← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 3346

العراق في أحاديث وآثار الفتن

مشهور آل سلمان

Полный текст (775 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

وأنّ «صدام حسين» سيقتل في الكوفة (١) ، وأنّ «عمر البشير» حاكم السودان هو الحاكم العادل المقصود بحديث: «يكون بأفريقية أميراً اثنتي عشرة سنة، ثم تكون بعده فتنة، ثم يملك رجل أسمر يملؤها عدلاً، ثم يسير إلى المهدي، فيؤدي إليه الطاعة، ويقاتل عنه» رواه نعيم بن حمّاد في كتاب «الفتن» (٢) . ومن هذه المراهقة: ما زعمه أبو محمد جمال بن محمد بن الشامي في كتابه «العالم ينتظر ثلاثاً» (ص ٦٩-٧٠) عن (الدجال) -وقال كلاماً هجراً-، ومما فيه مما يخالف العقل والمحسوس قوله: «وجود صورة المسيح الدجال على ظهر فئة الواحد دولار» !! وزعم مراهق آخر في (موقع القلعة العربي) بتاريخ ١٥/١١/١٤٢١هـ، وسمى نفسه (نور الدين) ! أنها ستكون أحداث بين أمريكا والصين في وقت قريب، وتنتهي بظهور المهدي من (تايوان) ! هكذا ... المهدي (تايواني) ، قاتل الله الدّجالين!

стр. 667

فصل في تفسير هذه الظاهرة مع الأدلّة لا تفسير لهذه الظاهرة -على فرض صدق نوايا أصحابها- إلاَّ بما ورد في مجموعة من النصوص من نزع عقول الناس آخر الزمان عند هبوب الفتن. أخرج أحمد (٤/٣٩١-٣٩٢، ٤٠٦، ٤١٤) -واللفظ له-، والبخاري في «الأدب المفرد» (١١٨) وفي «التاريخ الكبير» (٢/١٢) ، وابن ماجه (٣٩٥٩) ، وأبو يعلى (٧٢٢٨، ٧٢٣٤) ، ونعيم بن حمّاد في «الفتن» (١/٣٠، ٤١ رقم ١٠، ١١، ٤٨، ٦٨) بسندٍ صحيح عن أبي موسى الأشعري، أنّ رسول الله ﷺ قال «إنَّ بين يدي الساعة الهَرْج» ، قالوا: وما الهرج؟ قال: «القَتْل» ، قالوا: أكثر مما نَقْتُل؟ إنا لنقتلُ كلَّ عام أكثر من سبعين ألفاً، قال: «إنَّه ليس بقَتْلِكُم المشركين، ولكن قَتْل بعضكم بعضاً» ، قالو: ومعنا عقولنا يومئذ؟ قال: «إنَّه لتُنزعُ عقولُ أهل ذلك الزمان، ويَخْلُفُ له هباءٌ من الناس، يَحْسَبُ أكثرُهُم أنّهم على شيءٍ، وليسوا على شيءٍ» . قال أبو موسى: والذي نفسي بيده، ما أجدُ لي ولكم منها مخرجاً إن أدركتني وإيَّاكم، إلاَّ أنْ نخرُجَ منها كما دَخَلْنا فيها، لم نُصِبْ منها دماً ولا مالاً. وعزاه الهيثمي في «المجمع» (٧/٣٢٤) للطبراني في «الكبير» ، وقال: «وفيه من لم يُسمَّ» ! وفاته العزو إلى أبي يعلى وأحمد! قلتُ: الحديث له طرق، وهو صحيح، كما تراه في «السلسلة الصحيحة» (١٦٨٢) تحت عنوان: (من أعلام نبوّته ﷺ . وسبق (١) قول علي ﵁: «جعل الله في هذه

стр. 668

الأمة خمس فتن ... » وذكر الأخيرة، وقال: «ثم تجيء فتنة سوداء مظلمة؛ فيصير الناس فيها كالبهائم» . ووصف حذيفة فيما ثبت عنه (١) هذه الفتنة بأنها: (دهماء مجلّلة) ؛ فهي سوداء مظلمة، تدهم الناس جميعاً، يعتريها غموض وخفاء، فكأنّها غُطّت وجُلِّلت، من أشخص إليها، وتعجّل أحداثها، أذهبت عقله، ونسفته نسفاً. أخرج عبد الرزاق في «المصنف» (١١/٣٥٩ رقم ٢٠٧٤٠) ، ومن طريقه نعيم بن حماد في «الفتن» (١/١٤٠، ١٧٧ رقم ٣٤٣، ٤٧٢) والطبراني، وعنه أبو نعيم في «الحلية» (١/٢٧٣) ، والحاكم (٤/٤٤٨) : أخبرنا معمر، عن أبي إسحاق، عن عُمارة بن عُمير (٢) ، عن حذيفة، قال: «إيّاكم والفتن؛ لا يشخص إليها أحد، فوالله ما شخص فيها أحد إلاّ نسفته، كما ينسف السيل الدمن، إنها مشبهة مقبلة، حتى يقول الجاهل: هذه تشبه ... ، وتبين مدبرة» . وهذا إسناد رجاله ثقات، وأبو إسحاق هو عمرو بن عبد الله السبيعي، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. فالفتنة: مظلمة، ودهماء، مجلّلة، مشبهة، مقبلة، تجعل الناس كالبهائم، والجاهل من الناس من يتعرض لإسقاط هذا النوع من الفتن على الأحداث، فتُشَبَّه عليه عند إقبالها بالذي يجري، وعند إدبارها تبين على حقيقتها! والسعيد

стр. 669

من جنّبها، وحفظ عقله حتى يتبين ويتثبت؛ لأنها كالخمر. أخرج أبو نعيم في «الحلية» (١/٢٧٤) عن حذيفة -رضي الله تعالى عنه-، قال: «ما الخمر صرفاً بأذهب بعقول الرجال من الفتنة» . وتأمل قول أبي موسى على إثر ما رفعه في الحديث المتقدم قريباً: «والذي نفسي بيده! ما أجد لي ولكم منها مخرجاً إن أدركتني وإياكم إلاّ أن نخرج منها كما دخلنا فيها» . وهذا هو معيار السلامة منها، وأما من أُركس فيها، فعلامته: ما أخرجه أبو نعيم في «الحلية» (١/٢٧٢-٢٧٣) -أيضاً- بسنده إلى حذيفة على إثر حديث صحيح، قال: « ... فمن أحب منكم أنْ يعلم أَصَابَتْهُ الفتنةُ أم لا؟ فلينظر! فإنْ كان يرى حراماً ما كان يراه حلالاً، أو يرى حلالاً ما كان يراه حراماً؛ فقد أصابته الفتنة» ، وهذا ضابط كلي مهم، من خلاله يُعْرَفُ المفتونون، ويجب على العلماء وطلبة العلم النبهاء، والدعاة الصادقون العملُ على كشفهم، وتقويم اعوجاجهم، والتحذير من سمّهم. فهم -كما في حديث أبي موسى- مَنْزُوعو العقول، و «يخلف لهم هَبَاء (١) من الناس» ، وهم حثالة على كثرتهم -لا بارك الله فيهم، ولا رحم فيهم مغرز إبرة-، صفتهم كما أخبر النبي ﷺ : «يحسب أكثرُهم أنهم على

стр. 670

شيء، وليسوا على شيء» . فالفتن التي ستظهر آخر الزمان تُذهب عقولَ طائفة كبيرة من الرجال (١) ، وتصبح هذه العقول معوجَّة (٢) ، لا اتّزان فيها، ولا عدل ولا إنصاف، تقتحم المهالك، وتخوض في الفتنة بالفتنة، دون علم ولا حلم، ورحم الله الحسن البصري القائل: «إنّ الفتنة إذا أقبلت عرفها العالم، وإذا أدبرت عرفها كل جاهل» (٣) . فـ «الفتنة لا تجيء تهدي الناس، ولكن تجيء تقارع المؤمن عن دينه» هكذا قال مطرف بن عبد الله بن الشخير، فيما أسند عنه أبو نعيم في «الحلية» (٢/٢٠٤) وغيره. فغفل هؤلاء العابثون في أحاديث الفتن، الخائضون فيها للرُّكب عن هذه الحقيقة؛ فظنوا أنها جاءت لهدايتهم! وغفلوا عن أنها قرعت عقولهم، وأذهبتها وأضعفت دينهم وأوهنته، ولا قوه إلا بالله العلي العظيم! فصل في تحليل هذه الظاهرة وتأريخها في أجواء الحوادث الجسام، والفتن العاصفات، تتحفّز القوى النفسيّة

стр. 671

لاسْتِكْناه الغيب، والوقوف على ما سيجري. وفي السنة النبوية أحاديث صحيحة كثيرة عن الفتن، وفيها الكثير الكثير من الدّخيل، بل هذا النوع من الأحاديث (أحاديث الملاحم والفتن) كان سبباً لوضع الوضّاعين! لاشتراك الفتن مع الأسباب التي نشأ عنها الوضع؛ مثل: العصبية للفرق المبتدعه، وبعض البلدان أو الأشخاص، من حيث نصرة الآراء والدعاوى، أو الثلب في المناوئ، والرأي المخالف. قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- في «منهاج السنة النبوية» (١/٣٠٦-٣٠٨) : « ... وكان المسلمون على ما بعث الله به رسوله من الهدى ودين الحق، الموافق لصحيح المنقول، وصريح المعقول، فلما قتل عثمان بن عفان ﵁، ووقعت الفتنة، فاقتتل المسلمون بصفين، مرقت المارقة التى قال فيها النبى ﷺ : «تمرق مارقة على حين فُرْقة من المسلمين، يقتلهم أولى الطائفتين بالحق» (١) . وكان مروقها لما حكّم الحكمان، وافترق الناس على غير اتفاق. وحدثت -أيضاً- بدعة التشيع كالغلاة المدعين لإلهية عليٍّ، والمدعين النص على عليٍّ ﵁، السابِّين لأبي بكر وعمر ﵄ ... ) . ثم يقول ﵀: «فهاتان البدعتان؛ بدعة الخوارج والشيعة، حدثتا في ذلك الوقت لما وقعت الفتنة. ثم إنه في أواخر عصر الصحابة حدثت بدعة القدرية والمرجئة؛ فأنكر ذلك الصحابة والتابعون، كعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وجابر بن

стр. 672

عبد الله، وواثلة بن الأسقع ... » . لقد تمخضت الفتنة عن شيعة ينتصرون لعليٍّ ﵁، وعثمانية ينتصرون لعثمان ﵁، وخوارج يعادون الشيعة وغيرهم، ومروانية ينتصرون لمعاوية وبني أمية. فلما لم تسعفهم نصوص القرآن الكريم والحديث دائماً، استباح بعضهم انتحال الكذب، ولجؤوا إلى الوضع في الحديث الذي تأخر جمعه عن القرآن الكريم، حيث ما دون منه حتى نهاية الخلافة الراشدة كان أقل بكثير مما لم يدون، فكانت هذه ثغرة نفذ منها أهل الأهواء، وأولهم الشيعة إلى تحقيق أغراضهم، وكان أول باب طرقه الواضعون هو فضائل الأشخاص، ومثالبهم، ثم أوسعوا بعد ذلك في شتى المعاني» (١) . والحديث في الوضع والوضّاعين كثير، ومثله الكلام على القصص والقصّاصين، وأُفردت لذلك مصنفات، والذي يهُمّني منها -هنا- في تحليل ظاهرة انتشار الكلام على (الملاحم) و (الفتن) التي برزت أخيراً. والتركيز على «الدور الذي لعبه القُصّاص في الكذب على رسول الله ﷺ ، فقد كان كبيراً، والقصص التي تنقل عنهم تشعر بذلك حتى أدى ذلك إلى اتهام غالب القُصّاص، حيث جمْعُ المال غايتُهم، والكذبُ على رسول الله ﷺ أداتُهم ووسيلتُهم، ولقد رويت عنهم أخبار تحاكي الخيال، وحوادث تشبه الخرافات والأساطير» (٢) . ومن الطرق التي ذكرها ابن حبان في مقدمة كتابه «المجروحين» (١/٧٢) عن واحد منهم؛ ممن يختلق ويكذب، وعنده مستند في ذلك، قال:

стр. 673

«دخلت باجروان -مدينة بين الرقة وحران-، فحضرت مسجد الجامع، فلما فرغنا من الصلاة قام بين أيدينا شاب، فقال: حدثنا أبو خليفة، حدثنا الوليد، حدثنا شعبة، عن قتادة، عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : «من قضى لمسلم حاجة فعل الله به كذا ... » وذكر كلاماً طويلاً، فلما فرغ من كلامه، دَعَوْتُه، فقلت: من أين أنت؟ قال: من أهل بردعة. قلت: دخلت البصرة؟ فقال: لا. قلت (١) : رأيت أبا خليفة؟ قال: لا. قلت: فكيف تروي عنه وأنت لم تره؟ فقال: إنّ المناقشة معنا من قلة المروءة، أنا أحفظ هذا الإسناد الواحد، فكلما سمعت حديثاً ضممته إلى هذا الإسناد فرويته، فقمت وتركته» (٢) . وأخبار القُصّاص التي ذكرها علماؤنا (٣) تعكس مدى تجرئهم على الله ورسوله، ووقوعهم في الكذب والتخرص، ولم يكتف هؤلاء القصاص بالقيام عقب الصلوات، وإراقة ماء الوجه والاسترزاق بالكذب حتى طرقوا باب التأليف وصناعة الكتابة في تنفيق كذبهم ونشر أباطيلهم؛ فقد ذكر ابن الجوزي أنّ قَصّاصاً معاصراً (٤) له صنف كتاباً في تلك الترّهات، وذكر من كذبه: أن الحسن والحسين دخلا على عمر بن الخطاب ﵁، وهو مشغول، فلما فرغ من شغله، رفع رأسه، فرآهما، فقام فقبلهما، ووهب لكل واحد منهما ألفاً، وقال: اجعلاني في حل، فما عرفت دخولكما، فرجعا وشكرا بين يدي أبيهما علي بن أبي طالب ﵁، وقال عليٌّ: سمعت

стр. 674

رسول الله ﷺ يقول: «عمر بن الخطاب نور في الإسلام، وسراج لأهل الجنة» ، فرجعا فحدّثاه، فدعا بدواة وقرطاس وكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، حدثني سيدا شباب أهل الجنة، عن أبيهما المرتضى، عن جدهما المصطفى أنه قال: «عمر نور في الإسلام في الدنيا، وسراج أهل الجنة» ، وأوصى أنْ تجعل في كفنه على صدره، فوضع، فلما أصبحوا وجدوه على قبره، وفيه: صدق الحسن والحسين، وصدق أبوهما، وصدق رسول الله ﷺ : «عمر نور الإسلام، وسراج لأهل الجنة» (١) . ومن العجب أنْ تبلغ الوقاحة بمثل هؤلاء القصاص حتى يسودوا الصحائف بمثل هذا الكذب البارد، الذي يشير كل حرف منه على منزلة مؤلفه، وأعجب منه أنْ يتجرأ هذا الكاذب فيعرض كتابه على كبار فقهاء عصره ليكتبوا عليه تصويب ذلك المصنف، وصدق ابن الجوزي إذ يقول: «فلا هو عرف أن مثل هذا محال، ولا هم عرفوا، وهذا جهل متوفر عُلِم به أنه من أجهل الجهَّال الذين ما شمُّوا ريح النقل، ولعله قد سمعه من بعض الطُّرقيين» (٢) . هذه بعض بصمات القُصّاص التي يظهر فيها الكذب على رسول الله ﷺ ، والوضع في الحديث، وقد تركت أثراً سيئاً على المجتمع مما استنفذ جهد السلف في كشفها وبيان عوارها، كما حصل -تماماً- في هذا الزمان مع هذه الدراسات العابثة الغُثائية، غير الجادة، واللا مسؤولة، ورحم الله ابن الجوزي لما قال: «معظم البلاء في وضع الحديث إنما يجري من القصّاص؛ لأنهم

стр. 675

يريدون أحاديث ترقق وتنفق، والصحاح تقلّ في هذا» (١) . قال: «وما أكثر ما يعرض عليَّ أحاديث ذكرها قصاص الزمان، فأرُدّها عليهم، ويحقدون عليَّ، فأُرسل أقول لهم: ما يتهيّأ لكم مع وجود هذا الناقد إنفاقُ زائف» (٢) . قلتُ: هذا في زمان ابن الجوزي، والنقاد والعلماء متوافرون، وأما في زماننا، فواغوثاه! وقد امتنع شعبة بن الحجاج من تحديث القصاص، فلما سئل عن ذلك، أجاب بقوله: «يأخذون الحديث منّا شبراً فيجعلونه ذراعاً» (٣) . وقال أيوب السختياني: «ما أفسد على الناس حديثهم إلا القُصَّاص» (٤) . ومما يلحق بصنيع القَصَّاصين قديماً -إلقاءً وتصنيفاً- ما قام ويقوم به بعضهم من التنقير عن نصوص في كتب فيها تعدٍّ جريء على الغيب؛ مثل: «الجفر» (٥) ، وكتب النبوءات، وما في الإسرائيليات، وإسقاطها على الواقع، دون وجود أدله صريحة صحيحة، وأمارات قوية رجيحة. وصاحَبَ ذلك: شيوعُ المنكرات، وغربةُ الإسلام، وتحقُّقُ بعض ما أخبر به ﷺ من الأحاديث التي فيها ذكر الفساد الخلقي وغيره، والاضطهاد العالمي للمسلمين، والطمع في خيرات بلادهم، وتدهور حال الأمة، وتداعي الكفار عليهم؛ ففزع فريق من الناس -مع قلّة ضبط، وكثرة خبط- إلى أخبار يبحثون فيها عن حَلٍّ، وخروج من الأزمة!

стр. 676

وليس هذا الأمر وليد هذا العصر، بل هو قديم! وكم من راوٍ فضح أمره بمثل هذا الاعتداء على الغيب (١) ! وكم من مُدَّعٍ -قديماً- للمهدوية! وشكى منهم ابن خلدون (٢) ، وذكر توقّعات أمثال هؤلاء ممن يتكهنون ويستشرفون الغيب، وقرر قاعدة مهمة، تنطبق على ما رأينا من خوض في أحاديث الفتن بالظنون، فقال بعد نقله نحو ما ذكرنا من نماذج سابقة -فيها تخرص وتكهن-: «إلى كلام من أمثال هذا، يُعَيِّنون فيه الوقت، والرجل، والمكان، بأدلة واهية، وتحكُّمات مختلفة، فينقضي الزمانُ، ولا أثر لشيء من ذلك، فيرجعون إلى تجديد رأي آخرَ مُنْتَحل كما تراه من مفهومات لغوية، وأشياءَ تخيليّة، وأحكام نجوميّة، في هذا انقضت أعمارُ الأَوَّلِ منهم والآخر» (٣) . وهناك مظاهر عديدة تشترك في زماننا هذا مع ما ظهر قديماً من أحداث شبيهة تتنزل عليها النصوص ؛ منها: أولاً: أنها تنبؤات فردية وشخصية ، تلازم أناساً معينين، لعوامل نفسية، وقد تكون مشبوهة، أو لأطماع دنيوية، تشغل عوام الناس. وذكر ابن خلدون في مطلع «تاريخه» (١/٤١٨-٤٢٠) نماذج عديدة من صنيع هؤلاء، وكُشِفوا بمضيّ الزمن، قال: «ذكر شاذان البلخي: أنّ الملَّة تنتهي إلى ثلاث مئة وعشرين، وقد ظهر كذب هذا القول، وقال أبو مَعْشر: يظهر بعد المئة والخمسين منها اختلاف

стр. 677

كثير، ولم يصح ذلك» . وذكر كلاماً طويلاً عن (الملاحم) ، ووضع بعض الناس مؤلفات لها: نظماً، وزجلاً، ونثراً، وأنها كانت -آنذاك- مشهورة عند أهل المغرب، بل قال (١/٤٢٠) : «إنّ في بعضها تفصيلاً فيه مطابقة من تقدّم عن ذلك من حدثانه، وكذب ما بعده» . فالسابقون للأحداث؛ يهمهم ما هم فيه، ويفصّلون فيما سيجري (١) ، ويخدعون الناس في ذلك؛ «لِمَا جُبلت عليه النفوس من حُبّ التنقّل في الأشياء المتجدّدة، التي لكل منها حصة من الالتذاذ به مستأنفة» (٢) . ثانياً: هذه النبؤات ليست قائمة على أصول علمية، وقواعد مطردة ، ترجع إلى تعليل أو تحقيق، بل يقطع بها عابثون مراهقون، وقد تسبب زيادة طمع الأعداء، ووقوع التربص بهم وببلدانهم، وهي لا تظهر إلا في الساعات الحرجة من تاريخ الأمة، ولما تقف على مفترق الطرق، فهؤلاء يُمهّدون للأعداء بتهيئة النفوس وترويضها إلى نصر دون عناء، وفتح بلاد غير الأعداء! وكَشَفَ عن هذا ابن خلدون، فقال -بعد كلام عن استكناه الغيب، وتطلب معرفته، وبطلان ذلك من النصوص-: «فقد بان لك بطلان هذه الصناعة من طريق الشرع، وضَعْفُ مداركها مع ذلك من طريق العقل، مع ما لها من المضار في العمران الإنساني بما تبعث من عقائد العوام من الفساد إذا اتّفق الصدق من أحكامها في بعض الأحايين اتفاقاً لا يرجع إلى تعليل، ولا تحقيق فيلهج بذلك من لا معرفة له، ويظن اطراد الصدق في سائر أحكامها، وليس كذلك، فيقع في رد الأشياء إلى غير

стр. 678

خالقها. ثم ما ينشأ عنها كثيراً في الدول من توقع القواطع، وما يبعث عليه ذلك التوقع من تطاول الأعداء والمتربصين بالدولة إلى الفتك والثورة، وقد شاهدنا من ذلك كثيراً، فينبغي أنْ تحظر هذه الصناعة على جميع أهل العمران؛ لِمَا ينشأ عنها من المضار في الدين والدول، ولا يقدح في ذلك كون وجودها طبيعيّاً للبشر بمقتضى مداركهم وعلومهم. فالخير والشر طبيعتان موجودتان في العالم لا يمكن نزعهما، وإنما يتعلق التكليف بأسباب حصولهما، فيتعين السعي في اكتساب الخير بأسبابه، ودفع أسباب الشر والمضار، هذا هو الواجب على من عرف مفاسد هذا العلم ومضاره، ولْيَعلَمْ من ذلك أنها وإن كانت صحيحة في نفسها فلا يمكن أحداً من أهل الملّة تحصيلُ علمها ولا ملَكَتها، بل إنْ نَظَر فيها ناظِرٌ، وظن الإحاطة بها؛ فهو في غاية القصور في نفس الأمر؛ فإنّ الشريعة لما حَظَرَت النظر فيها، فُقِدَ الاجتماع من أهل العمران لقراءتها والتحليق لتعليمها، وصار المولع بها من الناس -وهم الأقلّ، وأقلّ من الأقلّ- إنما يطالع كتبها ومقالاتها في كِسْر بيته، متستراً عن الناس، وتحت رِبْقَة الجمهور، مع تشعب الصناعة، وكثرة فروعها واعتِياصِها على الفهم، فكيف يحصل منها على طائل؟! ونحن نجد الفقه الذي عمّ نفعه ديناً ودنيا، وسهلت مآخذه من الكتاب والسنة، وعكف الجمهور على قراءته وتعليمه، ثم بُعْدُ التحقيق والتجميع، وطول المدارسة، وكثرة المجالس، وتعدُّدُها إنما يحذُق فيه الواحد بعد الواحد في الأعصار والأجيال، فكيف يُعلَمُ مهجور للشريعة مضروب دونه سَدُّ الخطر والتحريم، مكتومٌ عن الجمهور صعبُ المآخذ محتاج بعد الممارسة والتحصيل لأصوله وفروعه، إلى مزيد حَدْس وتخمين يكتنفان به من الناظر؟! فأين التحصيل والحِذقُ فيه مع هذه كلها؟! ومدعي ذلك من الناس مردود على عقبه، ولا شاهد له يقوم بذلك لغرابة الفنِّ بين أهل الملّة، وقلّة حمَلَته.

стр. 679

فَاعْتَبِرْ ذلك؛ يتبيّن لك صحة ما ذهبنا إليه، والله أعلم بالغيب فلا يظهر على غيبه أحداً. ومما وقع في هذا المعنى لبعض أصحابنا من أهل العصر عندما غلب العربُ عساكرَ السلطان أبي الحسن، وحاصروه بالقَيْروان، وكثر إرجاف الفريقين الأولياء والأعداء، وقال في ذلك أبو القاسم الرُّوحِيُّ -من شعراء أهل تونس-: أستغفر الله كل حين ... قد ذهب العيش والهناء أُصبِحُ في تونس وأُمسي ... والصبح للَّه والمساء الخوف والجوع والمنايا ... يُحدِثُها الهرج والوباء والناس في مِريَةٍ وحرب ... وما عسى ينفع المِرَاء فأحمديٌّ يرى عَليّاً ... حلَّ به الهُلْكُ والتَّوَّاء وآخر قال سوف يأتي ... به إليكم صَباً رخَاء واللهُ من فوق ذا وهذا ... يقضي لعبدَيْه ما يشاء يا راصد الخُنَّس الجواري ... ما فعَلَتْ هذه السماء مطَلْتُمونا وقد زعَمْتم ... أنكم اليوم أمِليَاء مَرَّ خميسٌ على خميس ... وجاء سبتٌ وأربعاء ونصف شهر وعُشْرُ ثان ... وثالث ضَمَّه القضاء ولا نرى غيرَ زورِ قول ... أذاك جهلٌ أمِ ازدراء إنا إلى الله قد علمنا ... أن ليس يُستَدْفَع القضاء رضِيتُ بالله لي إلهاً ... حسبُكُم البدرُ أو ذُكَاء ما هذه الأنجُمُ السواري ... إلاَّ عَبَاديد أو إماء يُقضَى عليها وليس تَقضِي ... وما لها في الورى اقتضاء

стр. 680

ضلت عقول ترى قديماً ... ما شأنُهُ الجُرم والفناء وحكَمَتْ في الوجود طبعاً ... يُحدِثُه الماء والهواء لم تر حلواً إزاء مُرّ ... تغذُوهم تربة وماء الله ربي ولست أدري ... ما الجوهر الفرد والخلاء ولا الهَيُولى التي تنادي ... ما لي عن صورة عراء ولا وجودٌ ولا انعِدام ... ولا ثُبوتٌ ولا انتفَاء والكَسْب لم أدر فيه إلا ... ما جلَبَ البيع والشراء وإنما مذهبي وديني ... ما كان للناس أولياء إذ لا فصولٌ ولا أصول ... ولا جدال ولا رياء ما تبِعَ الصَّدْر واقتفينا ... يا حبذا كان الاقتفاء كانوا كما يعلَمُون منهم ... ولم يكن ذلك الهَذَاء يا أشعَرِيَّ الزمان إني ... أشعَرَني الصيفُ والشتاء لم أُجْزَ بالشر غير شر ... والخَيرُ عن مثله جزاء وإنني إن أكن مطيعاً ... فلست أَعصِي ولي رجاء وإنني تحت حُكْم بار ... أطاعه العرش والثراء ليس انتصارٌ بكم ولكن ... أتاحه الحُكْم والقضاء لو حُدِّث الأشعريُّ عَمَّن ... له إلى رأيه انتماء لقال أخبِرْهُم بأني ... مما يقولونه براء» (١) قال أبو عبيدة: فهذه التنبؤات لها صلة بالغيب، والمسلم يبرأ من التخرصات والرجم بالغيب، ويعتقد أنّ هذا خلل كبير في عقيدته، قد يخرجه

стр. 681

من ملّة الإسلام، وعليه؛ فلا دور للعقل في قبول هذه التنبؤات (١) ، وإنْ وقع صِدْقُ بعض المخبرين، فهو فَلْتَةٌ، وليس بناءً على قواعد علمية مطردة، قائمة على بحث وتعليل وتحليل. ثالثاً: كثير من هذه التنبؤات لا مستند لها من الأخبار والآثار الصحيحة ، بل هي منقولة من أخبار القَصَّاصين الأقدمين، وجاء المعاصرون، وتعاملوا معها على أساس غير علمي، سواء في الإسقاط وطريقته (٢) ، فضلاً عن التثبت من صحة أصل هذه الأخبار. ووجه الشبه -في زماننا- في هذه الظاهرة مع من قبلنا: إنّ هذه الأحداث، تحت إلحاح سؤال العامة، وميل النفس البشرية بطبيعتها إلى معرفة المخبوء تفرز تصوّراً لمجريات ما سيحدث، ويتلمّس لهذا التصوّر صبغة القبول والإذعان وعدم ردّه أو المناقشة فيه، من خلال إلصاقه بالشرع بانضوائه تحت الأحاديث التي فيها ذكر للفتن، فيقع الكذب الصراح على رسول الله ﷺ . وعلى الرغم من أنّ هذا الدس الرخيص كاد أنْ يتوقّف، إلا أنّ أسبابه لما تجدّدت عاد فظهر في هذه الآونة، وبسبب انتشار القلم -اليوم-؛ فإنّ واضعي هذا الدس مطالبون بمستند، والكتب المطبوعة موجودة في المكتبات العامة، وبإمكان أي واحد الوقوف عليها، فلم يبق متعلَّق لهؤلاء إلا المخطوطات، وهي كثيرة، موزعة في أرجاء المعمورة، والخبراء بها قلّة من الباحثين، فتسلل بعض الكذابين المعاصرين لواذاً إلى هذا الميدان، واقتحموه بهلكة، واخترعوا أسماء مخطوطات ومؤلّفين (٣) ، ما لهم وجود، ونقلوا منها

стр. 682

أخباراً صاغوها بعبارات ركيكة، بنوا عليها تنبؤات، سرعان ما ظهر كذبها. ثمة أمر مهم؛ وهو: أنّ الكذابين طبقات؛ من حيث زمن الوجود، ومن حيث اصطناع الخبر، وتقصّده، وراج على متأخّريهم -دون قصد منهم للكذب- كذبُ متقدِّميهم. قال ابن الجوزي: «وفي القُصّاص من يسمع الأحاديث الموضوعة فيرويها، ولا يعلم أنها كذب، فيؤذي بها الناس، وقد صنّف جماعة لا عِلْمَ لهم بالنقل كُتباً في الوعظ والتفسير ملؤوها بالأحاديث الباطلة» (١) . قال: «وإذا كان القُصَّاص كذلك، فكيف لا يُذَمُّون» (٢) . قال: «وأكبر أسبابه: أنه قد يعاني هذه الصناعة جهّال بالنقل، يقبلون ما وجدوه مكتوباً، ولا يعلمون الصدق من الكذب، فهم يبيعون على سوق الوقت، واتّفق أنهم يخاطبون الجهّال من العوام، الذين هم في عداد البهائم، فلا ينكرون ما يقولون، ويخرجون فيقولون: قال العالم؛ فالعالم عند العوام من صعد المنبر» (٣) . قال أبو عبيدة: وقام العابثون الخائضون -هذه الأيام- في أحاديث الفتن مقام القصاصين قديماً، ولا نعلم لواحد من هؤلاء مشاركات جادة في العلم، والبحث عن الأسانيد، وتخريج الأحاديث، وِفْق قواعد أهل الصنعة الحديثية، وراجت بضاعتهم عند العوام، وظنوهم علماء العصر (٤) ! فاشتدت الفتنة، وخرّ

стр. 683

بعضهم صريعاً على اليدين والفم! ولعل منشأ اهتمام هؤلاء الخائضين بما وجدوه في بطون الكتب؛ توهمهم أنّ كل ما كُتِبَ وقَدُمَ عهده يصير مُسَلَّماً به، مقطوعاً بصحّته! وهذا خطأ منهجي؛ فالصواب أنّ ما كتبه الناس في الزمان الماضي، هو كالذي يكتبونه الآن، والذي سوف يكتبونه في الزمن الآتي، منه الحق والباطل، والخطأ والصواب، والصدق والكذب، ومنه ما يكتب عن علم، وما يكتب عن ظنٍّ، وعن جهل! والقاعدة المقررة: أنّ المكتوب كالمسموع، لا يوثق به إلاّ إذا جاء بسند متّصل، يحتج برواته، ويوثق بهم للعلم بعدالتهم، فما عساه يوجد في الكتب التي ينقل منها هؤلاء الخائضون، من أحاديث وأحداث، تكشف عن المكنون، وتهتك حجب الغيب؟! فما يوجد فيها -بعد التأكد من صحة ذلك- يعرض على المعلوم من ديننا، وعلى طرق الاستدلال، وصحة الخبر؛ فما وافقه كان له حكمه بقدره، وإلا ضربنا به عرض الحائط، ولا نراه شبهة على المعروف عندنا، بل ما عندنا يكون حجة قاطعة على ما في هذه الكتب من كذب، لا قيمة له في التاريخ فيما ظهر في شبهه ومثله! «وكيف يثق القلب بنقل مَن كثر منهم الكذب، قبل أنْ يعرف صدق الناقل، وقد تعدى شر» (١) هؤلاء الخائضين إلى غيرهم من العامة، الذين لا يضبطون ولا يتقنون! ومن أوجه الشبه بين هؤلاء الخائضين وأولئك القصاصين -وبضاعتهم واحدة، وسوقهم رائجة، لكن لا يفلحون، وسرعان ما ينكشفون-: عدم

стр. 684

الواقعية والمعقولية في النقل والتوقع؛ فهما يغربون في الخيال إلى حدِّ تزييف الخبر وتشويهه، وهم لا يسلمون من الغموض والاضطراب (١) في أحداث الوقائع، أو المعلومات التاريخية، وهذا يجعلهم يخلطون الغثّ بالسمين، ولا يقتصرون على مصادر المعرفة المنهجية، التي تفرض على أصحابها المحافظة على سلامة المعتقد، وصيانة الشريعة من كل إفراط أو تفريط، أو اعوجاج يخرجهم عن جادة الطريق! وهذه نماذج قليلة، أسوقها لإخواني القراء؛ ليعلموا صنيع علمائنا مع هؤلاء، وتصنيفهم لهم، وحكمهم عليهم؛ ليلحقوا النظير بالنظير، والشبيه بالشبيه: أخرج الخطيب في «الجامع» (٢/١٦٢ رقم ١٤٩٢) بسنده إلى ابن حبان، قال: «وجدت في كتاب أَبِي بخطّ يده: قال أبو زكريا -يعني: يحيى بن معين-: كان أبو اليمان يقول لنا: «الحقوا ألواحاً؛ فإنه يجيء ههنا الآن خليفة بسَلَمْيَةَ (٢) ، فيتزوج ابنة هذا القرشي الذي عندنا، ويفتح باب ههنا، وتكون فتنة عظيمة» . قال أبو زكريا: «فما كان من هذا شيء، وكان كله باطل (٣) ، قال زكريا: «وهذه الأحاديث كلها التي يحدثون بها في الفتن، وفي الخلفاء، تكون كلها كذب (٤) وريح، لا يعلم هذا أحد إلا بوحي من السماء» » . ثم ذكر بإسناد صحيح عن أحمد بن حنبل يقول: «ثلاثة كتب ليس لها

стр. 685

أصول: المغازي، والملاحم، والتفسير» (١) . وقال: «وهذا الكلام محمول على وجه؛ وهو: أنّ المراد به كُتُبٌ مخصوصة في هذه المعاني الثلاثة غير مُعْتَمَد عليها، ولا موثوق بصحتها؛ لسوء أحوال مُصَنِّفيها، وعدم عدالة ناقليها، وزيادات القُصّاص فيها. فأما كتب الملاحم؛ فجميعها بهذه الصفة، وليس يصح في ذكر الملاحم المُرْتَقبة، والفتن المُنْتَظرة غير أحاديث يسيرة اتّصَلَتْ أسانيدها إلى الرسول ﷺ من وجوه مرضيّة، وطرق واضحة جليّة» . فهذه الظاهرة قديمة، لها كتبها، ومُروّجوها، وأعلامها، وأساليبها، والعِلْم الصحيح -بقواعده ومنهجيته- بريء منها، وأعلامنا وعلماؤنا، وعلى رأسهم المحدِّثون منهم قالوا كلمتهم فيها، فها هو أبو الخطاب بن دحية يقول على إثر خبر من وضع هؤلاء: «ومن أسند مثل هذا إلى نبي، عن غير ثقة أو توقيف من نبينا ﷺ ؛ فقد سقطت عدالته، إلاّ أن يبين وضعه؛ لتصح أمانته، وقد ذكر في هذا الكتاب من الملاحم، وما كان من الحوادث، وسيكون، وجمع فيه التنافي والتناقض بين الضب والنون، وأغرب فيما أعرب في روايته عن ضرب من الهوس والجنون، وفيه من الموضوعات ما يُكَذِّبُ آخِرُهَا أوَّلَها، ويتعذر على المتأول لها تأويلها، وما يتعلق به جماعة الزنادقة، ومن تكذيب الصادق المصدوق محمد ﷺ ، أنّ في سنة ثلاث مئة يظهر الدجَّال من يهودية أصبهان، وقد طعنَّا في أوائل سبع مئة في هذا الزمان، وذلك شيء ما وقع ولا كان، ومن الموضوع فيه المصنوع، والتهافت الموضوع، الحديث الطويل الذي استفتح به كِتَابَهُ؛ فهلاّ اتقى الله، وخاف عِقَابَهُ، وإنّ من أفضح فضيحة في الدين نقلَ مثل هذه

стр. 686

الإسرائيليات عن المتهودين؛ فإنه لا طريق فيما ذُكِرَ عن دانيال إلا عنهم، ولا رواية تُؤْخَذُ في ذلك إلا منهم» (١) . ونحن نردّد خطاب أبي الخطاب، ونوجِّههه لصاحب كتاب «هرمجدون» وأمثاله، ومَنْ صدّق به في يوم من الأيام، لعلهم يرعوون! ونسوق جملةً من صنيع هؤلاء الممخرقين التي تذكرنا بكتاب بـ (هرمجدون) ، لعلهم يتوبون! قال ابن خلدون بعد ذكره لمعرفة الناس بالمغرب جزءاً منسوباً يسمونه: «الجفر الصغير» ، وما ظهر في دولة بني العباس من المنجِّمين، مَن لهم عناية مميزة بـ (الملاحم) ، وما سيقع في قابل الأيام: «ثم كتب الناس من بعد ذلك في حَدَثَان الدول منظوماً ومنثوراً ورَجَزاً -ما شاء الله- أن يكتبوه، وبأيدي الناس متفرقة كثير منها، وتسمى الملاحم. وبعضها في حدثان الملّة على العموم، وبعضها في دولة على الخصوص، وكلها منسوبة إلى مشاهير من أهل الخليقة، وليس منها أصل يُعتمَد على روايته عن واضعه المنسوب إليه. فمن هذه الملاحم بالمغرب قصيدة ابن مُرّانَة من بحر الطويل على رَوِيّ الراء، وهي مُتداوَلة بين الناس، وتحسب العامة أنها من الحدثان العام؛ فيطلقون الكثير منها على الحاضر والمستقبل، والذي سمعناه من شيوخنا أنها مخصوصة بدولةِ لِمْتُونَةَ؛ لأنّ الرجل كان قُبيل دولتهم، وذكر فيها استيلاءهم على سَبْتَةَ من يد موالي بني حَمُّود ومُلكِهم لِعُدْوة الأندلس، ومن الملاحم بيد أهل المغرب -أيضاً- قصيدة تسمّى التبعيّة أوّلها: طربتُ وما ذاك مني طَرَب ... وقد يطربُ الطائرُ المغتَصَب وما ذاك مني لِلَهْوٍ أراه ... ولكن لتذكار بعض السبب

стр. 687

قريباً من خمس مئة بيت أو ألف فيما يقال، ذكر فيها كثيراً من دولة الموحدين، وأشار فيها إلى الفاطمي وغيره، والظاهر أنها مصنوعة، ومن الملاحم بالمغرب -أيضاً- مُلَعِّبَة من الشِّعْرِ الزجَلي (١) منسوبة لبعض اليهود، ذكر فيها أحكام القِرَانات لعصره العَلَويين والنَّحْسَيْن وغيرِهما، وذكر ميتته قتيلاً بفاس، وكان كذلك فيما زعموه ... » (٢) إلى قوله: «ومن ملاحم المغرب -أيضاً- قصيدة من عروض المتقارب على رويّ الباء في حدثان دولة بني أبي حفص بتونس من الموحّدين منسوبة لابن الأبّار. وقال لي قاضي قُسَنْطينيَّة الخطيب الكبير أبو عليّ بن باديس، وكان بصيراً بما يقوله، وله قَدَم في التنجيم، فقال لي: إنّ هذا ابن الأبّار ليس هو الحافظ الأندلسي الكاتب مَقْتُولَ المستنصر، وإنما هو رجل خيّاط من أهل تونس تواطأت شهرته مع شهرة الحافظ، وكان والدي -رحمه الله تعالى- يُنشِدُ هذه الأبيات من هذه الملحمة، وبقي بعضها في حفظي ... » (٣) . في كلام كثير له -فيه ذكر لكثير من الملاحم، التي وضعت لسرقة عقول الناس؛ لترويج أمرٍ ما في زمن الفتنة، مِن مثل قوله: «ووقفت بالمغرب على ملحمة أخرى في دولة بني أبي حفص -هؤلاء- بتونس، فيها بعد السلطان أبي يحيى الشهير عاشر ملوكهم ذِكْرُ محمدٍ أخيه مِن بعده يقول فيها: وبعد أبي عبدِ الإله شقيقُه ... ويُعرَف بالوثَّاب في نسخة الأصل إلا أنّ هذا الرجل لم يملكها بعد أخيه، وكان يمنِّي بذلك نفسه إلى أن

стр. 688

هلك ... » (١) . رابعاً: قد يقول قائل: ليست جميع الأحاديث التي يستدل بها هؤلاء كما زعمتَ ، فبعضها حكم عليها أصحاب الصنعة الحديثية بالصّحة؟! فأقول: نعم؛ عندهم قليل من هذا الصنف، ولكنه مسوق في أجواء تلك الأخبار التي لا أزمّة لها ولا خطام، وموضوع بين ذاك الركام، على وجه فيه تحريف للكلام، ولعب على عقول السذج العوام، وهاكم معالم هذا التحريف على التمام: أولاً: فَهِمَ هؤلاء الخائضون العابثون أحاديث الفتن على غير منهج السلف الكرام، وجعلوها أداةً للخنوع والاستسلام، وانتظار ما سيقع بالناس من الفتن العظام، وأخرجوها عن المقصد الأصلي لقائلها ﵊، من التحذير والحرص على عدم التلبّس بأسبابها، والوقوع في إرهاصاتها، والعمل على البُعد عنها وإبعادها، فقلبوها وغيّروها وحرفوها. ثانياً: أما التحريف؛ فيشمل: تحريف الألفاظ، وتحريف المعاني. أما تحريف الألفاظ؛ فواقع عند هؤلاء من أجل المعاني السابقة في أذهانهم، جاهزة الصنع في (مختبراتهم) ، وهذا المثال (٢) -من القديم والحديث- ليتّضح المقال: قال ابن خلدون في «تاريخه» (١/٤٢٣) -وهو يتكلم عن (الملاحم) -: «ومن الملاحم في المغرب -أيضاً- (المُلَعِّبَة) المنسوبة إلى (الهَوْثَنيّ) على لغة العامة في عرُوض البلد» وساق ستة من أبياتها، وقال عنها (١/٤٢٣-٤٢٤) :

стр. 689

«وهي طويلة ومحفوظة بين عامة المغرب الأقصى، والغالب عليها الوضع؛ لأنه لم يصح منها قولٌ إلاّ على تأويل تحرّفه العامّة أو الحَارِفُ فيه من ينتحلها من الخاصّة، ووقفت بالمشرق على ملحمة منسوبة لابن العربي الحاتمي في كلام طويل شبه الألغاز لا يعلم تأويله إلاَّ الله لتَحَلُّله إلى أوفاق عددية، ورموز مَلْغُوزة وأشكال حيوانات تامة، ورؤوس مقطعة وتماثيل من حيوانات غريبة، وفي آخرها قصيدة على رَوِيِّ اللام، والغالب أنها كلها غير صحيحة؛ لأنها لم تنشأ عن أصل علمي» . فهذه (الملاحم) و (أصحابها) ، تشبه (الكتب) التي راجت أخيراً و (أصحابها) ؛ فلا يصحّ قولٌ فيها! إلا على تأويل تحرفه العامة، أو الحارف فيه من ينتحلها وينسبها إلى نفسه، ويسوق أحداثاً لم تنشأ عن أصل علمي في الاستدلال. ومثّل ابن خلدون في «تاريخه» (١/٤٢٤-٤٢٥) على هذا بما كان في (المشرق) في زمانه، قال: «ووقفت بالمشرق -أيضاً- على ملحمة من حدثان دولة الترك، منسوبة إلى رجل من الصوفية يُسمّى البَاجِرْبَقِيَّ، وكلها إِلْغَاز بالحروف، أوَّلها: إن شئتَ تكسِفُ سر الجَفْر يا سائلي ... مِن عِلْم جَفْرٍ وَصِيٍّ والد الحسن فافهم وكن واعياً حَرْفاً وجملَتَه ... والوصفَ فافْهَم كفعل الحاذِق الفَطِن أما الذي قبل عصري لستُ أذكُره ... لكنني أذكُر الآتي من الزمن بشَهْر بِيبَرْسَ يبقى بَعد خَمسَتِها ... بحاءٍ ميمٍ بَطِيشٌ نامَ في الكُنَن شينٌ له أَثَر من تحت سُرّته ... له القضاء قضى أي ذلك المنن فمصر والشام مع أرض العراق له ... وأذْرَبيجان في مُلْكٍ إلى اليمن ومنها: وآلُ بورانَ لما نال طاهِرُهم ... الفاتكُ الباتِكُ المعنيّ بالسِمَن

стр. 690

لخلع سينٍ ضعيف السن سينٌ أتى ... لا لو فاقَ ونوت ذي قرن قوم شجاع له عقل ومشورة ... يبقى بحاءٍ وأين بعدُ ذو سمن ومنها: من بعد باءٍ من الأعوام قَتْلتُه ... يلي المشورةَ ميمُ الملك ذو اللسن ومنها: هذا هو الأعرجُ الكلبيُّ فاعن به ... في عصره فتَنٌ ناهيك من فتن يأتي من الشرق في جيش يقدِّمُهم ... عارٍ عن القاف قاف جدَّ بالفتن بقتل دال ومثلُ الشام أجمَعُها ... أبدت بشجو على الأهلين والوطن إذا أتى زُلزِلت يا ويح مصر مـ ... ـن الزلزال ما زالَ حاءٌ غير مُقْتَطِن طاءٌ وظاءٌ وعينٌ كلُّهم حُبِسوا ... هُلكاً ويُنْفِقُ أموالاً بلا ثمن يسير القافُ قافاً عند جمعهم ... هَوِّنْ به إنَّ ذاك الحصنَ في سكن وينصبون أخاه وهو صالِحُهم ... لا سَلَّمَ الألف سينٌ لذاك بُني تمَّت ولايتُهم بالحاء لا أحد ... من السنين يُداني المُلْك في الزمن ويُقال: إنه أشار إلى الملك الظاهر وقدوم أبيه عليه بمصر: يأتي إليه أبوه بعد هُجرته ... وطول غيبته والشَّظْفِ والزَرَن وأبياتها كثيرة والغالبُ أنها موضوعة، ومثل صنعتها كان في القديم كثير، ومعروف الانتحال» . قال أبو عبيدة: ويلحق بهذه (القائمة السوداء) الكتب التي سمَّيناها لك، وما هو على شاكلتها، مما فيه اعتداء على الغيب، ظاهر الصَّنعة، منحول، معروف الانتحال عند أهل العلم خلافًا للجهال! ومن لطيف ما تُلفَت الأنظار إليه، قول هذا المنتحل في إلغازه:

стр. 691

«هذا هو الأعرجُ الكلبيُّ فاعن به ... في عصره فتن ناهيك من فتن يأتي من الشرق في جيش يقدِّمُهم ... عارٍ عن القاف قاف جدَّ بالفتن بقتل دال ومثل الشام أجمعها ... أبدت بشجو على الأهلين والوطن» . ونطلب من معاصرينا (١) توظيف هذه الأبيات، وإسقاطها على الأحداث؛ فإنها -وغيرها مثلها كثير كثير- فاتتهم، والأيام حبالى، ولا ندري ما هي نظرتهم إليها، وكيف يفهمونها؟! ولكن؛ لا تعجل عليَّ -أخي القارئ- سأخبرك الخبر، اقرأ معي ما في كتاب «هرمجون» (ص ٣٦) -تعليقًا وإسقاطًا على مقولةٍ لكعب الأحبار-: «علامة خروج المهدي: ألوية تُقْبل من المغرب، عليها رجل أعرج من كندة» (٢) ، قال -بالحرف-: «ما كنت أظن أن يختار الأمريكان رجلاً أعرج فيجعلوه في منصب رئيس هيئة أركان القوات المشتركة، بل كنت أقول في نفسي: لعل المقصود بكلمة أعرج أي ضعيف -مثلاً-، أو رأيه عاجز؛ لأنه كان أبعد شيء في ظني أن يسوغ لهم أنْ يجعلوا قائد أعظم قوات عسكرية في العالم أعرج، حتى من باب التشاؤم أن تكون القوات عرجاء عاجزة كقائدها. فلما رأيت الجنرال: «ريتشارد مايرز» يقبل على عكازين ليعلن للشعب الأمريكي بدء عمليات القوات المشتركة الجويّة والبريّة والبحريّة ضد أفغانستان، قلت: الله أكبر! صدقت يا رسول الله (!!) .

стр. 692

إنّ خروج ألوية القوات المشتركة لجيش الغرب (الرايات الصليبية) تحت قيادة الأعرج الكندي لهو بدء الملاحم، وهو -لعمر الله- علامة خروج المهدي ﵇، وإنْ كنا قد عجبنا من رئيس الأركان الأمريكي الأعرج، فلنعجب من نص آخر رواه نعيم -أيضاً- (ص ١٧٤) يصف الأعرج -هذا- بأنه: «ثم يظهر الكندي (الأعرج) في شارة حسنة» ؛ فإذا نظرت إلى «الأعرج» بلباسه العسكرية (١) الحسنة، وما عليه من نياشين وشارات، لا تملك إلاَّ أنْ تقول: سبحان الله! حقّاً ظهور المهدي على الأبواب؛ فقد ظهر القائد الكندي الجنرال الأعرج» . قال أبو عبيدة: (الأعرج) هذا (مهم) عند (الخائضين) (المفتونين) ؛ فإنه يوافق مشربهم وطريقة تفكيرهم، فالأول: (كلبي) ، والثاني: (كندي) ! أي: عربي صليبة؛ فهو (كلبي) ، و «هذه النسبة إلى قبائل كلب اليمن (٢) ، أو (كِنْدي) -بكسر الكاف وسكون النون (٣) -، و «هذه النسبة إلى كِنْدَة، وهي قبيلة مشهورة

стр. 693

في اليمن، تفرّقت في البلاد» (١) ! فالخبر المذكور عن كعب -في أحسن أحواله- لا يعدو ذكره لمجرد الإخبار دون تصديق ولا تكذيب، أما اعتقاده، واعتباره حقيقةً مسلّمة، والبحث له عن محل في الحقبة التي نعيش؛ فهذا لا يمكن إلاّ بتحريف، وهكذا كان، ولا قوة إلا بالله العلي العظيم! وهذا التحريف واللعب والعبث بالنصوص هو السّمة الظاهرة لهؤلاء، وهذه أمثلة تدلل على ذلك: نقل الطبري في «تاريخه» (٨/١٤٥-١٤٦) في (حوادث سنة ١٦٣) عن أبي بُدَيل -وكان من أصحاب صناعة الدولة-، قال: بعث إليَّ -أي: الربيع والحسن في غزاتهما مع الرشيد أيام أبيه- قال: فجئتُ وعندهما رجل، فقالا لي: هذا غلام الغمر بن يزيد، وقد أصبنا معه كتاب الدولة. قال: ففتحت الكتاب، فنظرت فيه إلى سِني المهدي؛ فإذا هي عشر سنين، قال: فقلتُ: ما في الأرض أعجب منكما! أتريان أنّ خبر هذا الغلام يخفى، وأنّ هذا الكتاب يستتر! قالا: كلاّ. قلتُ: فإذا كان أمير المؤمنين قد نقص من سنيه ما نقص، أفلستم أوّل من نعى إليه نفسه! قال: فتبلّدوا والله، وسُقط في أيديهما! فقالا: فما الحيلة؟ قلتُ: يا غلام! عليّ بعنبسة -يعني: الوراق الأعرابي، مولى آل أبي بديل-، فأتى به، فقلت له: خطّ مثل هذا الخطّ، وورقة مثل هذه الورقة، وصيّر

стр. 694

مكان عشر سنين أربعين سنة، وصيرها في الورقة. قال: فوالله لولا أني رأيت العشر في تلك، والأربعين في هذه ما شككت أنّ الخطَّ ذلك الخط، وأنّ الورقة تلك الورقة. قال أبو عبيدة: فهذا أبو بُديل لقَّن هؤلاء ما يُرضي أمير المؤمنين آنذاك، فزوّر (عشر سنين) إلى (أربعين سنة) ! وراجت الأُكذوبة بحسن تقليد الخطّ، فكان ماذا؟ حبلُ كذبٍ قصير، ظهر بعد مدة من التزوير، وشغل أصحابُه العامَّةَ بما يناسبهم من القال والقيل، وملأوا المجالس بالصراخ والنوح والعويل، كما ذكره أبو عثمان سعيد بن عمرو البَرْذَعي في «النصف الثاني من «الضعفاء والكذابين والمتروكين من رواة الحديث» (١) (٢/٥٦٥) ، قال: «شهدت أبا زرعة، وأتاه أبو العباس الهسنجاني، فكلمه أنْ يَقْبَل يحيى ابن معاذ رجل كان بالري، يتكلم بكلام يشبه كلام منصور بن عمار، أو نحو ذلك، فقال: إنه يقول: أنا على مذهبك؛ فأنا رجل نواح أنوح. فقال أبو زرعة: إنما النوح لمن يدخل بيته، ويغلق بابه، وينوح على ذنوبه؛ فأما مَن يخرج إلى أصبهان، وفارس، ويجول في الأمصار في النوح، فإنا لا نَقْبَل هذا منه، هذا من فعال المستأكلة الذين يطلبون الدراهم، والدنانير، ولم يقبله» . فهذا هو منهج هؤلاء: أدعياء العلم والتحقيق، الحائزين على قصب السبق لما يطلبه المستمعون، لا لما يفيدهم، أو يعينهم على مواجهة الفتن بالعلم النافع، والعمل الصالح؛ فهم ينوحون، وترتفع أصواتهم، وتبحُّ حناجرهم بالويل والثبور، والنوح على ما سيقع بالمسلمين. فهم يدّعون أنهم: ما زالوا مخلصين للإسلام، وهم في حقيقة أمرهم،

стр. 695

وسوء صنيعهم وطريقة استدلالهم، ومنهجهم في التعامل مع النصوص مثل مَن يضرب بمعوله في أساس صرح شامخ، ثم يزعم أنه حريص على سلامته، عامل على رفع قواعده! اسمع -بالله عليك- إلى واحدٍ من هؤلاء، وهو يقول -متهدّداً لمن لم يُصدّقه-: «ومن لم يُصدّقني؛ فسيكون حاله ومآله كشعب (زرقاء اليمامة) ، حينما أبصرت ما لا يبصرون، فأنذرت وحذرت، وكُذِّبت، فكان ما كان مما يمكن أنْ يتكرر مع مطلع شمس يوم قادم، نسأل الله منه السلامة» (١) .

стр. 696

قلتُ: هذا التنويع والتلون -الذي شهدناه مؤخراً- في أسماء الكتب، وملاحقة الأحداث، ومسابقتها، وتطويع النصوص، وليّ أعناقها، مع التحريف والتغيير في المضمون أو الشكل إنما هو من أجل (الأكل) ليس إلا، وليس فيه نذارة أو تحذير، لا من قبيل ولا دبير، وإنما هو على نهج (الدَّاناليّ) ، وهذا خبره: حَكَى المؤرّخون لأخبار بغداد أنه كان بها أيّام المقتدر ورّاقٌ ذكيٌّ يُعرف بـ (الدَّاناليِّ) ؛ يَبِلُّ الأوراق ويكتب فيها بخط عتيق يرمزُ فيه بحروف من أسماء أهل الدولة، ويشير بها إلى ما يعرف ميلهم إليه من أحوال الرفعة والجاه، كأنها ملاحم، ويحصل على ما يريده منهم من الدنيا، وإنه وضع في بعض دفاتره ميماً مكرَّرة ثلاث مرات، وجاء به إلى مُفلِح مولى المقتدر، فقال له: هذا كناية عنك، وهو مفلح مولى المقتدر، وذكر عنه ما يرضَاه، وينالُه من الدولة، ونَصَبَ لذلك علامات يُمَوِّهُ بها عليه، فبذل له ما أغناه به، ثم وضعه للوزير ابن القاسم بن وهب على مُفلِح هذا، وكان معزولاً، فجاءه بأوراق مثلها، وذكر اسم الوزير بمثل هذه الحروف، وبعلامات ذكرها، وأنه يلي الوزارة للثاني عشر من الخلفاء، وتستقيم الأمور على يديه، ويقهر الأعداء، وتعمر الدنيا في أيّامه، وأوقف مُفْلحاً هذا على الأوراق، وذكر فيها كوائن أخرى، وملاحم من

стр. 697

هذا النوع مما وقع، ومما لم يقع، ونسب جميعه إلى دانيال؛ فأعجب به مفلحٌ، ووقف عليه المقتدر واهتدى من تلك الأمور والعلامات إلى ابن وهب، وكان ذلك سبباً لوزارته بمثل هذه الحيلة العريقة في الكذب والجهل بمثل هذه الألغاز، والظاهر أنّ هذه الحيلة التي ينسبونها إلى الباجَرْبِقِيّ من هذا النوع. ولقد سألتُ (١) أكملَ الدين ابن شيخ الحنفية من العجم بالدّيار المصرية عن هذه الملحمة، وعن هذا الرجل الذي تنسب إليه من الصوفية -وهو الباجربقيّ-وكان عارفاً بطرائقهم-، فقال: كان من القلَنْدَرِيَّة المُبتدعة في حَلْق اللحية، وكان يتحدّث عما يكون بطريق الكشف، ويومي إلى رجالٍ معيّنين عنده، ويُلغِزُ عليهم بحروف يُعيِّنُها في ضمنها لمن يراه منهم، وربما يظهر نظم ذلك في أبياتٍ قليلة كان يتعاهدها؛ فَتُنُوقِلَتْ عنه، وولع الناس بها، وجعلوها ملحمة مرموزة، وزاد فيها الخرّاصون من ذلك الجنس في كل عصر، وشغل العامة بفكّ رموزها، وهو أمر ممتنع؛ إذ الرّمزُ إنما يهدي إلى كشفه قانونٌ يُعرفُ قبلَه، ويُوضع له، وأما مثل هذه الحروف فدلالتها على المراد منها مخصوصة بهذا النظم، لا يتجاوزوه. فرأيت من كلام هذا الرجل الفاضل شفاءً لما كان في النفس من أمر هذه الملحمة، ﴿وَمَا كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله﴾ ، والله أعلم-، وبه التوفيق» (٢) . فصل تأريخ إسقاط النصوص على الحوادث في العصر الحديث وتقويمها نعم؛ ظاهرةُ تنزيل النصوص -إنْ صحت، أو لم تصح عند وجودها، أو

стр. 698

اختراعها- على الحوادث والأشخاص البارزة قديمةٌ، ولكنها غابت في تاريخنا الحديث، وأخذت بالظهور التدريجي في العقد الأخير، ولا سيما في حرب الخليج الثانية (١) والثالثة، وكان لها مظاهر متعدّدة، بدأت بتناقل بعض الأخبار من كتب غير موثقة، كادت أنْ تنحصر في المجالس، مع زيادات -كالعادة- عليها من بعض الإخباريين! ثم دُعِّم ذلك بتوثيق هذه الأخبار من الكتب مع تحريفٍ في النقل، أو تطويع له على حسب ما يجري. وكان أشهر مثال -آنذاك- ذكر (صادم) -ويراد به عند هؤلاء دون نقاش (صدام) -، وهو حاكم العراق المنخلع عند سقوط بغداد باحتلال أمريكا وحليفاتها في كتاب «الجفر» ! وعند الرجوع إلى النسخ الخطية من «الجفر» ، نجد أنّ الكلام كان في ذكر صفات سيف (علي) ﵁، ضمن بيت شعر، وأنه (صارم) (٢) بالراء لا بالدال، فحُرِّف إلى الدال، ثم فسِّر به حاكم العراق. ثم توالت الأخبار وتدفّقت على وجه مثير للغاية، تارة يذكرون (السفياني) وصفاته، ويتكهنون بإسقاطه على ما جرى من (احتلال الكويت) من قبل العراق برئاسة صدام، وإسقاط ذلك عليه! وأخذوا يتلمّسون ذكر (أمير الكويت) في النصوص، وتعلّقوا بأشياء عدم (٣) ، لا وزن لها في البحث المنهجي العلمي القائم على الجمع والسبر

стр. 699

والفحص والفتش بمعايير أهل النَّقد، وتعدّى ذلك إلى شيء كاد (١) أنْ يستقر عليه هؤلاء الخائضون؛ وهو أنّ (صدام حسين) هو (السفياني) ، وأسهبوا وأفاضوا في ذكر ذلك، وهذه متعلّقاتهم وشبهاتهم (٢) : أولاً: ينسب صدام حسين إلى خالد بن يزيد بن أبي سفيان -كما صرح هو بهذا صراحة-، ولذلك فإنه سيطلق عليه السفياني. وأما أمه؛ فهي من قبيلة كلب، ويلقب بالأزهر؛ لأنه سيعيد كرامة المسلمين انتقاماً من اليهود، ومن ضمن ما يطلق عليه من الأسماء في كتب السنة أي السفياني، وبالرغم من أن أحاديث السفياني معظمها ضعيفة، ولكن ليست موضوعة؛ فأخذها بعين الاعتبار لا يضر أصلاً من الأصول، وخصوصاً في التوسمات وعِلْم توضيح المستقبل حتى لا نقع في حفر الفتن، وما حذرت منه النصوص، وأحاديث الفتن لها أسباب من عدم قوتها، لا بد أنْ تؤخذ في الاعتبار بسبب قلة الصحابة الذين رووا أحاديث الفتن وعلامات الصحابة؛ أمثال حذيفة ﵁، وعبد الله بن عمرو؛ الذين كانوا يقولون عما أخبر به المصطفى من المغيبات: ... فحفظه من حفظه، ونسيه من نسيه! وأنّ معظم الصحابة كان يهتم بالأعمال؛ لأنهم كانوا في خير القرون وخير الأزمان، وكانوا يدركون ذلك، وأنهم لم يدركوا زمن الفتن العظام. ومنهم مَن أمسك عن أحاديث، ولم يحدث بها إلا عند موته؛ إشفاقاً على الأمة، وأنهم في كل الأحوال كانوا في زمن الرضوان، وعلّمهم رسولُ الله ﷺ كل شيء إلى أن تقوم الساعة.

стр. 700

إذاً؛ فالحديث الضعيف يختلف اختلافاً كبيراً عن الحديث الذي لا أصل له، أو الموضوع، أو غير الموجود في كتب الحديث والسنة؛ لأنّ تضعيف العلماء للحديث قد يكون بسبب نسيان أحد رواته، أو شيخوخته، أو كِبَر سنه وخرفه، أو لشروط جامع الحديث أو غيره. ثانياً: ولد صدام حسين في تكريت، وهي منطقة آشور سابقاً، والذي هو منها كما كان بختنصر، ومذكور -أيضاً- أنه يعظم مدينة ملك بابل، وقد أعاد صدام بناءها عام ١٩٨٧م - ١٤٠٧هـ!!! ثالثاً: اسمه مكون من ٨ حروف -كما ورد- ... يُطلق عليه: الجابر، ومنصور، وسيدوس اليهود كطين الأزقة، وهو اسم السفياني، وهو اسم صدام حسين، وهو ٨ حروف!!! رابعاً: يغير مجرى نهرالفرات -كما ورد- ... وقد حدث أنْ غير مجرى الفرات عام ١٩٩٣م - ١٤١٣هـ!!! خامساً: يخرج عليه رجل من أهل بيته كاسم أبيه -كماورد- ... وقد خرج عليه ابن عمه وزوج ابنته حسين كامل ... وسيعدمهما (١) جميعاً، ثم ينتقم من ابن عمه، وقد حدث بالفعل!!! سادساً: يحدث حصار العراق في زمنه -كما ورد - ... وهذا ما حصل منذ سنة ١٩٩٠م - ١٤١١هـ!!! سابعاً: من أوصافه الجسديه -كما ورد-: أنه عريض الجبهة، أبيض اللون مع اصفرار قليل، جعد الشعر، في إحدى عينيه كسل، وبوجهه بعض آثار الجدري -وتأمل صورته لترى العجب-!!! ثامناً: يخرج سابع سبعة -كما ورد- ... وهو بالفعل قد خرج في سبعة

стр. 701

عند قيام ثورة ١٩٦٨م - ١٣٨٨هـ بالعراق، منهم: حسن البكر أحد أعضاء مجلس قيادة الثورة!!! تاسعاً: ترقى في عهده (١) الظلمة -كما ورد- ... وبالفعل ملئت سماء الكويت أياماً وليالي (٢) من اشتعال آبار البترول، وتحولت السماء إلى دخان كثيف تحجب الشمس أثر ظلمه، وعدوانه على الكويت، وبمكيدة لصوص الأقصى!!! عاشراً: ولقد قال علي بن أبي طالب ﵁ عن السفياني: يدخل الأقصى، وهو شديد الحقد غضبان، فيُمعن فيهم قتلاً، ويعمل فيهم ما لم يحدثه ملك بابل الذي دخلها أول مرة كما ذكر في القرآن. حادي عشر: يتعرض لحرب أربعينة؛ تظل هذه الحرب أربعين يوماً، يجمع له منها من بلاد العالم، ثم تنفض الحرب بلا خاسر أو رابح، ثم يلتحموا مرةً أخرى، قد يستخدم فيها أعداءه ما لا يعرفه العقل من الأسلحة، فيحدثون دماراً شديداً في العراق، لكن لن يهدأ لهم بال إلا بعد أنْ يظفروا به في شخصه، فإذا نزلوا أرض العراق برّاً والتحم الجيشان أمده الله بالنصر عليهم. ثاني عشر: وتقع بينه وبينهم معركتان: [الأولى] : بمنطقة اسمها (عاقركوف) : وهي محل [في] بغداد الآن، وهي مدينة الزوراء الآن، وسيضرب الروم فيها ضربةً شديدةً حتى يظنوا أنّ السفياني ليس له أثر، وكذبوا، وسيضربون بغداد مدينة يقسمها النهر فينظر أحدهما فلا يجد ما كان في الجهة الأخرى فيقولون: كان هنا بالأمس مدينة. ولكن سيعقد الله في لوائه النصر توطيداً

стр. 702

لتسليمها للمهدي في آخر الزمان، وستصطلح الأمة على المهدي بعد خسف جيش السفياني. ثالث عشر: في آية عظيمة يأتيه بعدها كل أجناس الأرض: عصائب أهل العراق، ونجباء مصر، وأبدال الشام، حتى يأتيه من أوربا من بني إسحاق سبعين ألف (١) ، يفتحون رومية بالتكبير والتهليل. رابع عشر: و [الثانية] : (قرقيساء) : وهي تقع على الحدود السورية العراقية الأردنية عند نهر الخابور؛ فيفتح الله عليه، وينصره عليهم في معركة يقتل فيها أكثر من مئة ألف. خامس عشر: ثم يدخل عمّون، ويقتل الهاشمي القصير، ويلتف، ويدخل الأقصى في يوم واحد؛ فيقضي على من يقابله من اليهود في معركة ليس فيها أسرى، ويقتلهم قتل عاد؛ فيستعيد القدس، ويأتلف هذا الجيش الصنديد، وينتقم من بني إسرائيل -كما وعدهم الله-. وفي التوراة تفصيل كثير عن علوّهم وفسادهم في الأرض مرتين، وتسليط أهل بابل عليهم (٢) ، ولكن ذكر الله لنا ذلك في سورة الإسراء بنص عام، والتفصيل كما ذكرالله في قوله: ﴿وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ... ﴾ الآيات. ولذلك فإنّ عجوزاً يهودية كانت تبكي بكاءً شديداً عام ١٩٤٨م - ١٣٦٨هـ، في حين كان اليهود يرقصون باحتفال إنشاء وطن لهم، فسألوها عن بكائها، فجائت بالتوراة، وقالت: بدأ -الآن- العدّ التنازلي لزوال بني إسرائيل، وحسبت من هذا التاريخ (٦٠) عاماً.

стр. 703

وفي التوراة: (وأنت يا ابن إسرائيل عيّن لنفسك طريقين لمجيء الملك من أرض واحدة تخرج الاثنتان ... ) . ولذلك فإنّ اليهود يعرفون صدام حسين جيداً، وقد ذكروا في مذكرات حرب الخليج ما استطاعوا من إشعال هذه الحرب عن طريق الروس اليهود -الذين كانوا في الجيش العراقي-، واليهود الأمريكان في الكويت من إشعال فتيل الحرب حتى يتخلصوا منه لخوفهم من تحقيق النبوءة المذكورة عندهم!!! إنه لا يستطيع بشر أنْ يصف حرب (هرمجدون) ؛ فهي حرب لا يتخيلها عقل ... سيُضرب صدام ضربة عنيفة، وتضرب بغداد ضربة لم تخطر على بال!!! ولكن هل سيقضون على صدام؟ الجواب: لا لا؛ لأنهم يعرفون أنه بلحمه وشحمه وصفاته هو الذي سيدوسهم كطين الأزقة، وهو البابلي الذي سيأتي من نفس مكان من انتقم منهم شر انتقام وهو بختنصر: ﴿وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة ... ﴾ الآية. والسؤال الذي يطرح نفسه -الآن- هو: إذا كان بختنصر كافراً، ويعبد النار، وسلّطه الله عليهم، فلا يمانع أنْ يسلط الله على اليهود رجلاً جبّاراً فاجراً يُحدِث فيهم القتل بغير رحمة ولا شفقة، ما لم يتصوره عقل، حتى يدفنوا فيهم شهراً. وسيشهد التاريخ أنّ الملك الجبار- سيسلط على الصهاينة صداماً، ولم يفلحوا هذه المرة -كما اعترفوا سابقاً- توجيهه إلى الدول العربية ليُمضي الله قدره، وما تخبئه الأيام ليس ببعيد!!! وسيفعل بهم مذابح، وقتلاً في معركة ليس فيها أسرى، وسيمثل بهم أشد مما فعل بهم بختنصر، وأشد مما فعل بهم هتلر هو وأهل بابل، والمذكور عندهم في الكتاب، وستزداد شعبية صدام لما يتلهف الناس عليه من مخلص

стр. 704

يخلصهم من الذل الذي لم يحدث للأمة من قبل. وينصر هذا الدين بكل بر وفاجر! «وإنّ الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر» (١) -كما قال ﷺ . وما شاء الله لا راد لقضائه في الكتاب، ولا معقب لحكمه، ولا لقدره، ولا لِمَا أخبر به في كتبه وعلى لسان رسله -سبحانه- كيف شاء وبما شاء، فإذا كان ورقة بن نوفل أخبر الرسول بأشياء في الكتاب، وأنه هو رسول الله، وأنّ جبريل هو الناموس الذي أُنزل على موسى وعيسى، وقال له: (ليتني كنت فيها جذعاً ... ليتني معك إذ يخرجك قومك ... ) ؛ فكذلك السفياني الذي أخبرت عنه التوراة والنبوءات، والتي تنطبق على صدام حسين، وتؤيدها الأحاديث التي ضعفت بسبب ضعف بعض الرواة، والوعد والقدر قبل أنْ يخلق الله السماوات والأرض. قال أبو عبيدة: هكذا الاستدلال؟! يورد معلومات عن السفياني على أنها أحاديث، وإسقاط دون خجل على شخصية ما (٢) على حسب ما يعنّ للمستدِلّ! وذَكَر عمومات: أحاديث ضعيفة، وتقرير أنها غير الأحاديث

стр. 705

الموضوعة! وينسى المُسَيْكين أنّ الصفات الواردة جُلها لم ترد في أحاديث أصلاً! وإنْ وردت فهي في أحاديث موضوعة، ولا أصل لها، والتطويل في إثبات ذلك يحتاج إلى تصنيف مفرد (١) . وهؤلاء عابثون غير جادين، تراه مرة يقرر، ومرة يظن، وإنْ رددت عليه يقول: أنا قلتُ: ربما، لعله، أظن، ومع ذلك يتطاولون، ويردّون على من يناقشهم، فواحد يقول: «لا أُريد أن أُطيل، فهذا الكتاب بين أيديكم، وقد كفيتكم الرد عليه بأفصح لغة علمية، وهي لغة الأرقام، وبأقوى وأصدق المواعيد وهي التاريخ (٢) ، وليس على المرجفين أو المتشككين إلا الانتظار لعدة شهور فقط، وتظهر الحقيقة أمام الجميع، إما مع الكتاب أو ضده، فعليهم بالصمت والترقب حتى لا يحرموا غيرهم من فائدة مرجوّة قبل ظهور آية الدخان ... » (٣) ، هكذا بكل وقاحة، يكتب هذا عام ١٩٩٨م، ومضى نحو ست سنوات، وظهر زيفه ودجله، وبعدها سكوت وسكوت (٤) ، لا مراجعة؛ لأنّ الناس ينسون، ولا حسيب ولا رقيب! إنّ من أسوء ما يُصاب به المرء: أنْ لا يشعر بما مُنيَ به من الشذوذ والخطأ، فيزداد سقوطاً بتمرّده واستكباره عن قبول الحق، وبرميه جماعة أهل
следующие страницы →