← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 336

طليعة التنكيل وتعزيز الطليعة وشكر الترحيب - ضمن «آثار المعلمي»

عبد الرحمن المعلمي اليماني

Полный текст (281 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

إنه يكون عدلًا مقبولًا في غير ما يتهمه فيه= فحاصل ذلك أنه يظنه عدلًا ولا يظنه عدلًا! ! ولا أعلم خلافًا أن الرجل إذا ثبت أنه تعمَّد شهادةَ زورٍ لصديقه على عدوه سقطت عدالته ألبتة، فلا يكون عدلًا في شهادة أخرى، ولو كانت لعدوِّه على صديقه. وكذلك لا أعلم خلافًا أن من تظن به ما ينافي العدالة ليس لك أن تعدِّله، ومثله من يحتمل عندك احتمالًا غير راجحٍ ولا مرجوح أنه ارتكب ما ينافي العدالة، وذلك أن التعديل يتضمَّن الجزم بأنه لم يكن ولن يكون منه ما ينافي العدالة، وهذا الوازع هو المَلَكة التي ذكروها في قولهم في تعريف العدالة: "مَلَكة تمنع من اقتراف الكبائر ... " (١). فأما أن تتهم أنت رجلًا أو تشك فيه، ويعدِّله غيرُك فلا مانع من ذلك، وإذا ثبت التعديل سقطت التهمة، فضلًا عن الشك، ولا سيما إذا كان الاتهام أو الشك ممن هو دون المعدِّل في الخبرة، فأما إذا كان له هوًى في ردّ الشهادة ونحوها فالأمر أوضح، فإن اتهام المخبِر كثيرًا ما يكون من أماني الهوى، كما قال أبو الطيب (٢): شقَّ الجزيرةَ حتى جاءني نبأ ... فَزِعتُ منه بآمالي إلى الكذب وكأنه أخذه من قول الأول (٣):

стр. 142

إني أتتني لسانٌ ما أُسرُّ بها ... مِن عُلوَ لا عجبٌ فيها ولا سَخَرُ جاءت مرجَّمةً قد كنتُ أحذرها ... لو كان ينفعنى الإشفاقُ والحَذَر تأتي على الناس لا تلوي على أحدٍ ... حتى أتتنا وكانت دوننا مُضَر إذا يُعاد له ذكرٌ أُكذِّبه ... حتى أتتني بها الأنباءُ والخَبَر [ص ١٩] وهناك أمور قد يتشبَّث بها الأستاذ: منها: ردّ شهادة العدل لنفسه، وكذا لأصله أو فرعه أو زوجه، وعلى عدوِّه في قول جماعةٍ من أهل العلم. ومنها: رد شهادة صاحب العصبية، فيما ذكره الشافعي. ومنها: حكاية عن شريك القاضي قد يُؤخذ منها أنه يرى أن الرجل قد يكون عدلًا إذا شهد بمائة دينار مثلًا، ولا يكون عدلًا إذا شهد بمائة ألف دينار. ومنها: فرعٌ للشافعي في السؤال عن الشاهد، قد يُفْهَم منه نحو ذلك. ومنها: ما في "لسان الميزان" (١/ ١٦) (١) في جرح المحدِّث لمن يخالفه في الاعتقاد، كجرح الجُوزجاني الناصبي للكوفيين المنسوبين إلى التشيُّع. ومنها: ما نُقِل عن الجوزجاني هذا أنه لا يؤخَذ عن المبتدع الثقة ما فيه تقوية لبدعته. وصرَّح به ابن قتيبة، ومال إليه بعض المتأخرين. ومنها: ما ذكروه في جرح المحدِّث لمن هو ساخط عليه، كالنسائي

стр. 143

لأحمد بن صالح، وككلمة مالك في ابن إسحاق. فلننظر في هذه الأمور (١): أما الشهادة للنفس، فجاء الشرع بعدم قبولها، وليس ذلك حكمًا بِتَحقُّقِ التهمة في كلّ شاهد لنفسه، أي: أنه حقيق بأن يظن به عارفوه أنه لا يتورَّع عن أن يشهد لنفسه زورًا (٢). ألا ترى في كبار الصحابة وخيار التابعين أن أحدهم لو شهد لنفسه بمالٍ مثلًا لجزمنا بأنه غير مفترٍ، ولاسيما إذا كان غنيًّا، وكان المال نزرًا، والمشهود عليه معروفًا بجَحْد الحقوق. ولو كان العدل حقيقًا بأن يُتّهم بأنه شهد لنفسه زورًا، لكان حقيقًا أن يتهم في شهادته لغيره، إذ كيف تتهمه فيما لو شهد لنفسه بدرهم بأنه شهد زورًا حرصًا على أن يحصل له درهم، ولا تتهمه إذا شهد لغيره بعشرة دراهم بأنه شهد زورًا لتحصل له ثلاثة دراهم مثلًا حيث يحتمل أن يكون المدّعي رشاه. وفي أصحابنا من لا نتهمه، ولو حصل له بسبب شهادته مائة أو أكثر، وذلك كأن يدّعي على فاجر بمائة فيجحده، ثم تجري للفاجر قضية، فيجيء إلى صاحبنا، ويقول له: أنت عارف بالقضية، فاحضر فاشهد بما تعلم، فيقول: نعم أنا عارف بها، ولكنك ظلمتني مائة، فإن دفعت لي المائة شهدت بما أعلم، فيدفع له مائة فيشهد، فإننا لا نتهم صاحبنا في دعواه ولا شهادته.

стр. 144

فإن قيل: إذا كانت العدالة تنافي التهمة، ويغلب على الظن لو شهد العدل لنفسه أنه لم يشهد زورًا. فلماذا لم يقبل الشرع شهادة العدل لنفسه؟ قلت: أكتفي في هذا بأنّ التهمة تجوز في كثير من الناس، فالتهمة هنا منظورٌ إليها غير مبنيٍّ عليها، كالمشقّة في حكم قَصْر الصلاة، ونظائر ذلك مما يكون المعنى المستدعي للحكم خفيًّا أو غير منضبط، فيعدل الشارع عن بناء الحكم عليه إلى بنائه على معنى ظاهر منضبط، يكون مَظنة للأول في الجملة، ثم يكون مدار الحكم على الثاني، ثم لا يلزم من وجود الثاني مع الحكم وجود الأول، ولا من وجود الأول وجود الحكم. فالمسافر المترفِّه يقصر الصلاة مع عدم المشقَّة التي تستدعي التخفيف، والمقيمون العمَّال في المناجم ونحوها عليهم مشقَّة شديدة ولا يقصرون، فكذلك هنا لا يلزم مِن ردِّ شهادة الرجل لنفسه أن يكون حقيقًا بأن يُتَّهم بشهادة الزور، ولا من وجود التهمة في شهادة لغير النفس أن تردّ بمجرَّد وجود التهمة، وإنما تردّ لعدم ثبوت العدالة الثابت اشتراطها [ص ٢٠] بنص آخر. فالعدل الثابت العدالة لا تُقبل شهادته لنفسه، لا لأجل أنه حقيق بأن يُتَّهم، فإن العدالة تدفع ذلك، بل العلة كون الشهادة للنفس أو كونها دعوى. ولهذا لما حاول الشافعي (١) قياس الشهادة للفرع والأصل على الشهادة للنفس لم يعرِّج على التهمة، بل عوَّل على أن الفرع من الأصل، فشهادة أحدهما للآخر كأنها شهادة لنفسه، ولم يخفَ عليه ضعف هذا، فعضده

стр. 145

بقوله: "وهذا مما لا أعرف فيه خلافًا". ولما عرف أصحابه وجود الخلاف، ذهب بعضُ حُذَّاقهم ــ كالمزني وأبي ثور ــ إلى القبول. فإن قيل: وما المانع من اتهام العدل؟ قلت: أما أن يتهمه من لا يثق بعدالته، أو من له هوًى في تكذيبه، فلا مانع منه، وإنما الممنوع أن يكون العدل حقيقًا بأن يُتَّهم. هذا، وللحُكْم المذكور (١) حِكَم تُدْرَك بالتدبّر، منها: أن الشهادة للنفس أظهر مظان التهمة، فكأنّ في عدم قبولها تنزيه للعدل عن أن يتهمه أكثر الناس؛ لأن أكثرهم لا يعرفون عدالته حقّ المعرفة. ومنها: أنها لو كانت الشهادة للنفس تُقَبل من العدل لتهاون أكثر العدول في الإشهاد على معاملاتهم، ثقةً بأن شهادتهم لأنفسهم مقبولة، فيؤدي هذا إلى أن تكثر القضايا التي تكون فيها شهادة المدعي لنفسه، فيرتاب فيها القاضي؛ لأنه لا يعرف عدالة العدول معرفة خبرة، وإذا ارتاب القاضي كان عليه أن يتريّث في فصل القضية، فيؤدّي ذلك إلى أن تتراكم القضايا عند القضاة، ويتأخّر الفصل فيها، وذلك يضرّ بالناس. ومنها: أن المعدّل قد يخطئ ويتساهل أو يداهن، فيعدّل من ليس بعدل، فلو كانت شهادة العدل لنفسه تُقبل لاغتنم هؤلاء الذين عُدّلوا بغير حقٍّ ذلك، فأكثروا من الدعاوى الباطلة، فقد يضيع بسبب ذلك من الحقوق أكثر

стр. 146

مما يضيع بسبب عدم قبول شهادة العدل لنفسه. هذا، وقد جاء الشرع بعدم قبول شهادة النساء في الحدود ولو كُنّ من ذوات العدالة. ومعلوم أن عدم قبولهن ليس لأجل التهمة، بل له حكمة أخرى لا يضرها أن لا يفهمها بعض الناس بل ولا جميعهم. أما الشهادة للفرع والأصل والزوج، فمختلف فيها، فإذا بنينا على عدم القبول، فالجواب نحو ما تقدم. فأما الشهادة على العدوّ، فالقائلون بأنها لا تُقبل يخصّون ذلك بالعدواة الدنيوية التي تبلغ أن يحزن لفرحه، ويفرح لحزنه، فأما العداوة الدينية والدنيوية التي لم تبلغ ذاك المبلغ، فلا تمنع من القبول عندهم. والمنقول عن أبي حنيفة ــ كما في كتب أصحابه ــ أن العداوة لا تقتضي رد الشهادة إلا أن يبلغ أن تسقط بها العدالة. أقول: وإذا بلغت ذلك لم تقبل شهادة صاحبها حتى لعدوِّه على صديقه. ويقوِّي هذا القول أن القائلين بعدم القبول يشترطون أن تبلغ أن يحزن لفرحه، ويفرح لحزنه، وهذا يتضمن أن يفرح لذبح أطفاله ظلمًا، وللزنا ببناته [ص ٢٢] وارتداد زوجاته، ونحو ذلك. وقس على ذلك الحزن لفرحه. وهذا مسقط للعدالة حتمًا. فإن قيل: قد يفرح بذلك من جهة أنه يُحْزِن عدوَّه، ومع ذلك يَحزن من جهة مخالفته للدين. قلت: إن لم يغلب حزنه فرحه فليس بعدل، وإن غلب فكيف يظن به أن يوقع نفسه في شهادة الزور التي هي من أكبر الكبائر، وفيها أعظم الضرر

стр. 147

على نفسه في دينه، ولا يأمن أن يلحقه لأجلها ضرر شديد في دنياه، كلُّ ذلك ليضرّ المشهود عليه في دنياه ضررًا قد يكون يسيرًا، كعشرة دراهم مثلًا. وهَبْه صح الردُّ بالعداوة مع بقاء العدالة، فالقائلون بالردِّ يشرطون أن تكون عداوةً دنيوية تبلغ أن يحزن لفرحه، ويفرح لحزنه، وهذا لا يتأتَّى للأستاذ إثباته في أحدٍ ممن يتهمهم؛ لأنه إن ثبت انحرافهم عن أبي حنيفة وأصحابه، وثبت أن ذلك الانحراف عداوة فهي عداوة دينية، وهب أنه ثبت في بعضهم أنها عداوة دنيوية، فلا يتأتَّى للأستاذ إثبات بلوغها ذاك الحدّ، أي: أن يحزن لفرحه، ويفرح لحزنه، وهَبْه بلغ فقد تقدَّم أن الرواية لا تردُّ بالعداوة. وأما ما ذكره الأستاذ من كلام الشافعي في أصحاب العصبية، فالشافعي إنما عَنَى العصبية لأجل النسب، كما هو صريحٌ في كلامه، وذلك أمر دنيوي، وكلامُه ظاهرٌ في أنها بشرطها تُسقط العدالة، ولا ريب أنه إذا بلغت العصبية أو العداوة إسقاط العدالة لم تقبل لصاحبها شهادةٌ ولا رواية البتة سواء أكانت دنيوية أم مذهبية أم دينية، كمن يُسْرف في الحنق على الكفار، فيتعدّى على أهل الذمة والأمان بالنهب والقتل، ونحو ذلك، بل قد يكفر .. فقد اتضح بما تقدم الجواب عن بعض ما يمكن أن يُتشبَّث به في ردّ رواية العدول. وبقي حكاية عن شريك (١) ربما يُؤخذ منها أنه قد تقبل شهادة بعض

стр. 148

العدول في القليل، ولا تقبل في الكثير، وفرعٌ للشافعي قد يتوهّم منه نحو ذلك، وما يقوله أصحاب الحديث في رواية المبتدع، وما يقوله بعضهم في جَرْح المحدِّث لمن هو ساخط عليه. فأما الحكاية عن شَريك فمنقطعة، ولو ثبتت لوجب حملها على أن مراده القبول الذي تطمئن إليه نفسه. [ص ٢٣] فإن القاضي قد لا يكون خبيرًا بعدالةِ الشاهدين وضَبْطِهما وتيقُّظِهما، وإنما عدّلهما غيرُه، فإذا كان المال كثيرًا جدًّا بقي في نفسه ريبة. وقد بَيَّن أهلُ العلم أن مِثل هذا إنما يقتضي التروِّي والتثبُّت، فإذا تروَّى وبقيت الحالُ كما كانت وجب عليه أن يقضي بتلك الشهادة، ويعرض عما في نفسه. وأما الفرع المذكور عن الشافعي (١)، فليس من ذاك القبيل، وإنما هو من باب الاحتياط للتعديل، ومع ذلك فقد ردَّه إمامُ الحرمين، وقال: إن أكثر الأئمة على خلافه (٢).

стр. 149

وأما رواية المبتدع وجَرْح المحدِّث لمن هو ساخط عليه، فأفرد كلًا منهما بقاعدة (١). وأما ما في "لسان الميزان" (١/ ١٦) (٢) فمقبول، والجوزجاني ناصبيّ، يرى أنّ التشيُّع ــ وإن خف ــ مذهب رديء، وزيغ عن القصد، فيطلق على من يراه متشيِّعًا ما يعتقده فيه، كأن يقول: "رديء المذهب، زائغ عن القصد". ونحو ذلك. وقول ابن حجر: إنه إذا جَرَح بعض الكوفيين ممن يراه متشيعًا، وخالفه غيره ممن هو مثله أو فوقه، فوثَّق ذلك الرجل، قُدِّم التوثيق = قولٌ صحيح. لكنه إذا بنى جَرْحَه على دليل وصرَّح به، فلا بدَّ من الاعتداد بدليله؛ لأنه غير متهم بأن يتعمَّد الكذب ونحوه، ولو كان متهمًا بذلك لما قبلنا جرحه البتة، ولو لم يخالفه غيره.

стр. 150

[الباب الثاني: قواعد خلط فيها الكوثري] (١) ١ - رمي الراوي بالكذب في غير الحديث النبوي تقدم في الفصل الثاني (٢) قول مالك: "لا تأخذ العلم من أربعة، وخذ ممن سوى ذلك: لا تأخذ عن سفيه مُعْلن بالسَّفَه وإن كان أروى الناس. ولا تأخذ عن كذّاب يكذب في حديث الناس إذا جُرِّب عليه ذلك، وإن كان لا يتهم أن يكذب على رسول الله ﵌ ... ". أسنده الخطيب في "الكفاية" (ص ١١٦) إلى مالك كما تقدم، ثم قال (ص ١١٧): "باب في أن الكاذب في غيرِ حديث رسول الله ﵌ تُرَدُّ روايته - قد ذكرنا آنفًا قولَ مالك بن أنس. ويجب أن يقبل حديثه إذا ثبتت توبته". ولم يذكر ما يخالف مقالة مالك. وأسند (ص ٢٣ - ٢٤) إلى الشافعي: " ... ولا تقوم الحجة بخبر الخاصة حتى يجمع أمورًا، منها: أن يكون من حدَّثَ به ثقةً في دينه معروفًا بالصدق في حديثه ... ". وهذه العبارة ثابتة في "رسالة الشافعي" (٣). وفي "لسان الميزان" (ج ١ ص ٤٦٩) (٤): "قال ابن أبي حاتم عن أبيه أن يحيى بن المغيرة سأل جريرًا (ابن عبد الحميد) عن أخيه أنس فقال: قد

стр. 151

سمع من هشام بن عروة، ولكنه يكذب في حديث الناس، فلا يُكْتَب عنه". وفي "النخبة وشرحها" (١): " (ثم الطعن) يكون بعشرة أشياء ... ترتيبها على الأشدّ فالأشدّ في موجِب الردّ على سبيل التدلِّي ... (إما أن يكون بكذب الراوي) في الحديث النبويّ ... (أو تُهْمتِه بذلك) ... وكذا مَن عُرِف بالكذب في كلامه وإن لم يظهر منه وقوع ذلك في الحديث النبوي، وهو (٢) دون الأول. (أو فحش غلطه) ... (أو غفلته) ... (أو فسقه) ... (أو وهمه) ... (أو مخالفته) أي الثقات (٣) (أو جهالته) ... (أو بدعته) ... (أو سوء حفظه) ... ". هذه النقول تعطي أن الكذب في الكلام تُرَدُّ به الرواية مطلقًا، وذلك يشمل الكذبة الواحدة التي لا يترتّب عليها ضرر ولا مفسدة. وقد ساق صاحب "الزواجر" الأحاديث في التشديد في الكذب ثم قال (ج ٢ ص ١٦٩): "عَدُّ هذا [هو ما صرحوا به. قيل: لكنه مع الضرر ليس كبيرة مطلقًا، بل قد يكون كبيرة كالكذب على الأنبياء، وقد لا يكون ــ انتهى ــ. وفيه نظر بل الذي يتجه أنه حيث اشتدّ ضررُه بأن لا يحتمل عادة كان كبيرة. بل صرَّح الروياني في "البحر" بأنه كبيرة وإن لم يضر، فقال: مَن كذب قصدًا رُدّت شهادته وإن لم يضر بغيره، لأن الكذب حرام بكل حال؛ وروى فيه حديثًا. وظاهر الأحاديث السابقة أو صريحها يوافقه، وكأن وجه عُدولهم عن ذلك ابتلاء أكثر الناس به، فكان] كالغيبة على ما مرَّ فيها عند جماعة".

стр. 152

أقول: لا يلزم من التسامح في الشاهد أن يُتسامح في الراوي لوجوه: الأول: أن الرواية أقرب إلى حديث الناس من الشهادة، فإن الشهادة تترتب على خصومة، ويحتاج الشاهد إلى حضور مجلس الحكم، ويأتي باللفظ الخاص الذي لا يحتاج إليه في حديث الناس، ويتعرَّض للجرح فورًا. فمن جُرِّبت عليه كذبة في حديث الناس لا يترتب عليها ضرر، فخوفُ أن يجرَّه تساهلُه في ذلك إلى التساهل في الرواية أشدُّ من خوف أن يجرَّه إلى شهادة الزور. الثاني: أن عماد الرواية الصدق، فمعقول أن يشدَّد فيها فيما يتعلق به ما لم يشدَّد في الشهادة. وقد خُفِّف في الرواية في غير ذلك ما لم يخفَّف في الشهادة. تقومُ الحجةُ برواية الواحد والعبد والمرأة وجالبِ منفعةٍ إلى نفسه أو أصله أو فرعه، أو ضررٍ على عدوّه ــ كما يأتي ــ بخلاف الشهادة. فلا يليق بعد ذلك أن يخفَّف في الرواية فيما يمسُّ عمادَها. الثالث: أن الضرر الذي يترتب على الكذب في الرواية أشدُّ جدًّا من الضرر الذي يترتّب على شهادة الزور، فينبغي أن يكون الاحتياط للرواية آكد. وقد أجاز الحنفية قبول شهادة الفاسق دون روايته. والتخفيف في الرواية بما تقدّم من قيام الحجة بخبر الواحد وحده وغير ذلك لا ينافي كونها أولى بالاحتياط؛ لأن لذلك التخفيف حِكمًا أخرى، بل ذلك يقتضي أن لا يخفف فيها فيما عدا ذلك، فتزداد تخفيفًا على تخفيف. الرابع: أن الرواية يختص بها قوم محصورون ينشؤون عادةً على العلم والدين والتحرُّز عن الكذب، والشهادة يحتاج فيها إلى جميع الناس؛ لأن المعاملات والحوادث التي تحتاج إلى الشهادة فيها تتفق لكل أحد، ولا

стр. 153

يحضرها غالبًا إلا أوساط الناس وعامتهم الذين ينشؤون على التساهل، فمعقولٌ أنه لو رُدَّت شهادةُ كلِّ من جُرِّبت عليه كذبة لضاعت حقوق كثيرة جدًّا، ولا كذلك الرواية. هذا كله في كذب يسير في حديث الناس لا تترتب عليه مفسدة. فأما الكذب في رواية ما يتعلق بالدين ولو غير الحديث النبوي، فلا خفاء في إسقاط صاحبه؛ فإن الكذب في روايةِ أثرٍ عن صحابي قد يترتب عليه أن يحتج بذلك الأثر من يرى قول الصحابي حجة، ويحتج هو وغيره به على أن مثل ذلك القول ليس خرقًا للإجماع، ويستند إليه في فهم الكتاب والسنة، ويردّ به بعض أهل العلم حديثًا رواه ذاك الصحابي يخالف ذلك القول. ويأتي نحو ذلك في الكذب [في] رواية قولٍ عن تابعي، أو عالم ممن بعده، وأقلُّ ما في ذلك أن يقلّده العامي. وهكذا الكذب في روايةِ تعديلٍ لبعض الرواة، فإنه يترتب عليها قبول أخبار ذلك الراوي، وقد يكون فيها أحاديث كثيرة غير صحيحة، فيترتب على هذا من الفساد أكثر مما يترتب على كذب في حديث واحد عن النبي ﵌. وكذلك الكذب في رواية الجرح، فقد يترتب عليها إسقاط أخبار كثيرة صحيحة، وذلك أشد من الكذب في حديث واحد. وهكذا الإخبار عن الرجل بما يقتضي جرحه. وهكذا الكذب في الجرح والتعديل كقوله: "هو ثقة"، "هو ضعيف"، أو نحو ذلك. فالكذب في هذه الأبواب في معنى الكذب في الحديث النبوي أو قريب منه، وتترتب على ذلك مضارُّ شديدة ومفاسد عظيمة. فلا يتوهّم محلٌّ للتسمُّح فيه، على فرض أن بعضهم تسامح في حديث الناس فلم يجرح

стр. 154

الراوي بما قد يقع له فيه من كذب يسير لا يترتب عليه ضرر. والأستاذ يرمي بعض أئمة السنة فمَن دونهم مِن ثقات الرواة بتعمّد الكذب في الرواية وفي الجرح والتعديل كذبًا يترتب عليه الضرر الشديد والفساد الكبير، ثم يزعم أنه إنما يقدح بذلك فيما لا يقبله هو منهم، فأما ما عداه فإنهم يكونون فيه عدولًا مقبولين ثقات مأمونين. وكأنه يقول: وإذا لزم أن يسقطوا البتة فليسقطوا جميعًا! وليت شعري مَن الذي يعادي أبا حنيفة؟ أمن يقتضي صنيعه أنه لا يمكن الذبُّ عنه إلا بمثل هذا الباطل، أم مَن يقول: يمكن المتحرِّي للحق أن يذبَّ عنه بدون ذلك؟ تنبيه: ليس من الكذب ما يكون الخبر ظاهرًا في خلاف الواقع، محتملًا للواقع احتمالًا قريبًا، وهناك قرينة تدافع ذاك الظهور، بحيث إذا تدبرها السامعُ صار الخبر عنده محتملًا للمعنيين على السواء، كالمجمل الذي له ظاهر ووقت العمل به لم يجئ، وكالكلام المرخَّص فيه في الحرب، وكالتدليس، فإن المعروف بالتدليس لا يبقى قوله: "قال فلان" ــ ويسمي شيخًا له ــ ظاهرًا في الاتصال بل يكون محتملًا، وهكذا من عُرِف بالمزاح إذا مَزَح بكلمة يعرف الحاضرون أنه لم يُرِدْ بها ظاهرها، وإن كان فيهم من لا يعرف ذلك، إذا كان المقصود ملاطفته أو تأديبه على أن ينبَّه في المجلس. وهكذا فلتات الغضب، وكلمات التنفير عن الغلو ــ وقد مرت الإشارة إليها في الفصل الثالث (١) ــ، على فرض أنه وقع فيها ما يظهر منه خلاف الواقع.

стр. 155

وقد بسطت هذه الأمور وما يشبهها في "رسالتي في أحكام الكذب" (١). فأما الخطأ والغلط، فمعلوم أنه لا يضرُّ وإن وقع في رواية الحديث النبوي، فإذا كثر من الراوي أو فحش قدَحَ في ضبطه ولم يقدح في صدقه وعدالته. والله الموفق. * * * *

стр. 156

[ص ٣٤] ٢ - التهمة بالكذب تقدم (١) أن أشدَّ موجبات ردِّ الراوي كذبُه في الحديث النبوي، ثم تهمته بذلك، وفي درجتها كذبه في غير الحديث النبوي. فإذا كان في الرواية والجرح والتعديل بحيث يترتب عليه من الفساد نحوُ ما يترتب على الكذب في الحديث النبوي فهو في الدرجة الأولى، فالتهمة به في الدرجة الثانية أو الثالثة. وقد ذكر [علماء] الحديث بعد درجة الكذب في الحديث النبوي ودرجة التهمة به درجتين بل درجات، ونصوا على أن مَن كان مِن أهل درجة من الأربع الأولى فهو ساقط البتة في جميع رواياته، سواء منها ما طُعِن فيه بسببه وغيره. والأستاذ يطعن في جماعة من أئمة السنة والموثَّقين من رواتها، فيرمي بعضهم بتعمّد الكذب، وبعضهم بالتهمة بذلك، ويجمع لبعضهم الأمرين: يكذِّب أحدَهم في خبر، ويتهمه في آخر؛ ويجزم بأنهم متهمون في كلِّ ما يتعلق بالغضّ من أبي حنيفة وأصحابه، ولو على بعد بعيد، كما يأتي في ترجمة أحمد بن إبراهيم (٢)؛ ويصرِّح في بعضهم بأنهم مقبولون فيما عدا ذلك. فهل يريد أنهم عدول مقبولون ثقات مأمونون مطلقًا، ولا يُعتدُّ عليهم بتكذيب الأستاذ ولا اتهامه؛ لأنه خَرْق للإجماع في بعضهم ومخالف للصواب في آخرين، ولأنَّ الأستاذ لم يتأهل للاجتهاد في الكلام في القدماء، ولأنّ كلامه فيهم أمر اقتضته مصلحة مدافعة [اللا] مذهبية التي

стр. 157

يقول: إنها قنطرة اللادينية (١)! كما يقول بعض سلفه من المتكلّمين: إن كثيرًا من نصوص الكتاب والسنة المتعلقة بصفات الله ونحوها صريحة في الباطل مع علم الله ورسوله بالحق في نفس الأمر، ولكن دعت إلى ذلك مصلحةُ اجترار العامة إلى قبول الشريعة العملية (٢)! فإن كان هذا مراد الأستاذ فالأمر واضح، وإلا فإن أراد بالقبول القبول على جهة الاستئناس في الجملة انحصر الكلام معه في دعوى الكذب والتهمة، وسيأتي إن شاء الله تعالى. وإن أراد أنهم في ما يتعلق بتلك الشجرة الممنوعة ــ وهي الغضّ من أبي حنيفة وأصحابه ــ كذابون ومتهمون، وفيما عدا ذلك عدول مقبولون ثقات مأمونون، فهذا تناقض وخرق للإجماع فيما نعلم. نعم، هناك أمور قد يتشبَّث بها في دعوى اجتماع التهمة والعدالة، وقد أشار الأستاذ إلى بعضها. وينبغي أن يُعلم أن التهمة تقال على وجهين: الأول: قول المحدّثين: "فلان متهم بالكذب". وتحرير ذلك أن المجتهد في أحوال الرواة قد يثبت عنده بدليل يصح الاستناد إليه أن الخبر لا أصل له وأن الحَمْل فيه على هذا الراوي، ثم يحتاج بعد ذلك إلى النظر في الراوي أتعمَّد الكذبَ، أم غلِط؟ فإذا تدبر وأنعم النظر فقد يتجه له الحكم بأحد الأمرين جزمًا، وقد يميل ظنُّه إلى أحدهما إلا أنه لا يبلغ أن

стр. 158

يجزم به. فعلى هذا الثاني إذا مال ظنه إلى أن الراوي تعمد الكذب قال فيه: "متهم بالكذب"، أو نحو ذلك مما يؤدي هذا المعنى. ودرجة الاجتهاد المشار إليه لا يبلغها أحدٌ من أهل العصر فيما يتعلق بالرواة المتقدمين، اللهم إلا أن يتهم بعضُ المتقدمين رجلًا في حديث يزعم أنه تفرَّد به، فيجد له بعضُ أهل العصر متابعات صحيحة، وإلا حيث يختلف المتقدمون فيسعى في الترجيح. فأما مَن وثَّقه إمام من المتقدمين أو أكثر، ولم يتهمه أحد من الأئمة، فيحاول بعض أهل العصر أن يكذِّبه أو يتهمه، فهذا مردود؛ لأنه إن تهيَّأ له إثبات بطلان الخبر وأنه ثابت عن ذلك الراوي ثبوتًا لا ريب فيه، فلا يتهيأ له الجزم بأنه تفرَّد به، ولا أن شيخه لم يروه قط، ولا النظر الفني الذي يحق لصاحبه أن يجزم بتعمد الراوي للكذب أو يتهمه به. بلى قد يتيسر بعض هذه الأمور فيمن كذَّبه المتقدمون، لكن مع الاستناد إلى كلامهم، كما يأتي في ترجمة أحمد بن محمد بن الصلت (١)، وترجمة محمد بن سعيد البورقي (٢)؛ وإن كان الأستاذ يخالف في ذلك، فيصدِّق من كذَّبه الأئمة وكذبُه واضح، كما يكذِّب أو يتَّهم من صدَّقوه وصدقُه ظاهر، شأنَ المحامين في المحاكم، معيارُ الحق عند أحدهم مصلحةُ موكِّله! هذا، والأستاذ فيما يهوِّل بدعوى دلالة العقل والتواتر والنقل الراجح، حيث لا ينبغي له دعوى ذلك. وليس من شأني أن أناقشه في كلِّ موضع، ولكني أقول: حيث تصح دعواه، فلا يصح ما بناه عليها من تكذيب الثقات واتهامهم. وحيث يلزم من صحة الدعوى صحة البناء، فالدعوى غير

стр. 159

صحيحة. وإنما كتبتُ هذا بعد فراغي من النظر في التراجم، وأسأل الله التوفيق. الوجه الثاني: مقتضى اللغة. والتهمة عند أهل اللغة مشتقة من الوهم، وهو كما في "القاموس" (١): "من خَطَرات القلب أو مرجوح طَرَفَي المتردَّدِ فيه". والتهمة (٢) بهذا المعنى تعرض في الخبر إذا كان فيه إثبات ما يظهر أن المخبر يحبّ أن يعتقد السامع ثبوته. وذلك كشهادة الرجل لقريبه وصديقه، وعلى من بينه وبينه نُفْرة، وكذلك إخباره عن قريبه أو صديقه بما يُحْمَد عليه، وإخباره عمن هو نافر عنه بما يُذَمّ عليه. وقس على ذلك كلَّ ما من شأنه أن يدعو إلى الكذب. وتلك الدواعي تخفى، وتتفاوت آثارها في النفوس وتتعارض، وتُعارِضُها الموانعُ من الكذب. [ص ٣٥] وقد تقدمت الإشارة إليها في الفصل الخامس (٣). فلذلك اكتفى الشارع في باب الرواية بالإسلام والعدالة (٤)، فمَن ثبتت عدالته وعُرف بتحرّي الصدق من المسلمين فهو على العدالة والصدق في أخباره، لا يقدح في أخباره أن يقوم به بعض تلك الدواعي، ولا أن يتهمه من لا يعرف عدالته، أو من لا يعرف أثر العدالة على النفس، أو مَن له هوى مخالف لذاك الخبر فهو يتمنّى أن لا يصح، كما قال المتنبي (٥):

стр. 160

شقَّ الجزيرةَ حتى جاءني نبأ ... فزعتُ منه بآمالي إلى الكذِب وكأنه أخذه من قول الأول (١): إنّي أتَتني لِسانٌ ما أُسَرُّ بها ... من عَلْوَ لا عَجَبٌ فيها ولا سَخَرُ جاءَتْ مُرَجَّمَةً قد كنتُ أَحْذَرُها ... لو كان يَنفعُني الإشفاقُ والحَذَرُ تأْتي على النّاس لا تَلوي على أَحدٍ ... حتى أتَتْنا، وكانت دوننا مُضَرُ إذا يُعَادُ لها ذِكْرٌ أُكَذِّبُهُ ... حتى أتَتْني بِهَا الأنْبَاءُ وَالخَبَرُ وجماعة من الصحابة روى كلٌّ منهم فضيلة لنفسه يرون أن على الناس قبول ذلك منهم، فتلقَّت الأمةُ ذلك بالقبول. وكان جماعة من الصحابة والتابعين يقاتلون الخوارج، ثم روى بعض أولئك التابعين عن بعض أولئك الصحابة أحاديث في ذمِّ الخوارج، فتلقت الأمة تلك الأحاديث بالقبول. وكثيرًا ما ترى في تراجم ثقات الرواة من التابعين فمن بعدهم إخبارَ الرجل منهم بثناء غيره عليه، فيتلقى أهل ذلك بالقبول. وقبلوا من الثقة دعواه ما هو ممكن من صحبته للنبي ﵌، أو لأصحابه، أو إدراكه لكبار الأئمة وسماعه منهم وغير ذلك، مما فيه فضيلة للمدعي، وشرف له، وداع للناس إلى الإقبال عليه، وتبجيله، والحاجة إليه. ولم يكن أهل العلم إذا أرادوا الاستيثاق من حال الراوي يسألون إلّا

стр. 161

عما يمسّ دينه وعدالته. ونص أهل العلم على أن الرواية في ذلك مخالفة للشهادة. وفي "التحرير" لابن الهمام الحنفي مع "شرحه" لابن أمير حاج (ج ٢ ص ٢٤٥) (١): " (وأما الحرية والبصر وعدم الحدّ في قذف و) عدم (الولاء) [أي القرابة من النسب أو النكاح ... ] (و) عدم (العداوة) الدنيوية (فتختص بالشهادة) أي تشترط فيها، لا في الرواية". فأما الشهادة فإن الشرع شَرَط لها أمورًا أخرى مع الإسلام والعدالة، كما أشار إليه ابن الهمام، وشرط في إثبات الزنا أربعة ذكور وفي غيره من الحدود ونحوها ذَكَرين، وفي الأموال ونحوها رجلًا وامرأتين إلى غير ذلك. فأما الشهادة للنفس فمتفق على أنها لا تقبل. وأما الشهادة للأصل وللفرع وللزوج وعلى العدوّ ففيها خلاف. وفي بعض كتب [الفقه] (٢) أن الردّ في ذلك لأجل التهمة، وظاهر ذلك أن التهمة هي العلة، فيُبنى عليها قياسُ غير المنصوص عليه. وهذا غير مستقيم (٣)، إذ ليس كلُّ شاهدٍ لنفسه حقيقًا بأن يتّهم. ألا ترى أن كبار الصحابة وخيار التابعين لو شهد أحدُهم لنفسه لم نتهمه، ولاسيّما إذا كان غنيًّا والمشهود به يسيرًا كخمسة دراهم، والمشهود عليه معروفًا بجحد الحقوق. أقول هذا لزيادة الإيضاح، وإلا

стр. 162

فالواقع أننا لا نتهمهم مطلقًا حتى لو شهد أحدهم لنفسه على آخر منهم وأنكر ذاك لم نتهم واحدًا منهما، بل نعتقد أن أحدهما نسي أو غلط. وليس ذلك خاصًّا بهم، بل كل من ثبتت عدالته لا يتهمه عارفوه الذين يعدِّلونه ولا الواثقون بتعديل المعدِّلين. فإن اتهمه غيرهم كان معنى ذلك أنه غير واثق بتعديل المعدّلين، ومتى ثبت التعديل الشرعيّ لم يُلتفت إلى من لا يثق به. ولو كان لك أن تعدِّل الرجل وأنت لا تأمن أن يدعي الباطل ويشهد لنفسه زورًا بخمسة دراهم مثلًا، لكان لك أن تعدِّل من تتهمه بأنه لو رشاه رجل عشرة دراهم أو أكثر لشهدوا له زورًا. وهذا باطل قطعًا، فان تعديلك للرجل إنما هو شهادة منك له بالعدالة، والعدالة "مَلَكة تمنع صاحبها عن اقتراف الكبائر وصغائر الخسة ... " فكيف يسوغ (١) أن تشهد بهذه المَلَكة لمن تتهمه بما ذكر؟ ولو كان كلُّ عدل حقيقًا بأن يتهمه عارفوه بنحو ما ذكر لما كان في الناس عدل. وفي أصحابنا من لا نتهمه في شهادته ولو حصل له بسببها مائة درهم أو أكثر، كأن يدعي صاحبنا على فاجر مائة درهم فيجحده، ثم تتفق للفاجر خصومة أخرى، فيجيء إلى صاحبنا فيقول له: أنت تعرف هذه القضية، فاحضر، فاشهد بما تعلم، فيقول صاحبنا: نعم أنا أعرفها، ولكنك ظلمتني مائة درهم، فأدِّها إليَّ إن أردت أن أشهد، فيدفع له مائة درهم، فيذهب فيشهد= فإننا لا نتهم صاحبنا في دعواه ولا شهادته. [ص ٣٦] وفي أصحابنا مَن لو ائتمن على مئات الدراهم، ثم بعد مدة

стр. 163

ادعى ما يحتمل من تلفها، أو أنه ردَّها على صاحبها الذي قد مات، لَما اتهمناه. نعم قد يتهمه مَن لا يعرفه كمعرفتنا، أو من لا يعرف قدر تأثير الموانع عن الخيانة في نفس من قامت به. فالفاسق المتهتك لا يعرف قدر العدالة، فتراه يتهم العدول، بل لا يكاد يعرف عدالتهم، وإن كانوا جيرانه. فإن قيل: يكفي في التعليل أن ذلك مظنة التهمة، ولا يضر التخلُّف في بعض الأفراد، كما قالوا في قصر الصلاة في السفر: إنه لأجل المشقة وإن تخلفت المشقة في بعض المسافرين كالمَلِك المترَفِّه. قلت: العلة في قصر الصلاة هي السفر بشرطه لا المشقَّة، فكذلك تكون العلة في رد الشهادة للنفس هي أنها شهادة للنفس، أو أنها دعوى كما يومئ إليه حديث: "لو يُعطى الناسُ بدعواهم لادّعى ناسٌ دماءَ رجالٍ وأموالهم ... " (١). فعلى هذا لا يتَّأتى القياس، ألا ترى أن في أعمال العمّال المقيمين ما مشقَّته أشدّ من مشقة السفر العادي، ذلك كالعمل في المناجم ونحوها، ومع ذلك ليس لهم أن يقصروا الصلاة؟ فإن قيل: الشهادة للأصل والفرع مظنة للتهمة، كما أن الشهادة للنفس مظنة لها. قلت: فالعمل في المناجم مظنة للمشقة، بل المشقة فيه أشقّ وأغلب، والتهمة في الشهادة للأصل والفرع أضعف وأقل من التهمة في الشهادة للنفس، فإنَّ حِرص الإنسان على نفع نفسه أشدّ غالبًا من حرصه على نفع أصله أو فرعه، وقد يكون الرجل منفردًا عن أصله أو فرعه وبينهما عداوة.

стр. 164

والشافعي ممن يقول برد الشهادة للأصل والفرع، ولم يعرِّج على التهمة، ولكنه لما علم أن جماعةً ممن قبله ذهبوا إلى الردّ ولم يَعْلَم لهم مخالفًا، هاب أن يقول ما لا يعلم له فيه سلفًا، فحاول الاستدلال بما حاصله: أن الفرع من الأصل فشهادة أحدهما للآخر كأنها شهادة لنفسه، ثم قال كما في "الأم" (ج ٧ ص ٤٢) (١): "وهذا مما لا أعرف فيه خلافًا". كأنه ذكر هذا تقويةً لذاك الاستدلال، واعتذارًا عما فيه من الضعف. ولما علم بعض حُذّاق أصحابه كالمزني وأبي ثور أن هناك خلافًا ذهبوا إلى القبول (٢). ثم أقول: لو كان هناك نص أو إجماع على عدم قبول الشهادة للأصل أو الفرع أو الزوج لكانت العلة فيها أنها شهادة لمن ذُكر، ولم تكن العلة هي التهمة. فأما الشهادة على العدوّ، فالقائلون بأنها لا تُقبل يخصون ذلك بالعداوة الدنيوية التي تبلغ أن يحزن لفرحه ويفرح لحزنه. فأما العداوة الدينية والدنيوية التي لم تبلغ ذاك المبلغ، فلا تمنع من القبول عندهم. والمنقول عن أبي حنيفة كما في كتب أصحابه (٣) أن العداوة لا تقتضي ردّ الشهادة إلا أن تبلغ أن تَسْقُطَ بها العدالة. أقول: وإذا بلغت ذلك لم تقبل شهادة صاحبها حتى لعدوِّه على صديقه. ويقوِّي هذا القول أن القائلين بعدم القبول يشرطون أن تبلغ أن يحزن لفرحه

стр. 165

ويفرح لحزنه. وهذا يتضمن أن يفرح لذبح أطفاله ظلمًا، والزنا ببناته، وارتداد زوجاته ونحو ذلك، وقس على ذلك الحزن لفرحه، وهذا مسقط للعدالة حتمًا. فإن قيل: قد يفرح بذلك من جهة أنه يُحْزن عدوَّه، ومع ذلك يحزن من جهة مخالفته للدين. قلت: إن لم يغلب حزنُه فرحَه فليس بعَدْل، وإن غلب فكيف يظن به أن يوقع نفسه في شهادة الزور التي هي من أكبر الكبائر، وفيها أعظم الضرر على نفسه في دينه، ولا يأمن أن يلحقه لأجلها ضرر شديد في دنياه، كلُّ ذلك ليضر المشهود عليه في دنياه ضررًا قد يكون يسيرًا كعشرة دراهم مثلًا؟ وهَبْه صحّ الردّ بالعداوة مع بقاء العدالة فالقائلون بالرد يشرطون أن تكون عداوة دنيوية تبلغ أن يحزن لفرحه ويفرح لحزنه، وهذا لا يتأتّى للأستاذ إثباته في أحدٍ ممن يتهمهم؛ لأنه إن ثبت انحرافهم عن أبي حنيفة وأصحابه وثبت أن ذلك الانحراف عداوة فهو عداوة دينية. وهب أنه ثبت في بعضهم أنها عداوة دنيوية فلا يتّأتى للأستاذ إثبات بلوغها ذاك الحدّ، أي أن يحزن لفرحه ويفرح لحزنه. وهبه بلغ، فقد تقدم أن الرواية لا تردّ بالعدواة. وأما ما ذكره الشافعي في أصحاب العصبية (١)، فالشافعي إنما عنى العصبية لأجل النسب، كما هو صريح في كلامه. وذلك أمر دنيوي، وكلامه ظاهر في أنها بشرطها تسقط العدالة. ولا ريب أنه إذا بلغت العصبية أو العداوة إسقاط العدالة لم تقبل لصاحبها شهادة ولا رواية ألبتة، سواء أكانت

стр. 166

دنيوية، أم مذهبية، أم دينية؛ كمن يسرف في الحنق على الكفار فيتعدَّى على أهل الذمة والأمان بالنهب والقتل ونحو ذلك، بل قد يكفر. فقد اتضح بما تقدّم الجوابُ عن بعض ما يمكن التشبُّث به في ردِّ رواية العدول. وبقي حكاية عن شريك ربما يُؤخَذ منها أنه قد يقبل شهادة بعض العدول في القليل ولا تُقبل في الكثير (١)، وفرعٌ للشافعي قد يتوهّم منه نحو ذلك (٢)، وما يقوله أصحاب الحديث في رواية المبتدع، وما قاله بعضهم في جرح المحدِّث لمن هو ساخط عليه. فأما الحكاية عن شريك فمنقطعة (٣)، ولو ثبتت لوجب حملها على أن مراده القبول الذي تطمئنّ إليه نفسه. فإن القاضي قد لا يكون خبيرًا بعدالة الشاهدين وضبطهما وتيقّظهما، وإنما عدَّلهما غيره، فإذا كان المال كثيرًا جدًّا بقي في نفسه ريبة. وقد بيَّن أهل العلم أن مثل هذا إنما يقتضي التروِّي والتثبت، فإذا تروّى وبقيت الحال كما كانت وجب عليه أن يقضي بتلك الشهادة، ويعرض عما في نفسه. وأما الفرع المذكور عن الشافعي فليس من ذاك القبيل، وإنما هو من باب الاحتياط للتعديل. ومع ذلك فقد ردَّه إمامُ الحرمين وقال: إن أكثر الأئمة على خلافه (٤).

стр. 167

وأما رواية المبتدع، وجرح المحدِّث لمن هو ساخط عليه، فأُفردُ كلًّا منهما بقاعدة (١). * * * *

стр. 168

[ص ٣٧] ٣ ــ رواية المبتدع لا شبهة أن المبتدع إن خرج ببدعته عن الإسلام لم تقبل روايته، لأن من شرط قبول الرواية: الإسلام. وأنه إن ظهر عناده، أو إسرافه في اتباع الهوى، والإعراض عن حجج الحق، ونحو ذلك مما هو أدلّ على وهن التدين من كثير من الكبائر كشرب الخمر وأخذ الربا، فليس بعدل فلا تقبل روايته؛ وشرط قبول الرواية: العدالة. وأنه إن استحلَّ الكذب، فإما أن يكفر بذلك، وإما أن يفسق. فإن عذرناه فمِنْ شرط قبول الرواية: الصدق، فلا تقبل روايته. وأن من تردّد أهلُ العلم فيه، فلم يتجه لهم أن يكفِّروه أو يفسِّقوه، ولا أن يعدِّلوه، فلا تقبل روايته، لأنه لم تثبت عدالته. ويبقى النظر فيمن عدا هؤلاء. والمشهور الذي نقل ابن حبان والحاكم (١) إجماع أئمة السنة عليه أن المبتدع الداعية لا يُقبل البتة، وأما غير الداعية فكالسُّنّي. واختلف المتأخرون في تعليل ردّ الداعية، والتحقيق إن شاء الله تعالى: أن ما اتفق أئمة السنة على أنها بدعة، فالداعية إليها الذي حقّه أن يسمى داعية لا يكون إلا من الأنواع الأولى، إن لم يتجه تكفيره اتجه تفسيقه، فإن لم يتجه تفسيقه فعلى الأقل لا تثبت عدالتُه.

стр. 169

وإلى هذا أشار مسلم في "مقدمة صحيحه" (١) إذ قال: "اعلم ــ وفقك الله ــ أن الواجب على كلّ أحدٍ عرفَ التمييزَ بين صحيح الروايات وسقيمها وثقات الناقلين لها من المتهمين أن لا يروي منها إلا ما عَرف صحة مخارجه والسِّتارة في ناقليه، وأن يتقي منها ما كان عن أهل التُّهَم والمعاندين من أهل البدع. والدليل على أن الذي قلنا في هذا هو اللازم دون ما خالفه قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: ٦] وقال جل ثناؤه: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وقال: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]. فدل بما ذكرنا من هذه الآي أن خبر الفاسق ساقط غير مقبول، وأن شهادة غير العدل مردودة. والخبر وإن فارق معناه معنى الشهادة في بعض الوجوه فقد يجتمعان في أعظم معانيهما، إذ كان خبر الفاسق غير مقبول عند أهل العلم، كما أن شهادته مردودة عند جميعهم". هذا، وإذا كانت حجج السنة بينةً، فالمخالف لها لا يكون إلا معاندًا، أو متبعًا للهوى معرضًا عن حجج الحق. واتباعُ الهوى والإعراضُ عن حجج الحق قد يفحش جدًّا حتى لا يحتمل أن يُعذَر صاحبه. فإن لم يجزم أهل العلم بعدم العذر، فعلى الأقل لا يمكنهم تعديل الرجل. وهذه حال الداعية الذي الكلام فيه، فإنه لولا أنه معاند، أو منقاد لهواه انقيادًا فاحشًا، معرض عن حجج الحقّ إعراضًا شديدًا؛ لكان أقلّ أحواله أن يحمله النظر في حجج الحقِّ على الارتياب في بدعته، فيخاف إن كان متدينًا أن يكون على ضلالة،

стр. 170

ويرجو أنه إن كان على ضلالة فعسى الله ﵎ أن يعذره. فإذا التفت إلى أهل السنة علم أنهم إن لم يكونوا أولى بالحق منه، فالأمر الذي لا ريب فيه أنهم أولى بالعذر منه، وأحقُّ إن كانوا على خطأ أن لا يضرَّهم ذلك؛ لأنهم إنما يتبعون الكتاب والسنة، ويحرصون على اتباع سبيل المؤمنين، ولزوم سراط المنعَم عليهم: النبي ﵌ وأصحابه وخيار السلف. فيقول في نفسه: هب أنهم على باطل، فلم يأتهم البلاء من اتباع الهوى وتتبع السبل الخارجة. ولا ريب أن من كانت هذه حاله فإنه لا يكفِّر أهلَ السنة ولا يضلِّلهم، ولا يحرص على إدخالهم في رأيه، بل يشغله الخوف على نفسه، فلا يكون داعية. فأما غير الداعية؛ فقد مرَّ نقلُ الإجماع على أنه كالسُّنّي، إذا ثبتت عدالته قُبِلت روايته. وقد ثبت عن مالك ما يوافق ذلك، ومن أصحابه مَن ينقل عنه أنه لا يُروى عنه أيضًا، والعمل على الأول. وذهب بعضهم إلى أنه لا يُروى عنه إلا عند الحاجة، وهذا أمر مصلحي لا ينافي قيام الحجة بروايته بعد ثبوت عدالته. وحكى بعضُهم أن غير الداعية إذا روى ما فيه تقوية لبدعته لم يؤخَذ عنه (١). ولا ريب أن ذلك المرويّ إذا حَكَم أهل العلم ببطلانه فلا حاجة إلى روايته إلا لبيان حاله. ثم إن اقتضى جرح صاحبه بأن ترجّح أنه تعمّد الكذب أو أنه متهم بالكذب عند أئمة الحديث سقط صاحبه البتة، فلا يؤخذ عنه ذاك ولا غيره، وليس هذا خاصًّا بالمبتدع. وإن ترجّح أنه إنما أخطأ، فلا وجه

стр. 171

لمؤاخذته بالخطأ. وإن ترجح صحة ذلك المروي، فلا وجه لعدم أخذه. نعم قد تدعو المصلحة إلى عدم روايته حيث يخشى أن يغترَّ بعض السامعين بظاهره، فيقع في البدعة. قرأت في جزء قديم من "ثقات العجلي" (١) ما لفظه: "موسى الجهني قال جاءني عمرو بن قيس المُلائي وسفيان الثوري فقالا (٢): لا تحدّث بهذا الحديث بالكوفة أن النبي ﵇ قال لعَليّ: "أنت مني بمنزلة هارون من موسى" (٣). كان في الكوفة جماعة يغلون في التشيّع ويدعون إلى الغلو، فَكَرِه عمرو بن قيس وسفيان أن يسمعوا هذا الحديث، فيحملوه على ما يوافق غلوَّهم، فيشتدّ شرُّهم. وقد يمنع العالمُ طلبةَ الحديث عن أخذ مثل هذا الحديث، لعلمه أنهم إذا أخذوه ربما رووه حيث لا ينبغي أن يُروى. لكن هذا لا يختص بالمبتدع، وموسى الجهني ثقة فاضل لم يُنسب إلى بدعة. هذا، وأول من نسب إليه هذا القول إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني، وكان هو نفسه مبتدعًا منحرفًا عن أمير المؤمنين عليّ، متشددًا في الطعن على المتشيِّعين، كما يأتي في القاعدة الآتية. للجوزجاني كتاب في الجرح والتعديل. قال في مقدمته (٤) ــ كما نقله السخاوي في "فتح المغيث"

стр. 172

(ص ١٤٢) (١): "ومنهم زائغ عن الحق، صدوق اللهجة، قد جرى في الناس حديثُه، لكنه مخذول (٢) في بدعته، مأمون في روايته، فهؤلاء ليس فيهم حيلة إلا أن يؤخذ من حديثهم ما يُعرف وليس بمنكر، إذا لم تقوَ به بدعتُه، فيتَّهمونه (؟ ) بذلك" (٣). والجوزجاني فيه نَصْب، وهو مولع بالطعن في المتشيّعين كما مرّ، ويظهر أنه إنما يرمي بكلامه هذا إليهم، فإن في الكوفيين المنسوبين إلى التشيع جماعة أجلّة، اتفق أئمة السنة على توثيقهم، وحُسْن الثناء عليهم، وقبول رواياتهم، وتفضيلهم على كثير من الثقات الذين لم يُنسبوا إلى التشيُّع، حتى قيل لشعبة: حَدِّثنا عن ثقات أصحابك. فقال: إن حدثتكم عن ثقات أصحابي فإنما أحدثكم عن نفرٍ يسير من هذه الشيعة: الحكم بن عُتيبة، وسَلَمة بن كُهيل، وحبيب بن أبي ثابت، ومنصور (٤). راجع تراجم هؤلاء في "التهذيب" (٥). فكأنَّ الجوزجاني لما علم أنه لا سبيل إلى الطعن في هؤلاء وأمثالهم مطلقًا، حاول أن يتخلّص مما يكرهه من مرويّاتهم، وهو ما يتعلق بفضائل أهل البيت. وعبارته المذكورة تعطي أن المبتدع الصادق اللهجة، المأمون في

стр. 173

الرواية، المقبول حديثه عند أهل السنة، إذا روى حديثًا معروفًا عند أهل السنة غير منكر عندهم، إلا أنه مما قد تَقوَى به بدعتُه، فإنه لا يؤخَذ وأنه يُتَّهم. فأما اختيار أن لا يؤخذ، فله وجه رعاية للمصلحة كما مرَّ. وأما أنه يُتَّهم راويه، فلا يظهر له وجه بعد اجتماع تلك الشرائط. إلا أن يكون المراد أنه قد يتهمه مَن عَرَف بدعته ولم يعرف صدقه وأمانته، ولم يعرف أن ذاك الحديث معروف غير منكر، فيسيء الظن به وبمروياته. ولا يبعد من الجوزجاني أن يصانع عما في نفسه بإظهار أنه إنما يحاول هذا المعنى، فبهذا تستقيم عبارتُه. أما الحافظ ابن حجر، ففهم منها معنًى آخر قال في "النخبة وشرحها" (١): "الأكثر على قبول غير الداعية، إلا أن يروي ما يقوِّي مذهبه، فيُرَدُّ على المذهب المختار. وبه صرح الحافظ أبو إسحاق إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني شيخ أبي داود والنسائي". وسيأتي الكلام معه إن شاء الله تعالى (٢). ولابن قتيبة في كتاب "تأويل مختلف الحديث" (٣) كلام حاصله أن المبتدع الصادق المقبول لا يُقبل منه ما يقوِّي بدعتَه، ويُقبل منه ما عدا ذلك. قال: "وإنما يَمنع من قبول قول الصادق فيما وافق نحلته وشاكل هواه لأن نفسه تريه أن الحقَّ فيما اعتقده، وأن القربة إلى الله في تثبيته بكل وجه. ولا يؤمَن مع ذلك التحريف والزيادة والنقص". كذا قال، واحتجّ بأن شهادة العدل لا تُقبل لنفسه وأصله وفرعه. وقد مر الجواب عن ذلك (٤). ولا أدري كيف

стр. 174

ينعت بالصادق من لا يؤمَن منه تعمدُ التحريف والزيادة والنقص؟ وإنما يستحق النعت بالصادق من يوثَق بتقواه، وبأنه مهما التبس عليه من الحق فلن يلتبس عليه أن الكذب ــ بأيّ وجه كان ــ منافٍ للتقوى، مجانبٌ للإيمان. ولا ريب أن فيمن يتسم بالصلاح من المبتدعة ــ وأهل السنة ــ من يقع في الكذب إما تقحُّمًا في الباطل، وإما على زعم أنه لا حرج في الكذب في سبيل تثبيت الحق. ولا يختص ذلك بالعقائد، بل وقع فيما يتعلق بفروع الفقه وغيرها، كما يُعلَم من مراجعة كتب الموضوعات. وأعداءُ الإسلام وأعداءُ السنة يتشبثون بذلك في الطعن في السنة، كأنهم لا يعلمون أنه لم يزل في أخبار الناس في شؤون دنياهم الصدق والكذب، ولم تكن كثرة الكذب بمانعة من معرفة الصدق إما بيقين وإما بظن غالب يجزم به العقلاء ويبنون عليه أمورًا عظيمة. ولم يزل الناس يغُشُّون الأشياء النفيسة ويصنعون ما يشبهها كالذهب والفضة والدر والياقوت والمسك والعنبر والسمن والعسل والحرير والخز والصوف وغيرها، ولم يَحُل ذلك دون معرفة الصحيح. والخالقُ الذي هيَّأ لعباده ما يحفظون به مصالح دنياهم هو الذي شرع لهم دين الإسلام، وتكفّل بحفظه إلى الأبد. وعنايتُه بحفظ الدين أشدّ وآكد، لأنه هو المقصود بالذات من هذه النشأة الدنيا، قال الله : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]. ومن مارس أحوال الرواية وأخبار رواة السنة وأئمتها علم أن عناية الأئمة بحفظها وحراستها ونفي الباطل عنها والكشف عن دخائل الكذابين والمتهمين كانت أضعاف عناية الناس بأخبار دنياهم ومصالحها. وفي "تهذيب التهذيب" (١/ ١٥٢): "قال إسحاق بن إبراهيم: أخذ الرشيد

стр. 175

[زنديقًا، فأراد قتله، فقال: أين أنت من ألف حديث وضعتُها! فقال له: أين أنت يا عدوَّ الله من أبي إسحاق الفَزاري وابن المبارك ينخُلانها حرفًا حرفًا! "] (١). وقيل لابن المبارك: هذه الأحاديث المصنوعة؟ قال: تعيش لها الجهابذة. وتلا قول الله : ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (٢) [الحجر: ٩]. والذكر يتناول السنة بمعناه، إن لم يتناولها بلفظه؛ بل يتناول العربية وكلّ ما يتوقّف عليه معرفة الحق. فإن المقصود من حفظ القرآن أن تبقى الحجةُ قائمةً والهدايةُ دائمةً إلى يوم القيامة، لأن محمدًا ﵌ خاتم الأنبياء، وشريعته خاتمة الشرائع، والله إنما خلق الخلق لعبادته، فلا يقطع عنهم طريق معرفتها. وانقطاعُ ذلك في هذه الحياة الدنيا انقطاعٌ لعلَّة بقائهم فيها. قال العراقي في "شرح ألفيته" (ج ١ ص ٢٦٧) (٣): "رُوِّينا عن سفيان قال: ما ستر الله أحدًا يكذب في الحديث. ورُوّينا عن عبد الرحمن بن مهدي أنه قال: لو أن رجلا هَمَّ أن يكذب في الحديث لأسقطه الله. ورُوِّينا عن ابن المبارك قال: لو هَمَّ رجل في السَّحَر أن يكذب في الحديث لأصبح والناس يقولون: فلان كذاب". والمقصود هنا أن من لا يؤمَن منه تعمّدُ التحريف والزيادة والنقص ــ على أيّ وجهٍ كان ــ فلم تثبت عدالتُه. فإن كان كلّ من اعتقد أمرًا ورأى أنه

стр. 176

الحق وأن القُربة إلى الله تعالى في تثبيته لا يؤمَن منه ذلك، فليس في الدنيا ثقة. وهذا باطل قطعًا، فالحكم به على المبتدع إن قامت الحجة على خلافه بثبوت عدالته وصدقه وأمانته فباطل، وإلا وجب أن لا يحتجّ بخبره البتة، سواء أوافق بدعته أم خالفها. والعدالة: "مَلَكة تمنع من اقتراف الكبائر ... " وتعديل الشخص شهادةٌ له بحصول هذه المَلَكة، ولا تجوز الشهادة بذلك حتى يغلب على الظن غلبة واضحة حصولها له. وذلك يتضمن غلبة الظن بأن تلك المَلَكة تمنعه من تعمُد التحريف والزيادة والنقص، ومن غلب على الظن غلبةً يصح الجزم بها أنه لا يقع منه ذلك، فكيف لا يؤمَن أن يقع منه؟ ومن لا يؤمَن أن يقع منه ذلك، فلم يغلب على الظن أن له مَلَكةً تمنعه من ذلك. ومن خيف أن يغلبه ضربٌ من الهوى، فيوقعه في تعمُّد الكذب والتحريف، لم يؤمَن أن يغلبه ضرب آخر، وإن لم نشعر به. بل الضربُ الواحدُ من الهوى قد يوقع في أشياء يتراءى لنا أنها متضادة. فقد جاء أن موسى بن طريف الأسدي كان يرى رأي أهل الشام في الانحراف عن عَليّ ﵁، ويروي أحاديث منكرة في فضل عليّ، ويقول: "إني لأسخر بهم" يعني بالشيعة، راجع ترجمته في "لسان الميزان" (١). وروى محمد بن شجاع الثلجي الجهمي، عن حَبَّان بن هلال أحد الثقات الأثبات، عن حماد بن سلمة أحد أئمة السنة، عن أبي المهزِّم، عن أبي هريرة مرفوعًا: "إن الله خلق الفرس، فأجراها، فعرقت ثم خلق نفسه منها" (٢). وفي

стр. 177

"الميزان" (١) أن غرض الجهيمة من وضع هذا الحديث أن يستدلوا به على زعمهم أن ما جاء في القرآن من ذكر "نفس الله" إنما المراد بها بعض مخلوقاته. أقول: ولهم غرضان آخران: أحدهما: التذرُّع بذلك إلى الطعن في حماد بن سلمة، كما يأتي في ترجمته (٢). الثاني: التشنيع على أئمة السنة بأنهم يروون الأباطيل. والشيعيُّ الذي لا يؤمَن أن يكذب في فضائل أهل البيت، لا يؤمَن أن يكذب في فضائل الصحابة على سبيل التقية، أو ليُري الناس أنه غير متشدّد في مذهبه، يُمهِّد بذلك لِيُقبَل منه ما يرويه مما يوافق مذهبه. وعلى كلّ حال فابن قتيبة ــ على فضله ــ ليس هذا فنُّه، ولذلك لم يعرج أحد من أئمة الأصول والمصطلح على حكاية قوله ذلك فيما أعلم. والله الموفق. وفي "فتح المغيث" (ص ١٤٠) (٣) عن ابن دقيق العيد: "إن وافقه غيره فلا يلتفت إليه إخمادًا لبدعته وإطفاءً لناره. وإن لم يوافقه أحد، ولم يوجد ذلك الحديث إلا عنده ــ مع ما وصفنا من صِدْقه وتحرّزه عن الكذب، واشتهاره بالتدين، وعدم تعلق ذلك الحديث ببدعته ــ فينبغي أن تقدَّم مصلحةُ تحصيلِ ذلك الحديث ونشرِ تلك السنة على مصلحة إهانته وإطفاء ناره".

стр. 178

ويظهر أن تقييده بقوله: "وعدم تعلق ذلك الحديث ببدعته" إنما مغزاه: إذا كان فيه تقوية لبدعته لم تكن هناك مصلحة في نشره، بل المصلحة في عدم روايته، كما مرَّ. ويتأكد ذلك هنا بأن الفرض أنه تفرد به، وذلك يدعو إلى التثبت فيه. وإذا كان كلام ابن دقيق العيد محتملًا لهذا المعنى احتمالًا ظاهرًا، فلا يسوغ حمله على مقالة ابن قتيبة التي مرّ ما فيها. وقال ابن حجر في "النخبة وشرحها" (١): "الأكثر على قبول غير الداعية، إلا أن يروي ما يقوِّي مذهبه (٢) فيُرَدُّ على المذهب المختار. وبه صرَّح الحافظ أبو إسحاق إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني شيخ أبي داود والنسائي ... وما قاله متّجه، لأن العلة التي لها رُدَّ حديثُ الداعية واردة فيما إذا كان ظاهرُ المروي يوافق مذهبَ المبتدع، ولو لم يكن داعية. والله أعلم". أقول: الضمير في قوله: "فيُرَدُّ" يعود فيما يظهر على المبتدع غير الداعية، أوقَعَ الردَّ على الراوي في مقابل إطلاق القبول عليه. وقد قال قبل ذلك: "والتحقيق أنه لا يُرَدُّ كلُّ مكفَّر ببدعة" والمراد برد الراوي: رد مروياته كلها. وقد يقال: يحتمل عود الضمير على المرويّ المقوّي لمذهبه، وعلى هذا فقد يفهم منه أنه يُقبل منه ما عداه، وقد يُشعِر بهذا استناد ابن حجر إلى قول الجوزجاني. فأقول: إن كان معنى الردّ على هذا المعنى الثاني ترك رواية ذاك الحديث للمصلحة، وإن كان محكومًا بصحته؛ فهذا هو المعنى الذي تقدَّم أن به تستقيم عبارة الجوزجاني. وإن كان معناه رد ذاك الحديث اتهامًا

стр. 179

لصاحبه، ويردُّ معه سائر رواياته؛ فهذا موافق للمعنى الأول، ولا تظهر موافقته لعبارة الجوزجاني. وإن كان معناه رد ذلك الحديث اتهامًا لرواية فيه، ومع ذلك يبقى مقبولًا فيما عداه؛ فليست عبارة الجوزجاني بصريحة في هذا ولا ظاهرة فيه كما مرَّ، وإنما هو قول ابن قتيبة. وسياق كلام ابن حجر ــ ما عدا استناده إلى قول الجوزجاني ــ يدل على أن مقصوده ردّ الراوي مطلقًا، أو رد ذاك الحديث وسائر روايات راويه، وذلك لأمور، منها: أن ابن حجر صرَّح بأن العلة التي رد بها حديث الداعية واردة في هذا، وقد قدَّم أن العلة في الداعية هي "أن تزيين بدعته قد يحمله على تحريف الروايات وتسويتها على ما يقتضيه مذهبه". ومن كانت هذه حاله فلم تثبت عدالته ــ كما تقدم ــ فيردّ مطلقًا. ومنها: أن هذه العلة اقتضت في الداعية الردّ مطلقًا فكذلك هنا، بل قد يقال على مقتضى كلام ابن حجر: هذا أولى، لأن الداعية يردّ مطلقًا، وإن لم يَروِ ما يوافق بدعته، وهذا قد روى. هذا، وقد وثَّق أئمة الحديث جماعةً من المبتدعة، واحتجوا بأحاديثهم، وأخرجوها في الصحاح. ومن تتبع رواياتهم وجد فيها كثيرًا مما يوافق ظاهرُه بدَعَهم. وأهلُ العلم يتأوّلون تلك الأحاديث غير طاعنين فيها ببدعة راويها، ولا في راويها بروايته لها (١). بل في رواية جماعة منهم أحاديث

стр. 180

ظاهرة جدًّا في موافقة بدعهم أو صريحة في ذلك إلا أن لها عللًا أخرى. ففي رواية الأعمش أحاديث كذلك ضعَّفها أهل العلم، بعضها بضعف بعض مَن فوق الأعمش في السند، وبعضها بالانقطاع، وبعضها بأن الأعمش لم يصرح بالسماع وهو مدلس. ومن هذا الأخير حديث في شأن معاوية ذكره البخاري في "تاريخه الصغير" (ص ٦٨) (١) ووهَّنه بتدليس الأعمش، وهكذا في رواية عبد الرزاق وآخرين. هذا، وقد مرَّ تحقيق علة رد الداعية، وتلك العلة ملازمة أن يكون بحيث يحق أن لا يؤمَن منه ما ينافي العدالة، فهذه العلة إن وردت في كل مبتدع روى ما يقوّي بدعته، ولو لم يكن داعية، وجب أن لا يُحتج بشيء مِن مرويات مَن كان كذلك، ولو فيما يوهن بدعته؛ وإلاّ ــ وهو الصواب ــ فلا يصح إطلاق الحكم، بل يدور مع العلة. فذاك المروي المقوِّي لبدعة راويه إما غير منكر، فلا وجه لرده، فضلًا عن ردّ راويه. وإما منكر، فحكم المنكر معروف، وهو أنه ضعيف. فأما راويه فإن اتجه الحمل عليه بما ينافي العدالة، كرميه بتعمّد الكذب أو اتهامه به، سقط البتة. وإن اتجه الحمل على غير ذلك، كالتدليس المغتفَر والوهم والخطأ، لم يجرح بذلك. وإن تردد
следующие страницы →