← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 337

التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل - ضمن «آثار المعلمي»

عبد الرحمن المعلمي اليماني

Полный текст (1 489 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

وأكثر الروايات وأَثبتُها في عدد الجيش أنهم ألف وأربع مائة، وفي بعض الروايات: «ألف وخمس مائة». وجمع أهلُ العلم بين ذلك بأن عدد المقاتلة المستحقين للسهم كانوا ألفًا وأربع مائة، ومعهم نحو مائة ممن لا يستحق سهمًا من العبيد والنساء والصبيان. وجاء عن بُشَير بن يسار (١) قال: «شهدها مائة فرس، وجعل للفرس سهمين». وهذا محمول على خيل الأنصار، فأما مجموع الخيل فكانت مائتين. الثاني: حديث عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم العمري، عن نافع، عن ابن عمر: «أن رسول الله ﷺ كان يسهم للفارس سهمين، وللراجل سهمًا». أخرجه الدارقطني (٢)، ثم قال: «ورواه القعنبي عن العمري بالشك في الفارس والفرَس. ثنا أبو بكر، ثنا محمد بن علي الوراق، نا [٢/ ٦٩] القعنبي عنه». فقد شك العمري، وهو مع ذلك كثير الخطأ، حتى قال البخاري: «ذاهب لا أروي عنه شيئًا». ومن أثنى عليه فلصلاحه وصدقه، وأنه ليس بالساقط. الثالث: ما وقع في رواية بعضهم عن عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم. وسيأتي ذلك في الكلام على حديثه.

стр. 1017

الرابع: قال ابن أبي شيبة في «المصنف» (١): «غندر، عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن هانئ، عن علي قال: للفارس سهمان. قال شعبة: وجدته مكتوبًا عند (بياض)». وقال قبل ذلك (٢): «معاذ، ثنا حبيب بن شهاب، عن أبيه، عن أبي موسى أنه أسهم للفارس سهمين، وللراجل سهمًا». أما الأثر عن عليّ، فقول شعبة: «وجدته ... » عبارة مشككة. وقد روى الشافعي ــ كما في «سنن البيهقي» (ج ٦ ص ٣٢٧) ــ «عن شاذان (الأسود بن عامر)، عن زهير، عن أبي إسحاق قال: غزوت مع سعيد بن عثمان، فأسهم لفرسي سهمين، ولي سهما. قال أبو إسحاق: وكذلك حدَّثني هانئ بن هانئ عن عليّ، وكذلك حدَّثني حارثة بن مضرّب عن عمر». وفي «مصنف ابن أبي شيبة» (٣): «وكيع، ثنا سفيان وإسرائيل، عن أبي إسحاق قال: شهدنا غزوة مع سعيد بن عثمان، ومعي هانئ بن هانئ، ومعي فرسان، ومع هانئ فرسان؛ فأسهم لي ولفرسَيَّ خمسة أسهم، وأسهم لهانئ ولفرسَيْه خمسة أسهم». وهذا غير مخالف لرواية زهير، لأنه إذا أسهم للفرسين أربعة أسهم ولصاحبها سهمًا فقد أسهم للفرس سهمين، ولصاحبه سهمًا. وهذا بلا شك أثبَتُ مما ذكره شعبة. ومع هذا، فهانئ بن هانئ لم يرو عنه إلا أبو إسحاق

стр. 1018

وحده. قال ابن المدينى: «مجهول». وقال النسائي: «ليس به بأس». ومن عادة النسائي توثيق بعض المجاهيل، كما شرحته في الأمر الثامن من القاعدة السادسة من قسم القواعد. وأما الأثر عن أبي موسى فسنده جيد. وقد تأوله بعضهم بأن معناه للفارس من حيث هو ذو فرس، وذلك لا ينافي أن يكون له سهم ثابت من حيث هو رجل. وفي هذا تعسف. وقد ذكر ابن التركماني (١) أن ابن جرير ذكر في «تهذيبه» أن هذا كان في واقعة (تُسْتَر). فكأن هذا رأي لأبي موسى فيما إذا كانت الوقعة قتالَ حصنٍ يضعفُ غَناءُ الخيل فيه. وقد جاء عن جماعة من التابعين أنهم كانوا ينقصون سهام الخيل في قتال الحصون أو لا يُسهِمون لها شيئًا. ذكر [٢/ ٧٠] ذلك ابن أبي شيبة وغيره، وذكر إنكار عمر بن عبد العزيز ذلك (٢)، وإنكار مكحول له واحتجاجه بأن النبي ﵌ أسهم في غنائم خيبر للفرس سهمين ولصاحبه سهمًا، مع أن خيبر كانت حصنًا. ولعلَّ أبا موسى اعتذر عن هذا بأنَّ مغانم خيبر قُسمت على أصحاب الحديبية ولم تكن الحديبية حصنًا. ولعل ابن جرير قد ذكر هذا المعنى في «التهذيب»، فليراجعه من تيسَّر له ذلك (٣). حديث عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب. عبيد الله هذا ثقة جليل أثبَتُ من أخيه عبد الله بما لا يُحصى، بل جاء عن

стр. 1019

يحيى بن سعيد القطان والإمام أحمد وأحمد بن صالح أن عبيد الله أثبَتُ أصحاب نافع، وفيهم مالك وغيره. وقد وقعتُ على جماعة ممن روى عنه هذا الحديث. الأول: الإمام المضروب به المثل في الحفظ والإتقان والفقه والزهد والعبادة والسنة أبو عبد الله سفيان بن سعيد الثوري. قال الإمام أحمد في «المسند» (ج ٢ ص ١٥٢) (١): «ثنا عبد الرزاق، أنا سفيان، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر أن النبي ﷺ جعل للفرس سهمين وللرجل سهمًا». ورواه الدارقطني في «السنن» (ص ٤٦٧) (٢) من طريق عبد الله بن الوليد العدَني عن سفيان ــ بسنده ــ (٣) «أن رسول الله ﷺ أسهم للرجل ولفرسه ثلاثة أسهم: للرجل سهم ولفرسه سهمان». ورواه البيهقي في «السنن» (ج ٦ ص ٣٢٥) من طريق أبي حذيفة عن سفيان ــ بسنده ــ «أن رسول الله ﷺ أسهَمَ للرجل ثلاثة أسهم: للرجل سهم وللفرس سهمان». الثاني: الحافظ المقدَّم هُشيم بن بشير الواسطي. رواه عنه الإمام أحمد في «المسند» (ج ٢ ص ٢) (٤) وهو أول حديث في «مسند ابن عمر» ولفظه: «أن رسول الله ﷺ جعل يوم خيبر للفرس سهمين وللرجل سهمًا». الثالث: أبو معاوية محمد بن خازم الضرير. رواه عنه الإمام أحمد في

стр. 1020

«المسند» (ج ٢ ص ٢) (١) ولفظه: «أن رسول الله ﷺ أسهَمَ للرجل ولفرسه ثلاثة أسهم: سهمًا له، وسهمين لفرسه». [٢/ ٧١] ورواه أبو داود في «السنن» (٢) عن أحمد. وقد رواه عن أبي معاوية أيضًا علي بن محمد بن أبي الشوارب عند ابن ماجه (٣)، والحسن بن محمد الزعفراني عند الدارقطني (ص ٤٦٧) (٤)، وسعدان بن نصر عند البيهقي (ج ٦ ص ٣٢٥). الرابع: إسحاق الأزرق عند الشافعي كما في «مسنده» (٥) بهامش «الأم» (ج ٦ ص ٢٥٠) « ... أن رسول الله ﷺ ضرب للفرس بسهمين، وللفارس بسهم». الخامس: سُلَيم بن أخضر. رواه مسلم في «صحيحه» (٦) عن يحيى بن يحيى وأبي كامل عنه: « ... أن رسول الله ﷺ قسم في النفل للفرس سهمين، وللرجل سهمًا». وقع عند بعض رواة الصحيح: «للراجل». وقد رواه عن

стр. 1021

سُلَيم أيضًا: عبد الرحمن بن مهدي («مسند أحمد» ج ٢ ص ٦٢) (١)، وعفان («مسند أحمد» ج ٢ ص ٧٢) (٢)، وأحمد بن عبدة وحميد بن مسعدة عند الترمذي (٣). وفي روايتهم جميعًا: «للرجل». السادس: أبو أسامة. رواه عنه عبيد بن إسماعيل عند البخاري في «صحيحه» (٤) في كتاب الجهاد: « ... أن رسول الله ﷺ جعل للفرس سهمين، ولصاحبه سهمًا». وكذلك رواه عن أبي أسامة: محمدُ بن عثمان بن كرامة عند الدارقطني (ص ٤٦٧) (٥)، وأبو الأزهر عند البيهقي (ج ٦ ص ٣٢٤). ورواه ابن أبي شيبة في «المصنف» (٦) عن أبي أسامة وعبد الله بن نمير، وسيأتي. السابع: عبد الله بن نمير. رواه عنه الإمام أحمد في «المسند» (ج ٢ ص ١٤٣) (٧): « ... أن رسول الله ﷺ قسم للفرس سهمين وللرجل سهمًا». وكذلك رواه الدارقطني (ص ٤٦٧) (٨) من طريق أحمد. ورواه مسلم في «الصحيح» (٩) عن محمد بن عبد الله بن نمير عن أبيه، وأحال على متن

стр. 1022

سليم بن أخضر قال: «مثله، ولم يذكر: في النفل». ورواه الدارقطني (١) أيضًا من طريق عبد الرحمن بن بشر بن الحكم عن عبد الله بن نمير. وفي «مصنف ابن أبي شيبة» (٢) باب «في الفارس كم يُقسَم له؟ من قال: ثلاثة أسهم: حدثنا أبو أسامة وعبد الله بن نمير قالا: ثنا عبيد الله بن عمر ... : أن رسول الله ﷺ جعل للفرس سهمين وللرجل سهمًا». وذكره ابن حجر في «الفتح» (٣) عن «مصنف ابن أبي شيبة»، وذكر أن ابن أبي عاصم رواه في «كتاب الجهاد» (٤) له عن ابن أبي شيبة كذلك. وقال الدارقطني (ص ٤٦٩) (٥): «حدثنا أبو بكر [٢/ ٧٢] النيسابوري، نا أحمد بن منصور (الرَّمادي)، نا أبو بكر بن أبي شيبة، نا أبو أسامة وابن نمير ... أن رسول الله ﷺ جعل للفارس سهمين, وللراجل سهمًا. قال الرمادي: كذا يقول ابن نمير. قال لنا النيسابوري: هذا عندي وهمٌ من ابن أبي شيبة أو الرمادي، لأن أحمد بن حنبل وعبد الرحمن بن بشر وغيرهما رووه عن ابن نمير خلاف هذا, وقد تقدم ذكره عنهما , ورواه ابن كرامة وغيره عن أبي أسامة خلاف هذا أيضًا وقد تقدم». أقول: الوهم من الرمادي، فقد تقدم عن «مصنف ابن أبي شيبة»: «للفرس، للرجل». وكذلك نقله ابن حجر عن «المصنف»، وكذلك رواه ابن

стр. 1023

أبي عاصم عن ابن أبي شيبة كما مرَّ. ويؤكد ذلك أن ابن أبي شيبة صدَّر بهذا الحديث الباب الذي قال في عنوانه: «من قال ثلاثة أسهم» كما مرَّ, ثم ذكر بابًا آخر عنوانه: «من قال للفارس سهمان»، فذكر فيه حديث مجمِّع، وأثرَيْ عليّ وأبي موسى. فلو كان عنده أن لفظ ابن نمير كما زعم الرمادي أو لفظ أبي أسامة أو كليهما: «للفارس، للراجل» لوضع الحديث في الباب الثاني. فإن قيل: لعله تأول التأويل الذي تقدمت الإشارة إليه في الكلام على أثر أبي موسى. قلت: يمنع من ذلك أمور: الأول: بُعْد ذلك التأويل. الثاني: تصديره باب «من قال: ثلاثة أسهم» بهذا الحديث. الثالث: أن ذاك التأويل يحتمله أثرا علي وأبي موسى، ولم يُدرِجهما في هذا الباب، بل جعلهما في باب «من قال: للفارس سهمان». فإن قيل: فقد قال ابن التركماني في «الجوهر النقي» (١): «وفي «الأحكام» لعبد الحق: وقد روي عن ابن عمر أنه ﵇ جعل للفارس سهمين وللراجل سهمًا. ذكره أبو بكر ابن أبي شيبة وغيره». ونقل الزيلعي في «نصب الراية» (ج ٣ ص ٤١٧) حديث ابن أبي شيبة، وفيه: «للفارس، للراجل»، ثم قال: «ومن طريق ابن أبي شيبة رواه الدارقطني في «سننه»، وقال: قال أبو بكر النيسابوري ... ». أقول: أما عبد الحق، فلا أراه إلا اعتمد على رواية الرمادي. وأما ابن التركماني، فالمعتبة عليه؛ فإنه ينقل كثيرًا عن «مصنَّف ابن أبي شيبة» نفسه،

стр. 1024

بل نقل عنه بعد أسطرٍ أثرَ عليّ، فما باله [٢/ ٧٣] أعرض هنا عن النقل عنه، وتناوله من بعيد من «أحكام عبد الحق»! وأما الزيلعي، فلا أراه إلا اعتمد على رواية الدارقطني عن النيسابوري عن الرمادي، فإما أن لا يكون راجع «المصنَّف» لظنه موافقته لما رواه الرمادي، وإما أن يكون حمل الخطأ على النسخة التي وقف عليها من «المصنَّف» ولم يتنبَّه لتراجم الأبواب، وإما ــ وهو أبعد الاحتمالات ــ أن يكون وقع في نسخته في «المصنَّف» خطأ كما قاله الرمادي. والله المستعان. الثامن: زائدة بن قدامة، عند البخاري في «صحيحه» (١) في «غزوة خيبر». رواه البخاري عن الحسن بن إسحاق، عن محمد بن سابق، عن زائدة ... : «قسم رسول الله ﷺ يوم خيبر للفرس سهمين وللراجل سهمًا. فسَّره نافع فقال: إذا كان مع الرجل فرسٌ فله ثلاثة أسهم، فإن لم يكن له فرس فله سهم». وهذا التفسير يدلُّ أن الصواب في المتن «للرجل»، لكن وقع في نسخ «الصحيح» كما رأيت. وزائدة متقن، لكن شيخ البخاري ليس بالمشهور. ومحمد بن سابق، قال ابن حجر في ترجمته من الفصل التاسع من «مقدمة الفتح» (٢): «وثَّقه العجلي، وقوَّاه أحمد بن حنبل. وقال يعقوب بن شيبة: كان ثقة، وليس ممن يوصف بالضبط. وقال النسائي: لا بأس به. وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: ضعيف. قلت: ليس له في البخاري سوى حديث واحد في «الوصايا» ... وقد تابعه عليه عبيد الله بن موسى».

стр. 1025

كذا قال، وفاتَه هذا الحديث. وعذرُ البخاري أنه رأى أن الوهم في هذا الحديث يسيرٌ يجبره التفسير. ومع ذلك فلم يذكره في «باب سُهمان الخيل»، وإنما ذكره في «غزوة خيبر». التاسع: ابن المبارك. رواه عنه علي بن الحسن بن شقيق، كما في «فتح الباري» (١). ذكر رواية الرمادي عن نعيم عن ابن المبارك الآتية، ولفظها: « ... عن النبي ﷺ أنه أسهم للفارس سهمين وللراجل سهمًا»، ثم قال: «وقد رواه علي بن الحسن بن شقيق ــ هو أثبَتُ من نعيم ــ عن ابن المبارك بلفظ: أسهم للفرس». ولم يذكر بقيته، لأنه إنما اعتنى بلفظ الفارس والفرس، وقد قال قبل ذلك: « ... فيما رواه أحمد بن منصور الرمادي عن أبي بكر بن أبي شيبة ... بلفظ: أسهم للفارس سهمين. قال الدارقطني ... ». فأما ما رواه الدارقطني (ص ٤٦٩) (٢) «حدثنا أبو بكر النيسابوري، نا أحمد بن منصور (الرمادي)، نا نعيم بن حماد، نا ابن المبارك ... عن [٢/ ٧٤] النبي ﷺ أنه أسهم للفارس سهمين وللراجل سهمًا. قال أحمد: كذا لفظ نعيم عن ابن المبارك، والناس يخالفونه. قال النيسابوري: ولعل الوهم من نعيم، لأن ابن المبارك من أثبت الناس». أقول: نعيم كثير الوهم، وكلام الحنفية فيه شديد جدًّا، كما في ترجمته من قسم التراجم (٣). ولكني أخشى أن يكون الوهم من الرمادي، كما وهم على أبي بكر بن أبي شيبة. ولا أدري ما بليَّته في هذا الحديث مع أنهم وثَّقوه.

стр. 1026

وقال ابن التركماني (١): «رواه ابن المبارك عن عبيد الله بإسناده، فقال فيه: للفارس سهمين وللراجل سهمًا. ذكره صاحب «التمهيد»». أقول: وهذه معتبة أخرى على ابن التركمانى، إذ لم يذكر أن صاحب «التمهيد» إنما رواه من طريق الرمادي عن نعيم (٢)! والله المستعان. العاشر: حماد بن سلمة. قال الدارقطني (ص ٤٦٨) (٣): «حدثنا أبو بكر النيسابوري، نا أحمد بن يوسف السُّلَمي، نا النضر بن محمد بن موسى اليمامي، نا حماد بن سلمة ... أن رسول الله ﷺ أسهم للفارس سهمًا وللفرس سهمين. خالفه حجاج بن المنهال عن حماد، فقال: للفارس سهمين وللراجل سهمًا». أقول: حماد كثير الخطأ، إنما ثبَّتوه فيما يرويه عن ثابت وحميد. وكلام الحنفية فيه شديد، كما تراه في ترجمته من قسم التراجم (٤)، وأولى روايتيه بالصحة ما وافق فيه الثقاتِ الأثباتَ. وفي الباب مما يدل على أن للفرس سهمين ولصاحبه سهمًا. في «نصب الراية» (ج ٣ ص ٤١٦) عن الطبراني في «الأوسط» (٥): «ثنا محمد بن عبد الله الحضرمي، ثنا هشام بن يونس، عن أبي معاوية، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر أن النبي ﷺ أسهم له يوم

стр. 1027

خيبر ثلاثة أسهم: سهمًا له، وسهمين لفرسه». قال الطبراني: «ورواه الناس عن عبيدالله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ . وهذا تفرد به هشام بن يونس عن أبي معاوية». أقول: وقد رواه جماعة عن أبي معاوية، فلم يقولوا: «عن عمر». وقالوا: «أسهم للرجل». نعم وقع في «سنن أبي داود» (١) عن أحمد عن أبي معاوية: «أسهم لرجلٍ». وهذا كأنه يشدُّ من رواية هشام، وهشام ثقة، ولا يبعد أن يكون الحديث عند عبيد الله عن نافع من الوجهين، ولكن الناس أعرضوا عن هذا لخصوصه بعمر، وعُنوا بالآخر لعمومه. [٢/ ٧٥] وروى سعيد بن عبد الرحمن الجمحي عند النسائي (٢)، ومُحاضِر بن المورِّع عند الدارقطني (ص ٤٧١) (٣) «عن هشام بن عروة، عن يحيى بن عبّاد بن عبد الله بن الزبير، عن جده أنه كان يقول: ضرب رسول الله ﷺ عام خيبر للزبير بن العوام أربعة أسهم: سهمًا للزبير، وسهمًا لذي القربى لصفية بنت عبد المطلب أم الزبير، وسهمين للفرس». سعيد ومحاضر من رجال مسلم، وفي كلٍّ منهما مقال. واقتصر النسائي في «باب سهمان الخيل» على هذا الحديث، ولم يتعقبه بشيء، وذاك يُشعر بأنه صحيح عنده لا يضرُّه الخلاف. وقد رواه عيسى بن يونس عند ابن أبي شيبة (٤)، ومحمدُ بن بِشْر

стр. 1028

العبدي عند الدارقطني (ص ٤٧١) (١)، وابنُ عيينة عند الشافعي كما في «مسنده» (٢) بهامش «الأم» (ج ٦ ص ٢٥٠) ثلاثتُهم عن هشام عن يحيى مرسلًا. ولفظ ابن عيينة: «أن الزبير بن العوام كان يضرب في المغنم بأربعة أسهم: سهمٍ له، وسهمين لفرسه، وسهمٍ في ذوي القربى». وعند الدارقطني (ص ٤٧١) (٣) عن إسماعيل بن عياش عن هشام بن عروة روايتان: إحداهما عن أبيه، عن عبد الله بن الزبير، عن الزبير قال: «أعطاني رسول الله ﷺ يوم بدر أربعة أسهم ... ». والأخرى: عن عباد بن عبد الله بن الزبير عن الزبير .. » بمعناه. وإسماعيل يخلط فيما يرويه من غير الشاميين. وفي «مسند أحمد» (ج ١ ص ١٦٦) (٤): «ثنا عتّاب، ثنا عبد الله، ثنا فليح بن محمد، عن المنذر بن الزبير، عن أبيه أن النبي ﷺ أعطى الزبيرَ سهمًا، وأمَّه سهمًا، وفرسَه سهمين». ذكره أحمد في «مسند الزبير»، وليس من عادة أحمد في «المسند» إخراج المراسيل. وعتاب هو ابن زياد المروزي، وثَّقه أبو حاتم وغيره، ولم يغمزه أحد. وعبد الله هو ابن المبارك. وقد تصحّفت على بعضهم كلمة [«عن» إلى] «بن» بين محمد والمنذر، فجرى البخاري في «تاريخه» (٥) ومن تبعه على ذلك، كما في ترجمة فليح في «تعجيل المنفعة» (٦). ولم يذكر البخاري من رواه كذلك عن ابن

стр. 1029

المبارك. فالصواب ــ إن شاء الله ــ رواية أحمد. أما فليح فغير مشهور، لكن رواية ابن المبارك عنه تقوِّيه. وفي الباب من حديث أبي عمرة عند أحمد في «المسند» (ج ٤ ص ١٣٨) (١)، وأبي داود في «السنن» (٢)، والدارقطني (ص ٤٦٨) (٣)، وابن منده كما في ترجمة أبي عمرة من «الإصابة» (٤). ومن حديث ابن عباس (٥)، والمقداد (٦)، وأبي رهم (٧)، وأبي كبشة (٨)، وجابر (٩)، وأبي هريرة (١٠).

стр. 1030

تراها عند الدارقطني وغيره، كلُّها متفقة على أن للفرس سهمين ولصاحبه سهمًا. [٢/ ٧٦] وفي «مصنف ابن أبي شيبة» (١) مراسيل عن مجاهد، وخالد بن معدان، ومكحول، وغيرهم. وقد تقدَّم بعضها، كمرسل صالح بن كيسان، ومرسل بُشَير بن يسار. وفي «المصنف» (٢): «ثنا عبد الرحيم بن سليمان، عن أشعث بن سوَّار، عن الحسن وابن سيرين قالا: كانوا إذا غزوا فأصابوا الغنائم قسموا للفارس من الغنيمة حين تقسم ثلاثةَ أسهم: سهمين لفرسه، وسهمًا له (٣)، وسهمًا للراجل». وفيه (٤): «حدثنا جعفر بن عون، عن سفيان، عن سلمة بن كُهيل: ثنا أصحابنا عن أصحاب محمد ﷺ أنهم قالوا: للفرس سهمان، وللرجل سهم». وفيه (٥): «حدثنا محاضر قال: ثنا مجالد عن عامر (الشعبي) قال: لما فتح سعد بن أبي وقاص جَلُولاءَ أصاب المسلمون ثلاثين ألفَ ألفِ مثقال، فقسم للفارس ثلاثة آلاف، وللراجل ألف مثقال».

стр. 1031

وفيه (١): «حدثنا وكيع قال: ثنا سفيان، عن هشام، عن الحسن (٢) قال: لا يُسهَم لأكثر من فرسين، فإن كان مع الرجل فرسانِ أُسِهمَ له خمسة أسهم: أربعة لفرسَيْه وسهمٌ له». وفي «نصب الراية» (ج ٣ ص ٤١٩): «قال سعيد بن منصور (٣): ثنا فرج بن فضالة، ثنا محمد بن الوليد الزبيدي، عن الزهري أن عمر بن الخطاب كتب إلى أبي عبيدة بن الجراح أن أَسْهِمْ للفرس سهمين، وللفرسين أربعة أسهم، ولصاحبها سهمًا. فذلك خمسة أسهم، وما كان فوق الفرسين فهو جنائب». وفي «سنن الدارقطني» (ص ٤٧٠) (٤) عن خالد الحذاء (وقد رأى أنسًا) قال: «لا يُختلف فيه عن النبي ﷺ قال: للفارس ثلاثة، وللراجل سهم». وذكر الأستاذ (ص ٨٧) عن كتاب «اختلاف الفقهاء» لابن جرير (٥) عن مالك قال: «إني لم أزل أسمع أن للفرس سهمين، وللرجل سهمًا».

стр. 1032

[٢/ ٧٧] المسألة الثانية عشرة أما على القاتل بالمثقل قصاص ؟ في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٣٢) عن إبراهيم الحربي قال: «كان أبو حنيفة طلب النحو ... فتركه، ووقع في الفقه فكان يقيس، ولم يكن له علم بالنحو، فسأله رجل بمكة، فقال له: رجلٌ شجَّ رجلًا بحجر؟ فقال: هذا خطأ ليس عليه شيء، لو أنه حتى يرميه بأبا قُبيس لم يكن عليه شيء». قال الأستاذ (ص ٢٣): «وأدلة أبي حنيفة في حكم القتل بالمثقل مبسوطة في كتب المذهب ... وقد صحت أحاديث وآثار عند النسائي, وأبي داود، وابن ماجه، وابن حبان، وأحمد، وابن راهويه، وابن أبي شيبة، وغيرهم يؤيد ظاهرها هذا المذهب. وقد أعلَّ أبو حنيفة حديثَ الرضخ كما سيأتي». وعلَّقَ على قوله: «وقد صحت أحاديث ... » قوله (١): منها: حديث عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ : «ألا إن دية الخطأ شبه العمد، ما كان بالسوط والعصا مائةٌ من الإبل». أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه وابن حبان بسند صحيح. ومنها: حديث ابن عباس عن النبي ﷺ : «شبه العمد قتيل الحجر والعصا فيه الدية مغلظة». أخرجه ابن راهويه. ومنها: حديث ابن عباس في دية القاتلة بمسطح ــ وهو عود من أعواد الخباء ــ أخرجه عبد الرزاق. إلى غير ذلك من الأحاديث». أقول: في هذه القضية آيات من كتاب الله أعرض عنها الأستاذ!

стр. 1033

الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ الآية [النساء: ٩٢ - ٩٣]. من المعلوم في العربية أن عمد القتل وتعمُّده هو قصده، وأن وقوعه خطأً هو أن يقع بلا قصد. ولا ريب أنه إذا كان هناك قتل يوصف بأنه خطأ شبيه بالعمد فإنما هو أن يُتعمَّد سببُ القتل كالضرب مثلًا ولا يُقصَد القتل، وإنما يُقصَد الإيلام بلا قتل، فهذا القتل خطأ لأنه لم يُقصد، ولكنه شبيه بالعمد من جهة أن سببه متعمَّد. ولا يشك عاقل أن مَن عمَدَ إلى طفل أو [٢/ ٧٨] ضعيف فوضع رأسه على صخرة، وجاء بأخرى فضرب بها رأسه حتى فضخه؛ أو وضع حبلًا في عنقه، ثم شدَّ طرفه بشجرة، ثم جذب طرفه الآخر جذبًا شديدًا بطيئًا حتى مات؛ أو غمسه في ماء كثير، وحبسه فيه مدةً طويلة حتى مات؛ أو أخذ هراوةً، فضربه بها ضربًا شديدًا رأسه وعنقه وصدره وظهره حتى مات= فقد قتله عمدًا. وأنّ من زعم أن القتل في هذه الصور وما في معناها ليس عمدًا وإنما هو خطأ شبه العمد، فقد خرج عن لغة العرب. الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ الآية [البقرة: ١٧٨]. نصَّت الآية على وجوب القصاص في كل قتيل يتأتى فيه، والقصاص يدل على المماثلة، والمقصود: المماثلة في المعاني التي يُعقل لها دَخْلٌ في الحكم، فلا تتناول القتيلَ بحقٍّ لأن قتل قاتله يكون بغير حق، ولا القتيلَ خطأً محضًا لأن قتل قاتله إنما يكون عمدًا، ولا القتيلَ الذي دلَّت شواهد الحال

стр. 1034

على أنه إنما قُصِد إيلامه لا قتلُه كالمضروب ضرباتٍ يسيرةً بسوط أو عصا خفيفة؛ لأن قتل قاتله يكون مقصودًا. وتتناول الآية القتلى في الصور المتقدمة سابقًا، وهي فضخُ الرأس وما معه ونحوها إذا كان بغير حق؛ لأنه قُصِد فيها سببُ القتل وقُصِد فيها القتل، وقتلُ القاتل يقتضي مثل ذلك بدون زيادة فهو قصاص، فالآية تنص على وجوب القصاص في تلك الصور ونحوها حتمًا. الآية الثالثة: قوله : ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾ [الإسراء: ٣٣]. والإسراف هو تعدي المماثلة التي تقدَّم بيانها، أو قُلْ: تعدي القصاص، فمن قُتل بحق فلم يُقتَل مظلومًا، ولا يكون قتلُ قاتله إلا إسرافًا. وبقية الكلام كما في الآية السابقة. وقتلُ القاتل في تلك الصور التي منها فضخُ الرأس وما معه وما في معناها لا يتعدى المماثلة المعتبرة، فلا إسراف فيه، فقد جعل الله تعالى للولي سلطانًا عليه، وذلك شرع القصاص. الآية الرابعة: قوله سبحانه: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٩]. ولا ريب أنه إذا لم يكن في القتل بالمثقّل قصاص لم يتَّقِه الناس، فيتحرَّون القتل بالمثقل [٢/ ٧٩] عدوانًا وانتقامًا، فيفوت المقصود من شرع القصاص. الآية الخامسة قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦].

стр. 1035

الآية السادسة: قوله سبحانه: ﴿وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ﴾ [الحج: ٦٠]. الآية السابعة: قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [البقرة: ١٩٤]. الآية الثامنة: قوله ﵎: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]. وأما الأحاديث التي ذكرها الأستاذ، فحديث «ألا إن دية الخطأ شبه العمد ... » مختلَفٌ في إسناده. فقيل عن القاسم بن ربيعة مرسلًا (١)، وقيل عنه عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا (٢)، وقيل عنه عن عقبة بن أوس مرسلًا (٣)، وقيل عنه عن عقبة عن رجل من الصحابة (٤)، وقيل غير ذلك (٥).

стр. 1036

وقد ساق النسائي (١) أكثرتلك الوجوه. وذلك الاختلاف والاضطراب قد يُتسامح فيه إذا لم يكن المتن منكَرًا. ومن قوَّاه من المحدثين لا يرى معناه ما يزعمه الحنفية مما يخالف الكتاب والسنة الصحيحة. ولو رأى أن ذلك معناه لأنكره، فردَّه بذلك وبذاك الاختلاف والاضطراب (٢). مع ذلك فعقبة بن أوس المتفرِّد به غير مشهور، وإنما وثَّقه مَن مِن عادته [٢/ ٨٠] توثيقُ المجاهيل، وإن كانوا مقلِّين، إذا لم ير في حديثهم ما ينكره. وقد شرحتُ ذلك في الأمر الثامن من القاعدة السادسة من قسم القواعد.

стр. 1037

ولو رأوا أن معنى هذا الحديث ما يزعمه الحنفية لَما أثنوا على عقبة، بل لعلهم يجرحونه بمقتضى قاعدتهم في جرح المتفرِّد بالمنكر، ولاسيَّما إذا كان مقلًّا غير مشهور. والحنفية يردون الأحاديث الصحيحة الصريحة التي لا مطعن في أسانيدها البتة بدعوى مخالفتها للقرآن حيث لا مخالفة، كما مرَّ في المسألة السابعة، وكما يأتي في المسألة الخامسة عشرة؛ فكيف يسوغ لهم أن يتشبثوا بهذا الحديث، مع ما في سنده من الاختلال، ومع وضوح مخالفة معناه الذي يعتمدونه للقرآن؟ ! فإن قيل: وهل يحتمل معنى آخر؟ قلت: نعم، وبيان ذلك أن من القتل ما يتبين فيه أن القاتل قصَدَ القتل، كالصور التي تقدَّم التمثيلُ بها من فضْخ الرأس وما معه ونحو ذلك وما يقرب منه. ومنه ما يُتردَّد فيه أقصَد أم لم يقصِد؟ كمن أغضبه رفيقُه، وكان بيده فأس أو عصا كبيرة، فضرب رأسه، فقتله. ومنه ما يتبين أنه لم يقصد، كمن ضرب رجلًا ضرباتٍ يسيرةً بسوط أو عصا خفيفةٍ فمات. فهذه ثلاثة أضرب. وقوله في أول الحديث: «ألا إن دية الخطأ شبه العمد» مُخْرِجٌ للضرب الأول حتمًا، لأنه عمْدٌ محض لا يُعقل أن يسمَّى خطأً شبه العمد، فبقي الأخيران، والظاهر أنه شامل لهما. أما الثالث فواضح، وأما الثاني فلأنه إذا لم يتبيَّن قصدُ القتل، فالأصل عدمُه. فقوله بعد ذلك: «ما كان بالسوط والعصا» حقُّه أن يكون تقييدًا لِيُخرج من الضرب الثاني ما كان بسلاح، لأن استعمال السلاح يدل على قصد القتل، وإن كانت قد تدافعه قرينة أخرى، فيقع التردد.

стр. 1038

ومن الحكمة في ذلك زجرُ الناس عن استعمال السلاح حيث لا يحل لهم القتل. وفي «صحيح مسلم» (١) من حديث أبي هريرة: قال رسول الله ﷺ : «لا يشير أحدُكم إلى أخيه بالسلاح، فإنه لا يدري أحدكم لعل الشيطان يَنْزِع في يده، فيقع في حفرة من النار». وفيه (٢) من حديثه أيضًا: «من أشار إلى أخيه بحديدةٍ فإن الملائكة تلعنُه، حتى وإن كان أخاه لأبيه وأُمه». وفي «المستدرك» (ج ٤ ص ٢٩٠) (٣) من حديث جابر قال: «نهى رسول الله ﷺ أن يُتعاطَى السيفُ مسلولًا». ومن حديث أبي بكرة (٤) قال: «مرَّ رسول الله ﷺ على قومٍ يتعاطون سيفًا مسلولًا، فقال رسول الله ﷺ : لعن الله من فعل هذا، أوَ ليس قد نَهيتُ عن هذا؟ إذا سلَّ أحدكم سيفًا يَنظر إليه فأراد أن [٢/ ٨١] يناوله أخاه فليُغْمِدْه ثم لْيُناوِلْه إياه». وعلى ذاك المعنى، فكلمة «ما» من قوله: «ما كان بالسوط والعصا» إما موصولة بدلُ بعضٍ من «الخطأ شبه العمد»، وإما مصدرية زمانية، أي: وقت كونه بالسوط (٥) والعصا، كما قيل بكلٍّ من الوجهين فيما قصَّه الله تعالى عن شعيب: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ﴾ [هود: ٨٨].

стр. 1039

ويؤيد ذلك أن في بعض الروايات عند النسائي (١) وغيره، منها روايةُ أيوب عن القاسم، وروايةُ هشيم عن خالد الحذاء عن القاسم: « ... الخطأ شبه العمد بالسوط والعصا ... » ليس فيه «ما كان»، والتقييد في هذا ظاهر. على أن الشارع وإن قضى بأنه إذا كان القتل بسلاح ونحوه عمد (٢) حيث يتردد في القصد، فإنه يبالغ في حضِّ وليِّ الدم على أن لا يقتص. أخرج أبو داود في «السنن» (٣) من حديث أبي هريرة قال: «قَتَل رجل على عهد النبي ﷺ ، فرُفِع ذلك إلى النبي ﷺ ، فدفعه إلى ولي المقتول. فقال القاتل: يا رسول الله، والله ما أردتُ قتله. قال: فقال رسول الله ﷺ للولي: «أما إنه إن كان صادقًا ثم قتلتَه لَتدخلَنَّ النارَ». قال: فخلَّى سبيله». ثم أخرجه (٤) من حديث وائل بن حجر، وفيه: «قال: كيف قتلتَه؟ قال: ضربتُ رأسه بالفأس ولم أُرِدْ قتلَه ... قال للرجل: خذه. فخرج به ليقتله، فقال رسول الله ﷺ : أمَا، إنه إنْ قَتَله كان مثلَه ... ». وحديث وائل في «صحيح مسلم» (٥)، وفيه: «كيف قتلتَه؟ قال: كنتُ أنا وهو نختبط من شجرة، فسبَّني، فأغضَبَني فضربتُه بالفأس على قرنه، فقتلته ... ».

стр. 1040

وفي رواية (١): «فلما أدبر، قال رسول الله ﷺ : القاتل والمقتول في النار ... ». وتأوله بعضهم على أن النبي ﵌ كان سأل الوليَّ أن يعفو، فأبى. وهذا ضعيف من وجهين: الأول: أنه ليس في القصة من الأمر بالعفو إلا ما وقع من بيان الإثم أو ما بعده. الثاني: أنه ليس من سنة النبي ﵌ أن يأمر أحدًا بترك حقِّه أمرًا جازمًا يأثم المأمور إن لم يمتثله. وقد رغَّب ﵌ إلى بَرِيرة لمَّا عتقت أن لا تفسخ نكاح زوجها، فقالت: أتأمرني يا رسول الله؟ قال: «لا، وإنما أنا أشفع». قالت: فلا حاجة لي فيه (٢). ولم يعتِبْ هو بأبي وأُمي ولا أحد من أصحابه على بريرة. فالصواب ما دل عليه حديث أبي هريرة أنَّ إثمَ الولي إن قَتَل إنما هو مبني على قول القاتل: لم أُرِدْ قتلَه، مع قوة احتمال صدقه. وقد ذكر [٢/ ٨٢] الطحاوي في «مشكل الآثار» (ج ١ ص ٤٠٩) (٣) الحديث، ثم قال: «فكان معنى ذلك ــ والله أعلم ــ أن البينة التي كانت شهدت عليه بقتله لأخي خصمه شهدَتْ بظاهر فعله الذي كان عندنا (٤) أنه

стр. 1041

عمدٌ له لا شكَّ عندنا (١) فيه، وكان المدَّعَى عليه أعلمَ بنفسه وأيما (٢) كان منه في ذلك، فادعى باطنًا كان منه في ذلك، لا بحجة معه (٣) ... ». أقول: لم أر في شيء من الروايات إقامة بينة أي شهود، بل في بعض الروايات (٤) أن الولي قال: «أمَا إنه لو لم يعترف لأقمتُ عليه البينة». فإنما كان في الواقعة اعترافُ الرجل بالضرب وبتعمُّده وبآلته وصفته، وضربُ الرأس بالفأس يقتضي قصد القتل، إلا أن هناك ما عارضه وهو أنه لم يسبق بينهما عداوة، وكانت الفأس بيد الجاني يختبط بها، فثار غضبه بسبب السبِّ، فضرب بما كان في يده، وادَّعى أنه لم يُرد القتل، وأقسم على ذلك. فالحديث يدل أنه في مثل هذه الحال يُقْضَى بأن القتل عمدٌ تأكيدًا للزجر عن القتل والتنفير عنه، ولا يُمنَع الوليُّ من الاقتصاص، ولكنه يحرُم عليه. فإن قيل: وكيف لا يُمنَع مما يحرُم عليه؟ قلت: لأنه لو مُنع منه حُكْمًا لفات المقصود من تأكيد الزجر عن القتل. ويُشبِه هذا ما ثبت أن النبي ﵌ كان يُعطي المُلْحِفَ في السؤال، وإن كان غير مستحق. وفي «مسند أحمد» (٥) و «المستدرك» (٦)

стр. 1042

وغيرهما من حديث أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وآله سلم قال: «أمَا والله، إن أحدكم لَيخرُج بمسألته من عندي يتأ بَّطُها، وما هي إلا نار! » قال عمر: لِمَ تُعطِيها إياهم؟ قال: «ما أصنع؟ يأبَون إلا ذلك، ويأبى الله لي البخلَ». وفي «صحيح مسلم» (١) من حديث عمر عن النبي ﵌: «إنهم خَيَّروني أن يسألوني بالفحش أو يبخِّلوني، فلست بباخل». فإذا حُمِلَ ذاك الحديث على المعنى الذي ذكرنا، لم يكن مخالفًا لكتاب الله ، ولا للسنة الصحيحة، ولا للنظر المعقول؛ فلا يكون منكرًا. وعلى هذا بنى من قوَّاه من المحدثين، ووثَّق راويه المتفرد به، مع ما فيه من الخلل. فإن أبى الحنفية إلا المعنى الذي يتشبَّثون به، [٢/ ٨٣] قلنا: فعلى ذلك يكون الحديث منكرًا، فيُرَدُّ ويُضَعَّف راويه اتفاقًا. خُذَا (٢) أنفَ هَرْشَى أو قَفاها فإنما ... كِلا جانبَي هَرْشَى لهنَّ طريقُ على أنَّه سيأتي في الحديث الثاني التقييد بأن يكون القتل في مناوشة بين عشيرتين بدون ضغينة ولا حمل سلاح، فيُقتَل رجلٌ لا يُدرَى مَن قاتله. وعلى هذا فلو صحَّ هذا الحديث وكان مطلقًا، لوجب حملُه على ذاك المقيَّد. ومقتضى الحديث أنه في تلك الصورة يُقضى بأن القتلَ شبهُ عمد، فينظر في العشيرتين المتناوشتين، فأيتهما كان المقتول منها كانت ديته مغلَّظة

стр. 1043

على الأخرى؛ لأن الظاهر أن القاتل منها وأنها عاقلته. فأما إذا كان هناك ضغينة وحمل سلاح، فإنه يُقضى بأن القتل عمد، فيجعل قسامة. وأماإذا عُرف القاتل فله حكمُه. والله أعلم. قول الأستاذ: «ومنها حديث ابن عباس عن النبي ﷺ : «شبه العمد قتيلُ الحجر والعصا، فيه الدية مغلظة». أخرجه ابن راهويه». أقول: ذكره الزيلعي في «نصب الراية» (ج ٤ ص ٣٣٢) وذكر أن ابن راهويه رواه عن عيسى بن يونس، عن إسماعيل بن مسلم، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس؛ وأنه مختصر، وأحال لتمامه (١) على ما تقدَّم له يعني (ج ٤ ص ٣٢٧). ومتنُ الحديث هناك: «العمدُ قوَد إلا أن يعفو وليُّ المقتول، والخطأ عقل لا قوَد فيه، وشبه العمد قتيل العصا والحجر ورمي السهم، فيه الدية مغلظة من أسنان الإبل». نسبه إلى ابن راهويه بالسند نفسه. والحديث في «سنن الدارقطني» (ص ٣٢٨) (٢) من طريق: «يزيد بن هارون، نا إسماعيل بن مسلم، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : العمد قود اليد، والخطأ عقل لا قود فيه، ومن قُتِل في عِمِّيَّةٍ بحجر أو عصا أو بسوط، فهو دية مغلَّظة في أسنان الإبل». وإسماعيل بن مسلم (٣) ضعيف، وقد اضطرب كما رأيت، وجعل فيه في رواية ابن راهويه رميَ السهم، وهو عمد عند الحنفية.

стр. 1044

ورواه أبو داود (١) وغيره من طريق سليمان بن كثير، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس يرفعه: «من قُتِل في عِمِّيَّا أو رِمِّيَّا تكون بينهم بحجر أو سوط، فعقلُه عقلُ خطأ، ومن قتل عمدًا فقود يده». سليمان متكلَّم فيه. ورواه الدارقطني (ص ٣٢٨) (٢) من طريق الحسن بن عمارة، عن عمرو، عن طاوس، عن ابن عباس مرفوعًا. والحسن بن عمارة ضعيف جدًّا. ورواه الدارقطني [٢/ ٨٤] (ص ٣٢٧) (٣) من طريق حماد بن زيد عن عمرو بن دينار بسنده. والصحيح عن حماد أنه رواه مرسلًا. قال أبو داود (٤) في باب «عفو النساء عن الدم»: «حدثنا محمد بن عبيد، نا حماد، ح ونا ابن السرح، نا سفيان ــ وهذا حديثه ــ، عن عمرو، عن طاوس قال: من قُتِل. وقال ابن عبيد: قال: قال رسول الله ﷺ : «من قُتِل في عِمِّيَّا في رَمْيٍ يكون بينهم بحجارة أو بالسياط أو ضربٍ بعصا، فهو خطأ، وعقلُه عقلُ الخطأ. ومن قُتل عمدًا فهو قود. وقال ابن عبيد: «قَوَدُ يدٍ» ... وحديث سفيان أتم». ورواه ابن السرح عن سفيان بن عيينة، عن عمرو، عن طاوس قوله، كما مرَّ عن أبي داود. ولكن رواه الشافعي كما في «سنن البيهقي»

стр. 1045

(ج ٨ ص ٤٥) (١) عن سفيان، عن عمرو، عن طاوس، عن النبي ﵌. ورواه البيهقي (٢) من طريق الوليد بن مسلم، عن ابن جريج، [عن عمرو بن دينار] (٣) عن طاوس عن ابن عباس مرفوعًا. والوليد شديد التدليس، يدلِّس التسوية. وقد رواه الدارقطني (ص ٣٢٨) (٤) من طريق: «عبد الرزاق، أنا ابن جريج، أخبر عمرو بن دينار أنه سمع طاوسًا يقول: الرجلُ يصاب في الرمي في القتال بالعصا، أو بالسياط، أو بالترامي بالحجارة= يُودَى ولا يُقتل به، من أجل أنه لا يُعلم مَنْ قاتلُه؟ . قال ابن جريج: وأقول: ألا ترى إلى قضاء رسول الله ﷺ في الهُذَليَّتين: ضربت إحداهما الأخرى بعمود فقتلتها، إذ (٥) لم يقتلها بها، ووداها وجنينها. أخبرناه ابن طاوس عن أبيه، لم يجاوز طاوس». أقول: قصة الهذليتين ستأتي. وأخرج أيضًا (٦) من طريق: «عبد الرزاق، أنا ابن جريج، أخبرني ابن طاوس، عن أبيه قال: عند أبي كتاب فيه ذِكرُ العقول جاء به الوحي إلى

стр. 1046

النبي ﷺ ... ففي ذلك الكتاب وهو عن النبي ﷺ : قتلُ العِمِّيَّة ديتُه دية الخطأ، الحجر والعصا والسوط ما لم يحمل سلاحًا». ومن طريق (١) «عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه أنه قال: مَن قُتِل في عِمِّيَّةٍ رميًا بحجر أو عصا أو سوط، ففيه دية مغلَّظة». فالروايات الصحيحة تجعله عن طاوس من قوله أو عنه عن النبي ﷺ مرسلًا، وتُفسِّره (٢) بما سمعت، وقد مرَّ توجيهُ ذلك في آخر الكلام على الحديث السابق، فلا متشبَّثَ فيه للحنفية. [٢/ ٨٥] و «العِمِّيَّا» فسَّرها أهلُ الغريب ــ كما في «النهاية» (٣) ــ بقولهم: «أن يوجد بينهم قتيلٌ يَعْمَى أمرُه، ولا يتبيَّن قاتلُه». وأخرجه الدارقطني (٤) من طريق إدريس بن يحيى الخولاني: «حدثني بكر بن مضر، حدثني حمزة النصيبي، عن عمرو بن دينار، حدثني طاوس، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: من قُتِل في عِمِّيَّا رميًا تكون بينهم ... ». ثم أخرجه (٥) من طريق عثمان بن صالح: «أنا بكر بن مضر، عن عمرو بن دينار ... »، ومن وجه آخر (٦) عن عثمان بن صالح: «نا بكر بن مضر، عن عمرو بن الحارث، عن عمرو بن دينار».

стр. 1047

حمزة النصيبى هالك, وعثمانُ بن صالح صالحٌ في نفسه، لكنه من الذين ابتلُوا بخالد بن نجيح، كانوا يسمعون معه، فيملي عليهم ويخلِّط. وخالد هالك. قول الأستاذ: «ومنها حديث ابن عباس في دية القاتلة بمِسْطَح ــ وهو عود من أعواد الخِباء ــ أخرجه عبد الرزاق». أقول: جاءت القصة من رواية جماعة من الصحابة: الأول: زوج المرأتين حَمَل بن مالك بن النابغة، ومنه سمعه ابن عباس. ففي «مسند أحمد» (ج ٤ ص ٨٠) (١): «ثنا عبد الرزاق قال: أنا ابن جريج قال: أنا عمرو بن دينار أنه سمع طاوسًا يخبر عن ابن عباس عن عمر ﵁ أنه نَشَدَ قضاءَ رسول الله ﷺ في ذلك، فجاء حَمَل بن مالك بن النابغة فقال: كنت بين بيتَي امرأتيَّ، فضربتْ إحداهما الأخرى بمِسْطَح، فقتلَتْها وجنينَها. فقضى النبي ﷺ في جنينها بغُرَّةٍ وأن تُقتَل بها. قلت لعمرو: لا، أخبرني عن أبيه بكذا وكذا. قال: لقد شكَّكتني». ورواه أبو داود (٢) عن أبي عاصم عن ابن جريج بمعناه إلى قوله: «أن تقتل». وبعده: «قال أبو داود: قال النضر بن شميل: المِسْطَح وهو الصَّوبَج. [و] قال أبو عبيد: المِسْطَح: عود من أعواد الخباء». ورواه البيهقي (ج ٨ ص ٤٣) من طريق عبد الرزاق بنحوه، وفيه من قول ابن جريج: «فقلت لعمرو: أخبرني ابن طاوس عن أبيه أنه قضى بديتها وبغُرَّة

стр. 1048

عن جنينها. قال: لقد شكَّكتني». ورواه النسائي (١) من طريق عكرمة عن ابن عباس، وفيه: «فرمَتْ إحداهما [٢/ ٨٦] الأخرى بحجر». وروى الطبراني (٢) من طريق أبي المَلِيح ابن أسامة الهذلي عن حَمَل بن مالك: أنه كان له امرأتان لِحْيانيَّة ومُعاويَّةٌ ... فرفعت المُعاويَّة حجرًا فرمتْ به اللحيانيةَ وهي حُبْلى، فألقت جنينًا، فقال حَمَل لعمران بن عويمر (أخي القاتلة): أدِّ إليّ عقلَ امرأتي، فأبى. فترافعا إلى النبي ﷺ فقال: «العقل على العصبة». وذكره ابن حجر في ترجمة عمران من «الإصابة» (٣). الثاني: أخو المقتولة عُوَيم، ويقال: عويمر الهذلي. في ترجمته من «الإصابة» (٤): «أخرج ابن أبي خيثمة والهيثم بن كليب والطبراني (٥) وغيرهم من طريق محمد بن سليمان بن سموأل (٦) ــ أحد الضعفاء ــ عن عمرو بن تميم بن عُوَيم الهذلي، عن أبيه، عن جده قال: كانت أختي مُليكة وامرأةٌ منَّا يقال لها: أم عُفَيف ... تحت رجل منا يقال له: حَمَل بن مالك ... فضربتْ أمُّ عفيف أختي بمِسْطَحِ بيتها ... ».

стр. 1049

الثالث: أسامة بن عمير الهذلي. روى الطبراني (١) من طريق أبي المليح بن أسامة الهذلي عن أبيه قال: «أُتِي النبيُّ ﷺ بامرأتين كانتا عند رجل من هذيل يقال له: حَمَل بن مالك، فضربت إحداهما الأخرى بعَمود خباء، فألقت جنينها ميتًا. فأتى مع الضاربة أخ لها يقال له: عمران بن عويم ... فقال عمران: يا نبيَّ الله إن لها ابنين هما سادة الحي، وهم أحقُّ أن يعقلوا عن أمِّهم. قال: «أنتَ أحقُّ أن تعقل عن أختك ... ». ذكره ابن حجر في ترجمة عمران من «الإصابة» (٢). وذكر في «الفتح» (٣) أن الحارث بن أبي أسامة أخرجه من طريق أبي المليح، وفيه: «فخذفت إحداهما الأخرى بحجر». الرابع: المغيرة بن شعبة. وحديثه في «صحيح مسلم» (٤) وغيره من طرق عن منصور، عن إبراهيم، عن عبيد بن نَضْلة، عن المغيرة. وفيه: «بعمود فُسطاط». وفي رواية للترمذي (٥): «بحجر أو عَمُود (٦) فسطاط ... ». وروى النسائي (٧) من طريق الأعمش عن إبراهيم قال: «ضربت امرأةٌ ضرَّتَها بحجر وهي حُبلى، فقتلتها بحجر ... ».

стр. 1050

الخامس: أبو هريرة. وحديثه في «الصحيحين» (١) وغيرهما من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة «أن امرأتين من هذيل رَمتْ إحداهما الأخرى، فطرحَتْ جنينَها [٢/ ٨٧] ... ». وفي رواية أخرى في «الصحيحين» (٢) من طريق يونس، عن ابن شهاب بسنده، وفيه: «فرمَتْ إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها (٣)، وما في بطنها ... ». وفي «صحيح البخاري» (٤) في باب الكهانة من كتاب الطب من طريق عبد الرحمن بن خالد عن ابن شهاب: « ... فرمتْ إحداهما الأخرى بحجر، فأصاب بطنها وهي حامل، فقتلَتْ ولدَها الذي في بطنها ... ». وفيه (٥): «ثنا قتيبة، عن مالك، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة أن امرأتين رمَتْ إحداهما الأخرى بحجر، فطرحَتْ جنينَها ... ». السادس: بُريدة الأسلمي. أخرج أبو داود (٦) والنسائي (٧) من طريق عبد الله بن بريدة عن أبيه أن امرأة حَذَفَتْ (أو خَذَفَتْ) امرأة، فأسقطَتْ ... ونهى يومئذٍ عن الخذف». هذا ما تيسَّر الإشارة إليه من طرق القصة. وقد رأيتَ الاختلاف في

стр. 1051

الفعل: أضربٌ هو، أم رميٌ، أم حَذْفٌ أم خَذْفٌ؟ وفي الآلة: مِسْطح ــ حجر ــ عمود فسطاط؟ والطريق العلمية في مثل هذا أن يُجمَع، فإن لم يمكن فالترجيح. فقد يقال: أما الفعل فحَذْفٌ، لأن الحذف هو الرمي عن جانب، فكلُّ حذفٍ رَمْيٌ، ولا عكس. وإنما كان ذلك سببًا للنهي عن الخذف، لأن كلًّا منهما رميٌ بحجر، ولتقاربهما لفظًا. وقد يُطلق على الرمي ضربٌ كما مرَّ في بعض الروايات: «ضربت امرأة ضرَّتَها بحجر». وأما الآلة، فقد يقال: إنها حجرٌ كان صَوْبَجًا، وذلك أن في رواية زوج المرأة: «بمسطح»، وفي رواية عنه: «بحجر»، وفي رواية أخي المقتولة: «بمسطح». و «المسطح»: كلمة مشتركة يطلق على الصَّوبج، وهو ما يرقَّق به العجين ويُخبَز، وقد يكون عند أهل البادية حجرًا. ويطلق على عمود الخباء والفسطاط. فجاء في رواية منصور، عن إبراهيم، عن عبيد، عن المغيرة: «بعمود فسطاط». وفي رواية: «بحجر أو عمود فسطاط». وفي رواية الأعمش عن إبراهيم: «بحجر». فكأنه كان في أصل الرواية: «بمسطح»، فحمله بعضُهم على أحد معنيَيه، وبعضهم على الآخر، وشك بعضهم. وفي رواية أبي المليح عن أبيه: «بعمود خباء»، وفي الأخرى منه: «بحجر»، فكأنه كان في الأصل «بمسطح». وفي رواية أبي هريرة في «الصحيحين»: «بحجر»، ولم يُختلَف عليه. فإن اتجه ذاك التوجيه، وإلا فما اتفق عليه الشيخان أرجح. إذا تقرَّر هذا فنقول: إن حذف المرأةِ صاحبتَها بحجر ليس مما يتبيَّن به مطلقًا قصدُ القتل.

стр. 1052

[٢/ ٨٨] فإن قيل: عدم استفصال النبي ﵌ يدل على أن القتل بمثل ذلك شبهُ عمدٍ على كل حال. قلت: لم يُذكر في شيء من الروايات اختلافٌ من الخصمين في القتل أعمد أم شبه العمد؟ ولا في موجبه، بل تقدم في رواية أبي المليح عن حَمَل: «فقال حَمَل لعمران بن عويمر (أخي القاتلة) أدِّ إليَّ عقلَ امرأتي، فأبى، فترافعا». وفي روايته عن أبيه: «فقال عمران: يا نبي الله إنَّ لها ابنين هما سادة الحي، وهم أحقُّ أن يَعقِلوا عن أمهم». فقد اتفق الخصمان قبل الترافع وبعده على أن في القتل ديةً على العاقلة، وإنما اختلفا في العاقلة التي تلزمها الدية في الواقعة: الأخ أم الابنان؟ ومعنى ذلك اتفاقهما على أن القتل شبه عمد. وافرض أن خصمين ترافعا إلى قاض، فقال أحدهما: إن أختَ هذا قتلَتْ أختي شبه عمد، وهو عاقلتها، فأطالبه بالدية. فقال الآخر: قد صدق، ولكنْ للقاتلة بنون وهم أحقُّ أن يعقلوا عن أمهم. ألا ترى أنه لا حاجة بالقاضي إلى السؤال عن صفة القتل، لتصادُق الخصمين على أنه شبه عمد، وإنما اختلفا في غيره؟ قول الأستاذ: «وقد أعلّ أبو حنيفة حديثَ الرضْخ، كما سيأتي». أقول: في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٨٧ [٤٠٣]) من طريق «بشر بن مفضَّل قال: قلت لأبي حنيفة ... قتادة عن أنس أن يهوديًّا رضخ رأسَ جاريةٍ بين حجرين، فرضخ النبيُّ ﷺ رأسه بين حجرين. قال: هذيان». فهل هذا إعلال؟! قال الأستاذ (ص ٨٠): وأما حديثُ الرضخ، فمروي عن أنس بطريق هشام بن

стр. 1053

زيد وأبي قلابة عنعنة، وفيه القتل بقول المقتول من غير بيِّنة، وهذا غير معروف في الشرع، وفي رواية قتادة عن أنس إقرارُ القاتل، لكن عنعنة قتادة متكلَّم فيها». ثم راح يتكلم في أنس ﵁. أقول: أما هشام، فهو هشام بن زيد بن أنس بن مالك، وحديثه هذا عن جدِّه في «الصحيحين» (١) وغيرهما. وهشام غير مدلس، وسماعُه من جدِّه أنس ثابت، ومع ذلك فالراوي عنه شعبة، ومن عادته التحفظ من رواية ما يُخشى فيه التدليس. وحديثه هذا في «الصحيحين»، [٢/ ٨٩] ومن عادتهما التحرز عما يُخشى فيه التدليس. فسماعُ هشام لهذا الحديث من جدِّه أنس بن مالك ثابت على كل حال. وأما أبو قلابة، فهو عبد الله بن زيد الجَرْمي، وقد قال فيه أبو حاتم: «لا يُعرف له تدليس». وذكر ابن حجر في ترجمته من «التهذيب» ما يُعلم منه أن معنى ذلك أن أبا قلابة لا يروي عمن قد سمع منه إلا ما سمعه منه. وقد ثبت سماعه من أنس، كما في قصة العُرَنيين وغيرها، وحديثه في «الصحيح» (٢) أيضا. فالحكم في حديثه هذا أنه سمعه من أنس. أما قتادة فمدلِّس، لكنه قد صرَّح بالسماع. قال البخاري في «الصحيح» (٣) في «باب إذا أقرَّ بالقتل مرة قُتِل به»: «حدَّثني إسحاق، أخبرنا حَبَّان، حدثنا همّام، حدثنا قتادة، حدثنا أنس بن مالك أن يهوديًّا رضَّ رأسَ جارية بين حجرين ... فجيء باليهودي، فاعترف، فأمر به النبي ﷺ ، فرُضَّ

стр. 1054

رأسه بالحجارة. وقد قال همّام: بحجرين». وفي «مسند أحمد» (ج ٣ ص ٢٦٩) (١): «ثنا عفان، قال: ثنا همام، قال: أنا قتادة أن أنسًا أخبره ... فأُخِذ اليهوديُّ، فجيء به، فاعترف». وتمام الكلام في «الطليعة» (ص ١٠١ - ١٠٣) وترجمةِ أنس من قسم التراجم، وفي مقدمة «التنكيل» أوائلَ الفصل الثالث وفي أثناء الفصل الخامس. قال الأستاذ: «ومن رأيه (يعني أبا حنيفة) أيضًا أن القوَد بالسيف فقط تحقيقًا لعدم الخروج عن المماثلة المنصوص عليها في الكتاب». أقول: الخروج عن المماثلة كما يكون بالعدوان، فكذلك يكون بالنقصان. وكما أن العدل يقتضي منع الولي من الاعتداء، فكذلك يقتضي تمكينه من الاستيفاء. ومن قتل إنسانًا ظلمًا برضْخِ رأسه بالحجارة فالقصاص أن يُقتَل مثل تلك القِتلة. فإن قيل: ربما يقع في هذا زيادةٌ ما في الإيلام؟ قلنا: وربما يقع نقصٌ ما، فهذا بذاك؛ على أنها إن وقعت زيادة، فخفيفة غير مقصودة ولا محقَّقة ولا مانعة من أن يقال: إنه قتل مثل قِتلته. وفي تمكين الوليِّ من ذلك شفاءٌ لغيظه، وتطييبٌ لنفسه، وزجرٌ للناس، وردعٌ عن الجمع بين القتل ظلمًا وإساءة القتلة. وقد شرع الله ﵎ رجمَ الزاني المحصَن إبلاغًا في الزجر، والقتل ظلمًا أشدُّ من الزنا. نعم، قال الله ﵎: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠]. وكما أن العفو قد يكون بترك المجازاة البتة، فقد يكون

стр. 1055

بتخفيفها، فغاية الأمر أن يكون الاقتصاص بضرب العنق أولى، وعلى هذا يُحمل ما ورد في ذلك على ضعفه ومعارضة غيره له. والله الموفق.
следующие страницы →