← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 3346

العراق في أحاديث وآثار الفتن

مشهور آل سلمان

Полный текст (775 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

وهذه الكلمة «ثناء عظيم من يحيى إمام الجرح والتعديل على أبي كامل مظفر بن مدرك الخراساني» ، وقوله: «كنت آخذ منه هذا الشأن» ؛ يريد به: صنعة الحديث، ومعرفة الرجال. وأما قوله: «من الأبناء» ؛ فيريد به: أنه من أبناء خراسان. أفاده العلامة أحمد شاكر في «شرحه على مسند أحمد» (١٣/٢٩٢) . خامس عشر: أن الحصار الاقتصادي لا بد أن يصيب العراق ، بحيث تمنع خيراتها (المكيال والنقد) أهلها، ويمنعها العجم ذلك، ويتبعه الحصار الذي يصيب الشام، وتمنع أهلها خيراتها كذلك، ولكن الذي يمنعها في هذه المرة هم الروم. سادس عشر: وفي هذا دليل على التفرقة بين العجم من جهة، والروم من جهة أخرى كما بيناه (١) . سابع عشر: وفيه -أيضاً- أن القوّة المتحكّمة في المنع تختلف موازينها، وتنتقل القيادة العامة من الأمشاج والخليط الذي تجمعهم (العجمة) وعدم (العربية) إلى نسب ودين، وهم الروم. ثامن عشر: وإن هذين الحصارين مقدمة للملحمة الكبرى التي تكون بين العجم والمسلمين؛ إذ وقع في «صحيح مسلم» ذكرٌ غيرُ صريحٍ للمهدي يعقُبُ هذا الحصار، والملاحم (٢) تكون -كما هو معلوم- قبل ذلك، ومن بينها تلك التي سببُها انحسار الفرات عن كنز -أو جبل- من ذهب، فلا يبعد أن الحصار الذي فيه طمع للعجم أولاً، وللروم ثانياً بخيرات بلاد العراق والشام هو أمارة لذلك كله، والله أعلم. تاسع عشر: من الأمور التي تستدعي التنبيه عليها، ومراعاتها وعدم

стр. 597

إهمالها في دراسة الفتن: (الآثار) و (المقطوعات) (١) ؛ فإن فيها المفزع لتوضيح المبهم، وتعيين المجمل، والتوفيق بين ما ظاهره التعارض، ووجدتُ هذا الأمر واضحاً جليّاً في كتابي هذا، وفي ظني وتقديري أن (عقدة) البحث في هذا الباب، هو الجمع المستقصي الذي فيه الاستيعاب لهذه الآثار، فإنها مشتتة في بطون الدواوين على تنوعها: السنن، المصنفات، المسانيد، المعاجم، المشيخات، الأجزاء الحديثية، فضلاً عن الكتب الخاصة بالفتن. فصل في محاذير قراءة أحاديث الفتن لإسقاطها على الواقع عشرون (٢) : من الزلات -بل الخطيآت- قراءة أحاديث الفتن لإسقاطها على الواقع، وفي هذا محاذيرُ كثيرةٌ من أهمِّها: أولاً: عدم البحث عن صحتها ، وقبولها على عواهنها، وإن كانت موضوعة أو واهية. ثانياً: تحريف معانيها ، وإخراجها عن مراد المتكلّم بها، من خلال معاناة وضغوط الواقع على الباحث فيها، أو القارئ لها (٣) ، بحيث يأخذها أخذاً أوليّاً، بمعزل عن سائر ما ورد في الباب، أو يستنبط منها أشياء على غير قواعد أهل

стр. 598

العلم في الاستدلال. ثالثاً: من أسوأ أنواع هذا التحريف وأخطره التعدّي على المُسَلَّمات والقواعد الكليات ، سواء فيما يخص الشرع بعامة، أو الفتن بخاصة؛ مثل: تحديد موعد قيام الساعة، أو موعد خروج المهدي (١) ، أو موعد زوال دولة يهود ... وهكذا. رابعاً: أخطر ما رأيت على الإطلاق في التعامل مع أحاديث الفتن (٢) فهمها على قواعد أهل الباطل: اليهود وأهل الباطن، إذ أحاديث الفتن -قبل وقوعها- أشبه ما تكون بتأويل (المتشابه) ، فيراعى في المؤول به أوصاف؛ هي: ١٦- كون الظاهر منها هو المفهوم العربي، فلا تشرع الزيادة على الجريان على اللسان العربي؛ مثل: حساب الجُمَّل ، أو الإعجاز العددي. ومن اشتغل بذلك فهو من باب التشبه باليهود (٣) ، وقد يستدل عليه بما أخرجه البخاري في «التاريخ الكبير» (٣/٢٠٨) ، وابن جرير في «التفسير» (١/٢١٦ رقم ٢٤٦ - ط. شاكر) -واللفظ له-، وأبو عمرو الداني في «البيان في عدّ آي القرآن» (ص ٣٣٠-٣٣١) من طريق ابن إسحاق، قال: حدثني

стр. 599

الكلبي عن أبي صالح، عن ابن عباس، عن جابر بن عبد الله بن رِئاب، قال: «مر أبو ياسر بن أخطب [في رجال من اليهود] برسول الله ﵌ وهو يتلو فاتحة سورة البقرة: ﴿ألم. ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ﴾ ، فأتى أخاه حُيَي بن أخطب [في رجال] من يهود، فقال: تعلمون والله لقد سمعت محمداً يتلو فيما أنزل الله عليه: ﴿ألم. ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ﴾ ! فقالوا: أنت سمعتَه؟ قال: نعم. قال: فمشى حيُي بن أخطب في أولئك النفر من يهود إلى رسول الله ﵌ فقالوا له: يا محمد! ألم يُذكر لنا أنك تتلو فيما أنزل عليك: ﴿ألم. ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ ؟ فقال رسول الله ﷺ : بلى. فقالوا: أجاءك بهذا جبريل من عند الله؟ قال: نعم. قالوا: لقد بعث الله قبلك أنبياء ما نعلمه بُيِّنَ لنبيٍّ منهم مدةُ ملكه، وأجلُ أمته غيرك. فقال حيي بن أخطب، وأقبل على من كان معه، فقال: الألف واحدة واللام ثلاثون، والميم أربعون، فهذه إحدى وسبعون. أفتدخلون في دين نبي إنما مدةُ مُلكه وأجلُ أمته إحدى وسبعون سنة؟ قال: ثم أقبل على رسول الله ﷺ ، فقال: يا محمد! هل مع هذه غيره؟ قال: «نعم. قال: ماذا؟ قال: ﴿ألمص﴾ [الأعراف: ١] » . قال: هذه أثقل وأطول: الألف واحدة، واللام ثلاثون، والميم أربعون، والصاد تسعون؛ فهذه إحدى وستون ومئة. هل مع هذا يا محمد غيره؟ قال: «نعم. قال: ماذا؟ قال: ﴿ألر﴾ [يوسف: ١] » . قال: هذه -والله- أثقل وأطول: الألف واحدة، واللام ثلاثون، والراء مئتان؛ فهذه إحدى وثلاثون ومئتا سنة. فقال: هل مع هذا غيره يا محمد؟ قال: «نعم، ﴿ألمر﴾ [الرعد: ١] » . قال: فهذه أثقل -والله- وأطول: الألف واحدة، واللام ثلاثون، والميم أربعون، والراء مئتان؛ فهذه أحدى وسبعون ومئتا سنة. ثم قال: لقد لُبِّس علينا أمرك يا محمد، حتى ما تُدرَى أقليلاً أُعطيت أم كثيراً. ثم قاموا عنه، فقال أبو ياسر لأخيه حيي بن أخطب ومن معه من الأحبار: ما يدريكم لعله قد جُمع لمحمد هذا كله إحدى وسبعون، وإحدى وستون ومئة، ومئتان وإحدى وثلاثون، ومئتان وإحدى وسبعون؛ فذلك سبع مئة وأربع وثلاثون.

стр. 600

فقالوا: لقد تشابه علينا أمره» . والخبر بنحوه في «سيرة ابن هشام» (٢/٥٤٥) . وهذا الاستدلال باطل من جوه؛ هي: إسناده ضعيف (١) ، فيه الكلبي، وهو ممن لا يحتج به إذا انفرد، ومدار الحديث عليه. قاله ابن كثير في «تفسيره» (١/٢٥٨ - ط. أولاد الشيخ) ، والشوكاني في «فتح القدير» (١/٢٠) . وأما على فرض صحته، فالجواب عليه من وجوه تأتي، وقد ظفرتُ برسالة للعلامة محمد بن إسماعيل الأمير الصنعاني في ورقتين (٢) ، فيها جواب على مدى اعتبار حروف (الجمل) ، قال بعد نقله ما في «القاموس المحيط» (٣) عن (أبجد) وأنها اصطلاح لملوك مدين: «فهذا أصل هذه الكلمات لغة، وفيه دلالة أن من جعل حروفها أعداداً ليس من وضع اللغة، وإنما هو أمر اصطلاحي، ويدل عليه اختلاف أهل الغرب وأهل الشرق في ذلك؛ فإنّ السين المهملة تعد ثلاث مئة عند الأولين، وستون عند الآخرين، والصاد -أي: المهملة- ستون عند أهل الغرب، وتسعون عند أهل الشرق؛ كما ذكره عنهم الحافظ ابن حجر (٤) ، وإذا كان أمراً عرفيّاً فالأمر فيه سهل. وأما أهل اللغة العربية فمعلوم أنهم لا يعرفون ذلك، ومن الآثار ما يشعر بأنه عُرف لليهود، ... » وساق الخبر الذي ذكرناه، وقال:

стр. 601

«فهذا دليل أن ذلك كان من عرف اليهود واصطلاحهم، ومن المعلوم قطعاً أنه لم يكن ذلك من لغة العرب، كما يعلم قطعاً أن العرب لم تعارض القرآن، فما هو إلا من علم اليهود ومن أوضاع أسحارهم، وقد ثبت عن ابن عباس النهي عن عد أبي جاد، والإشارة إلى أن ذلك من السحر (١) ، وأما ما يفعل الشعراء من التاريخ بذلك العدد فلا بأس به، وغايته أنهم يختارون كلمة بذلك العدد، فيها حال يُطابق ما فعلوه له، والفأل الحسن لا بأس به، فذلك هو سنة، إذا كان على أسلوبه، إلا أن ما روي عن ابن عباس من النهي عنه ما يقضي بأنه لا يُفعل ذلك في شيء، وكلامنا في غير ما يفعلونه، وهو علم الأوفاق الذي ستعرفه. فإن قلت: فقد أقر رسول الله ﵌ حُيي بن أخطب على تفسير تلك الحروف بالأعداد!! قلت (٢) : أما أولاً: فمعلوم أن تلك الحروف ليست موضوعة للأعداد في العربية ، وقد عُلم أنه -تعالى- أنزل القرآن عربيّاً فلا يُفسَّر العربي إلا بالأوضاع العربية لا بالأوضاع العبرانية. وأما ثانياً: فقد عُلم مخالفته ﵌ لليهود في أفعالهم وأقوالهم ؛ فسكوته عن الإنكار هذا كسكوته عن الإنكار إذا مروا إلى كنائسهم.

стр. 602

وأما ثالثاً: فلأنهم منكرون أنه كلام الله، فهم فسروا على تسليم أنه تفسير كلام كاذب عندهم . وأما رابعاً: فلأنه يحتمل أن سكوته أراده لإغاظتهم وتحزينهم ؛ فإنه يعلم أن بقاءه يوماً واحداً مما يسوءهم ويحزنهم فضلاً عن أعوام. وأما خامساً: فلأنه معلوم أن هذا ليس من لغته ولا لغة قومه ، فكأنه يقول: إذا كان عرفاً لكم أو لغة عندكم فأنتم تعلمون أنه ليس لغةً لنا ولا هو عُرفنا، وإنما هو شيء جئتم به من تلقاء أنفسكم، فلا يُنكر عليهم أن يتعارفوا بينهم بأي لفظ (١) . فإن قلت: ومن أين علمنا أنه ليس من لغته ولا لغة قومه؟! قلت: عرفناه بأنه لم يأت حرف واحد عن صحابي ولا تابعي بهذا، مع أنه قد نقل إلينا تفاسيرهم لكلام الله، بل هذا معلوم يقيناً أنه ليس من لغة العرب فقد دونها أئمة اللغة وبذلوا فيها وسعهم وتتبعوها في البوادي وغيرها، ولا تجد كتاباً لغويّاً فيه شيء من هذا، وأن الحرف مُسَمَّاهُ كذا من العدد هذا أمر مقطوع بعدم وقوعه لغةً فتعين أنه أمر اصطلاحي لا حجر فيه ولا ضير على متعاطيه، ونهي ابن عباس عنه، وأنه من السحر يدلُّ أنه عَرَفَ أنه

стр. 603

اصطلاحٌ لليهود يستعملونه في الأسحار» انتهى. وقال العلامة السلفي ابن كثير في «تفسيره» (١/٢٥٧ - ط. أولاد الشيخ) بصدد تفسيره للحروف المقطعة: «وأما من زعم أنها دالة على معرفة المدد (١) ، وأنه يستخرج من ذلك أوقات الحوادث والفتن والملاحم، فقد ادّعى ما ليس له، وطار في غير مطاره، وقد ورد في ذلك حديث ضعيف ... » وأورد ما سقناه (قصة أبي ياسر بن أخطب) . وكلام ابن كثير -رحمه الله تعالى- فَصْلٌ في هذه المسألة، والدلالة المزعومة في القصة ليست دلالة عربية، وإنْ دافعَ البيضاوي عنها حين قرر: «فإن تلاوته إياها بهذا الترتيب عليهم وتقريرهم على استنباطهم دليل على ذلك وهذه الدلالة، وإن لم تكن عربية، لكنها لاشتهارها فيما بين الناس حتى العرب تلحقها بالمعربات؛ كالمشكاة والسجيل والقرطاس» (٢) فإنه ينال من قوله ما سبق الحديث عنه من عربية القرآن مع ضميمة أن الجهة منفكة؛ إذ إن لهذا دلالة لغوية، ولما نحن فيه دلالة رياضية قد تمت للفلك بصلة لا للغة، وحساب الجمل وطرائقه قوام السحر وطلاسمه، ومن ثم قرر ابن حجر، وهذا باطل لا يُعتمَدُ عليه، فقد ثبت عن ابن عباس ﵁ الزجر عن عد أبي جاد، والإشارة إلى أن ذلك من جملة السحر، وليس ذلك ببعيد؛ فإنه لا أصل له في الشريعة» (٣) . وفيم هذه الرواية؟ هل يحدث هذا بين رسول الإسلام، والحوار إنما هو رجم بالغيب إذ يكشف عن الرغبة في معرفة مدة بقاء هذه الأمة، تعييناً لموعد

стр. 604

الساعة، وفرق بين أن نطلب التعرف على وقتها والوقوف على حينها، وبين أن نتلمس صفاتها وأحوالها كما صرح بذلك ابن تيمية (١) . ولم هذا السؤال؟ إن الغاية التي يبحثون عنها أو يراد الوصول إليها مساومة عجيبة، هي تحديد موقفهم من الإسلام بناءً على هذا اللون من التأويل، ومن ثم قال الشوكاني: «فانظر ما بلغت إليه أفهامهم من هذا الأمر المختص بهم من عدد الحروف، مع كونه ليس من لغة العرب في شيء، وتأمل أي موضع أحق بالبيان من رسول الله ﷺ من هذا الموضع، فإن هؤلاء الملاعين قد جعلوا ما فهموه عند سماع ﴿ألم. ذلك الكتاب﴾ من ذلك العدد موجباً للتثبيط عن الإجابة له، والدخول في شريعته، فلو كان لذلك معنىً يُعقَلُ ومدلولٌ يفهم؛ لدفع رسول الله ﷺ ما ظنوه بادئ بدء، حتى لا يتأثر عنه ما جاءوا به من التشكيك على من معهم» (٢) . ومثل هذا تماماً -ولا يختلف عنه ألبتة- الاستدلال بعدد الحروف في النصوص على أمور غيبية؛ كخرافة الاستدلال ببعض الآيات (٣) على ما جرى في (أمريكا) من أحداث ١١/٩/سنة ٢٠٠١م، الذي كان له أثر ظاهر في مجرى الأحداث فيما بعد، ولا سيما على (أفغانستان) و (العراق) . وهذه كذبة لها قرون -كما يقولون-، فالتوقيت الميلادي لا اعتبار له في

стр. 605

شرعنا، والعد المزعوم كذب، فعدد الحروف ليس هو المزعوم في النظرية، ولا أدري لمصلحة من تروج هذه المعلومات الخاطئة؟! والعجب من جرأة بعضهم لما يؤيد مثل هذا اللون من الخرافة، ويطعن في كتب التفسير: «إن كتب التفسير كتب تقليدية، ولا تفي بمتطلبات العصر» (١) !! ولماذا هذه الطلاسم والألغاز والأسرار، وهل فهمها على هذا النحو أحد من أهل العلم والديانة ممن هم قبلنا؟! أفلا يسعنا ما وسعهم، لنصل إلى ما وصلوا إليه، وليجتمع لنا خيرا الدنيا والآخرة؟! فالمنهج القرآني (٢) مع الأحداث لا يهتم بمثل هذا ولا بما هو فوقه من تعيين الأماكن والبلدان، وتسمية الأشخاص وبيان ألوانهم وأنسابهم، وإنما هذا من شغل أصحاب الأكاذيب والأراجيف، ومن في قلوبهم شك، أو في عقولهم خلل، أو لهم مآرب مشبوهة (٣) ، فتركوا ما هو يقين، وأخذوا يبحثون بظن وتخمين، بطريقة غير مسلوكة ولا معروفة، لا عند الصحابة ولا التابعين ومن سار على نهجهم إلى يوم الدين. وعجبي لا ينتهي من هؤلاء؛ إذ أنهم يتلاعبون بعقول الناس، فمثلاً صاحب كتاب «عجيبة تسعة عشر» (٤) حسب حسابات معينة، فضرب تارة، وقسم أخرى، وجمع ثالثة، وخرج بأن دولة يهود ستزول سنة (٢٠٢٢م) !! ولو فعل غيره فعلته، وأبدل هذه العمليات، لخرجت معه نتائج أخرى، وهكذا الظنون والتخرصات، فإنها لا أصل لها ولا قواعد، وهذا الذي نعيبه على من

стр. 606

سلك هذا المسلك (١) . ورحم الله ابن العربي المالكي، لما قال في «فوائد رحلته» (٢) : «ومن الباطل (٣) : علم الحروف المقطعة في أوائل السور، وقد تحصل

стр. 607

لي فيها عشرون قولاً وأزيد، ولا أعرف أحداً يحكم عليها بعلم، ولا يصل منها إلى فهم» . وأخيراً ... فما «يسمى بالإعجاز العددي على الرغم من إعجاب كثير من الناس به، لا تجد له تلكم الفوائد العلمية، وذلكم الأثر الواقعي الذي من شأنه أن يهذب النفس، ويظهر مضمراته، أو يطلعنا على أسرار الكون، إنه أقرب ما يكون إلى الترف العقلي المجرد، وإني لأتعجب من كثير من الكاتبين الفضلاء الذي أرادوا أن يجعلوا للإعجاز العددي -كما يقولون- أصلاً في تراثنا الإعجازي!» (١) . والخلاصة: إن كلَّ معنىً مستنبطٍ من أحاديث الفتن غيرُ جارٍ على اللسان العربي، فليس من علوم الشريعة في شيء، لا مما يستفاد منه، ولا مما يستفاد به، ومن ادّعى فيه ذلك، فهو في دعواه مبطل. ويراعى في المؤول به وصف آخر؛ وهو: ٢- أن يرجع إلى معنىً صحيحٍ في الاعتبار، ويكونُ اللفظُ المؤولُ به قابلاً له؛ وذلك أن الاحتمالَ المؤولَ به يقبله اللفظ بحسب اللغة، ويجري على المقاصد العربية، أو يكون له شاهدٌ نصّاً أو ظاهراً في محلٍّ آخرَ يشهدُ لصحته من غير معارض. ذلك؛ إنه إن لم يكن كذلك صار جملة من (الدعاوى) التي تُدَّعى على الشريعة، والدعوى المجردة غير مقبولة باتفاق العلماء، وبهذا يتبيّن بطلان ما عليه أهل الباطن، من الاستدلالات غير المعتبرة، التي لم تَجْرِ على مقتضى العلم، وجلُّ كلامهم (٢) مما يتخلف فيه شرط قبول اللفظ المؤول له.

стр. 608

ويتفرّع على هذا مما له صلة بموضوع كتابنا، ما يذكره غير المنضبطين بقواعد العلماء في الاستدلال والاستنباط من تحريف للأسماء الواردة في الأخبار -وجلها واهية غير ثابتة- بإسقاطات على شخصيات معاصرة (١) ، فلا هم على الصحيح اقتصروا، ولا قواعد العلماء اعتمدوا، وإنما قرأوا الأخبار بعقلية فيها قناعاتٌ سابقةٌ، وعملوا على تنزيلٍ الأحاديثِ على أحداثٍ مُتَخيَّلَة متصورة، وتمحوروا حولها، وبحثوا عن استدلالات لها، على أي وجه كان، ومن أي مصدر، وأظهروا ذلك بلبوس أحاديث الملاحم والفتن، فلو بقيت على تنبآت أصحابها من غير أهل الديانة، لكان لها شأن آخر، ومعالجة بطريقة أخرى، ولكن إلى الله المشتكى، ويا مقلب القلوب والعقول ثبِّتْ قلوبَنا وعقولنا على دينك. خامساً: ومن زلات قراءة أحاديث الفتن لإسقاطها على الواقع أمور خطيرة تؤثر بقوة على حجية المصادر التي ينبغي أن تؤخذ منها، وأن يوضع كلٌّ في محله ودرجته من حيث قوةُ الاحتجاج، فالذي نلاحظه بقوة في الآونة الأخيرة (٢) الاعتماد الكلي، والأخذ التسليمي بما في كتب أهل الكتاب، وإشغال الناس بذلك، وكأنه أمر قطعي! وله عندهم من ظاهر صنيعهم قوة ما في القرآن الكريم وصحيح السنة! بل أصبحت الأخبار المأخوذة من هذه الكتب هي السائدة في المجالس العامة، وتتناقلها الألسنة، وأصبحت

стр. 609

الأحاديث الصحيحة في بابتها مهجورة، ولا تكاد تسمع أحداً يذكر شيئاً منها، على الرغم ما فيها من خير وبركة، ولِمَا لذلك من أهمية وضرورة، ليس هذا موضع بسطها. والأمر لم يقتصر في السوء على هذا الحد، بل تجاوزه إلى اعتماد ما ليس بمعتَمَدٍ، والاحتجاج بما لا زِمامَ له ولا خِطامَ، ولا سيما في وقت الفتن، فيخرج علينا فيها بين الحين والحين خبرٌ مصنوعٌ، مأخوذ من مصدر ساقط (١) ،

стр. 610

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 611

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 612

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 613

ما أنزل الله به من سلطان، كما حصل في (فتنة الخليج الأولى) فيما يخص

стр. 614

حديث (صادم) (١) ، ... وما أشبهه. سادساً: ومن زلات ذلك الصنيع -أيضاً-: الهجوم بجرأة متناهية على أمور الغيب الوارد ذكرُها في نصوص الوحي وربطها بأحداث واقعيّة أو متوقّعة، دون أية أمارة أو إشارة إلى صحة هذا الربط، كما صنع غير واحد ... -مثلاً- من ربط (مثلث برمودا) بالدجال، والجزم بذلك، وغيرُه ممن هو على شاكلته كثير (٢) . فصل في بيان أنواع العلوم والمناهج المتبعة للوصول إلى الحقائق والواجب على كل باحث عن الحقيقة أن يخطَّ إليها منهجاً علميّاً لا يشوبه الظن والوهم، وأن يلتزم بالقواعد المسلوكة الموصلة إليها، واندفاع المسلم إلى ذلك مصحوب بشعور منه بأن ذلك واجب شرعي عليه، ولا سيما إذا كان فيما له تعلق بالآيات والأحاديث، وموضوع أي بحث إما أن يكون (خبراً) منقولاً، أو (دعوى) مزعومة (٣) ، فالمنهج العلمي يقضي في (الخبر المنقول) بحصر تحقيق صحة نسبته إلى قائله، وإزاحة ما يمكن أن يكون مثاراً للدخيلة والاحتمال عنه، فإن زال ذلك، ترتب عليه حقيقة علمية معينة، وأما مع وجود الاحتمال والظن، فإنه لا يرقى أن يكون حقيقة مسلّمة أو مقبولة، كما هو شأن المستدلين بما سبق التنويه عليه قريباً.

стр. 615

والمنهج العلمي يقضي -أيضاً- فيما هو (دعوى) بالتوجه إلى (نوع الدليل) الذي يناسبها، فالدعاوى المتعلّقة بطبائع الأشياء المادية وجوهرها تحتاج إلى دليل علمي تجريبي محسوس، والدعاوى المتعلقة بالمجردات؛ كالأرقام، والنفس، والمنطق، تحتاج إلى براهينها القانونية المسلَّمة، والدعاوى المتعلقة بالحقوق والأمور القضائية فيما يقع فيه خلاف بين المتنازعين لا ينفع معها إلا البيّنات والحجج المتفق على ضرورة ارتباطها معها، وهكذا لا تصبح الدعاوى حقائق علمية ثابتة إلا بعد أن يقترن بها الدليل الذي يناسبها، فالدليل في غير هذا الحال ليس له أية قيمة علمية. ورحم الله ابن تيمية؛ فإنه قال في كتابه «الاستغاثة والرد على البكري» (٢/٦٢٨-٦٢٩) بعد كلام: «والعلم شيئان: إما نقل مصدَّق، وإما بحث محقَّق؛ وما سوى ذلك فهذيان مسروق، وكثير من كلام هؤلاء هو من هذا القسم؛ من الهذيان (١) ، وما يوجد فيه من نقل فمنه ما لا يميز صحيحه عن فاسده، وفيه ما لا ينقله على وجهه، ومنه ما يضعه في غير موضعه، وأما بحثه واستدلاله على مطلوبه فمن العجائب، فلا يتحقق جنس الأدلة حتى يميز بين ما يدل وما لا يدل، ولا مراتب الأدلة حتى يقدم الراجح على المرجوح إذا تعارض دليلان» ، قال: «وقد قيل: (إنّما يُفسد الناسَ نصفُ متكلم، ونصفُ فقيه، ونصفُ نَحْوِيّ، ونصفُ طبيب؛ هذا يُفسد الأديان، وهذا يُفسد البلدان، وهذا يُفسد اللسان، وهذا يُفسد الأبدان) ، لا سيما إذا خاض هذا في مسألة لم يسبق إليها عالم ولا معه فيها نقل عن أحد، ولا هي من مسائل النزاع بين العلماء فيختار أحد القولين، بل هجم فيها على ما يخالف دين الإسلام المعلوم بالضرورة

стр. 616

عن الرسول ﷺ » . وبناءً عليه؛ فإن ربط الأحاديث بأحداث على طريقة لا انسجام بينهما، ولا تعلق للدليل بالحادثة أو القضية المبحوثة إلا الاحتمال والظن رجم بالغيب، ولعب على العقول، وخروج عن المنهج العلمي الصحيح، وهذا الذي نقوله بكل طمأنينة عن الأبحاث والنشرات (١) والكتب (٢) التي فيها إثارة ولفت نظر من خلال عناوين براقة جذابة، تصادف رغبة مركوزة في النفس لاستشراف شيء من الغيب بمعرفة ما سيحصل، ولا سيما عند حصول الآلام والنكبات والأزمات بمستقبل بلدٍ أو شعب ما. وما لم نحرص على المنهج العلمي الذي نوّهنا به سابقاً؛ فإننا سنبقى في تخبُّط، ونعرِّض نصوص الوحي إلى التكذيب، أو الاستهزاء، أو الانتقاص، أو التغيير والتبديل. فصل في عدم تطبيق أحاديث الفتن على الواقع الذي نعيش ويعجبني بهذا الصدد ما قاله الشيخ العلامة المتفنِّن صالح بن عبد العزيز آل الشيخ في كتابه «الضوابط الشرعية لموقف المسلم من الفتن» (ص ٥٢-٥٣) في آخر تلك (الضوابط والقواعد) : «أن لا تطبق -أيها المسلم- أحاديث الفتن على الواقع الذي تعيش فيه؛ فإنه يحلو للناس عند ظهور الفتن مراجعة أحاديث النبي ﷺ في الفتن، ويكثر

стр. 617

في مجالسهم: قال النبي ﷺ كذا؛ هذا وقتها، هذه هي الفتنة! ونحو ذلك. والسلف علمونا أن أحاديث الفتن لا تنزّل على واقع حاضر، وإنما يظهر صدق النبي ﷺ بما أخبر به من حدوث الفتن بعد حدوثها وانقضائها، مع الحذر من الفتن جميعاً. فمثلاً: بعضهم فسر قول النبي ﷺ : «إن الفتنة في آخر الزمان تكون من تحت رجل من أهل بيتي» ؛ بأنه فلان ابن فلان، أو أن قول النبي ﷺ : «حتى يصطلح الناس على رجل كورك على ضلع» ؛ بأن المقصود به فلان ابن فلان، أو أن قول النبي ﷺ : «يكون بينكم وبين الروم صلح آمن ... » إلى آخر الحديث وما يحصل بعد ذلك؛ أنه في هذا الوقت. وهذا التطبيق لأحاديث الفتن على الواقع، وبث ذلك في المسلمين، ليس من منهج أهل السنة والجماعة. وإنما أهل السنة والجماعة يذكرون الفتن وأحاديث الفتن؛ محذِّرين منها، مباعدين للمسلمين عن غشيانها أو عن القرب منها؛ لأجل أن لا يحصل بالمسلمين فتنة، ولأجل أن يعتقدوا صحة ما أخبر به النبي ﷺ » (١) .

стр. 618

فصل الاستفادة من أحاديث الفتن بمنهج علمي منضبط وخطأ فرقتين جائرتين عن قصد السبيل قال أبو عبيدة: لكن مع هذا؛ يجب علينا أن نستفيد من الأحاديث الواردة في الفتن، بمنهج علمي منضبط (١) ، وأن نتعامل معها بعد التأكّد من صحتها وثبوتها بعدل، فلا نظلم أنفسنا بإهدارها، ولا نظلمها بأن نتعجل وقوعها، بل الواجب التّعوّذ منها، والعمل على محاربتها بغزوها، فإننا إن لم نحارب الفتنة بتجفيف منابع تكوينها؛ أتتنا، وإن لم نحاربها؛ جاءتنا، والذي أُراه في التعامل مع أحاديث الفتن خطأ فرقتين، كلٌّ منهما جائرة عن قصد السبيل؛ هما: الأولى: تلقّت هذه الأحاديث على منهج أهل الجبر، وتعجَّلت البلاء قبل وقوعه ، ووقفت أمامها مكتوفة الأيدي، لا تحرك ساكناً فيما أمرها الله به من سلوك أسباب التغيير، والأخذ به، وهؤلاء عطّلوا المقصد الأصلي من أحاديث الفتن، فإن النبي ﷺ أخبرنا بها؛ لنحذرها ونحذِّر منها، ولنحفّز قوانا النفسيّة للاستعداد لها، بحيث تأتي الشدائد فيقول المؤمن: «هذه مهلكتي» (٢) لا يغيِّر ولا يبدِّل، ولذا حرص النبي ﷺ على المسلمين أن يبقوا بعيدين عن الفتن العُمِّية التي تقع فيما بينهم، وأن يتوجّهوا في ذلك الوقت للعبادة، وبيّنَ

стр. 619

دعاةَ الفتنةِ وأوصافَهم، وما سيطرأ من أثر لهم في المجتمع من الداخل، وكذلك ما سيكون بين المسلمين وأعدائهم من الروم وغيرهم من الملاحم من الخارج، وبالغ ﷺ جدّاً في التحذير من الدجال وبيان صفاته وسبل الوقاية منه. ولذا كان من الضوابط العلمية في التعامل مع الفتنة -ما قدمناه- من عدم تطبيقها على الواقع الحاضر؛ بمعنى: أن لا نكون قدريين في فهمها، وانتظار حلولها؛ ذلك أن الله -تعالى- أراد منا، وأراد بنا، فالسعيد من انشغل بماذا أراد الله منه، وحذر أن يراد به ما لا يرضاه ولا يحبه، والمخذول من انشغل بماذا أراد الله به عن الذي أراده منه. وأبرز مثال يذكر على هذا: (المهدي) ﵇، فالناس السذج يتصورون أن معه قوة خارقة، وعصاً سحريةً بواسطتها تتغير الأمور، ويقود العالم، وينشر الإسلام، ولا شك أنه ﵇ مُؤيَّد من الله ، ولكنه يأخذ بالأسباب بحنكة وعلم ومعرفة لما يلزم، ويهديه الله إليها، ومن خلال ذلك تقع البركة على يديه. وكشف عن ذلك شيخنا الألباني -رحمه الله تعالى- في كثير من مجالسه وكتبه، وأقتصر على نقلين عنه ﵀ يوضِّحان المراد: قال في «سلسلة الأحاديث الصحيحة» (٤/٤٢-٤٣) : «واعلم -يا أخي المسلم- أنّ كثيراً من المسلمين اليوم قد انحرفوا عن الصواب في هذا الموضوع؛ فمنهم من استقر في نفسه أنّ دولة الإسلام لن تقوم إلا بخروج المهدي! وهذه خرافة وضلالة ألقاها الشيطان في قلوب كثير من العامة، وبخاصة الصوفية منهم، وليس في شيء من أحاديث المهدي ما يشعر بذلك مطلقاً، بل هي كلها لا تخرج عن أنّ النبي ﷺ بشر المسلمين برجل من أهل بيته، ووصفه بصفات بارزة أهمها أنه يحكم بالإسلام وينشر

стр. 620

العدل بين الأنام، فهو في الحقيقة من المجددين الذين يبعثهم الله في رأس كل مئة سنة -كما صح عنه ﷺ ، فكما أنّ ذلك لا يستلزم ترك السعي وراء طلب العلم والعمل به لتجديد الدين، فكذلك خروج المهدي لا يستلزم التواكل عليه وترك الاستعداد والعمل لإقامة حكم الله في الأرض، بل العكس هو الصواب، فإن المهدي لن يكون أعظم سعياً من نبينا محمد ﷺ الذي ظل ثلاثاً وعشرين عاماً وهو يعمل لتوطيد دعائم الإسلام، وإقامة دولته، فماذا عسى أنْ يفعل المهدي لو خرج اليوم فوجد المسلمين شيعاً وأحزاباً، وعلماءهم -إلا القليل منهم- اتخذهم الناس رؤوساً! لما استطاع أن يقيم دولة الإسلام إلا بعد أن يوحد كلمتهم ويجمعهم في صف واحد، وتحت راية واحدة، وهذا -بلا شك- يحتاج إلى زمنٍ مديدٍ اللهُ أعلم به، فالشرع والعقل معاً يقتضيان أن يقوم بهذا الواجب المخلصون من المسلمين، حتى إذا خرج المهدي، لم يكن بحاجة إلا أن يقودهم إلى النصر، وإن لم يخرج فقد قاموا بواجبهم، والله يقول: ﴿وَقُل اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُم ورَسُولُه﴾ [التوبة: ١٠٥] . ومنهم -وفيهم بعض الخاصة- من علم أنّ ما حكيناه عن العامة أنه خرافة، ولكنه توهم أنها لازمة لعقيدة خروج المهدي فبادر إلى إنكارها، على حد قول من قال: «وداوني بالتي كانت هي الداء» ! وما مثلهم إلا كمثل المعتزلة الذين أنكروا القدر لما رأوا أنّ طائفة من المسلمين استلزموا منه الجبر!! فهم بذلك أبطلوا ما يجب اعتقاده، وما استطاعوا أن يقضوا على الجبر! وطائفة منهم رأوا أنّ عقيدة المهدي قد استغلت عبر التاريخ الإسلامي استغلالاً سيئاً، فادعاها كثير من المغرضين، أوالمهبولين، وجرت من جراء ذلك فتن مظلمة كان من آخرها فتنة مهدي (جهيمان) السعودي في الحرم المكي، فرأو أنّ قطع دابر هذه الفتن، إنما يكون بإنكار هذه العقيدة الصحيحة!

стр. 621

وإلى ذلك يشير الشيخ الغزالي عقب كلامه السابق! وما مثل هؤلاء إلى كمثل من ينكر عقيدة نزول عيسى ﵇ في آخر الزمان التي تواتر ذكرها في الأحاديث الصحيحة؛ لأن بعض الدجاجلة ادعاها؛ مثل: ميرزا غلام أحمد القادياني، وقد أنكرها بعضهم فعلاً صراحة؛ كالشيخ شلتوت (١) ، وأكاد أقطع أن كل من أنكر عقيدة المهدي ينكرها -أيضاً-، وبعضهم يظهر ذلك من فلتات لسانه، وإن كان لا يبين، وما مثل هؤلاء المنكرين جميعاً عندي إلا كما لو أنكر رجل ألوهية الله بدعوى أنه ادعاها بعض الفراعنة! ﴿فَهَل مِن مُدَّكِر﴾ [القمر: ١٥] » . وقال في كتابه «قصة المسيح الدجال» (ص٣٦-٣٨) بعد كلام: «لا يجوز للمسلمين اليوم أنْ يتركوا العمل للإسلام وإقامة دولته على وجه الأرض؛ انتظاراً منهم لخروج المهدي ونزول عيسى -عليهما الصلاة والسلام- يأساً منهم، أو توهماً أنّ ذلك غير ممكن قبلهما! فإنّ هذا توهم باطل، ويأس عاطل، فإنّ الله -تعالى- أو رسوله ﷺ لم يخبرنا أن لا عودة للإسلام ولا سلطان له على وجه الأرض إلا في زمانهما، فمن الجائز أن يتحقق ذلك قبلهما إذا أخذ المسلمون بالأسباب الموجبة لذلك؛ لقوله ... -تعالى-: ﴿إنْ تَنصُرُوا اللهَ يَنصُرْكُم ويُثَبِّت أقدَامَكم﴾ [محمد: ٧] ، وقوله: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللهُ مَن يَنصُرُه إنّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزيز﴾ [الحج: ٤٠] . ولقد كان هذا التوهم من أقوى الأسباب التي حملت بعض الأساتذة المرشدين والكُتّاب المعاصرين على إنكار أحاديث المهدي وعيسى -عليهما

стр. 622

السلام-على كثرتها وتواترها- لما رأوا أنها عند المتوهمين مدعاة للتواكل عليها وترك العمل لعز الإسلام من أجلها! فأخطؤوا في ذلك أشد الخطأ من وجهين: الأول: أنهم أقرّوهم على هذا التوهم؛ على اعتبار أنّ مصدره تلك الأحاديث المشار إليها؛ وإلا لم يبادروا إلى إنكارها! والآخر: أنهم لم يعرفوا كيف ينبغي عليهم أن يعالجوا التوهم المذكور؟ وذلك بإثبات الأحاديث، وإبطال المفاهيم الخاطئة من حولها، وما مثلهم في ذلك إلا كمثل من أنكر عقيدة الإيمان بالقدر خيره وشره؛ لأنّ بعض المؤمنين به فهموا منه أن لازمه الجبر، وأن المكلف لا كسب له ولا اختيار، ولما كان هذا الفهم باطلاً بداهة سارعوا إلى إنكاره، ولكنهم أنكروا معه القدر -أيضاً-؛ لتوهمهم -أيضاً مع المتوهمين- أنه يعني الجبر، فوافقوهم في خطئهم في التوهم المذكور، ثم زادوا عليهم خطأً آخر -فراراً من الأول- وهو إنكارهم القدر نفسه! فلولا أنهم شاركوهم في فهمهم منه الجبر لما أنكروه! وهذا هو عين ما صنعه البعض المشار إليه من الأساتذة والكُتّاب، فإنهم لما رأوا تواكل المسلمين -إلا قليلاً منهم- على أحاديث المهدي وعيسى؛ بادروا إلى إنكارها لتخليصهم بزعمهم من التواكل المذكور! فلم يصنعوا شيئاً؛ لأنهم لم يستطيعوا تخليصهم بذلك من جهة؛ ولا هم كانوا على هدىً في إنكارهم للأحاديث الصحيحة من جهة أخرى. والحقيقة أنّ هؤلاء المنكرين -الذين يفهمون من هذه الأحاديث ما لا تدل عليه من التواكل المزعوم، ولذلك يبادرون إلى إنكارها تخلّصاً منه- قد جمعوا بين المصيبتين: الضلال في الفهم، والكفر بالنص! ولكنهم عرفوا أن الفهم المذكور ضلال في نفسه؛ فأنكروه بإنكار النص الذي فهموا ذلك منه! وعكس ذلك العامة؛ فآمنوا بالنص مع الفهم المذكور، فمع كل من الفريقين

стр. 623

هدىً وضلال، والحق الأخذ بهدى كل منهما، ونبذ الضلال الذي عندهما؛ وذلك بالإيمان بالنص دون ذلك الفهم الخاطئ. وما مثل هؤلاء وهؤلاء إلا كمثل المعتزلة من جهة؛ والمشبِّهة من جهة أخرى، فإن الأولين تأولوا آيات وأحاديث الصفات بتأويلات باطلة أودت بهم إلى إنكار الصفات الإلهية، وما حملهم على ذلك إلا فرارهم من التشبيه الذي وقع فيه المشَبهة، والحقيقة أن المعتزلة أنفسهم شاركوا المشبِّهة في فهم التشبيه من آيات الصفات، ولكنهم افترقوا عنهم بإنكار التشبيه بطريق التأويل الذي هو باطل -أيضاً-؛ كالتشبيه؛ لما لزم منه من إنكار الصفات الإلهية، وأما المشبِّهة فلم يقعوا في هذا الباطل، ولكنهم ثبتوا على التشبيه، والحق الجمع بين صواب هؤلاء وهؤلاء، ورد باطل هؤلاء وهؤلاء؛ وذلك بالإثبات والتنزيه؛ كما قال الله -تعالى-: ﴿لَيسَ كَمِثْلِه شيءٌ وهو السّميع البَصير﴾ [الشورى: ١١] . وكذلك أقول في أحاديث نزول عيسى ﵇ وغيرها؛ فإن الواجب فيها إنما هو الإيمان بها، وردّ ما توهمه المتوهمون منها؛ من ترك العمل والاستعداد الذي يجب القيام به في كل زمان ومكان، وبذلك نكون قد جمعنا بين صواب هؤلاء وهؤلاء، ورددنا باطل هؤلاء وهؤلاء، والله المستعان» . وعالج غير واحد من المعاصرين (١) (التصور الساذج للمهدي) عند كثير من الناس، والركون إلى قدومه من غير عمل بالواجبات المتحتمة على المسلمين لمرضاة ربهم، والخروج عما هم فيه من الذل والصَّغار، وصَوّر

стр. 624

المودودي تصوُّرَ هؤلاء على وجه يوجد في أذهان بعض العامة اليوم بحكم انتشار الخزعبلات والجهل، وقربهم من أصحاب الطرق، قال في كتابه «تجديد الدين وإحيائه» (١) (ص ٣٧-٤٠) : «على أنّ الذين يقولون من المسلمين بظهور المهدي، ليسوا أقل خطأً في فهمهم، وعقيدتهم هذه من المتجددين الذين ينكرون ظهوره، فهم يتصورون أن الإمام المهدي سيكون رجلاً من نمط قدماء المشايخ والصوفية الذين يفضلون أورادهم وأذكارهم على أوراد وأذكار المصطفى ﷺ ، والذين يزيدون في الدين نوعاً من تزكية النفس كما يدعون. لأن الذي نزلت عليه الآية الكريمة ﴿اليَومَ أَكمَلتُ لَكُم دِينَكُم﴾ [المائدة: ٣] (!) . قصّر بهذا فأتت أمته بدون خزعبلاتهم قاسية القلوب رققوها وهذبوها بما استوردوه من ديانات الهند والسند، ومن رقصات السامبا والتويست، وغاب عن ذهنهم أن تزكية النفوس بالجهاد والحركة المستمرة الدؤوب» . فلا يسمع به الناس إلا وقد ظهر من معهد قديم، أو خرج من زاوية اعتكاف يصرف السبحة بيده ويتلو الأوراد بلسانه، ويعلن على الخلق: «أنا المهدي أيها الناس (!) » وإذا العلماء والمشايخ يهرولون إليه حاملين بأيديهم الكتب والأسفار، يقابلون هيئته وهندامه بما ورد فيها من سماته وعلاماته، فيعرفونه، ثم تكون البيعة العامة ويتبعها إعلان الجهاد، وهنالك يبادر جميع الدراويش المعتكفين في خلواتهم ... وأما إذا قام الجهاد ووقع القتال، فلا يستعمل فيه السيف إلا تحلة القسم، وإنما تعمل البركة والتصرفات الروحية عملها في المعارك، ويحاز الظفر والانتصار بفضل النفثات والأوراد ... » إلى

стр. 625

قوله: «فهذا هو مثل تصورات عامة المسلمين في ظهور الإمام المهدي، ولكن الذي أفهمه في أمره -هو أنّ الحقيقة على عكس ذلك كله، فالذي أقدّره وأتصوره أنّ الإمام المنتظر سيكون زعيماً من الطراز الأحدث في زمانه، بصيراً بالعلوم الجديدة، بصر المجتهد المطلع، ويكون جيد الفهم لمسائل الحياة، ويبرهن للعالمين رجاحة عقله وفكره، وبراعة تفكيره السياسي وكمال حذقه لفنون الحرب، ويبز كل أبناء زمانه الجدد في تقدمه وارتقائه ... » إلى قوله: «والمهدي سيسير على أسس الإسلام الخالص، ويقلب عقلية الناس، ويبعث حركة قوة، تكون ثقافية وسياسية ... ، ولكنه سيوفق آخر الأمر للقضاء على سلطة الجاهلية، ويشيد دولة إسلامية موطدة الدعائم، تجري في هيكلها روح الإسلام الخالصة، ويبلغ رقيها في العلوم التجريبية والطبيعية ذروة الكمال» . قال أبو عبيدة: واقع المسلمين اليوم يحتاج إلى علم شرعي صحيح، وعمل خالص نافع، ويحتاج إلى قادة دعاة يحسنون معرفة واجب الوقت، ويشغلون الناس به، ويصلون من خلال ما يستطيعون إلى ما لا يستطيعون، ويبقى الخير يتّسع -بتوفيق الله- أمامهم، حتى يكافئهم ربُّهم بنصر من عنده. أما أن نكون قدريين، أو غير واقعيين، أو نتصرف بمعزل عن واجب الوقت، معتمدين على أخبار آخر الزمان، فهذا من عجائب هذا الزمان، وهو من نفخ الشيطان في الآذان، ولم يعرفه المسلمون الأوائل، فلما -مثلاً- أُنبئوا بفتح البلدان، لم يقل واحد منهم -مثل محمد الفاتح السلطان-: إن فتح القسطنطينية ليس وقتها الآن، بل امتثل ما أوجبه الله عليه، فرزقه الله الفتح المبين، الذي كان -وما زال- مفخرة للمسلمين.

стр. 626

وهكذا المهدي؛ فإنه لا ينصره أناس خاملون، ولا يخرج إلى قوم قاعدين، وإنما له تباشير وتقادير وفق سنن الله في التغيير. ويعجبني بهذا الصّدد قول بعضهم (١) : «لقد تبين لنا أن اليهود والنصارى ينطلقون من خلال نبوءاتهم التي دخلها كثير من التحريف إلى وضع تصوراتٍ عمليةٍ لما يمكن أن تدار على أساسه الصراعات، وإلى بذل الوسع من أجل الوصول إلى أهدافٍ دينيةٍ تَسَلُّطِيَّةٍ على العالم، ولم يمنعهم الاقتناع ذهنيّاً بهذه الأمور من الانصراف ... -أيضاً- إلى بناء الحضارة، وتوسيع العمران، وزيادة الإعداد والاستعداد للمستقبل، فماذا أقول؟! أأقول إنهم يفهمون الروح المقصودة من التدين أكثر منا وهم على غير دين صحيح، أأقول إنهم إلى جانب فهمهم للدنيا، وكيفية التعامل معها يفهمون؛ وهم على ضلال أن ما يجيء به الدين هو قضايا من صُلْب الحياة، وصميم الواقع؟!! إن اليهود والنصارى بين أيديهم أخبارٌ غير موثوقة، وتفسيراتٌ غير مأمونة، وعقائدُ مضطربةٌ تزيدها التأويلاتُ اضطراباً، واختلافاتٌ فيما بينهم في الأصول والفروع، يستحيل معها الجمع بين الأقوال، ومع كل ذلك فهم جعلوا هذه الأخبار، وتلك النبوءات، مناراً يسيرون على ضوئه خلال أحقاب طويلة؛ ففي مسيرة اليهود خلال الألفي سنة الخالية لم تكن تدفعهم إلا نبوءات «العهد القديم» ، ولم تَستَحثَّ آمالهم إلا أخبار الأنبياء السابقين، ولم تستنهض هممهم إلا أمانٍ بعيدة في العودة، والعلو، والسيطرة. وفي المقابل نرى من بعض قومنا مَن إذا أخذ بأخبار من الدين عن المستقبل فإنه يجعلها سدّاً أمام الحركة، وعائقاً في وجه التقدم، ويتخذ منها وسادة وثيرة ينام عليها، أو أريكة وطيئة يقتعدها» .

стр. 627

وفي الحقيقة أنّ آفة هؤلاء: (الضلال) الذي هم فيه، وهو ناشئ عن سوء فهم، وقصور همة، ذلك أنهم محبطون بسبب ما سبق إلى خواطرهم من ظاهر النصوص التي بَلَغَتهم، ففهموها على وفق تأثير عصرهم، وتربّص عدوهم، وضعف قومهم، والنفس تحب أن تسد نقصها، وتُمنِّي صاحبها، فعاش هؤلاء على الآمال، وتبلّد حسهم بكثرة الآلام، وتعاملوا مع أحاديث الفتن بطريقة سلبية، سواء ما كان فيها من تحذير من شر، أو تبشير بخير، فهم يمارسون الشر بحجة أن النبي ﷺ أخبر عنه، وقاعدون -بل مثبطون- عن الخير، بأنه سيقع لا محالة، فالفتنة اقترنت بهم، ولازمتهم، ولم تنفك عنهم. الفرقة الثانية: تنكّبت أحاديث الفتن، وعملت بنصوص الوحي، ولم تنتبه إلى ما يحيط بها من أمور يجب أن تراعى في أخذ الحكم الشرعي في واجب الوقت في النوازل التي تقع وستقع، فأخذت من نصوص الشرع (من آية أو حديث صحيح) ما هو (حق) ، ووضعته في غير مكانه أو محله، فلم توفق إلى (العدل) ؛ الذي لا يتم الخير إلا بمصاحبته له. فوقائع الدنيا -بما فيها الفتن التي تموج موج البحر التي أخبر عنها النبي ﷺ كما نسمعها ونقرؤها في كتب التاريخ، ثمرتها في الظاهر: غلبة أمة على أمة، وظهور الخير والشر، والنعيم والبؤس، والشرف والهبوط في المجتمعات، ولكن لهذه الوقائع أسباب، فالطمع بنتائج قبل أوانها، وربط الوقائع بغير أسبابها، ظاهرة غير صحيحة، يندرج تحتها ما وصل إليه المسلمون اليوم بعامة، وما يقوم به من لم يكن (فقيه نفس) ممن يتصدّى للحديث في (الأحداث الجسام) و (المسائل الكبار) التي تخص الأمة بأجمعها، من (الصِّغار) من أهل (الصَّغَار) و (الناشئة) و (المتطفلين) على موائد العلماء، ممن يتسمون بـ (أهل الفكر) و (المفكرين) . وإنْ كان التاريخ حكاية أحوال البشر، وجمع الواقعات بالترتيب الزماني، من غير بيان الربط بينها، وطلب الأسباب والآثار لها، فإن الفتن -بعد

стр. 628

وقوعها- ستصبح من التاريخ، وتدوّن أحداثها فيه، ولكنها قبل ذلك: هي معلومة لنا، ولا بد من وقوعها، دون معرفتنا بتحديد وقتها، مع درايتنا بأسباب نشوئها، والواجب علينا أن نجهد في درئها، وأن نتعلم أسبابها، وأن نراعي الأحكام المترتبة عليها، أو المرافقة لها. فصل في ضرورة تعلم أحاديث الفتن، واليقين على ما صح فيها على المقصد الذي سيقت من أجله فالمهم في الفتن: أنْ نعلمها، ونحسن جمعها، وتمييز صحيحها من واهيها، وأنْ نعلم سنة الله الكونية من خلال الأخبار التي فيها عصمة منها، إذ أخباره ﷺ عنها لا شك فيها، والواجب علينا تصديق كل ما أخبر به ﷺ في هذا الباب؛ كما آمن وصدق أبو بكر ﵁ بخبر الإسراء، عندما لم تتحمله عقول كفار قريش -الذين قاسوا قدرة الله بعقولهم-، بخلاف الصديق ﵁؛ فإنَّه علم صدق القائل: ﴿وما يَنْطِقُ عَنِ الهَوَى﴾ [النجم: ٣] ، وعلم أن الله لا يُعجزه شيءٌ كما أخبر عن نفسه: ﴿وَكانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً﴾ [الأحزاب: ٢٧] ؛ فمن علم قدرة ربه ، وصدق رسوله ﷺ ؛ لم يضق عقله عن قبول خبره ﷺ ، فاحذر من تعطيل النصوص التي أخبر النبي ﷺ فيها بما سوف يقع، كما أخبر به، من غير زيادة أو نقصان. واعلم أنّ مِن تعطيلها: أنْ تُصرَفَ عن ظاهرها؛ لأنّ الشرع لم يأتِ بألغاز تَحَارُ فيه العقول، بل أوضح مراده بلسان عربي مبين، قال الله -تعالى-: ﴿وَما أَرسَلنا مِن رَسُولٍ إِلا بِلِسَانِ قَومِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُم﴾ [إبراهيم: ٤] . ولا ينبغي أنْ يدفعنا واقع عصرنا، ونمط حياتنا، والثورة العلمية التي بين ظهرانينا إلى تأويل شيء من علامات الساعة التي لم تقع؛ فمجريات الأحداث

стр. 629

غيب، والأيام حُبالى، ولا ندري ماذا سيكون، والعصمة: الوقوف مع الأخبار الصحيحة، ولا يقع هذا الأمر على النحو المذكور إلا لنفر قليل؛ ممن رزقه الله اليقين، ورفع درجته بالعلم النافع، والإيمان القوي الذي يتولَّد عنده تصور صحيح، وتيقظ، وتَخوُّف على الأمة من قصورها وذنوبها، ولذا كان حُذيفة ﵁ يقول: «لوددتُ أنّ عندي مئة رجل قلوبهم من ذهب، فأصعد على صخرة، فأحدّثهم حديثاً، لا يضرهم بعده فتنةٌ أبداً، ثم أذهب فلا أراهم، ولا يروني أبداً» . أخرجه أبو داود في «الزهد» (ص ٢٦٥-٢٦٦/رقم ٢٧) ، وابن أبي الدنيا في «العزلة» (ص ١٤٨/رقم ١٦٨ - بتحقيقي) ، ونُعيم بن حمَّاد في «الفتن» (رقم ١٢٩) من طريق الأعمش، عن عدي بن ثابت الأنصاري، عن زرِّ ابن حُبيش عنه، به. وإسناد صحيح. يُستفاد مِن هذا الأثر: أنّ العلم اليقيني بالفتن سببٌ مِن أسباب البُعد عنها (١) ، ولذا يُسيء كثير من الناس فهم أحاديث الفتن، ويعكسون الغرض من

стр. 630

الإخبار عنها، وقد سمعنا غير واحد منهم يحتجُّون بها على أنّ الأمر ميؤوس منه، وأنّ سبيل الإصلاح مسدود! فالفتن واشتدادها مع مضي الزمن -كما قررناه من النصوص- لا يعني نوعاً من الجبر، أو القَدَر الذي يحيق بالناس، دون أنْ يكون لهم ذنب فيها، أو أنْ يقدموا الأسباب أو البدايات لها، وهذا الفهم -على النحو المذكور آنفاً- بدعيٌّ، دخيلٌ على أفهام الصحابة -رضوان الله عليهم-، وفيه تعدٍّ على حقائق مسلَّمة، وسننٍ لله . فصل المراهقون وأحاديث الفتن والأشد بدعة منه -وفيه خروج عن منهج السلف الصالح، وعن قواعد العلماء المسلوكة، وعن العقل السليم- ما قام ويقوم به مجموعة من (المراهقين) بأفكارهم، المتشبعون بما لم يعطوا، المنزلون (الأحداث) التي تجري على (أحاديث وآثار) بمقامرة، واحتمالات، وحديث نفس، ووساوس شيطان، والجزم -بذلك- من غير تلكؤ، وتسمية الأشخاص -وجُلُّهم من الساسة والأعلام- والبلدان والوقائع، وبعضهم يُحدِّد أزمنةً لذلك، وهذا من الخذلان؛ فإنّ الوقت الذي حددوه، والأحداث التي عينوا مجرياتها وأبطالها، قد ظهر كذبهم في بعضها، وينتظر تحقق كذبهم في الباقي، والله الواقي.

стр. 631

فصل الكذب والدجل، والوضع الجديد في الأحاديث الواردة في الفتن ويبقى ما سبق -على سوئه وخطورته- أهون من ظاهرة وجدتها في بعض المؤلفات التي طبعت حديثاً في هذا الباب؛ وهي: الكذب والاختراع والتدجيل، إذ زعم واحد من أصحابها أنه رأى مخطوطات، ونقل منها، وسمَّى بعضها، وأماكنها، مما ليس له في الحقيقة وجود، وهو -واللهِ الذي لا إله إلا هو- يعلم أنه كاذب في ذلك. فهل سمع أحد في الدنيا بهذه المخطوطات وأصحابها؟!: * «أسمى المسالك لأيام المهدي الملك لكل الدنيا بأمر الله المالك» (١)

стр. 632

لكندة بن زيد بن بركة. * «حرب آخر الزمان» لمحمد بن كريم الدين الأشهب. * «القول الفصل في الحرب الأخيرة بين المسلمين واليهود» لخير الدين الكارم. * «الحقيقة السجينة» لمهدي بن خياط. * «نصيحة حكام آخر الزمان حماية من الديان» لخير الدين بن الريس. * «آخر حرب في يهودا والسامرا والقدس» لحمدون الخيال. هذه المخطوطات -وغيرها كثير- ذكرها محمد عيسى داود في كتابه «المهدي المنتظر على الأبواب» -على الترتيب- (ص ١٣١، ١١٨، ١٥٠-

стр. 633

١٥١، ١٥٢، ١٣٨، ٢٠٦- حاشية) . وهذه العناوين مع مؤلفيها موضوعة مكذوبه، أسماؤها ركيكة، وهي من وضعِ مصريٍّ كذوب، والرجل مهووس في أخبار آخر الزمان، ويضع عناوين كثيرة على هذه الشاكلة، ويأبى الله إلاّ أن يفضحه، فقد حدد أماكن بعضها ليرفع عنه -عند السذج- الكذب، وأنى له ذلك، اسمع له وهو يذكر (ص ٢١٩) مخطوطاً للحداد بن داود بن عرفة بعنوان: «زاد الطالب إلى آخر المطالب» ، قال: «في مكتبة روما» ، وفي الصفحة نفسها: «سِلْم وحَرْب في آخر زمن الربّ» للحارث بن سلام بن معاذ بن مذحان المدني، قال: «في كتابخانة الترك بإسلامبول» ، وفي (ص ٢٤٢) مخطوطاً بعنوان: «آخر الكرة الأرضية من جهة الشمال.. في آخر زمن الربّ» لابن حرشل اليهودي الرومي، قال: «مخطوط بالفاتيكان» ، و (ص ٢٧٥) : «خبر البرية في آخر زمن البشرية» لخير الدين بن علم حنين المدني، قال: «بمكتبة دار الإفتاء الإسلامية في أنقرة» ؛ فالرجل مولع بالغرائب، يعشق الكذب والدجل، اسمع إليه (ص ١٥٣-١٥٤) وهو يذكر «مخطوطاً في غرفة البابا يوحنا السرية» ، ويذكر (ص ١٨٣) من مخطوط بالفارسية لكسرى الثالث، ويذكر (ص ١٨٥-١٨٦) من مخطوط بمكتبة كارل جوستاف ملك السويد، لابن العربي، ويذكر (ص ١٩٧) من المخطوطات التي باعها الإيطاليون لـ (ربولا) ، ويذكر (ص ١٦٠) مخطوطاً في القرن الرابع الميلادي!! لشاس بن كربل، ويذكر (ص ١٤١) مخطوطاً -على حد تعبيره-: «نادر من المخطوطات الحبشية» ، ويذكر (ص ١١٩) مخطوطاً بالمكتبة العراقية الكبرى للمناوي بن عرفة، ويذكر (ص ٦٢) مخطوطاً بمكتبة أغادير العامّة بالمغرب لكاهن أرض الجزيرة، هكذا إبهامات، وعماء في عماء، وأماكن دون تفصيل، ومخطوطات دون وصف أو أرقام، دون أسماء نُسَّاخ، ولا إحالة على فهارس الدور سواء الخاصة منها، أو الجامعة، ولم يذكرها أحد قبله، ولن يذكرها أحد بعده أبداً!

стр. 634

وتنكشف فضيحته على وجه التمام والكمال: لمّا ذكر في كتابه «المهدي المنتظر على الأبواب» (ص ٢١٠) أن مخطوط «سِلْم وحَرْب في آخر زمن الربّ» لتابعي من التابعين اسمه الحارث بن سلام بن معاذ بن مذحان المدني، وذكر أنه في القرن الثالث الهجري! وهذا -واللهِ- من بنات أفكاره، وآخر الصحابة وفاة سنة (١١١هـ) ، فكيف يكون المذكور تابعيّاً، وهو في القرن الثالث هجري؟! وذكر فيه (ص ١١٩) مخطوطاً لتابعي آخر اسمه (الميناوي بن عرفة) المكنى بـ (ابن السر الأمين) ! وهذا لا وجود له ألبتة. ويا ليت الأمر اقتصر على الإكثار (١) من هذا الكذب، بل اخترع قصصاً

стр. 635

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
следующие страницы →