷺ : «أربع فتن تكون بعدي؛ الأولى: يُستحل فيها الدماء. والثانية: يُستحل فيها الدماءُ والأموال. والثالثة:

стр. 534

يُستحل فيها الدماءُ والأموالُ والفروجُ. والرابعة: عمياء صمّاء تُعرك فيها أمتي عركَ الأديم» (١) . وورد موصولاً بسند فيه لين، بل كذاب. أخرجه نعيم بن حماد في «الفتن» (١/٥٦ رقم ٩٠) ، قال: حدثنا عثمان ابن كثير بن دينار، عن محمد بن مُهاجر أخي عمرو بن مهاجر، قال: حدثني جُنيد بن ميمون، عن ضرار بن عمرو، قال: قال أبو هريرة: قال رسول الله ﷺ في قوله -تعالى-: ﴿أو يُلبسكم شيعاً﴾ ، قال: «أربع فتن، تأتي الفتنة الأولى فيُستحل فيها الدماء. والثانية: يُستحل فيها الدماءُ والأموال. والثالثة: يُستحل فيها الدماءُ والأموالُ والفروجُ. والرابعة: عمياء مظلمة، تمور مور البحر، تنتشر حتى لا يبقى بيتٌ من العرب إلا دخلته» . ومحمد بن مهاجر القرشي الكوفي، لين الحديث، كما في «التقريب» (ص ٥٠٩/رقم ٦٣٣٢) ، وضرار بن عمرو، متهم، وله مناكير كثيرة (٢) ، ولا يعرف له سماع من أبي هريرة. وجعله السيوطي في «الدر المنثور» (٣/٢٨٨) عن ضرار بن عمرو مرفوعاً! وعزاه فقط لنعيم في «الفتن» ! وهناك أحاديث عامة تدلل على اشتداد الفتن مع مرور الزّمن، وقد أورد نعيم بن حماد واحداً منها يلي ما سبق مباشرة، فيه تنصيص على أن «فتناً أربعاً تكون آخر الزمان» ، وورد في «الصحيح» ما يشهد لعمومه، وإن لم يكن فيها ذكر حسر الفرات، كما في الأحاديث التي سقناها، وهذا البيان:

стр. 535

أخرج نعيم بن حماد في «الفتن» (١/٥٦-٥٧ رقم ٩١) ، قال: حدثنا الحكم بن نافع، عن أرطاة بن المنذر، قال: بلغنا أن رسول الله ﷺ قال: «تكون في أمتي أربع فتن، يصيب أمتي في آخرها فتن مترادفة، فالأولى تصيبهم فيها بلاء، حتى يقول المؤمن: هذه مهلكتي، ثم تنكشف. والثانية حتى يقول المؤمن: هذه مهلكتي، ثم تنكشف. والثالثة: كلما قيل: انقضت. تمادت. والفتنة الرابعة: تصيرون فيها إلى الكفر، إذا كانت الإمّعةُ مع هذا مرة، ومع هذا مرة بلا إمام ولا جماعة، ثم المسيح، ثم طلوع الشمس من مغربها، ودون الساعة اثنان وسبعون دجالاً، منهم من لا يتّبعه إلا رجل واحد» . وهذا معضل، أرطاة بن المنذر رواه بلاغاً، ولا نعرف الواسطة بينه وبين النبي ﷺ ، وأرطاة هذا غير التابعي الحمصي، الذي أدرك ثوبان، وسمع من مجاهد والكبار، وإنما هذا آخر، بصري، يكنى أبا حاتم، ترجمه ابن عدي في «الكامل» (١/٤٢١-٤٢٢) ، وأورد له حديثين منكرين، وقال: «ولأرطاة أحاديث كثيرة، غير ما ذكرته في بعضها خطأ وغلط» (١) . ويشهد لبعض ما فيه: ما أخرجه مسلم في «صحيحه» (٢) بسنده إلى عبد الرحمن بن عبد رب الكعبة، قال: دخلت المسجد، فإذا عبد الله بن عمرو ابن العاص جالس في ظل الكعبة والناس مجتمعون عليه، فأتيتهم، فجلستُ إليه، فقال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر فنزلنا، فمنا من يصلح خباءه، ومنا من ينتضل (٣) ، ومنا من هو في جشره (٤) ؛ إذ نادى منادي رسول الله ﷺ :

стр. 536

الصلاة جامعة. فاجتمعنا إلى رسول الله ﷺ ، فقال: إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان حقّاً عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وينذرهم شر ما يعلمه لهم، وإن أمتكم هذه جعل عافيتُها في أولها، وسيصيب آخرَها بلاءٌ وأمور تنكرونها، وتجيء فتنة فيرقق بعضها بعضاً، وتجيء الفتنة فيقول المؤمن: هذه مُهلكتي، ثم تنكشف وتجيء الفتنة، فيقول المؤمن: هذه هذه. فمن أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه، ومن بايع إماماً فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه، فليطعه إن استطاع، فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر. فدنا عبد الرحمن من عبد الله بن عمرو بن العاص، وقال: أنشدك الله: آنت سمعت هذا من رسول الله ﷺ ؟ فأهوى عبد الله ﵁ إلى أذنيه وقلبه بيديه، وقال: سمعته أُذُناي ووعاه قلبي. نستفيد من هذا الحديث أموراً، الذي يخصنا منها هنا ما يلي: الأول: اشتداد الفتن كلما مر الزمن، وهو مأخوذ من قوله ﷺ : «وإن أمتكم هذه جعل عافيتها في أولها، وسيصيب آخرها بلاء وأمور تنكرونها، وتجيء فتنة فيرقق بعضها بعضاً» ؛ أي: يُصيِّرُ بعضُها بعضاً رقيقاً؛ أي: خفيفاً؛ لعظم ما بعده. فالثاني يجعل الأول رقيقاً، وهكذا. الثاني: في هذا الحديث رد صريح على من قال: إن النبي من أوحي إليه ولم يؤمر بالتبليغ. الثالث: ونستفيد من استحلاف عبد الرحمن بن عبد رب الكعبة ما يلي: أولاً: عدم أنفة الصحابة ﵃ على من شدد عليهم في التثبت فيما يخبرون به عن النبي ﷺ . ثانياً: تثبت المسلمين الأولين في تلقي الأخبار، مع ثقتهم بأصحاب النبي ﷺ وبأمانتهم في نقل الدين، ولا سيما فيما يخص المغيبات وأحاديث

стр. 537

الفتن. فاحرص يا أخي على الاقتداء بسلفك الصالح وتثبت في دينك؛ لأن مُدّعِي العلم قد كثروا اليوم. رابعاً: أن الفتنة تصيب هذه الأمة على هيئة أمواج، تظهر وتختفي بين الفَيْنَة والفينة (١) .

стр. 538

والشاهد أن في بلاغ أرطاة بن المنذر تفصيلاً يُستأنسُ به في الإجمال المذكور في هذا الحديث، ولا سيما أن معناه العامَّ واردٌ في أحاديثَ كثيرةٍ شهيرةٍ، بل ورد عن علي قولُه ما يشهد لهذا المعنى. أخرج نعيم بن حماد في «الفتن» (١/٥٧ رقم ٩٤) ، قال: حدثنا ابنُ وهب، عن ابن لهيعة، عن الحارث بن يزيد، قال: سمعت عبد الله بن زُرَير الغافقي، يقول: سمعت عليّاً ﵁ يقول: «الفتن أربعٌ: فتنة السراء، وفتنة الضراء، وفتنة كذا، فذكر معدنَ الذهب، ثم يخرج رجل من عترة النبي ﷺ ، يُصلح الله على يديه أمرَهم» . وهذا إسناد جيد، الراوي عن ابن لهيعة عبد الله بن وهب، والحارث بن يزيد هو الحضرمي أبو عبد الكريم المصري، ثقة من الثقات. قاله أحمد، ووثقه أبو حاتم والنسائي والعجلي (١) . وعبد الله بن زُرير الغافقي، ثقة -أيضاً-، وثقه ابن سعد في «طبقاته» (٧/٥١٠) ، والعجلي في «ثقاته» (ص ٢٥٧/رقم ٨١١) ، وابن حبان في «ثقاته» (٥/٢٤) ، وابن خلفون في «ثقاته» ، كما في «إكمال تهذيب الكمال» (٧/٣٥٦-٣٥٧) لمغلطاي، ولم يجرحه أحد (٢) .

стр. 539

ونستفيد من هذا الأثر أموراً؛ هي: أولاً: حسرُ الفرات عن جبلٍ من ذهب فتنةٌ. ثانياً: أنّ المراد بالذهب المعدن، ففيه: «فذكر معدن الذهب» ، وجَعْلُه كنايةً عن النفط أو غيره -كما يقول العقلانيون- فهذا إخراجٌ للفظ عن معناه، وحصرُه في وقت معين لم يقم عليه دليل، وفيه عدم مراعاةٍ لفهم المخاطَبِين عند سماعهم له (١) . ثالثاً: أن فتنةَ حسر الفرات تدخل في عموم الهرج الوارد في الأحاديث الكثيرة في «الصحيحين» (٢) ، وغيرهما. خامساً: إن هذه الفتنة من إرهاصات خروج المهدي آخر الزمان، وصرح بذلك علي ﵁ لما قال: «ثم يخرج رجل من عترة النبي ﷺ يُصلح الله على يديه أمرهم» . قال البرزنجي في «الإشاعة» (ص ٩١) عند كلامه على (العلامات التي يعرف بها المهدي) : «وأما الأمارات الدالة على خروجه؛ فمنها: أنه ينشقّ الفراتُ فينحسر عن جبل من ذهب» ، وكرره بعده بورقة، وزاد: «فإذا سمع به الناس ساروا إليه، واجتمع ثلاثةٌ كلُّهم ابنُ خليفة، يقتتلون عنده، ثم لا يصير إلى واحدٍ منهم ... » . قلت: يدلّ على ذلك حديث ثوبان ﵁ مرفوعاً؛ وهو: ما أخرجه ابن ماجه في «السنن» (٤٠٨٤) ، والبيهقي في «الدلائل» (٦/ ٥١٥) ، وأبو عمرو الداني في «الفتن» (٥/١٠٣٢ رقم ٥٤٨) من طريق عبد الرزاق، والحاكم في «المستدرك» (٤/٤٦٣-٤٦٤) من طريق الحسين بن

стр. 540

حفص؛ كلاهما عن سفيان الثوري، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء الرحبي، عن ثوبان رفعه: «يقتتل عند كنزكم ثلاثة، كلُّهم ابنُ خليفة، ثم لا يصير إلى واحد منهم، ثم تطلع الرايات السود من قبل المشرق، فيقتلونكم قتلاً لم يقتله قومٌ» ثم ذكر شيئاً لا أحفظه، فقال: «فإذا رأيتموه فبايعوه ولو حبواً على الثلج، فإنه خليفةُ الله المهديُّ» . ورجاله ثقات رجال الصحيح، لكن خالف الثوريَّ في إسناده عبدُالوهاب بن عطاء، فأخرجه الحاكم (٤/٥٠٢) ، وعنه البيهقي (١) في «الدلائل» (٦/٥١٦) من طريق يحيى بن أبي طالب، عن عبد الوهاب بن عطاء، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن أبي أسامة، عن ثوبان موقوفاً (٢) . وأعلّه شيخنا الألباني -رحمه الله تعالى- في «السلسلة الضعيفة» (رقم ٨٥) بعنعنة أبي قلابة، قال بعد أن نقل أنّ الذهبي قال عن الحديث: «أراه منكراً» : «وهذا هو الصواب، وقد ذهل من صححه عن علته، وهي عنعنة أبي قلابة، فإنه من المدلسين؛ كما تقدم نقله عن الذهبي وغيره في الحديث

стр. 541

السابق، ولعله لذلك ضعف حديث ابن علية من طريق خالد، كما حكاه عنه أحمد في «العلل» (١/٣٥٦) ، وأقره. لكن الحديث صحيح المعنى؛ دون قوله: «فإن فيها خليفة الله المهدي» . فقد أخرجه ابن ماجه (٢/٥١٧-٥١٨) من طريق علقمة عن ابن مسعود مرفوعاً نحو رواية ثوبان الثانية. وإسناده حسن بما قبله، فإن فيه يزيد بن أبي زياد، وهو مختلف فيه، فيصلح للاستشهاد به، وليس فيه -أيضاً- ذكر «خليفة الله» ، ولا «خراسان» . وهذه الزيادة: «خليفة الله» ؛ ليس لها طريق ثابت، ولا ما يصلح أن يكون شاهداً لها، فهي منكرة؛ كما يفيد كلام الذهبي السابق، ومن نكارتها أنه لا يجوز في الشرع أن يُقال: فلان خليفة الله. لما فيه من إيهام ما لا يليق بالله -تعالى- من النقص والعجز، وقد بيّن ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-، فقال في «الفتاوى» (٢/٤٦١) : «وقد ظن بعض القائلين الغالطين كابن عربي، أن الخليفة هو الخليفة عن الله، مثل نائب الله، والله -تعالى- لا يجوز له خليفة، ولهذا «قالوا لأبي بكر: يا خليفة الله! فقال: لست بخليفة الله، ولكن خليفة رسول الله ﷺ ، حسبي ذلك» (١) ، بل هو -سبحانه يكون خليفة لغيره، قال النبي ﷺ : «اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل، اللهم اصحبنا في سفرنا، واخلفنا في أهلنا» (٢) .

стр. 542

وذلك لأن الله حي شهيد مهيمن قيوم رقيب حفيظ غني عن العالمين، ليس له شريك ولا ظهير، ولا يشفع أحد عنده إلا بإذنه، والخليفة إنما يكون عند عدم المستخلف؛ بموت، أو غيبة، ويكون لحاجة المستخلف، سمي خليفة؛ لأنه خلف عن الغزو وهو قائم خلفه، وكل هذه المعاني منتفية في حق الله -تعالى-، وهو منزه عنها، فإنه حي قيوم، شهيد، لا يموت ولا يغيب ... ولا يجوز أن يكون أحد خلفاً منه، ولا يقوم مقامه، إنه لا سَمِيَّ له، ولا كفء، فمن جعل له خليفة فهو مشرك به» . ومما يدل على ذلك: ما أخرجه نعيم بن حماد في «الفتن» (١/٣٣٣ رقم ٩٥٨) بسندٍ حسن عن ابن سيرين، قال: «لا يخرج المهدي حتى يُقتل من كلِّ تسعةٍ سبعةٌ» . والقتل هذا هو المذكور في الأحاديث السابقة. قال ابن حجر في «الفتح» (١٣/٨١) عند شرحه لهذا الحديث: «يوشك أن يحسر الفرات ... » وأورد حديث ابن ماجه، وسكت عليه، وقال عقبه: «فهذا إن كان المراد بالكنز فيه: الكنز الذي في حديث الباب، دلّ على أنه إنما يقع عند ظهور المهدي، وذلك قبل نزول عيسى، وقبل خروج النار جزماً، والله أعلم» . وأقره عليه صديق حسن خان في «عون الباري» (٦/٤٢٢) ، وصاحب «تكملة فتح الملهم» (٦/٢٨٨) ، وأغرب بعضهم لما قال: «المراد بالكنز المذكور في هذا السياق كنز الكعبة» !! فالذي يستخرج كنز الكعبة ذو السُّويقتين من الحبشة، والدليل عليه: ما أخرجه أحمد (٥/٢٧١) بسندٍ حسن في الشواهد من طريق أبي أمامة ابن سهل بن حُنيف، قال: سمعتُ رجلاً من أصحاب النبي ﷺ يقول: «اتركوا

стр. 543

الحبشة ما تركوكم؛ فإنه لا يستخرج كنز الكعبة إلا ذو السُّويقتين من الحبشة» (١) . والحديث صحيح، أخرجه أبو داود (٤٣٠٩) ، والحاكم (٤/٤٥٣) ، والبيهقي (٩/١٧٦) ، وغيرهم من طريق أبي أمامة بن سهل عن عبد الله بن عمرو. وورد من حديثه من طريق مجاهد عنه بلفظ: «يخرِّب الكعبة ذو السُّويقتين من الحبشة، ويسلُبُها حليَتَها، ويجرِّدها من كسوتها» . أخرجه أحمد (٢/٢٢٠) ، والفاكهي في «أخبار مكة» (٧٤٣، ٧٤٤) : «والأقرب في الكنز المذكور في حديث ثوبان ﵁ أنه الكنز الذي يحسر عنه الفرات، وقد يكون غيره، والله أعلم» (٢) ، ويؤكده: ما أخرجه نعيم بن حماد في «الفتن» (١/٣٣٦) : حدثنا عبد الله بن مروان، عن أرطاة، عن تبيع، عن كعب، قال: تكون ناحيةُ الفرات في ناحية الشام، أو بعدها بقليل مجتَمعٌ عظيمٌ، فيقتتلون على الأموال، فيُقتلُ من كلِّ تسعة سبعةٌ، وذاك بعد الهدَّةِ والواهيةِ، في شهر رمضان، وبعد الافتراق ثلاث رايات، يطلب كلُّ واحد منهم المُلك لنفسه، فيهم رجل اسمه: عبدُالله. وإسناده قوي، وورد في الهدَّةِ والواهِيَةِ في رمضان أحاديثُ مرفوعةٌ أسانيدُها واهيةٌ جدّاً (٣) ، وفي هذا الأثر مما يستأنس بأن الكنز في حديث ثوبان

стр. 544

هو عينه الذي يحسر عنه الفرات، والله أعلم. ولم تسلم أخبار هذه المقتلة التي تكون عند الفرات من دسّ الكذّابين، ولا سيما الرافضة، فقد اختلقوا أكاذيب حول هذه الملحمة، وهذا مثال منها: أخرج ابن المنادي -كما في «كنز العمال» (١٤/٥٩٢ رقم ٣٩٦٧٩) - من طريق سعد الإسكافي، عن الأصبغ بن نباتة، قال: خطب علي بن أبي طالب، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: ... وذكر خبراً طويلاً، فيه بعد كلام: «ثم تكون بعده هنات (١) وأمور مشتبهات إلا من شط الفرات إلى النجفات باباً إلى القطفطانيات (٢) في آيات وآفات متواليات يحدثن شكّاً بعد يقين، يقوم بعد حينٍ يبني المدائنَ ويفتحُ الخزائن ويجمع الأمم ينفذها شخصُ البصر، وطمح النظر، وعنت الوجوه، وكشفت البال حتى يرى مقبلاً مدبراً، فيا لهفي على ما أعلم. رجبٌ شهر ذكر، رمضان تمام السنين، شوال يشأل فيه أمر القوم، ذو القعدة يقتعِدون فيه، ذو الحجة الفتح من أول العشر، ألا إن العجب كل العجب بعد جمادى ورجب جمع أشتات وبعث أموات وحديثات هوناتِ هوناتِ، بينهنّ موتات رافعة ذيلها، داعية عولها معلنة قولها بدجلة أو حولها. ألا إن منا قائماً عفيفةٌ أحسابه، سادةٌ أصحابه، ينادى عند اصطلام أعداءِ الله باسمه واسم أبيه في شهر رمضان ثلاثاً، بعد هرج وقتال وضنك وخُبال وقيامٍ من البلاء، على ساق وإني لأعلم إلى من تُخرِج الأرض ودائعها وتسلِّم إليه خزائنها، ولو شئتُ أن أضرب برجلي فأقول: أخرجي من ههنا بيضاً ودروعاً. كيف أنتم يا ابن هناتٍ؟ إذا كانت سيوفكم بأيمانكم مصلتات، ثم رملتم رملات ليلة البيات، ليسختلفنّ الله خليفة يثبت على الهدى، ولا يأخذ على

стр. 545

حكمه الرَّشاء، إذا دعا دعوات بعيدات المدى، دامغات للمنافقين، فارجات عن المؤمنين، ألا إن ذلك كائن على رغم الراغمين. والحمد لله رب العالمين وصلواته على سيدنا محمد خاتم النبيين وآله وأصحابه أجمعين» . قال السيوطي عقبه: «وسعد والأصبغ متروكان» . قال أبو عبيدة: علامات الوضع ظاهرة على الحديث، أما سعد؛ فهو ابن طريف الإسكافي، متروك الحديث، واتهم، إذ رماه بعضهم بالوضع، وهذا تفصيل كلام النُّقاد عليه: قال ابن معين في «تاريخ الدوري» (٢/١٩١) : «لا يحل لأحد أن يروي عنه» ، وقال مرة (٢/١٩١) : «ليس بشيء» ، وقال النسائي في «ضعفائه» (رقم ٢٨١) : «متروك الحديث» ، وقال الدارقطني في «سؤالات البرقاني» (رقم ١٩٠) : «كذاب» ، وقال الفسوي في «المعرفة والتاريخ» (٣/٦٤) : «لا يذكر ولا يكتب حديثه إلا للمعرفة» ، وقال ابن عدي في «الكامل» (٣/١١٨٨) : «ضعيف جدّاً» ، وقال ابن حبان في «المجروحين» (١/٣٥٧) : «كان يضع الحديث على الفور» ، وقال أبو حاتم في «الجرح والتعديل» (٤/٨٧ رقم ٣٧٩) : «منكر الحديث، ضعيف الحديث» ، وقال الجوزجاني في «أحوال الرجال» (ص ٥٨/ رقم ٥١) : «مذموم» ، وقد ضعفه -أيضاً-: أحمد، وعمرو ابن علي الفلاس، وأبو زرعة، والبخاري، وأبو داود، والترمذي، والبزار، والعقيلي، والأزدي، والعجلي، والساجي (١) . وأما الأصبغ؛ فهو ابن نُباتة: التميمي الحنظلي المجاشعي الكوفي، يكنى أبا القاسم متروك رمي بالرفض.

стр. 546

قال جرير بن عبد الحميد الضبي: «كان مغيرة لا يعبأ بحديثه» ، وقال عمرو بن علي: «ما سمعت عبد الرحمن ولا يحيى حدثا عنه بشيء قط» . نقلهما ابن عدي في «الكامل» (١/٣٩٨) . وقال أبو بكر بن عياش: «الأصبغ ابن نباتة وهيثم؛ هؤلاء الكذابين» (١) . وقال ابن معين: «ليس يساوي حديثه شيئاً» (٢) . وقال -أيضاً-: «ليس بثقة» (٣) . وقال مرة: «ليس حديثه بشيء» (٤) . وقال النسائي في «ضعفائه» (٢٨٦) : متروك الحديث. وقال مرة: ليس بثقة (٥) . وقال ابن حبان في «المجروحين» (١/١٧٤) : «فتن بحب علي بن أبي طالب، فأتى بالطامات في الروايات؛ فاستحق من أجلها الترك» . وضعفه أبو حاتم، وابن سعد، وأبو داود، وأبو أحمد الحاكم، والبزار، والدارقطني، والساجي، وابن عدي، والعقيلي، والفسوي، ومحمد بن عمار، والبرقاني، وأبو العرب، وابن شاهين، وآخرون (٦) . ونستفيدُ مما مضَى من أحاديثَ في هذا الباب: أولاً: إن الفتن آخر الزمان قبل المهدي، عند الملاحم تبدأ من العراق ، وهذا سبب غير مباشر لها، والسبب المباشر رفع الصليب في الشام بعد غدر

стр. 547

الروم في ملحمة يأتي تفصيلها -إن شاء الله- في الكتاب الخاص عن (الملاحم) . ثانياً: إن الفرات ينحسر (١) عن (جبل) ، أو (كنز) ، أو (تل) ، أو (جزيرة) من ذهب؛ أي: «ينكشف لذهاب مائه» (٢) ، أو «يكشف عن الأرض وعن قراره» (٣) ، أو «نضب عن الساحل» (٤) ؛ والمراد: انشكاف نهر الفرات وانحساره، ويظهر في محله جبل من ذهب، ولازم الانحسار جفاف الماء منه (٥) ، وقد يكون بسبب تحول مجراه، «وتَبْني الدولةُ التركيةُ من سنوات على

стр. 548

نهر الفرات سدّاً عظيماً باسم الهالك (أتاتورك) ، وهو من أضخم السدود في العالم، ولعلها تهدد بعض الدول بقطع المياه عنها، وفي هذا إرهاص لانحسار مياه هذا النهر، والله أعلم» (١) .

стр. 549

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 550

ثالثاً: لا تعارض بين وصف الذي أُحسر عنه بـ (جبل) ، أو (تل) ، أو (كنز) ، أو (جزيرة) ، وتسميته (كنزاً) باعتبار حاله قبل أن ينكشف، وتسميته (جبلاً) أو (تلاًّ) للإشارة إلى كثرته (١) . قال علي القاري في «شرح المشكاة» (٥/١٧٣) : «الظاهر أن القضية متحدة، والرواية متعددة، فالمعنى: عن كنز عظيم، مقدار جبل من ذهب، ويحتمل أن يكون هذا غير الأول، ويكون الجبل معدناً من ذهب» . قلت: يريد: يحتمل أن يكون ما يظهر جبلاً حقيقة فيه كنز من ذهب، ويحتمل أن يكون كنزاً سمِّي في هذه الرواية جبلاً لكثرة ما فيه من ذهب (٢) ، ولم يرض صاحب «عون المعبود» (١١/٤٣٨) هذه التفرقة، وتعقب عليّاً القاريَّ بقوله فيه: «قلت: هذا الاحتمال غير ظاهر، والظاهر هو الأول، بل هو المتعيّن» . رابعاً: في قوله ﷺ : «فمن حضره فلا يأخذ منه شيئاً» ، وهذا يشعر بأن الأخذ منه ممكن، وعلى هذا؛ فيجوز أن يكون دنانير، ويجوز أن يكون قطعاً، ويجوز أن يكون تبراً (٣) ؛ إذ هذا الجبل أو الكنز مطمور في البحر، وهو غير معروف، فإذا ما تحول مجرى النهر، أو جفّ ماؤه لسبب من الأسباب انكشف هذا الجبل، وبيّن عما هو في باطنه.

стр. 551

خامساً: وعليه؛ فإن ما ذهب إليه بعض المعاصرين (١) من أن المراد من

стр. 552

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 553

الذهب في الحديث هو النفط باطل وتكلُّف، وبعيد عن ظاهر النص، وردَّه المحققون من العلماء. قال الشيخ العلامة حمود بن عبد الله التويجري -رحمه الله تعالى-: «وقد زعم أبو عبية في تعليق له على حديث سهيل بن أبي صالح الذي تقدم ذكره، أن الفرات قد حسر عن الذهب البترولي الأسود. والجواب عن هذا من وجوه: أحدها: أن النبي ﷺ ؛ نصَّ على جبل الذهب نصّاً لا يحتمل التأويل، ومن حمل ذلك على البترول الأسود؛ فقد حمل الحديث على غير ما أريد به، وهذا من تحريف الكلم عن مواضعه، يوضح ذلك: الوجه الثاني: أن البترول ليس بذهب حقيقة ولا مجازاً، وأما تسمية بعض الناس له بالذهب الأسود؛ فليس مرادهم أنه نوع من أنواع الذهب، وإنما يقصدون بذلك أنه يحصل من ثمنه الذهب الكثير؛ فلذلك يطلقون عليه اسم الذهب الأسود؛ اعتباراً بما يستثمر منه. الوجه الثالث: أن النبي ﷺ أخبر أن الفرات يحسر عن جبل من ذهب؛ أي: ينكشف عنه لذهاب مائه، فيظهر الجبل بارزاً على وجه الأرض، وهذا لم يكن إلى الآن، وسيكون فيما بعد بلا ريب، وبحور البترول الأسود لم ينحسر الفرات عنها، وليست في مجرى النهر، وإنما هي في باطن الأرض، واستخراجها إنما يكون بالتنقيب عنها بالآلات من مسافة بعيدة في بطن الأرض.

стр. 554

الوجه الرابع: أن الذي جاء في الحديث الصحيح هو حسر الفرات عن كنز من ذهب، وفي الرواية الأخرى: «عن جبل من ذهب» ، وتخصيص الفرات بالنص ينفي أن يكون ذلك في غيره، ومن المعلوم أن بحور البترول ليست في نهر الفرات، وإنما هي في مواضع كثيرة في مشارق الأرض ومغاربها، وهي في البلاد العربية المجاورة للعراق أكثر منها في العراق. الوجه الخامس: أن البترول من المعادن السائلة، والذي أخبر النبي ﷺ بانحسار الفرات عنه هو الذهب المعروف عند الناس (١) ، وهو من المعادن الجامدة، ومن جعل المعدنين سواء؛ فقد ساوى بين شيئين مختلفين. الوجه السادس: أن النبي ﷺ أخبر أن الناس إذا سمعوا بانحسار الفرات عن جبل الذهب؛ ساروا إليه، فيكون عنده مقتلة عظيمة، يقتل فيها من كل مئة تسعة وتسعون، وهذا لم يكن إلى الآن، ومن المعلوم أن البترول الأسود قد وجد في العراق منذ زمان طويل، ولم يَسِرِ الناسُ إليه عند ظهوره، ولم يكن بسبب خروجه قتال ألبتة. الوجه السابع: أن النبي ﷺ نهى من حضر جبل الذهب أن يأخذ منه شيئاً، ومن حمله على البترول الأسود؛ فلازم قوله أن يكون الناس منهيين عن الأخذ منه، وهذا معلوم البطلان بالضرورة» (٢) .

стр. 555

وهنالك مؤيدات كثيرة تدلل على أن المراد بالحديث الذهب الحقيقي، وأن الانحسار عن الفرات حقيقي وليس بالمعنوي، منها: ما قدمناه من آثار عن عدد من الصحابة في ذهاب ماء الفرات (١) . وأشار بعض (٢) شراح الحديث أنه يدخل في الانحسار المذكور هنا: ما أخرجه مسلم في «صحيحه» في كتاب الزكاة (باب الترغيب في الصدقة قبل أن لا يوجد من يقبلها) (رقم ١٠١٣) بسنده إلى أبي هريرة، قال: قال رسول الله: «تقيء الأرض أفلاذ كبدها (٣) ، أمثال الأسطوان من الذهب والفضة، فيجيء القاتل فيقول: في هذا قتلتُ، ويجيء القاطع فيقول: في هذا قطعتُ رحمي، ويجيء السارق فيقول: في هذا قُطعت يدي، ثم يدعونه فلا يأخذون منه شيئاً» . ويحتمل أن يكون هذا القيء آخر الزمان، وأنه في غير وقت

стр. 556

الانحسار (١) ، بدلالة ما أخرجه أبو يعلى في «المسند» (١١/٦٦-٦٧ رقم ٦٢٠٣) -وعنه ابن حبان في «الصحيح» (١٥/٢٦٦-٢٦٧ رقم ٦٨٥٣ - «الإحسان» ) - قال: حدثنا عبد الغفار بن عبد الله، قال: حدثنا علي بن مُسْهِرٍ، عن سعيد بن طارق، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى تُبعث ريحٌ حمراء من قبل اليمن، فيكفتَ الله بها كلَّ نفس تؤمن بالله واليوم الآخر، وما ينكرها الناس من قلة من يموت فيها: مات شيخ في بني فلان، وماتت عجوز في بني فلان، ويُسرى على كتاب الله، فيرفع إلى السماء، فلا يبقى في الأرض منه آية، وتقيء الأرض أفلاذ كبدها من الذهب والفضة، ولا يُنتفع بها بعد ذلك اليوم، يمر بها الرجل فيضربها برجله، ويقول: في هذه كان يَقْتَتِلُ من كان قبلنا، وأصبحت اليوم لا يُنتفع بها» . قال أبو هريرة: وإن أول قبائل العرب فناءً قريش، والذي نفسي بيده أوشَكَ أن يَمرَّ الرجلُ على النعل وهي ملقاة في الكُنَاسة فيأخذها بيده، ثم يقول: كانت هذه من نعال قريش في الناس (٢) . فالقيء هذا داخل في عموم فيض المال في آخر الزمان، الوارد عن جماعة من الصحابة، ونكتفي هنا بذكر بعض ما في «الصحيحين» من أحاديث؛ منها:

стр. 557

أخرجا بسنديهما إلى أبي هريرة رفعه: «لا تقوم الساعة حتى يكثر المال فيكم، فيفيضَ حتى يُهِمَّ ربُّ المال من يقبل صدقته، وحتى يعرضه، فيقول الذي يعرضه عليه: لا أرب لي فيه» (١) . وأخرجا بسنديهما إلى حارثة بن وهب رفعه: «تصدقوا؛ فإنه يأتي عليكم زمان يمشي الرجل بصدقته، فلا يجد من يقبلها، يقول الرجل: لو جئت بها بالأمس، لقبلتُها، فأما اليوم؛ فلا حاجة لي بها» (٢) . والمتتبع للأحاديث في هذا المعنى يجد أن إفاضة المال تتكرر وتتعدد، منها ما ظهر ومنها ما سيظهر آخر الزمان، بقرائنَ لفظيةٍ مذكورةٍ في النصوص، مثل: ما أخرجه الشيخان بسنديهما إلى أبي موسى الأشعري رفعه: «ليأتينَّ على الناس زمان يطوف الرجل فيه بالصدقة من الذهب، ثم لا يجد أحداً يأخذها منه، ويُرى الرجلُ الواحد يتبعه أربعون امرأة يلُذْنَ به، من قلة الرجال وكثرة النساء» (٣) . وما أخرجه البخاري في «صحيحه» (٤) بسنده إلى عدي بن حاتم ﵁، قال: كنت عند رسول الله ﷺ ، فجاءه رجلان: أحدهما يشكو العيلة، والآخر يشكو قطع السبيل، فقال رسول الله ﷺ : «أما قطع السبيل؛ فإنه لا يأتي عليك إلا قليل حتى تخرجَ العيرُ إلى مكة بغير خفير، وأما العيلة؛ فإن الساعة لا تقوم حتى يطوفَ أحدكم بصدقته لا يجد من يقبلها منه» . وأخرج أحمد وغيره -والحديث صحيح- عن عدي ﵁

стр. 558

أن رسول الله ﷺ قال له: «هل تعلم مكان الحيرة؟» قال: قلت: قد سمعت بها ولم آتها. قال: «لتوشكن الظعينة أن تخرج منها بغير جوار، حتى تطوف بالكعبة، ولتوشكن كنوز كسرى بن هرمز أن تُفتح» . قال: قلت: كسرى بن هرمز؟! قال: «كسرى بن هرمز» . قال: قلت: كسرى بن هرمز؟! قال: «كسرى بن هرمز» ؛ ثلاث مرات، «وليوشكن أن يبتغيَ مَنْ يقبلُ مالَه منه صدقةً؛ فلا يجد» . قال: فلقد رأيت ثنتين: قد رأيت الظعينة تخرج من الحيرة بغير جوار حتى تطوف بالكعبة، وكنت في الخيل التي أغارت على المدائن، وإيمُ الله؛ لتكونن الثالثة؛ إنه لحديث رسول الله ﷺ حدثنيه (١) . وفي رواية عند أحمد (٢) : «وليُبْذَلنّ المال حتى لا يقبله أحد» . وأخرج مسلم بسنده إلى يُسَيْر بن جابر أن عبد الله بن مسعود قال ... ، وذكر حديثاً طويلاً في الملاحم، فيه: «إن الساعة لا تقوم حتى لا يقسم ميراث، ولا يفرح بغنيمة» (٣) . وذلك إما لكثرة الأموال، أو لعدم وجدان من يحسن قسمتها، حتى كان أحمد بن عبيد الله الشهاب السجيني (٤) يقول: «ما دمت بين أظهركم فأنتم آمنون من ظهور الدجال» ، وهذا الحديث وارد في مقتلة بين الروم وأهل الشام يتعادّ بنو الأب من المسلمين كانوا مئة، فلا يجدون بقي منهم غير الرجل

стр. 559

الواحد، فبأي غنيمة يفرح أو بأي ميراث يقسم. فهذه الأحاديث وغيرها فيها تصريح بأن إفاضة المال ستكون في أكثر من وقت، وقد ظهر ذلك في زمن عمر بن عبد العزيز (١) ، وحمل بعض العلماء (٢) بعض الأحاديث (٣) على زمنه، ولكن في بعضها الآخر -كحديث أبي موسى (٤) - فيه إشارة إلى أن الظهور سيكون في آخر الزمان. * إفاضة المال في وقت الملاحم والذي يهمني هنا تقرير أن إفاضة المال تكون عند الملاحم حتى لا يفرح بغنيمة، ويسبق ذلك الاقتتال على المال، ولذا ورد في رواية أبي يعلى وابن حبان السابقة من حديث أبي هريرة: «وتقيء الأرض أفلاذ كبدها من الذهب والفضة، ولا ينتفع بها بعد ذلك اليوم، يمر بها الرجل فيضربها برجله، ويقول: في هذه كان يقتتل من كان قبلنا، وأصبحت اليوم لا ينتفع بها» . ففي هذه الرواية التصريح بأن الناس يزهدون فيها لعدم انتفاعهم بها، بعد اقتتال من قبلهم عليها، وهذا يؤكد أن المراد بالجبل أو الكنز هو الذهب الحقيقي. * ظ هور معدن الذهب وحضور شرار الخلق له في أرض بني سُليم (٥) سادساً: ويؤكد أن المراد بالذهب هو ما قررناه وليس (البترول) ما أخبر

стр. 560

عنه النبي ﷺ من ظهور المعادن وحضور شرار الناس عندها، وهذا يلتقي مع ما نحن بصدده من حَسْرِ الفرات عن الذهب، وهذا ما وقفتُ عليه من أحاديث في ذلك: أخرج أحمد في «المسند» (٥/٤٣٠) : حدثنا عبد الرحمن، عن سفيان، عن زيد بن أسلم، عن رجل من بني سُليم، عن جده أنه أتى النبي ﷺ بفضة، فقال: هذه من معدن لنا. فقال النبي ﷺ : «ستكون معادنُ يحضرها (١) شرارُ الناس» . وهذا حديث حسن بشواهده، رجاله ثقات عدا إبهام الرجل الذي من بني سُليم وجده. قال شيخنا الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٤/٥٠٦ رقم ١٨٨٥) : «رجاله ثقات، رجال الشيخين غير الرجل؛ فإنه لم يسمّ» . وأخرج الطبراني في «المعجم الصغير» (رقم ٤٢٦) وفي «الأوسط» (٢) (رقم ٣٥٥٦) -ومن طريقه الخطيب في «تاريخ بغداد» (٨/٢٤٦-٢٤٧) - من طريق سُعير بن الخميس، عن زيد بن أسلم، عن ابن عمر، قال: أُتي النبي ﷺ بقطعة من ذهب، كانت أول صدقة جاءته من معدن. فقال: ما هذه؟ قالوا: صدقة من معدن لنا. فقال:

стр. 561

«إنها ستكون معادن، وسيكون فيها شر خلق الله » . قال الهيثمي في «المجمع» (٣/٧٨) : «رواه الطبراني في «الصغير» و «الأوسط» ، ورجاله رجال الصحيح» . وقال شيخنا الألباني: «رجاله ثقات» . وأخرج أبو يعلى في «المسند» (١١/٣٠٥ رقم ٦٤٢١) ، قال: حدثنا عمرو بن الضحاك، حدثنا أبي، أخبرنا عبد الحميد بن جعفر، قال: سمعت أبا الجهم القواس يحدث أبي -وكان رجلاً فارسيّاً ثقيل اللسان، وكان من أصحاب أبي هريرة-، قال: سمعت أبا هريرة يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يظهر معدن في أرض بني سُليم يقال له فِرعَوْنُ أو فِرعَان (١) -وذلك بلسان أبي الجهم قريبٌ من السواء-، يخرج إليه شرار الناس، أو يحشر إليه شرار الناس» . وإسناده رجاله ثقات؛ إلا أبا الجهم عاصم بن رؤبة، ترجمه البخاري في «التاريخ الكبير» (٦/٤٨٨) ، وابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» (٦/٣٤٢) ، ولم يوردا فيه جرحاً ولا تعديلاً (٢) .

стр. 562

وأخرج الطبراني في «الأوسط» (٢/١٤١ رقم ١٥٠٩) من طريق يحيى ابن كثير أبي غسان العنبري، نا حفص المزني، قال: سمعت عبد الرحمن بن أبي عائشة، قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ : «لا تقوم الساعة حتى تظهر معادن كثيرة، لا يسكنها إلا رذال الناس» . قال الهيثمي في «المجمع» (٧/٣٣١) : «رواه الطبراني في «الأوسط» ، وفيه من لم أعرفه» . وورد عن عبد الله بن عمرو قوله، وفيه التصريح بحسر الذهب، وأنه يقع ذلك بعد قدوم واحتلال شرار الناس له، يتبعه الخسف بهم. أخرج الحاكم في «مستدركه» (١) (٤/٤٥٨) -وصححه ووافقه الذهبي في «التلخيص» -، قال: أخبرنا غيلان بن يزيد الدقاق بهمدان، ثنا إبراهيم بن الحسين، ثنا آدم بن أبي إياس، ثنا ابن أبي ذئب، عن قارظ بن شيبة، عن أبي غطفان، قال: سمعت عبد الله بن عمرو يقول: «تخرج معادن مختلفة، معدن منها قريب من الحجاز، يأتيه من شرار الناس، يقال له (فرعون) ، فبينما هم يعملون فيه إذ حسر عن الذهب، فأعجبهم معتمله، إذ خُسف به وبهم» . ورجاله ثقات، وإبراهيم بن الحسين (٢) هو ابن ديزيل، إمام، حافظ، ثقة؛ كما في «السير» (١٣/١٨٤) . وقارظ بن شيبة، قال النسائي: «ليس به بأس» ،

стр. 563

ولم أر فيه تجريحاً، فإسناده جيد. ثم وجدته عند نعيم بن حماد في «الفتن» (٢/٦١١ رقم ١٦٩٤) ، قال: حدثنا ابن وهب، عن ابن أبي ذئب، به. و (فُرعان) -وقع تسميته عند نعيم بن حماد: (فرعون ذهب) ، اسم مكان، «من (الفرع) (١) ، وهو من كل شيء أعلاه: وهو جبل من ذي خُشب يتبدّى إليه الناس» . كذا في «معجم البلدان» (٤/٢٥٢) . وقال البكري: «فُرْعان -بضم أوله، وإسكان ثانيه، على وزن (فُعْلان) -: جبل بين المدينة وذي خُشُب» (٢) . وذكر الهمداني في «صفة جزيرة العرب» (ص ٢٩٧) أن (فُرعان) من المنازل الحجازية التي تَصلَى طريقَ الكوفة. ولعل صوابها (قُران) ، فقد قال الزهري: «بعث رسول الله قبل أرض بني سُليم، وهو يومئذ ببئر معونة بجُرُف أبلى، بين الأرحضيّة وقُران، كذا ضبطه أبو نعيم. قاله الفيروز آبادي في «المغانم المطابة» (١/٥٨٣) . و (قُران) بالقاف المضمومة، قاله ياقوت في «معجم البلدان» (٤/٣١٨) ، وأفاد أنها بين مكة

стр. 564

والمدينة بلصق أبلى، بينما ذكر في حرف الفاء (٤/٢٤٥) : (فَران) ، قال: «ماء لبني سليم، يقال له: معدّ فران، به ناس كثيرة» . وقال الفيروز آبادي في «المغانم المطابة» (٣/١٠٩٦) : «معدن بني سُليم -بضم السين- من أعمال المدينة، ويقال عنه: معدن فران، على طريق نجد» . وذكرت في بعض طرق الحديث السابقة كذلك؛ إذ فيها (ديار سُلَيم) ، وهي الديار التي تواجهك عندما تمضي من المدينة مُصْعِداً إلى مكة، فتميل إلى وادٍ يقال له: عُرَيفِطَان معن، ليس به ماء ولا مرعى، وحذاؤه جبال يقال لها: أُبلى، فيها مياهٌ؛ منها: بئر معونة، وذو ساعدة، وذو جماجم، أو حماحم، والوسباء، وهي قنان متّصلة بعضها ببعض (١) . وبالقرب من (الفُرع) قَلَهى وذي رولان (٢) ، وهي اليوم من الشمال على الطريق من المهد إلى المدينة (٣) . وهي الآن ضمن (محافظة مهد الذهب) (٤) . وكان في هذه الديار -على حد تعبير الحربي في «المناسك» (ص ٣٣٠) -: «ذهب كثير، يستخرج في قديم الدهر، ويحفر عليه في جبل يمنة الطريق للمصعد، فعظمت فيه المؤونة، وقال: «زعم ابن أبي سعد أنهم كانوا إذا استخرجوه جاءتهم الحريش وجعدة وقشير وأخذوه منهم، وغلبوهم عليه» ،

стр. 565

وقال: «وتراب البلد مخلوط بالذهب، والذي حملهم على تركه أنّ المؤونة أكثر مما يخرج منه» (١) . وبقيت هذه المعادن ظاهرة، يحضرها خيار الناس فيما مضى، فكانت لبلال وبنيه من بعده، ثم باعها بنو بلال عمر بن عبد العزيز (٢) ، ويذكر الطبري (٣) أن الأمويين عيّنوا على معدن بني سليم عاملاً هو (كثير بن عبد الله) ، وذلك في عام ١٢٨هـ - ٧٤٥م. وما أخبر عنه ﷺ سيكون آخر الزمان، بضميمة ما في أثر عبد الله بن عمرو، وفيه وقوع الخسف بهم، وهذا مما لم يسمع إلى الآن، وبقرينة حضور شرار الناس لهذه المعادن، وبأمارة قوله في حديث أبي هريرة: «يحشر إليه شرار الناس» . قال شيخنا الألباني ﵀ في «السلسلة الصحيحة» (٤/٥٠٧) : « (المعادن) : المواضع التي تستخرج منها جواهر الأرض؛ كالذهب والفضة، والنحاس وغير ذلك، واحدها معدن. كذا في «النهاية» . قلت (الألباني) : ومما لا شك فيه: أن شرار الناس إنما هم الكفار، فهو يشير إلى ما ابتلي به المسلمون اليوم من جلبهم للأوروبيين والأمريكان إلى بلادهم العربية لاستخراج معادنها وخيراتها، والله المستعان» . قال أبو عبيدة: في الحديث: «يحضرها شرار الخلق» ، وفيه معنىً زائد عن استجلاب المسلمين لهم، وسيظهر أثر ذلك أظهر وأجلى بمرور الزمن، مع استحكام غربة الدين، ولا قوة إلا بالله
следующие страницы →