← Тафсир

Тафсир · id 335

التعقيب على تفسير سورة الفيل للفراهي - ضمن «آثار المعلمي»

عبد الرحمن المعلمي اليماني

Полный текст (248 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وقول المغيرة بن عبد الله المخزومي: أنت حبستَ الفيل بالمغمَّسْ ... حبستَه كأنه مكردَسْ محتَبسٌ تزهق فيه الأنفسْ (١) وأنشد المعلِّم لطفيل: ترعى مذانبَ وسميٍّ أطاع له ... بالجِزع حيث عصى أصحابَه الفيلُ (٢) وفي "الصحيح" في قصة الحديبية: "وسار النبي ﵌ حتى إذا كان بالثنية التي يهبط عليهم منها بركت به راحلته، فقال الناس: حَلْ حَلْ، فألحَّتْ، فقالوا: خَلَأت القَصْواء. فقال النبي ﵌: ما خلأت القَصْواء، وما ذاك لها بخُلُق، ولكن حبسها حابس الفيل. ثم قال: والذي نفسي بيده لا يسألونني خُطَّةً يعظِّمون فيها حرماتِ الله إلا أعطيتُهم إياها. ثم زجرها فوثبت .... " (٣). وفي "الصحيح" من حديث أبي هريرة: "أنه عام فتح مكة قتلت خزاعة رجلًا من بني ليث بقتيل لهم في الجاهلية، فقام رسول الله ﵌ فقال: إن الله حبس عن مكة الفيل، وسلّط عليهم رسوله

стр. 107

والمؤمنين ... " (١). وقد تقدم في فصل (ج) ما روي عن وهب: "كانت الفيلة معهم فشجُع منها فيل فحُصِبَ". وهذا يقتضي أن الفيلة كلها امتنعت عن التقدم إلى مكة إلا واحدًا منها فحصب، وقد تقدم هناك أنها كانت ثلاثة عشر فيلًا. [ص ٥٨] فحبس الفيل على الصفة المذكورة آيةٌ، أقام الله تعالى بها الحجة على أبرهة، تؤكد له حرمة البيت ومكانه من ربه . فلو اعتبر بها ورجع بجيشه عن قصد البيت لما أصابهم العذاب، ولكن لما أصرّوا رمتهم الطير، كما بينته القصة والأشعار، من أن الرمي كان بعد حبس الفيل بمهلة. والسورة تدل على ذلك، كما يأتي في تفسيرها إن شاء الله تعالى. فاتضح بما تقدم أن الرمي لم يكن لإقامة حجة، وإنما كان آية عذاب، ومثل ذلك لا يستدعي الحجاب، كما تقدم. فإن قيل: فإن فيه إقامة حجة على من تبلغه القصة، وهو لا يصدق بقدرة الله تعالى، أو بحرمة البيت. قلت: الحجاب في حق هؤلاء أنهم لم يشاهدوا الواقعة، فيمكنهم التكذيب، وإنكار التواتر، وأن يتأولوا، كما فعل الناس بفلق البحر وغيرها. وقد فعلوا ذلك بهذه الآية نفسها، كما ترى، ويأتي له مزيد. ولم يكن المقصود مما فعل الله تعالى بأصحاب الفيل إغاثة أهل مكة حتى تستدعي الخارقة تسببًا منهم، وإنما المقصود من ذلك حفظ البيت عن

стр. 108

أن يهان، وعقوبة الحبشة، والإرهاص للنبي ﵌. فإنه بُعث بتعظيم حرمات البيت والحرم، وتطهيره عما دنسه به المشركون من رجس الأوثان. وكان الله تعالى يرشّح عرب الحجاز للقيام بأعباء الإسلام، فاقتضت حكمته أن يبقَوا قَراحًا لم تطأهم ذِلّة، ولم تجأهم مَلَكة؛ لأن ذلك شرط عادي لقيامهم بالإسلام. ولهذا لما كان بنو إسرائيل على غير هذه الصفة لم يصلحوا لحمل الدين حتى حبسوا أربعين سنة في التِّيه، فنشأ منهم قرن صالح. ولم يكن أهل مكة حين واقعة الفيل دون الحبشة في الكفر، فإن الحبشة نصارى أهل كتاب، وأهل مكة أهل شرك وأوثان. ولم يكن ذلك الخارق معجزة ولا كرامة لأهل مكة، أو لواحد من أحيائهم حتى يحتاج إلى مباشرة منهم، كما في رمي النبي ﵌ يوم بدر، ورمي موسى بالرماد، ومدّ يده للجراد. فرمي الحبشة خارق لا يستدعي رميًا من أهل مكة ألبتة، فاندفع ما حاوله المعلِّم ﵀. ثم أسوق عبارته في تطبيق واقعة الفيل على الشواهد الثلاثة التي ذكرها، وقد تقدمت. [ص ٥٩] طبقها على الشاهد الأول، وهو رمي النبي ﵌ في يوم بدر بقوله: "وكذلك في هذه السورة كانت قريش ترميهم بحجارة، ينفحونهم بها عن الكعبة، فجعلها الله حجابًا لما أرسل على أصحاب الفيل من الحجارة من السماء، وكما نسب الله تعالى الرمي في بدر

стр. 109

إلى نفسه في قوله: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧]، فهكذا ههنا نسب إلى نفسه أنه جعلهم كعصف مأكول. فلا شك أنها كانت من الآيات البينات، فإن منافحة قريش كانت أضعف من أن يفُلَّ هذا الجيش، فكيف يحطِّمهم حتى صاروا كعصفٍ مأكول؟ ". قال عبد الرحمن: قد علمت أن فعل الله تعالى بأصحاب الفيل لا يحتاج إلى حجاب. وأزيدك ههنا أنه كان هناك مانع من الحجاب والتسبب والمباشرة، بل مانعان: الأول: أنه لو قدر الله تعالى أن يكون منهم رمي، لكان ظاهر الأمر أنّ الله نصرهم، وأعانهم، وأمدّهم بآية من آياته، وفي ذلك ما يُشعرهم بأنهم على حقٍّ يرضاه الله ويحبّه. وإذًا لقالوا للنبي ﵌ ــ حين دعاهم إلى التوحيد، ونبذ الأوثان، وبيَّن لهم ما هم عليه وآباؤهم من الضلال والبهتان ــ: إن الله ﵎ أيَّدنا ونصرنا وأعاننا إذ رمينا أصحاب الفيل شيئًا من الرمي، فكثَّره الله تعالى حتى هزم ذلك الجيش العظيم، وحطّمه وكنا حينئذٍ على ما نحن عليه الآن من عبادة الأوثان وغيرها، فلولا أنَّ ذلك مرضي عند الله سبحانه لما صنع بنا ذلك. فلما لم يقدر الله رميًا منهم، بل قدر ــ على ما جاء في الروايات ــ تأمين أبرهة لهم، ونكولهم عن القتال [ص ٦٠] علموا أن الله إنما فعل بأصحاب الفيل ما فعل حمايةً لبيته. وليس في ذلك ما يدل على رضا الله تعالى بشركهم، فلم يمكنهم أن يحتجوا على النبي ﵌. المانع الثاني: أن معيشة أهل مكة قائمة على تجارتهم إلى اليمن والحبشة والشام، كما هو مبين في تفسير سورة قريش، فلو وقع منهم رمي

стр. 110

وقتال لأبرهة لانقطعت تجارتهم من تلك الجهات، كما تقدم في فصل (ج). ولم يشأ الله قطع متاجرهم؛ لأنه قد أجاب فيهم دعوة خليله إبراهيم ﵇، وهو يُعِدُّهم لبعثة محمد ﵌ فيهم، ويريد أن يمتنَّ عليهم بذلك، كما جاء في سورة قريش. لهذه العلاقة ــ والله أعلم ــ أعقب الله تعالى هذه السورة بسورة قريش. وأما قول المعلم: "وكما نسب الله تعالى الرمي إلى نفسه ... "، فهذه محاولة فاشلة. يخاطب الله تعالى رسوله بقوله: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧]، فيصرح له بأن الأثر لم يكن لرميه، مع أنه ﵌ والمؤمنون معه يعلمون أنه لا حول لهم ولا قوة إلا بالله، فكيف يعقل مع هذا أن يكون أهل مكة رموا الحبشة، فأمدّهم الله تعالى برمي من عنده، ثم يذكرهم بذلك بعد تكذيبهم لرسوله وكتابه، وفعلهم العظائم؛ فيذكر رميهم مثبتًا غير منفي، ويطوي ذكر رميه، فلا يصرح به؟ وهل هذا إلا عكس الحكمة؟ فإن الأمر الواضح الذي لا يخفى أن يقال: إذا اقتضت الحكمة التصريح بنفي رمي النبي ﵌، وإثبات رمي الله تعالى لإثبات أنه المؤثر في خطاب النبي صلى الله عليه وآله سلم، مع أنه ــ والمؤمنون معه ــ لا يرتاب في ذلك، فبالأولى والأحرى [ص ٦١] أنه إذا كان من أهل مكة رمي لأصحاب الفيل أن يصرح الله تعالى لهم بنفي رميهم، وإثبات رميه؛ فإنهم مشركون. فإن قيل: فقد أشار إلى فعله بقوله: ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾، كما ذكره المعلم.

стр. 111

قلت: فإنّ في كلامه ما يردّ هذا، وأنه يرى أن جعلهم كعصف مأكول إنما هو نتيجة لأكل الطير. قال في الشاهد الثالث: "فكذلك أكلت هذه الطيور جثث تلك الملحدين فكانوا كعصف أكلته جراد موسى". فإن سلمنا أن هناك إشارةً ما، فهي إشارةٌ ضعيفةٌ؛ لاحتمال أن يكون المعنى: جعلهم كذلك برميكم إياهم، فإن المشركين كانوا مما يقولون نحو ذلك. تقاتل القبيلة عدوها فتغلبها، وتكثر فيها القتل، وتهزمها، ثم تقول الغالبة: قد قتل الله عدونا، وهزمهم، وأهلكهم. فمن ذلك قول بعض تيم الرباب لعبد يغوث، وقد قاتلوا قومه، فأثخنوا فيهم، وأسروه: جمعتَ أهل اليمن، وجئتَ لتصطلمنا، فكيف رأيتَ الله صنع بك؟ (١). ومع ذلك فقد تقدم أن التصريح بالنفي في رمي النبي ﵌، يبطل أن يكتفى في رمي المشركين ــ إن كان ــ بالإشارة. وذكر المعلِّم في الشاهد الثاني أثر الرماد الذي ذرَّه موسى ﵇، وفيه: "فيصير على الناس وعلى البهائم دمامل طالعة ببثور". ثم طبق عليها قصة الفيل: "فهكذا كان الأثر من الحجارة على أصحاب الفيل، فروي عن عكرمة أنه من أصابته أصابه جدري. وهكذا قول ابن عباس وسعيد بن [ص ٦٢] جبير ولكن دمامل المصريين لم تكن مهلكة ... ". قال عبد الرحمن: قد تقدم قول عكرمة، ومن وافقه في شأن الجدري، وقول ابن عباس في الحكّة، ولم أجد ذلك عن سعيد بن جبير. ثم لا يلزم من تشابه الآيتين من وجه أو وجهين تشابههما من جميع الوجوه. فكما اختلفت الآيتان في أن الذي نثره موسى رماد، والذي جعله الله تعالى على

стр. 112

أهل مصر غبار؛ وأثره فيهم دماميل غير مهلكة، والذي رمى به قريش ــ على دعوى المعلِّم ــ حجارة، والذي سلطه الله على أصحاب الفيل حجارة، وأثرها فيهم جدري مهلك = فما المانع من اختلافها في أنه كان من موسى ذرو للرماد، ولم يكن من أهل مكة فعل ما، وكان جعل الغبار بغير واسطة، ورمي أصحاب الفيل بواسطة الطير؟ وقد علمت أن حال موسى تناسب أن يكون منه فعل، ليعلم أن ما يكون عقب ذلك معجزة له، وللتسبب؛ وأن حال أهل مكة على خلاف ذلك. وذكر في الشاهد الثالث ما وقع في آية موسى من مدّ يده بعصاه، وخروج الجراد، وأكله ما تركه البرد من العشب والثمر، ثم دعاء موسى في دفع الجراد: "فردَّ الربُّ ريحًا غربيّة شديدة جدًّا، فحملت الجراد وطرحته إلى البحر الأحمر". ثم طبق المعلِّم آية الفيل عليها بقوله: "فهكذا جاءت الطير من جهة البحر، ولم ير مثلها ... وكما أكلت الجراد مما حطّمه البرد، فكذلك أكلت هذه الطيور جثث تلك الملحدين، فكانوا كعصف أكلته جراد موسى". قال عبد الرحمن: ليس من الواجب في آيات الله أن تتشابه صورها، بل قد تتضاد، كأن تكون آية فيها إحياء ميت، وأخرى فيها إماتة حي. وقد تتشابه من وجهٍ، وتختلف من غيره، كما تقدم [ص ٦٣] في آية الرماد مع آية الفيل. فكذلك هنا لا يلزم من مدّ موسى ﵇ يده بعصاه في تلك أن يكون هنا فعل من أهل مكة. وقد علم مما تقدم أن الحكمة مختلفة، فهناك اقتضت الحكمة أن يكون من موسى ﵇ فعل، وهنا اقتضت أن لا يكون من أهل مكة فعل، على ما سلف.

стр. 113

وكذلك لا يلزم من أكل الجراد ما أبقاه البرد من عشب مصر وغيرها أن تأكل الطير جثث من أهلكه الله تعالى من أصحاب الفيل بالحجارة، ولا أن يكون ما شبّه به ما صار إليه حال أصحاب الفيل من عصف مأكول أريد به ما أكلته جراد موسى. وبالجملة، فإن كان في كلام المعلِّم ﵀ في هذا الفصل استدلال، ففيما يتعلق بالحجاب، وما معه، وقد علمت الجواب. وأما ما بقي فإنما هي صناعة شعرية قد علمت حالها. ويلحق بذلك ما ذكره المعلِّم رحمه الله تعالى مما وقع في مكاشفات يحيى، مما يراه المعلِّم ﵀ ــ بحقٍّ ــ بشارةً بمحمد ﵌، وفيه: "ثم رأيت السماء مفتوحة، وإذا فرس أشهب، والجالسُ عليه يُدعى أمينًا وصادقًا، وبالعدل يحكم ويحارب، وعيناه كلهب نار، وعلى رأسه تيجان كثيرة، وله اسم مكتوب ليس يعرفه إلا هو، وهو متسربل بثوب مغموس بدم ... وجنود السماء كانوا يتبعونه على خيل بيض، لابسين بزًّا أبيض نقيًّا. ومن فمه يخرج سيفٌ ماضٍ، لكي يضرب به الأمم، وهو سيرعاهم بعصا من حديد ... ورأيت ملاكًا واحدًا واقفًا في الشمس، فصرخ بصوت عظيم قائلًا لجميع الطيور الطائرة في وسط السماء: هلمَّ اجتمعي إلى عشاء الله العظيم، لكي تأكلي لحوم ملوك، ولحوم قواد، ولحوم أقوياء، ولحوم خيل، [ص ٦٤] والجالسين عليها، ولحوم الكلّ، حرًّا وعبدًا، وصغيرًا وكبيرًا" (١). قال عبد الرحمن: الأنسب بسياق الكلام أن يكون ذلك العشاء مما

стр. 114

يقتله المبشَّر به في سبيل الله، وقد كان كذلك. فكم قتل المسلمون في محاربتهم فارس والروم والترك وغيرهم من ملوك وقواد، وخيل وفرسان، أكلتهم طيور السماء! وذلك أنسب بالعشاء العظيم، فإنهم أضعاف أضعاف من هلك من أصحاب الفيل، وأنسب بجميع طيور السماء، فإن الطير الأبابيل كانت من نوع خاص لم يعرفه العرب. على أننا قد بينا أنه لا مانع أن يكون الله أطعم الطير الأبابيل من لحوم صيدها، ولم يصرح بذلك في القرآن والروايات؛ لأنه في نفسه أمر عادي. فإن ثبت ذلك لم يكن فيه ما ينفي ما دل عليه الكتاب والرواية، واتفق عليه الناس من رمي الطير. الأمر الثالث (١) من البواعث على إنكار رمي الطير: أن بعض فلاسفة الإفرنج وكُتَّابهم وأذنابهم من الملحدين ينكرون الخوارق، ويسخرون منها، ويعدّون ذكرها في القرآن برهانًا على اشتماله على الكذب. وعلماءُ المسلمين شديدو الغيرة على القرآن، والحرص على تبرئته عن المطاعن، فقد يحمل بعضَهم ذلك على أن يتأول بعض النصوص القرآنية، ويحمله على معنى لا ينكره القوم. ومتى لم يفحش التأويل فالخطأ فيه ــ إن شاء الله تعالى ــ مغفور، والباعث عليه أمرٌ محمودٌ؛ إلا أن الحقَّ أحقُّ أن يتبع، وأعزُّ من أن يُضطرَّ المنتصر له إلى ترك بعضه. فالواجب على أهل العلم أن يبحثوا عن مستند القوم في إنكار الخوارق، فيهدموه بالحجة والبرهان. [ص ٦٥] فأما ترضّيهم بتأويل بعض النصوص، فخطلٌ من الرأي.

стр. 115

﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [البقرة: ١٢٠]. ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢١٧]. لست أقول: إن المعلِّم رحمه الله تعالى ممن يمكن أن يختار تأويلًا يعلم ضعفه، ولكن قد لا يبعد أن تكون شدة غيرته على القرآن، وحرصه على دفع الطعن عنه، ممّا قرّب ذاك التأويل إلى فهمه. ولذلك نظائر لا تنكر، فإننا نجد في علماء المذاهب الفقهية جماعة من الأكابر لا يُرتاب في علمهم ودينهم وورعهم، ومع ذلك ترى في انتصارهم لمذاهبهم العجب العجاب. فأما المتكلمون في العقائد فشأنهم أوضح. فإن قلت: أما المعلِّم رحمه الله تعالى ففي كلامه ما يرد هذه التهمة، فإنه وإن أنكر رمي الطير، فقد أثبت ما هو أعظم، وهو الرمي من السماء. قلت: أنا لم أجزم باتهامه ﵀، وإنما مقصودي تحذير أهل العلم من التساهل في هذا المعنى. على أنه قد يقال: يمكن أن يكون رأى إثبات الرمي من السماء أخفَّ من إثبات رمي الطير؛ لأنه إذا أثبت رمي الطير كان منصوصًا بالقرآن، فالمنكرون له يطعنون في القرآن. وأما الرمي من السماء فإنما [ص ٦٦] قاله المعلِّم ﵀ برأيه، وليس منصوصًا في القرآن؛ علمًا أن منكري الخوارق لا ينكرون أن تمطر السماء رملًا وحجارةً، وهو عندهم أمر عادي، ففي "دائرة المعارف" للبستاني تحت عنوان "الشهب الساقطة أي النيازك" ما لفظه:

стр. 116

"وقد نشرت جريدة إيزان الفلكية جدولًا للرجم ... قالت: سقط أحدها في لوديانا ... وسقط مجموع كثير من رجم حجرية، بلغ عددها (١٣٠٠) حجر، ثقل واحد منها (١٦٠) ليبرة، وآخر (٦٠) ليبرة، في بادوا سنة (١٥١٠ ب. م.). وانهمرت أمطار كبريتية ... وأمطار نارية في كوسنوى في ٤ ك ١ (ديسمبر) سنة (١٧١٧)، وأخرى من الرمل دامت (١٥) ساعة في الأتلانتيك في ٦ نيسان (١٧١٩)، وأمطار شديدة من الحجارة في آدن في ٢٤ تموز (يوليو) سنة (١٧٩٠)، وفي فرنسا في ١٥ أيار (مايو) سنة (١٨٦٤" (١). هذا، وأساس الإلحاد إنما هو الارتياب في الله وملائكته ورسله، ومن شأن الخوارق أن تدفع هذا الارتياب، وهي الدليل العام على نبوة الأنبياء، ولا يعرف السواد الأعظم سواه. فمحاولة تأويلها مع أنه باطل في نفسه فهو من أعظم ما يروِّج الإلحاد، فعلى العالِم أن لا يرتكب هذه المفسدة العظيمة، لمصلحة متوهمة، وهي تخفيف سخرية الملحدين. وقد قلتُ: ومَن يَرَ نصرَ الحقِّ في هَدْمِ بعضِه ... فذاك أضرُّ من خَذُولٍ ومن خَصْمِ ويُوشِكُ أن يختارَ تحطيمَ أُسِّه ... فيا لكَ تشييدًا أضرَّ مِنَ الهَدْم [ص ٦٧] (ح) استنبط المعلِّم ﵀ مما اختاره من رمي العرب لأصحاب الفيل مناسبةً لرمي الجمار، وصاغ ذلك صياغة تصلح أن تكون استدلالًا على ما اختاره، قال: "قد دلّت الأمارات الكثيرة على أن رمي الجمار بمنى كان

стр. 117

تذكرة لرمي أصحاب الفيل، ولكن الروايات الضعيفة ضربت أسدادًا دونه" (١). ثم ذكر بعض الروايات، ثم قال: "ولم أجد في صحاح الأخبار ذكرًا في سبب سنة رمي الجمار، فلو ثبت فيه شيء من طريق الخبر لأخذنا به، وقرّت به العينان، ولكنه لم يثبت، وأمرُ الدين ليس بهيّن، وقال النبي ﵌: "كفى بالمرء كذبًا أن يُحدِّثَ بكل ما سمع" (٢). فعمدنا إلى طريق الاستنباط، فإن المستنبط من الصحيح الثابت أولى بالصواب من الصريح الذي لم يثبت". قال عبد الرحمن: أما الأمارات، فستأتي. وأما الروايات فإنه ذكر بعضها، وكأنه لم يقف على الروايات الجيدة. فمنها: ما أخرجه سعيد بن منصور في سننه أن النبي ﵌ سئل عن رمي الجمار فقال: "الله ربكم تكبرون، وملة أبيكم إبراهيم تتبعون، ووجه الشيطان ترمون" (٣). وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا حماد بن سلمة عن أبي عاصم الغنوي عن أبي الطفيل قال: قلت لابن عباس: يزعم قومك ... قلت: يزعم قومك أن رسول الله ﵌ قد سعى بين الصفا والمروة، وأن ذلك سنة؟ قال: صدقوا، إن إبراهيم ﷺ لما أري المناسك، عرض له شيطان عند المسعى [ص ٦٨] فسابقه، فسبقه إبراهيم ثم انطلق به جبريل ﵇ حتى أتى به منى، فقال: مناخ الناس هذا. ثم انتهى إلى جمرة العقبة، فعرض له

стр. 118

شيطان، فرماه حتى ذهب. (ثم أتى به) (١) إلى الجمرة الوسطى، فعرض له شيطان، فرماه بسبع حصيات حتى ذهب. ثم أتى الجمرة القصوى، فعرض له شيطان، فرماه بسبع حصيات حتى ذهب. ثم أتى به جمعًا، فقال: هذا المشعر الحرام، ثم أتى به عرفة فقال: هذه عرفة ... " (٢). قال عبد الرحمن: أبو الطفيل صحابي، وأبو عاصم الغنوي وثَّقه ابن معين، وحماد بن سلمة إمامٌ، والحديث أخرجه ابن خزيمة في "صحيحه"، كما يعلم من "فتح الباري" (٣). وأخرجه الإمام أحمد في مسنده من طرق عن حماد، زاد بعد ذكر الجمرة الوسطى: "وثم تلَّ إبراهيمُ إسماعيلَ للجبين ... " فذكر القصة، ثم قال: "قال: ثم ذهب به جبريل إلى الجمرة القصوى، فعرض له الشيطان، فرماه بسبع حصيات حتى ذهب ... " (٤).

стр. 119

قال عبد الرحمن: يظهر لي أن قوله في هذه الرواية: "ثم تَلَّ إبراهيمُ ... " إلى آخر ما يتعلق بالذبح جملة معترضة، كأنه قال: "وهناك كان في وقت آخر كيت وكيت". فتعليم المناسك كان في وقت غير وقت الابتلاء بالذبح، إما قبله بمدّة وإما بعده بمدة. والذي يدلّ على ذلك بقية الروايات مع ما ثبت في "الصحيح" أن إبراهيم ﵇ عقب إتيانه بإسماعيل وأمه ــ وإسماعيلُ طفلٌ ــ دعا بقوله: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ ... ﴾ [إبراهيم: ٣٧]. [ص ٦٩] وفي القصة تردد أمّ إسماعيل بين الصفا والمروة، وأن ذلك مبدأ السعي، وفيها أن إسماعيل كبر وتزوج، وأن إبراهيم جاءه ولم يجده ثم فارق إسماعيل زوجته، ونكح أخرى، فجاء إبراهيم فلم يجده، ثم بعد مدة جاء إبراهيم وبنى البيت (١). ففي هذه القصة أن البيت كان محرمًا، مشروعًا احترامه من قبل مجيء إبراهيم بإسماعيل، وأن بعض المناسك تجدد بعد ذلك كالسعي، وأن إبراهيم إنما بنى البيت بعد أن صار إسماعيل رجلًا. فتعليم المناسك يمكن أن يكون عند مجيء إبراهيم بإسماعيل، أو قبل ذلك، ويمكن أن يكون تأخر إلى بناء البيت، والابتلاء بالذبح كان بين ذلك. وههنا دليل على أن تعليم المناسك إنما كان بعد بناء البيت، وهو قول الله ﵎: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا

стр. 120

وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٧ ــ ١٢٨]، فقولهما: ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾ يدل أنهما لم يكونا قد علماها. والله أعلم. وعلى كل حال، فليس في القصة أن تعرض الشيطان لإبراهيم كان ليصده عن الذبح، وإنما المفهوم منها أنه تعرض له ليصده عن معرفة المناسك، والإتيان بها. وهذا كما تعرض لمحمد ﵌، وهو يصلي، ليقطع عليه صلاته (١). فأما ما جاء في بعض روايات الابتلاء بالذبح أن الشيطان تعرض لإبراهيم، فلم أجده من وجهٍ يثبت. فإن صحّ فهي قصة أخرى غير هذه. والله أعلم. وقد روي الحديث من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس، أخرجه الحاكم في "المستدرك" من طريق أبي حمزة عن عطاء بن السائب عن سعيد، ولفظه: "جاء جبريل إلى رسول الله ﵌، [ص ٧٠] فذهب به ليريه المناسك، فانفرج له ثبير، فدخل منى، فأراه الجمار، ثم أراه عرفات، فنبغ الشيطان للنبي ﵌ عند الجمرة، فرمى بسبع حصيات حتى ساخ. ثم نبغ له في الجمرة الثانية، فرماه بسبع حصيات حتى ساخ. ثم نبغ له في جمرة العقبة، فرماه بسبع حصيات حتى ساخ، فذهب". قال الحاكم: "صحيح الإسناد". وقال الذهبي: "صحيح" (٢).

стр. 121

وأخرجه الإمام أحمد من طريق حماد عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن رسول الله ﵌ قال "إن جبريل ذهب بإبراهيم إلى جمرة العقبة، فعرض له الشيطان، فرماه بسبع حصيات فساخ. ثم أتى الجمرة الوسطى، فعرض له الشيطان، فرماه بسبع حصيات، فساخ. ثم أتى الجمرة القصوى، فعرض له الشيطان، فرماه بسبع حصيات، فساخ. فلما أراد إبراهيم أن يذبح ابنه إسحاق ... " (١). قال عبد الرحمن: عطاء بن السائب اختلط بأخرة، وهذا من ذاك. فإنه جعل في الرواية الأولى الواقعة للنبي ﵌، والمعروف أنها لإبراهيم ﵇. وذكر في الثانية أن الذبيح إسحاق، والصحيح أنه إسماعيل. وعكس فيهما ترتيب الجمرات، فبدأ بالقصوى، وبقية الروايات تبدأ بجمرة العقبة. فإنما يحتج من روايته بما يوافق بقية الروايات. والله أعلم. [ص ٧١] وأخرج الحاكم في "المستدرك" الحديث من طريق سالم بن أبي الجعد عن ابن عباس رفعه قال: "لما أتى إبراهيم خليل الله المناسك عرض له الشيطان عند جمرة العقبة، فرماه بسبع حصيات حتى ساخ في الأرض. ثم عرض له عند الجمرة الثانية، فرماه بسبع حصيات حتى ساخ في الأرض. ثم عرض له عند الجمرة الثالثة، فرماه بسبع حصيات حتى ساخ في الأرض. قال ابن عباس: الشيطان ترجمون، وملة أبيكم تتبعون". قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.

стр. 122

واقتصر الذهبي على علامة مسلم (١). والحديث أخرجه ابن خزيمة في "صحيحه"، وغيره (٢). قال عبد الرحمن: الحديث مصحح كما ترى، وله طرق وشواهد، وهو المشهور بين أهل العلم والعامة إلى زماننا هذا، والنظر لا يأباه على ما يأتي، فلا ينبغي الإعراض عن هذا كله إلى استنباط مدخول. والله أعلم. أما الأمارات التي أشار إليها المعلِّم ﵀، فذكر أربعًا: الأولى: أنه لم يجد في أشعار الجاهلية ذكرًا لرمي الجمار، قال: "فالأقرب أنه أمر جديد، ولم يكن إلا بعد واقعة الفيل. وأبقاه الإسلام لما فيه تذكار نعمة عظيمة، وآية بينة ... " (٣). [ص ٧٢] الثانية: أن أصحاب الفيل رُمُوا بموضع رمي الجمرات، واحتجَّ بقول نفيل ــ وهو ممن شهد الوقعة ــ: رُدَينةُ لو رأيتِ ولَنْ تَرَيه ... لدى جَنْبِ المحصَّبِ ما رأينا قال: "وفي "لسان العرب": قال الأصمعي: المحصب حيث يرمى الجمار، وأنشد: (أقام ثلاثًا بالمحصَّب من منى) ... ونجد هكذا في قول عمر بن أبي ربيعة: (نظرتُ إليها بالمحصَّب من منى) ... " (٤).

стр. 123

الثالثة: مناسبة اسم الجمرة. قال: " .... الجمرة: اسم لجماعة مستقلّة لم تنضمَّ إلى أحد من القبائل، لاعتمادها على قوتها وبأسها. فعلى هذا نقول: إن جيش أبرهة كانت أولى بهذا الاسم، فإنها جاءت مخالفة لجميع العرب، ولم تنضمّ إلى أحد من القبائل، والجمرات عند منى لما كانت علامة لهم سُمِّيت بذلك الاسم" (١). الرابعة: أنه روي أن العرب رجموا قبر أبي رِغال، لأنه كان دليل أصحاب الفيل. قال: "فهذا نظير رجم أصحاب الفيل، وحمل الأمور على النظائر أولى. وإنما تُرِك رَجمُ قبر أبي رِغال لأن الإسلام ترفّع عن رجم القبور ... " (٢). قال عبد الرحمن: كلام المعلِّم رحمه الله تعالى في توجيه هذه الأمارات مبسوط، فمن شاء فليراجعه في رسالته، وإنما لخصت ما لا بدَّ منه، ودونك الجواب: أما الأمارة الأولى: فهي أمارة ضعيفة، لا تصلح لبناء هذا الأمر العظيم المخالف للحجج الواضحة، على أنَّ في بيت نفيل ــ إن صح بلفظ: "لدى جنب المحصَّب"، وأن المراد بالمحصّب موضع رمي الجمار ــ ما يهدم هذه الأمارة. فإنه قاله في واقعة الفيل، إذ كان شاهدها، [ص ٧٣] فأطلق حينئذٍ على موضع الجمرات اسم المحصب، والمحصَّب في الأصل مأخوذ من التحصيب، إما اسم مكان، أي المكان الذي يحصَّب فيه، وإما اسم مفعول، أي المكان الذي يحصّب. والتحصيب في المكان هو الحصب المتكرر فيه،

стр. 124

والحصب هو الرمي بالحصباء، وتحصيب المكان هو حصبه كثيرًا، أي إلقاء الحصباء فيه، وفرشه بها، كما في أثر عمر أنه أمر بتحصيب المسجد (١). والأول هو المتعين هنا، لأنه لم ينقل أن الناس نقلوا الحصباء إلى موضع الجمار، وفرشوه بها، ولا يظهر غرض لذلك. فالمحصب اتفاقًا اسم مكان حقيقي، فليكن اسم مكان صناعيًّا، لا اسم مفعول. وعبارة الأصمعي واضحة في ذلك، إذ قال: "المحصَّب حيث يُرمى الجمار" إذ الرمي هو الحصب. فثبت بهذا أن رمي الجمار كان معروفًا قبل واقعة الفيل، حتى اشتهر اشتقاق اسم المكان منه، وصار علمًا مشهورًا، أو كالعلم، فاستعمله نفيل. فإن قلت: فقد ذكروا أن الأبطح، وهو خيف بني كنانة يسمى "المحصب" أيضًا، وأنه سمي بذلك لكثرة الحصباء في أرضه. قلت: لا أعرف لهذا وجهًا، والشيء إذا كثر بالمكان إنما يشتق له اسم على وزن مَفْعَلَة، كما قالوا: مأسدة، ومسبعة، ومبطخة. بل وقالوا: أرض محصبة، أي كثيرة الحصباء. فأما أن يشتق له منه اسم بوزن مُفعَّل، فلا أعرفه. وإطلاقهم على الأبطح "المحصَّب" يحتمل وجوهًا أخرى: منها: أن يكون هذا الاسم في الأصل للموضع الذي يحصب فيه الجمار، ويدخل ما قارب موقع الجمار، كالأبطح. ثم لما اختصّ [ص ٧٤] الأبطح باسم الأبطح، وخيف بني كنانة، توهم أن المحصب اسم مشترك للموضعين.

стр. 125

ومنها: أن يكون أطلق على الأبطح "المحصب" تشبيهًا بالموضع الذي تحصب فيه الجمار في معنى غير الحصب، كما أطلق على النساء "القوارير" (١) تشبيهًا بالقوارير في معنى غير القرار. فإن أبيت إلا اتباع من قال: إن الأبطح سمي محصبًا لكثرة الحصى فيه، فأنت وذلك، لكنه اشتقاق على خلاف القياس، فلا يجوز أن يحمل عليه تسمية موضع حصب الجمار، بل يتعين حمله على اسم المكان من التحصيب؛ لأن ذلك على وفق القياس. وقد سلك ياقوت هذه الطريقة قال: "المحصب: ... موضع بين مكة ومنى، وهو إلى منى أقرب .. وحدّه من الحجون ذاهبًا إلى منى ... وهذا من الحصباء التي في أرضه. والمحصب أيضًا موضع رمي الجمار بمنى، وهذا من رمي الحصباء" (٢). وأما الأمارة الثانية: ففي بعض الكتب كمعجم البلدان (المغمَّس) إنشاد بيت نفيل بلفظ: "لدى جنب المغمس". ولعله الصواب، لموافقته ما تقدم في الأشعار من قول نفيل نفسه، وعمرو بن الوحيد، وأبي الصلت أو ابنه، والمغيرة بن عبد الله بن مخزوم. وعلى فرض صحة: "لدى جنب المحصب"، فجنب المحصب: ما يقرب منه، لا هو نفسه. والمشهور بين أهل الحجاز أن عذاب أصحاب الفيل كان بوادي محسِّر، وقال النووي

стр. 126

ــ وقد ذكر وادي محسِّر ــ: "سمي بذلك لأن فيل أصحاب الفيل حَسَر فيه، أي أعيا، وكلّ عن المسير، وهو وادٍ بين منى والمزدلفة" (١). قال ابن حجر الهيتمي في "حاشيته": "قوله: لأن فيل أصحاب الفيل ... الخ جزم به المحب الطبري، وشيخه ابن خليل، لكن نظر فيه الفاسي بقول ابن الأثير: إن الفيل لم يدخل الحرم". [ص ٧٥] وفي "الحاشية" في بيان حكمة الإسراع في محسِّر: "وقيل ــ ومشى عليه المصنف فيما مر ــ: لأنه محل هلاك أصحاب الفيل ... واعترض الثاني بأن نزول العذاب على أصحاب الفيل إنما كان بمحلٍّ محاذٍ لعرفة، يسمى المغمَّس ــ بفتح الميم الثانية، وقد تكسر ــ بل المعروف أن الفيل المذكور لم يدخل الحرم أصلًا، كما مر عن ابن الأثير" (٢). قال عبد الرحمن: أما الفيل فإنه حبس بالمغمس، كما في القصة عند ابن إسحاق في "السيرة"، و"منمق" ابن حبيب، و"تاريخ مكة" للأزرقي. وكذلك جاء في الأشعار كما تقدم في شعر أبي الصلت وابنه، وفي شعر المغيرة بن عبد الله بن مخزوم، وفي شعر عمرو بن الوحيد بن كلاب، وفي جواب نفيل بن حبيب الخثعمي شاهد القصة، وغير ذلك. والمغمس الذي حبس فيه الفيل عند حد الحرم في طريق الطائف، فإن الفيل لم يدخل الحرم، وقد بركت ناقة النبي ﵌ يوم الحديبية دون الحرم، فقال النبي ﵌: "حبسها حابس الفيل". فمن الممتنع أن تحبس ناقة النبي ﵌ دون

стр. 127

الحرم، ويمكّن الفيل من دخول الحرم. وقد تقدم في رواية سعيد بن جبير: "فلما انتهى إلى الحرم برك الفيل، فأبى أن يدخل الحرم". وفي القصة في "منمق" ابن حبيب (١): "ثم أقبلوا حتى إذا طعنوا في المغمس ليدخلوا الحرم ... ". قال عبد الرحمن: قد جاء ذكر المغمس في الروايات والأشعار، والظاهر أنه في حدود الحرم من طريق الطائف، لكن نقل السهيلي ــ وتبعه ياقوت ــ عن كتاب السنن لسعيد بن السكن: " [أن النبي ﵌ كان إذا أراد حاجة الإنسان خرج إلى المغمس] " (٢). كذا وقع عنده. وعليه فالمغمس أقرب إلى مكة من منى. ولا أدري ما صحة هذه الرواية، وعسى ــ إن صح سندها ــ أن يكون فيها خطأ من بعض الرواة في اسم المكان، أو في ذكر مكة، كأن يكون بدل مكة: "منى"، أو يكون أطلق مكة وأراد منى، أو يكون هذا موضعًا آخر غير مغمس الفيل، والله أعلم. فقد تقدم في فصل (هـ) في الأمر الخامس من أمور الفريق الأول الرواية التي ذكر ابن حجر في "الفتح" أن سندها حسن، وهي عن عكرمة عن

стр. 128

ابن عباس، وفيها: "أن أصحاب الفيل بلغوا الصفاح". ومثله في "تفسير ابن جرير" عن قتادة. وظاهر سياقهم أن فيلهم حبس هناك، ورمتهم الطير هناك. وهذا يوافق قول ابن حجر الهيتمي، فقد ذكر ياقوت أن الصفاح "موضع بين حنين وأنصاب الحرم، على يسرة الداخل إلى مكة من مُشاش" (١). وقال: " ... ويتصل بجبال عرفات جبال الطائف، وفيها مياه كثيرة أوشال وعظائم قني (٢)، منها المشاش، وهو الذي يجري بعرفات، ويتصل إلى مكة" (٣). لكن قد يقال: ليست الرواية بصريحة أن القوم لم يجاوزوا الصفاح، فلعلهم جاوزوه إلى بطن محسر، لقول نفيل: "إلى جنب المحصب". نعم، تقدم في رواية سعيد بن جبير: "ومعه الفيل، فلما انتهى إلى الحرم برك الفيل، فأبى أن يدخل الحرم". وفي القصة في "منمق" ابن حبيب: "ثم أقبلوا حتى إذا طعنوا في المغمس ليدخلوا الحرم ... " (٤).

стр. 129

وقال ياقوت: "لُبنان ... تثنية لُبْن، جبلان قرب مكة، يقال لهما: لُبْن الأسفل، ولُبْن الأعلى، وفوق ذاك جبل يقال له: المبرك، به برك الفيل بعُرَنة، وهو قريب من مكة". (٧/ ٣٢٠). وقال: "مبرك: .... موضع بتهامة برك فيه الفيل لما قصد به مكة بعرنة، وهو بقرب مكة، عن الأصمعي". (٧/ ٣٧٩) (١). وبالجملة فالمشهور أنه بوادي محسر، ووادي محسر بجنب المحصب، وهو منى. وقد رأيت في شعر عمر بن أبي ربيعة ذكر وادي المغمس (٢)، فلعله كان يقال لمحسر، أو لموضع منه: "المغمس"، ثم اشتهر بمحسر. ولعل المغمس هو أعلى الوادي قريبًا من مزدلفة، والصفاح خارج الحرم. فما ادعاه المعلِّم أن أصحاب الفيل رموا عند الجمرات لا أصل له، ولا دليل، بل الدليل على خلافه، كما رأيت. والله أعلم. وأما الأمارة الثالثة: وهي مناسبة اسم الجمرة، فالذين ذكروا جمرات العرب ذكروا أنها [ص ٧٦] قبائل مخصوصة منهم، كل منها ذات نجدة وشدة ومنعة، لم تحالف غيرها. وجيش أبرهة ليسوا من تلك القبائل، ولا هم قبيلة، ولا كانوا خالصين، بل فيهم من الحبشة وكندة وحمير وخثعم وغيرهم، كما في كتب الأخبار، فلا وجه لتسميته جمرة.

стр. 130

فالصواب هو المشهور: أنها سميت جمارًا باسم الحصى، فإن الحصى يقال لها: جمار، وقيل غير ذلك من وجوه الاشتقاق، والمقصود بيان أن ما ذكره المعلِّم لا وجه له. وأما الأمارة الرابعة: فقد اختلف في أبي رِغال، كما تراه في "معجم البلدان" (١). وقد أخرج الحاكم في "المستدرك" من طريق عاصم بن عمر بن قتادة عن قيس بن سعد بن عبادة ... فذكر الحديث، وفيه: "فقال له رسول الله ﵌ ... ولا تكن كأبي رغال. فقال سعد: وما أبو رغال؟ قال: مصدق بعثه صالح ... " فذكر القصة، وفيها قتل أبي رغال. قال: "فأتى صاحب الغنم صالحًا النبي ﵌، فأخبره، فقال صالح: اللهم العن أبا رغال ... ". قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم. فتعقبه الذهبي قال: عاصم لم يدرك قيسًا (٢). قال عبد الرحمن: هذا التعقب مبني على قول خليفة بن خياط وغيره: إن قيسًا توفي آخر خلافة معاوية. وليس بمتفق عليه، فقد قال ابن حبان: إنه بقي إلى خلافة عبد الملك، وعلى هذا فسماع عاصم منه ممكن، لكن صحح الحافظ في "الإصابة" القول الأول (٣). والله أعلم. [ص ٧٧] وعلى كل حال فهذا الحديث أحسن ما في الباب. وأكثر

стр. 131

الحكايات في شأن أبي رِغال تدلُّ أنه قديم، وأشعارهم تدلّ على ذلك، وبعضها في "المعجم". وعلى هذا، فلم يُرجَم قبرُه لأنه حُصِبَ في حياته، وإنما رُجِمَ إشارةً إلى لعنه، فإن اللعن ــ كما قال الراغب ــ هو: "الطرد والإبعاد على سبيل السخط" (١). ويكنى عن اللعن بالرجم، كأنه مأخوذ من طرد الكلب، فإنه يكون في الغالب برجمه. قال الراغب: "والشيطان الرجيم: المطرود عن الخيرات، وعن منازل الملأ الأعلى" (٢). فرجم القبر إشارة إلى لعن صاحبه. إذ كأنه رجم له، ولهذا حسن قول جرير: إذا مات الفرزدق فارجموه ... كما ترمون قبر أبي رغال (٣) لم يرد بقوله: "فارجموه" ارجموا جسده، كما لا يخفى، وإنما أصل المعنى: فارجموا قبره، لكن حسن المجاز هنا، لما كان رجم القبر إنما هو إشارة إلى لعن صاحبه. فتطبيق الجمار على هذا أن يقال: إنه هلك في مواضعها، أو رئي عندها من يستحق اللعن والسخط. والأول قد رده المعلِّم ﵀ بحق، إذ قال: "إن الإسلام ترفع عن رجم القبور"، فتعين الثاني. ولا يمكن أن يكون من

стр. 132

أصحاب الفيل، وإلا لزم أن ترجم طريقهم كلها من اليمن إلى حيث بلغوا. فتعين أنه الشيطان كما جاءت به الروايات، واشتهر بين أهل العلم وغيرهم. وهو أحقّ بالرجم، لأن الله ﵎ سماه رجيمًا. وذكر المعلِّم رحمه الله تعالى أربعة أوجه أخرى، يبين بها أن مناسبة رمي الجمار لرمي أصحاب الفيل أظهر من مناسبتها لرمي الشيطان (١). الأول: قال: "من الثابت المتفق عليه أن النحر تذكار لسنة قربان إبراهيم بابنه، فلو كان أصل الرمي ــ كما زعموا ــ رمي الشيطان لكان النحر في اليوم الثالث أو الرابع ... فلماذا يرجم الشيطان في اليوم الثاني والثالث، وقد طرده [ص ٧٨] إبراهيم ﵇ قبل ذلك، وقرب ابنه، واستراح من مكره؟ وأما أصحاب الفيل، فلما رموا أول يوم وأصيبوا وحبسوا عن التقدم، رجع الحجاج إلى رحالهم ومواقفهم بمنى، وشكروا الله ونحروا وكبروا. ثم لما لم ييأس أبرهة كل اليأس، وتشجع وأراد الخروج إلى مكة في اليوم الثاني، رمى الحجاج جيشه مرة أخرى، وهكذا في اليوم الثالث". الثاني: قال: "في اليوم الأول من أيام الرمي لا ترمى إلا الجمرة التي تلي العقبة، وهي أقرب الجمرات إلى مكة، ولا يتعرض في هذا اليوم للجمرتين الدنيا والوسطى. وهذا أحسن مطابقة بحال تقدم أصحاب الفيل إلى مكة في اليوم الأول، فإنهم لما أصيبوا في ذلك اليوم دخلهم الفشل، وتشجعت العرب، فمنعوهم وراء المقام الأول". الثالث: قال: "الجمرة التي ترمى في اليوم الأول هي أكبرهن. وهذا

стр. 133

أحسن مطابقة بحال الجيش، فإنهم لما أصيبوا وضعفوا قل عدد المتقدمين منهم، وأما الشيطان فهو الذي تراءى لإبراهيم في اليوم الأول، فبعيد أن يكون علامته متفاوتة في الحجم". الرابع: قال: "بعد الرمي في اليوم الأول والثاني استقبال إلى الكعبة، ووقوف ودعاء طويل، ولا وقوف بعد الرمي في اليوم الثالث، فلو كان الرمي على الشيطان لم يكن هذا الاهتمام بالدعاء في اليومين، وتركه في الثالث. فإنَّ إبراهيم ﵇ قد كان صمم العزم ... وأما ... جيش أبرهة فإنه كان جيشًا عظيمًا ... فالتضرع إلى الله تعالى، وطلب النصر منه على [ص ٧٩] هذا الجيش أقرب إلى المعقول ... ". قال عبد الرحمن: ينبغي أن تستحضر أن الجمار ثلاث: الدنيا إلى مكة ــ ويقال لها: جمرة العقبة، والجمرة الكبرى ــ ثم الوسطى، ثم القصوى، وهي أقربهن إلى جهة المزدلفة. والمشروع ــ كما في كتب السنة وكتب الفقه وكتب المناسك ــ أن يقدم الحاج من مزدلفة يوم النحر فيرمي الجمرة الدنيا إلى مكة بعد طلوع الشمس، ولا يقف عندها للدعاء، ثم يرجع إلى داخل منى فينحر، ويحلق. فيحل له كل شيء حرم عليه بالإحرام إلا النساء، ثم يذهب فيطوف بالبيت فيحل له النساء أيضًا، ثم يرجع فيبيت بمنى. فإذا أصبح أول أيام منى وزالت الشمس ذهب فرمى الجمرة القصوى، ويقف ويدعو، ثم الوسطى فكذلك، ثم الدنيا إلى مكة، ولا يقف للدعاء. ثم كذلك في اليوم الثاني في أيام منى، ثم الثالث إن لم يكن نفر في الثاني. فقول المعلِّم ﵀: "ولا وقوف بعد الرمي في اليوم الثالث" وهم،

стр. 134

انتقل ذهنه من الجمرات إلى الأيام! ودونك الآن الجواب: أما الوجه الأول: فهو مبني على أن الرواية تقول: إن تعرض الشيطان لإبراهيم ﵇ إنما كان ليصده عن ذبح ابنه. والروايات الجيدة لا تقول ذلك، بل المفهوم منها أن تعرضه له كان ليدخل عليه الخلل في تعلم المناسك، كما تقدم. فرواية سالم بن أبي الجعد عن ابن عباس لا ذكر فيها لقصة الذبح، وكذلك رواية أبي داود الطيالسي عن حماد عن أبي عاصم عن أبي الطفيل عن ابن عباس، ورواية أبي حمزة عن عطاء بن السائب [ص ٨٠] عن سعيد بن جبير عن ابن عباس. وذكرت في الرواية الأخرى عن حماد عن أبي عاصم عن أبي الطفيل، ولكن ليس فيها أن تعرض الشيطان كان ليصد عن الذبح، فإنه ذكر فيها قصة الذبح بعد ذكر الجمرة الوسطى، ثم ذكر تعرض الشيطان بعد ذلك عند الجمرة القصوى، ولفظه في قصة الذبح يصلح أن تكون جملة معترضة، كما قدمته عند ذكر الروايات، ويؤيده عدم ذكر القصة في الروايات الأخرى. وذكرت أيضًا في رواية حماد عن عطاء بن السائب، وإنما ذكرت فيها بعد ذكر الجمرات الثلاث، ومع ذلك فلفظهما صالح لأن تكون قصة أخرى غير مرتبطة برمي الجمرات، وهو الواقع كما تقدم. هذا، مع ما في رواية عطاء من الضعف لاختلاطه. فقد اتضح أن الروايات المصححة تفيد أن تعرض الشيطان لإبراهيم ﵇ عند الجمرات إنما كان ليدخل عليه خللًا في تعلم المناسك.

стр. 135

هذا، والروايات المصححة تفيد أن تعرض الشيطان ورمي إبراهيم ﵇ له كان وإبراهيم خارج من مكة ذاهب إلى عرفة، وليس ذلك وقت رمي الجمرات المشروع. فالظاهر أن رمي إبراهيم ﵇ للشيطان لم يكن لأن الرمي من المناسك، ولكنه بعد أن أفاض من عرفة أمره الله أن يرمي تلك المواضع التي تراءى له الشيطان فيها أولًا تذكارًا لنعمة الله عليه بتسليطه على الشيطان، وإعاذته منه. وصار ذلك من المناسك شكرًا لذلك، وتعليمًا للناس أنه إذا وسوس لهم الشيطان في طريقهم إلى ربهم زجروه، وأخسؤوه، وطردوه، واستعانوا الله تعالى عليه؛ ووعدًا لهم بأنهم إذا فعلوا [ص ٨١] ذلك أعاذهم الله تعالى. فإن قلت: فعلى ما ذكرته يكون المشروع من رمي الجمار غير موافق رمي إبراهيم ﵇ للشيطان، وهو مخالف له من جهات: الأولى: أنه على قولك، يكون رميه للشيطان يوم التروية. الثانية: أنه رماه أولًا عند جمرة العقبة ثم الوسطى ثم القصوى. الثالثة: أنه كان ذلك مرة واحدة، لم يتكرر الرمي عند كل جمرة في يومين، أو ثلاثة. الرابعة: أنه لم يتكرر عند جمرة العقبة مع أنها في المشروع فضلت برمي يوم، فلا أعجب منك، فررت من وجهين، فوقعت في وجوه! قلت: إنك إذا تدبرت علمت أن المقصود في شرع رمي الجمار في الادكار والاعتبار، على ما تقدم، لا يتوقف على مشابهة رمي إبراهيم ﵇ للشيطان من كل وجه.

стр. 136

وإذا لم يكن كذلك، فأي غرابة في أن تتصرف الحكمة فيما اقترن بالرمي من وقت وكيفية وغير ذلك؟ فشَرَطَ الشارعُ ما تقتضي المصلحة اشتراطه، وغَيَّر ما اقتضت الحكمة تغييره، واستحبَّ ما تقتضي الحكمة استحبابه، ووكل ما عدا ذلك إلى اختيار المكلف. وهذا الرمل، سببُ شرعه أن النبي ﵌ لما اعتمر هو وأصحابه عمرة القضية أحب أن يري المشركين قوة في أصحابه، فأمرهم بالرمل. ثم كان ذلك مبدأ لشرع الرمل في الحج والعمرة في أي وقت كانت، ولم يقتصر على مثل تلك الأيام التي كانت فيها عمرة القضية. وهكذا مبدأ السعي بين الصفا والمروة، وهو تردد أم إسماعيل بينهما، فإن الله تعالى شرع لنا السعي في الحج والعمرة، ولم يقيده بمثل ذلك اليوم الذي سعت فيه أم إسماعيل. ورأي المعلِّم لا يتخلص من مثل هذه المخالفات، وإن جهد [ص ٨٢] نفسه. فإنه ليس من المعقول، إن كان وقع رمي من العرب لأصحاب الفيل، أن يكون أول يوم وقع في موضع جمرة العقبة، لم يتعدها من جهة من الجهات الأربع، ثم وقع كذلك في أول أيام منى بعد الزوال، ولم يتعدها الرمي أيضًا، ثم وقع عقب ذلك عند الجمرة الوسطى ولم يتعدها، ثم عند الجمرة القصوى ولم يتعدها، ثم تلا ذلك اليوم الثاني من أيام منى، فاتفق أن كان الرمي على ما كان في اليوم الأول لم يتغير، ثم كذلك في اليوم الثالث، ثم اتفق أن كان كل يوم عند كل جمرة بسبع حصيات من كل شخص، إلى غير ذلك مما أرى التشاغل بذكره ضربًا من العبث لوضوح الأمر.

стр. 137

فمن الحكمة في تأخير الرمي عن يوم التروية أن لا يحتاج من يأتي من جهة عرفة أن يتعب أولًا إلى منى للرمي، ثم يرجع إلى عرفة، ثم إلى منى. ومنها: أن يكون الحاج قد أقام البرهان من نفسه على صحة عزمه، وحسن استعداده لطرد الشيطان فيما يعرض له فيه. وإقامته البرهان إنما هي بتحمله مشاق السفر، وحفظ حرمة الإحرام مدة تستدعي مثلها المشقة غالبًا، وغير ذلك. ولهذا شرع للحاج إذا رمى جمرة العقبة يوم النحر أن يدع التلبية، ويأخذ في التكبير، وأن يشرع في التحلل، ولم يبق عليه إلا الحلق وهو نفسه من الاستمتاع. فكأن الله ﵎ يقول: إن العبد إذا فعل ما أمر به إلى يوم النحر، ثم عاهد الله عند الجمرة برميها، إذ الرمي ــ كما تقدم ــ طرد للشيطان، وإبعاد له، وتأكيد للعزم على زجره وطرده وإبعاده في كل ما يعرض فيه للرامي حتى يلقى الله = إذا فعل ذلك فقد صدق في إجابة داعي الله ، ولم تبق حاجة للتلبية، فليشرع في التكبير، [ص ٨٣] إذ هو شعار تعظيم الله عند استحضار الحضور بين يديه، كما في الصلاة. ولذلك لم تبق حاجة لاختباره وترويضه بمحرمات الإحرام، فقد آن أن يؤذن له في التحلل. وأكد ذلك أنه الآن معدود ضيفًا لربه ، وحق الضيف أن لا يضيَّق عليه. وأما عكس الترتيب، فمن المناسبة له أن رمي إبراهيم ﵇ للشيطان كان وهو مصعد إلى عرفة، فلما اقتضت الحكمة تأخير رمي الجمار إلى العود من عرفة ناسب عكس الترتيب. وأشير إلى أصل ترتيب رمي الشيطان بالاقتصار يوم النحر على جمرة العقبة، كما يأتي.

стр. 138

وأما التكرير، فمن الحكمة فيه أن رمي إبراهيم ﵇ كان للشيطان وهو يشاهده، فكان المعنى المقصود ــ وهو مجانبته وطرده وإبعاده ــ واضحًا. ورمي الجمار ليس كذلك، فإن كثيرًا من الناس يرمي، ولا يدري لماذا يرمي، فكان ذلك داعيًا إلى تكرير رمي الجمار، ليظهر بذلك نحو ما ظهر من إبراهيم ﵇ من صدق العزم على طرد الشيطان ومجانبته. أما من عرف المعنى فإنه يستحضره كلما رمى، فيتقوى استحضاره في نفسه، ويرجى أن يثبت فيها، فينتفع به إلى قابل على الأقل. وأما من لم يعرف المعنى فيكفيه خضوعه لأمرٍ ظاهره العبث، إيمانًا منه بربِّه، وتصديقًا لنبيِّه، وإذا تكرر الرمي قوي هذا المعنى. وأنت خبير أن الإنسان لو حجَّ ألف حَجَّة لكان عليه في كل منها أن يرمي، مع أن الرمي الذي كان المبدأ ــ وهو رمي الشيطان ــ لم يكن إلا في سنة واحدة. وكذلك رمي أصحاب الفيل على رأي المعلم، لو صح. فإذا لم يبعد التكرار بتكرار السنين، فنحوه التكرار في عدة أيام. [ص ٨٤] وكما أن إبراهيم ﵇ لو حج سنة أخرى بعد حجته التي رمى فيها الجمرات لكان عليه أن يرمي الجمرات، وإن لم ير الشيطان. فكذلك لا مانع أن يكون الأمر على ما قدمته: أنه رمى الشيطان مصعدًا إلى عرفة، ثم شرع له الرمي عند عوده منها. وأما الاقتصار يوم النحر على رمي جمرة العقبة، وتقديم وقته، فمن الحكمة فيه ــ والله أعلم ــ التخفيف عن الحاج، فإنه متأذٍّ بطول الإحرام، وعليه في هذا اليوم أعمال كثيرة، سوى الرمي، كالنحر والحلق والتنظف وصلاة العيد وطواف الإفاضة، وغير ذلك. فلو كُلِّف بأن ينتظر حتى تزول

стр. 139

الشمس، ثم يذهب فيرمي الجمار على نحو ما يفعله في أيام التشريق، لشقّ ذلك عليه. فأذن له بتقديم الرمي بعد طلوع الشمس ليتعجل التحلل، وأمر بالاقتصار على جمرة واحدة، وجعلت جمرة العقبة لأن أول ما تراءى الشيطان لإبراهيم ﵇ عندها، فيكون في الاقتصار عليها إشارة إلى ذلك، كما مر. ولم يؤمر بالوقوف عندها للدعاء تخفيفًا عليه، لاحتياجه إلى التخفيف كما مر. وبهذا علم الجواب عن الوجه الثاني والثالث من الوجوه التي يرجح بها المعلِّم ما رآه. وأما الرابع: فقد علمت وهم المعلِّم ﵀، وأن المشروع هو أن لا يوقف للدعاء عند جمرة العقبة، لا بعد رميها وحدها يوم النحر، ولا بعد رميها بعد أختيها في أيام منى، وأن يطال الوقوف والدعاء عند القصوى وعند الوسطى في سائر أيام منى، فانهدم بناء المعلم. فأما الحكمة في عدم شرع الوقوف للدعاء عند جمرة العقبة ، ففي يوم النحر الحكمة ظاهرة على ما تقدم من احتياج الحاج فيه إلى التخفيف. وأما في أيام منى، فمن الحكمة في ذلك ــ والله أعلم ــ موافقة [ص ٨٥] الواقع يوم النحر، ولأنها قد عوضت عن الوقوف عندها (١) بزيادة رمي يوم مقدم. ومن المحتمل أن يكون إبراهيم ﵇ لما تراءى له الشيطان عند جمرة العقبة، فرماه، استهان به، وظن أنه قد اندحر؛ فلم يكن هناك باعث له على طول الوقوف للدعاء. فلما تراءى له ثانيًا عند الجمرة الوسطى استشعر إبراهيم ﵇ خبث هذا الرجيم، وشدة لجاجه في الكيد، وعدم يأسه من

стр. 140

التمكن من المكر، فظهر له شدة افتقار الإنسان إلى الاستغاثة بالله والاستعانة به، فأطال الوقوف هنا للدعاء، وهكذا عند القصوى. والله أعلم. ثم ختم المعلِّم رسالته بفصلٍ مبنيٍّ على هذا الفصل، قال (١): "إن صح ما ذكرنا من أصل سنة رمي الجمار، سواء كان الرمي من الطير، أو من العرب، بعد أن كان على أصحاب الفيل ... فلا بد أن تكون نيتنا ... الذي يرى في رميه أنه يرمي الشيطان، لا يحسّ بداعية قوية خاصة، فإنه يعلم أنه إنما يرمي بحصياته حجرًا، ولا يرجو بذلك أنه ينجو به من مكر الشيطان، ويبعده عن نفسه لمدة، أو أن ذلك أشد تأثيرًا من تلاوة المعوذتين، أو حوقلة، أو التأذين ... وأما إذا علم أنه يتذكر برميه هذا نصرة الله التي خصّها لأهل هذا البيت، فإنه يتذكر أمرًا عظيمًا، ويجمع همته، ويرى أن الله تعالى قادر أن ينصرهم على أعدائهم مع ضعف السبب .. ثم إنهم إذا قاموا للدعاء بعد الرمي لم يخرجوا عن تلك الحال ... تذكرة تهدي إلى كون الحج كلّه [ص ٨٦] من الجهاد ... ذبح البهيمة علامة ذبح النفس، والأضحية فدية، وحقيقة الجهاد هي ذبح النفس، وإنقاذها من النار. ثم هذه رحلة الحجاج وحلولهم ... أشبه شيء بتمرينٍ عسكري ... كأن حالة الحجاج في هذه المنازل تنادي جهارًا إلى ضرورة نظم عسكري ... فإذا صحح المسلمون نياتهم للجهاد، وكابدوا مشقة هذا التمرين، فكأنهم أشهدوا على تهيُّئهم لذلك إذا دعوا إليه. وأين في نية رمي الشيطان هذه الحكمة؟ ". قال عبد الرحمن: قوله: "سواء كان الرمي من الطير أو من العرب" يسفر لك عما في نفسه من عدم الوثوق بأن الطير لم ترمِ، مع أنه في آخر

стр. 141

فصل من رسالته. وهذا هو الظن به رحمه الله تعالى , فإن دلائل رمي الطير بغاية الوضوح، وما عورضت به كسراب بقيعة. وقد أغناني بكلمته هذه عن بيان أنه لو ثبت أن رمي الجمار تذكار لرمي أصحاب الفيل، لما لزم نفي الرمي عن الطير وإثباته لأهل مكة، بل يكون حينئذٍ تذكارًا لنعمة الله بتسليطه الطير على رمي أصحاب الفيل. وقوله: "الذي يرى في رميه أنه يرمي الشيطان لا يحس بداعية قوية ... ". صوابه أن الرامي إن كان يعلم مبدأ الرمي وحكمته، فإنه يناجي نفسه قائلًا: إن الشيطان للإنسان عدو مضل مبين، لم ييأس من إبراهيم نبي الله ورسوله وخليله، ثم لم يكفه أن طرده مرة حتى تعرض له ثانية، ثم ثالثة. وعَلِمَ إبراهيم ﵇ الاضطرارَ إلى الاستعانة بالله ، فأطال الوقوف [ص ٨٧] بعد ما رماه ثانيًا ثم ثالثًا. وقد شرع الله لعباده أن يتشبهوا بإبراهيم ﵇ في الصورة الظاهرة تحقيقًا للتشبه به في الحال النفسية. فهذه يدي كأنها تطرد الشيطان برميه بالحصباء، وهذا قلبي يطرد الشيطان عن أن يؤثر فيه إعراضًا عن سبيل الله، أو تقصيرًا فيه. ولا شك أن طرد القلب للشيطان لا يتحقق بالإعراض عنه في الحال، بل لا بد من عقد النية، وتأكيد العزم على إبعاد الشيطان، ومخالفته ومجانبته. إذن، فهذا في المعنى عهدٌ وميثاقٌ أوتيه ربي على الاستمرار في سبيله، ومخالفة الشيطان؛ على أنني لست بمستعظم كيد الشيطان، ولا معتمد على نفسي، فإن الله أكبر، وأنا أسأله كذا وكذا ... فهذه الداعية تنفع المؤمن في جميع أموره، ويدخل فيها الجهاد، فإنه من سبيل الله الذي يصد عنه الشيطان.

стр. 142

وفوق هذا فإنه ينبغي أن يفهم أن الله تعالى لم يصرف الشيطان عن إبراهيم حتى دفعه بأقصى ما يمكنه حينئذٍ، وهو الرمي بالحصى، فيستفيد وجوب السعي، وبذل المجهود ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠]. ويتأكد ذلك باستحضار أن ما شرع لنا من الرمي بالحصى فيه إشارة إلى وجوب بذل المجهود، مما هو من جنس التسبب، وإن لم يكن ــ بحسب الطبع ــ كافيًا في السببية، على نحو ستر الإناء ولو بعود، والاستتار في الصلاة ولو بخط، على ما تقدم إيضاحه في فصل (ز). والله أعلم. وأما من يرمي، ولا يعلم مبدأ الرمي وحكمته، فإنه يعتاض بمعنى آخر. وذلك أن الشيطان لا يفتأ يوسوس له قائلًا: ما هذا الجهل؟ وما هذا الحمق؟ تتعبون من المسافات البعيدة، فتجيئون تعملون هذه (١) الأعمال؟ أي فائدة في أن يرمى بحصيات في موضع؟ وكيف يتصور أن يكون نبي صادق النبوة يأمر بمثل هذا؟ وأنى يتوهم أن يكلف الله ﵎ عباده بهذا العبث .. ؟ فإذا لم يُصْغِ الإنسان إلى هذه الوسوسة ورمى الجمرات كما أمر، كان ذلك مخالفة للشيطان، وطردًا له. وكان في تكرار ذلك ما يقوم مقام العزم على المخالفة للشيطان بقية حياته. فأما من يتصور أن مبدأ رمي الجمار رمي أهل مكة أصحاب [ص ٨٨] الفيل، فيوشك أن يقول له الشيطان: أي حاجة بالمسلمين إلى الاستعداد للجهاد؟ ويكفيهم التوكل على الله . وهو إذا أراد أن يهلك عدوهم

стр. 143

أهلكه بغير تسبب منهم، أو بأدنى تسبب، كالرمي بالحصى. فقد أهلك الله تعالى عدو أهل مكة كذلك، مع أنهم كانوا مشركين، يعبدون الأوثان. فاتضح أن استحضار من يرمي الجمار أن مبدأ ذلك رمي إبراهيم ﵇ للشيطان هو أقرب إلى إعداده للجهاد: جهاد الكفار، وجهاد النفس والشيطان. ويمكن بسط هذا المعنى بأكثر من هذا الكلام، وإيراد نكات ومناسبات أخرى، وفيما ذكرت كفاية إن شاء الله تعالى. تتمة: وههنا وجوه تبطل ما افترضه المعلِّم من أن رمي الجمار أحدثه العرب تذكارًا لرمي أصحاب الفيل: الأول: أن هذا الصنيع بعيد عن أفكار العرب، ولا نظير له في أفعالهم. فأما رجمهم قبر أبي رِغال، فذاك ضرب من التشفي، أو اتباع سنة وجدوا عليها العمل قديمًا، إن صح أن رجم ذلك القبر سنة سنَّها صالح النبي ﵇ لتنفير الناس عن مثل عمل ذلك الرجل. وليس في رمي المواضع التي رمي فيها أصحاب الفيل تشفٍّ. الثاني: أن من شأن العرب أن تبقى فيهم ذكر الوقائع إلى أمدٍ بعيد. فلو كان أصحاب الفيل رجموا في موضع الجمار، وتعمق العرب فأحدثوا رمي الجمار تذكارًا لذلك، لبقي هذا الخبر محفوظًا فيهم إلى أجيال. فما بال الصحابة والتابعين لم يكونوا يعرفون ذلك، كما تدل عليه الروايات المحفوظة عنهم، مع أن المدة كانت قريبة؟

стр. 144

[ص ٨٩] الثالث: لو كان الأمر على ما افترضه المؤلف، لكان الظاهر أن لا يختص الرمي بعدة السبعة، فإن هذا العدد لا أثر له في رمي الإنسان. وإنما يظهر أن له أثرًا في رجم الشيطان، فإن تعيينه في كثير من الأمور الدينية في الحج وغيره يشعر بأن له خاصية معنوية. ويمكن إبداء وجوهٍ أخرى، وقد علم بعضها مما تقدم، والأمر أوضح من ذلك. والله أعلم.

стр. 145

[ص ٩٠] القسم الثاني تفسير السورة وفيه: مقدمة وبابان
следующие страницы →