← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 336

طليعة التنكيل وتعزيز الطليعة وشكر الترحيب - ضمن «آثار المعلمي»

عبد الرحمن المعلمي اليماني

Полный текст (281 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

الحق وأن القُربة إلى الله تعالى في تثبيته لا يؤمَن منه ذلك، فليس في الدنيا ثقة. وهذا باطل قطعًا، فالحكم به على المبتدع إن قامت الحجة على خلافه بثبوت عدالته وصدقه وأمانته فباطل، وإلا وجب أن لا يحتجّ بخبره البتة، سواء أوافق بدعته أم خالفها. والعدالة: "مَلَكة تمنع من اقتراف الكبائر ... " وتعديل الشخص شهادةٌ له بحصول هذه المَلَكة، ولا تجوز الشهادة بذلك حتى يغلب على الظن غلبة واضحة حصولها له. وذلك يتضمن غلبة الظن بأن تلك المَلَكة تمنعه من تعمُد التحريف والزيادة والنقص، ومن غلب على الظن غلبةً يصح الجزم بها أنه لا يقع منه ذلك، فكيف لا يؤمَن أن يقع منه؟ ومن لا يؤمَن أن يقع منه ذلك، فلم يغلب على الظن أن له مَلَكةً تمنعه من ذلك. ومن خيف أن يغلبه ضربٌ من الهوى، فيوقعه في تعمُّد الكذب والتحريف، لم يؤمَن أن يغلبه ضرب آخر، وإن لم نشعر به. بل الضربُ الواحدُ من الهوى قد يوقع في أشياء يتراءى لنا أنها متضادة. فقد جاء أن موسى بن طريف الأسدي كان يرى رأي أهل الشام في الانحراف عن عَليّ ﵁، ويروي أحاديث منكرة في فضل عليّ، ويقول: "إني لأسخر بهم" يعني بالشيعة، راجع ترجمته في "لسان الميزان" (١). وروى محمد بن شجاع الثلجي الجهمي، عن حَبَّان بن هلال أحد الثقات الأثبات، عن حماد بن سلمة أحد أئمة السنة، عن أبي المهزِّم، عن أبي هريرة مرفوعًا: "إن الله خلق الفرس، فأجراها، فعرقت ثم خلق نفسه منها" (٢). وفي

стр. 177

"الميزان" (١) أن غرض الجهيمة من وضع هذا الحديث أن يستدلوا به على زعمهم أن ما جاء في القرآن من ذكر "نفس الله" إنما المراد بها بعض مخلوقاته. أقول: ولهم غرضان آخران: أحدهما: التذرُّع بذلك إلى الطعن في حماد بن سلمة، كما يأتي في ترجمته (٢). الثاني: التشنيع على أئمة السنة بأنهم يروون الأباطيل. والشيعيُّ الذي لا يؤمَن أن يكذب في فضائل أهل البيت، لا يؤمَن أن يكذب في فضائل الصحابة على سبيل التقية، أو ليُري الناس أنه غير متشدّد في مذهبه، يُمهِّد بذلك لِيُقبَل منه ما يرويه مما يوافق مذهبه. وعلى كلّ حال فابن قتيبة ــ على فضله ــ ليس هذا فنُّه، ولذلك لم يعرج أحد من أئمة الأصول والمصطلح على حكاية قوله ذلك فيما أعلم. والله الموفق. وفي "فتح المغيث" (ص ١٤٠) (٣) عن ابن دقيق العيد: "إن وافقه غيره فلا يلتفت إليه إخمادًا لبدعته وإطفاءً لناره. وإن لم يوافقه أحد، ولم يوجد ذلك الحديث إلا عنده ــ مع ما وصفنا من صِدْقه وتحرّزه عن الكذب، واشتهاره بالتدين، وعدم تعلق ذلك الحديث ببدعته ــ فينبغي أن تقدَّم مصلحةُ تحصيلِ ذلك الحديث ونشرِ تلك السنة على مصلحة إهانته وإطفاء ناره".

стр. 178

ويظهر أن تقييده بقوله: "وعدم تعلق ذلك الحديث ببدعته" إنما مغزاه: إذا كان فيه تقوية لبدعته لم تكن هناك مصلحة في نشره، بل المصلحة في عدم روايته، كما مرَّ. ويتأكد ذلك هنا بأن الفرض أنه تفرد به، وذلك يدعو إلى التثبت فيه. وإذا كان كلام ابن دقيق العيد محتملًا لهذا المعنى احتمالًا ظاهرًا، فلا يسوغ حمله على مقالة ابن قتيبة التي مرّ ما فيها. وقال ابن حجر في "النخبة وشرحها" (١): "الأكثر على قبول غير الداعية، إلا أن يروي ما يقوِّي مذهبه (٢) فيُرَدُّ على المذهب المختار. وبه صرَّح الحافظ أبو إسحاق إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني شيخ أبي داود والنسائي ... وما قاله متّجه، لأن العلة التي لها رُدَّ حديثُ الداعية واردة فيما إذا كان ظاهرُ المروي يوافق مذهبَ المبتدع، ولو لم يكن داعية. والله أعلم". أقول: الضمير في قوله: "فيُرَدُّ" يعود فيما يظهر على المبتدع غير الداعية، أوقَعَ الردَّ على الراوي في مقابل إطلاق القبول عليه. وقد قال قبل ذلك: "والتحقيق أنه لا يُرَدُّ كلُّ مكفَّر ببدعة" والمراد برد الراوي: رد مروياته كلها. وقد يقال: يحتمل عود الضمير على المرويّ المقوّي لمذهبه، وعلى هذا فقد يفهم منه أنه يُقبل منه ما عداه، وقد يُشعِر بهذا استناد ابن حجر إلى قول الجوزجاني. فأقول: إن كان معنى الردّ على هذا المعنى الثاني ترك رواية ذاك الحديث للمصلحة، وإن كان محكومًا بصحته؛ فهذا هو المعنى الذي تقدَّم أن به تستقيم عبارة الجوزجاني. وإن كان معناه رد ذاك الحديث اتهامًا

стр. 179

لصاحبه، ويردُّ معه سائر رواياته؛ فهذا موافق للمعنى الأول، ولا تظهر موافقته لعبارة الجوزجاني. وإن كان معناه رد ذلك الحديث اتهامًا لرواية فيه، ومع ذلك يبقى مقبولًا فيما عداه؛ فليست عبارة الجوزجاني بصريحة في هذا ولا ظاهرة فيه كما مرَّ، وإنما هو قول ابن قتيبة. وسياق كلام ابن حجر ــ ما عدا استناده إلى قول الجوزجاني ــ يدل على أن مقصوده ردّ الراوي مطلقًا، أو رد ذاك الحديث وسائر روايات راويه، وذلك لأمور، منها: أن ابن حجر صرَّح بأن العلة التي رد بها حديث الداعية واردة في هذا، وقد قدَّم أن العلة في الداعية هي "أن تزيين بدعته قد يحمله على تحريف الروايات وتسويتها على ما يقتضيه مذهبه". ومن كانت هذه حاله فلم تثبت عدالته ــ كما تقدم ــ فيردّ مطلقًا. ومنها: أن هذه العلة اقتضت في الداعية الردّ مطلقًا فكذلك هنا، بل قد يقال على مقتضى كلام ابن حجر: هذا أولى، لأن الداعية يردّ مطلقًا، وإن لم يَروِ ما يوافق بدعته، وهذا قد روى. هذا، وقد وثَّق أئمة الحديث جماعةً من المبتدعة، واحتجوا بأحاديثهم، وأخرجوها في الصحاح. ومن تتبع رواياتهم وجد فيها كثيرًا مما يوافق ظاهرُه بدَعَهم. وأهلُ العلم يتأوّلون تلك الأحاديث غير طاعنين فيها ببدعة راويها، ولا في راويها بروايته لها (١). بل في رواية جماعة منهم أحاديث

стр. 180

ظاهرة جدًّا في موافقة بدعهم أو صريحة في ذلك إلا أن لها عللًا أخرى. ففي رواية الأعمش أحاديث كذلك ضعَّفها أهل العلم، بعضها بضعف بعض مَن فوق الأعمش في السند، وبعضها بالانقطاع، وبعضها بأن الأعمش لم يصرح بالسماع وهو مدلس. ومن هذا الأخير حديث في شأن معاوية ذكره البخاري في "تاريخه الصغير" (ص ٦٨) (١) ووهَّنه بتدليس الأعمش، وهكذا في رواية عبد الرزاق وآخرين. هذا، وقد مرَّ تحقيق علة رد الداعية، وتلك العلة ملازمة أن يكون بحيث يحق أن لا يؤمَن منه ما ينافي العدالة، فهذه العلة إن وردت في كل مبتدع روى ما يقوّي بدعته، ولو لم يكن داعية، وجب أن لا يُحتج بشيء مِن مرويات مَن كان كذلك، ولو فيما يوهن بدعته؛ وإلاّ ــ وهو الصواب ــ فلا يصح إطلاق الحكم، بل يدور مع العلة. فذاك المروي المقوِّي لبدعة راويه إما غير منكر، فلا وجه لرده، فضلًا عن ردّ راويه. وإما منكر، فحكم المنكر معروف، وهو أنه ضعيف. فأما راويه فإن اتجه الحمل عليه بما ينافي العدالة، كرميه بتعمّد الكذب أو اتهامه به، سقط البتة. وإن اتجه الحمل على غير ذلك، كالتدليس المغتفَر والوهم والخطأ، لم يجرح بذلك. وإن تردد

стр. 181

الناظر وقد ثبتت العدالة وجب القبول، وإلا أخذ بقول مَن هو أعرف منه، أو وقف. وقد مرَّ أوائلَ القاعدة الثانية (١) بيان ما يمكن أن يبلغه أهل العصر من التأهل للنظر، فلا تغفل. وبما تقدم يتبين صحةُ إطلاق الأئمة قبولَ غير الداعية إذا ثبت صلاحُه وصدقه وأمانته. ويتبين أنهم إنما نصوا على ردّ المبتدع الداعية تنبيهًا على أنه لا يثبت له الشرط الشرعي للقبول، وهو ثبوت العدالة. هذا كله تحقيق للقاعدة. فأما الأستاذ، فيكفينا أن نقول له: هب أنه اتجه أن لا يقبل من المبتدع الثقة ما فيه تقوية لبدعته، فغالب الذين طعنتَ فيهم هم من أهل السنة عند مخالفيك وأكثر موافقيك، والآراء التي تعدُّها هوى باطلًا، منها ما هو عندهم حق، ومنها ما يسلِّم بعضهم أنه ليس بحق ولكن لا يعدُّه بدعة. وسيأتي الكلام في الاعتقاديات والفقهيات، ويتبين المحقّ من المبطل إن شاء الله تعالى. وفي الحق ما يُغنيك لو قنعتَ به، كما مرت الإشارة إليه في الفصل الثاني. ومن لم يقنع بالحق أوشكَ أن يُحرَم نصيبَه منه، كالراوي يروي أحاديثَ صادقةً موافقةً لرأيه، ثم يكذب في حديث واحد، فيفضحه الله تعالى، فتسقط أحاديثه كلُّها! ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٩]. والمتبادر من عبارة الجوزجاني أنه يرى أنهم أحقَّاء [ص ٢٤] بأن يتهموا فيما يروونه من ذلك، وإن كان معروفًا غير منكر عند أهل السنة وعند الناصبة أيضًا، وكان راويه منهم صدوق اللهجة مأمونًا في روايته، قد اتفق أئمة السنة على توثيقه وقبول حديثه.

стр. 182

وهذا كما ترى، فإن كون المروي معروفًا غير منكر كافٍ في دفع التهمة، فكيف إذا كان راويه كما ذكر؟ فإن كان هذا المتبادر هو مراد الجوزجاني، فلا يخفى بُطلانُه، ويقال له: أما أن نتهم الثقات بالكذب في الروايات، فلا سبيل إليه، ولكن لا مانع أن نتهمهم بما لا ينافي العدالة إذا اقتضى الحال ذلك، ونبدأ بك أيها المبتدع، فنتهمك في رأيك هذا. ولولا قوله: "ما يعرف وليس بمنكر" لقلنا: إنه أراد ما يشكوه من بعضهم، كالأعمش وأبي إسحاق السبيعي من تدليس المنكرات، فيكون أراد المنع من رواية ذلك؛ لاتهام الراوي بأنه سمعه ممن ليس بثقة فدلَّسَه. ولولا ذِكْره الاتهام، لقلنا: لم يُرِد الحكم ببطلان ما منع من أخذه، فإنه إذا لم يكن له علة فهو صحيح ضرورةَ أنه معروف غير منكر، وأن راويه صدوق اللهجة، مأمون الرواية، مقبول عند أئمة السنة، ولكن منع من أخذه إرغامًا للمبتدع بأن لا يروى عنه ما يحبّ أن يروي، مع أنه لا حاجة إلى روايته لوجهين: الأول: أنه معروف من غير طريقه. الثاني: أنه يتعلق ببدعته، والمصلحة تقضي بعدم رواية ذلك، ولو عن السّنّي. ذكر العجلي ــ كما في جزء قديم من "ثقاته" (١) ــ: عن موسى الجهني قال: جاء عَمرو بن قيس المُلائي وسفيان الثوري، فقالا: لا تحدِّث بهذا

стр. 183

الحديث في الكوفة: أن النبي ﵇ قال لعلي: "أنت مِنّي بمنزلة هارون من موسى" (١). وإلى هذا أشار ابن دقيق العيد. وقد يقال: لعل الجوزجاني لم يرد بذكر الاتهام إثبات أنهم أحقاء أن يتهموا، وإنما أراد أنه ينبغي أن لا يُروى ذلك عنهم خشية أن يسمعه من لا يعرف حالهم فيتهمهم، فيضر ذلك بهم وبمروياتهم، أو يقال: لم يرد الاتهام القادح وإنما أراد ما يوقعه موافقة ظاهر الخبر لمذهب راويه من الارتياب، وذلك كما إذا شهد رجلان لأخيهما، فإن القاضي يرتاب في شهادتهما، وقد يبقى أثر الريبة بعد أن يُعدَّلا، فكما أن للقاضي أن يقول للمدَّعي: زدني شهودًا، وإن كان إذا لم يجد المدعي غير أخويه يلزم القاضي أن يقضي بشهادتهما. وإذا سمى المدّعي شهودَه قبل أن يحضرهم، فسمى أخويه ورجالًا آخرين، فللقاضي أن يقول له: جئني بالذين سميتهم غير أخويك. فكذلك لأهل الحديث أن يعرضوا عما يرويه المبتدع الثقة مما يوافق ظاهره بدعته؛ لأن ذاك الارتياب ــ وإن كان لا ينافي ثبوت الخبر ــ قد أوقع فيه بعض الوهن، ومع ذلك فلا داعي إلى روايته، إذ الغرض أنه إنما يقضي بظاهره موافقة بدعة الراوي، فليس في روايته إلا مساعدة تلك البدعة، فيحتاج أهل السنة إلى تأويله وصرفه عن ظاهره، فالأولى أن لا يُروى رأسًا. وهذا المعنى في نظري أحسن ما تُحْمَل عليه عبارة الجوزجاني.

стр. 184

وقد يحمل كلامه على معنى أن من أتى منهم بمنكر، أو بما يقوِّي به بدعته ــ وحقه أن يتهم فيه ــ فإنه يُترك ألبتة، ولا يُروى عنه ذلك الحديث، ولا غيره؛ لخروجه بذلك عن حَدِّ أن يكون صدوق اللهجة مأمونًا في روايته، ويأتي عن ابن حجر ما يظهر منه أنه حمل عبارة الجوزجاني على هذا المعنى. [ص ٢٧] هذا والمنقول عن كبار أئمة السنة في شأن المبتدع إنما هو الامتناع والمنع من السماع منه والرواية عنه، وأكثرهم يخصُّون ذلك بالداعية، ومع ذلك فقد روى بعضُهم عمن جاء أنه كان داعية، ولم أرَ في نصوصهم ما يبين العلة، واختلف من بعدهم؛ فمنهم من قال: إن العلة هي كراهية ترويج البدعة، وعلى هذا فما دعت الحاجةُ إلى روايته عن المبتدع، فينبغي أن يروى عنه، كما مرَّ عن ابن دقيق العيد (١). وهذه العلة إنما تَقْوَى في الداعية؛ لأن أهل العلم إذا لم يمتنعوا ويمنعوا الناس من السماع منه، قَصَده الناسُ ليسمعوا منه، فدعاهم إلى بدعته ورغَّبهم فيها، وإذا لم يمتنع أهل العلم ويمنعوا الناس من الرواية عن الداعية لم يمتنع الناس من قصده، أو قصد مثله للسماع منه. [ص ٢٨] ومنهم من قال: إن العلة هي أن المبتدع فاسق، وكثير من أهل العلم يستبعدون هذا بأن المبتدع قد يكون مخطئًا، غير مقصِّر تقصيرًا يعتدّ به، وقد قال الله : ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، في آيات أخرى.

стр. 185

وأسلم ما يجاب به عن هذا: أن حجج السنة في العقائد ونحوها ظاهرة، فالمبتدع إما غير معتدٍّ بها، كما يقول غُلاة المتكلمين: إن النصوص القرآنية والسنية لا تصلح حجة في صفات الله ، ونحوها من العقائد، وإما متهاون بها مسرف في إيثار هواه إيثارًا شديدًا لا يُعْذَر فيه، فإن لم يظهر كفرُه فعلى الأقل يتبين فسقه. أقول: ولك أن تنزل عن هذا فتقول: فإن لم يتبين فسقه فعلى الأقل لا يوثَق بعدالته، فلا يمكن تعديله. ومن يخص الداعية له أن يقول: قد يجوز أن تَقْوَى الشبهةُ في نفس من ليس بمؤثرٍ هواه إيثارًا شديدًا، ولكنه لا بد أن يبقى في نفسه تردد يحمله على أن يعذر مخالفيه فيما زاغ فيه، ويخشى أن يكون هو المخطئ لا هم، ويرى أنهم إن كانوا هم المخطئين فلم يأتهم ذلك من خارج، وإنما أتاهم من جهة وقوفهم عند ما فهموه من النصوص لقوة إيمانهم بها، واعتمادهم عليها. فمن تعدَّى هذا الحدّ، وضلَّل أهلَ السنة، ودعا إلى بدعته فقد بان عناده، وانقطع عذرُ من يحاول أن يعذره. ويشير إلى هذا قول مسلم ﵀ في "مقدمة صحيحه" (١) إذ قال: "اعلم ــ وفقك الله ــ أن الواجب على كل أحدٍ عرف التمييز بين صحيح الروايات وسقيمها، وثقات الناقلين لها من المتهمين: أن لا يروي منها إلا ما عرف صحة مخارجه، والستارة في ناقليه، وأن يتقي منها ما كان عن أهل التهم والمعاندين من أهل البدع. والدليل على أن الذي قلنا في هذا هو اللازم دون ما خالفه: قول الله

стр. 186

تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: ٦]. وقال جل ثناؤه: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. وقال: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]. فدلّ بما ذكرنا من هذه الآي أن خبر الفاسق ساقط غير مقبول، وأن شهادة غير العدل مردودة. والخبر وإن فارق معناه معنى الشهادة في بعض الوجوه، فقد يجتمعان في أعظم معانيهما، إذ كان خبر الفاسق غير مقبول عند أهل العلم، كما أن شهادته مردودة عند جميعهم". فالمبتدع الذي يتضح عناده إما كافر، وإما فاسق، والذي لم يتضح عناده ولكنه حقيق بأن يتهم بذلك هو في معنى الفاسق؛ لأنه مع سوء حاله لا تثبت عدالته، والداعية الذي الكلام فيه واحدٌ من هذين ولا بدّ. [ص ٣٠] قد عَرَّف أهلُ العلم العدالة بأنها: "مَلَكَة تمنع عن اقتراف الكبائر وصغائر الخسة ... "، زاد التقي السبكي: "وهوى النفس". وقال: "لا بدّ منه، فإن المتقي للكبائر وصغائر الخسة مع الرذائل المباحة قد يتبع هواه عند وجوده لشيء منها فيرتكبه، ولا عدالة لمن هو بهذه الصفة". نقله المحليُّ في "شرح جمع الجوامع" (١) لابن السبكي، ثم ذكر أنه

стр. 187

صحيح في نفسه، ولكن لا حاجة إلى زيادة القيد، قال: "لأنَّ مَن عنده ملكة تمنعه عن اقتراف ما ذكر ينتفي عنه اتباع الهوى لشيء منه، وإلا لوقع في المهوي، فلا يكون عنده ملكة تمنع منه". أقول: ما من إنسان إلا وله أهواء فيما ينافي العدالة، وإنما المحذور اتباع الهوى، ومقصود السبكي تنبيه المعدِّلين، فإنه قد يخفى على بعضهم معنى "الملكة"، فيكتفي في التعديل بأنه قد خَبَر صاحبه فلم يره ارتكب منافيًا للعدالة فيعدّله، ولعله لو تدبر لعلم أن لصاحبه هوى غالبًا، يخشى أن يحمله على ارتكاب منافي العدالة إذا احتاج إليه وتهيّأ له، ومتى كان الأمر كذلك فلم يغلب على ظنّ المعدّل حصول تلك المَلَكة، وهي العدالة لصاحبه. بل إما أن يترجح عنده عدم حصولها، فيكون صاحبه ليس بعدل، وإما أن يرتاب في حصولها لصاحبه، فكيف يشهد بحصولها له؟ (١)، وهذا هو معنى التعديل. وأهل البدع كما سماهم السلف "أصحاب الأهواء"، واتِّباعُهم لأهوائهم في الجملة ظاهر، وإنما يبقى النظر في العمد والخطأ، ومَن ثبت تعمّده أو اتهمه بذلك عارفوه، لم يؤمَن كذبُه. وفي الكفاية للخطيب (ص ١٢٣): "عن علي بن حرب الموصلي: كلّ صاحب هوى يكذب ولا يبالي".

стр. 188

يريد ــ والله أعلم ــ أنهم مظنة ذلك، فيُحْتَرَس من أحدهم حتى تتبيّن براءتُه. وأما ما ذكروه في كلام النسائي في أحمد بن صالح، فإنهم لم يرموا النسائي بتعمّد الباطل، ولا اتهموه، ولا قالوا: إن ذلك لا يؤمَن منه، بل برّؤوه من ذلك، وإنما أقاموا الأدلة على خطائه. ولمّا كان قد يُستغرب الخطأ من النسائي؛ لما عُرِف به من شدّة التحرّي والتثبت، ذكروا أنه كان ساخطًا على أحمد بن صالح، ومن شأن التسخُّط أن يورث سوء الظن، ومن وقفتَ على ما يقتضي بظاهره جرحه فإنك إن كنت حسن الظن به ارتبت في ذاك الظاهر، فاحتجت إلى التثبت، بل قد يقوى الظن فلا يؤثر عندك ذاك الظاهر، بل تجزم بحمله على ما لا ينافي ظنك. وإن كنت سيِّئ الظن به لم يكن هناك ما يدفع ذاك الظاهر، ولا ما يريب فيه، وحينئذٍ تبادر نفسك إلى قبوله. وفي "ألفية العراقي" (١): وربما رُدّ كلامُ الجارحِ ... كالنّسَئي في أحمدَ بنِ صالح فربما كان لجرحٍ مخرجُ ... غَطّى عليه السُّخْطُ حين يُحرجُ قال ابن الصلاح (٢): "إلا أن ذلك لا يقع منهم تعمدًا للقدح مع العلم ببطلانه".

стр. 189

وقد شرحت القضية في ترجمة أحمد بن صالح (١)، كما يأتي إن شاء الله تعالى. * * * *

стр. 190

٤ ــ قدح الساخط ومدح المحب ونحو ذلك كلام العالِم في غيره على وجهين: الأول: ما يخرج مخرج الذمّ بدون قصد الحكم. وفي "صحيح مسلم" (١) وغيره من حديث أبي هريرة سمعتُ رسول الله ﵌ يقول: "اللهم إنما محمد بشر، يغضب كما يغضب البشر، وإني قد اتخذت عندك عهدًا لم تخلفنيه، فأيما مؤمن آذيته أو سَبَبْته أو جلدته فاجعلها له صلاة ... ". وفيه (٢) نحوه من حديث عائشة ومن حديث جابر. ولم يكن صلى الله عليه وآله ومسلم سبّابًا ولا شتّامًا ولا لعّانًا، ولا كان الغضب يخرجه عن الحق، وإنما كان كما نَعَتَه ربُّه بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩] وقوله : ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨]. وإنما كان يرى من بعض الناس ما يضرهم في دينهم أو يُخِلُّ بالمصلحة العامّة أو بمصلحة صاحبه نفسه، فيكره ﵌ ذلك وينكره، فيقول: "ما له تربت يمينه" (٣) ونحو ذلك مما يكون

стр. 191

المقصود به إظهار كراهية ما وقع من المدعوّ عليه وشدة الإنكار لذلك. وكأنه ــ والله أعلم ــ أطلق على ذلك سبًّا وشتمًا على سبيل التجوُّز بجامع الإيذاء. فأما اللعن فلعله وقع الدعاء به نادرًا عند شدة الإنكار. ومن الحكمة في ذلك إعلام الناس أن ما يقع منه ﵌ عند الإنكار كثيرًا ما يكون على وجه إظهار الإنكار والتأديب، لا على وجه الحكم. وفي مجموع الأمرين حكمة أخرى، وهي أن النبي ﵌ قد علم من طباع أكثر الناس أن أحدهم إذا غضب جرى على لسانه من السبّ والشتم واللعن والطعن ما لو سُئل عنه بعد سكون غضبه لقال: لم أقصد ذلك ولكن سبقني لساني، أو لم أقصد حقيقته ولكني غضبت. فأراد النبي ﵌ أن ينبه أمته على هذا الأصل ليستقر في أذهانهم، فلا يحملوا ما يصدر عن الناس من ذلك في حال الغضبِ على ظاهره جزمًا. وكان حذيفة ربما يذكر بعض ما اتفق من كلمات النبي ﵌ عند غضبه، فأنكر سلمان الفارسي ذلك على حذيفة ﵄، وذكر هذا الحديث (١). وسئل بعض الصحابة ــ وهو أبو الطفيل عامر بن واثلة ــ عن شيء من ذلك، فأراد أن يخبر، وكانت امرأته تسمع، فذكَّرتْه بهذا الحديث، فكفَّ (٢). فكذلك ينبغي لأهل العلم أن لا ينقلوا كلمات العلماء عند الغضب، وأن يراعوا فيما نُقل منها هذا الأصل.

стр. 192

بل قد يقال: لو فُرض أن العالم قصد عند غضبه الحكم لكان ينبغي أن لا يعتدَّ بذلك حُكْمًا. ففي "الصحيحين" (١) وغيرهما عن النبي ﵌ أنه قال: "لا يقضينَّ حَكَمٌ بين اثنين وهو غضبان" لفظ البخاري. والحكم في العلماء والرواة يحتاج إلى نظر وتدبُّر وتثبُّت أشدَّ مما يحتاج إليه الحكم في كثير من الخصومات. فقد تكون الخصومة في عشرة دراهم، فلا يخشى من الحكم فيها عند الغضب إلا تفويت عشرة دراهم. فأما الحكم على العالم والراوي، فيخشى منه تفويت علم كثير، وأحاديث كثيرة، ولو لم يكن إلا حديثًا واحدًا لكان عظيمًا. ومما يخرج مخرج الذم لا مخرج الحكم: ما يقصد به الموعظة والنصيحة. وذلك كأن يبلغ العالِمَ عن صاحبه ما يكرهه له، فيذمه في وجهه أو بحضرة من يبلغه، رجاء أن يكفَّ عما كرهه له. وربما يأتي بعبارة ليست بكذب، ولكنها خشنة موحشة، يقصد الإبلاغ في النصيحة ككلمات الثوري في الحسن بن صالح بن حي (٢)، وربما يكون الأمر الذي أنكره أمرًا لا بأس به، بل قد يكون خيرًا، ولكن يخشى أن يجرَّ إلى ما يكره، كالدخول على السلطان، وولاية أموال اليتامى، وولاية القضاء، والإكثار من الفتوى. وقد يكون أمرًا مذمومًا، وصاحبه معذور، ولكن الناصح يحب لصاحبه أن يعاود النظر أو يحتال أو يخفي ذاك الأمر. وقد يكون المقصود نصيحة الناس لئلا يقعوا في ذلك الأمر؛ إذ قد يكون لمن وقع منه أولًا عذر ولكن يخشى أن يتبعه الناس فيه غير معذورين. ومن هذا: كلمات التنفير التي تقدمت الإشارة

стр. 193

إليها في الفصل الثاني (١). وقد يستسمح العالم فيما يحكيه على غير جهة الحكم، فيستند إلى ما لو أراد الحكم لم يستند إليه، كحكاية منقطعة، وخبر من لا يُعَدُّ خبرُه حجة، وقرينة لا تكفي لبناء الحكم ونحو ذلك. وقد جاء عن إياس بن معاوية التابعي المشهور بالعقل والذكاء والفضل أنه قال: "لا تنظر إلى عمل العالم، ولكن سله يصدقك" (٢). وكلام العالم ــ إذا لم يكن بقصد الرواية، أو الفتوى، أو الحكم ــ داخل في جملة عمله الذي ينبغي أن لا يُنظر إليه. وليس معنى ذلك أنه قد يعمل ما ينافي العدالة، ولكن قد يكون له عذر خفي، وقد يترخَّص فيما لا ينافي العدالة، وقد لا يتحفظ ويتثبت، كما يتحفظ ويتثبت في الرواية والفتوى والحكم. هذا، والعارف المتثبت المتحرِّي للحق لا يخفى عليه ــ إن شاء الله تعالى ــ ما حقُّه أن يُعَدَّ من هذا الضرب، مما حقُّه أن يعَدَّ من الضرب الآتي. وأن ما كان من هذا الضرب، فحقه أن لا يُعتدَّ به على المتكلَّم فيه ولا على المتكلِّم. والله الموفق. [ص ٤٣] الوجه الثاني: ما يصدر على وجه الحكم فهذا إنما يُخشى فيه الخطأ. وأئمة الحديث عارفون، مُتَحَرُّون، متيقظون يتحرَّزون عن الخطأ جهدهم، لكنهم متفاوتون في ذلك. ومهما بلغ الحاكِم من التحري فإنه لا يبلغ أن تكون أحكامه كلها مطابقة لما في نفس الأمر. فقد تسمع رجلًا يخبر بخبر، ثم تمضي مدة، فترى أن الذي سمعته منه هو فلان، وأن خبره الذي

стр. 194

سمعته منه هو كيت وكيت، وأن معناه كذا، وأن ذاك المعنى باطل، وأن المخبِرَ تعمَّد الإخبار بالباطل، وأنه لم يكن له عذر، وأن مثل ذلك يوجب الجرح. فمن المحتمل أن يشتبه عليك رجل بآخر، فترى أن المخبر فلان، وإنما هو غيره. وأن يشتبه عليك خبر بآخر، إنما سمعت من فلان خبرًا آخر، فأما هذا الخبر فإنما سمعته من غيره. وأن تخطئ في فهم المعنى، أو في ظن أنه باطل، أو أن المخبر تعمَّد، أو أنه لم يكن له عذر، أو أن مثل ذلك يوجب الجرح، إلى غير ذلك. وغالب الأحكام إنما تُبنى على غلبة الظن، والظن قد يخطئ، والظنون تتفاوت. فمن الظنون المعتدّ بها: ما له ضابط شرعي، كخبر الثقة. ومنها: ما ضابطه أن تطمئن إليه نفسُ العارف المتوقي المتثبت بحيث يجزم بالإخبار بمقتضاه طيّبَ النفس منشرحَ الصدر والنفوس تختلف في المعرفة والتوقِّي والتثبُّت؛ فمن الناس من يغتر بالظن الضعيف، فيجزم. وهذا هو الذي يطعن أئمة الحديث في حفظه وضبطه، فيقولون: "يحدث على التوهم ــ كثير الوهم ــ كثير الخطأ ــ يهم ــ يخطئ". ومنهم المعتدل، ومنهم البالغ التثبُّت. كان في اليمن في قَضاء الحُجَرية قاض كان يجتمع إليه أهل العلم ويتذاكرون، وكنت أحضر مع أخي، فلاحظتُ أن ذلك القاضي ــ مع أنه أعلم الجماعة فيما أرى ــ لا يكاد يجزم في مسألة، وإنما يقول: "في حفظي كذا، في ذهني كذا" ونحو ذلك. فعلمت أنه ألزم نفسه تلك العادة حتى فيما يجزم به، حتى إن اتفق أن أخطأ كان عذره بغاية الوضوح. وفي ثقات المحدّثين مَن هو أبلغ تحرّيًا مِن هذا ولكنهم يعلمون أن الحجة إنما تقوم بالجزم، فكانوا يجزمون فيما لا يرون للشكِّ فيه مدخلًا،

стр. 195

ويقفون عن الجزم لأدنى احتمال. روي أن شعبة سأل أيوب السختياني عن حديث فقال: أشكُّ فيه. فقال شعبة: شكُّك أحبُّ إليَّ من يقين غيرك (١). وقال النضر بن شُميل عن شعبة: لأن أسمع من ابن عون حديثًا يقول فيه: "أظن أني سمعته" أحبُّ إليَّ من أن أسمع من ثقة غيره يقول: قد سمعت (٢). وعن شعبة قال: "شكُّ ابنِ عون وسليمانَ التيمي يقين" (٣). وذكر يعقوبُ بن سفيان حمادَ بن زيد، فقال: معروف بأنه يقصر في الأسانيد، ويوقف المرفوع، كثير الشك بتوقّيه، وكان جليلًا. لم يكن له كتاب يرجع إليه، فكان أحيانًا يذكر فيرفع الحديث، وأحيانًا يهاب الحديث ولا يرفعه (٤). وبالغ أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب فكان إذا سئل عن شيء لا يجيب حتى يرجع إلى الكتاب. قال أبو طاهر السِّلَفي: سألت أبا الغنائم النَّرْسي عن الخطيب فقال: "جبل، لا يُسأل عن مثله، ما رأينا مثله. وما سألته عن شيء فأجاب في الحال إلا يرجع إلى كتابه" (٥). وإذا سبق إلى نفس الإنسان أمر ــ وإن كان ضعيفًا عنده ــ ثم اطلع على

стр. 196

ما يحتمل موافقة ذلك السابق ويحتمل خلافه، فإنه يترجح في نفسه ما يوافق السابق، وقد يقوَى ذلك في النفس جدًّا وإن كان ضعيفًا. وهكذا إذا كانت نفس الإنسان تهوى أمرًا فاطلع على ما يحتمل ما يوافقه ويحتمل ما يخالفه، فإن نفسه تميل إلى ما يوافق هواها. والعقل كثيرًا ما يحتاج عند النظر في المحتملات والمتعارضات إلى استفتاء النفس لمعرفة الراجح عندها. وربما يشتبه على الإنسان ما تقضي به نفسه بما يقضي به عقله. فالنفس بمنزلة المحامي عند ما تميل إليه، ثم قد تكون هي الشاهد، وهي الحَاكم. والعالم إذا سخط على صاحبه، فإنما يكون سخطه لأمر ينكره، فيسبق إلى النفس ذاك الإنكار، وتهوى ما يناسبه، ثم تتبع ما يشاكله، وتميل عند الاحتمال والتعارض إلى ما يوافقه. فلا يؤمَن أن يقوَى عند العالم جرحُ مَن هو ساخط عليه لأمرٍ، لولا السخط لَعلِمَ أنه لا يُوجب الجرح. وأئمة الحديث متثبتون، ولكنهم غير معصومين عن الخطأ. وأهل العلم يمثِّلون لجرح الساخط بكلام النسائي في أحمد بن صالح (١). ولَمَّا ذكر ابن الصلاح ذلك في "المقدمة" (٢) عقَّبه بقوله: "قلت: النسائي إمام حجة في الجرح والتعديل، وإذا نُسِب مثله إلى مثل هذا كان وجهه أنّ عين السُّخْط تبدي مساوئ، لها في الباطن مخارج صحيحة تَعْمى عنها بحجاب السُّخْط، لا أن ذلك يقع من مثله تعمّدًا لقدح يعلم بطلانَه". وهذا حق واضح، إذ لو حُمل على التعمّد سقطت عدالة الجارح،

стр. 197

والفرض أنه ثابت العدالة. هذا، وكلّ ما يُخشى في الذمّ والجرح يخشى مثله في الثناء والتعديل. فقد يكون الرجل ضعيفًا في الرواية، لكنه صالح في دينه، كأبان بن أبي عياش، أو غيور على السنة كمؤمَّل بن إسماعيل، أو فقيه كمحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى. فتجد أهل العلم ربما يثنون على الرجل من هؤلاء، غير قاصدين الحكم له بالثقة في روايته. وقد يرى العالم أن الناس بالغوا في الطعن، فيبالغ هو في المدح، كما يروى عن حماد بن سلمة أنه ذُكِر له طعن شعبة في أبان بن أبي عيا ش، فقال: أبان خير من شعبة (١). وقد يكون العالم وادًّا لصاحبه، فيأتي فيه نحو ما تقدم، فيأتي بكلمات الثناء التي لا يقصد بها الحكم، ولاسيما عند الغضب له، كأن تسمع رجلًا يذمّ صديقك أو شيخك أو إمامك، فإن الغضب قد يدعوك إلى المبالغة في إطراء من ذمه، وكذلك تقابل كلمات التنفير بكلمات الترغيب. وكذلك تجد الإنسان إلى تعديل من يميل إليه ويُحسِن به الظن أسرع منه إلى تعديل غيره. واحتمالُ التسَمُّح في الثناء أقرب من احتماله في الذمّ، لأن العالم يمنعه من التسمُّح في الذمّ الخوفُ على دينه لئلّا يكون غيبة، والخوفُ على عرضه، فإن مَن ذمَّ الناس فقد دعاهم إلى ذمِّه. ومن دعا الناسَ إلى ذمِّه ... ذمُّوه بالحقّ وبالباطل (٢)

стр. 198

ومع هذا كله، فالصواب في الجرح والتعديل هو الغالب، وإنما يحتاج إلى التثبت والتأمل فيمن جاء فيه تعديل وجرح. ولا يسوغ ترجيح التعديل مطلقًا بأن الجارح كان ساخطًا على المجروح، ولا ترجيح الجرح مطلقًا بأن المعدِّل كان صديقًا له، وإنما يستدل بالسخط أو الصداقة على قوَّة احتمال الخطأ إذا كان محتملًا. فأما إذا لزم من اطراح الجرح أو التعديل نسبةُ مَن صَدَر منه ذلك إلى الكذب أو تعمّد الباطل أو الغلط الفاحش الذي يندر وقوع مثله مِنْ مثله، فهذا يحتاج إلى بيِّنة أخرى، لا يكفي فيه إثبات أنه كان ساخطًا أو محبًّا. وفي "لسان الميزان" (ج ١ ص ١٦) (١): "وممن ينبغي أن يُتوقَّف في قبول قوله في الجرح: مَن كان بينه وبين مَن جرحه عداوة، سببُها الاختلاف في الاعتقاد. فإن الحاذق إذا تأمل ثَلْبَ أبي إسحاق الجوزجاني لأهل الكوفة رأى العجب! وذلك لشدّة انحرافه في النّصْب، وشهرة أهلها بالتشيع. فتراه لا يتوقف في جرح مَن ذَكَره منهم بلسان ذَلْق وعبارة طَلْقة، حتى إنه أخذ يليِّن مثلَ الأعمش وأبي نعيم وعبيد الله بن موسى وأساطين الحديث وأركان الرواية. فهذا إذا عارضه مثلُه أو أكبرُ منه، فوثَّق رجلًا ضعَّفه قُبِلَ التوثيق. ويلتحق به عبد الرحمن بن يوسف بن خِراش المحدّث الحافظ، فإنه من غلاة الشيعة بل نُسِب إلى الرفض، فيُتأنَّى في جرحه لأهل الشام؛ للعداوة

стр. 199

البينة في الاعتقاد. ويلتحق بذلك ما يكون سببُه المنافسةَ في المراتب، فكثيرًا ما يقع بين العصريين الاختلاف والتباين لهذا وغيره. فكلُّ هذا ينبغي أن يُتأنَّى فيه ويُتأمَّل". أقول: قول ابن حجر: "ينبغي أن يتوقف" مقصوده ــ كما لا يخفى ــ التوقّف على وجه التأنّي والتروِّي والتأمل. وقوله: "فهذا إذا عارضه مثله ... قبل التوثيق" محلّه ما هو الغالب من أن لا يلزم من اطراح الجرح نسبةُ الجارح إلى الكذب، أو تعمّدِ الحكم بالباطل، أو الغلطِ الفاحش الذي يندر وقوعُه. فأما إذا لزم شيء من هذا، فلا محيص عن قبول الجرح، إلا أن تقوم بينة واضحة تثبت تلك النسبة. وقد تتبّعتُ كثيرًا من كلام الجوزجاني في المتشيِّعين، فلم أجده متجاوزًا الحدَّ. وإنما الرجل ــ لما فيه من النَّصْب ــ يرى التشيُّع مذهبًا سيئًا، وبدعةَ ضلالةٍ، وزيغًا عن الحقّ وخذلانًا؛ فيطلق على المتشيِّعين ما يقتضيه اعتقاده، كقوله: "زائغ عن القصد ــ سيِّئ المذهب"، ونحو ذلك. وكلامه في الأعمش ليس فيه جرح، بل هو توثيق، وإنما فيه ذمّ بالتشيع والتدليس. وهذا أمر متفق عليه: أن الأعمش كان يتشيَّع ويدلّس، وربما دلس عن الضعفاء، وربما كان في ذلك ما يُنْكَر. وهكذا كلامه في أبي نعيم. فأما عُبيد الله بن موسى فقد تكلم فيه الإمام أحْمد وغيره بأشدّ من كلام الجوزجاني. وتكلم الجوزجاني في عاصم بن ضَمْرة. وقد تكلم فيه ابن المبارك وغيره، واستنكروا من حديثه ما استنكره الجوزجاني. راجع "سنن البيهقي" (ج ٣ ص ٥١). غاية الأمر أن الجوزجاني هوَّل، وعلى كلِّ حال فلم يخرج

стр. 200

من كلام أهل العلم. وكأنّ ابن حجر توهّم أن الجوزجاني في كلامه في عاصم (١) يُسِرُّ حَسْوًا في ارتغاء (٢). وهذا تخيّل لا يُلتفت إليه. وقال الجوزجاني في يونس بن خباب: "كذاب مفتر" (٣). ويونس وإن وثقه ابن معين، فقد قال البخاري: "منكر الحديث". وقال النسائي مع ما عرف عنه: "ليس بثقة". واتفقوا على غلوّ يونس، ونقلوا عنه أنه قال: إن عثمان بن عفان قتل ابنتي النبي ﵌؛ وأنه روى حديث سؤال القبر ثم قال: ههنا كلمة أخفاها الناصبة. قيل له ما هي؟ قال: إنه ليسأل في قبره: مَن وليّك؟ فإن قال: عليٌّ، نجا! فكيف لا يُعذر الجوزجاني مع نَصْبه أن يعتقد في مثل هذا أنه كذاب مفتر؟ وأشدُّ ما رأيته للجوزجاني هو ما تقدم عنه في القاعدة الثالثة من قوله: "ومنهم زائغ عن الحق ... " (٤). وقد تقبل ابن حجر ذلك، على ما فهمه من معناه، وعظَّمه، كما مرَّ، وذكر نحو ذلك في "لسان الميزان" نفسه (ج ١ ص ١١) (٥). وإني لأعجب من الحافظ ابن حجر ﵀ يوافق

стр. 201

الجوزجاني على ما فهمه من ذلك، ويعظمه، مع ما فيه من الشدة والشذوذ ــ كما تقدم ــ ويشنِّع عليه ههنا ويهوِّل فيما هو أخفُّ من ذلك بكثير عندما يتدبر! والله المستعان.

стр. 202

شكر الترحيب تأليف العلامة الشيخ عبد الرحمن بن يحيى المعلمي العتمي اليماني رحمه الله تعالى ١٣١٢ - ١٣٨٦ تحقيق عليّ بن محمد العمران

стр. 203

[ص ١] الحمد لله الآمر بالقسط على كل حال، وتحري الصدق في كلِّ مقال. قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: ١٣٥]. وقال : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ٨]. وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان. ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠]. أما بعد، فإني كنتُ قبل سنوات شرعتُ في تأليف كتاب في تتبُّع مطاعن الأستاذ العلامة محمد زاهد الكوثري في أئمة الحديث، وثقات رواته في كتابه «تأنيب الخطيب»؛ لباعثٍ يأتي شرحه إن شاء الله تعالى، ورأيت (١) تلخيص نموذج منه يشتمل على ما أراه أهم تلك المناقشات؛ ليطلع الناس على ذلك، فلا يغترُّوا بمطاعن الأستاذ.

стр. 204

وطُبع ذاك النموذج باسم «طليعة التنكيل»، ثم رأيت الآن رسالةً للأستاذ في الجواب عن ذلك، سماها «الترحيب بنقد التأنيب». فأحبّ أن أنبه أولًا على ما وقع في طبع «الطليعة» مما لا ذنب لي فيه: ــ ١ ــ كنت أولًا تحدثت إلى بعض الإخوان عن اشتغالي بتأليف الكتاب، فسألني أن أكتب له وُرَيقة تشرح مقاصد الكتاب، فكتبت كلمةً اتفق أن وصلَتْ بعد ذلك إلى المعلّق على «الطليعة» (١)، فأثبتها ــ بدون تأمل ــ كمقدمة لـ «الطليعة»، وذلك عن غير أمري، وفيها ما يخالف ما في خطبة «الطليعة» نفسها، من تسمية الكتاب وترتيبه. ــ ٢ ــ [ص ٢] أرسلت «الطليعة» إلى رجل من سراة السلفيين بالحجاز (٢)؛ ليطلع عليها، وإن رأى أن يقوم بنشرها فعل، وأذنت في التعليق عليها إذا لزم. فدفع ذلك السريُّ «الطليعةَ» إلى الأستاذ الفاضل عبد الرزاق حمزة المدرس بالمسجد الحرام، فأولُ ما صنع الأستاذ عبد الرزاق حمزة أن أثبت الورقة التي سبق ذكرُها كمقدمة لـ «الطليعة»، ولم يتدبَّر ما فيها من بعض المخالفة، كما مر. ثم علق على «الطليعة» تعليقاتٍ هو المسئول عنها، ولم أرتضها، وزاد

стр. 205

مع ذلك فأصلح (في زعمه) مواضع في صُلب الكتاب، بتغيير بعض الكلمات، وزيادة بعض الكلمات والجُمَل، كلّ ذلك لأجل التشنيع والنكاية، إظهارًا لغضبه لما يعتقد أنه الحق. وكأنه استجاز ذلك لإذني المطلق في التعليق، ولأنه لم يتضح له قراءة خطي في بعض المواضع، أو رأى العبارةَ غير واضحة، فأصلح برأيه، ولظنِّه أن التشنيع والنكاية من مقصودي، فظنَّ أنه كلما كان أبلغ في ذلك كان أرضى عندي. وقد يكون بعضُ ذلك من صنيع من وَكَل إليه مراجعة «الطليعة» في مصر، ولا أدري من هو! وقد كنتُ عرضت النسخةَ التي أرسلتها إلى الحجاز على بعض أفاضل أهل العلم هنا (١)، فلما وصلت النسخة المطبوعة، ورأيناها استنكرنا جميعًا هذا الصنيع. وأطْلَعتُ بعضَ أهل العلم من الحنفية على النسخة المطبوعة، وقد كان اطلع على الأصل الذي بخطي. وبالجملة، فإني تألّمْت وتأسَّفت لذلك الصنيع المسئول عنه الأستاذ عبد الرزاق حمزة. ومع ذلك فإنني أقول: كما أنني أحبُّ أن يعذرني الناس في زللي، وكذلك الأستاذ محمد زاهد يحبّ أن يعذره الناس، فعلينا ــ معًا ــ[ص ٣] أن لا نَضُنَّ على الأستاذ عبد الرزاق حمزة ــ بتسليم أن له حقًّا ــ أن يرى أن له عذرًا فيما صنعه.

стр. 206

ــ ٣ ــ الطبع وقع بمصر بعيدًا عني، وعن الناشر، والمعلّق (١)، فلم تتيسر العناية بالتصحيح المطبعي، فوقعت في الطبعة أغلاط نعى الأستاذ الكوثري عليَّ بعضها (ص) (٢) من «الترحيب»، ولم يوازن بين حالي وحاله. هذا، وما وقع في «الطليعة» مما شرحته دعاني إلى التوقف عن إرسال «التنكيل» للطبع على تلك الطريقة. وآمُلُ أن يتيسر لي ما هو أضبط من ذلك، إن شاء الله تعالى. * * * *

стр. 207

[الباب الأول] (١) النظر في خطبة «الترحيب» تكلم الأستاذ فيها عن تأليفي، وتظنّى أنني شرعتُ فيه عَقِب نشر «التأنيب»، ثم تظنَّى في سبب تأليفي، وسبب علاقتي بالناشر، وسبب تعجيل طبع «الطليعة»، وأشار إلى الطعن في الشيخ محمد نصيف، والأستاذ عبد الرزاق حمزة. وقال (ص ٥): «فربما يكون هذا الناقد من اللامذهبية الحُدَثاء ... ». ثم قال: «والواقع أنه لا يهمني لا هذا التعجُّل، ولا ذلك التمهُّل». أقول: وأنا ــ بحمد الله ــ لا ألتفت إلى مناقشة الأستاذ في تلك التظنّيات، غير أن الواقع الذي يعرفه جماعة هنا، أن «التأنيب» لم يصل إلى الدائرة إلى الآن، وأني إنما وقفت عليه في شهر ربيع الثاني سنة (١٣٦٦)، جاء بعض الأفاضل بنسخة منه، وعرض عليّ أن أنظر فيها، فأبيت؛ لأنني كنت أكره الخوض في تلك القضية، وقد عرفتُ مما اطلعت عليه قبلُ من تعاليق الأستاذ على بعض الكتب أنه كثيرًا ما يتطرَّف في نظري. فألحَّ عليّ ذلك الفاضل، فأطعته، وهنالك رأيت ما هالني! فبدا لي أن أكتب شيئًا، فشرعت في ذلك ــ لعله ــ الأربعاء لعشر بقين من شهر ربيع الثاني سنة (١٣٦٦). ومع ذلك، لم أكن أواصل العمل، وربما يمضي الشهر وأكثر لا أنشط

стр. 208

لكتابة شيء، وأنا إلى الآن لم أكمل قسم العقائد (١). هذا هو الواقع، أحوجني الأستاذ إلى شرحه، وإن كان لا تتعلق به فائدة! ثم ذكر (ص ٦) الكلمات النابية التي وقعت في التعليق على «الطليعة»، وبعضها في «الطليعة» نفسها، منها عدة أسطر في (ص ٢٠). وقد قدمتُ أنه لا ذنب لي فيها، ولو كانت مما عَمِلت يدي لما أنكرتها، بل إن كنت أرى لي مبررًا في الإقدام عليها ذكرته، وإلا اعترفت بزللي. والله المستعان. ثم ذكر الأستاذ (ص ٦ - ٧) وَصْفي له ببالغ التيقظ، وسَعَة الاطلاع؛ لأتوصَّل بذلك إلى دفع احتمال أن يكون مخطئًا في المواضع التي انتقدتها من «التأنيب»، وإثبات أنه تعمَّد ذلك. فأقول ــ عالمًا أن الله ﵎ رقيب حسيب ــ: أما ثنائي على معرفة الأستاذ وتيقُّظه، [ص ٤] فذاك ما لا ريب فيه. ومن تأمل تأليفاته عَلِم ذلك حقّ العلم. وأما نسبتي له إلى التعمّد، فإنني بنيتُها على قرائن عِلْمية، مَنْ عَرَف فنّ الرجال والتراجم، وعرف معرفة الأستاذ، وأنصف= لا يسعه أن (٢) يرميني بالمجازفة.

стр. 209

وأذكر هنا من ذلك مثالًا واحدًا، وهو ما نقلته في «الطليعة» (ص ١١ - ٤٣) من تبديل الرواة، وأن الأستاذ ربما مرَّ به في الأسانيد الرجل، نعرف بالدلائل الفنيّة (١) أنه فلان الثقة، فيفتش عن رجل آخر ضعيف يوافق ذاك الثقة في الاسم واسم الأب، أو نحو ذلك، فيزعم أنه هو الواقع في السند. ثم ذكرتُ مِن ذلك اثني عشر رجلًا وقعوا في نحو عشرين رواية، وأقمتُ الدليل على ذلك، كما يراه المنصف في «الطليعة». وقد اعترف الأستاذ في «الترحيب» (٢) ببعض ذلك، ومع هذا لم أجد له في الكتاب كله مثالًا واحدًا عكس هذا! بأن يقع في سندِ روايةٍ في المغامز رجلٌ ضعيف، فيخطئ الأستاذ فيبدله بثقة! ! فهذا مثال واحد للأمور التي أقفلت دوني باب الاقتصار على القول بأن الأستاذ غلط. هذا مع علمي بأني معرَّض للخطأ والغفلة. والله المستعان. [ص ٥] أقول: الأستاذ حرّ أن يظنّ بي ما شاء، أما الواقع، فهو أن الذي غاظني وأنكرتُه من صنيع الأستاذ هو ما أنكره غيري من أهل العلم المستبصرين، من الحنفية وغيرهم. وذلك هو طعن الأستاذ في أكابر أهل العلم، وإساءته القول فيهم بدون حجة علمية. وقد شرحتُ ذلك في تراجمهم من «التنكيل»، وأفردت كلامه في الإمام الشافعي (٣)؛ لطوله.

стр. 210

ولما علمتُ أن الأستاذ كثير الأتباع، مسموع الكلمة، مقبول القول، رأيت أن مطاعنه الباطلة في الأئمة لا يسهل محو أثرها السيئ من صدور الناس إلا بيانُ تعدياته العلمية، سواءً أكانت مغالطة منه ــ كما ظننت ــ أم خطأ، كما يقول. وبعد، فلأستاذ ــ كما يعترف به هو ــ حريصٌ أشدَّ الحرص على إسقاط روايات المغامز. فلينظر المنصف في الأمثلة التي ذكرتها في «الطليعة»، وليتدبرها، وليراجع «التأنيب»، ويراجع هذا الرد «الترحيب»، ثم ليقض بالعدل، أَكَبَحَ الأستاذُ حرصَه على الإحجام عن الباطل، وقَصَره على تلمّس وجوه الحق، أم طمح وتعدّى؟ وأعترف أنا أنني فيما كتبته من «الطليعة» كنت حريصًا على بيان مغالطات الأستاذ. فليقضِ المنصف: أتعديتُ وجُرت، أم حاولت جهدي الاقتصار على وجوه الحق؟ [ص ٦] ثم ذكر الأستاذ (ص ٩ - ١١) مقدِّمة في الأحداث التي اكتنفت نشر «تاريخ الخطيب»، وضمَّنها بعض الثناء على الإمام أبي حنيفة ﵀. وذلك لا يتعلق بما أنكرته عليه، وناقشته فيه. خلا أنه أشار إلى نبز المخالفين لأبي حنيفة بالبدعة، وهو يعلم أن فيهم مَن مقامه في صدور أهل العلم بالكتاب والسنة أعظم من مقام غيره من الأئمة. ومن عادة الأستاذ أنه يلجأ إلى التهويل، وتكثير السواد، والتشبث بالمشهورات ــ وإن لم تصح ــ، وبالأمور المؤثِّرة على العوام، وأشباه ذلك.

стр. 211

ولو كان يقتصر على الحجج العلمية، لكان خيرًا له. ومع ذلك، فأنا لا أناقشه في ذاك القبيل، على شرط أن لا يتعدّى إلى إساءة القول في الأئمة الذين مقامهم عند أتباعهم من المسلمين لا يقلّ عن مقام أبي حنيفة عند أتباعه. ومقامهم عند أهل العلم المحققين الأبرياء من الهوى ــ من الحنفية وغيرهم ــ عظيم جدًّا. حتى سمعت من بعض أهل العلم من الحنفية، وبُلِّغت عن غيره منهم الإنكار الشديد على الأستاذ. ثم ذكر الأستاذ (ص ١٢ - ١٥) بعض أسباب طعن بعضهم في أبي حنيفة، كالقول بالرأي، والإرجاء، والقول بخلق القرآن. وهذا لا تعلُّق له بمناقشتي، فأما المسائل الاعتقادية، فقد نظرت فيها في قسم الاعتقاد (١) تحرِّيًا لما هو الحقّ إن شاء الله، لا بقصد الطعن في المخالف. ثم ذكر (ص ١٥) شَرْح طريقته في البحث عن أسانيد المثالب، فقال: «منها أن أخبار الآحاد ــ على فرض ثقة رواتها ــ لا تناهض العقل، ولا النقل المستفيض، فضلًا عن المتواتر». [ص ٧] أقول: هذا مما أوافقه عليه، ولكن ذلك لا يبيح المغالطة وسوء الطعن في الثقات، بل يقال ــ مثلًا ــ: هذا سند رجاله ثقات، ولكن متنه باطل؛ لمعارضته المعقول، أو المتواتر، أو نحو ذلك.

стр. 212

ولو اكتفى الأستاذ بهذا لما احتجت إلى أن أتعب في مناقشته. وكذلك من يريد مناقشته في الموضوع، يكفيه أن ينازعه ــ إن أمكنه ــ في صحة دلالة العقل، أو في ثبوت التواتر. وبذلك يتوفَّر الوقت على الأستاذ ومخالفيه، ويسهل الوصول إلى الحق عن قرب، ولا نكون ضُحْكة بين الناس، يقول أحدنا: إذا طعنوا في إمامي طعنت في إمامهم، وإذا طعنوا في مشايخي طعنت في مشايخهم، وإذا طعنوا في مذهبي طعنت في مذهبهم، وهكذا يؤول حال أهل العلم إلى المهاترة، ولا يوصل إلى حقيقة علمية. نعم، إن المدَّعى عليه إذا كان قابضًا للدار أو الأرض ــ مثلًا ــ، قد يحب المشاغبة وطول المنازعة، والخروج عن موضوع الدعوى، على أمل أن تخور قُوى المدَّعي؛ لطول المصابرة، فيسكت، كما أن المدّعي قد يحبّ مثل ذلك، على أمل أن يسأم المدَّعَى عليه طولَ النزاع، فيصالحه على الأقل. لكن هذا إنما يكون في أهل الباطل، فأما إذا كان المدَّعي والمدَّعَى عليه محبين للحق، فما عليهما إلا مفاوضة ساعة، بأن ينظر كلٌّ منهما في حجة صاحبه، فإن لم يتفقا رجعا إلى قاضٍ أو محكَّمٍ، وشرحا له الواقع كما هو. لكن حالنا ــ كما لا يخفى ــ حال أهل الباطل، والله أعلم بالمُبْطِل، فأحد المختلفين رمى صاحبه بأنه مبطل مشاغب له، وصاحبه يكيل له أضعاف ذلك. وإلى الله المشتكى. [ص ٨] قال الأستاذ (ص ١٥) أيضًا: «ومنها أن بين علماء الجرح والتعديل من يسجل أسماء المجهولين في عداد الثقات».

стр. 213

أقول: وهذا مما أوافقه عليه، وقد أفضتُ في شرح هذا في ترجمة ابن حبان من «التنكيل» (١)، وبينتُ أن توثيقه لمن لم تثبت معرفته له لا يرفع عنه الجهالة، وذكرتُ حالَ غيره من الأئمة. ثم قال الأستاذ (ص ١٥): «ومنها: أنه تقرَّر عند أهل العلم أن فاقد الشيء لا يعطيه». أقول: هذا مما أوافقه عليه، على معنى أنّ مَن ثبت أنه ليس بثقة، فلا يقبل منه توثيق لغيره، لكن بنى الأستاذ على هذا قوله: «فأمثال أبي نعيم، والبيهقي، والخطيب، ممن ثبتت شدة تعصبهم الموجبة لرد أنبائهم فيما يمس تعصبهم= لا يقبل قولهم في توثيق رجال المثالب». أقول: هذا لا أوافق عليه، بل أقول: مَن ثبت عند أهل العلم المتثبِّتين الذين لم يغلب عليهم سلطان الهوى أنه بلغ من حاله في الوقوع في غيره ما يُسقط عدالتَه، فهو مجروح لا يقبل توثيقه لموافقٍ ولا مخالف. غايةُ الأمر أن يُستأنس بثنائه على مخالفه استئناسًا. فأما مَنْ لم يبلغ ذلك، ولكن عُرِف بمَيلٍ، فإنما يجب التثبُّت في قوله الذي يوافق ميله، ويُتَروَّى فيه، فإن ظهر ما يدلّ على خطائه أو تساهله أو تسرُّعه، وخالفه مَنْ هو مثله في العلم والفضل، أو أقوى منه= ترجح قول المخالف. وأما إذا لم يكن هناك مرد لقوله إلا اتهامه بأنه كذب أو تعمَّد الحكمَ بالباطل؛ فلا سبيل إلى هذا بعد تسليم أنه ثقة في نفسه.

стр. 214

وهذه القاعدة قد حررتُها في قسم القواعد من «التنكيل» (١)، وحشدتُ هناك ما حضرني من النقل والنظر والشواهد. والخطيب إذا اتفق أنه وثَّق بعضَ الرواة الذين اتفق أنْ كانوا من رواة المغامز= فليس هذا عند الإنصاف من مَظنَّة ميله؛ لأن الراوي لم يقتصر على تلك الرواية، بل له روايات [ص ٩] أخرى كثيرة قد يكون فيها ما يخالف ميل الخطيب. فاتهام الخطيب أنه وثقه لأنَّ عنده رواية موافقة لميله إسرافٌ وتعدٍّ. على أنني قد بسطت ترجمة الخطيب في «التنكيل» (٢) بما يَعْرِف به المنصف جليَّة الحال. والتوسُّع في ردّ رواية العالم لما فيه غضّ من مخالفه، يلزمه ردّ رواية العالم فيما فيه مدحٌ لموافقه، ثم يجرُّ هذا إلى ما لا نهاية له إلا إسقاط السنة النبوية ألبتة، فضلًا عن غيرها من علوم الرواية، حتى الفقه نفسه. وهذا ما لا سبيل إليه. فعلى المتثبت أن يقف عند الحق، ومن لم يَسَعْه الحقّ، فلا وسَّع الله عليه! فإن غالبته نفسُه على التطرُّف بدا (٣) فنظر ما يجر إليه تطرُّفه. قال: «ومثل أبي الشيخ صاحب كتاب «العَظَمة»». أقول: هذا مما لا أوافق الأستاذ عليه، وترى ترجمة أبي الشيخ في «التنكيل» (٤).

стр. 215

قال: «ومرادي من كون الرجل غير موثَّق كونه غير موثَّقٍ مِن أهل الشأن». أقول: أما مَنْ لم يكن عندك ولا عند غيرك من أهل الشأن ــ أي ممن يقبل ثوثيقهم ــ، فقد يسوغ لك أن تقول فيمن لم يوثقه غيره: «غير موثَّق». وأما من كان عند غيرك من أهل الشأن، فإنه إذا وثَّق رجلًا لم يسغ لك أن تطلق تلك الكلمة. على أنه لعلك إذا راجعت كلامك تبين لك أن جماعةً ممن تزعم ــ عند حاجتك ــ أنه لا يعتدّ بتوثيقهم، قد احتججتَ أنتَ مرّةً أخرى ــ أو مرارًا ــ بتوثيقهم! فإن لم يكن هذا قد وقع منك، فعسى أن تحتاج إليه فيما بعد، فتحرِّي الحقّ خيرٌ وأسلم. قال (١): «وكم من راوٍ يوثق ولا يحتج به، كما في كلام يعقوب الفسوي». أقول: سيأتي ما في هذا. قال: «بل كم ممن يوصف بأنه صدوق ولا يعدّ ثقةً، كما قال ابن مهدي: أبو خَلْدة صدوق مأمون، الثقة سفيان وشعبة». أقول: لا ريب أن كلمة «صدوق» دون كلمة «ثقة». هذا هو الاصطلاح الغالب، فإذا قام دليل اتبع. فكلمة ابن مهدي التي ذكرها الأستاذ حملها أهلُ العلم على أن ابن مهدي أراد بالثقة هنا ما هو أجل وأكبر مما عليه الاصطلاح الغالب، ولهذا ضرب المثل بـ «شعبة»، و «سفيان»، وهما الغاية في الثقة.
следующие страницы →