فصل
الكذب والدجل، والوضع الجديد في الأحاديث الواردة في الفتن
ويبقى ما سبق -على سوئه وخطورته- أهون من ظاهرة وجدتها في بعض المؤلفات التي طبعت حديثاً في هذا الباب؛ وهي: الكذب والاختراع والتدجيل، إذ زعم واحد من أصحابها أنه رأى مخطوطات، ونقل منها، وسمَّى بعضها، وأماكنها، مما ليس له في الحقيقة وجود، وهو -واللهِ الذي لا إله إلا هو- يعلم أنه كاذب في ذلك.
فهل سمع أحد في الدنيا بهذه المخطوطات وأصحابها؟!:
* «أسمى المسالك لأيام المهدي الملك لكل الدنيا بأمر الله المالك» (١)
стр. 632
لكندة بن زيد بن بركة.
* «حرب آخر الزمان» لمحمد بن كريم الدين الأشهب.
* «القول الفصل في الحرب الأخيرة بين المسلمين واليهود» لخير الدين الكارم.
* «الحقيقة السجينة» لمهدي بن خياط.
* «نصيحة حكام آخر الزمان حماية من الديان» لخير الدين بن الريس.
* «آخر حرب في يهودا والسامرا والقدس» لحمدون الخيال.
هذه المخطوطات -وغيرها كثير- ذكرها محمد عيسى داود في كتابه «المهدي المنتظر على الأبواب» -على الترتيب- (ص ١٣١، ١١٨، ١٥٠-
стр. 633
١٥١، ١٥٢، ١٣٨، ٢٠٦- حاشية) .
وهذه العناوين مع مؤلفيها موضوعة مكذوبه، أسماؤها ركيكة، وهي من وضعِ مصريٍّ كذوب، والرجل مهووس في أخبار آخر الزمان، ويضع عناوين كثيرة على هذه الشاكلة، ويأبى الله إلاّ أن يفضحه، فقد حدد أماكن بعضها ليرفع عنه -عند السذج- الكذب، وأنى له ذلك، اسمع له وهو يذكر (ص ٢١٩) مخطوطاً للحداد بن داود بن عرفة بعنوان: «زاد الطالب إلى آخر المطالب» ، قال: «في مكتبة روما» ، وفي الصفحة نفسها: «سِلْم وحَرْب في آخر زمن الربّ» للحارث بن سلام بن معاذ بن مذحان المدني، قال: «في كتابخانة الترك بإسلامبول» ، وفي (ص ٢٤٢) مخطوطاً بعنوان: «آخر الكرة الأرضية من جهة الشمال.. في آخر زمن الربّ» لابن حرشل اليهودي الرومي، قال: «مخطوط بالفاتيكان» ، و (ص ٢٧٥) : «خبر البرية في آخر زمن البشرية» لخير الدين بن علم حنين المدني، قال: «بمكتبة دار الإفتاء الإسلامية في أنقرة» ؛ فالرجل مولع بالغرائب، يعشق الكذب والدجل، اسمع إليه (ص ١٥٣-١٥٤) وهو يذكر «مخطوطاً في غرفة البابا يوحنا السرية» ، ويذكر (ص ١٨٣) من مخطوط بالفارسية لكسرى الثالث، ويذكر (ص ١٨٥-١٨٦) من مخطوط بمكتبة كارل جوستاف ملك السويد، لابن العربي، ويذكر (ص ١٩٧) من المخطوطات التي باعها الإيطاليون لـ (ربولا) ، ويذكر (ص ١٦٠) مخطوطاً في القرن الرابع الميلادي!! لشاس بن كربل، ويذكر (ص ١٤١) مخطوطاً -على حد تعبيره-: «نادر من المخطوطات الحبشية» ، ويذكر (ص ١١٩) مخطوطاً بالمكتبة العراقية الكبرى للمناوي بن عرفة، ويذكر (ص ٦٢) مخطوطاً بمكتبة أغادير العامّة بالمغرب لكاهن أرض الجزيرة، هكذا إبهامات، وعماء في عماء، وأماكن دون تفصيل، ومخطوطات دون وصف أو أرقام، دون أسماء نُسَّاخ، ولا إحالة على فهارس الدور سواء الخاصة منها، أو الجامعة، ولم يذكرها أحد قبله، ولن يذكرها أحد بعده أبداً!
стр. 634
وتنكشف فضيحته على وجه التمام والكمال: لمّا ذكر في كتابه «المهدي المنتظر على الأبواب» (ص ٢١٠) أن مخطوط «سِلْم وحَرْب في آخر زمن الربّ» لتابعي من التابعين اسمه الحارث بن سلام بن معاذ بن مذحان المدني، وذكر أنه في القرن الثالث الهجري! وهذا -واللهِ- من بنات أفكاره، وآخر الصحابة وفاة سنة (١١١هـ) ، فكيف يكون المذكور تابعيّاً، وهو في القرن الثالث هجري؟!
وذكر فيه (ص ١١٩) مخطوطاً لتابعي آخر اسمه (الميناوي بن عرفة) المكنى بـ (ابن السر الأمين) ! وهذا لا وجود له ألبتة.
ويا ليت الأمر اقتصر على الإكثار (١)
من هذا الكذب، بل اخترع قصصاً
لأُصول بعض هذه المخطوطات، أراني مضطراً لذكر واحدة منها (١) ؛ لتتيقن كذبه، قال في كتابه «المهدي المنتظر» (ص ٥٨) على إثر حديث:
«هذا الحديث ورد فيما جاء عن المهدي في مخطوط اشتراه ملك السويد (كارل جوستاف) السادس عشر الحالي في مكتبةٍ بإنجلترا، خاصة بأحد المفكرين الإنجليز، وهو (G.H. ASRAEL) بعد وفاته، حيث بيعت مكتبته في مزاد!! وهذا المخطوط لعالم عربي قديم من القرن الرابع الهجري، واسمه (جاد المولى خير الدين الأمين) من أبناء المدينة المنورة ... ، وقد سرق مخطوطه أيام الحملة التركية على المدينة المنورة أيام الأشراف الحجازيين، وأخذه الأتراك إلى إسلامبول، وهناك سرق من مكان الأمين بمكتبة الباب العالي بواسطة يهود أعلنوا إسلامهم من قبل، ووصل إلى الكاتب الإنجليزي اليهودي الأصل، الذي حرّف من معلوماته الكثير، وحققه ونشر ترجمة له بالإنجليزية، كلها معلومات خاطئة ومزورة، وأراد الله أنْ تصل النسخة
стр. 637
الأصلية إلى يد الملك السويدي (كارل جوستاف) ، وفيها أمور كثيرة تمسّ مستقبل العالم الإسلامي، والملك يحتفظ بها في مكتبة قصره باستوكهولم.
ولكن حدث أننا اطلعنا على بعض مما جاء في هذا المخطوط أثناء مكاتبات بين إدارة المخطوطات العالمية -وهي مختصة بمتابعة أنباء التراث العالمي كله، وهي تابعة لهيئة الأمم المتحدة- وبين إدارة المكتبة الملكية في استوكهولم، وقد سُرِّبت مكالمة من خلال ثرثرة بعض المسؤولين في القصر الملكي السويدى معلومات هامة، والتقط المعلومات رجال سخرهم الله لخدمة دينه» (١) . انتهى كلامه.
هكذا قصصه وأخباره؛ كلها عجائب، فيها صنع عقدة، ثم العمل على حلها، شأن القصّاصين والروائيين، بطريقة خيالية، ليس فيها ما يفيد الحقيقة، فجميع قصصه مدارها على «رجال سخرهم الله لخدمة دينه» ، ومن خلالهم اطلع هذا الأفاك الأثيم على الغيب بواسطة هذه المخطوطات التي حوت الأخبار والآثار التي تنبئ عما يجري قرب الساعة.
نعم؛ هو لم يقتصر على النقل واعتماد (المخطوطات) المدّعاة! ولكنه اعتمد شيئاً أخطر بكثير من هذا، صرّح به في كتابه «احذروا المسيخ الدجال يغزو العالم من مثلث برمودة» (ص ١٨٣) ، قال: «قد يسأل قارئي الحبيب: وكيف اهتديت إلى كل هذه المعلومات بلا مصادر؟
وأقول: بل هناك مصادر، «فالقراءة الواعية» ، ثم «استقراء الأحداث» ، و «رفع درجات حدة الحدس والاستبصار» ، ثم «التدبر» ، و «التأمل» ، ثم يصف هذه «المصادر» بأنها: «جهاز استقبال» لخواطر يمكن أنْ يقف أمامها التحليل العلمي والفلسفة عاجزين.
стр. 638
وكثير من «فكري» «ومضات من البرق» ، و «استنارات فجائية» إن لم أتداركها بالتسجيل أو التدوين تصبح بدداً بلا بقاء» اهـ.
انظر -أخي الحبيب- مصادره، وتأمل جيداً؛ فإنك -إنْ فعلت- قلت: إن وراء الأكمة ما وراءها! وأحسن ما يصل إليه العاقل -إن تغافل عن بعض الحقائق- إنه على شاكلة الطرقيين والقصّاصين قديماً؛ ليتأكل بالدِّين (١) ،
ويصطاد في الماء العكر -كما يقولون- السُّذَّج والمساكين فيصبحوا من قرّاءه!! الذين يُعَدّون بالملايين!!
فصل
فتنة العراق في كتب الفتن الحديثة
الذي يهمني -بعد ما سبق-: تركيز الضوء على أخبار (العراق) و (الفتن) من خلال هذه الكتب؛ ليحذر الناس منها، ولا سيما قد شاعت في المجالس العامة والخاصة، والصحف السيارة، والفضائيات، وشبكة المعلومات العالمية (الإنترنت) ، بحيث يخيل للناس أنّ (المهدي) على (الأبواب) ، وهُيِّء (المناخ) لتفريخ (مهدي) موهوم، أو (منقذ) دجال، ولا يبعد -عندي- أنْ يشتد ذلك بمضي الزمان، ويظهر دجاجلة كثر (٢) ...............................
стр. 639
يزعم كل منهم أنه المهدي (١) ، أو (المخلّص) (٢) ،
ويتطابق ذلك مع ما في
стр. 640
(مخيّلات) الضلال ممن هم منتسبون -زوراً- للإسلام، أو لغيره من الأديان، فالويل كل الويل -يومئذ- لمن لم يعتصم بالسنة والكتاب، والله الهادي والواقي.
فصل
جولة سريعة مع «هرمجدون» ، وما هو على شاكلته،
وما ذكروه عن (فتنة العراق)
لست بصدد التحليل التفصيلي لظاهرة تعلق الناس بـ «هرمجدون» ... -وأمثاله وما هو على شاكلته-، ولا لتفنيد ما في هذا الكتاب من (أباطيل) ، والذي يخصني منه -الآن- موضوع (العراق) ! ولست بمبالغ إنْ قلت: إنّ سبب انتشار هذا الكتاب ما جرى على أرض (العراق) من أحداث، وتسارع ذلك في وقت قصير!
ومن القواعد المقررة عند علماء الجرح والتعديل: (فضح الكذابين بالتاريخ) .
стр. 641
قال سفيان الثوري -رحمه الله تعالى-: لمّا استعمل الرواة الكذب استعملنا لهم التاريخ (١) .
وقال حفص بن غياث: إذا اتهمتم الشيخ فحاسبوه بالسنين (٢) .
وقال حسان بن زيد: لم نستعن على الكذّابين بمثل التاريخ (٣) .
وإنْ كان مراد العلماء في هذه الآثار وغيرها حِسْبَة سِنّ الراوي والمروي عنه، وكشف الزيف من خلال ذلك، كما حصل لعفير الكلاعي وإسماعيل بن عياش لما أظهر -كل على حدة- كذب راوٍ كان يحدث عن خالد بن معدان، ادّعى سماعه منه بعد موته بسبع سنين (٤) ! فإنهم ألحقوا بهذا الصنف -كما قال الخطيب-: «إذا أخبر الراوي عن نفسه بأمر مستحيل، سقطت روايته» (٥) .
وإذا كان هذا فيما حصل ومضى؛ فمِن باب أولى أنْ يدخل تحته مَن تكهن بوقوع شيء على نَحْوٍ وحَالٍ وفي وقت معين، ثم لم يقع، أو وقع على حال آخر، أو على نقيض ما أخبر؛ فهذا هو الكذب المصحوب بـ (الكهانة) ،
стр. 642
ويعظم على قَدْر خطره وأثره في الأمة.
وسأسوق لك (١) جملة من (تكهنات) صاحب «هرمجدون» ، نقل بعضها من (مخطوطاته) المدّعاة، وصرح ببعضها الآخر من خلال (رفع درجات حدة الحدس والاستبصار) ، و (التدبر) و (التأمل) ! لديه فيما يخص (العراق) .
ذكر صاحب «هرمجدون» في مواطن منه أن (صدام حسين) -الرئيس العراقي المنخلع- هو السفياني، وأنّ له ذِكْراً في مخطوط: «أسمى المسالك لأيام المهدي الملك لكل الدنيا بأمر الله المالك» (٢) ، وفيه -على زعمه- (ص ٢١٦) : «وفي عراق الشام رجل متجبر ... وسفياني في إحدى عينيه كسل قليل، واسمه من الصدام، وهو صدام لمن عارضه، الدنيا جمعت له في كوت صغير، دخلها وهو مرهون، ولا خير في السفياني إلاّ بالإسلام، وهو خير وشر، والويل لخائن المهدي الأمين» .
يعلق صاحب «هرمجدون» (ص ٢٢) على هذا النص بقوله:
«وفي هذا النص ذِكْر اسم حاكم العراق الجبار بالتحديد اسماً ووصفاً أنه السفياني، وسيأتى مزيد من أوصافه في البيان الخاص به، وفيه أنه دخل الكويت، وهو مخدوع قد مُكر به وخُدِعَ حتى يغزوها؛ فيتخذ الروم ذلك ذريعة لما فعلوه وسيفعلوه، والسفياني صدام هو السفياني الأول، وسيليه السفياني الثاني المُشَوّه وهو ابنه، والذي يعمل برصيد أبيه كما سنبين ذلك ... -بإذن الله-.
стр. 643
والسفياني (صدام) فيه خير وشر؛ فإذا ظهر المهدي ذهب عنه كل خير، وكان شرّاً كله، وحارب المهدي مما يجعل المهدي يأمر بقتله، وتخليص الناس من شره» .
فواضع النص المنسوب لـ «أسمى المسالك» أذكى من المعلّق عليه، إذ في كلام المعلق تفصيل يكذبه الواقع، اللهم إلاّ إن كانت (أمريكا) هي المهدي عنده! فإذاً صدام حسين عند هذا هو (السيفاني) يُقتل بأمر المهدي، ويخلص الناس من شره، فلننظر إلى تفصيل ما سيقع على يديه، إذ أجمل البداية والنهاية! وفصّل فيما بينهما، قال (ص ٢٤) تحت عنوان: (ضرب قوات التحالف للعراق، ثم حصاره في الجولة الأولى من الحرب العالمية) ما نصه:
«الحرب العالمية الثالثة «هرمجدون» لها جولتان، بل جولات؛ الأولى:
ضرب العراق بقوات التحالف (الجماعة) ؛ ٣٧ دولة تضرب العراق!!!
ثم ماذا؟
لم يهزموا العراق؛ فنظامه باقٍ، وشعبه ما ازداد لرئيسه إلاّ حبّاً مع غزارة الدم المهراق، فقد فشل التحالف في تحقيق أهدافه من القضاء على صدام ونظامه، وتركيع شعب العراق، ولعمر الله! إنّ هذا لنصر كبير للعراق في الجولة الأولى من الحرب العالمية الثالثة، والتي لم تنته بضرب العراق بكل أنواع السلاح المتاح، بل هي مستمرة منذ ذلك الحين بحصار لعين وغارات يومية حمقاء لم تنجح في تركيع الشعب العراقي، ولا في إذلال كبرياء نظامه وقيادته.
واعلموا أنّ هذا الحصار المستمر لن ينتهي حتى تبدأ الجولة الثانية من الحرب العالمية، والتى سيكون للعراق فيها صولة وجولة في إشعال نارها.
وإليكم ما جاء في ذلك من نصوص ... » .
وساق أحاديث من بينها الحديث الذي ذكرناه: «يوشك أهل العراق أنْ
стр. 644
لا يجبى إليهم ... » ، ولا صلة للنصوص التي ساقها بالأحداث التي سردها، ثم قال:
«أما دليل أنّ الحرب الثالثة العالمية هي جولات؛ فما رواه نعيم بن حماد في «كتاب الفتن» (ص ١٧٨) بسنده عن خالد بن معدان، قال:
«يهزم السفياني الجماعة مرتين ثم يهلك» .
فهذا التحالف الحديث الذي حشدته أمريكا كَرَدّ فعلٍ للتدمير الذي تعرضت له في نيويورك وواشنطن، لا بد وأنه سيضرب العراق مرة أخرى بعد الانتهاء من ضرب أفغانستان بحجة ملاحقة الإرهابيين، والقضاء على الإرهاب.
وهذه المرة سَيُهْزَم التحالفُ كذلك كما هُزِمَ أول مرّة، وسيفشل في تحقيق أهدافه للمرة الثانية، وهنا ينفجر الموقف، وتتسع دائرة المواجهات حتى تعرك المنطقة كلها عرك الأديم، في الجولة الأخيرة من أعنف حروب التاريخ» !
قلتُ: ليس صاحب «هرمجدون» بموفق، لا في الدليل، ولا في طريقة الاستدلال، ولا في تكهنه، وأُصِيب بالهزيمة (١) كعادته فيما يستشرف؛ فهو كثير الأغلاط، بل أغلاطه غريبة لها مجمع ومكان تصبُّ فيه، ولا نشتغل بتبين الغلط والكذب في نقله السابق، ولكن لا نسمح له أنْ يسْرَحَ فيما يخوض فيه إلى أنْ ينفد ما في جعبته في هذا الموضوع، ونكتفي بلفت نظره إلى أنه لا تنقذه من ورطته في سائر كتبه موافقة طائفة من السذج له!
стр. 645
وذكر (ص ٤٩) -بعد أنْ قرر أنه كان حريصاً في كتابه السابق «عُمْر أمة الإسلام» ألاّ يتورط في تنزيل الأحاديث على الواقع- قال: «أما الآن -وبعد أن أصبح الناس كلهم، أو جلهم يتوقعون حروباً وملاحم، تتجمع أسبابها وتتسارع وتيرتها، وتكاد تدق الأبواب-؛ فإني لا أجد غضاضة، ولا حرجاً في ذكر ما أعلم وتنزيل الأحاديث على الواقع، بل أستطيع أن أُقسم على ذلك» (١) ،
وتأمل تنزيله (السفياني) على (صدام) ، ومستنده في ذلك، قال:
«إنني أظن أن حاكم العراق الحالي «صدام حسين» هو ذلك الرجل الملقب بالسفياني في أحاديث النبي ﷺ .
والسفياني هو الذي يمتد نسبه إلى خالد بن يزيد بن أبي سفيان؛ فهو أموي وأمه كلبية، فأخواله من قبيلة كلب، وقد سكنت قبيلة كلب بشمال دجلة، والمعروف أن (صدام) من محافظة «تكريت» بشمال دجلة.
* ولكن ما الذي حملني على هذا القول؟
قرائن كثيرة تجمعت لي فتشابكت فصارت عندي حقيقة أو تكاد، ولولا أنني على يقين من أمري ما تورطت في أمر كهذا ... » .
ونعت قوله -هذا- بأنه: «مسبوق فيه غير سابق، وحَمَلَه عليه قرائنُ كثيرة لا تقصر بمجموعها عن إفادة العلم الظني» .
стр. 646
قلتُ: لي تعليق مجمل وآخر مفصل.
أمّا المجمل؛ فهو ينطبق على جُلِّ ما نقلناه عنه آنفاً ولاحقاً، وهو كلام لشيخ الإسلام ابن تيمية على واحد من المخرفين، قال مبيناً عوار مسلكه الجملي:
«هو كلامُ مَنْ نَظَرَ في كلام شارحي الحديث، ولم يميز بين حق ذلك وباطله، وأخذ من ذلك ما ظنه موافقاً لدعواه، فلا له تمييز في أقوال الناس بين حقها وباطلها، ولا له معرفة بطرق الاستدلال، فلا ذاكر لكلام منقول، ولا مبين لمعنى مقبول، ولا نقل ولا توجيه، لا ذكر ولا أثر» (١) .
وأما التعليق التفصيلي؛ فألخصه في النقاط الآتية:
أولاً: الظنّ ليس بعلم ، ويحتفظ به صاحبه حتى يتحقق، وإلاّ؛ فالعلم فضّاح للأدعياء.
ثانياً: كتابك قائم على هذه الأحداث على التصور المذكور، وذكرت الظن هنا، ولكنه أصبح في (البيانات اللاحقة) يقيناً، ودَارَ الكتابُ بجملته عليه، وبسقوطه يسقط تسلسل الأحداث، ويتغير مجراها، ويحتاج إلى بيانات على نحو جديد، ولكن -لعله- في (مسلسل آخر) فريد، أو منقّح مزيد.
ثالثاً: مستنده فيما ذكره من آثار في صفة السفياني ، أوردها (ص ٥٤) من كتابه؛ هي:
ما أخرجه نعيم بن حمّاد في «الفتن» (رقم ٨١٤) بسند ضعيف جدّاً عن الحارث الأعور، قال: «يخرج رجل من ولد أبي سفيان في الوادي اليابس في رايات حمر، دقيق الساعدين والساقين، طويل العنق، شديد الصفرة، به أثر العبادة» .
стр. 647
وهذا فيه ابن لهيعة، ومحمد بن ثابت البناني، وهو كلام لرافضي صحت عنه أقوال خبيثة (١) !
وما أخرجه نعيم -أيضاً- (رقم ٨١٢) بسند مُظلم عن جعفر بن علي، قال: «السفياني من ولد خالد بن يزيد بن أبي سفيان؛ رجل ضخم الهامة، بوجهه آثار جدري، وبعينه نكتة بياض، يخرج من ناحية مدينة دمشق، في وادٍ يقال له: وادي اليابس، يخرج في سبعة نفر مع رجل منهم لواء معقود، يعرفون في لوائه النصر، يسيرون بين يديه على ثلاثين ميلاً، لا يرى ذلك العلم أحد إلاّ انهزم» .
يا هذا! ماشأننا بهذا الباطل؟! وكيف يروج على الناس؟! اقرأ -أخي الكريم- وإياك أنْ تعجب؛ فالعجب لا حدّ له عند من يقرأ بتأمل! أو يعامل ما يقرأ على أنّه يقبل الرد، فكيف إنْ علم أنّ النبي ﷺ أخبرنا أنّ عقول الناس تنتزع عند الفتنة (٢) ، وانظر إلى مصداق ذلك ما في «هرمجدون» (ص ٥٢-٥٣) : تحت (الصفات الواردة في الآثار المشتركة بين «السفياني» ، و «صدام» ) أنه:
- ضخم الهامة (كبير الرأس) ، وهو كذلك فعلاً.
- بوجهه آثار جدري (نكت أو ندوب في وجهه) .
- بعينه نكتة بيضاء وكسل قليل.
- يميل لونه إلى البياض مع الصفرة.
- جعد الشعر.
стр. 648
- دقيق الساعدين والساقين.
(وأخبرني (١) من رآه أن ساعديه دقيقان مفتولان) ، وهذا كله كذب؛ فالسفياني لم يصح فيه حديث كما قدمناه عن أئمة الصنعة الحديثية، وأسانيد هذه الآثار مظلمة وواهية، وهو يأخذ منها ما يحلو له، فأسقط من الأثر الثاني عن عمد: «يخرج من ناحية مدينة دمشق ... » إلى آخره، وهنالك في الكتاب نفسه أخبار عن السفياني أهملها، ويمكن أن يُتَخَيل من خلالها مسلسلات أخرى، ولا أستبعد أن يخرج علينا واحد في قابل الأيام بشيء من ذلك.
ومما يلفت النظر: إهماله صفة «به أثر العبادة» مع وروده في الأثر، وفي نقله له -أيضاً-وكان ينبغي أن يحذفه- على منهجه فيما وقع له في مواطن مما هو شبيه به، ونسأله بسبب إيراده له -فحسب-: ما هو نصيب (صدام) من هذه الصفة؟! ولا يفوتنا أن نسأله -أيضاً-: أين الرايات الحمر، ومن هم السبعة نفر، وأين هو العَلَم، وكيف يصح الاستدلال بجزء من أثر، وتركه الجزء الآخر؟!! هذا هو التشهي والتحكم عند العلماء، وإلاّ؛ يمكن أنْ يقال: إنّ هامة صدام كسائر الناس، وأين الجدري في وجهه، والنكتة في عينه؟! مكابرة في المرئي، وبتر في اللفظ، وتزوير في المعنى، والقراء هم الضحية! ولا تنسى أنه يرى (أمير الكويت) هو من بني أُمية (٢)
-أيضاً-، وهذا اكتشاف خطير، لعله
стр. 649
كان يساعد على إعادة اللحمة بين (صدام) و (أمير الكويت) ؛ فهما من أسرة واحدة، ولا داعي لما حصل!!
وأحداث (العراق) عند صاحب «هرمجدون» لا تنتهي، بل الحروب ... -كما صرح فيه (ص ٦٤) -: «جولات، بدأت بضرب العراق، وتنتهي بالملحمة الكبرى» ، وأعاد ذلك (ص ٦٨) .
وأكدّ (ص ٧٠) على أنّ: «ظهور المهدي بعد سنتين أو ثلاث على الأكثر من اليوم، وهذا ما نرجحه، والله الموفق» .
قلتُ: وهو -سبحانه- مُوعِدُ الكذابين بالخزي والعار، ومضت المدة التي حدّدتها يا أمين، فماذا تقول؟! وكيف تسوغ هذا الإسقاط، وكذا قولك بعدها (ص ٧٦) فيما يخص موضوعنا:
«وقلنا: إنّ المهدي يبايع له عند الكعبة في مكة المكرمة، وعلامة ظهوره الأكيدة أنْ يخسف بذلك الجيش الذي يرسله السفياني (صدام) للقضاء على المهدي، بمجرد ظهوره، كما جاء في أحاديث متفق عليها في «الصحيحين» » انتهى بحروفه.
قلتُ: السفياني أحاديثه موضوعة، ولا ذكر له في «الصحيحين» ، ولا في دواوين السنة المشهورة، وقد قدمنا كلام الحفاظ عنه، فلماذا هذه المداخلات بين النصوص، والإسقاطات على ما رسم لك؟! أما تعلم أنّه (لا أمير في العلم إلاّ العلم) ، وأن مِن أحسن حسناته أنّه فضّاح للأدعياء؟! أما كنت تتوقع -يا مُسَيْكِين! ولو بالحدس والاستبصار والتدبر والتأمل-كعادتك التي
стр. 650
ادعيتها- أنّ عجلة الأحداث تدور على خلاف ما في مخيلتك؟! أَمَا وقد حصل ذلك؛ فما هو جوابك؟ قل لي بربك: أين وجهك بين الناس، وصوتك في المحافل، وصورتك عند قارئيك الذين تهافتوا على ما خطت يداك؟! أرجو أن تصرح بالتوبة عن الإسقاطات التي وقعت منك، أو مُرِّرَت من خلالك!
وليس صاحب «هرمجدون» أحسن حظّاً من غيره من الخائضين في (أحداث العراق) و (الفتن) التي جرت حديثاً على أرضها!
وهذه جولة توضح لك اضطراب هؤلاء القوم، وأنهم يتكلمون بجهل، ويدونون ما سيقع بمجرد ما يُلقَى في (إلهاماتهم) ! ويسنح في (خيالاتهم) ، ويخوضون في ذلك بأكاذيبهم وترّهاتهم.
نقل سعيد أيوب في كتابه «المسيح الدجال قراءة سياسية في أصول الديانات الكبرى» (ص ٣١٧) عن كعب الأحبار، أنه وجد المهدي مكتوباً في أسفار الأنبياء: «ما في عمله ظلم، ولا عيب» .
قال عقبه: «وأقول: وأنا أشهد بأنني وجدته مثل ذلك» . نعم؛ هو -على زعمه- يعرفه جيداً، ليس في عمله ظلم ولا عيب، فكأنه جليسه وخليله، ولكن كيف، هذا مصري، و (المفاجأة) أنّ (المهدي) عنده (صدام حسين) العراقي! ويجب عليك أنْ تقبل ذلك منه دون أي نقاش، فهي (حقيقة) قال عنها (ص ١٧٢) :
«أتوجه بها للذين لم يقتل التراث فيهم متابعة الواقع؛ فالمسلم مطالب بأنْ يسير ويرى، ولا يفصل حسه عن الوجود» ، وهذه مقتطفات من كلام طويل له عن (الآشوري) -وهو المهدي عنده-.
صرح (ص ٣١٧) : «ستكون عاصمة عمله القدس وما حولها، وسوف يدخل الغرب في دين الشرق، ويأتي إليه الشباب من كل مكان ليعملوا تحت
стр. 651
إمرته، وأنه سيملك قوة دعائية جبارة» (١) .
قال (ص ١٦٤) عن حدود دولة (الآشوري) -هذا-: «الفرات هو الحدّ الطبيعي بين اليهود والآشوري» ، وقال عن مهمته في الصفحة نفسها:
«يد الله! هي التي ستضرب بواسطة الآشوري، وسيكون هو عدو إسرائيل آخر الزمان» ، ونقل ذلك عن كتب أهل الكتاب!
هذه مراجعهم! تصريحات الساسة، وأخبار الجرائد، وكتب الرافضة: الجفر، ... وكتب اليهود (٢) والنصارى، ويصبح ذلك من المسلمات البديهيات!
وبناءً عليه؛ فالأخبار عندهم مفصّلة جدّاً -وهذا الذي يجعل العاقل يتحسب ويتخوّف-؛ فاسمع إلى حلفاء هذا (الآشوري) ؛ لتعلم الكذب والجرأة:
قال (ص ١٦٦) : «ستكون القوّة داخل حلفه مكوّنة من: إيران، وسوريا، وليبيا، والسودان، وصور (جنوب لبنان) ، وشعوب منطقة الشرق الأدنى، وقبائل بحر قزوين، والبحر الأسود، والإسماعيليين، والهاجرين» .
وأما عن (جنده) وصفاتهم، قال (ص ١٦٤) :
«شعبه قوي، لم يكن له نظير من الأزل (٣) !! ولا يكون بعده، قدامه نار
стр. 652
تأكل، وخلفه لهيب يحرق، وأمامه جنة عدن (أي: الشهادة) ، يجرون كالأبطال، رجال حرب، يمشون كل واحد في طريقه، ولا يغيرون سبلهم، ولا يزاحم بعضهم بعضاً، وبين الأسلحة يقعون ولا ينكسرون» .
حقّ لصدّام أنْ يقع في بلبلة، ولعله -في يوم من الأيام- كاد أنْ يصدق بذلك (١) ؛
إذ أعلن أنه من أهل البيت، وكان ذلك قبل غزو الكويت، وكان يردد -دائماً- عبارة: «سأحرق نصف إسرائيل» ، ونقل ابن أيوب عن (الآشوري) -المهدي الذي يراه- (ص ١٦٨) :
«إنه هو الذي سيستخدمه الرب في القضاء على الشعب اليهودي، وسيحتل الآشوري نصف إسرائيل في أول أيامه» ، ويعلق ابن أيوب على (نصف إسرائيل) (٢)
بقوله:
стр. 653
«ومن سير الأحداث؛ فإنّ هذا النّصف هو الضّفة الغربية، وقطاع غزّة، مروراً بصحراء النقب المتاخمة لسيناء» !
* وقفة مع بعض كتابات فاروق الدسوقي في فتنة العراق
قال أبو عبيدة: نترك هذه الجولة دون تعليق، ونأتي لجولة ثالثة، شبيهة بالأولى!
وهذه الجولة هذه المرة مع الدكتور فاروق الدسوقي في كتابه «البيان النبوي بانتصار العراقيين على الروم والترك، وتدمير إسرائيل وتحرير الأقصى» (١) .
стр. 654
واغوثاه! هكذا بجزم وحسم: (انتصار العراقيين) ! و (تدمير إسرائيل!) -ويا ليت الأمر كان كذلك- ألم يكن بوسعه أن يختار لمسلسله -عفواً لكتابه- غير هذا الاسم؟!
لماذا هذه الجرأة على الغيب؟!
ألم يكن بتصوره أنْ تدور الأحداث على خلاف بيانه الذي نسبه للنبي ﷺ ؟!
لو كان البيان بيانه؛ فهذا شأنه، مع أنه لا يليق (١)
بصاحب الكتاب الجيد «القضاء والقدر» المطبوع في ثلاثة أجزاء! أما أن ينسبه لنبينا محمد ﷺ ، فواللهِ إن هذا هو الكذب الصراح؛ فقد انقشعت الغيمة، وذاب الجليد، وظهرت الخيبة، فيا حسرة!
قرّر فيه -بالاعتماد على مصادره- «السفياني سينتصر على كل من يُحاربه، ويملك بعد دخول فلسطين، وتحرير القدس مثل مُلْكِ بختنصر ملك
стр. 655
بابل القديم، الذي حكم المنطقة كلها» .
ثم يقول فيه (ص ٨٤) بناءً على هذه المقدمة، ومقدمة أُخرى هي: (السفياني) هو (صدام) ، لتعلم المسافةَ الشاسعةَ بين الحقيقة وتوقعه حكمَ المنطقةِ كلِّها -هكذا دون استثناء-:
«فهل هذا هو مُلك الرئيس العراقي صدّام حسين، جابر قلوب الأمة الإسلامية المنكسرة، الأزهر، سليل الفاتحين، محرر القدس في زمان الإفسادة الأخيرة؟ المبعوث من شاطئ دجلة (تكريت) ليطهر بمائه القدس من رجاسات اليهود؟» .
ويقول -أيضاً- (ص ٢٠) :
«فهو -أي: السفياني- من أعظم شخصيات التاريخ الإسلامي؛ إذ يأتي في زمن ضعف الأمة وذلها، فيعزها الله -تعالى- على يديه بتحرير الأقصى، وتطهيره من رجس اليهود، ومن ثم جاء وصفه بأنه «الجابر» الذي يجبر الله -تعالى- على يديه قلوب أمة الإسلام المنكسرة، كما جاء وصفه بأنه (الأزهر) لعلوّ نجمه» .
قال -فُضّ فوه-: «وهذا كله ينطبق على الرئيس العراقي صدام حسين» .
ولذا أهدى كتابه إليه، فقال (ص ٥) : «إلى فخامة الرئيس العراقي صدام حسين، أيها الجابر، أيها الأزهر، قائد أولي البأس الشديد» .
قلتُ: انتهى الموجُ، ووصل إلى حالة الجزر، وزالت الظُّلَّةُ (١) التي تكون مع الفتنة، وركبتَ يا دسوقي! الموج في أوجه في حال مدِّه، وظهرت للعُميان الحقائق، فهل يا ترى نقرأُ منك توبة، أو يُنهى إلينا عنك تراجعٌ علميٌّ، وتحريضٌ للنشأ في أن لا يخوض في الفتنة بلا عدّة، والله إنّ الكلام السابق
стр. 656
في ميزان الشرع الصحيح فتنة ما بعده فتنة! ولا سيما من أمثال الدكتور الدسوقي الذي كنا نحسبه على خير من قبل.
علماء الدين يا ملح البلد ... مَن يُصلح الملح إذا الملح فسد
* مع كتاب «القيامة الصغرى على الأبواب»
هذا كتاب آخر للدكتور فاروق الدسوقي، أنقل منه فقرات عن (العراق) ، و (الفتنة) :
«ولقد أذعنت أكثر الناس وأقوى الدول المشركة لهم -أي: لليهود-، كما أذعن لهم كثير من دول الأمة الإسلامية -إلاّ من رحم الله ، وعلى رأسهم العراق البطل، الذي هاجمته قوى الشر مجتمعة لمدة أربعين يوماً من ١٦ يناير ١٩٩١م حتى ٢٥ فبراير ١٩٩١م لسحقه، ولكنه خرج ... -بفضل الله تعالى- رافع الرأس، وستقوم الجولة الثانية من هذه الحرب -بعد الحصار القاسي- لكي يدمروا الجيش الوحيد الذي يشكل خطراً عليهم، لكن الله سيخزيهم بدخول العراقيين أولي البأس الشديد المسجد عليهم ﴿كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوا تَتْبِيراً﴾ [الإسراء: ٧] » .
ما شاء الله! مغالطات وظلمات!! (صدام) لم يذعن للمشركين واليهود!!!
لو كان ذلك كذلك؛ فلماذا يا دسوقي؟! ألعزّته بالله ورسوله؟! أم لشيء لا يخفى على أحد؟! والأمور بخواتيمها، وعَلِمَ الجميع ماذا حلّ بالعراق، وأنه عاد محتلاًّ كفلسطين، أعادهما الله إلى حظيرة الإسلام والمسلمين.
وكلامه السابق خطأ مكشوف، ظهر لكل ذي عينين، سببه عبثه بالنصوص التي جاءت في ذكر أشراط الساعة، من مثل قوله (ص ٢٧١) :
«وأخرج البخاري ﵀ عن الحشر نحوه عن أبي هريرة مرفوعاً: «يحشر الناس على ثلاث طرائق: راغبين وراهبين، واثنان على بعير،
стр. 657
وثلاثة على بعير، وأربعة على بعير، وعشرة على بعير، وتحشر بقيتهم النار تقيل معهم حيث قالوا، وتبيت معهم حيث باتوا، وتصبح معهم حيث أصبحوا، وتمسي معهم حيث أمسوا» .
قال فاروق الدكتور فيما لم يسبق إليه، وهي فلتة بسبب ظروف سياسية عامة، ونفسية خاصة، اعتراها غموض، مما جعله يفسر هذا الحديث بقوله:
«وهذه الرواية أوضح تصوراً، وهي مطابقة لِمَا حدث في الحرب العالمية العراقية الأخيرة؛ لأنّ الحديث وضّح أنّ الناس خرجوا صنفين:
راهبين؛ وهم أهل الكويت الذين لم يخرجوا من بلادهم إلاَّ خوفاً.
وراغبين؛ وهم الذين كانوا يعملون في الكويت من بلاد أخرى، فهم راغبون في الوصول إلى أهليهم وأوطانهم.
واثنان على بعير؛ أي: يركبان سيارة خاصة، وثلاثة -أيضاً-، وأربعة، وهذا مما تحتمله السيارات الخاصة، وبعد ذلك عشرة على بعير إشارة إلى السيارات الخاصة الكبيرة مثل «الجيمس» ، وما في حجمها إذ تحمل عشر ركاب» (١)
انتهى.
стр. 658
قال صديقنا أبو العينين -حفظه الله تعالى-:
«فانظر إلى تحريف كلام النبي ﷺ ؛ فالنبي ﷺ يقول: «على بعير» ، وهو يقول: على سيارة.
وأما قوله: «والدليل على صحة هذا الفهم أنّ البعير لا يمكن أنْ يركبه عشرة، كما لا يمكن أنْ يركبه أربعة، ولما كان البعير هو وسيلة السفر قديماً، وحلّت السيارات محله؛ ذكر البعير كناية عن السيارات الحديثة» .
قلت: هذا -كما يقولون- عذرٌ أقبح من ذنب؛ فإنّ اعتراضه على ذكر النبي ﷺ البعير بكون العشرة لا يمكن أنْ يركبوا على بعير، فكلام ساقط؛ لأنه يقيس على حالة الاختيار، وهم في حال خوف وهلع، فالواحد منهم كالغريق الذي يتعلق بأي شيء حتى ولو بقشة، ويحتمل -أيضاً- أنهم يتعاقبون عليه؛ فتدبر!!» (١) انتهى.
وفي (ص ٢٤٧) ، قال: «جاء في «كشف الأستار عن زوائد البزار» ما نصه: قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تذهب الدنيا حتى تكون رابطة من المسلمين بموضع يقال له: بولان، حتى يقاتلوا (٢) بني الأصفر، يجاهدون في سبيل الله، لا تأخذهم في الله لومة لائم، حتى يفتح الله عليهم قسطنطينية، ورومية بالتسبيح والتكبير؛ فيهدم حصنها، وحتى يقتسمون المال بالأترسة، يصرخ صارخ: يا أهل الإسلام! قد خرج المسيح الدجال في بلادكم ودياركم، فيقولون: من هذا الصارخ؟ فلا يعلمون من هو، فيبعثون طليعة تنظر: هل هو
стр. 659
المسيح؟ فيرجعون إليهم فيقولون: لم نر شيئاً، ولم نسمعه، فيقولون: واللهِ إنه والله ما صرخ الصارخ إلاّ من السماء أو من الأرض، قالوا: نخرج بأجمعنا، فإنْ يكن المسيح بها نقاتله حتى يحكم الله بيننا وبينه، وهو خير الحاكمين، وإنْ تكن الأخرى؛ فإنها بلادكم وعساكركم وعشائركم رجعتم إليها» (١) .
قال الدكتور: «فإذا ثبت (٢) لنا بما لا يدع مجالاً للشك، أنّ هذا الحدث هو معركة الكويت التي هي الحرب العالمية الثالثة؛ فإننا الآن نكون يقيناً في انتظار الزلزال العظيم الذي هو علة الخسوف الثلاثة التي هي الآيات الثلاث الأولى من الآيات العشر» .
قلتُ: يظهر في تفسير الدكتور لهذا الحديث -مع ضعفه- أثر الفكرة التي ذكرها في مقدمة كتابه (٣) ، وهي أنّ حرب الكويت مذكورة في السُّنة، حتى إنه لم يلتفت أو لم ينتبه إلى ما ينقض تفسيره للحديث في الحديث نفسه؛ فإنّ الحديث ناطقٌ بأنّ القتال الدائر بين المسلمين والنصارى يُسفر عن فتح القسطنطينية وروما -عاصمة إيطاليا- بالتسبيح والتكبير، ويكون ذلك في عهد المهدي -الذي يظهر في عهده الدجال- كما هو مذكور في الحديث -أيضاً-،
стр. 660
فأين هذا من حرب الكويت التي مضى عليها أكثر من أحد عشر عاماً، ولم يحدث شيءٌ من ذلك، ولكنها سيطرة الفكرة على صاحبها، والله المستعان.
وفي (ص ٢٥٦) قال: «عن أبي ذر ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «إنه سيكون رجل من بني أمية بمصر يلي سلطاناً، ثم يُغلب على سلطانه، أو ينزع منه، فيفر إلى الروم، فيأتي بالروم إلى أهل الإسلام، فتلك أول الملاحم» (١) .
ثم قال: «فقوله ﷺ : «إنه سيكون رجل من بني أمية بمصر يلي سلطاناً» ؛ أي: بمصرٍ من الأمصار، وليست مصر النيل، أما كون حاكم الكويت وأسرته من بني أمية؛ فإنه من الثابت أنهم من عنيزة، وهذه الأخيرة قد سكنها الأمويون.
قوله ﷺ : « ... ثم يغلب على سلطانه، أو ينزع منه» إشارة إلى زوال هذا السلطان عنه بالقوة، وهذا هو ما حدث لحاكم الكويت بغزو العراق لبلده، إذ صار لاجئاً بلا سلطان ... » إلى آخر ما قال.
فانظر تكلفه وتعسفه في حمل الحديث على وقعة الكويت لسيطرتها عليه؛ فالحديث أولاً ضعيف لا يعتمد عليه، وهو لا يبالي بذلك، ثم في الحديث أنّ ذلك الحاكم على مصر، فيقول: (بمصر: بلد من البلدان، وليست مصر النيل) ، ثم يتجاسر على نسبة حاكم الكويت جابر الصباح إلى بني أمية، مع أنّ هؤلاء من العرب، وأنسابهم محفوظة، ولم يدّعوا ذلك في أنفسهم،
стр. 661
لكنها الفكرة عند الدكتور! تدفعه ليقول لهم: (أنا أَعرَف بنسبكم منكم، أنتم من بني أمية) .
ثم في الحديث ما ينقض كلامه من أصله في قوله: «فيأتي بالروم إلى أهل الإسلام، فتلك أول الملاحم» ؛ فالملاحم هي التي تكون في عهد المهدي الذي يظهر في عهده الدجال، ثم عيسى ابن مريم؛ ففي «صحيح مسلم» (٢٨٩٧) : عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تقوم الساعة حتى ينزل الروم بالأعماق -أو بدابق-؛ فيخرج إليهم جيش من المدينة من خيار أهل الأرض يومئذ، فإذا تصافوا، قالت الروم: خلوا بيننا وبين الذين سبوا منا نقاتلهم، فيقول المسلمون: لا والله! لا نخلي بينكم وبين إخواننا فيقاتلونهم؛ فينهزم ثلث لا يتوب الله عليهم أبداً، ويقتل ثلثهم أفضل الشهداء عند الله، ويفتتح الثلث، لا يفتنون أبداً، فيفتتحون قسطنطينية، فبينما هم يقسمون الغنائم قد علّقوا سيوفهم بالزيتون إذ صاح فيهم الشيطان: إنّ المسيح قد خلفكم في أهليكم، فيخرجون وذلك باطل، فإذا جاءوا الشام خرج، فبينما هم يعدون للقتال يُسوون الصفوف إذ أقيمت الصلاة، فينزل عيسى ابن مريم ﷺ ، فأمهم، فإذا رآه عدو الله ذاب كما يذوب الملح في الماء، فلو تركه لانذاب حتى يهلك، ولكن يقتله الله بيده، فيريهم دمه في حربته» .
وروى مسلم عن ابن مسعود مرفوعاً نحو هذا المعنى.
وروى الإمام أحمد (٤/٩١) عن ذي مخمر عن النبي ﷺ قال: «تصالحون الروم صلحاً آمناً، وتغزون أنتم وهم عدواً من ورائهم فتسلمون، وتغنمون، ثم تنزلون بمرج ذي تلول، فيقوم إليه رجل من الروم فيرفع الصليب، ويقول: ألا غلب الصليب، فيقوم إليه رجل من المسلمين فيقتله، فعند ذلك تغدر الروم، وتكون الملاحم، فيجتمعون إليكم، فيأتونكم في ثمانين غاية، مع كل غاية عشرة آلاف» .
стр. 662
ورواه أبو داود (٤٢٩٢) ، وابن ماجه (٤٠٨٩) وغيرهم.
قلت: إسناده صحيح.
ففيه أنّ المسلمين يقاتلون مع النصارى عدوّاً مشتركاً، ثم تغدر النصارى، فيكون القتال بين المسلمين والنصارى، فهل وقع ذلك بعد حرب الكويت؟!
لقد مضى على تلك الحرب المشؤومة أحد عشر عاماً، وما رأينا شيئاً من ذلك (١) .
قال أبو عبيدة: الدسوقي واحد من عصابة تواطأت في شروحها على كون (فتنة السراء) غزو صدام للكويت! وإلى هنا تكون الفضيحة مستورة، وأما القول بانتصار صدام، وأنّ هذه الجولة هي الأولى من الحرب العالمية الثالثة، المسماة «هرمجدون» ، كما في كتاب «هرمجدون» -أيضاً- (ص ١٩) ؛ فهذا مما لا يقبله عاقل الآن.
* مع الهواة والمقلّدين
وقبل أنْ أترك التمثيل للتأصيل، أُراني مضطراً إلى التنويه بمراهقة فريق من الخائضين في الفتن، أُجِلُّ تلك العصابة عن قبولهم في صفوفهم؛ لأنّ هؤلاء ما زالوا في فترة الطيش والتدريب (٢) ، أما أولئك فمنهم (الدهاقنة) و (الأساتذة) ، وهم في تأصيلاتهم وأطروحاتهم عن الفتن (رأس الفتنة) و (حربتها) ، التي خدمت أعداء الله كثيراً، علموا أو لم يعلموا!
وعلى رأس هؤلاء: فهد سالم في كتابه (٣)
«أسرار الساعة وهجوم
стр. 663
الغرب» ؛ فهو يعلن بصراحة، وعلى رؤوس الأشهاد تحت عنوان: (السيناريو (١) المحتمل لتسلسل حوادث الفتن) ؛ فيقول (ص ١٤١ وما بعد) :
«في عام ١٩٩٨ يُشغل الناس باللعب واللهو في أولميباد باريس، ثم تفاجئهم علامات الساعة الكبرى، وهم في غفلتهم يلعبون ...
في ١/١/١٩٩٩، وفي الساعات الأولى من صباح يوم الجمعة ١٥ رمضان ١٤١٩هـ، يتم ارتكاب العمل الكوني المفزع؛ وهو تفجير المسجد الأقصى، وفي نفس اليوم تصل طلائع القوات الغربية، وتنزل في الأردن، وتحاصر بيت المقدس» .
ويقول (ص ١٣٦) :
«بعد تفجير الأقصى مباشرة يتم دخول الجيوش الغربية الأردن وفلسطين، وتطوق القدس حماية لليهود، حتى يكملوا بناء الهيكل مكان المسجد» .
ويكتمل مسلسله بما صرّح به (ص ٨٤) ؛ فقد زعم: أنّ المهدي يظهر في يوم الثلاثاء الموافق ٢٥ محرم ١٤٢٠هـ، ويحدد المدة بين ظهور المهدي
стр. 664
ونزول عيسى ﵇ بأنها ثمانية أشهر.
وزعم (ص ١٤٦) ما يلي:
في ١ ربيع الثاني ١٤٢٠هـ، الموافق ١٤/٧/١٩٩٩م ينطلق صارو خ نووي من الخليج إلى أوروبا مستهدفاً الفاتيكان حسب الخطة المرسومة.
وزعم في الصفحة نفسها:
في أغسطس ١٩٩٩م، الموافق ١٩ ربيع الثاني ١٤٢٠هـ، تبسط إيران سيطرتها على معظم دول الخليج، وبعد ذلك يتم إلقاء قنبلة نووية أمريكية تدمر إيران بعد أن دمرت الخليج.
وزعم فيها -أيضاً- ما يلي:
في جمادى ورجب وشعبان (أي: ١٤٢٠هـ) الموافق من شهر سبتمبر ١٩٩٩م حتى نوفمبر؛ تبدأ الملحمة الكبرى من مقر قيادة المسلمين في دمشق تحت قيادة المهدي ﵇.
في ١٥ شعبان ١٤٢٠هـ، الموافق ٢٣ نوفمبر ١٩٩٩م يخرج المسيح الدجال (١) بفتنته الكبرى؛ حيث يدعي الألوهية، ويظهر المعجزات لفتنة الناس.
وزعم في الصفحة التي بعدها (ص ١٤٧) أنه:
في يوم الجمعة ١/١/٢٠٠٠م، الموافق ٢٥ رمضان ١٤٢٠هـ تشرق الأرض بنور النبي والرسول العظيم عيسى ﵇، ينزل في القدس، والمسلمون بقيادة المهدي، يحاصرهم الدجال هناك.
يدعي أنّ عيسى ﵇ ينزل إلى الأرض سنة ٢٠٠٠م، ثم
стр. 665
يقول:
«وهذه النتيجة تكاد تتفق تماماً مع ما يعلنه ويبشر به أهل الكتاب عن طريق الحساب الموجود في كتبهم، وهو ما يعتقده كثير من الرهبان والقادة الكبار في العالم الغربي، وقد توصلنا إلى ذلك -ولله الحمد- عن طريق الاعتماد على أحاديث رسولنا العظيم ﷺ !!
وعندما يراه الدجال؛ يهرب من القدس متوجهاً إلى أكبر مطارات إسرائيل، وهو مطار اللد الدولي، ولكن عيسى يلحق به قبل أن يقلع بطائرته، ويقتله قرب باب اللد» .
ويدعي (ص ٧٠) :
أنّ وفاة عيسى ﵇ ستكون عام ٢٠٠٧م، وأنّ نهاية عمر الدنيا ستكون -بإذن الله- عند طلوع الشمس من مغربها في عام ٢٠١٠م.
وأمّا جرأته على تعيين شخصيات هذه الأحداث؛ فأمر عجيب:
فهو يرى أنّ «الأبقع» هو ياسر عرفات، وأنّ الرجل «المشوه» هو الشيخ أحمد ياسين -حفظه الله-، وأنّ «الأصهب» حافظ الأسد، وأنّ «السفياني» هو ملك الأردن (الملك حسين) ، الذي سيبعث جيوشه إلى العراق والمدينة (١) ،
стр. 666
وأنّ «صدام حسين» سيقتل في الكوفة (١) ، وأنّ «عمر البشير» حاكم السودان هو الحاكم العادل المقصود بحديث: «يكون بأفريقية أميراً اثنتي عشرة سنة، ثم تكون بعده فتنة، ثم يملك رجل أسمر يملؤها عدلاً، ثم يسير إلى المهدي، فيؤدي إليه الطاعة، ويقاتل عنه» رواه نعيم بن حمّاد في كتاب «الفتن» (٢) .
ومن هذه المراهقة:
ما زعمه أبو محمد جمال بن محمد بن الشامي في كتابه «العالم ينتظر ثلاثاً» (ص ٦٩-٧٠) عن (الدجال) -وقال كلاماً هجراً-، ومما فيه مما يخالف العقل والمحسوس قوله:
«وجود صورة المسيح الدجال على ظهر فئة الواحد دولار» !!
وزعم مراهق آخر في (موقع القلعة العربي) بتاريخ ١٥/١١/١٤٢١هـ، وسمى نفسه (نور الدين) ! أنها ستكون أحداث بين أمريكا والصين في وقت قريب، وتنتهي بظهور المهدي من (تايوان) ! هكذا ... المهدي (تايواني) ، قاتل الله الدّجالين!
стр. 667
فصل
في تفسير هذه الظاهرة مع الأدلّة
لا تفسير لهذه الظاهرة -على فرض صدق نوايا أصحابها- إلاَّ بما ورد في مجموعة من النصوص من نزع عقول الناس آخر الزمان عند هبوب الفتن.
أخرج أحمد (٤/٣٩١-٣٩٢، ٤٠٦، ٤١٤) -واللفظ له-، والبخاري في «الأدب المفرد» (١١٨) وفي «التاريخ الكبير» (٢/١٢) ، وابن ماجه (٣٩٥٩) ، وأبو يعلى (٧٢٢٨، ٧٢٣٤) ، ونعيم بن حمّاد في «الفتن» (١/٣٠، ٤١ رقم ١٠، ١١، ٤٨، ٦٨) بسندٍ صحيح عن أبي موسى الأشعري، أنّ رسول الله ﷺ قال «إنَّ بين يدي الساعة الهَرْج» ، قالوا: وما الهرج؟ قال: «القَتْل» ، قالوا: أكثر مما نَقْتُل؟ إنا لنقتلُ كلَّ عام أكثر من سبعين ألفاً، قال: «إنَّه ليس بقَتْلِكُم المشركين، ولكن قَتْل بعضكم بعضاً» ، قالو: ومعنا عقولنا يومئذ؟ قال: «إنَّه لتُنزعُ عقولُ أهل ذلك الزمان، ويَخْلُفُ له هباءٌ من الناس، يَحْسَبُ أكثرُهُم أنّهم على شيءٍ، وليسوا على شيءٍ» .
قال أبو موسى: والذي نفسي بيده، ما أجدُ لي ولكم منها مخرجاً إن أدركتني وإيَّاكم، إلاَّ أنْ نخرُجَ منها كما دَخَلْنا فيها، لم نُصِبْ منها دماً ولا مالاً.
وعزاه الهيثمي في «المجمع» (٧/٣٢٤) للطبراني في «الكبير» ، وقال: «وفيه من لم يُسمَّ» ! وفاته العزو إلى أبي يعلى وأحمد!
قلتُ: الحديث له طرق، وهو صحيح، كما تراه في «السلسلة الصحيحة» (١٦٨٢) تحت عنوان: (من أعلام نبوّته ﷺ .
وسبق (١) قول علي ﵁: «جعل الله في هذه
стр. 668
الأمة خمس فتن ... » وذكر الأخيرة، وقال: «ثم تجيء فتنة سوداء مظلمة؛ فيصير الناس فيها كالبهائم» .
ووصف حذيفة فيما ثبت عنه (١) هذه الفتنة بأنها: (دهماء مجلّلة) ؛ فهي سوداء مظلمة، تدهم الناس جميعاً، يعتريها غموض وخفاء، فكأنّها غُطّت وجُلِّلت، من أشخص إليها، وتعجّل أحداثها، أذهبت عقله، ونسفته نسفاً.
أخرج عبد الرزاق في «المصنف» (١١/٣٥٩ رقم ٢٠٧٤٠) ، ومن طريقه نعيم بن حماد في «الفتن» (١/١٤٠، ١٧٧ رقم ٣٤٣، ٤٧٢) والطبراني، وعنه أبو نعيم في «الحلية» (١/٢٧٣) ، والحاكم (٤/٤٤٨) : أخبرنا معمر، عن أبي إسحاق، عن عُمارة بن عُمير (٢) ، عن حذيفة، قال:
«إيّاكم والفتن؛ لا يشخص إليها أحد، فوالله ما شخص فيها أحد إلاّ نسفته، كما ينسف السيل الدمن، إنها مشبهة مقبلة، حتى يقول الجاهل: هذه تشبه ... ، وتبين مدبرة» .
وهذا إسناد رجاله ثقات، وأبو إسحاق هو عمرو بن عبد الله السبيعي، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
فالفتنة: مظلمة، ودهماء، مجلّلة، مشبهة، مقبلة، تجعل الناس كالبهائم، والجاهل من الناس من يتعرض لإسقاط هذا النوع من الفتن على الأحداث، فتُشَبَّه عليه عند إقبالها بالذي يجري، وعند إدبارها تبين على حقيقتها! والسعيد
стр. 669
من جنّبها، وحفظ عقله حتى يتبين ويتثبت؛ لأنها كالخمر.
أخرج أبو نعيم في «الحلية» (١/٢٧٤) عن حذيفة -رضي الله تعالى عنه-، قال: «ما الخمر صرفاً بأذهب بعقول الرجال من الفتنة» .
وتأمل قول أبي موسى على إثر ما رفعه في الحديث المتقدم قريباً: «والذي نفسي بيده! ما أجد لي ولكم منها مخرجاً إن أدركتني وإياكم إلاّ أن نخرج منها كما دخلنا فيها» .
وهذا هو معيار السلامة منها، وأما من أُركس فيها، فعلامته:
ما أخرجه أبو نعيم في «الحلية» (١/٢٧٢-٢٧٣) -أيضاً- بسنده إلى حذيفة على إثر حديث صحيح، قال: « ... فمن أحب منكم أنْ يعلم أَصَابَتْهُ الفتنةُ أم لا؟ فلينظر! فإنْ كان يرى حراماً ما كان يراه حلالاً، أو يرى حلالاً ما كان يراه حراماً؛ فقد أصابته الفتنة» ، وهذا ضابط كلي مهم، من خلاله يُعْرَفُ المفتونون، ويجب على العلماء وطلبة العلم النبهاء، والدعاة الصادقون العملُ على كشفهم، وتقويم اعوجاجهم، والتحذير من سمّهم.
فهم -كما في حديث أبي موسى- مَنْزُوعو العقول، و «يخلف لهم هَبَاء (١)
من الناس» ، وهم حثالة على كثرتهم -لا بارك الله فيهم، ولا رحم فيهم مغرز إبرة-، صفتهم كما أخبر النبي ﷺ : «يحسب أكثرُهم أنهم على
стр. 670
شيء، وليسوا على شيء» .
فالفتن التي ستظهر آخر الزمان تُذهب عقولَ طائفة كبيرة من الرجال (١) ، وتصبح هذه العقول معوجَّة (٢) ، لا اتّزان فيها، ولا عدل ولا إنصاف، تقتحم المهالك، وتخوض في الفتنة بالفتنة، دون علم ولا حلم، ورحم الله الحسن البصري القائل:
«إنّ الفتنة إذا أقبلت عرفها العالم، وإذا أدبرت عرفها كل جاهل» (٣) .
فـ «الفتنة لا تجيء تهدي الناس، ولكن تجيء تقارع المؤمن عن دينه» هكذا قال مطرف بن عبد الله بن الشخير، فيما أسند عنه أبو نعيم في «الحلية» (٢/٢٠٤) وغيره.
فغفل هؤلاء العابثون في أحاديث الفتن، الخائضون فيها للرُّكب عن هذه الحقيقة؛ فظنوا أنها جاءت لهدايتهم! وغفلوا عن أنها قرعت عقولهم، وأذهبتها وأضعفت دينهم وأوهنته، ولا قوه إلا بالله العلي العظيم!
فصل
في تحليل هذه الظاهرة وتأريخها
في أجواء الحوادث الجسام، والفتن العاصفات، تتحفّز القوى النفسيّة