← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 3346

العراق في أحاديث وآثار الفتن

مشهور آل سلمان

Полный текст (775 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

«إنها ستكون معادن، وسيكون فيها شر خلق الله » . قال الهيثمي في «المجمع» (٣/٧٨) : «رواه الطبراني في «الصغير» و «الأوسط» ، ورجاله رجال الصحيح» . وقال شيخنا الألباني: «رجاله ثقات» . وأخرج أبو يعلى في «المسند» (١١/٣٠٥ رقم ٦٤٢١) ، قال: حدثنا عمرو بن الضحاك، حدثنا أبي، أخبرنا عبد الحميد بن جعفر، قال: سمعت أبا الجهم القواس يحدث أبي -وكان رجلاً فارسيّاً ثقيل اللسان، وكان من أصحاب أبي هريرة-، قال: سمعت أبا هريرة يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يظهر معدن في أرض بني سُليم يقال له فِرعَوْنُ أو فِرعَان (١) -وذلك بلسان أبي الجهم قريبٌ من السواء-، يخرج إليه شرار الناس، أو يحشر إليه شرار الناس» . وإسناده رجاله ثقات؛ إلا أبا الجهم عاصم بن رؤبة، ترجمه البخاري في «التاريخ الكبير» (٦/٤٨٨) ، وابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» (٦/٣٤٢) ، ولم يوردا فيه جرحاً ولا تعديلاً (٢) .

стр. 562

وأخرج الطبراني في «الأوسط» (٢/١٤١ رقم ١٥٠٩) من طريق يحيى ابن كثير أبي غسان العنبري، نا حفص المزني، قال: سمعت عبد الرحمن بن أبي عائشة، قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ : «لا تقوم الساعة حتى تظهر معادن كثيرة، لا يسكنها إلا رذال الناس» . قال الهيثمي في «المجمع» (٧/٣٣١) : «رواه الطبراني في «الأوسط» ، وفيه من لم أعرفه» . وورد عن عبد الله بن عمرو قوله، وفيه التصريح بحسر الذهب، وأنه يقع ذلك بعد قدوم واحتلال شرار الناس له، يتبعه الخسف بهم. أخرج الحاكم في «مستدركه» (١) (٤/٤٥٨) -وصححه ووافقه الذهبي في «التلخيص» -، قال: أخبرنا غيلان بن يزيد الدقاق بهمدان، ثنا إبراهيم بن الحسين، ثنا آدم بن أبي إياس، ثنا ابن أبي ذئب، عن قارظ بن شيبة، عن أبي غطفان، قال: سمعت عبد الله بن عمرو يقول: «تخرج معادن مختلفة، معدن منها قريب من الحجاز، يأتيه من شرار الناس، يقال له (فرعون) ، فبينما هم يعملون فيه إذ حسر عن الذهب، فأعجبهم معتمله، إذ خُسف به وبهم» . ورجاله ثقات، وإبراهيم بن الحسين (٢) هو ابن ديزيل، إمام، حافظ، ثقة؛ كما في «السير» (١٣/١٨٤) . وقارظ بن شيبة، قال النسائي: «ليس به بأس» ،

стр. 563

ولم أر فيه تجريحاً، فإسناده جيد. ثم وجدته عند نعيم بن حماد في «الفتن» (٢/٦١١ رقم ١٦٩٤) ، قال: حدثنا ابن وهب، عن ابن أبي ذئب، به. و (فُرعان) -وقع تسميته عند نعيم بن حماد: (فرعون ذهب) ، اسم مكان، «من (الفرع) (١) ، وهو من كل شيء أعلاه: وهو جبل من ذي خُشب يتبدّى إليه الناس» . كذا في «معجم البلدان» (٤/٢٥٢) . وقال البكري: «فُرْعان -بضم أوله، وإسكان ثانيه، على وزن (فُعْلان) -: جبل بين المدينة وذي خُشُب» (٢) . وذكر الهمداني في «صفة جزيرة العرب» (ص ٢٩٧) أن (فُرعان) من المنازل الحجازية التي تَصلَى طريقَ الكوفة. ولعل صوابها (قُران) ، فقد قال الزهري: «بعث رسول الله قبل أرض بني سُليم، وهو يومئذ ببئر معونة بجُرُف أبلى، بين الأرحضيّة وقُران، كذا ضبطه أبو نعيم. قاله الفيروز آبادي في «المغانم المطابة» (١/٥٨٣) . و (قُران) بالقاف المضمومة، قاله ياقوت في «معجم البلدان» (٤/٣١٨) ، وأفاد أنها بين مكة

стр. 564

والمدينة بلصق أبلى، بينما ذكر في حرف الفاء (٤/٢٤٥) : (فَران) ، قال: «ماء لبني سليم، يقال له: معدّ فران، به ناس كثيرة» . وقال الفيروز آبادي في «المغانم المطابة» (٣/١٠٩٦) : «معدن بني سُليم -بضم السين- من أعمال المدينة، ويقال عنه: معدن فران، على طريق نجد» . وذكرت في بعض طرق الحديث السابقة كذلك؛ إذ فيها (ديار سُلَيم) ، وهي الديار التي تواجهك عندما تمضي من المدينة مُصْعِداً إلى مكة، فتميل إلى وادٍ يقال له: عُرَيفِطَان معن، ليس به ماء ولا مرعى، وحذاؤه جبال يقال لها: أُبلى، فيها مياهٌ؛ منها: بئر معونة، وذو ساعدة، وذو جماجم، أو حماحم، والوسباء، وهي قنان متّصلة بعضها ببعض (١) . وبالقرب من (الفُرع) قَلَهى وذي رولان (٢) ، وهي اليوم من الشمال على الطريق من المهد إلى المدينة (٣) . وهي الآن ضمن (محافظة مهد الذهب) (٤) . وكان في هذه الديار -على حد تعبير الحربي في «المناسك» (ص ٣٣٠) -: «ذهب كثير، يستخرج في قديم الدهر، ويحفر عليه في جبل يمنة الطريق للمصعد، فعظمت فيه المؤونة، وقال: «زعم ابن أبي سعد أنهم كانوا إذا استخرجوه جاءتهم الحريش وجعدة وقشير وأخذوه منهم، وغلبوهم عليه» ،

стр. 565

وقال: «وتراب البلد مخلوط بالذهب، والذي حملهم على تركه أنّ المؤونة أكثر مما يخرج منه» (١) . وبقيت هذه المعادن ظاهرة، يحضرها خيار الناس فيما مضى، فكانت لبلال وبنيه من بعده، ثم باعها بنو بلال عمر بن عبد العزيز (٢) ، ويذكر الطبري (٣) أن الأمويين عيّنوا على معدن بني سليم عاملاً هو (كثير بن عبد الله) ، وذلك في عام ١٢٨هـ - ٧٤٥م. وما أخبر عنه ﷺ سيكون آخر الزمان، بضميمة ما في أثر عبد الله بن عمرو، وفيه وقوع الخسف بهم، وهذا مما لم يسمع إلى الآن، وبقرينة حضور شرار الناس لهذه المعادن، وبأمارة قوله في حديث أبي هريرة: «يحشر إليه شرار الناس» . قال شيخنا الألباني ﵀ في «السلسلة الصحيحة» (٤/٥٠٧) : « (المعادن) : المواضع التي تستخرج منها جواهر الأرض؛ كالذهب والفضة، والنحاس وغير ذلك، واحدها معدن. كذا في «النهاية» . قلت (الألباني) : ومما لا شك فيه: أن شرار الناس إنما هم الكفار، فهو يشير إلى ما ابتلي به المسلمون اليوم من جلبهم للأوروبيين والأمريكان إلى بلادهم العربية لاستخراج معادنها وخيراتها، والله المستعان» . قال أبو عبيدة: في الحديث: «يحضرها شرار الخلق» ، وفيه معنىً زائد عن استجلاب المسلمين لهم، وسيظهر أثر ذلك أظهر وأجلى بمرور الزمن، مع استحكام غربة الدين، ولا قوة إلا بالله

стр. 566

ومن المفيد: التركيز هنا على التوجيه الأخير، وأن الكنز هذا ليس له صلة ظاهرة بانحسار الفرات، وهو حَدَث مستقل برأسه، قد يسبق الانحسار، ويحضره شرار الخلق، سواء كانوا من الأوربيين أو الأمريكان أو غيرهم، وهم -كما وردت صفاتهم في الأحاديث-: «رذال الناس» ، و: «شر خلق الله» ، ... و: «شرار الناس» ، وهؤلاء يخرجون إليه، أو يحشرون هناك، والمنطقة التي تقع فيها هذه الأحداث، هي اليوم -كما اتضح لنا- في البلاد السعودية، وبالقرب من المدينة النبوية -حرسها الله من الأشرار، وعمّرها بالأمن والإيمان، وزاد القائمين عليها توفيقاً وخيراً، وجمعنا مع أحبابنا فيها على أحسن حال، وأهدأ بال-، وقد حدَّد العلاّمة حمد الجاسر (١) مواقع قبيلة (بني سليم قديماً وحديثاً) ، والذي يهمّنا منها: بيان موقعهم في زمن النبوة، قال ... -رحمه الله تعالى-: «ولقد كانت قبيلة سُليم عند ظهور الإسلام تنتشر في البلاد التي عُرِفت بها منذ تدوين تاريخ القبائل، وهي الأودية المنحدرة من سفوح جبال الحجاز وحرارة الشرقية المتصلة بعالية نجد، ممتدة من المدينة نحو الجنوب إلى سهول صحراء رَكَبة، بما في ذلك الحرة المعروفة بحرة بني سُلَيْم (حرة رُهَاط الآن) ، ومنساحة شرقاً إلى ما يقرب من قرية الرَّبَذَة التي أُضيف إليها الحمى، وخربت في عهد القرامطة سنة ٣١٧، ومن أشهر مواطنها معدن بني سليم

стр. 567

والسوارقية وصفينة، والدفينة وغيرها» . سابعاً: خلاصة ما مضى: إن انكشاف نهر الفرات وانحساره عن جبل من ذهب آية من الآيات التي تسبق ظهور المهدي، ويتبع ذلك اقتتال الناس عليه، فيقتل من كل مئة تسعة وتسعون، وهذه العلامة لم تظهر بعد، ومُخطِأ من حملها على ظهور (البترول) ! ثامناً: قوله: «فمن حضره (١) فلا يأخذ منه شيئاً» حمل على معانٍ متعددة؛ منها: أولاً: إنما نهى عن الأخذ منه؛ لأنه للمسلمين؛ فلا يؤخذ إلا بحقه. قاله ابن التين (٢) . ثانياً: من أخذه، وكثر المال ندم؛ لأخذه ما لا ينفعه، وإذا ظهر جبل من ذهب كَسَدَ الذهبُ، ولم يُرَدْ (٣) . ثالثاً: لأنه ليس مُلكاً لأحد، وليس بمعدن (!!) ولا ركاز، فحقُّه أن يكون في بيت المال، ولأنه لا يوصل إليه إلا بقتل النفوس، فيحرم الإقدامُ على أخذه. قاله أبو العباس القرطبي (٤) . رابعاً: يحتمل أن يكون (فلا يأخذ) نفياً، ويؤيده رواية: «فلا يأخذون منه شيئاً» (٥) . خامساً: إنما نهى عن الأخذ منه؛ لأنه مال مغضوب عليه، كمال قارون،

стр. 568

فيحرم الانتفاع به (١) . يحتمل أن يكون ذلك لتقارب الأمرين، وظهور أشراطه، فإن الركون إلى الدنيا والاحتشاد لها، مع ذلك جهل واغترار. ويحتمل أن يكون لأنه مجرى المعدن، فإذا أخذه، ثم لم يجد من يخرج حق الله -تعالى- إليه، لم يوفق بالبركة من الله -تعالى- فيه، فكان الانقباض عنه أولى. قاله الحليمي (٢) . سادساً: الذي عليه جماهير الشراح: «إنما نهى عن أخذه؛ لأن أخذه شركة في الفتنة، لأنه يقع فيه اقتتال» (٣) ، وعبر الشراح عن هذا المعنى بعبارات مختلفة، فقال جلهم: «والذي يظهر أن النهي عن أخذه [لما ينشأ عن أخذه] من الفتنة والقتال عليه» (٤) . وقال صاحب «المرقاة» (٥) : «فلا يأخذ -بصيغة النهي- منه شيئاً» ؛ أي: لما يترتب على الأخذ منه من المقاتلة الكثيرة، والمنازعة الكبيرة» . وقال العيني (٦) وتبعه صاحب «مجمع بحار الأنوار» (٧) : «فلا تأخذ منه شيئاً؛ لأنه مستعقب للبليات، وهو آية من آيات الله» . وقال ابن علان (٨) : «وذلك لأنه لا يصل إليه أحد إلا بعد التقاتل المذكور في الحديث،

стр. 569

فلا يصل إليه حتى يقتل عدداً، وقد يقتل هو، وإذا لم يتوجه إليه وامتثل النهي سلم في نفسه، وسلم منه غيره» . قلت: هذا المعنى هو الصحيح، على أن (لا) للنهي، لا للنفي، وقد جاء في رواية: «فلا تقربنه» . والنهي إنما جاء خشية الفتنة في طلب الدنيا، وحدوث القتال، وسفك الدماء، فقد حذر ﷺ كل من حضَرَ انْحِسارَ نهر الفرات، أو بلغه ذلك، أن لا يغتر بذلك، ولا يأخذ من هذا الحطام شيئاً. وهذا المعنى هو الذي فهمه تابعي الحديث أبو صالح ذكوان السمان، إذ قال على إثر روايته له: «يا بني! إنْ أدركته، فلا تكونن ممن يقاتل عليه» ، وفي رواية: «إن رأيته، فلا تقربنَّه» . وفي حديث أُبيّ: «فإذا سمع به الناس، ساروا إليه، فيقول مَنْ عندَه: لئن تركنا الناس يأخذون منه، ليُذهَبَنّ به كلِّه، فيقتتلون عليه» . فلا حاجة إلى التكلف بعد ما ثبت في الحديث نفسه أن الكنز يبعث القتال والفتنة بين المسلمين، والذي يؤكّد ذلك ما ورد في آخر حديث أبي هريرة: «ويقول كل رجل منهم: لَعَلِّي أكون أنا الذي أنجو» ؛ يعني: أنه يقتحم القتال مع ما يرى من شدته؛ لأنه يرجو أن يكون هو الناجي، فيفوز بالكنز دون غيره. «وفيه كناية؛ لأن الأصل أن يقال: أنا الذي أفوز به، فعدل إلى (أنجو) ؛ لأنه إذا نجا من القتل يفوز بالمال وملكه» (١) ؛ «أي: يرجو كل واحد منهم أن

стр. 570

يكون هو الناجي، فيقتل الباقي في الحال؛ رجاء أن ينجو في المآل، فيأخذ المال، وهذا من سوء الآمال، وتضييع الأعمال» (١) . أما زعم من قال: إن المنع من الأخذ؛ لأنه لا ينفع، وإذا ظهر جبل من ذهب كسد الذهب، فهو منقوض من وجوه؛ هي: أولاً: هذا تأويل يخالف النص الذي فيه التصريح بالاقتتال. ثانياً: نعم؛ يقع زهد بعد ذلك في المال بسبب فيضانه، وشعور الناس بقرب قيام الساعة، ويصرح بعضهم -كما عند ابن حبان (٢) - وهو مار بالذهب والفضة، ولا ينتفع بها آنذاك، فيضربها برجله، ويقول: في هذه كان يقتتل من كان قبلنا، وأصبحت اليوم لا ينتفع بها. فالقول السابق حق، ولكنه وضع قبل وقته، يؤكده: ثالثاً: يتم ما زعم من الكساد أن لو اقتسمه الناس بينهم بالسّويّة، ووسعهم كلهم، فاستغنوا أجمعين، فحينئذٍ تبطل الرغبة فيه، وأما إذا حواه قوم دون قوم، فحِرص من لم يحصل له منه شيء باقٍ على حاله (٣) . وأخيراً ... هنالك إشارات لظهور المعادن والكنوز في أخبار الملاحم آخر الزمان وردت في بعض الآثار؛ مثل: ما أخرجه نعيم بن حماد في «الفتن» (٢/٥٠٤ رقم ١٤٢١) : حدثنا أبو معاوية، وابن الأعرابي في «المعجم» (٣/١٠٠٨-١٠٠٩ رقم ٢١٥٥ - ...

стр. 571

ط. دار ابن الجوزي) -ومن طريقه أبو عمرو الداني في «الفتن» (٥/١١١٣-١١١٤ رقم ٥٩٧) - من طريق محمد بن عبيد الطنافسي؛ كلاهما عن الأعمش، عن خيثمة، عن عبد الله بن عمرو، قال: «يجيش (١) الروم فيُخرجون أهلَ الشام من منازلهم فيستغيثون بكم؛ فتغيثوهم، فلا يتخلف عنهم مؤمن، فيقتتلون فيقتلون، فيكون بينهم قتل كثير، ثم يهزمونهم إلى أسطوانة إني لأعلم مكانها عليهم عندها الدنانير، فيكتالونها بالتراس (٢) ، فيتلقاهم الصريخ بأن الدجال يحوش (٣) ذراريكم؛ فيلقون ما في أيديهم، ثم يؤبون» لفظ الطنافسي. ولفظ نعيم: «يجيش الروم، فيستمد أهل الشام ويستغيثون، فلا يتخلف عنهم مؤمن. قال: فيهزمون الروم، حتى ينتهوا بهم إلى أسطوانة، قد عرفت مكانها، فبينا هم عندها إذ جاءهم الصريخ: إن الدجال قد خلفكم في عيالكم، فيرفضون ما في أيديهم، ويقبلون نحوه» . ثم وجدته عند أبي عمرو الداني في «الفتن» (٥/١١٦١) من طريق علي ابن معبد، قال: حدثنا أبو معاوية، به. وعنده: «فيستمد أهل الإسلام، ... إلى أسطوانة قد عرفوا مكانها ... » . وهذا اللفظ أضبط وأصوب، والله أعلم. وعزاه السلمي في «عقد الدرر» (ص ٢٨٣/رقم ٣٣٤) بنحوه إلى أبي الحسن بن المنادي. وإسناده حسن (٤) ، خيثمة هو عبد الرحمن ابن عبد الرحمن بن أبي سبرة

стр. 572

الجعفي، ثقة، صرح بسماعه من عبد الله بن عمرو (١) في «صحيح مسلم» في كتاب الزكاة (باب فضل النفقة على العيال والمملوك) (رقم ٩٩٦) بعد (٤٠) ، قال: كنا جلوساً مع عبد الله بن عمرو، إذ جاءه قهرمان له، فدخل، فقال: أعطيتَ الرقيقَ قوتهم؟ قال: لا. قال: فانطلِقْ فأعطِهم. قال: قال رسول الله ﷺ : «كفى بالمرء إثماً أن يحبس عمن يملك قوته» . فالظاهر في هذا الخبر أن هذه (الأسطوانة) غير (الكنز أو الجبل أو الجزيرة من الذهب) الذي يحسر عنه فرات، ولكن يستفاد منه أن الأرض تبقى تقيء خيراتها، وتبتدأ الملاحم عند الفرات، ثم تنتقل إلى الشام في المنطقة القريبة منه (٢) ، ثم تتحول إلى الشام، وخطاب ابن عمرو لأهل العراق (٣) : «فيستغيثون بكم، فلا يتخلَّفُ عنهم مؤمن» ، ويكون هذا قُبَيل الدجال، كما وقع التصريح به في الخبر. وأخيراً.. من التعجّل والتكلُّف والتعسُّف: إسقاط (٤) ما حدث على أرض العراق، من احتلال أمريكا وحلفائها على هذا الحديث، والزعم بأن ذلك إنما كان من أجل هذا الذهب! والذي دعاني لهذا ما قرأته في جريدة «المدينة» (٥) تحت عنوان (نظرات: فرات من ذهب) ، قال صاحبه في أوله ما نصُّه:

стр. 573

«قصة سخيفة يرويها الغرب لأكثر من ألف مليون مسلم فيصدقونها! تلك هي قصة دخول جيوش أمريكا وبريطانيا أرض العراق لإخلائه من أسلحة الدمار الشامل! والأسخف منها أن منظمة الأمم المتحدة التي تعتبر عالمية (أي: ليست غربية) تؤمن بنفس القصة وتعززها في العالم! أما الحقيقة وراءَ تحرُّكِ هذه الجيوش الجرارة نحو المنطقة، فقد أخبرنا رسول الله ﷺ كما جاء في «الصحيحين» أن نهر الفرات سينحسر عن جبل من ذهب، وأنه سيتكالب عليه عدد مهول من الناس، كلٌّ يريد الفوز به، لتصبح أمته أغنى أمة. وهو ذهب يكفي لنشل أمريكا وأعوانها الغربيين من مأزق تكاليف الإمبراطورية المسلحة العظمى، التي يقودونها للسيطرة على العالم، إلا أنهم سيخيبون في الحصول على هذه الثروة من شدة القتل والخراب الذي سيحدث في الموقع، حيث أخبر النبي ﷺ أنه يقتل من كل مئة منهم تسعة وتسعون؛ أي: لن يبقى أحد إلا شرذمة تهرب بجلدها خوف الفناء، وإن كنا لنفرح بخيبة سعي أمريكا فيما تريد؛ إلا أننا سنحزن حزناً طويلاً لكثرة قتلى المسلمين في هذه الحوادث، ودمار المنقطة، وخراب بيوت من حولهم، إذ سيستميت العراقيون كذلك في الحصول على جبل الذهب ومنع الآخرين منه» ! قلت: الحادثة (١) حق، والزعم المذكور لا دليل عليه، وتسييسُ (الأحاديث) وإسقاطُها على (الأحداث) ليس من سبيل الموفّقين، والواجب على من يقوم بذلك أن يفقه الأحكام الكلية، ويتصور الوقائع، وينتظر تحققها، وأن يسلك سبيل المحققين من العلماء، مراعياً الضوابط الشرعية، والمصالح الضرورية، وسيأتي بيان مفصّل -إن شاء الله تعالى- لذلك (٢) .

стр. 574

فصل في الفوائد المستنبطة من حديث: «منعت العراق ... » استنبط العلماء من هذا الحديث فوائدَ متعددةً في أبوابٍ شتّى من أبواب العلم، ومن الطريف؛ أن بعض أهل العلم استدل به على ترجيح أحد قولين في المسألة، واحتج به آخرون على القول المرجوح في المسألة عينها (١) ، وهذا مسرد عام للفوائد المستنبطة منه، وبالله -تعالى- التوفيق: أولاً: قال يحيى بن آدم وغيره من أهل العلم: هذا من دلائل النبوة؛ حيث أخبر عما ضربه عمر على أرض العراق من الدراهم والقُفزان، وعما ضرب من الخراج بالشام ومصر قبل وجود ذلك -صلوات الله وسلامه عليه (٢) -. قال الشيخ مقبل بن هادي -رحمه الله تعالى- في آخر «الصحيح المسند من دلائل النبوة» (ص ٤٢٤) : «فيه علامتان من علامات النبوة: الأولى: إن هذه البلدان سيفتحها المسلمون (٣) .

стр. 575

الثانية: إن أهلها سيؤدون خراجاً للمسلمين ثم يمنعونه» . وقال المباركفوري في «منية المنعم» (٤/٣٥١) : «وفي هذا الحديث ثلاثة أخبار عظيمة: الأول: أنّ العراق والشام ومصر تفتح للمسلمين، وتدخل تحت حكمهم وطاعتهم، وتؤدي إليهم صدقاتها وجزيتها. الثاني: أنّ كلاًّ من هذه البلاد تستقلّ، فتمنع أداء مالها إلى أهلها من المسلمين، وذلك إما بانقطاعها عن مركز خلافة المسلمين، أو بانقطاع الخلافة نفسها. الثالث: أنّ العرب يعودون إلى ما كانوا عليه قبل الإسلام أو في بدايته حيث كانوا مشتتين، لم تكن تأتيهم خيرات البلاد، وقد حصل كلٌّ من ذلك» . ثانياً: فيه صحة ما جاء في الأحاديث من توقيته ﷺ لأهل المدينة ذا الحُلَيفة، ولأهل الشام الجُحفَة، ولأهل اليمن يلملم، وهو في المتفق عليه (١) ، وما في «صحيح مسلم» (٢) عن جابر: «ولأهل العراق ذات عرق» . فهذا من دلائل النبوة؛ حيث أخبر عما وقع من حجّ أهل الشام واليمن والعراق ... -صلوات الله وسلامه عليه (٣) -، وفيه ردٌّ على المعترض على هذا التوقيت بقوله: لم تكنِ العراقُ على عهد رسول الله ﷺ ذات إسلام (٤) .

стр. 576

ثالثاً: تسمية النبي ﷺ مكيال كلِّ قوم باسمه المعروف عندهم دليل على أنه كان يعرِفُ كلامَ الناس، وإنْ بعدت أقطارهم، واختلفت عباراتهم، وقد ثبت أنه كان يخاطب كلَّ قوم بلغتهم في غير موضع (١) . رابعاً: فيه بيان لبعض أحكام الأرضين المغنومة ، إذ إنّ النبي ﷺ قد علم بأن الصحابة يضعون الخراج على الأرض، ولم يرشدهم إلى خلاف ذلك، بل قرره، وحكاه لهم (٢) . قال ابن المنذر: «وكل أرض افتتحت عنوة؛ فسبيلها إذا تركها أهلها لمن بعدهم، أو تركها الإمام على ما يجوز أن يتركها لمن بعدهم، كسبيل أرض السواد، وذلك كالأغلب من أرض مصر وكثير من أراضي الشام، أن للإمام أن يضع عليها الخراج، ويقبض ذلك ويصرفه في مصالح المسلمين وبينهم» (٣) . والخراج: هو ما وُضِع على رقاب الأَرَضين من حقوقٍ تُؤَدّى عنها (٤) ، أو هو جزيةُ الأرضِ وحقٌّ يتعلق برقبتها زرعت أم لم تزرع يؤخذ من الكفار على وجه الصغار سببه الكفر لا يكون إلا بعقد موافقة من الطرفين يصرف مصارف الجزية والفيء، يجب في كل حول مرة ويقدر كثرة الأرض وقلتها (٥) .

стр. 577

وبينَه وبينَ الجزية اتفاقٌ وافتراقٌ في وجوه. ويطلق الخراج أحياناً، ويراد به معنىً عامٌّ بحيث يعني الأموال العامة أو إيراد الدولة، وهو المقصود من إطلاقه على كتابَيْ أبي يوسف (١) ويحيى بن آدم (٢) . و الخراج بمعنى ضريبة الأرض نوعان: الأول: خراج الوظيفة؛ وهو المحدد بمقدار معين يدفع في كل سنة، وهو يتعلق بالتمكن من الانتفاع من الأرض، سواء انتفع أو لم ينتفع، وهذا ما أريد به في الحديث (دينار) و (درهم) ، فيكون الواجب شيئاً في الذمة. والثاني: خراج المقاسمة؛ وذلك إذا كان الواجب حسب الاتفاق بعض الخارج؛ كالربع والخمس، مما يُعَينه الإمام على قدر تحمل الأرض، وهذا أشبه ما يكون بفرض رسول الله ﷺ في خيبر، وهذا ما أريد به في الحديث (القفيز) و (المدي) و (الإردب) . أما النوع الأول: فثبوته وتقديره اجتهادي في أيام عمر بن الخطاب ... ﵁، والاختلاف في تقديره إنما هو راجع لاختلاف الروايات عن عمر ﵁، قال ابن هبيرة: «واختلافُ الروايات عن أمير المؤمنين عمر في ذلك كلِّه صحيحٌ، وإنما اختلفت لاختلاف النواحي، والله -تعالى- أعلم» (٣) .

стр. 578

خامساً: دلَّ الحديث على أن الأرض المفتوحة تكون للغانمين؛ لأن ما ملكه الغانمون، يكون فيه القفيز والدرهم (١) ، وهذه مسألة مهمة، وأكثر ما تظهر ثمرتها في هذه الصورة: سادساً: ما حازه أهل الحرب من أموال المسلمين على وجه الإغارة، فإذا أسلم مَنْ هو في يده، كان ملكاً له، ولم يكن لمالكه الأول من المسلمين اعتراض عليه فيه، وهذا مذهب المالكية (٢) والحنفية (٣) . وقال الشافعية (٤) والحنابلة (٥) : هو باقٍ على مِلك المسلم، وله أخذه منه بغير عوض. واستدل المالكية والحنفية بهذا الحديث، وقالوا -أيضاً- في المسألة: لأنّ للكفار شبهةَ مِلكٍ على ما حازوه من أموال المسلمين، يدل عليه قوله ... -تعالى-: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ﴾ [الحشر: ٨] ،

стр. 579

فسماهم فقراء بعد هجرتهم وتركهم ديارهم وأموالهم، ولأنه لا خلاف أنهم لو استهلكوه ثم أسلموا لم يضمنوه، ولو أتلفه مسلم على صاحبه للزمه غرمه، فدل ذلك على ثبوت شبهة المِلْك المشترك (١) . قلت: ورجح المحققون من العلماء مذهب الشافعية والحنابلة، ويدل عليه ما أخرج مسلم في «صحيحه» (رقم ١٦٤١) ، وأحمد في «مسنده» (٤/٤٣٠) -والمذكور لفظه- وغيرهما: «عن عمران بن حصين، قال: كانت العضباء لرجل من بني عقيل، وكانت من سوابق الحاج، فأُسِر الرجل وأخذت العضباء، فحبسها رسول الله ﷺ لرحله، ثم إن المشركين أغاروا على سرح المدينة، وكانت العضباء فيه، وأسروا امرأة من المسلمين، فكانوا إذا نزلوا أراحوا إبلهم بأفنيتهم، فقامت المرأة ذات ليلة بعدما ناموا، فجعلت كلما أتت على بعير رغا، حتى أتت على العضباء، فأتت على ناقة ذلول فركبتها، ثم وجهتها قبل المدينة، ونذرت إنْ نجاها الله عليها لتنحرنها، فلما قدمت المدينة عُرِفَتِ الناقة، وقيل: ناقةُ رسول الله ﷺ ، فأُخبر النبيُّ ﷺ بنذرها، أو أتته فأخبرته، فقال رسول الله ﷺ : «بئس ما جَزَتْها إنِ اللهُ أنجاها عليها لتنحرنها» . ثم قال رسول الله ﷺ : «لا وفاء لنذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك ابن آدم» . فلو ملكها المشركون ما أخذها رسول الله ﷺ وأبطل نذرها، وقد بحث هذه المسألة أستاذنا فتحي الدريني وردها على أصولها وبيّنَها أحسن بيان، قال -حفظه الله (٢) -: «ولخطورة هذه المسألة، وأهميتها البالغة في كل من العلاقات الدولية، والقانون الدولي العام، لا بد أن نقرر ما هو الحقّ فيها، مؤيداً بالأدلة، وبروح التشريع الإسلامي.

стр. 580

إن منطق القوة لم يعهد في الشرع مزيلاً ليدٍ محقَّةٍ، ومقرِّراً ليدٍ مبطلَةٍ؛ لأنه محض بغي وعدوان، وذلك بالبداهة لا يصلح سنداً للملكية؛ لكونه محرماً في الشريعة تحريماً قاطعاً. ولو أُقِرَّ مبدأُ العدوان هذا، لانخرم أصل الحق والعدل، ولاضطرب حبل الأمن في العالم كله، وما أنزلت الشرائع، وأرسل الرسل، إلا لاجتثاث أصول العدوان، ولإقرار الحق والعدل بين البشر؛ لقوله -تعالى-: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديث: ٢٥] . وأيضاً لو كان الاستيلاءُ القهريُّ بقوة السلاح (١) من قبل الأعداء وسيلةً مُعتَرَفاً بها شرعاً، لامتلاكهم أموالَ المسلمين، واستيطانِ ديارهم بعد إخراجهم منها، لما وجب الجهاد -في مثل هذه الحالة- فرضاً عينيّاً على كل قادر على حمل السلاح رجالاً ونساءً، بالإجماع؛ من أجل استرداد ما استولى عليه العدو عنوة! والله -تعالى- يقول: ﴿وَأَخْرِجُوهُمْ منْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة: ١٩١] . وقد تضافرت نصوص القرآن الكريم على وجوب دفع العدوان قبل وقوعه بالجهاد بالأنفس والأموال، وعلى وجوب إزالته بعد الوقوع، ولم يعهد أنه سبيل لتملك الأعداء ديارَ المسلمين وأموالَهم.

стр. 581

قال -تعالى-: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] . وإذا حرَّمَ الإسلام على أهله الاعتداء، فأحرى أن يحرم عدوان غيرهم عليهم، ولا يجعله سبيلاً لامتلاك أموالهم وديارهم! وقال -تعالى-: ﴿وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ [النساء: ١٤١] . لا يقال: إن الآية تدل على أن الله -تعالى- لن يجعل للأعداء سبيلاً على نفوس المسلمين دون أموالهم؛ لأنا نقول: إن كلمة ﴿سبيلاً﴾ نكرة في سياق النفي؛ فتعم كل سبيل سواء أكان واقعاً على نفوسهم، أو أموالهم، أو ديارهم. ولا يقال -كذلك-: إن الله لم يجعل للكافرين على المسلمين حجة؛ لأن الصيغة عامة فيجب إجراؤها على العموم -كما هو الأصل-؛ إذ لا دليل على التأويل أو التخصيص (١) . كذلك لا يقال: إنه لو كانتْ أموالُ المسلمين باقيةً على ملكهم، رغم إخراجهم من ديارهم، لأطلق عليهم القرآن الكريم كلمة (أبناء السبيل) ، وهو من انقطعت بهم صلَتُهم بأموالِهم لبعدهم عنها، ولم يسمِّهم (فقراء) ؛ فدل ذلك على أنهم فقراءُ حقيقةً قد زالت ملكيتُهم عنها؛ لأنا نقول: إن ابن السبيل هو (المسافر) الذي انقطعت به الطريق، ونفد ماله، وله طماعية في الرجوع إلى بلده؛ لتمكنه من ذلك، وهذا مفوم يختلف عمن أُخرج من دياره وأمواله عَنوَة، وليس في وُسعِه أن يعودَ إليها، لذا صحّ اعتباره كأنّه فقير، أضف إلى

стр. 582

ذلك أنهم قد توطنوا بالمدينة (١) . ووصفُهم بكونِهم فقراءَ مجازاً، لا يُشعِرُ بزوالِ ملكيتهم عن ديارهم وأموالهم، بل يفيد ثبوتَها لهم، بقرينة إضافتها إليهم، ولأن في إطلاق هذه الكلمة عليهم، إثارةً للتعطف الداعي إلى رعايتهم، وتدبير مصالحهم، والاهتمام بشؤونهم؛ تخفيفاً لوطأة الظلم عنهم، وتحقيقاً لما تقتضيه الأخوّة نحوهم» . قلت: ونصر هذا الاختيار ابن القيم (٢) ، ومن قبله ابنُ حزم (٣) ، وابن تيمية (٤) -رحم الله الجميع-. سابعاً: في هذا الحديث ردٌّ على من ضعّف أحاديث توقيت النبي ﷺ لأهل العراق (ذات عرق) ، وقال: إن العراق لم تكن فُتِحَت يومئذٍ! وجواب هذا الاعتراض: «أن ذلك صَدَر منه ﷺ مصدَرَ التعليم لأمّةِ الإسلام إلى يوم القيامة، فليس من الضروري أن تكون العراق قد فتحت يومئذٍ، فهي في هذا كبلاد الشام سواء، فلم تكن قد فتحت -أيضاً- كما هو معلوم، ولذلك قال الحافظ ابن عبد البر (٥) : «هذه غفلة من قائل هذا القول؛ لأنه ﵇ هو الذي وقَّتَ

стр. 583

لأهل العراق ذاتَ عرق، كما وقت لأهل الشام الجحفة، والشام يومئذٍ دار كفر كالعراق، فوقت المواقيت لأهل النواحي؛ لأنه علم أن الله سيفتح على أمته الشام والعراق وغيرهما، ولم يفتح الشام والعراق إلا على عهد عمر بلا خلاف، وقد قال ﵇: «منعت العراق درهمها وقفيزها ... » . الحديث معناه عند أهل العلم: ستمنع» . ونقله ابن التركماني في «الجوهر» (٥/٢٨-٢٩) » . قاله شيخنا الألباني في «حجة النبي ﷺ » (ص ٤٨) . ثامناً: قد يقال: ثبت في «صحيح البخاري» (١) أن عمر بن الخطاب ... ﵁ هو الذي وقت ذات عرق لأهل العراق، وهذا ينافي ما تقدم، فالجواب: يمكن أن يكون ذلك من جملة (الموافقات) التي وافق عمر الشرع فيها (٢) ، ولم يذكر هذا السيوطي في رسالته «قطف الثمر» (٣) ، فلتستدرك عليه. تاسعاً: دل هذا الحديث على رِضَى اللهِ عن عمر ﵁ ما

стр. 584

وظّفه على الكفرة من الجزَى في الأمصار (١) ، قال الذهبي: «فقد ذكر الرسول ﷺ القفيز والدرهم قبل أن يضعَه عمرُ على الأرض» (٢) ، وقال الحميدي: «وفيه -أيضاً- دليل على رضاه من عمر بما وظّفه على الكفرة في الأمصار من الجزية ومقدارها» (٣) . وقال قبلهم أبو عبيد (٤) ونقله عنه ابن المنذر (٥) : «فاسمع (٦) قول رسول الله ﷺ في الدرهم والقفيز، كما فعل عمر بن الخطاب بالسواد [وهذا هو التثبّت] (٧) ، وفي تأويل [فعل] (٧) عمر -أيضاً- حين وضع الخراج، ووظفه على أهله من العلم: أنه جعله شاملاً عامّاً على [كل] (٧) من (٨) لزمته المساحة وصارت الأرض في يده، من رجل أو امرأة، أو صبي أو مكاتب أو عبد، فصاروا متساوين فيها، ألا تراه لم يستثن أحداً دون أحد، ومما يبين ذلك قول عمر لدهقانة نهر الملك حين أسلمت فقال: دعوها في أرضها تؤدى عنها الخراج، فأوجب عليها ما أوجب على الرجال» . عاشراً: يفهم بالإشارة من هذا الحديث التوصية بالوفاء لأهل الذمة لما في الجزية التي تؤخذ منهم من نفع للمسلمين ، وفيه التحذير من ظلمهم، وأنه متى وقع ذلك نقضوا العهد، فلم يجتب المسلمون منهم شيئاً، فتضيق

стр. 585

أحوالهم (١) ، ودلّ على هذا على وجهٍ أصرحَ أثرُ أبي هريرة عند البخاري (٢) . قال ابن بطال بعد إيراده له: «دل على أنّ الغدر لأهل الذمة لا يجوز، ألا ترى ما أوصى به النبي ﷺ من الذّمة والوفاء بها لأهلها من أجل إنماء معاش المسلمين، ورزق عيالهم، فأعلمهم بهذا الحديث أنهم متى ظُلِموا، منعوا ما في أيديهم، واشتدوا وحاربوا وأعادوا الفتنة، وخلعوا ربقة الذمة، فلم يجتب المسلمون درهماً، فضاقت أحوالهم وساءت، وفيه من علامات النبوة» (٣) . ومن اللطيف بهذا الصدد، ما أخرجه الدينوري في «المجالسة» (٦/١٧٩ رقم ٢٥٢٥) بسند ضعيف عن ابن سيرين، قال: مر ابن عمر على رجل، فسلم عليه. فلما جاز، قيل له: إنه كافر. فرجع إليه، فقال: رُدَّ عليَّ السلام. فردّ عليه. فقال له: أكثر اللهُ مالك وولدَك. ثم التفت إلينا، فقال: «هذا أكثر للجزية» . حادي عشر: استنبط كثير من الفقهاء من هذا الحديث أن الأرض المغنومة لا تقسم ولا تباع (٤) ، ونقل ابن تيمية هذا الحكم عن أهل المذاهب المتبوعة في الأرض التي فتحت عنوة، وقال: «ولكن المسلمون لما كثروا نقلوا أرض السواد في أوائل الدولة العباسية من (المخارجة) (٥) إلى

стр. 586

(المقاسمة) (١) ، ولذلك نقلوا مصر إلى أن استغلوها هم، كما هو الواقع اليوم، ولذلك رفع عنها الخراج» (٢) . ونوضح كلام الفقهاء في هذه المسألة، فنقول، وبالله المستعان: للأرض رقبة ومنفعة، فرقبتها هي أصلها، ومنفعتها هي استعمالها في الزراعة وغيرها، وقد أباح الإسلام ملكية رقبة الأرض، كما أباح ملكية منفعتها، ووضع أحكاماً لكل منهما. أما ملكية رقبة الأرض فينظر فيها، فإن كانت البلاد التي منها هذه الأرض قد فتحت بالحرب عنوة كانت رقبة الأرض ملكاً للدولة، واعتبرت أرضاً خراجية، ما عدا جزيرة العرب. وإن فتحت صلحاً ينظر، فإن كان الصلح على أن الأرض لنا، وأن نقر أهلها عليها مقابل خراج يدفعونه، فإن هذا الخراج يبقى أبديّاً على الأرض، وتبقى أرضه خراجية إلى يوم القيامة ولو انتقلت إلى مسلمين بالإسلام، أو بالشراء أو بغيره (٣) . أما إن كان الصلح على أن الأرض لهم، وأن تبقى في أيديهم، وأن يقرّوا عليها بخراج معلوم يضرب عليهم، فهذا الخراج يكون غير الجزية، ولا يسقط

стр. 587

بإسلامهم، أو ببيعهم الأرض إلى مسلم، وإن باعوا الأرض إلى كافر فإن الخراج يكون باقياً من باب أولى؛ لأن الكافر من أهل الخراج والجزية، وإن كانت البلاد قد أسلم أهلها عليها مثل أندونيسيا، أو كانت من جزيرة العرب كانت رقبة الأرض ملكاً لأهلها، واعتبرت أرضاً عشرية، والسبب في ذلك أن الأرض بمنزلة المال، تعتبر غنيمة من الغنائم، التي تكسب في الحرب فهي حلال، وهي ملك لبيت المال. والفرق بين الأرض وبين غيرها من الغنائم من الأموال، أن الأموال تقسم ويتصرف بها، وتعطى للناس، وأما الأرض فتبقى رقبتها تحت تصرف بيت المال حكماً، ولكنها تظل تحت يد أهلها ينتفعون بها، وكون الأرض باقية لبيت المال لا تقسم رقبتها، وإنما يمكّن الناس من الانتفاع بها (١) ، ظاهر في كونها غنائم عامة لجميع المسلمين، سواء مَنْ وجدوا حين الفتح، أو مَنْ وُجِد بعدهم. أما جزيرة العرب فإن أرضَها كلُّها عشرية؛ لأن النبي ﷺ فتح مكة عَنوَة، وتركها لأهلها، ولم يوظف عليها الخراج؛ ولأن الخراج على الأرض بمنزلة الجزية على الرؤوس، فلا يثبت في أرض العرب، كما لا تثبت الجزية في رقابهم؛ وذلك لأن وضع الخراج على البلاد من شرطه أن يترك أهلها وما يعتقدون وما يعبدون، كما في سواد العراق. ومشركو العرب لا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف. قال -تعالى-: ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥] ، وقال: ﴿سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ [الفتح: ١٦] . وما دام لم تؤخذ جزية منهم، فكذلك لا يؤخذ خراج على أرضهم.

стр. 588

وعلى هذا؛ فإن رقبة الأرض في جميع البلاد التي افتتحها الإسلام عنوة، أو صلحاً على أن الأرض لنا، تكون ملكاً للدولة، وتعتبر أرضاً خراجية، سواء أكانت لا تزال تحت يد الأمة الإسلامية؛ كمصر والعراق وتركيا، أم أصبحت تحت يد الكفار؛ كإسبانيا وأوكرانيا والقرم وألبانيا والهند ويوغسلافيا ونحوها. وكل أرض أسلم عليها أهلها كأندونيسيا، وكل أرض في جزيرة العرب هي ملك لأهلها، وتعتبر أرضاً عشرية. أما منفعة الأرض فهي من الأملاك الفردية، سواء أكانت أرضاً خراجية، أم أرضاً عشرية، وسواء أَقْطَعَتْهُم إياها الدولة، أو تبادلوها بينهم، أو أحيوها، أو احتجروها. وهذه المنفعة تعطي المتصرف بالأرض من الحقوق ما يعطى لمالك العين، وله أن يبيعها ويهبها وتورث عنه؛ وذلك لأن للدولة أن تُقطِعَ (أي: تعطي) الأراضي للأفراد، سواء أكانت الأرضُ عشريةً، أم خراجيةً، إلا أن الإقطاع في الأرض الخراجية هو تمليك منفعة الأرض، مع بقاء رقبتها لبيت المال، وأما في الأرض العشرية فهو تمليكٌ لرقبة الأرض ومنفعتها. و الفرق بين العشر والخراج ، هو أن العشر على ناتج الأرض، وهو أن تأخذ الدولة من الزراع للأرض عُشْرَ الناتج الفعلي، إن كانت تسقى بماء المطر، سقياً طبيعيّاً، وتأخذ نصف العشر عن الناتج الفعلي، إن كانت الأرض تسقى بالساقية، أو غيرها، سقياً اصطناعيّاً. روى مسلم (١) عن جابر، قال: قال ﵊: «فيما سقت الأنهار والغيم العشور، وفيما سقي بالسانية نصف العشر» . وهذا العشر يعتبر زكاة، ويوضع في بيت المال، ولا يصرف إلا لأحد الأصناف الثمانية، المذكورين في آية: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ ... ﴾ [التوبة: ٦٠] الآية. أخرج الحاكم والبيهقي والطبراني من حديث أبي موسى ومعاذ حين بعثهما النبي ﷺ إلى اليمن يعلمان الناس

стр. 589

أمر دينهم، فقال: «لا تأخذا الصدقة إلا من هذه الأربعة الشعير والحنطة والزبيب والتمر» (١) . وأما الخراج على الأرض؛ فهو: أن تأخد الدولة من صاحب الأرض قدراً معيناً تقدره وتحدده، بحسب إنتاج الأرض التقديري عادة، لا الإنتاج الفعلي. ويقدر على الأرض بقدر احتمالها حتى لا يُظلم صاحبُ الأرض، ولا بيت المال. ويُحَصَّلُ الخراجُ كلَّ سنة من صاحب الأرض، سواء زرعت الأرض أو لم تزرع، وسواء أخصبت أو أجدبت، ودليله: إن عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه- بعث عثمان بن حنيف على السواد، وأمره أن يمسحه، فوضع على كل جريب عامر أو غامر مما يعمل مثله درهماً وقفيزاً (٢) . ويوضع الخراج في بيت المال في غير باب الزكاة، ويصرف على جميع الوجوه التي تراها الدولة، كما يصرف سائر المال. والأرض التي فتحت عنوة وضرب عليها الخراج يبقى خراجها أبد الدهر، فإن أسلم أهلها أو باعوها إلى مسلم لم يسقط خراجها؛ لأن صفتها من كونها فتحت عنوة باقية إلى آخر الزمان، ووجب عليهم دفع العشر مع الخراج؛ لأن الخراجَ حقٌّ وجب على الأرض، والعشرُ حقٌّ وجَبَ على ناتج أرض المسلم بالآيات والأحاديث، ولا تنافي بين الحقين؛ لأنهما وجبا بسببين

стр. 590

مختلفين (١) ، وهذا ما نوضحه في: ثاني عشر: قال البغوي في «شرح السنة» (١١/١٧٨) : «وفيه مستدلٌّ لمن ذهب (٢) إلى أنّ وجوب الخراج لا ينفي وجوب العُشر (٣) ؛ لأنه جمع بين (القفزان) و (النقد) ، و (العشر) يؤخذ بـ (القفزان) ،

стр. 591

و (الخراج) من (النقد) » . وسبقه إليه الخطابي (١) في «معالم السنن» (٣/٣٥) وزاد على آخره: «إما دراهم وإما دنانير» . وقال النسفي في «طلبة الطلبة» (ص ٩٦) : «أراد بالقفيز: العشر، وبالدراهم: الخراج» . وقال أبو يعلى في «الأحكام السلطانية» (ص ٢١٦) بعد أن أورد الحديث: «فقد أثبت الجمع بين الدرهم والقفيز» . واستدل به الحنفية على عدم اجتماع (العشر) مع (الخراج) -على نقيض استدلال الأوّلين- ووجّهوه بأمرين (٢) :

стр. 592

الأول: عدم ذكر العشر في أرض الخراج. والآخر: يستفاد من لازم النّص أن خراج العراق والشام ومصر سيُمنع آخر الزمان، ولازم هذا المنع أنه لا حقّ فيه سواه؛ مثل: العشر، وهذا معنى قول الجصاص: «لو كان العشر واجباً فيما زرع من أرض الخراج، لاستحال أن يكون الخراج ممنوعاً منه والعشر غير ممنوع» (١) . وتوضيحه: «قالوا: أراد بمنع القفيز والدينار: الخراج (٢) ، وكأنه ذم امتناعهم من أداء الخراج بعدما أسلموا عليه، وفي ذلك دلالة على أن الرجل إذا أسلم على خراج لم يسقط عنه الخراج بإسلامه» (٣) . واحتج الطحاوي في إسقاط الزكاة عما أصيب في أرض الخراج بهذا الحديث، قال: «فلو كان في أرض الخراج شيء غير الخراج، لذكره ﵇» . نقله عنه ابن حزم في «الإحكام» (٤) (٧/٩٠٥) ، ورد عليه بتطويل، قال: «قال أبو محمد: فيقال للطحاوي: أرأيت إن قال لك قائل أن قوله ﵇: «فيما سقت السماء العشر» دليل على أن لا خراج على شيء من

стр. 593

الأرض، لأنه لو كان فيها خراج لذكره في هذا الحديث! فإن قال: قد ذكر الخراج في الحديث الذي قدمناه آنفاً. قيل له: وقد ذكر العشر ونصف العشر في الحديث الذي ذكر آنفاً. فإن قال قائل: ما تقولون في خطاب ورد من الله -تعالى- أو رسوله ﷺ معلقاً بشرط؟ قيل له: ينظر، أتقدّمَتْ ذلكَ الخطابَ جملةٌ حاظرةٌ لما أباح ذلك الخِطاب، أو مبيحة لما حظر، أم لم يتقدمه جملة بشيء من ذلك، لكن تقدمته جملة تعمه وتعمّ معه غيره موافقة لما في ذلك النص؟ ولا بد من أحد هذه الوجوه؛ لأن الجملة التي نص عليها بقوله ... -تعالى-: ﴿خَلَقَ لَكُم مَا فِي الأرض جَميعاً﴾ [البقرة: ٢٩] مبيحة عامة، لا يشذ عنها إلا ما نص عليه وفصل بالتحريم، فلا سبيل إلى خروج شيء من النصوص عن هذه الجملة، ولا بد لكل نص ورد من أن يكون مذكوراً فيه بعض ما فيها بموافقة أو يكون مستثنى منها بتحريم، فإن وجدنا النص الوارد -وقد تقدمته جملة مخالفة له- استثنيناه منها، وتركنا سائر تلك الجملة على حالها، ولم نحظر إلا ما حظر ذلك النص فقط، ولم نُبِحْ إلا ما أباح فقط، ولم نتعدَّه، وإن وجدناه موافقاً لجملة تقدمته أبحنا ما أباح ذلك الخطاب، وأبحنا -أيضاً- ما أباحته الجملة الشاملة له ولغيره معه، أو حظرنا ما حظره ذلك الخطاب، وحظرنا -أيضاً- ما حظرته الجملة الشاملة له ولغيره معه، ولم نسقط من أجل ذلك الشرط شيئاً مما هو مذكور في الجملة الشاملة له ولغيره، وهذا هو مفهوم الكلام في الطبائع في كل لغة من لغات بني آدم -عربهم وعجمهم-، ولا يجوز غير ذلك» . ورد البيهقي استدلالهم به، بقوله: «ولا حجة لهم فيه؛ لأن القفيز ظاهره المكيال، وإن كان يتناول الدينار، والعدول عن الظاهر بلا حجة محال، وإنما المراد به -والله أعلم- الحقوق التي تجب في مال المسلم من العشر، وسائر الزكوات، وتفسير هذا الحديث ... » وأسند ما سقناه من حديث جابر (١) :

стр. 594

«يوشك أهل العراق لا يجبى إليهم درهم ولا قفيز. فقالوا: بم ذاك يا أبا عبد الله؟ قال: من قبل العجم يمنعون ذلك ... » بتمامه. ثم نقل عن الهروي في «الغريبيين» له أنه حمله على أخبار النبي ﷺ كما وظف على أهل المدينة من هذه البلاد في زمن عمر بن الخطاب ﵁ من الجزية، وأنهم إذا أسلموا سقطت عنه بذلك الجزية، وقوله: «منعت» ؛ معناه: ستمنع بإسلامهم ما وظف عليهم. ثم قال: «وفي هذا المعنى يصير الخبر حجة لنا في سقوط الخراج الذي يكون على طريق الجزية عن أراضي أهل الذمة إذا أسلموا، والله أعلم» (١) . ومما ينبغي التنبيه عليه هنا الضعف الشديد لحديث: «لا يجتمع العشر والخراج في أرض مسلم» ، وقد فصلت القول فيه في تعليقي على «الخلافيات» للبيهقي، يسر الله إتمامه (٢) . ويعجبني هنا ما قدمناه عن النووي من قوله: «لو كان معنى الحديث ما زعموه للزم أن لا تجب زكاة الدراهم والدنانير والتجارة، وهذا لا يقول به أحد» (٣) . ويعجبني -أيضاً- ما قاله أبو عبيد القاسم بن سلاّم في كتابه «الأموال»

стр. 595

(ص ١١٦/رقم ٢٤٥) : «ولا نعلم أحداً من الصحابة، قال: لا يجتمع عليه العشر والخراج، ولا نعلمه من التابعين إلا شيء يروى عن عكرمة، رواه عنه رجل من أهل خراسان، يكنى أبا المنيب» . ثالث عشر: استدل به بعض أهل العلم (١) على أن الواحد قد يراد به الجمع عند الإضافة، بينما استدل به أبو المواهب العكبري للحنابلة على أن قدر الخراج في جريب الحنطة والشعير قفيز ودرهم (٢) ، قال: «خلافاً للشافعي في قوله: في جريب الحنطة أربعة دراهم، وفي جريب الشعير درهمان» (٣) . ثم ذكر الأدلة، ومن بينها: قوله محتجّاً لمذهبه: «أنه يعضدها السنة ... » وذكر الحديث، قال: «ومعناه: ستمنع، وهذا يدل على القفيز» (٤) . رابع عشر: أخرج هذا الحديث كما قدمنا جماعة؛ منهم: الإمام أحمد، قال: حدثنا أبو كامل، حدثنا زهير، حدثنا سهيل، به. وفي مطبوع «المسند» على إثره: «قال أبو عبد الرحمن: سمعت يحيى بن معين، وذكر أبا كامل، فقال: كنتُ آخذ منه ذا الشأن، وكان أبو كامل بغداديّاً من الأبناء» . وهذه العبارة تحتاج إلى شرح، فالقائل أبو عبد الرحمن هو عبد الله بن الإمام أحمد، وصرح بذلك الخطيب في «تاريخ بغداد» (١٣/١٢٥) ، وأسند العبارة المذكورة إليه.

стр. 596

وهذه الكلمة «ثناء عظيم من يحيى إمام الجرح والتعديل على أبي كامل مظفر بن مدرك الخراساني» ، وقوله: «كنت آخذ منه هذا الشأن» ؛ يريد به: صنعة الحديث، ومعرفة الرجال. وأما قوله: «من الأبناء» ؛ فيريد به: أنه من أبناء خراسان. أفاده العلامة أحمد شاكر في «شرحه على مسند أحمد» (١٣/٢٩٢) . خامس عشر: أن الحصار الاقتصادي لا بد أن يصيب العراق ، بحيث تمنع خيراتها (المكيال والنقد) أهلها، ويمنعها العجم ذلك، ويتبعه الحصار الذي يصيب الشام، وتمنع أهلها خيراتها كذلك، ولكن الذي يمنعها في هذه المرة هم الروم. سادس عشر: وفي هذا دليل على التفرقة بين العجم من جهة، والروم من جهة أخرى كما بيناه (١) . سابع عشر: وفيه -أيضاً- أن القوّة المتحكّمة في المنع تختلف موازينها، وتنتقل القيادة العامة من الأمشاج والخليط الذي تجمعهم (العجمة) وعدم (العربية) إلى نسب ودين، وهم الروم. ثامن عشر: وإن هذين الحصارين مقدمة للملحمة الكبرى التي تكون بين العجم والمسلمين؛ إذ وقع في «صحيح مسلم» ذكرٌ غيرُ صريحٍ للمهدي يعقُبُ هذا الحصار، والملاحم (٢) تكون -كما هو معلوم- قبل ذلك، ومن بينها تلك التي سببُها انحسار الفرات عن كنز -أو جبل- من ذهب، فلا يبعد أن الحصار الذي فيه طمع للعجم أولاً، وللروم ثانياً بخيرات بلاد العراق والشام هو أمارة لذلك كله، والله أعلم. تاسع عشر: من الأمور التي تستدعي التنبيه عليها، ومراعاتها وعدم

стр. 597

إهمالها في دراسة الفتن: (الآثار) و (المقطوعات) (١) ؛ فإن فيها المفزع لتوضيح المبهم، وتعيين المجمل، والتوفيق بين ما ظاهره التعارض، ووجدتُ هذا الأمر واضحاً جليّاً في كتابي هذا، وفي ظني وتقديري أن (عقدة) البحث في هذا الباب، هو الجمع المستقصي الذي فيه الاستيعاب لهذه الآثار، فإنها مشتتة في بطون الدواوين على تنوعها: السنن، المصنفات، المسانيد، المعاجم، المشيخات، الأجزاء الحديثية، فضلاً عن الكتب الخاصة بالفتن. فصل في محاذير قراءة أحاديث الفتن لإسقاطها على الواقع عشرون (٢) : من الزلات -بل الخطيآت- قراءة أحاديث الفتن لإسقاطها على الواقع، وفي هذا محاذيرُ كثيرةٌ من أهمِّها: أولاً: عدم البحث عن صحتها ، وقبولها على عواهنها، وإن كانت موضوعة أو واهية. ثانياً: تحريف معانيها ، وإخراجها عن مراد المتكلّم بها، من خلال معاناة وضغوط الواقع على الباحث فيها، أو القارئ لها (٣) ، بحيث يأخذها أخذاً أوليّاً، بمعزل عن سائر ما ورد في الباب، أو يستنبط منها أشياء على غير قواعد أهل

стр. 598

العلم في الاستدلال. ثالثاً: من أسوأ أنواع هذا التحريف وأخطره التعدّي على المُسَلَّمات والقواعد الكليات ، سواء فيما يخص الشرع بعامة، أو الفتن بخاصة؛ مثل: تحديد موعد قيام الساعة، أو موعد خروج المهدي (١) ، أو موعد زوال دولة يهود ... وهكذا. رابعاً: أخطر ما رأيت على الإطلاق في التعامل مع أحاديث الفتن (٢) فهمها على قواعد أهل الباطل: اليهود وأهل الباطن، إذ أحاديث الفتن -قبل وقوعها- أشبه ما تكون بتأويل (المتشابه) ، فيراعى في المؤول به أوصاف؛ هي: ١٦- كون الظاهر منها هو المفهوم العربي، فلا تشرع الزيادة على الجريان على اللسان العربي؛ مثل: حساب الجُمَّل ، أو الإعجاز العددي. ومن اشتغل بذلك فهو من باب التشبه باليهود (٣) ، وقد يستدل عليه بما أخرجه البخاري في «التاريخ الكبير» (٣/٢٠٨) ، وابن جرير في «التفسير» (١/٢١٦ رقم ٢٤٦ - ط. شاكر) -واللفظ له-، وأبو عمرو الداني في «البيان في عدّ آي القرآن» (ص ٣٣٠-٣٣١) من طريق ابن إسحاق، قال: حدثني

стр. 599

الكلبي عن أبي صالح، عن ابن عباس، عن جابر بن عبد الله بن رِئاب، قال: «مر أبو ياسر بن أخطب [في رجال من اليهود] برسول الله ﵌ وهو يتلو فاتحة سورة البقرة: ﴿ألم. ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ﴾ ، فأتى أخاه حُيَي بن أخطب [في رجال] من يهود، فقال: تعلمون والله لقد سمعت محمداً يتلو فيما أنزل الله عليه: ﴿ألم. ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ﴾ ! فقالوا: أنت سمعتَه؟ قال: نعم. قال: فمشى حيُي بن أخطب في أولئك النفر من يهود إلى رسول الله ﵌ فقالوا له: يا محمد! ألم يُذكر لنا أنك تتلو فيما أنزل عليك: ﴿ألم. ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ ؟ فقال رسول الله ﷺ : بلى. فقالوا: أجاءك بهذا جبريل من عند الله؟ قال: نعم. قالوا: لقد بعث الله قبلك أنبياء ما نعلمه بُيِّنَ لنبيٍّ منهم مدةُ ملكه، وأجلُ أمته غيرك. فقال حيي بن أخطب، وأقبل على من كان معه، فقال: الألف واحدة واللام ثلاثون، والميم أربعون، فهذه إحدى وسبعون. أفتدخلون في دين نبي إنما مدةُ مُلكه وأجلُ أمته إحدى وسبعون سنة؟ قال: ثم أقبل على رسول الله ﷺ ، فقال: يا محمد! هل مع هذه غيره؟ قال: «نعم. قال: ماذا؟ قال: ﴿ألمص﴾ [الأعراف: ١] » . قال: هذه أثقل وأطول: الألف واحدة، واللام ثلاثون، والميم أربعون، والصاد تسعون؛ فهذه إحدى وستون ومئة. هل مع هذا يا محمد غيره؟ قال: «نعم. قال: ماذا؟ قال: ﴿ألر﴾ [يوسف: ١] » . قال: هذه -والله- أثقل وأطول: الألف واحدة، واللام ثلاثون، والراء مئتان؛ فهذه إحدى وثلاثون ومئتا سنة. فقال: هل مع هذا غيره يا محمد؟ قال: «نعم، ﴿ألمر﴾ [الرعد: ١] » . قال: فهذه أثقل -والله- وأطول: الألف واحدة، واللام ثلاثون، والميم أربعون، والراء مئتان؛ فهذه أحدى وسبعون ومئتا سنة. ثم قال: لقد لُبِّس علينا أمرك يا محمد، حتى ما تُدرَى أقليلاً أُعطيت أم كثيراً. ثم قاموا عنه، فقال أبو ياسر لأخيه حيي بن أخطب ومن معه من الأحبار: ما يدريكم لعله قد جُمع لمحمد هذا كله إحدى وسبعون، وإحدى وستون ومئة، ومئتان وإحدى وثلاثون، ومئتان وإحدى وسبعون؛ فذلك سبع مئة وأربع وثلاثون.

стр. 600

فقالوا: لقد تشابه علينا أمره» . والخبر بنحوه في «سيرة ابن هشام» (٢/٥٤٥) . وهذا الاستدلال باطل من جوه؛ هي: إسناده ضعيف (١) ، فيه الكلبي، وهو ممن لا يحتج به إذا انفرد، ومدار الحديث عليه. قاله ابن كثير في «تفسيره» (١/٢٥٨ - ط. أولاد الشيخ) ، والشوكاني في «فتح القدير» (١/٢٠) . وأما على فرض صحته، فالجواب عليه من وجوه تأتي، وقد ظفرتُ برسالة للعلامة محمد بن إسماعيل الأمير الصنعاني في ورقتين (٢) ، فيها جواب على مدى اعتبار حروف (الجمل) ، قال بعد نقله ما في «القاموس المحيط» (٣) عن (أبجد) وأنها اصطلاح لملوك مدين: «فهذا أصل هذه الكلمات لغة، وفيه دلالة أن من جعل حروفها أعداداً ليس من وضع اللغة، وإنما هو أمر اصطلاحي، ويدل عليه اختلاف أهل الغرب وأهل الشرق في ذلك؛ فإنّ السين المهملة تعد ثلاث مئة عند الأولين، وستون عند الآخرين، والصاد -أي: المهملة- ستون عند أهل الغرب، وتسعون عند أهل الشرق؛ كما ذكره عنهم الحافظ ابن حجر (٤) ، وإذا كان أمراً عرفيّاً فالأمر فيه سهل. وأما أهل اللغة العربية فمعلوم أنهم لا يعرفون ذلك، ومن الآثار ما يشعر بأنه عُرف لليهود، ... » وساق الخبر الذي ذكرناه، وقال:
следующие страницы →