فصل من رسالته. وهذا هو الظن به رحمه الله تعالى , فإن دلائل رمي الطير بغاية الوضوح، وما عورضت به كسراب بقيعة.
وقد أغناني بكلمته هذه عن بيان أنه لو ثبت أن رمي الجمار تذكار لرمي أصحاب الفيل، لما لزم نفي الرمي عن الطير وإثباته لأهل مكة، بل يكون حينئذٍ تذكارًا لنعمة الله بتسليطه الطير على رمي أصحاب الفيل.
وقوله: "الذي يرى في رميه أنه يرمي الشيطان لا يحس بداعية قوية ... ". صوابه أن الرامي إن كان يعلم مبدأ الرمي وحكمته، فإنه يناجي نفسه قائلًا: إن الشيطان للإنسان عدو مضل مبين، لم ييأس من إبراهيم نبي الله ورسوله وخليله، ثم لم يكفه أن طرده مرة حتى تعرض له ثانية، ثم ثالثة.
وعَلِمَ إبراهيم ﵇ الاضطرارَ إلى الاستعانة بالله ، فأطال الوقوف [ص ٨٧] بعد ما رماه ثانيًا ثم ثالثًا. وقد شرع الله لعباده أن يتشبهوا بإبراهيم ﵇ في الصورة الظاهرة تحقيقًا للتشبه به في الحال النفسية. فهذه يدي كأنها تطرد الشيطان برميه بالحصباء، وهذا قلبي يطرد الشيطان عن أن يؤثر فيه إعراضًا عن سبيل الله، أو تقصيرًا فيه.
ولا شك أن طرد القلب للشيطان لا يتحقق بالإعراض عنه في الحال، بل لا بد من عقد النية، وتأكيد العزم على إبعاد الشيطان، ومخالفته ومجانبته.
إذن، فهذا في المعنى عهدٌ وميثاقٌ أوتيه ربي على الاستمرار في سبيله، ومخالفة الشيطان؛ على أنني لست بمستعظم كيد الشيطان، ولا معتمد على نفسي، فإن الله أكبر، وأنا أسأله كذا وكذا ...
فهذه الداعية تنفع المؤمن في جميع أموره، ويدخل فيها الجهاد، فإنه من سبيل الله الذي يصد عنه الشيطان.
стр. 142
وفوق هذا فإنه ينبغي أن يفهم أن الله تعالى لم يصرف الشيطان عن إبراهيم حتى دفعه بأقصى ما يمكنه حينئذٍ، وهو الرمي بالحصى، فيستفيد وجوب السعي، وبذل المجهود ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠].
ويتأكد ذلك باستحضار أن ما شرع لنا من الرمي بالحصى فيه إشارة إلى وجوب بذل المجهود، مما هو من جنس التسبب، وإن لم يكن ــ بحسب الطبع ــ كافيًا في السببية، على نحو ستر الإناء ولو بعود، والاستتار في الصلاة ولو بخط، على ما تقدم إيضاحه في فصل (ز). والله أعلم.
وأما من يرمي، ولا يعلم مبدأ الرمي وحكمته، فإنه يعتاض بمعنى آخر. وذلك أن الشيطان لا يفتأ يوسوس له قائلًا: ما هذا الجهل؟ وما هذا الحمق؟ تتعبون من المسافات البعيدة، فتجيئون تعملون هذه (١) الأعمال؟ أي فائدة في أن يرمى بحصيات في موضع؟ وكيف يتصور أن يكون نبي صادق النبوة يأمر بمثل هذا؟ وأنى يتوهم أن يكلف الله ﵎ عباده بهذا العبث .. ؟
فإذا لم يُصْغِ الإنسان إلى هذه الوسوسة ورمى الجمرات كما أمر، كان ذلك مخالفة للشيطان، وطردًا له. وكان في تكرار ذلك ما يقوم مقام العزم على المخالفة للشيطان بقية حياته.
فأما من يتصور أن مبدأ رمي الجمار رمي أهل مكة أصحاب [ص ٨٨] الفيل، فيوشك أن يقول له الشيطان: أي حاجة بالمسلمين إلى الاستعداد للجهاد؟ ويكفيهم التوكل على الله . وهو إذا أراد أن يهلك عدوهم
стр. 143
أهلكه بغير تسبب منهم، أو بأدنى تسبب، كالرمي بالحصى. فقد أهلك الله تعالى عدو أهل مكة كذلك، مع أنهم كانوا مشركين، يعبدون الأوثان.
فاتضح أن استحضار من يرمي الجمار أن مبدأ ذلك رمي إبراهيم ﵇ للشيطان هو أقرب إلى إعداده للجهاد: جهاد الكفار، وجهاد النفس والشيطان.
ويمكن بسط هذا المعنى بأكثر من هذا الكلام، وإيراد نكات ومناسبات أخرى، وفيما ذكرت كفاية إن شاء الله تعالى.
تتمة:
وههنا وجوه تبطل ما افترضه المعلِّم من أن رمي الجمار أحدثه العرب تذكارًا لرمي أصحاب الفيل:
الأول: أن هذا الصنيع بعيد عن أفكار العرب، ولا نظير له في أفعالهم. فأما رجمهم قبر أبي رِغال، فذاك ضرب من التشفي، أو اتباع سنة وجدوا عليها العمل قديمًا، إن صح أن رجم ذلك القبر سنة سنَّها صالح النبي ﵇ لتنفير الناس عن مثل عمل ذلك الرجل. وليس في رمي المواضع التي رمي فيها أصحاب الفيل تشفٍّ.
الثاني: أن من شأن العرب أن تبقى فيهم ذكر الوقائع إلى أمدٍ بعيد. فلو كان أصحاب الفيل رجموا في موضع الجمار، وتعمق العرب فأحدثوا رمي الجمار تذكارًا لذلك، لبقي هذا الخبر محفوظًا فيهم إلى أجيال. فما بال الصحابة والتابعين لم يكونوا يعرفون ذلك، كما تدل عليه الروايات المحفوظة عنهم، مع أن المدة كانت قريبة؟
стр. 144
[ص ٨٩] الثالث: لو كان الأمر على ما افترضه المؤلف، لكان الظاهر أن لا يختص الرمي بعدة السبعة، فإن هذا العدد لا أثر له في رمي الإنسان. وإنما يظهر أن له أثرًا في رجم الشيطان، فإن تعيينه في كثير من الأمور الدينية في الحج وغيره يشعر بأن له خاصية معنوية.
ويمكن إبداء وجوهٍ أخرى، وقد علم بعضها مما تقدم، والأمر أوضح من ذلك. والله أعلم.
стр. 145
[ص ٩٠] القسم الثاني
تفسير السورة
وفيه: مقدمة وبابان
стр. 146
المقدمة
قال المعلِّم ﵀: "عمود السورة، وربطها بالتي قبلها والتي بعدها ... " (١).
قال عبد الرحمن: لا حاجة إلى سياق عبارته، بل أذكر ما عندي، وأنبه على ما يخالفها (٢) من كلامه، وأبين ما فيه.
قرّع الله في سورة التكاثر عباده بأنه ألهاهم التكاثر في الأعداد والأموال والأولاد والعزة والجاه وغير ذلك من الأغراض الدنيوية عن الآخرة، وأكد إنذارهم بالآخرة وعذابها.
ثم دعاهم في سورة العصر إلى تدبر ما مضى في العصور من أحوال الأمم كعاد وثمود وقوم فرعون وغيرهم، فإنها واضحة الدلالة على أن الناس كلهم خاسرون، إلا من لم يلهه التكاثر عن الآخرة؛ وهم الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وتواصوا بالحق، وتواصوا بالصبر.
ثم أعلن في سورة الهمزة بهلاك كل من ألهاه مكاثرة الناس في الفخر والمال، واستعان على الأول بكثرة الهمز واللمز للناس، لينقصوا في العيون، ويكثر هو؛ وعلى الثاني بجمع المال وتعديده، ألهاه ذلك عن الآخرة، حتى كأنه يحسب أنَّ ماله مُخْلِدُه ولا بد. فزجر الله من كان كذلك، وتوعده بالعذاب الشديد في الآخرة.
стр. 147
والكلام في هذه السور الثلاث كلُّه على العموم، وفي سورة الهمزة: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ ... ﴾ ولا أصرح في العموم من كلمة "كل". ولا ينافي ذلك ما روي أنها نزلت في أبي بن خلف، [ص ٩١] أو أخيه أمية، أو جميل بن عامر، أو الوليد بن المغيرة، أو العاص بن وائل، وغير ذلك؛ فإن العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب.
وقد ساق ابن جرير بعض تلك الأقوال، ثم روى عن مجاهد أنه قال: "ليست بخاصة لأحد". ثم قال ابن جرير: "والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله عمّ بالقول كلَّ همزة لمزة، كلَّ من كان بالصفة التي وصف هذا الموصوف بها سبيله، كائنًا من كان من الناس" (١).
ثم ذكر الله تعالى في سورة الفيل يومًا من أيامه التي تقدمت الإشارة إليها في سورة العصر، كأنه قال: هب أيها الإنسان أنك لم تسمع، أو لم توقن بأيام ربك في عاد وثمود وغيرهم مما تقادم عهده، فهذا يوم قريب، قد علمه كل أحد، وهو واقعة أصحاب الفيل. ألم تعلم كيف فعل ربك بهم؟ أوَلا يردّك عن الاغترار بما تُكاثِر به أنه لم يُغْنِ عنهم كثرةُ عَددهم، وعُددهم، وشدةُ كيدهم؟ أوَلا تخاف أن يعذبك ربك بذنبك، كما عذبهم بذنبهم؟
والخطاب يتناول أهل مكة عمومًا كما هو ظاهر، وخصوصًا لوجوه:
الأول: لأنهم أول من تليت عليه السورة.
الثاني: أن الواقعة كانت أمام أعينهم.
стр. 148
الثالث: أن ذنبهم أشبه بذنب أصحاب الفيل، وأشد منه. فإن ذنب أصحاب الفيل هو أنهم عمدوا لهدم البيت الحرام انتهاكًا لحرمته، وصدًّا عن عبادة الله فيه. ومن ذنب أهل مكة: انتهاك حرمة البيت بما نجسوه به من رجس الأوثان التي نصبوها في جوفه، وعلى ظهره، وحواليه؛ [ص ٩٢] وأشركوا بالله فيه، وسعوا في خرابه بمنع أن يعبد الله فيه.
ففي "الصحيح" من حديث أبي هريرة قال: "قال أبو جهل: هل يعفّر محمد وجهه بين أظهركم؟ قال: فقيل: نعم! فقال: واللات والعزى، لئن رأيته يفعل ذلك لأطأنَّ على رقبته، أو لأعفّرنَّ وجهه في التراب! قال: فأتى رسول الله ﵌ وهو يصلي، زعم ليطأ على رقبته، قال: فما فجئهم منه إلا وهو ينكص على عقبيه، ويتقي بيديه .. " (١).
وكان ﵌ مرة يصلي عند البيت، فجاء بعضهم، فألقى ثوبًا في عنقه، وخنقه به خنقًا شديدًا. وكان مرة أخرى يصلي، فلما سجد جاؤوا بِسَلَا جَزور، فألقَوه على ظهره (٢). وكذبوا الرسول الذي دعاهم إلى الحنيفية دين إبراهيم الذي بنى البيت وأمرهم بتطهير البيت واحترامه، إلى غير ذلك مما كان منهم.
الرابع: أن في واقعة الفيل منة لربهم عليهم، نالتهم بسبب هذا البيت. صرف الله أصحاب الفيل أن يدخلوا مكة، ويهدموا البيت،
стр. 149
فكان لقريش بذلك شرف وفخر.
قال ابن إسحاق: "فلما ردَّ اللهُ الحبشة عن مكة، وأصابهم بما أصابهم به من النقمة، أعظمت العرب قريشًا، وقالوا: [هم] أهل الله، قاتل الله عنهم، وكفاهم مؤنة عدوهم" (١).
وكان من تمام النعمة أن الله ﵎ لم يحوجهم إلى قتال، بل ثبطهم عنه، لئلا تنتقض [ص ٩٣] مؤالفتهم لليمن والحبشة، فتنقطع تجارتهم. بل لا بد أن يكون بعد ذلك إعظام وإجلال لهم من ملوك الحبشة في الحبشة واليمن، فكان ذلك زيادة في تسهيل تجارتهم.
ولهذا ــ والله أعلم ــ عقب الله هذه السورة بسورة قريش، فامتنَّ عليهم فيها بما يسَّره لهم من الإيلاف لرحلة الشتاء والصيف إلى اليمن والحبشة وغيرها ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (١) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (٢) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (٣) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾.
فقد اتضح بما قدمناه أن عمود السورة هو تهديد العصاة الذين ألهاهم التكاثر عن الآخرة، ولم يعتبروا بأيام الله تعالى في العصور، فلم يؤمنوا، بل تشاغلوا بهمز الناس ولمزهم، وجمع المال وتعديده؛ وخاصة أهل مكة الذين كان ذنبهم شبيهًا بذنب أصحاب الفيل، وأشد منه كما مرَّ. واتصل بهذا التهديد الامتنان على أهل مكة كما علمت. فبالتهديد ارتبطت السورة بما قبلها، وبالامتنان ارتبطت بما بعدها.
стр. 150
فهذا الذي قررته هو الذي يتبين به حسن الانتظام، وقوة ارتباط الكلام. وهذا هو المقصود الأعظم للمعلم ﵀ حتى سمى تفسيره: "نظام القرآن".
ولكنه ﵀ ضحى بهذا المقصد في سبيل نفي الرمي عن الطير، فتعسف وتردد، فإنه ذكر أولًا فصلًا يقرر به أن الخطاب في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ ليس للنبي ﵌. [ص ٩٤] قال فيه (١): "فهؤلاء المشركون أولى بأن ينبهوا على ما غفلوا عنه، كأنه قيل لهم: هلّا تعبد رب هذا البيت، وتوكل عليه، وتدع الشرك، فإنّه هو الذي نصرك ... فإن صرف [هذا] (٢) الخطاب إلى النبي ﵌ لا بد أن يراد به تسليته من الله تعالى، وأنه كما هزم جنود أعداء هذا البيت، فكذلك سيهزم هؤلاء المشركين ... فهذا المحمل، وإن صحّ خطابًا بالنبي (؟ ) ﵌، ولكن إذا قرأه النبي ﵌ [عليهم] صار حجة لهم، فإنهم حينئذٍ يقولون: نحن أولى بنصر الله، فإنا ولاة بيته ... فلا يحسن تأويل السورة إلى تهديدهم، وإنما يحسن تأويلها إلى تحريضهم على التوحيد بشكر النعمة (٣) ... ".
ثم ذكر عمود السورة، وربطها بالتي قبلها فقال: " [ذكر القرآن] في السورة السابقة كل همزة لمزة ... ففي هذه السورة إشهاد على ما فعل بأمثاله ... فذكّر القرآن هذا الغني المختال هذه الواقعة التي شهدها بعينه، فإنه من
стр. 151
كفرة قريش، والظاهر أنه أبو لهب ... فكأنه قيل له: ألم تر كيف حطم الله أمثالك ... وقد علمت أنك لم تغلب عليهم بقوتك، بل بنصر من الله ... فاتضح مما قدمنا أن عمود هذه السورة تمهيد وجوب الشكر لله تعالى، بذكر ما جعل لأهل مكة خصوصًا، والعرب عمومًا من العزة والكرامة ... ".
قال عبد الرحمن: حاول رحمه الله تعالى أن ينفي التهديد، فلم يزل به الحق حتى اضطره إلى إثباته، كما ترى.
فأما قوله: "فهؤلاء المشركون أولى بأن ينبهوا ... " فهذا التنبيه حاصل على ما قررته كما عرفت، فالسورة فيها وعد، أو قل: تسلية للنبي ﵌، وتهديد للمسرفين، ولاسيما أهل مكة. وامتنان على أهل مكة، ولا تنافي بين هذه المعاني، فلا ضرورة إلى قصر السورة على واحد منها.
وقوله: "صار حجة لهم ... " ليس بشيء، فإن التهديد إنما هو بأن يصيبهم [ص ٩٥] رب البيت بعذاب ما، لا خصوص أن يسلط عليهم جيشًا من غيرهم. وخصمهم عند نزول السورة ثلاثة:
الأول: رب البيت ، لأنهم محاربون له أشد من محاربة أصحاب الفيل.
الثاني: البيت نفسه، فإن المقصود الأعظم مما فعل الرب بأصحاب الفيل هو حماية البيت، وهم قد أهانوه أشد من إهانة أصحاب الفيل، فنجسوه بالأوثان، وأشركوا بالرب فيه، وسعوا في خرابه، ومنعوا من عبادة الله عنده.
стр. 152
الثالث: الرسول والذين آمنوا معه، وهم من ولاة البيت، وأحق به؛ لأنهم يدعون إلى تطهيره، وتوحيد الرب عنده.
وقوله: "فذكر القرآن هذا الغني المختال ... والظاهر أنه أبو لهب" فيه أمران:
الأول: أنك قد علمت أن الكلام في سورة الهمزة عام، ولا أصرح في العموم من كلمة "كل".
الثاني: أن هذه العبارة كالصريحة في أن المعلِّم يرى أن الخطاب في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ لشخص معين، الظاهر عنده أنه أبو لهب. وهذا ــ مع بطلانه في نفسه ــ مخالف لما قرره المعلِّم في فصل "تعيين المخاطب في هذه السورة". قال هناك: "فاعلم أن الخطاب ههنا متوجه إلى جميع من رأى هذه الواقعة، أو أيقن بها من طريق تواتر الحكاية". وقرر ذلك تقريرًا بالغًا.
ثم قال في موضع آخر (ص ١٥): "الواقعة كانت على غاية الاشتهار ... وإصدار الكلام بقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ﴾ يناسب هذا الأمر، فإنه لا يخاطب به إلا فيما لا يخفى على أحد، كأنه رآه كل من يخاطب به، وإن لم يره بعينه. وهكذا ينبغي عند طلب الإقرار بشيء، كما هو معلوم عند أهل العربية".
ثم عاد فخص الخطاب بأهل مكة كما يأتي، فكأن له في المخاطب ثلاثة أقوال. والله المستعان.
وقوله: "ألم تر كيف حطم الله أمثالك ... وقد علمت أنك لم تغلب عليهم بقوتك، بل بنصر الله" نزول منه ﵀ على الحق في قصد
стр. 153
التهديد، ولكنه يخالف ذلك، فيقول: إن عمود السورة هو الامتنان. والصواب ما اقتضاه قوله: "ألم تر كيف حطم الله ... " من أن عمود السورة هو التهديد، وبذلك يتم ارتباطها بما قبلها، وأن الامتنان فيها حاصل تبعًا. والله الموفق.
стр. 154
[ص ٩٦] الباب الأول
في تفسير السورة على ما أفهمه وفاقًا لأهل العلم
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (١)﴾
١ ــ الهمزة موضوعة للاستفهام، وحقيقته عندهم طلب الفهم، ومتى جاءت ــ ولا طلب فهم ــ فمجاز بمعنى آخر، وقد يجتمع معنيان أو أكثر. فمن المعاني: التقرير أي الحمل على الإقرار، والتقرير بمعنى تثبيت الحكم وتحقيقه، والإنكار الإبطالي، والإنكار التوبيخي أو التعجبي، والوعد، والوعيد، والتهديد، والامتنان، وغير ذلك. أنهاها السيوطي في "الإتقان" (١) إلى اثنين وثلاثين معنى، وفي تلخيص المفتاح وشروحه طائفة منها.
قال السعد التفتازاني: "والحاصل أن كلمة الاستفهام إذا امتنع حملها على الحقيقة تولد منه بمعونة القرائن ما يناسب المقام. ولا تنحصر المتولدات فيما ذكره المصنف، ولا ينحصر أيضًا شيء منها في أداة دون أداة، بل الحاكم في ذلك هو سلامة الذوق، وتتبع التراكيب. فلا ينبغي أن تقتصر في ذلك على معنى سمعته، أو مثال وجدته، من غير أن تتخطاه. بل عليك بالتصرف، واستعمال الروية , والله الهادي" (٢).
стр. 155
[ص ٩٧] قال عبد الرحمن: يلوح لي أن الأصل في الاستفهام المجازي تنزيل المتكلم نفسه منزلة خالي الذهن عن الحكم الطالب للفهم، فيأتي بصورة الاستفهام، كما يأتي بها هذا؛ ليريك أنه لم يتحكم عليك، بل ترك الحكم إليك. فإن هذا أدعى لك إلى التدبر والتبصر، وليعلم من سمع الكلام وعرف حقيقة حال المتكلم أنه إنما أتى بهذا الأسلوب لوثوقه بأنك إذا تدبرت وتبصرت وافقته في الحكم، وأنه يرى أن الأمر بغاية الظهور إن احتاج إلى شيء فإلى التدبر والتبصر. وهذا هو التقرير بمعنى الحمل على الإقرار.
ثم إن كان الحكم عند المتكلم الإثبات، فالأغلب أن يؤتى عقب الهمزة بأداة نفي، كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١]. وإن كان النفي فالغالب أن لا يؤتى بأداة نفي كقوله تعالى: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ [النمل: ٦١ و ٦٣ و ٦٤].
والسر في ذلك ــ والله أعلم ــ هو تأكيد المعنى المتقدم، لأن الاستفهام إذا جاء في الصورة عن الإثبات كان فيه إيهام أن المتكلم يريد حملك على الإثبات، كما أشار إليه الشُّمُنِّي قال: "لأن الحكمة اقتضت أن يذكر تقرير الإثبات بصورة النفي، قصدًا إلى الدلالة على أنَّ المُقِرَّ على يقين مما أقرَّ به، وأنه لم يتلقن ذلك من تقرير المتكلم (١).
والتقرير الذي يعلم منه الإثبات نحو ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ قد يطلق عليه أنه تقرير بمعنى آخر، وهو تقرير الحكم بمعنى تثبيته وتحقيقه.
والذي يقصد منه النفي يسمى إنكاريًّا إبطاليًّا، وقد يطلق على نحو ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ﴾ إنكار إبطالي على معنى أنه إنكار يبطل نفي الشرح.
стр. 156
[ص ٩٨] وقد يتوصل بصورة تقرير يظهر منه الإثبات أو النفي إلى إفادة شدة بعد الانتفاء في الأول، والثبوت في الثاني، ليفاد بالاستبعاد قوة المقتضي في الأول، والمانع في الثاني.
ثم إن كان المقتضي أو المانع طبيعيًا ــ ولا لوم ــ فذاك الاستفهام التعجبي، كقول من يعتقد حياة الخضر: ألم يمت الخضر بعد؟ وقول الذي كلمه الذئب: أذئب يتكلم؟
وإن كان هناك لوم فهو الإنكار التوبيخي. فإن لم يمكن التدارك فهو لمجرد التقريع، كقولك لمن مات عنده إنسان جوعًا: ألم تطعمه حتى مات؟ وقول الله : ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٠٦].
وإن أمكن التدارك فهم منه الأمر أو النهي، فالأول: كقوله تعالى:
﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ﴾ [آل عمران: ٢٠]، أي فأسلموا الآن، وما أخبر به سبحانه من قول إبراهيم لقومه: ﴿قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ﴾ [الصافات: ٩٥] أي فمن الآن لا تفعلوا.
وكثيرًا ما يقترن التوبيخ بالتعجب، كما في هذا المثال، وكما أخبر الله عن المشركين: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص: ٥].
واعلم أن من الوجوه التي مثل لها بما صورته استفهام عن النفي قد تأتي بصورة الإثبات، وعكسه، كقول معتقد حياة الخضر: آلخضر حي إلى الآن؟ وقولك لكافر: ألم تسلم؟
стр. 157
واعلم أن التوبيخ أريد به ما يعم اللوم والعتاب، فلا تغفل!
[ص ٩٩] فأما الوعد، والوعيد والتهديد، والامتنان، فيلوح لي أنها إنما تفهم من فحوى الكلام. فمثال الوعد قول الله ﵎: ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣) وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (٤) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (٥) أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى ... ﴾ الآيات [الضحى: ١ ــ ٦]. أي فسوابق العناية تدل على لواحقها.
وعليه قول الشاعر (١):
اللهُ عوَّدك الجميـ ... ـلَ فقِسْ على ما قد مضى
وهذا هو الوعد، لكنه إنما أخذ من فحوى الكلام، لا من خصوص الاستفهام، ولو قيل: "وجدك ربك يتيمًا فآوى ... " بدون استفهام، لكان الوعد حاصلًا.
ومثاله مع الوعيد والتهديد قوله ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٥) أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ (١٦) ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ (١٧) كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ﴾ [المرسلات: ١٥ ــ ١٨]، فأصل الاستفهام للتقرير، وفُهِمَ من الكلام: الوعد للنبي ﵌ والمؤمنين بإهلاك عدوهم، والوعيد والتهديد للمكذبين؛ فإن إهلاك الله تعالى للمكذبين من الأولين والآخرين ظاهر الدلالة على أن تلك سنته.
ومثال الامتنان قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ
стр. 158
النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٧].
فقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا .... ﴾. الاستفهام للتقرير، والامتنان مفهوم من فحوى الكلام، وأوضحه بقوله: ﴿وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ﴾.
ولأقتصر في هذا الموضع على هذا القدر، فإنه كافٍ لتوضيح الاستفهام في سورة الفيل. والله أعلم.
[ص ١٠٠] فالاستفهام في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ للتقرير. أما إن كان الخطاب للنبي ﵌ فواضحٌ، لأنه كان قد علم بقصة الفيل، والمراد بالرؤية في الآية العلم كما يأتي. وأما إن كان الخطاب عامًّا على ما يأتي توضيحه، كأنه قيل: ألم تر أيها الإنسان؟ فلأن مثل هذا إنما هو كناية عن شدة ظهور الواقعة واشتهارها. يقال: هذا أمر قد علمه القاصي والداني، فلا يفهم من هذا إلا الوصف بشدة الظهور والاشتهار، فلا تسمع أحدًا يناقش في مثل ذلك بأن من القاصين من لم يعلم. فكذلك هنا لا يقدح في القول بالتقرير بأن من الناس من لم يسمع بواقعة الفيل البتة.
فإن لم تقنع بهذا فاجعل الاستفهام يتنوع بتنوع المخاطبين. فمن بلغته الآية وقد علم، فالاستفهام في حقه للتقرير. ومن بلغته ولما يعلم وهو مقصر، فللتوبيخ، وإلا فللتعجب.
وعلى كل حال، فالوعد للنبي ﵌ والمؤمنين، والوعيد والتهديد للناس عامة، ولأهل مكة خاصة، والامتنان على أهل مكة، كل ذلك حاصل من فحوى الكلام، كما سبق.
стр. 159
٢ ــ اتفق المفسرون على أن الرؤية في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ بمعنى العلم، لأن الواقعة كانت قبل المولد النبوي، ولم يشاهدها كل من يصلح للخطاب. ثم منهم من قال: الرؤية بمعنى العلم مباشرة، ومنهم من قال: بل هي التي بمعنى الإبصار، تجوّز بها عن العلم، مبالغةً في تقريره وتثبيته وتحقيقه، كما يقتضيه المقام.
وقد يقال: من بلغته السورة وكان قد شاهد الواقعة، فالرؤية في خطابه بصرية على حقيقتها، ويكون هذا من النكت في العدول عن "ألم تعلم". وفيه الجمع بين الحقيقة والمجاز، لكن باعتبارين.
٣ ــ اتفق المفسرون ــ فيما أعلم ــ على أن الخطاب للنبي ﵌، إلا أن الآلوسي [ص ١٠١] أشار إلى احتمال خلاف ذلك، وعبارته: "والظاهر أن الخطاب لرسول الله ﵌" (١).
واختار المعلِّم رحمه الله تعالى أولًا عموم الخطاب، قال: "فاعلم أن الخطاب ههنا متوجه إلى جميع من رأى هذه الواقعة، أو أيقن بها من طريق تواتر الحكاية ممن رآها". وأطال في تقريره. وحاصله ــ مع إيضاحٍ ــ أنه كثيرًا ما يأتي الكلام بلفظ خطاب الواحد، ولا يقصد به واحد معيّن، بل كل واحد صالح للخطاب. وذلك كما يقع في كلام المؤلفين كثيرًا: "اعلم"، "فتأمل"، "فتنبه"، "قد علمت" وأشباه ذلك، ولا يقصد به المؤلف قصد واحد معين، بل يقصد كل واحد يقرأ كتابه، أو يقرأ عليه.
стр. 160
وذكر المعلِّم أمثلة من القرآن أصرحها قول الله : ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٣ ــ ٢٤]. فالخطاب في قوله: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ﴾ وما بعده لواحد لا بعينه، كأنه قيل: "إما يبلغن عندك أيها الإنسان" على حد قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ [الانفطار: ٦].
قال عبد الرحمن: أرى أن المعلِّم رحمه الله تعالى أجاد باختيار هذا الوجه، وإن لم ينقل عمن تقدم. فإنه ليس في القول به زيادة في الدين، ولا نقص منه، ولا ردّ رواية صريحة، ولا تعسف في التأويل, ولا مداهنة للمرتابين، ولا فتح باب للتحريف، ولا غير ذلك مما قد يكون في نفي رمي الطير. وهو مع ذلك الأوفق بما يقتضيه المقام من تقرير الواقعة، وبيان ظهورها واشتهارها، [ص ١٠٢] والإبلاغ في الوعيد والتهديد والامتنان.
فإن الإنسان إذا تلا السورة، أو تليت عليه، واستحضر المعنى المذكور، شعر بأنه يخاطب بها مباشرة، فكان أجدر أن يعمل فيه ما فيها من الوعيد والامتنان، إن كان من أهله.
ثم رجع المعلِّم رحمه الله تعالى فخص الخطاب بقريش، فكأنه قيل: قد علمت أيها القرشي. ولا أحفظ لهذا نظيرًا في الخطاب بلفظ الواحد بدون تقييده بما يخصصه، بل إما أن يكون لواحد معين، وإما أن يكون لكل أحد يصلح أن يخاطب.
стр. 161
ثم أوهم في ذكر عمود السورة أن الخطاب خاص بفرد واحد، يظن أنه أبو لهب. وهذا كما ترى!
وعلى ما قدمت، فالخطاب لكل إنسان إلى يوم القيامة. وإنما يصير الإنسان مخاطبًا بالفعل حين تبلغه السورة، وهو أهل أن يخاطَب، كما يكتب الرجل إلى غائب عنه، فيصير ذلك الغائب مخاطبًا بالفعل حين يبلغه الكتاب، فيقرؤه، أو يقرأ عليه، وهو أهل للخطاب. وربما حضرت الرجل الوفاة، وامرأته حامل، فيكتب كتابًا يخاطب به من في بطنها، فإذا ولد وبلغ سن التمييز فقرأ الكتاب، أو قرئ عليه، صار مخاطبًا به بالفعل. ولو كتب رجل كتابًا إلى كل من يولد بعده من ذريته ما تناسلوا، أو إلى كل من يولد في قومه، لكان كلما ولد مولود، فبلغ حدّ التمييز، فقرأ ذلك الكتاب أو قرئ عليه، يصير مخاطبًا به بالفعل.
وهكذا حكم الرسالة والوصية بدون كتاب. وبهذا تنحلُّ مغالطة بعض الأصوليين كالآمدي (١)، والله أعلم.
وكما أن من كتب إليه جدُّه بنصيحة لا تتقيد بوقت مثل: "احذر قرناء السوء" يتصور تكرر الخطاب كلما قرأ الكتاب، فكذلك ينبغي لك حين تذكر قول ربك سبحانه ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ [الانفطار: ٦]، وأشباهها، ومنها سورة الفيل.
[ص ١٠٣] ٤ - "كيف" في الآية في موضع نصب على أنها مفعول مطلق، قاله ابن هشام في المغني قال: "إذ المعنى: أيَّ فِعْل فَعَلَ ربُّك"؟
стр. 162
قال المحشي: "أي ألم تر أيَّ فِعْلٍ فَعَلَ ربُّك بأصحاب الفيل؟ أي ألم تر جوابَ هذا الاستفهام؟ وجوابه: فَعَلَ فعلًا عظيمًا، فكأنه قيل: ألم تر أن ربك فعل فعلًا عظيمًا بأصحاب الفيل؟ " (١).
٥ - قال الراغب: "الربُّ في الأصل: التربية، وهو إنشاء الشيء حالًا فحالًا إلى حد التمام ... فالربُّ مصدر مستعار مستعمل للفاعل. ولا يقال "الربّ" مطلقًا إلا لله تعالى المتكفل بمصلحة الموجودات" (٢).
قال عبد الرحمن: معنى قوله: ﴿رَبُّكَ﴾ مدبرك بما تقتضيه الحكمة. والحكمة تقتضي أن ينصر رسله والذين آمنوا، وأن يعذب الظالمين. ومن جملة تدبيره بسطه النعم. فالكلمة تناسب الوعد والوعيد والامتنان، وقد جاءت في سياق كل منها.
فمن الأول: قوله تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضحى: ٥]، وقوله سبحانه: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٢٩].
ومن الثاني: قوله تعالى: ﴿أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [طه: ٨٦].
ومن الثالث: قوله تعالى: ﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [الإسراء: ٦٦].
فهذه الكلمة في سورة الفيل تُقرِّر في حقِّ كلِّ قارئ أو سامع المعنى الذي يليق به.
стр. 163
٦ - ذكر القوم بعنوان "أصحاب الفيل" لفوائد:
منها: وضوحه في التعريف، مع وجازته، فقد كان هذا اللفظ صار كالعلم على ذلك الجيش.
ومنها: الإيماء إلى سبب عذابهم، فإن أبرهة طلب الفيل لذلك الغرض المذموم، وهو هدم الكعبة كما يأتي.
ومنها: الإشارة إلى عظمة ذلك الجيش، فإنه كان [ص ١٠٤] أهول ما فيه الفيلة، وذلك الفيل الأعظم. فإن العرب كانت تعرف كثرة العدد، وتعرف الخيل والإبل والسيوف والرماح والدروع وغير ذلك، ولم تكن تعرف قتال الفيلة، بل غالبهم لم يكن قد رأى الفيل ألبتة. ولذلك حرص أبرهة على التهويل من هذه الجهة, ففي رواية الواقدي في شأن أبرهة لمّا تألَّى ليهدمنّ البيت: "وكتب إلى النجاشي أن يبعث إليه بفيله محمود (١). وكان فيلًا لم ير مثله في الأرض عظمًا وجسمًا وقوة ... وقيل: كانت ثلاثة عشر فيلًا" (٢).
ومنها: الإشارة إلى الآية الأولى، وهي حبس الله تعالى الفيل، فقد زادتها غرابته عند العرب غرابة. ولذلك كثر ذكرها في أشعارهم، كما تقدم في فصل (ز) من القسم الأول.
٧ - "ال" في ﴿الْفِيلِ﴾ للعهد، أريد به ذلك الفيل الأعظم محمود، واكتفى به عن ذكر بقية الفيلة؛ لأن العارف بالقصة يتذكرها بتذكره.
стр. 164
وقال المعلّم: "أما الفيل فواحد، ولكن أضيف إليه الجمع فأريد به الصنف، وهذا كثير، كقولك: أصحاب الرأي، وأصحاب الحديث. قال تعالى: ﴿وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ﴾ [المزمل: ١١]. فاللفظ محتمل للواحد والأكثر، وبكليهما جاءت الروايات، والكثرة أقرب، والله أعلم".
قال عبد الرحمن: في قاعدته هذه نظر، وليس في الأمثلة ما يشهد لها، فإنك تقول: فلان يحفظ الحديث، ويعرف الرأي، ولا يحب النعمة؛ فيكون الجنس بحاله، ولا إضافة. وتقول: عند فلان حديث كثير، وله رأي صائب، وله نعمة ظاهرة؛ فترى الجنس بحاله.
بقي أن يقال: إن "ال" في [ص ١٠٥] ﴿الْفِيلِ﴾ للجنس، ولم يتبين لي، ولا ملجئ إليه، لما علمت أن بقاء الكلمة على ظاهرها من العهد لا ينفي ما جاءت به الروايات من تعد د الفيلة. والله أعلم.
٨ - قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ إجمال يحيط بكل ما فعله الله تعالى بالقوم. وإذ كان عمود السورة هو التهديد ــ كما تقدم ــ فإنما يدخل في هذا الإجمال ما فعله الله بالقوم مما فيه توهين لقوتهم، وتعذيب لهم.
ولفظ "فعل" الموصول بالباء يساعد ذلك، وكأنه إنما جاء كذلك في القرآن للعذاب ونحوه. قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ﴾ إلى قوله: ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ﴾ [الفجر: ٦ ــ ١٣].
وقال سبحانه فيما حكاه من خطاب يوسف لإخوته: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ﴾ [يوسف: ٨٩]، أي من إلقائه في الجب، ثم بيعه، وغير ذلك، وذاك
стр. 165
نوع من التعذيب.
وقال حكاية عن قوم إبراهيم ﴿قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا﴾ [الأنبياء: ٥٩] يعنون حطمها حتى جعلها جذاذًا، وذاك عذاب شديد لو كانت تعقل.
وقال تعالى: ﴿وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ﴾ [إبراهيم: ٤٥]، أي من العذاب.
وقال سبحانه: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ﴾ [سبأ: ٥٤].
* * * *
﴿أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (٢)﴾
١ - هذا ــ كما قاله المفسرون ــ شروع في تفصيل ما أجملته الآية الأولى، ولذلك لم تعطف هذه الجملة على الأولى، لأن بينهما كمال الاتصال، على وزان قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ (١٣٢) أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ (١٣٣) وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ [الشعراء: ١٣٢ ــ ١٣٤].
٢ - الهمزة لتقرير الجعل، أو لإبطال نفيه. وعلى الثاني بنى ابن هشام، قال: "ومن جهة إفادة هذه الهمزة نفي ما بعدها، لزم ثبوته إن كان نفيًا؛ لأن نفي النفي إثبات .. ولهذا عطف ﴿وَوَضَعْنَا﴾ على ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ﴾ لما كان معناه: شرحنا، ومثله: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ [الضحى: ٦ ــ ٧]، ﴿أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (٢) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ﴾ [الفيل: ٢ ــ ٣] " (١).
стр. 166
فقوله سبحانه: ﴿أَلَمْ يَجْعَلْ ... ﴾ في قوة "جعل كيدهم في تضليل".
[ص ١٠٦] ٣ - تقدم في فصل (ج) من القسم الأول تفسير "الكيد"، وأنه يكفي في تقرير كيد أصحاب الفيل: سوقهم الفيلة، وقدومهم في المحرم؛ وأن تضليل الله لكيدهم هو حبس الفيل، ومنعهم من التقدم.
والتضليل من قولهم: ضلَّ الشيء إذا ضاع، وضلَّ سعيهم: ذهب باطلًا، وضلَّله: جعله يضِلُّ. فالمعنى أنه سبحانه جعل كيدهم ضائعًا ذاهبًا في غير شيء، لم يحصل به مطلوبهم.
* * * *
﴿وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ (٣) تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (٤)﴾
١ - عطفت هذه الجملة على التي قبلها للتوسط بين الكمالين. فإن الأولى خبرية كما علمت، تقديرها: جعل كيدهم في تضليل. وهذه خبرية، والتناسب قائم؛ لأن كلا الأمرين من جملة ما فعله الله تعالى بأصحاب الفيل. وليست الثانية كأنها الأولى، لأن المفاد بالأولى حبس الفيل والجيش، والمفاد بهذه غير ذلك، كما لا يخفى.
٢ - إرسال الله تعالى إذا وصل بكلمة "على" كان في القرآن للعذاب، إما مطلقًا، وإما غالبًا، كما يعلم من مواقعه في القرآن، كقوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا﴾ [الأعراف: ١٦٢]، ﴿وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾ [الذاريات: ٤١]، ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً﴾ [القمر: ٣١]، ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا﴾ [القمر: ٣٤]، ﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ﴾ [الذاريات: ٣٣]، ﴿وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا﴾ [الكهف: ٤٠]، ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ﴾ [الرحمن: ٣٣]،
стр. 167
﴿فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ﴾ [الإسراء: ٦٩] وغيرها.
[ص ١٠٧] ومنه قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾ [مريم: ٨٣] فإن هذا التسليط نوع من العذاب استحقه الكفار بعنادهم وإصرارهم.
والظاهر أن "أرسل" في هذه الآيات ونحوها ــ ومنها آية الفيل ــ ضُمِّن معنى "سلط"، فلذلك عُدِّي بـ (على). والتضمين كثير في القرآن، وذكر منه ابن عبد السلام نحو خمسين مثالًا (١).
وقد ذكر أهل اللغة في معاني "أرسل" سلَّط، قاله الزجاج وغيره في الآية الأخيرة. (راجع اللسان) (٢).
فأما قوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا﴾ [الأنعام: ٦]، فيمكن أن يكون الجار والمجرور متعلقًا بقوله: ﴿مِدْرَارًا﴾، لا بـ (أرسل) والتقدير: وأرسلنا السماء مدرارًا عليهم.
ونحوها في ذلك آيات أخرى، منها قوله تعالى: ﴿فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ [النساء: ٨٠]، وقوله سبحانه ﴿وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ﴾ [المطففين: ٣٣]، وقوله : ﴿وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً﴾ [الأنعام: ٦١] وغيرها.
فهذان دليلان على أن إرسال الطير كان لتعذيب أصحاب الفيل:
الأول: وقوع هذه الجملة في تفصيل فعل الرب بأصحاب الفيل.
стр. 168
الثاني: تعدية الإرسال بـ"على" كما سمعت.
٣ - الأبابيل: تقدم تفسيره في فصل (ج) من القسم الأول، وحاصله أنه الجماعات، وتقدم ما جاء في وصف الطير.
٤ - ﴿تَرْمِيهِمْ﴾ على ظاهره، والمعنى: ترميهم تلك الطير. والجملة نعت لـ ﴿طَيْرًا﴾ على حد قوله تعالى: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣١]، أوحال منها لتخصيصها بالنعت لقوله: ﴿أَبَابِيلَ﴾. قال الرضى: "واعلم أنه يجوز تنكير ذي الحال إذا اختص بوصف، كما جاء في الحديث: "سابق رسول الله ﵌ بين الخيل، فجاء فرس له سابقًا" وكذا تقول: مررت برجل ظريفًا قائمًا" (١).
لا يقال: إن الرمي هنا لم يقارن الإرسال، لأننا نقول: إن لم يقارنه من أوله فهو مقارن له دوامًا، لأن الإرسال لم ينته إلا برجوع الطير، على أن الإرسال مضمن معنى التسليط، فلا إشكال، على أنه قد سبق قريبًا آية النساء، وآية التطفيف. ومما حسَّنه ههنا أنه فعل مضارع، وأنه المقصود من الإرسال. والحال المقدرة جائزة عندهم.
[ص ١٠٨] وقد يجوز أن يحمل قوله: ﴿تَرْمِيهِمْ﴾ على أنه استئناف بياني. كأنه ــ والله أعلم ــ لمّا مضى التشويق والتهويل، ثم جاء: ﴿وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ﴾، وهو يدل أنها أرسلت لعذابهم ــ كما علمت ــ كان مما تقتضيه العادة أن يسأل من لم يعلم الواقعة من المخاطبين: وما صنعت بهم
стр. 169
الطير؟ فأجيب بقوله: ﴿تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ﴾. وقد قيل مثله في: ﴿تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾ [مريم: ٨٣]. وزاده حسنًا ههنا أن الجملة الأولى تمت برأس آية من شأنها أن يوقف عليها. وستعلم تمام هذا في الفائدة (١٥) من الباب الثاني إن شاء الله تعالى.
ولكنه يضعف هاهنا بأن مبنى السورة على تحقيق العلم كما تقدّم كأنه قيل: "قد علمه كل من يخاطب" وكانت الواقعة والكيفية بغاية الشهرة، فلا يحسن مع هذا فرض السؤال، والله أعلم.
واختير الفعل المضارع تصويرًا لتلك الحال الغريبة، والهيئة العجيبة. وسيأتي إيضاح ذلك في الفوائد آخر الرسالة إن شاء الله تعالى.
وقد ذكر الآلوسي (١) في تفسير آية النساء الماضية آنفًا أن بعض أهل العلم جوَّز أن يكون قوله: (حفيظًا) مفعولًا ثانيًا لـ (أرسلنا) على أنه ضمن معنى "جعلنا".
قال عبد الرحمن: ويؤيده قول الله تعالى في نظير الآية ﴿وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ [الأنعام: ١٠٧].
وللخفاجي بحث نفيس في التضمين (٢)، قد يظهر بمراجعته احتمال وجه رابع في ﴿تَرْمِيهِمْ﴾ وهو أنه مفعول ثانٍ لـ (أرسلنا) على أن يكون المعنى: جعلنا الطير ترميهم مسلطةً عليهم. فراجعه إن شئت.
стр. 170
[ص ١١٠] (١) ٥ - قوله: ﴿مِنْ سِجِّيلٍ﴾ نعت لحجارة، وذلك ظاهر في أنها ليست من الحجارة المتعارفة، بل هي من سجيل. ومعناه اللفظي: طين متحجر، كما قاله السلف، بل فسره القرآن نفسه، فإنه ذكر في قصة لوط: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (٨٢) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود: ٨٢ ــ ٨٣]، وفي موضع آخر: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾ [الحجر: ٧٤]، وفي الثالث: ﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ (٣٣) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ﴾ [الذاريات: ٣٣ ــ ٣٤].
ولعل النكتة في اختيار هذا الوصف ﴿مِنْ طِينٍ﴾ في هذا الموضع الثالث: أن العبارة فيه محكية عن الملائكة في إخبارهم لإبراهيم عليه وعليهم السلام، وكان أواهًا حليمًا رؤوفًا رحيمًا، يشق عليه أن يعذب أولئك القوم، فإنه جادل في شأنهم كما في سياق القصة، فاختار الملائكة في محاورته وصفها بأنها من طين؛ لأنه أخفُّ من سجيل في التصور، وإن كان المآل واحدًا.
هذا، وتفسير السجيل بحجارة من طين لا يعين أنها مما تحجر من طين الأرض، فإن الآيات تعطي أنه نوع خاصّ معدّ عند الله ، أي حيثُ يُعلَمُ، ليعذّب به من يشاء. وقوله: ﴿مُسَوَّمَةً﴾ يشهد لذلك، قال ابن عباس: "المسومة: الحجارة المختومة، يكون الحجر أبيض فيه نقطة سوداء، أو يكون الحجر أسود فيه نقطة بيضاء، فذلك تسويمها عند ربك يا إبراهيم للمسرفين" (٢).
стр. 171
[ص ١١١] وعن مجاهد وغيره: "المسومة: المعلمة". زاد ابن جريج: "لا تشاكل حجارة الأرض". ونحوه عن قتادة (١).
وفي بعض التفاسير عن ابن عباس: أنه رأى منها عند أم هانئ نحو قفيز مخططة بحمرة كالجَزْع الظَّفاري (٢).
وقال الآلوسي: "وأخرج أبو نعيم عن نوفل بن أبي معاوية أنه قال: رأيت الحصى التي رمي بها أصحاب الفيل: حصى مثل الحمص، وأكبر من العدس [حُمْر] بحُتْمة (٣)، كأنها جَزْع ظَفار. وأخرج أبو نعيم في الدلائل عن ابن عباس أنه قال: حجارة مثل البندق. وفي رواية ابن مردويه عنه: مثل بعر الغنم" (٤).
ثم ذكر ما قيل: إن الحجارة كانت كبارًا، وقد تقدم بيان وهمه في فصل (هـ) من القسم الأول.
قال: وروى ابن مردويه وأبو نعيم عن أبي صالح: "أنه مكتوب على الحجر اسم من رمي به، واسم أبيه، وأنه رأى ذلك عند أم هانئ".
قال عبد الرحمن: إن صح السند إلى أبي صالح، فكأنه رأى تلك الخطوط التي وصفها غيره، فحدس أنها كتابة بلسان غير العربي، ورأى أنها
стр. 172
إن كانت كتابة فهي اسم من رمي بتلك الحصاة. وهذا حدس لا مستند له. والله أعلم.
[ص ١١٢] ٦ - تقدم في فصل (هـ) من القسم الأول ما جاء في تأثير الحجارة فيهم، وأن الراجح أنها كانت تجرح من أصابته جرحًا ما، فيتقرح ذلك الموضع، ويصيب صاحبه الجدري والحكة ونحو ذلك. ومن لم تصبه جُدر بالعدوى العادية، ففرّوا يتساقطون عند كل منهل.
* * * *
﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (٥)﴾
١ - الفاء عاطفة سببية ، أي فجعلهم الله بما أصابهم من الحجارة التي رمتهم بها الطير وما أحدثته فيهم من الآثار كعصف مأكول.
٢ - "العصف" في أكثر الروايات عن السلف هو التبن، وفي بعضها أنه ورق الزرع، وفي بعضها أنه الورق مطلقًا (١). وكأنه مأخوذ من عصفت الريح، لأنها تعصف به، أي تذهب به.
٣ - اختلف في قوله: ﴿مَأْكُولٍ﴾ قيل: إن المراد: أصابه الأُكال، أي أكلته الدود، فالمعنى: كورق الزرع الذي أكلته الدود، فتفرق وتمزق، وعصفت به الريح، فذهب شذر مذر.
وقيل: المراد: أكلته البهائم، أي أكلت منه، وداسته، فهو فضلة ما أكلته، فإنه أشد هوانًا له على الناس.
وقيل: المراد: أكلته البهائم فراثته، ولكن القرآن ترفَّع عن التصريح.
стр. 173
وقيل: كعصف أكل حبه، فإن ورق الزرع ما دام على حبه لا يتفرق، ولا يهون على الناس.
والقول الثالث هو الظاهر. والثاني قوي، والنفس إليه أميل. والله أعلم.
[ص ١١٣] وقال المعلِّم ﵀ (ص ٣): "المأكول: ما من شأنه أن يؤكل، تسمية الشيء بما يؤول إليه. وهذا الأسلوب عام في الكلام، قال تعالى: ﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ [الأنفال: ٤٢، ٤٤] ".
قال عبد الرحمن: هذا التأويل يجعل الكلمة لغوًا، فإنه معلوم أن من شأن العصف أن يؤكل، فأي فائدة في وصفه بما لا يخفى، ولا ينكر، ولا مقتضى لتنزيله منزلة الخفي، أو المنكر.
فأما قوله تعالى: ﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾، فالقضاء هنا بمعنى التنفيذ بالفعل، فيما يظهر. كان ذلك الأمر مفعولًا: مقدرًا في علم الله أنه سيفعل، فقضاه، أي نفذه ونجزه ذلك اليوم، أي يوم بدر.
لا يقال: إن كل ما قضاه الله تعالى بالفعل، فمعلوم أنه كان مقدرًا فعله في علمه، وهذا يشبه ما اعترضت به قول المعلِّم في "مأكول". لأني أقول: لا يستحضر كل إنسان ولا يصدق كل أحد بأن كل ما يقع فقد سبق في علم الله أنه واقع. فتدبر!
٤ ــ قال المعلِّم ﵀ (ص ٣): "إنما شبه أصحاب الفيل بالعصف المأكول لما أنهم هُزموا وكُسروا ومُزِّقوا كلَّ ممزَّق، وذهبت سلطنتهم بعيد ذلك. وهذا تشبيه معروف، قال عدي بن زيد في قصيدته المشهورة (١):
стр. 174
ثم صاروا كأنهم ورقٌ جَفْـ ... ـفَ فألوَتْ به الصَّبا والدَّبورُ
وهكذا في القرآن ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ [ص ١١٤] نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ﴾ [الكهف: ٤٥] أي: جعلهم كهباء منثور ... ثم زاد هذا التشبيه حسنا أن أصحاب الفيل تناثرت أعضاؤهم، وأكلتهم سباع الطير ــ كما سيأتيك بيانه ــ فصدق عليهم صورة ومعنى أنهم صاروا كعصف مأكول".
قال عبد الرحمن: التشبيه يعطي ثلاثة أمور:
الأول: الهلاك، وقد جاء نحوه في قصة ثمود، قال تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ﴾ [القمر: ٣١].
الثاني: الهوان على الناس، فإن ما تُسْئِره الدواب من العصف أو تروثه لا يلتفت إليه أحد، ولاسيَّما إذا تفرق، وقد يأتي نحو هذا في ﴿كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ﴾.
الثالث: التفرق، وذلك من شأن العصف الملقى أن تذهب به الرياح شذر مذر.
يظهر أن اختيار كلمة "عصف" يشير إلى ذلك، فإنها مأخوذة من عصفت الريح، كما مر.
فإن قيل: فقد تقدم أن القوم لم يهلكوا جميعًا، بل نجا بعضهم.
قلت: يكفي في صدق التشبيه هلاك أكثرهم، فإن من نجا منهم إنما نجا مصابًا، كالأعميين المقعدين اللذين أدركتهما عائشة بمكة، وذلك ضرب من الهلاك، قد يكون أشد من الموت. ومن لم يصب منهم ــ إن كان ــ فإنه رجع
стр. 175
خاسئًا ذليلًا، وذاك ضرب آخر من الهلاك.
على أن حكاية القصص والوقائع لا يجب أن تدقق فيها العبارة تدقيقها في العقائد والأحكام، فقد يطلق فيها العام مرادًا به الخاص، اكتفاءً بقرينة ليست بغاية القوة، كأن يكون اكتفى ههنا بمشاهدة العرب، ونقلهم [ص ١١٥] أن بعض أفراد ذلك الجيش نجوا، والله أعلم.
ويكفي في صحة الوجه الثالث ــ وهو التفرق ــ تفرق أفرادهم، كما في القصة أنهم ذهبوا يتساقطون عند كل منهل؛ إذ لا يلزم من تشبيه شيء بشيء مساواته به من كل وجه. كيف، ولو قلنا بتساقط أعضائهم، وأكل الطير لحومهم لبقيت عظامهم، فهل يلزم أن يدعى أن عظامهم تهشمت حتى صارت في قدر العصف؟
فأما ما جاء من تساقط أعضائهم بالداء الذي أصابهم، فلعله كان ذلك في بعضهم، فقد جاء أن أبرهة جرى له كذلك. ويمكن أن يكون أصاب عتاة أصحابه مثل ما أصابه. وأما أكل الطير فقد تقدم البحث فيه مستوفى في القسم الأول. والله أعلم.
فانظر إلى هذا النظام البديع في هذه السورة:
الآية الأولى: أجملت ما فعل الرب بأصحاب الفيل، وشوقت إلى معرفته.
والآية الثانية: بيّنت أول ما فعله الربُّ بهم، وهو تضليله كيدهم.
والثالثة: بينت مقدمة العذاب، والواسطة فيه.
والرابعة: بينت صفة العذاب.
والخامسة: بينت ما ختمت به الواقعة، وهو هلاك القوم.
стр. 176
[ص ١] الباب الثاني
في البحث مع المعلِّم رحمه الله تعالى في: ﴿تَرْمِيهِمْ﴾
قد نبّهتُ في مقدمة هذا القسم الثاني وأثناء الباب الأول منه على مواضع مما خالفتُ فيه المعلم، ووجّهتُ ذلك بما فيه كفاية إن شاء الله تعالى، وأخّرتُ الكلام في ﴿تَرْمِيهِمْ﴾ لطوله. وأرى أن أقدِّم فوائد وقواعد ينبني عليها البحث معه، فهاكها:
(١) قال ابن الشجري: "قال أبو الفتح عثمان بن جنّي: قال لي أبو علي: سألت يومًا أبا بكر ــ يعني ابن السرّاج ــ عن الأفعال يقع بعضها موقع بعض، فقال: كان ينبغي للأفعال كلها أن تكون مثالًا واحدًا، لأنها لمعنى واحد، ولكن خولف بين صيغها لاختلاف أحوال الزمان. فإذا اقترن بالفعل ما يدل عليه من لفظ أو حال جاز وقوع بعضها في موقع بعض. قال أبو الفتح: وهذا كلام من أبي بكر عالٍ سديد" (١).
قال عبد الرحمن: هؤلاء كلهم نحاة، ووضع الماضي موضع المضارع وعكسه لا يجوز إلا بأمرين: زوال المانع، وقيام المقتضى للعدول عن الأصل، والمانع هو الإلباس والإيهام، والمقتضي سيأتي بيانه عن أهل البيان. و النحاة إنّما يهتمّون بدفع الإلباس والإيهام كما سيأتي، ولا شأن لهم
стр. 177
بالمقتضي، إذ هو من فنّ آخر، فإجازتهم وضع الماضي موضع المضارع وعكسه إذا كانت قرينة تدل على حقيقة الزمان، إنما معناه أنه ليس هناك مانع نحوي إذ قد زال الإلباس والإيهام. ولا يلزم من زوال المانع النحوي الجواز مطلقًا، ولكن القوم إنما تكلموا بحسب فنّهم.
[ص ٢] فممّا يمنعه النحاة لأجل الإلباس والإيهام: تقديم خبر المبتدأ إذا كانا معرفتين أو نكرتين ولا قرينة، لأنّ الأصل تقديم المبتدأ، فالسامع يحمل الكلام عليه، فمنعوا تقديم الخبر حينئذ لما فيه من الإيهام.
ومن ذلك أنهم اتفقوا على منع "زيدٌ بكرٌ ضاربُه" إذا أريد أنّ زيدًا هو الضارب، وأحبّوا أن يقال: "زيدٌ بكرٌ ضاربُه هو". وإذا قيل هكذا وجب أن تكون الهاء في "ضاربه" لبكر، وكلمة "هو" لزيد (١).
ومنه منعهم تخفيف "إنّ" مكسورة الهمزة مشدّدة النون إذا خُشِيَ التباسها بـ"إنْ" الساكنة النافية.
ومنه منعهم تقديم المفعول حيث يلتبس بالفاعل نحو "ضربتْ سُعدى لُبنى".
ومن ذلك منعهم تقديم المبتدأ في نحو "إنما في الدار زيد"، والخبر في نحو "إنما زيد في الدار"، بل يجب تقديم المقصور على المقصور عليه. ومثله "إنما ضرب زيدٌ بكرًا"، و"إنما ضرب بكرًا زيدٌ".
وقالوا في كلِّ ما تجيز الصناعة حذفه كالمفعول به: إنما يجوز حيث لا إلباس. ومسائلهم المبنية على هذا الأصل كثيرة.
стр. 178
والمقصود أن الحكاية السابقة المراد بالجواز فيها عدم المانع النحوي، وذلك لا يقتضي الجواز مطلقًا، بل لا بدّ من قيام المقتضي. وبيانه موكول إلى فنّ البيان، وسيأتي طرف منه إن شاء الله تعالى.
(٢) حكي عن الأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني إنكار المجاز، وقال: كل ما يظن مجازًا فهو حقيقة. وحكى بعضهم مثله عن أبي علي الفارسي، وهو غلط عليه (١). وحكي عن الظاهرية وابن القاصّ وابن خُوَيزمَنْداد إنكار وقوع المجاز في القرآن (٢).
وقد يتوهم أن مِن رأي هؤلاء جواز وقوع كل من الماضي والمضارع موقع الآخر مطلقًا، أو منعه مطلقًا، أو تأويل ما سمع منه بالحذف والتقدير. وليس الأمر كذلك، [ص ٣] بل يفسّر هؤلاء كل ما وقع من ذلك في القرآن وغيره نحو تفسير الجمهور، إلّا أنّهم يأبون أن يُسمّوا ذلك مجازًا.
وقد تكلم العلماء في تفسير مذهب هؤلاء، فمنهم من رماهم بالجهل، ومنهم من رماهم بالمكابرة، ومنهم من يرى أنهم إنّما استشنعوا هذا الاصطلاح، إذ يلزمه أن يقال: إن في الكتاب والسنة كثيرًا من الألفاظ والجمل ليست على حقيقتها.
والذي يلوح لي أن الأستاذ سمع من كلام الذين اصطلحوا على تسمية هذا حقيقةً وهذا مجازًا ما فهم منه أنهم يرون أن المجاز لا حظّ له في الوضع العربي، كقولهم في استعمال الكلمة: "إن كان فيما وضعت له فهي حقيقة،
стр. 179
وإن كان في غير ما وضعت له فهي مجاز"، فرأى أن معنى هذا أنّ المجاز لا حظّ له في الوضع العربي البتة. وإذا كان كذلك فالألفاظ المجازية ليست بعربية، وقد ثبت أن القرآن عربي، والنبي ﵌ عربي، وكل ما ثبت عن فصحاء العرب فهو عربي، فلا مجاز إذن في ذلك.
والقوم يثبتون للمجاز حظًّا في الوضع العربي، ولكنهم قسموا الوضع إلى تحقيقي كوضع "أسد" للسبع المعروف، ووضع "مضروب" لمن وقع عليه الضرب؛ وتأويلي وهو المجاز كوضع "أسد" للرجل الشجاع. قالوا: وأما إطلاقنا أنّ المجاز مستعمل فيما لم يوضع له، فمرادنا بالوضع هنا الوضع التحقيقي، وأطلقنا لأنّه المتبادر من كلمة الوضع (١).
قال عبد الرحمن: فظنّي أنّ الأستاذ لو وقف على هذا البيان لما كان عنده خلاف، والله أعلم. وأما الظاهرية ومن وافقهم فقد يكون حالهم كحال الأستاذ، فإن صحّ ما حكي عنهم [ص ٤] من قولهم: المجاز شبيه بالكذب، والاستعارة إنما يفزع إليها من عجز عن الحقيقة، فكأنهم يخصّون اسم المجاز بما فقدت قرينته أو ضعفت، أو فقدت علاقته أو ضعفت، أو لم يكن للعدول إليه فائدة لا تحصل بالحقيقة. فإن كان هذا فلا خلاف، فإن أهل العلم معهم على أن مثل هذا لم يقع في القرآن. وإنما الواقع فيه ما ظهرت قرينته، وقويت علاقته، وجلّت فائدته. فإن كانوا لا يسمّونه مجازًا فلا مشاحّة في الاصطلاح.
نعم، توسعت المبتدعة في دعوى المجاز، فحرّفوا كثيرًا من نصوص الكتاب والسنة، وزعموا أن نصوصهما لا تفيد إلا الظنّ. ويكفي في دحض
стр. 180
شبهتهم بيان حقيقة المجاز وأنه لا بدّ فيه مع قوة العلاقة وحصول الفائدة من ظهور القرينة عند المخاطب، فإن المخاطب لا يجوز أن يلقى إليه مجاز ليست قرينته ظاهرة له، وإلا كان الكلام كذبًا. وقد ذهب أكثر أهل العلم إلى أن المجمل الذي له ظاهر لا يجوز تأخير بيانه عن وقت الخطاب، والباقون أجازوا التأخير إلى وقت الحاجة فقط. ولا خلاف عند التحقيق في النصوص التي ينبني عليها اعتقاد، فإن وقت الحاجة فيها هو وقت الخطاب. فهذا وحده كافٍ لدفع ضلالات المبتدعة، كيف ومعه حجج أخرى ليس هذا محل بسطها.
والمقصود أنه لا حاجة بأهل السنّة إلى تعسّف الطعن في المجاز والتشكيك فيه ، فإنه يخشى من ذلك ضرر أكبر مما يتراءى فيه من النفع، وذلك شأن كل باطل يتوصل به إلى دفع باطل آخر، والله أعلم.
[ص ٥] (٣) في وضع المضارع للحال أو للاستقبال أقوال ذكرها في الهمع، وفيه: "الثالث ــ وهو رأي الجمهور وسيبويه أنه صالح لهما حقيقة، فيكون مشتركًا بينهما، لأن إطلاقه على كل منهما لا يتوقف على مسوّغ وإن ركب، بخلاف إطلاقه على الماضي فإنه مجاز لتوقفه على مسوغ. الرابع: أنه حقيقة في الحال، مجاز في الاستقبال، وعليه الفارسي وابن أبي رُكَب. وهو المختار عندي بدليل حمله على الحال عند التجرد من القرائن، وهذا شأن الحقيقة. ودخول السين عليه لإفادة الاستقبال. ولا تدخل العلامة على الفروع كعلامات التثنية والجمع والتأنيث والنسب" (١).