ومنها: أنه يتهم بعض الحفاظ الثقات بتُهَم لا أصل لها، كما قاله في الحميدي، وأحمد بن عليّ الأبّار، إلى غير ذلك (١). وسترى إن شاء الله تعالى هذا كلَّه وغيره في "التنكيل".
وحسبي الله ونعم الوكيل، وصلى الله على خاتم أنبيائه محمد وآله وصحبه.
стр. 107
تعزيز الطليعة
تأليف
العلامة الشيخ عبد الرحمن بن يحيى المعلمي العتمي اليماني
رحمه الله تعالى
١٣١٢ - ١٣٨٦
تحقيق
عليّ بن محمد العمران
стр. 108
[ص ١] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي أنزل الميزان، وأمر بالعدل والإحسان، وزجر عن الجور والعدوان، بالعدل أقام السموات والأرض، وبه شَرَع النهي والأمر، قال ــ وقوله الحق ــ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: ١٣٥].
وقال : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ٨].
وأشهد ألَّا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله، اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد.
﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠].
أما بعد، فهذه رسالة أردفتُ بها رسالتي "طليعة التنكيل" [ص ٢] لمَّا وقفتُ على رسالة الأستاذ العلامة محمد زاهد الكوثريّ التي سمّاها
стр. 109
"الترحيب بنقد التأنيب"، يردُّ بها على "الطليعة" (١).
وأسأل الله ــ ﵎ ــ أن يوفقنا جميعًا لما يحبه ويرضاه.
стр. 110
الباب الأول: في مطالب متفرقة
ــ ١ ــ
فصل
رسالتي "طليعة التنكيل" قدّمتها بين يدي كتابي "التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل"، رددتُ به على الأستاذ أشياء تعرَّض لها في كتابه "تأنيب الخطيب على ما ساقه في ترجمة أبي حنيفة من الأكاذيب".
[ص ٣] والذي سمّاه "أكاذيب"، ويسميه في كلامه "المثالب" عامته كلمات رُويت عن بعض المتقدمين، يظهر منها غضٌّ من أبي حنيفة، فعَمَد الأستاذ إلى مصحّح "تاريخ الخطيب"، فأنحى عليه، وعلى أبي الفضل بن خيرون ــ أحد رواة التاريخ عن الخطيب ــ، فحطَّ عليه، وعلى الخطيب، فحاول إسقاطه، ثم يقتصّ في كلّ إسنادٍ رجالَ الإسناد، فلا يكاد يدع منهم أحدًا إلا تكلّم فيه، ثم يساور قائل الكلمة، ويتعرَّض في الأثناء لمن يعْلَمه أثنى على واحد من أولئك الذين يتكلم فيهم الأستاذ، وربما يتعدَّى إلى غير هؤلاء، كما فعل في كلامه في ابن أبي حاتم صاحب كتاب "الجرح والتعديل"، فعَرَض لحرب الكرماني صاحب الإمام أحمد بن حنبل بِعِلَّة أن ابن أبي حاتم أخذ عنه في الاعتقاد ــ زعم الأستاذ ــ!
ولا يكاد يترك من هؤلاء إلا من كان حنفيًّا، فإنه يحاول أن يبرِّئه من تلك الرواية.
وأصل المقصود من كتابي "التنكيل" إنما هو تعقُّب كلام الأستاذ في
стр. 111
الرجال، فبينت ثقةَ كثيرٍ ممن حاول جرحهم، وجَرْحَ أفراد حاول توثيقهم، ووافقتُه في مَن رأيت كلامه فيه في محلِّه، ورتبت كتابي كما في الطليعة (ص ١٠ - ١١) (١) على أربعة أقسام:
الأول: في تحرير القواعد التي خلط فيها الأستاذ، وعامتها في أحكام الجرح والتعديل.
الثاني: في التراجم مرتبًا على حروف المعجم، وهذا هو أصل المقصود.
الثالث: في الفقهيات، وهذا ليس مما ينكر الأستاذ.
الرابع: في الاعتقاديات. والذي دعا إليه: أن الأستاذ طعن في أئمة الحديث بأنهم مُجَسِّمة.
فالقسم الأول والرابع متمِّمان للثاني، وأما الثالث فليس مما ينكره الأستاذ، ولم يزل أهل العلم ينظرون فيه، وليس في الحقيقة من موضوع الكتاب، لكن تعرَّض الأستاذ في "التأنيب" لمسائل فقهية أيَّدَ فيها مذهبه، فأحببت أن أنظر فيها.
والذي اضطرّني إلى التعقيب: أن السنة النبوية وما تفتقر إليه من معرفة أحوال رواتها، ومعرفة [ص ٤] العربية، وآثار الصحابة والتابعين في التفسير، وبيان معاني السنة والأحكام وغيرها، والفقه نفسه= إنما مدارها على النقل، ومدار النقل على أولئك الذين طعن فيهم الأستاذ وأضرابِهم، فالطعن فيهم يؤول إلى الطعن في النقل كلِّه، بل في الدين من أصله.
стр. 112
وحسبك أنّ من المقرر عند أهل العلم أنه إذا نُقِل عن جماعة من الصحابة القول بتحريم شيء، ولم ينقل عن أحدٍ منهم أو ممن عاصرهم من علماء التابعين قولٌ بالحلّ عُدّ ذاك الشيء مُجْمَعًا على حُرمته، لا يسوغ لمجتهد أن يذهب إلى حِلّه، فإن ذهب إلى حلّه غافلًا عن الإجماع كان قوله مردودًا، أو عالمًا بالإجماع فمِنْ أهل العلم من يضلِّله، ومنهم من قد يكفِّره.
لكنه لو ثبت عن رجل واحد من الصحابة قولٌ بحلِّ ذلك الشيء= كانت المسألة خلافية، لا يُحْظَر على المجتهد أن يقول فيها بقول ذاك الصحابي، أو بقولٍ مفصّل يوافق هذا في شيء وذاك في شيء.
ولا يحرم على المقلِّد الذي مذهب إمامه الحرمة أن يأخذ بالحل، إما على سبيل الترجيح والاختيار ــ إن كان أهلًا ــ وإما على سبيل التقليد المحض إن احتاج إليه.
وثبوت ذاك القول عن ذاك الصحابي يتوقف على ثقة رجال السند إليه، والعلم بثقتهم يتوقّف على توثيق بعض أئمة الجرح والتعديل لكلّ منهم، والاعتدادُ بتوثيق الموثِّق يتوقف على العلم بثقته في نفسه وأهليته، ثم على صحة سَنَد التوثيق إليه، وثقته في نفسه تتوقف على أن يوثِّقه ثقةٌ عارف، وصحّة سند التوثيق تتوقف على توثيق بعض أهل المعرفة والفقه لرجاله، وهلمّ جرًّا.
والسعيُ في توثيق رجل واحد من أولئك بغير حق، أو في الطعن فيه بغير حق سعيٌ في إفساد الدين بإدخال الباطل فيه، أو إخراج الحق منه.
فإن كان ذاك الرجل واسع الرواية أو كثير البيان لأحوال الرواة، أو جامعًا للأمرين، كان الأمر أشدّ جدًّا، كما يعلمه المتدبِّر.
стр. 113
ولولا أن أُنْسَب إلى التهويل لشرحت ذلك، فما بالك إذا كان الطعن بغير حق في عدد كثير من الأئمة والرواة؟ يترتّب على الطعن فيهم إسقاط رواياتهم، زيادةً على محاولة توثيق جمٍّ غفير ممن جرحوه، وجرح جمٍّ غفير ممن وثقوه؟ !
[ص ٥] ففي "التأنيب" الطعن في زُهاء ثلاثمائة رجل، تبيَّن لي أن غالبهم ثقات، وفيهم نحو تسعين حافظًا، وجماعة من الأئمة، فكم ترى يدخل في الدين من الفساد لو مشى للأستاذ ما حاوله من جرحهم بغير حق؟ !
على أنَّ الأمر لا يقف عندهم، فإن الأستاذ يحاول الرد بالاتهام، والتُّهَم غير محصورة، فيمكن كلّ مَن يهوى ردَّ شيءٍ من النقل أن يبدي تهمةً في رواته وموثِّقيهم، فيحاول إسقاطهم بذلك.
بل يعدّ الملحدون الإسلامَ نفسَه ذريعةً لاتهام كلّ من روى من المسلمين ما يثبت النبوةَ والقرآنَ ونحو ذلك، ولا يقنعون بالآحاد، بل يُساورون المتواترات، بزعم إمكان التواطؤ والتتابع لاتفاق الغرض.
ولو كان هذا الطعن من رجل مغمور أو غير مشهور بالعِلْم الديني، لهان الخطب، ولكنه من رجل يَصِف نفسَه أو يصفه بعضُ خواصّه ــ كما في لوح "التأنيب" ــ بقوله: "الإمام الفقيه المحدث والحجة الثقة المحقق العلامة الكبير ... ".
ومكانته في العلم معروفة، والحنفيةُ ــ وهم السواد الأعظم كما يقول ــ يتلقَّون كلامَه بالقبول، وكذلك كثير من غيرهم ممن يعظم الأستاذ؛ لدفاعه عن جهمية الأشعرية، وعن القبورية.
стр. 114
ــ ٢ ــ
فصل
حاول الأستاذ في "الترحيب" (١) التبرُّؤ مما نُسِب إليه في "الطليعة" من الطعن في أنس ﵁، وفي هشام بن عروة (٢)، وفي الأئمة الثلاثة: مالك والشافعي وأحمد.
أما كلام الأستاذ في الأئمة الثلاثة: مالك والشافعي وأحمد فسيأتي ــ إن شاء الله تعالى ــ في تراجمهم (٣).
ويكفي تدبر العبارة التي قالها في "التأنيب" في معرض الثناء عليهم ــ زعم ــ، ونقلها في "الترحيب" في معرض التبرُّؤ من الطعن فيهم.
وحقيقة الحال أن الأستاذ يرى أو يتراءى أو يعرض على الناس أن يروا أن منازل الأئمة هي كما يتحصَّل من مجموع كلامه في "التأنيب"، ويرى أنه قد تفضَّل على الأئمة الثلاثة، وجامل أتباعَهم بأن أوهمهم في بعض عباراته أنه رفعهم عن تلك المنزلة قليلًا.
فلما رآني لم أعتدّ بذاك الإيهام الفارغ، كان أقصى ما عنده أن يوهم الجهال براءته ــ ومعهم العلماء ــ أن تلك منازلهم عنده، رضوا أم كرهوا.
فأما كلامه في أنس، فتراه وما عليه في "الطليعة" (ص ٩٨ - ١٠٦) (٤)،
стр. 115
ويأتي تمامه في ترجمته (١).
وينبغي أن يُعْلَم أن منزلة أنس ﵁ عندنا غير منزلته التي يجعله الأستاذ فيها، فلسانُ حال الأستاذ يقول: ومَن أنس؟ وما عسى أن تكون قيمة رواية أنس في مقابلة الإمام الأعظم وعقليته الجبارة؟ ! كما أشار إلى ذلك في "الترحيب" (ص ٢٤) (٢) إذ قال: "وأسماء الصحابة الذين رغب الإمام عما انفردوا به من الروايات مذكورة في "المؤمَّل" لأبي شامة الحافظ. وليس هذا إلا تحريًّا بالغًا في المرويات يدل على عقلية أبي حنفية الجبارة".
فزادنا مع أنس جماعةً من الصحابة ﵃، وإلى ما يغالط به من "الترجيح" ــ الذي دفعته في "الطليعة" (ص ١٠٥ - ١٠٦) (٣) ــ التصريح بأنه يكفي في تقديم رأي أبي حنيفة على السنة أن ينفرد برواية السنة بعضُ أولئك الصحابة.
هذا مع أن رواية أنسٍ في الرّضْخ تشهد لها أربعُ آيات من كتاب الله ، بل أكثر من ذلك، كما يأتي في "الفقهيات" (٤) إن شاء الله تعالى. ومعها القياس الجلي، ولا يعارض ذلك شيء، إلا أن يقال: إنّ عقلية أبي حنيفة الجبارة كافية لأن يقدّم قوله على ذلك كلّه!
وعلى هذا فينبغي للأستاذ أن يتوب [ص ٦] من قوله في "التأنيب" (ص ١٣٩) عند كلامه على ما رُوي عن الشافعي من قوله: أبو حنيفة يضع
стр. 116
أوَّلَ المسألة خطأ ثم يقيس الكتاب كلَّه عليها. قال الأستاذ هناك: "ولأبي حنيفة بعض أبواب الفقه من هذا القبيل، ففي كتاب الوقف أخذ بقول شريح القاضي، وجعله أصلًا، ففرَّع عليه المسائل، فأصبحت فروع هذا الباب غير مقبولة، حتى ردَّها صاحباه، وهكذا فعل في كتاب المزارعة، حيث أخذ بقول إبراهيم النخعي فجعله أصلًا، ففرَّع عليه الفروع".
إلا أن يقول الأستاذ: إن أبا حنيفة لم يستعمل عقليته الجبارة في تلك الكتب أو الأبواب، وإنما قلّد فيها بعضَ التابعين، كشريح وإبراهيم. فعلى هذا يختص تقديم العقلية الجبارة بما يقوله من عند نفسه غير متبع فيه لأحد.
فعلى هذا نطالب الأستاذ أن يطبِّق مسألة القَوَد على هذه القاعدة.
أما نحن فلا نَعْتد (١) على أبي حنيفة بقول الأستاذ، ولا بحكاية أبي شامة الشافعي الذي بينه وبين أبي حنيفة نحو خمسمائة سنة، بل نقول: لعلّ أبا حنيفة لم يرغب عن انفراد أحدٍ من الصحابة، بل هو موافقٌ لغيره في أن انفراد الصحابي مقبول على كلِّ حال، وإنما لم يأخذ ببعض الأحاديث؛ لأنه لم يبلغه من وجه يثبت، أو لأنه عارضه من الأدلة الشرعية ما رآه أرجح منه.
وإذا كان أبو حنيفة قد يأخذ برأي رجل واحد من التابعين، كشُرَيح في الوقف، وإبراهيم في المزارعة، فكيف يترك سنةً لتفرُّد بعضِ الصحابة بها؟ !
فأما التحرّي البالغ، فإن كان هو الذي يؤدِّي إلى قبول ما حقّه أن يُقْبَل، وردّ ما حقّه أن يُرَدّ، فلا موضع له هنا، وإن كان هو الذي يؤدِّي إلى قبول ما حقّه الرد كرأي شُريح في الوقف، ورأي إبراهيم في المزارعة، وإلى ردّ ما
стр. 117
حقّه القبول كما ينفرد به بعض الصحابة، ولا يعارضه من الأدلة الشرعية ما هو أقوى منه، أو كردِّ حديث الرضخ مع شهادة القرآن والقياس الجلي له= فهذا تجرٍّ ــ بالجيم ــ لا تحرٍّ ــ بالحاء ــ، أو قل: تحرٍّ للباطل لا للحق.
فإن كان المقصود التخييل السحري، فيستطيع من يردّ انفراد الصحابي ــ أيّ صحابيٍّ كان ــ أن يقول: إن ذلك تحرٍّ بالغ، بل ومن يردّ السنن كلّها سوى المتواتر، بل ومَن يردّ المتواتر أيضًا فيقول: بل التحرِّي البالغ يقضي أن لا ينسب إلى شرع الله إلّا ما نصَّ عليه كلامه، بل ومن يردّ الدلالة الظنية من القرآن، ويردّ الإجماع قد يقول ذلك، ولم يبق إلا الدلالات اليقينية من القرآن. وشيوخُ الأستاذ من المتكلمين ينفون وجودها، كما يأتي في "الاعتقاديات" (١) إن شاء الله تعالى.
فأما القياس فهو بأن يسمى إلغاؤه تحرّيًا واحتياطًا في دين الله أولى من ذلك كله فإنه بالنسبة إلى ذلك كما قيل:
ويذهب بينها المرئيُّ لغوًا ... كما ألغيتَ في الديةِ الحُوارا (٢)
والمقصود هنا أن منزلة أنس عندنا غير منزلته التي يجعله الأستاذ فيها بلا تحرٍّ، وإن زعم الأستاذ أنه ليس في كلامه ما ينتقد.
وفي "فتح الباري" (٣) في باب المُصَرَّاة: "قال ابنُ السمعاني في "الاصطلام": التعرُّض إلى جانب الصحابة علامة على خذلان فاعله، بل هو
стр. 118
بدعة وضلالة".
ذكر ذلك في صدد ردِّ كلام بعض الحنفية في رواية أبي هريرة حديث المصرَّاة.
وأما هشام بن عروة بن الزبير بن العوام، فهذه قصته: روى هشام عن أبيه عروة ــ وفي رواية للدارمي (١/ ٥١) (١): هشام عن محمد بن عبد الرحمن بن نوفل عن عروة ــ قال: "لم يزل أمر بني إسرائيل معتدلًا حتى ظهر فيهم المولَّدون أبناء سبايا الأمم، فقالوا فيهم بالرأي، فضلّوا وأضلّوا".
فذكرها الأستاذ في "التأنيب" (ص ٩٨) ثم قال: "وإنما أراد هشام النكاية في ربيعة وصاحبه (مالك) لقول مالك فيه [ص ٧] بعد رحيله إلى العراق فيما رواه الساجي، عن أحمد بن محمد البغدادي، عن إبراهيم بن المنذر، عن محمد بن فُليح قال: قال لي مالك بن أنس: هشام بن عروة كذَّاب. قال: فسألت يحيى بن معين فقال: عسى أراد في الكلام، فأما في الحديث فهو ثقة".
وعلَّق في الحاشية: "هذا من انفرادات الساجي. وأهلُ العلم قد تبدُر منهم بادرة، فيتكلّمون في أقرانهم بما لا يقبل، فلا يُتّخذ ذلك حجة، على أن ما يؤخذ به هشام بعد رحيله إلى العراق أمرٌ يتعلق بالضبط في التحقيق، وإلا فمالك أخرج عنه في الموطأ".
ففهمتُ من قوله: "وإنما أراد هشام النكاية .... " أنه يريد أن هشامًا افترى هذه الحكاية لذاك الغرض، وأنّ ذلك مِن الكذب الذي عُني (٢) في الكلمة
стр. 119
المحكيّة عن مالك: "هشام بن عروة كذاب"، ومِن الكذب في الكلام على ما في الحكاية عن ابن معين، ومن البوادر التي لا تقبل كما ذكره في الحاشية.
وبنيتُ على ذلك ما قلتُه في الكلمة التي كنتُ كتبتها إلى بعض الإخوان، فاتفق أن وقعت بيد المعلِّق أو الطابع، فطبعها كمقدمة للطليعة ــ بدون علمي ــ قلت فيها كما في "الطليعة" المطبوعة (ص ٤) (١): "وفي هشام بن عروة بن الزبير بن العوام، حتى نَسَب إليه الكذب في الرواية".
فتعرَّض الأستاذ لذلك في "الترحيب" (ص ٤٨) (٢)، وتوهَّم أو أوهم أنني إنما بنيتُ على ما في الحكاية التي نقلها مما نُسِب إلى مالك من قوله: "كذاب"، فأعاد الأستاذ الحكاية هناك ثم قال: "أهذا قولي أم قول مالك، أيها الباهت الآفك".
فأقول: أما قولك، فقد قدمتُ ما فيه من إفهام أن هشامًا افترى تلك الحكاية انتقامًا من مالك، وأما قول مالك فلم يصح، بل هو باطل.
ومن لطائف الأستاذ: أنه اقتصر في ما تظاهر به في صدر (٣) الحاشية مِن محاولة تليين الحكاية عن مالك على قوله: "وهذا من انفرادات الساجي"، فكأنه لا مَطعن فيها إلا ذلك، وهو يعلم أن زكريا الساجي حافظٌ ثقة ثبت، وإن حاول هو في موضع آخر أن يتكلّم فيه، كما يأتي في ترجمته (٤) إن شاء الله تعالى.
стр. 120
هذا مع جزمه في المتن بقوله: "لقول مالك فيه".
[ص ٨] والحكايةُ أخرجها الخطيب في "تاريخ بغداد" (١/ ٢٢٣) وتعقَّبها بقوله: "فليست بالمحفوظة إلا من الوجه الذي ذكرناه، وراويها عن إبراهيم بن المنذر غير معروف عندنا".
يعني: أحمد بن محمد البغدادي. وبغداديٌّ لا يعرفه الخطيب الذي صرف أكثرَ عمره في تتبُّع الرواة البغداديين لا يكون إلا مجهولًا، فهذا هو المُسْقِط لتلك الحكاية من جهة السند.
ويُسقطها من جهة النظر: أن مالكًا احتجّ بهشام في "الموطأ"، مع أن مالكًا لا يجيز الأخذ عمن جُرِّب عليه كذبٌ في حديث الناس، فكيف الرواية عنه؟ فكيف الاحتجاج به؟
وصحَّ عن مالك أنه قال: "لا تأخذ العلم من أربعة، وخذ ممن سوى ذلك، لا تأخذ من سفيه مُعلنٍ بالسَّفَه وإن كان أروى الناس، ولا تأخذ عن كذَّاب يكذب في أحاديث الناس إذا جُرِّب ذلك عليه، وإن كان لا يُتّهم أن يكذب على رسول الله ﷺ .... ".
أسنده الخطيب في "الكفاية" (ص ١١٦)، وذكره ابن عبد البر في "كتاب العلم" (١)، كما في مختصره (ص ١٢٢)، وقال: "وقد ذكرنا هذا الخبر عن مالك من طرق في كتاب التمهيد (٢) .... ".
стр. 121
وكأنَّ الأستاذ يحاول إثبات أن الأئمة كمالك وابن معين يوثّقون الرجل إذا رأوا أنه لا يكذب في الحديث النبوي، وإن علموا أنه يكذب في الكلام، ويحاولُ أن يُدْخِل في الكلام ما يرويه الثقات مما فيه غضٌّ من أبي حنيفة، وهكذا ما يرويه أحدهم عن غيره مما فيه غضّ من أبي حنيفة، ولو مِن بُعْد، كرواية هشام المذكورة.
وعلى هذا فيدخل في الكلام الذي لا يمتنع الأئمة من توثيق الكاذب فيه كلُّ كلامٍ إلا ما فيه إسناد خبر إلى النبي ﵌، ولو ــ والعياذ بالله تعالى ــ تم هذا للأستاذ لسقطت المرويات كلها، ويأبى الله ذلك والمؤمنون.
أما السنة فإنها لا تثبت إلا بثقة رواتها، وتوثيقُ الأئمة للرواة كلامٌ ليس فيه إسنادُ خبرٍ إلى النبي ﵌.
وهكذا روايةُ مَن بَعْد الأئمة لكلام الأئمة هي كلام، ويدخل في ذلك سائرُ كلماتِ الجرح والتعديل، والمدح والقدح: قولُها، وروايتُها، وحكايةُ مقتضيها، وروايتُه.
فإذا كانوا يرون أن الكذب في ذلك لا ينافي الثقة لم نأمن من أن يكذبوا فيه، وتوثيق مَن بعدهم لهم لا يدفع أن يكونوا يكذبون مثل هذا الكذب، بل يجوز أن يكون ذاك التوثيق نفسه كذبًا، وإن كان قائله ثقةً.
وأما ما عدا السنة من آثار الصحابة والتابعين ونحو ذلك، فكلّه كلام، والمعروف بين أهل العلم أنّ تعمُّد الكذب يوجب ردَّ رواية صاحبه مطلقًا.
[ص ٩] وقد قال الخطيب (ص ١١٧): "باب في أن الكاذب في غير
стр. 122
حديث رسول الله ﵌ ترد روايته. قد ذكرنا آنفًا قولَ مالك بن أنس، ويجب أن يُقبل حديثه إذا ثبتت توبته".
ولم يذكر في ذلك خلافًا، وقد روى ابنُ أبي حاتم عن أبيه: أن يحيى بن المغيرة سأل جريرَ بن عبد الحميد عن أخيه أنس بن عبد الحميد، فقال: قد سمع من هشام بن عروة، ولكنه يكذب في حديث الناس، فلا تكتب عنه".
وفي "النخبة" وشرحها (١) ما يفيد أن الكذب في الكلام أشدّ إسقاطًا للراوي من الزنا مثلًا.
فأما القبول بعد ثبوت التوبة فقد خالف فيه الصيرفي ــ فيما قيل ــ وهو من أجلّة النُّظار، فعنه أن الكاذب في غير الحديث النبوي كالكاذب فيه في أن لا تُقبل روايته أبدًا وإن تاب (٢).
ويتأكّد هذا في الكذب في الرواية لأقوال أهل العلم من الصحابة والتابعين وغيرهم من أهل العلم، وما يتصل بذلك مما فيه توثيق راوٍ أو جرحه، أو ذمّ عالمٍ أو مدحه، وقريبٌ من هذا قول تابع التابعي.
وتوثيق الراوي يكون تثبيتًا لمروياته، فإن كان فيها كذب كان التوثيق تثبيتًا للكذب في عدة أحاديث نبوية، فالكذب في ذلك التوثيق أشدّ من الكذب في حديث واحد.
стр. 123
والجرح إسقاط للراوي، فإذا كان في نفس الأمر ثقة، ففي جرحه إسقاط لعدة من الأحاديث النبوية. وليس الكذب المسقط لأحاديث نبوية صحيحة بأخفّ من الكذب المثبت لأحاديث باطلة.
ومدحُ العالمِ تثبيت لمروياته ولأقواله أنها أقوالُ عالمٍ تصيرُ بها المسألةُ خلافية، ويكون للعاميّ الأخذ بها تقليدًا.
وذمُّه على العكس من ذلك، أعني: أنه قد يكون فيه إسقاط المرويات والأقوال، بل قد يقال: الرواية بابٌ واحدٌ، فالكذب في ضربٍ منها يجرُّ إلى الكذب في الضرب الآخر.
هذا، وإطلاقهم أن الكاذب في غير الحديث النبوي لا تُقبل روايته يتناول الكذبة الواحدة [ص ١٠] في غير الرواية، وإن لم يُخْش منها ضرر.
فأما على القول بأنها مسقطة للعدالة مطلقًا ــ وفي الزواجر (٢/ ١٦٩): أنه ظاهر الأحاديث أو صريحها ــ فظاهر.
وأما على القول بأنها وحدَها حيث لا ضرر فيها لا تسقط العدالة، فقد يقال: هذا خاصٌّ بما إذا وقعت ممن لا يتعانى الرواية، فأما الراوي فالأمر فيه أشدّ؛ لأنّ عِماد الرواية الصدق، والكذب خلقٌ واحد، فمن كَذَب في غير الرواية لم يُؤمَن أن يجرّه ذلك إلى الكذب في الرواية.
وأيضًا فالشهادة يُحتاج إلى التسمح فيها؛ لأن التشديد في عدالة الشهود قد يؤدِّي إلى ضياع الحقوق بخلاف الرواية، فإنما يتعاناها أفراد من أهل العلم، والغالب فيها بعد زمن الصحابة أن يوجد الحديث عند جماعة. ويشدّ هذا قولُ الحنفية: إنه يجوز القضاء بشهادة فاسِقَين، ولا يجوز قبول
стр. 124
الرواية إلا مِنْ عَدْل. وعلى كلّ حال فالكذب في الرواية قد لا يتأتي أن يقال: إن منه ما لا ضرر فيه ولا مفسدة.
فعلى هذا فلا يكون إلا كبيرةً قطعًا، فيكون مسقطًا لعدالة صاحبه ألبتة، حتى لو فرضنا أنّ من الأئمة من قد يوثِّق مَن يعلم أنه قد كَذَب في كلام الناس كذبةً لا ضرر فيها ولا مفسدة، فلا يلزم من ذلك أن يوثِّق مَن يرى أنه قد يكذب في الرواية لغير الحديث النبوي.
وهكذا ما يتعلّق بالجرح والتعديل، والمدح والقدح، فإن الكذب فيه ضارٌّ، مشتملٌ على المفاسد حتمًا، فلا ينافي أن قال: إنه لا (١) يسقط العدالة.
والمقصود هنا إيضاح أنك إذا نسبتَ إلى راوٍ تعمُّدَ الكذب في رواية ــ ولو لغير الحديث النبويّ ــ أو جرح أو تعديل= فقد زعمت أنه فاسق ساقط العدالة، مردود الرواية مطلقًا.
فمحاولة الأستاذ نِسْبة هشام إلى تعمُّد الكذب في تلك الرواية محاولة لإسقاط هشام ألبتة. ولهذا نظائر في كلام الأستاذ ستأتي، ويأتي الكلام على التهمة قريبًا إن شاء الله تعالى (٢).
وأما كلام الأستاذ في أئمة الفقه: مالك والشافعي وأحمد، فسيأتي في تراجمهم (٣).
стр. 125
ــ ٣ ــ
فصل
من أوسع أودية الباطل الغلوّ في الأفاضل، ومن أَمْضى أسلحته أن يرمي الغالي كلَّ من يحاول ردَّه إلى الحق ببغض أولئك الأفاضل ومعاداتهم. يرى بعضُ أهل العلم أن النصارى أول ما غَلَوا في عيسى ﵇ كان الغلاة يرمون كلَّ من أنكر عليهم بأنه يبغض عيسى ويحقره، ونحو ذلك؛ فكان هذا من أعظم ما ساعد على انتشار الغلو؛ لأن بقايا أهل الحق كانوا يرون أنهم إذا أنكروا على الغلاة نُسِبوا إلى ما هم أشدّ الناس كراهية له مِن بُغْض عيسى وتحقيره. ومَقَتهم الجمهورُ، وأوذوا، فثبَّطَهم هذا عن الإنكار، وخلا الجوُّ للشيطان.
وقريب من هذا حال غلاة الروافض، وحال القبوريين، وحال غلاة المقلدين.
وعلى هذا جرى الأمر في هذه القضية؛ فإن الأستاذ غلا في أبي حنيفة حتى طعن في غيره من أئمة الفقه، وفي أئمة الحديث، وثقات رواته، بل تناول بعض الصحابة والتابعين. وأُسْكِتَ أهلُ العلم [ص ١١] في مصر وغيرها برَمْي كلِّ مَن يهمّ أن ينكر عليه ببغض أبي حنيفة ومعاداته، ولما اطّلع الأستاذ على "الطليعة" جرَّد على صاحبها ذلك السلاح.
ومن تصفَّح "الترحيب" عَلِم أن ذلك ــ بعد المغالطة والتهويل ــ هو سلاحه الوحيد، فهو يُبْدئ فيه ويُعيد، ونفسُه تقول له: هل من مزيد!
فمن جهة يقول في "الترحيب" (ص ١٥): "أخبار الآحاد على فرض ثقة
стр. 126
رواتها لا تناهض العقل ولا النقل المستفيض فضلًا عن المتواتر، وقد ثبتت إمامة أبي حنيفة وأمانته ومناقبه لدى الأُمة بالتواتر".
ويقول بعد ذلك: "خبر الآحاد يكون مردودًا عند مصادمته لما هو أقوى منه من أخبار الآحاد، فضلًا عن مصادمته لما تواتر".
ويقول (ص ١٧): "وأما الخبر المصادم لذلك من بين أخبار الآحاد، فيردّ حيث لا تمكن مناهضته للعقل والخبر المتواتر على تقدير سلامة رجاله من المآخذ".
ويقول (ص ٢٦): "ومن المقرر عند أهل العلم أن صحة السند بحسب الظاهر لا تستلزم صحة المتن".
ويعد حسناتي ذنوبًا فيقول (ص ١٩): "وحذفه للمتون لأجل إخفاء مبلغ شناعتها عن نظر القارئ، فلو ذكرها كلها مع كلام الكوثري في موضوع المسألة، لنبذ السامع نقد هذا الناقد في أول نظرة، لما حوت تلك المتون من السخف البالغ الساقط بنفسه من غير حاجة إلى مُسقط، فيكون ذكر المتون قاصمًا لظهره".
ويقول (ص ٢٥): "ولو كان الناقد ذكر في صُلب نقده متن الخبر المتحدّث عنه، كان القارئ يحكم بكذب الخبر بمجرَّد سماعه، لكن عادة الناقد إهمال ذكر المتن إخفاءً لحاله".
ومن جهة أخرى يعود فيقول في "الترحيب" (ص ١٦): "وعادتي أيضًا في مثل تلك الأخبار تطلُّب ضعفاء بين رجال السند بادئ ذي بدء، ضرورةَ أن الخبر الذي ينبذه العقل أو النقل لا يقع في رواية الثقات".
ويقول (ص ١٩): "ومن المضحك تظاهره (اليماني) بأنه لا يعادي النعمان مع سعيه سعي المستميت في توثيق رواة الجرح، ولو بالتحاكم إلى الخطيب نفسه المتهم فيما عمله، مع أنه لو ثبتت ثقة حملتها ثبت مقتضاها".
стр. 127
فلأدع الاستنتاج إلى القارئ، وأقول:
أما الباعث لي على تعقّب "التأنيب" فقد ذكرتُه أول "الطليعة" (١)، وتقدّم شرحه في الفصل الأول، وهب أنّ غرضي ما زعمه الأستاذ، وأنه يلزم من صنيعي تثبيت مقتضى تلك الحكايات، فلا يخلو أن يكون كلامي مبنيًّا على الأصول المألوفة والقواعد المعروفة، أو يكون خلاف ذلك.
فإن كان الأول، فلازم الحقِّ حقٌّ، وإن كان الثاني، ففي وُسْع الأستاذ أن يوضّح فسادَه بالأدلة المقبولة.
فعلى أهل المعرفة أن يحاكموا بين "الطليعة"، و"الترحيب" حتى يتبين لهم أقام الأستاذ ببعض كلامي بأدلة مقبولة عند أهل العلم، أم أردف ما في "التأنيب" من التهويل والمغالطة والتمحل بمثلها؟ !
ولم يكد يضيف إلى ذلك إلّا رمي اليماني ببغض أبي حنيفة! كأنَّ الأستاذ يرى أن تلك المهاجمة لا تُتَّقى إلا بالهوى، بإثارة ما استطاع في نفوس أتباعه الذين يهمّه شأنهم ليضرب به بينهم وبين "الطليعة" و"التنكيل" حجابًا لا تخرقه حجّة، ولا يزيده الله تعالى بعد استحكامه إلا شدّة.
والواقع أن مقصودي هو ما شرحته في الفصل السابق، ولذلك أهملت ذِكر المتون لأنها خارجة عن مقصودي، ومع ذلك ففي ذكرها مفاسد:
الأولى: ما أشار إليه الأستاذ في الجملة، وهو أن يطلع عليها حنفي متحمِّس، فيحمله ذِكْر المتن على أن يعرض عن كلامي البتة، ولا يستفيد إلَّا بُغْض مَن نُسِب إليه المتن من الأئمة.
стр. 128
الثانية: أن يطلع عليها رجلٌ مِن خصوم الحنفية، فيجتزئ (١) بذاك المتن، ويذهب يعيب أبا حنيفة بتلك المقالة، غير مبالٍ أصح ذلك أم لا؟
الثالثة: أن يطلع عليها عاميٌّ لا يميز، فيقع في نفسه أن أئمة السلف كان بعضهم يطعن في بعض، ويكبر ذلك عليه، ويسيء الظنَّ بهم جميعًا.
فإهمال ذِكْر المتن يمنع هذه المفاسد كلّها، ولا يبقى أمام الناظر إلا ما يتعلق بتلك القضايا الخاصة التي ناقشتُ فيها الأستاذ.
والواقع أيضًا أنه لا يلزم من صنيعي تثبيت الذم، ولا يلزمني قَصْد ذلك، ومن تأمَّل عبارات الأستاذ في الجهة الأولى ــ كما قدمتها ــ بان له صحة قولي. وأزيد ذلك إيضاحًا وشرحًا وتتميمًا، فأقول:
عامة مناقشتي للأستاذ إنما هي في الأسانيد، في كلامه في بعض رجال تلك الأسانيد، وقد وافقته (٢) على ضعف جماعةٍ منهم، ولا يلزم من تثبيتي ثقةَ رجلٍ من رجال السند ثبوت ثقةِ غيره، بل الأمر أبعد من ذلك، فإنَّ المقالةَ المسندة إذا كان ظاهرها الذمّ أو ما يقتضيه لا يثبت الذمُّ إلا باجتماع عشرة أمور:
الأول: أن يكون هذا الرجل المعيَّن الذي وقع في الإسناد ووقعت فيه المناقشة ثقة.
الثاني: أن يكون بقية رجال الإسناد ثقات.
الثالث: ظهور اتصال السند.
стр. 129
الرابع: الأمن من أن يكون هناك عِلّة خفية يتبين بها انقطاع أو خطأ أو نحو ذلك مما يوهن الرواية.
الخامس: الأمن من أن يكون وقع في المتن تصحيف أو تحريف أو تغيير، قد يوقع (١) فيه الرواية بالمعنى.
السادس: الأمن من أن يكون المراد بالكلام غير ظاهره.
[ص ١٢] السابع: الأمن من أن يكون الذامُّ بنى ذمَّه على غير حجة، كأن يبلغه إنسان أنَّ فلانًا قال: كذا، أو فعل كذا، فيحسبه صادقًا وهو كاذب، أو غالط.
الثامن: الأمن من أن يكون الذامُّ بنى ذمَّه على أمرٍ حَمَله على وجه مذموم، وإنما وقع على وجهٍ سائغ.
التاسع: الأمن مِنْ أن يكون للمتكلّم فيه عذر أو تأويل فيما أنكره الذامّ.
العاشر: ظهور أن ذلك المقتضي للذمِّ لم يرجع عنه صاحبه.
وقد يُزاد على هذه العشرة، وفيها كفاية.
فهذه الأمور إذا اختلَّ واحدٌ لم يثبت الذم، وهيهات أن تجتمع على باطل.
والذي تصدّيتُ لمناقشة الأستاذ فيه إنما يتعلق بالأمر الأول، ولا يلزم من تثبيته تثبيت الثاني، فضلًا عن الجميع. وقد يلزم من صنيعي في بعض المواضع تثبيت الثاني، ولا يلزم من ذلك تثبيت الثالث، فضلًا عمّا بعده.
стр. 130
وما قد يتفق في بعض المواضع من مناقشتي للأستاذ في دعوى الانقطاع أو التصحيف، فالمقصود من ذلك كَشْف مغالطته، ولا يلزم من ذلك تلك الأمور كلها.
وأذكر ههنا مثالًا واحدًا:
قال إبراهيم بن بشار الرمادي: "سمعت سفيان بن عيينة يقول: ما رأيت أحدًا أجرأ على الله من أبي حنيفة، ولقد أتاه رجل من أهل خراسان، فقال: يا أبا حنيفة، قد أتيتك بمائة ألف مسألة، أريد أن أسألك عنها، قال: هاتها. فهل سمعتم أحدًا أجرأ على الله من هذا".
هذه الحكاية أوّل ما ناقشت الأستاذ في سندها في "الطليعة" (ص ١٢ - ٢٠) (١)، فإنه خَبَط في الكلام في سندها إلى الرمادي بما ترى حاله في "الطليعة".
فتكلَّم في الرمادي ــ وستأتي ترجمته (٢) ــ وزاد الأستاذ في "الترحيب" (٣)، فتكلّم في ابن أبي خيثمة بما لا يضرّه (٤)، وذَكَر ما قيل: إن ابن عيينة اختلط بأخَرَة، وهو يعلم ما فيه، وستأتي ترجمتُه (٥).
[ص ١٣] وقد ذكر الأستاذ في "التأنيب" جوابًا معنويًّا جيدًا، ولكنه مزجه
стр. 131
بالتخليط، فقال ــ بعد أن تكلّم في السند بما أوضحتُ حاله في "الطليعة" (١) ــ: "وابن عيينة بريء من هذا الكلام قطعًا بالنظر إلى السند" كذا قال!
ثم قال بعد ذلك: "وأما من جهة المتن، فتكذِّب شواهدُ الحال الأخلوقةَ تكذيبًا لا مزيد عليه ... رجلٌ يُبعث من خراسان ليسأل أبا حنيفة عن مائة ألف مسألة بين عشية وضحاها، ويجيب أبو حنيفة عنها بدون تلبُّث ولا تريّث ... ".
كذا قال! وليس في القصة أن الرجل سأل عن مسألة واحدة، فضلًا عن مائة ألف، ولا أن أبا حنيفة أجاب عن مسألةٍ واحدة، فضلًا عن مائة ألف، فضلًا عن أن يكون ذلك كله بين عشية وضحاها.
وكان يمكن الأستاذ أن يجيب بجوابٍ بعيدٍ عن الشَّغَب، كأن يقول: يبعد جدًّا أو يمتنع أن تجمع في ذاك العصر مائةُ ألف مسألة ليأتي بها رجل من خراسان ليسأل عنها أبا حنيفة، وهذا يدل على أحد أمرين: إما أن يكون السائل إنما أراد: أتيتك بمسائل كثيرة، فبالغ. وإما أن يكون بطَّالًا لم يأت ولا بمسألة واحدة، وإنما قصد إظهار التشنيع أو التعجيز، فأجابه أبو حنيفة بذلك الجواب الحكيم.
فإن كان الرجل إنما قصد التشنيع أو التعجيز، ففي ذاك الجواب إرغامه، وإن كان عنده مسائل كثيرة، نَظَر فيها أبو حنيفة بحسب ما يتسع له الوقت، ويجيب عندما يتضح له وجه الجواب.
فأما ابن عيينة، فكان من الفريق الذين يكرهون أن يفتوا (وقد بيَّن
стр. 132
الأستاذ ذلك في "التأنيب" (١)) فكأنه كره قولَ أبي حنيفة: "هاتها"، لما يُشْعِر به من الاستعداد لما يكرهه ابن عيينة. وكان أبو حنيفة من الفريق الذين يرون أن على العالِم إذا سُئل عما يتبين له وجه الفتوى فيه أن يفتي؛ للأمر بالتبليغ، والنهي عن كتمان العلم، ولئلّا يبقى الناس حيارى لا يدرون ما حكم الشرع في قضاياهم، فيضطرَّهم ذلك إلى ما فيه فساد العِلْم والدين. ولا ريب أن الصواب مع الفريق الثاني، وإن حَمِدنا الفريق الأول حيث [ص ١٤] يكفّ أحدهم عن الفتوى مبالغةً في التورع، واتكالًا على غيره حيث يوجد.
فأما الجرأة فمعناها الإقدام، والمقصود هنا ــ كما يوضِّحه السياق وغيره ــ الإقدام على الفتوى، فمعنى "الجرأة على الله" هنا هو الإقدام على الإفتاء في دين الله، وهذا إذا كان عن معرفةٍ موثوقٍ بها فهو محمود، وإن كرهه المبالغون في التورُّع كابن عيينة، وقد جاء عن ابن عمر أنه قال: "لقد كنتُ أقول: ما يعجبني جرأة ابن عباس على تفسير القرآن، فالآن قد علمت أنه أوتي علمًا".
وعنه أيضًا أنه قال: "أكثر أبو هريرة. فقيل له: هل تنكر شيئًا مما يقول؟ قال: لا، ولكنه اجترأ وجَبُنَّا. فبلغ ذلك أبا هريرة فقال: فما ذنبي إن كنتُ حفظتُ ونسوا".
راجع "الإصابة" (٢)، ترجمة ابن عباس، وترجمة أبي هريرة.
стр. 133
وإقدام أبي حنيفة كان من الضرب المحمود، وإن كرهه ابن عيينة.
وقد روى الخطيبُ نفسُه ... (الحكايتين اللتين ذكرهما الأستاذ في "التأنيب"). فهذا وغيره يدلُّ على بُعد أبي حنيفة عن الجرأة المذمومة.
فأمّا إذا علمنا أنّ ابنَ عيينة كان يطيب الثناء على أبي حنيفة، فإن ذلك يرشدنا إلى حَمْل تلك المقالة على معنًى آخر أدنى إلى الصواب، مع ما فيه من الحكمة البالغة التي تهدينا إلى بابٍ عظيم النفع في فهم ما يُنقل عن أهل العلم من كلام بعضهم في بعض.
وحاصله: أن أكثر الناس مُغْرَون بتقليد من يعظم في نفوسهم، والغلو في ذلك، حتى إذا قيل لهم: إنه غير معصوم عن الخطأ، والدليل قائم على خلاف قوله في كذا، فدلَّ ذلك على أنه أخطأ، ولا يحلُّ لكم أن تتبعوه على ما أخطأ فيه= قالوا: هو أعلم منكم بالدليل، وأنتم أولى بالخطأ منه، فالظاهر أنه قد عرف ما يدفع دليلكم هذا.
فإن زاد المنكرون فأظهروا حسنَ الثناء على ذاك المتبوع، كان أشدّ لغلوِّ متبعيه.
خطب عمّار بن ياسر في أهل العراق قبل وقعة الجمل ليكفَّهم عن الخروج مع أم المؤمنين عائشة [ص ١٥] فقال: "والله إنها لزوجة نبيكم ﵌ في الدنيا والآخرة، ولكن الله ﵎ ابتلاكم؛ ليعلم إيَّاه تطيعون، أم هي". أخرجه البخاري في "الصحيح" (١) من
стр. 134
طريق أبي مريم الأسدي عن عمار، وأخرج (١) نحوه من طريق أبي وائل عن عمار.
فلم يؤثِّر هذا في كثير من الناس، بل رُوي أن بعضهم أجاب قائلًا: "فنحن مع من شهدت له بالجنة يا عمار".
فلهذا كان من أهل العلم والفضل من إذا رأى جماعةً اتبعوا بعض الأفاضل في أمر يرى أنه ليس لهم اتباعه فيه، إما لأن حالهم غير حاله، وإما لأنه يراه أخطأ أطلق (٢) كلمات منفِّرة، يظهر منها الغضّ من ذاك الفاضل، لكي يكفّ الناس عن الغلو فيه، الحاملِ لهم على اتباعه فيما ليس لهم أن يتبعوه فيه.
فمن هذا ما في "المستدرك" (ج ٢ ص ٣٢٩): " ... عن خيثمة قال: كان سعد بن أبي وقاص ﵁ [في نفرٍ]، فذكروا عليًّا فشتموه، فقال سعد: مهلًا عن أصحاب رسول الله ﵌ .... فقال بعضهم: فوالله إنه كان يبغضك ويسمّيك الأخنس. فضحك سعدٌ حتى استعلاه الضحك، ثم قال: أليس قد يجد المرء على أخيه في الأمر يكون بينه وبينه، ثم لا يبلغ ذلك أمانته ... " (٣).
قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين. وأقره الذهبي.
стр. 135
وفي "الصحيحين" (١) وغيرهما عن علي ﵁ قال: "ما سمعت النبي ﵌ جمع أبويه إلّا لسعد بن مالك (هو سعد بن أبي وقاص) فإنه سمعته يقول يوم أحد: يا سعد? رمِ، فداك أبي وأمي"
ويُرْوى عن عليٍّ كلمات في ذا وذاك.
وكان سعد قد تقاعد عن قتال البغاة، فكان عليّ إذا كان في جماعةٍ يخشى أن يتبعوا سعدًا في القعود ربما أطلق ــ غير كاذبٍ ــ كلماتٍ توهم الغضَّ من سعد، وإذا كان مع من لا يَخْشى منه القعود، فذكر سعدًا، ذَكَر فضله.
ومنه ما يقع في كلام الشافعي في بعض المسائل التي يخالف فيها مالكًا من إطلاق كلمات فيها غضٌّ من مالك، مع ما عُرِف عن الشافعي من تبجيل أستاذه مالك.
وقد روى حرملة عن الشافعي أنه قال: "مالكٌ حجة الله على خلقه بعد التابعين" (٢). كما يأتي في ترجمة مالك (٣)، إن شاء الله تعالى.
ومنه ما تراه في كلام مسلم في "مقدمة صحيحه" (٤) مما يظهر منه الغضُّ الشديد من مخالفه في مسألة اشتراط العلم باللقاء، والمخالف هو
стр. 136
البخاري، وقد عُرِف عن مسلم تبجيله للبخاري.
وأنت إذا تدبّرتَ تلك الكلمات وجدت لها مخارج مقبولة، وإن كان ظاهرها التشنيع الشديد.
وفي ترجمة الحسن بن صالح بن حيّ من "تهذيب التهذيب" (١) كلمات قاسية أطلقها بعضُ الأئمة فيه، مع ما عُرِف من فضله، ومنها (٢): "قال أبو صالح الفراء: "ذكرتُ ليوسف بن أسباط عن وكيع شيئًا من أمر الفتن، فقال: ذاك يشبه أستاذه ــ يعني: الحسن [بن صالح] بن حيّ ــ فقلت ليوسف: أما تخاف أن تكون هذه غيبة؟ قال: لِمَ يا أحمق؟ أنا خيرٌ لهؤلاء من آبائهم وأمهاتهم، أنا أنهى الناس أن يعملوا بما أحْدَثوا، فتتبعهم أوزارهم، ومَن أطراهم كان أضرَّ عليهم".
[ص ١٦] أقول: الأئمة غير معصومين عن الخطأ والغلط، وهم إن شاء الله تعالى معذورون مأجورون فيما أخطؤوا فيه، كما هو الشأن فيمن أخطأ بعد بَذْل الوسع في تحرِّي الحق، لكن لا سبيل إلى القطع بأنه لم يقع منهم في بعض الفروع تقصير يؤاخذون عليه، أو تقصير في زجر أتباعهم عن الغلوِّ في تقليدهم.
على أن الأستاذ إذا أحبَّ أن يسلك هذه الطريق لا يضطر إلى الاعتراف بأنّ ابن عيينة اعتقد أن أبا حنيفة أخطأ في بعض مقالاته، بل يمكنه أن يقول: لعلَّ ابنَ عيينة رأى أناسًا قاصرين عن رتبة أبي حنيفة يتعاطَون مثل ما كان يقع
стр. 137
منه مِن الإكثار من الفتوى والإسراع بها غير معترفين بقصورهم؛ اغترارًا منهم بكثرة ما جمعوا من الأحاديث والآثار، فاحتاج ابنُ عيينة في رَدْعِهم إلى تلك الكلمة القاطعة لشَغَبِهم. والله أعلم.
* * * *
стр. 138
ــ ٤ ــ
فصل
يفرّق الأستاذُ الأمةَ بعد ظهور أبي حنيفة فريقين:
الأول: أبو حنيفة وأصحابه المخلصون.
الثاني: سائر المسلمين.
ثم لا يكاد يعرض له أحدٌ من الفريق الثاني بما يخالفه إلا رماه بمعاداة أبي حنيفة وأصحابه؛ لأجل الاختلاف في بعض العقائد وأصول الفقه، ولازم ذلك أن يكون الفريق الثاني كلهم عنده كذلك، وإن سكت عمن لم يعرض له بما يضطره إلى اتهامه.
ثم يقسِّم مَن يَعْرِض له مِن الفريق الثاني قسمين:
القسم الأول: الذين يحاول الأستاذ إسقاطهم البتة.
القسم الثاني: الذين يحاول إسقاطهم فيما يتعلق بالغضِّ من أبي حنيفة وأصحابه. فيقول: إنهم متهمون في ذلك، فلا يُقبل منهم، ولكنه يقبل منهم ما عداه.
فأما القسم الأول؛ فقد نظرتُ في شأنهم في تراجمهم من "التنكيل"، وأشرتُ إلى بعضهم في "الطليعة".
وأما القسم الثاني؛ فالنظر في شأنهم يتوقَّف على تحرير قاعدة التهمة، وقد كنتُ بسطته في "التنكيل" (١)، ثم دعت الحاجةُ إلى تلخيصه هنا. فأستعين الله ﵎، وأقول:
стр. 139
[ص ١٧] قاعدة في التهمة
في "المصباح" (١): "والتهمة بسكون الهاء وفتحها: الشكّ والرِّيبة ... وأتهمته: ظننت به سوءًا ... واتَّهمتُه بالتثقيل على افتعلت مثله".
والكلام هنا في اتهام المحدِّث والراوي، ويتّصل به اتهام الشاهد.
والأمر المتَّهَم به نوعان:
الأول: ما يكون ــ على فَرْض ثبوته ــ غير مسقطٍ للعدالة، فهذا النوع لا حَجْر على الأستاذ الكوثري فيه، وإن افتقر إلى دليل.
وذلك كنسبة المحدّث أو الراوي أو المخبر إلى الخطأ والغلط، أو إلى التسامح الذي لا يقدح، كأنْ يقال فيمن روى عمن لم يدركه أو لم يصرح بالسماع وهو معروف بالتدليس: "كأنه سمعه من غير ثقة".
أو إلى فلتة اللسان التي تصدر حال الغضب لا يقصد بها ظاهرها، أو لا يقصد بها الحكم، أو إلى إيهام الذمّ بدون إرادته، وذلك في كلمات التنفير التي تقدم بيانها في الفصل الثاني (٢)، وما يشبه ذلك.
النوع الثاني: ما يكون ــ على فرض ثبوته ــ مسقطًا للعدالة، كتعمّد الكذب في الرواية، ولو لغير الحديث النبوي، أو في الإخبار بجرح أو تعديل أو بما يقتضي الجرح، وكالإقدام على جرح مَن لا يعلمه مجروحًا، وتعديل من لا يراه عدلًا، على ما سلف في القاعدة الأولى (٣).
стр. 140
فاجتناب الكذب في هذه الأمور من أركان العدالة، بل هو ركنها الأعظم (١).
وإذا ثبت في راوٍ أنه قد كذب في روايةٍ، أو ثبت في جارحٍ أنه قد تعمَّد جرحًا يعلم بطلانه، أو ثبت في معدِّل أنه قد تعمَّد تعديلًا يعلم بطلانه، فذلك كما لو ثبت في شاهد أنه قد تعمّد شهادة زور (٢).
فإذا نسب الأستاذ إلى إمام أو محدِّث أو راوٍ شيئًا مما ذكر جازمًا بالنسبة، فقد جزم بنفي الركن الأعظم من عدالته، فإن زعم أنه مع ذلك يبقى المنسوب إليه ذلك عدلًا مقبول القول والرواية فيما لم يتَّهِمه فيه فقد زعم أنه غير عدل، فإن اقتصر الأستاذ على الاتهام بما ذكر أو اعترف بأن جزمه بالنِّسْبة لم يكن عن دليل تقوم به الحجة، وإنما هو عن قرينة تورث التهمة، فاتهام المحدِّث أو الراوي بشيء مما ذكر يلزمه ظنُّ أنه ليس بعدل، بل في "النخبة" وشرحها (٣) ما يفيد أن التهمة بالكذب أشدّ من ثبوت الزنا ونحوه، كما مر في القاعدة الأولى (٤).
فقوله مع ذلك: إنه يبقى عدلًا مقبولًا [ص ١٨] في غير ما يتهمه فيه= حاصله: أنه يظنه عدلًا غير عدل. فإن اكتفى الأستاذ بالاحتمال بدون ترجيحٍ لأحد الطرفين لزمه أن لا يجزم بأن الرجل عدل ولا يظن، فإن قال مع ذلك:
стр. 141
إنه يكون عدلًا مقبولًا في غير ما يتهمه فيه= فحاصل ذلك أنه يظنه عدلًا ولا يظنه عدلًا! !
ولا أعلم خلافًا أن الرجل إذا ثبت أنه تعمَّد شهادةَ زورٍ لصديقه على عدوه سقطت عدالته ألبتة، فلا يكون عدلًا في شهادة أخرى، ولو كانت لعدوِّه على صديقه. وكذلك لا أعلم خلافًا أن من تظن به ما ينافي العدالة ليس لك أن تعدِّله، ومثله من يحتمل عندك احتمالًا غير راجحٍ ولا مرجوح أنه ارتكب ما ينافي العدالة، وذلك أن التعديل يتضمَّن الجزم بأنه لم يكن ولن يكون منه ما ينافي العدالة، وهذا الوازع هو المَلَكة التي ذكروها في قولهم في تعريف العدالة: "مَلَكة تمنع من اقتراف الكبائر ... " (١).
فأما أن تتهم أنت رجلًا أو تشك فيه، ويعدِّله غيرُك فلا مانع من ذلك، وإذا ثبت التعديل سقطت التهمة، فضلًا عن الشك، ولا سيما إذا كان الاتهام أو الشك ممن هو دون المعدِّل في الخبرة، فأما إذا كان له هوًى في ردّ الشهادة ونحوها فالأمر أوضح، فإن اتهام المخبِر كثيرًا ما يكون من أماني الهوى، كما قال أبو الطيب (٢):
شقَّ الجزيرةَ حتى جاءني نبأ ... فَزِعتُ منه بآمالي إلى الكذب
وكأنه أخذه من قول الأول (٣):
стр. 142
إني أتتني لسانٌ ما أُسرُّ بها ... مِن عُلوَ لا عجبٌ فيها ولا سَخَرُ
جاءت مرجَّمةً قد كنتُ أحذرها ... لو كان ينفعنى الإشفاقُ والحَذَر
تأتي على الناس لا تلوي على أحدٍ ... حتى أتتنا وكانت دوننا مُضَر
إذا يُعاد له ذكرٌ أُكذِّبه ... حتى أتتني بها الأنباءُ والخَبَر
[ص ١٩] وهناك أمور قد يتشبَّث بها الأستاذ:
منها: ردّ شهادة العدل لنفسه، وكذا لأصله أو فرعه أو زوجه، وعلى عدوِّه في قول جماعةٍ من أهل العلم.
ومنها: رد شهادة صاحب العصبية، فيما ذكره الشافعي.
ومنها: حكاية عن شريك القاضي قد يُؤخذ منها أنه يرى أن الرجل قد يكون عدلًا إذا شهد بمائة دينار مثلًا، ولا يكون عدلًا إذا شهد بمائة ألف دينار.
ومنها: فرعٌ للشافعي في السؤال عن الشاهد، قد يُفْهَم منه نحو ذلك.
ومنها: ما في "لسان الميزان" (١/ ١٦) (١) في جرح المحدِّث لمن يخالفه في الاعتقاد، كجرح الجُوزجاني الناصبي للكوفيين المنسوبين إلى التشيُّع.
ومنها: ما نُقِل عن الجوزجاني هذا أنه لا يؤخَذ عن المبتدع الثقة ما فيه تقوية لبدعته. وصرَّح به ابن قتيبة، ومال إليه بعض المتأخرين.
ومنها: ما ذكروه في جرح المحدِّث لمن هو ساخط عليه، كالنسائي
стр. 143
لأحمد بن صالح، وككلمة مالك في ابن إسحاق.
فلننظر في هذه الأمور (١):
أما الشهادة للنفس، فجاء الشرع بعدم قبولها، وليس ذلك حكمًا بِتَحقُّقِ التهمة في كلّ شاهد لنفسه، أي: أنه حقيق بأن يظن به عارفوه أنه لا يتورَّع عن أن يشهد لنفسه زورًا (٢).
ألا ترى في كبار الصحابة وخيار التابعين أن أحدهم لو شهد لنفسه بمالٍ مثلًا لجزمنا بأنه غير مفترٍ، ولاسيما إذا كان غنيًّا، وكان المال نزرًا، والمشهود عليه معروفًا بجَحْد الحقوق. ولو كان العدل حقيقًا بأن يُتّهم بأنه شهد لنفسه زورًا، لكان حقيقًا أن يتهم في شهادته لغيره، إذ كيف تتهمه فيما لو شهد لنفسه بدرهم بأنه شهد زورًا حرصًا على أن يحصل له درهم، ولا تتهمه إذا شهد لغيره بعشرة دراهم بأنه شهد زورًا لتحصل له ثلاثة دراهم مثلًا حيث يحتمل أن يكون المدّعي رشاه. وفي أصحابنا من لا نتهمه، ولو حصل له بسبب شهادته مائة أو أكثر، وذلك كأن يدّعي على فاجر بمائة فيجحده، ثم تجري للفاجر قضية، فيجيء إلى صاحبنا، ويقول له: أنت عارف بالقضية، فاحضر فاشهد بما تعلم، فيقول: نعم أنا عارف بها، ولكنك ظلمتني مائة، فإن دفعت لي المائة شهدت بما أعلم، فيدفع له مائة فيشهد، فإننا لا نتهم صاحبنا في دعواه ولا شهادته.
стр. 144
فإن قيل: إذا كانت العدالة تنافي التهمة، ويغلب على الظن لو شهد العدل لنفسه أنه لم يشهد زورًا. فلماذا لم يقبل الشرع شهادة العدل لنفسه؟
قلت: أكتفي في هذا بأنّ التهمة تجوز في كثير من الناس، فالتهمة هنا منظورٌ إليها غير مبنيٍّ عليها، كالمشقّة في حكم قَصْر الصلاة، ونظائر ذلك مما يكون المعنى المستدعي للحكم خفيًّا أو غير منضبط، فيعدل الشارع عن بناء الحكم عليه إلى بنائه على معنى ظاهر منضبط، يكون مَظنة للأول في الجملة، ثم يكون مدار الحكم على الثاني، ثم لا يلزم من وجود الثاني مع الحكم وجود الأول، ولا من وجود الأول وجود الحكم.
فالمسافر المترفِّه يقصر الصلاة مع عدم المشقَّة التي تستدعي التخفيف، والمقيمون العمَّال في المناجم ونحوها عليهم مشقَّة شديدة ولا يقصرون، فكذلك هنا لا يلزم مِن ردِّ شهادة الرجل لنفسه أن يكون حقيقًا بأن يُتَّهم بشهادة الزور، ولا من وجود التهمة في شهادة لغير النفس أن تردّ بمجرَّد وجود التهمة، وإنما تردّ لعدم ثبوت العدالة الثابت اشتراطها [ص ٢٠] بنص آخر.
فالعدل الثابت العدالة لا تُقبل شهادته لنفسه، لا لأجل أنه حقيق بأن يُتَّهم، فإن العدالة تدفع ذلك، بل العلة كون الشهادة للنفس أو كونها دعوى.
ولهذا لما حاول الشافعي (١) قياس الشهادة للفرع والأصل على الشهادة للنفس لم يعرِّج على التهمة، بل عوَّل على أن الفرع من الأصل، فشهادة أحدهما للآخر كأنها شهادة لنفسه، ولم يخفَ عليه ضعف هذا، فعضده
стр. 145
بقوله: "وهذا مما لا أعرف فيه خلافًا".
ولما عرف أصحابه وجود الخلاف، ذهب بعضُ حُذَّاقهم ــ كالمزني وأبي ثور ــ إلى القبول.
فإن قيل: وما المانع من اتهام العدل؟
قلت: أما أن يتهمه من لا يثق بعدالته، أو من له هوًى في تكذيبه، فلا مانع منه، وإنما الممنوع أن يكون العدل حقيقًا بأن يُتَّهم.
هذا، وللحُكْم المذكور (١) حِكَم تُدْرَك بالتدبّر، منها: أن الشهادة للنفس أظهر مظان التهمة، فكأنّ في عدم قبولها تنزيه للعدل عن أن يتهمه أكثر الناس؛ لأن أكثرهم لا يعرفون عدالته حقّ المعرفة.
ومنها: أنها لو كانت الشهادة للنفس تُقَبل من العدل لتهاون أكثر العدول في الإشهاد على معاملاتهم، ثقةً بأن شهادتهم لأنفسهم مقبولة، فيؤدي هذا إلى أن تكثر القضايا التي تكون فيها شهادة المدعي لنفسه، فيرتاب فيها القاضي؛ لأنه لا يعرف عدالة العدول معرفة خبرة، وإذا ارتاب القاضي كان عليه أن يتريّث في فصل القضية، فيؤدّي ذلك إلى أن تتراكم القضايا عند القضاة، ويتأخّر الفصل فيها، وذلك يضرّ بالناس.
ومنها: أن المعدّل قد يخطئ ويتساهل أو يداهن، فيعدّل من ليس بعدل، فلو كانت شهادة العدل لنفسه تُقبل لاغتنم هؤلاء الذين عُدّلوا بغير حقٍّ ذلك، فأكثروا من الدعاوى الباطلة، فقد يضيع بسبب ذلك من الحقوق أكثر