[٢/ ٤٧] المسألة السابعة
خيار المجلس
في "تاريخ بغداد" (١٣/ ٣٨٧ [٤٠٣]) عن بشر بن المفضّل قال: "قلت لأبي حنيفة: نافع عن ابن عمر أن النبي ﵌ قال: "البيِّعان بالخيار ما لم يتفرقا" قال: هذا رجز".
قال الأستاذ (ص ٧٨): "إذا حمل ــ يعني الحديث ــ على خيار المجلس يكون مخالفًا لنص كتاب الله الذي يبيح التصرف لكل من المتعاقدين فيما يخصُّه بمجرد تحقُّق ما يدل على التراضي. قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ﴾ [النساء: ٢٩] ".
أقول: في "روح المعاني" (ج ٢ ص ٧٧) (١): "والمعنى: لا يأكُلْ بعضكم (٢) أموال بعض. والمراد بالباطل ما يخالف الشرع كالربا والقمار والبخس والظلم، قاله السُّدِّي، وهو المروي عن الباقر ﵁. وعن الحسن: هو ما كان بغير استحقاق من طريق الأعواض. وأخرج عنه وعن عكرمة ابنُ جرير (٣) أنهما قالا: كان الرجل يتحرج أن يأكل عند أحد من الناس بهذه الآية، فنُسِخ ذلك بالآية التي في سورة النور: ﴿وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ ... ﴾ الآية [النور: ٦١]. والقول الأول أقوى،
стр. 982
لأن ما أكل على وجه مكارم الأخلاق لا يكون أكلًا بالباطل. وقد أخرج ابن أبي حاتم (١) والطبراني (٢) بسند صحيح عن ابن مسعود أنه قال في الآية: إنها محكمة ما نُسِخت ولا تُنسَخ إلى يوم القيامة".
أقول: المعنى الأول مبني على أن الباء في قوله "بالباطل" للسببية، وأن الباطل ما لا يَعتدُّ به الشرعُ سببًا للحِلِّ. والمعنى الثاني مبني على أن الباء للمقابلة وأن الباطل ما لا تحقُّق له. ونسبة المعنى الأول إلى السدِّي لا أراها تصح، وإنما قال السُّدِّي كما في "تفسير ابن جرير" (ج ٥ ص ١٩) (٣): " ﴿بِالْبَاطِلِ﴾: بالربا والقمار والبخس والظلم. ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً﴾: ليربَح في الدرهم ألفًا إن استطاع". فأول عبارته يصلح للمعنيين، وبيان صلاحيتها للثاني في القمار والبخس والظلم ظاهر؛ فأما الربا فإن مَن أقرض مائة ليقضي مائة وعشرة يأكل العشرة بما لا تحقُّق له. [٢/ ٤٨] فإن غايته أن يقول: لو لم أُقرِض المائة لعلّي كنت اتّجرتُ فيها فربحتُ، ولعل المستقرض اتجر فيها، فربح. فيقال له: هذا لا تحقُّق له. ولعلك لو لم تُقرِضها لسُرِقت منك، ولعلك لو اتجرتَ فيها لخسرتَ، مع ما يلحقك من التعب والعناء. ولعل المستقرض لم يتجر فيها، ولعله اتجر فخسر أو ذهب منه رأس المال، فإن رَبح فبتَعَبِه.
ولتمام هذا موضع آخر، وإنما المقصود هنا أن ذِكْرَ السُّدِّي للربا لا يحتِمُ أنه قائل بالمعنى الأول. وآخر عبارة السُّدِّي ظاهر في المعنى الثاني،
стр. 983
وأنه رأى أن الغبن في البيع من الأخذ بالباطل المراد في الآية، ولكنه مستثنى استثناءً متصلًا على ما هو الأصل في الاستثناء.
ولنفرض مثالًا يبيِّن ذلك: ثوبانِ قيمةُ كلٍّ منهما بحسب الزمان والمكان عشرة، فقد يجهل البائع ذلك، ويظن قيمةَ كلٍّ منهما خمسة فقط فيبيعهما بعشرة. وقد يجهل المشتري فيظن قيمةَ كلٍّ منهما عشرين فيشتريهما بأربعين. فمن أخذهما بقيمة أحدهما، فقد أخذ أحدهما أو نصفيهما بما لا تحقُّق له. ومن باعهما بمثلَيْ قيمتهما، فقد أخذ نصف الثمن بما لا تحقُّق له. هذا باعتبار قيمة الزمان والمكان، وهو المتعارف بين الناس، فإن من باع أو اشترى بقيمة الزمان والمكان لا يعدُّه الناس غابنًا أو مغبونًا البتة. لكنك إذا تعمقت قد تقول: إنما القيمة الحقيقية مقدار ما غرِمه البائع على السلعة، أو مقدار ما ينقصه فقدها. فيقال لك: هذا بالنظر إلى البائع، فأما بالنظر إلى المشتري فقيمتهما مقدار ما تنفعه. وقد يتعارضان، كمن عنده ماء كثير، فباع منه شَرْبةً لِمضطَرٍّ. ويبقى النظر في الثمن، ويخفى الأمر ويضطرب، وتضيق المعاملة جدًّا.
لا جَرَم، عَدلَ الشرعُ إلى اعتبار قيمة الزمان والمكان في ضمان المتلَفات وغير ذلك ما عدا التجارة. ولمَّا كان الاعتدادُ بذلك في التجارة يسدُّ بابَ الربح، فيرغب الناس عن التجارة، فتضيع المصالح= عدَلَ الشارعُ إلى اعتبار ما تراضى به المتبايعان. فما تراضيا به، فهو القيمة التي يعتد بها الشرع في التجارة. لكن هذا لا يمنع أن يسمَّى الغبنُ أكلًا بالباطل بالنظر إلى التحقق. وليس من لازم الباطل بهذا المعنى أن يكون محرَّمًا في الشرع. وفي الحديث: "كلُّ شيء يلهو به الرجل باطلٌ إلا رميَه بقوسه، وتأديبَه فرسَه،
стр. 984
وملاعبتَه امرأتَه، فإنهن من الحق" (١). ومعلوم أنَّ فيما يلهو به الرجل غير هذه الثلاث ما هو مباح إجماعًا.
[٢/ ٤٩] فأما ما أُكِل على وجه مكارم الأخلاق، فإنه إذا عُمِل فيه بالمشروع لم يكن على كلا المعنيين من الأكل بالباطل. وذلك أن الباذل قد يقصد مكافأة المبذول له على إحسان سابق، وقد يرجو عوضًا مستقبلًا، إما مالًا وإما منفعةً، وأقلُّ ذلك: الثناء. والأكلُ في مقابل إحسان سابق أكلٌ بأمر متحقِّق. والمشروع للمبذول له على رجاء مستقبَل أن يقبل عازمًا على المكافأة فيكون بمنزلة من يقترض عازمًا على أن يقضي. وإنما كان بعض الصحابة أولًا يتورعون عن الأكل في بيوت أقاربهم وأصدقائهم خشيةَ أن لا يتيسَّر لهم المكافأة المرضية. فبيَّن الله تعالى لهم في آية النور أنه لا حرج في الأكل، يريد ــ والله أعلم ــ: ما دام ذلك جاريًا على المعروف. والمعروف أن الناس يكرم بعضهم بعضًا، ويكافئ بعضهم بعضًا بالمعروف، فمن أكل عازمًا على المكافأة بحسب ما هو معروف بين أهل المروءات، فلم يأكل بما لا تحقُّق له. نعم لو فرضنا أن رجلًا غنيًّا لئيمًا اعتاد أن يتردد على بيوت أقاربه وأصدقائه ليأكل عندهم غيرَ عازمٍ على المكافأة المعروفة، كان هذا ــ والله أعلم ــ داخلًا في الباطل على كلا المعنيين.
وإذا تدبرتَ علمتَ أنه على المعنى الثاني ليس هناك نسخ، وإنما هو بيان لدفع ما توهَّمه أولئك المتحرِّجون. وقد عُرِف عن السلف أنهم ربما يطلقون النسخ على مطلق البيان، فهذا ــ والله أعلم ــ من ذاك. وبهذا كله
стр. 985
اندفع ما رُجِّح به المعنى الأول، وترجَّحَ المعنى الثاني، فيكون الاستثناء متصلًا، كما هو الأصل. والله أعلم.
وقوله تعالى: ﴿عَنْ تَرَاضٍ﴾ نصٌّ في اشتراط رضا كلٍّ من المتبايعين. والرضا معنى خفي، وسنة الشارع في مثله أن يضبطه بأمر ظاهر منضبط يشتمل على المعنى الذي عليه مدارُ الحكمة كالرضا هاهنا، فيكون مدار الحكم على ذاك الضابط، فما هو الضابط هاهنا؟
بنى الأستاذ على أنه الصيغة، أي الإيجاب والقبول، كما في النكاح. وذلك مدفوع بوجهين:
الأول: أن الصيغة قد عُلِمت بقوله: "تجارة".
الثاني: أنها ليست بواضحة الدلالة على الرضا، إذ قد تكون عن هزل أو سبق لسان أو استعجال، قبل تمكُّن الرضا من النفس، ويكثر وقوعه ويتكرر، ويكثر التغابن لكثرة الجهل بقيمة المثل؛ بخلاف النكاح فإنه قد لا يقع في العمر إلّا مرة، ويحتاط الناس له ما لا [٢/ ٥٠] يحتاطون للبيع.
والشارع يتشوَّف إلى تثبيت النكاح ما لا يتشوَّف إلى تثبيت البيع. جاء في الحديث: "أبغضُ الحلال إلى الله الطلاقُ" (١)، وجاء فيه: "من أقال نادمًا بيعته أقال الله عثرتَه يوم القيامة" (٢). ومبنى البيع على المشاحَّة، ومبنى
стр. 986
النكاح على المكارمة. وأوضح من هذا كلِّه أن في الحديث: "ثلاثٌ جِدُّهن جِدٌّ، وهزلُهن جِدٌّ: النكاح والطلاق والرجعة" (١). ففرَّق بين هذه الثلاث وبين غيرها كالبيع.
على أن تعيين الضابط إنما هو للشارع، فإذا لم يظهر من الكتاب وجب الرجوع إلى السنة، فنجدها قد ضبطت التراضي بحصول أحد أمرين بعد الإيجاب والقبول: إما اختيار اللزوم، وإما أن يستمرَّا على ظاهر حالهما من التراضي مدةَ اجتماعهما ويتفرقا على ذلك. ولا يخفى على المتدبر أن هذا بغاية المطابقة للحكمة. أما اختيار اللزوم، فواضح أنه بيِّن في استحكام التراضي. وأما الاستمرار على ظاهر الحال من التراضي والتفرق على ذلك، فلأن الغالب أنه إذا كان هناك هزل أو سبق لسان أو استعجال أن يتداركه صاحبه قبل التفرق، ولاسيَّما إذا علم أن التفرق يقطع الخيار.
فبان بهذا أن الحديث مفسِّرٌ للآية التفسيرَ الواضح المطابق للحكمة، لا مخالفٌ لها كما زعم الكوثري. وراجع "تفسير ابن جرير" (٢). ويؤكد هذا المعنى ما في "سنن أبي داود" (٣) وغيرهما من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعًا: "المتبايعان بالخيار ما لم
стр. 987
يفترقا، إلا أن تكون صفقة خيار. ولا يحلُّ له أن يفارقَ صاحبَه خشيةَ أن يستقيلَه".
والمراد ــ والله أعلم ــ أنه لا يحلُّ لأحدهما أن يستغفل صاحبه، فيفارقه وهو لا يشعر؛ إذ قد لا يكون استحكم رضاه، وكان يريد الفسخ؛ إلا أنه أمهل اعتمادًا على أن ذلك لا يفوت، حتى لو رآه يريد المفارقة لبادر بالفسخ. فأما ما جاء عن ابن عمر أنه كان إذا اشترى شيئًا يعجبه فارَقَ صاحبه (١)، فمحمول على مبادرته بالمفارقة وصاحبُه يراه، أو لا يكون وقف على هذه الزيادة (٢).
وقوله: "حتى (٣) يستقيله" لا يدل على لزوم العقد، فإن الاستقالة بعد لزوم العقد لا تمنع فيها المفارقة؛ إذ قد يستقيله بعد أن يفارقه ويمضي زمان. وإنما المراد ــ والله أعلم ــ أن صاحبه قد يندم [٢/ ٥١] في المجلس، فلا يبادر إلى الفسخ، ويرى من حُسن الأدب والعشرة أن يقول له: "أَقِلْني"، ليكون الفسخ برضاهما فإنه أطيب للنفوس.
قال الكوثري: "على أن الحديث إذا حمل على خيار الرجوع بمعنى أن البائع أو المشتري (٤) إذا أوجب فله حق الرجوع قبل قبول الآخر في المجلس، فيزول خيار الرجوع من الموجِب ــ بائعًا كان أو مشتريًا ــ بقبول الآخر قبل انقطاع المجلس= فهذا المعنى يكون غير مخالف لكتاب الله تعالى".
стр. 988
أقول: قد علمت أن الحديث بالمعنى الواضح من إثبات خيار المجلس لكلٍّ من المتبايعين بعد تبايعهما غيرُ مخالف لكتاب الله تعالى. وأما هذا المعنى الذي ذكره الكوثري، فالحديث غير محتمل له كما يأتي. ولو احتمله وحُمِل عليه لبقي ما في القرآن في معنى المجمل، لأن قول أحدهما: "بعت" وقول الآخر فورًا: "اشتريت" لا يتضح به التراضي المشروط في القرآن، لاحتمال الهزل وسبق اللسان والاستعجال، كما مرَّ.
ثم حاول الأستاذ تقريب احتمال الحديث للمعنى الذي زعمه فقال:
"وعلى هذا التقدير يكون لفظ "المتبايعين" حقيقةً، إذ هذا اللفظ محمول على حالة العقد في تقديرنا، وحملُه على ما بعد صدور كلمتي المتعاقدين يجعله مجازًا كونيًّا. وفائدة الحديث أن خيار الرجوع ثابت لهما ما دام أحدهما أوجب، ولم يقبل الآخر في المجلس، لا كالخلع على مال والعتق على مال؛ لأنه ليس للزوج ولا المولى الرجوع فيهما قبل قبول المرأة والعبد".
أقول: المُلجئ إلى الفرار إلى هذا القول أن تأويل قدماء الحنفية "المتبايعان" بالمتساومين و"التفرق" بالإيجاب والقبول أُبطِلَ بوجوه:
منها: أنه إخراجٌ للَّفظ عن حقيقته بلا حجة.
ومنها: أن الحديث يبقى بلا فائدة، إذ لا يجهل أحد أن التساوم لا يلزم به شيء. وستعلم أن هذا الفارَّ كالمستجير من الرمضاء بالنار (١)!
قوله: "يجعله مجازًا كونيًّا"، تفسيره أن من الأصول المقررة أن المشتق
стр. 989
يصدُق على الموصوف حقيقةً حين وجود المعنى المشتق منه، فإن لم يمكن فآخر جزء منه. فأما قبل حصوله فمجاز كونيٌّ، أي باعتبار ما سيكون. واختلف فيما بعد زواله، فقيل: حقيقة، وقيل: مجاز كوني، [٢/ ٥٢] أي باعتبار ما كان.
فأقول: هذا الأصل يقضي بأنه لا يصدُق حقيقةً على الإنسان لفظُ "بائع" إلا حين وجود البيع حقيقة، وإنما يكون ذلك عند آخر حرفٍ من الصيغة المتأخرة. والحديث يُثبِت أن لكل منهما حينئذٍ الخيار، ويستمرُّ إلى أن يتفرقا، وهذا قولنا.
وأوضح من ذلك أن الذي في الحديث: "المتبايعان"، والتفاعل إنما يوجد عند وجود فعل الثاني، ألا تراك إذا ضربتَ رجلًا أنه لا يصدق عليكما "متضاربان"، ولا عليك أنك أحد المتضاربَين، وإنما يصدق ذلك إذا عقب ذلك ضربُه لك، فحينما تصيبك ضَرْبتُه يوجد التضاربُ حقيقةً، فيصدق عليكما أنكما متضاربان، وأنك أحد المتضاربين.
فإن قلت: كيف وقد زال فعلي؟
قلت: الزائل هو ضربك، والفعل المشتق منه هنا هو التضارب، وهو فعلٌ واحدٌ ضربُك جزء منه، والجزء لا يشترط بقاؤه ولا يضرُّ زواله. ألا ترى أنه يصدق حقيقةً على مَن يتكلم أنه "متكلم" عند آخر حرف من كلامه مع أن أكثر الحروف قد زالت! فإنما يصدق حقيقةً على المتبايعَين أنهما "متبايعان" عند آخر حرف من صيغة المتأخر منهما، وحينئذ يثبت لهما بحكم الحديث الخيار مستمرًّا إلى أن يتفرقا، وهذا قولنا.
стр. 990
ووجه ثالث، وهو أن الحديث كما في "الموطأ" و"الصحيحين" (١) يُثبِت أن "لكل واحد منهما الخيار حتى يتفرقا". فهو ثابت للمتأخر قطعًا، يثبت له عند آخر حرفٍ من صيغته مستمرًّا إلى أن يتفرقا. ولا قائلَ بأنه يثبت للمتأخر دون المتقدم، فثبت لكل واحد منهما عند آخر حرف من صيغة الثاني مستمرًّا إلى أن يتفرقا، وهو قولنا.
ولو قال المحتسب للعون وهو يرى رجلًا يضرب آخر: أمسِك الضاربَ حتى تُحضِره عند الحاكم، لكانت كلمة "الضارب" حقيقةً، والحكمُ بالإمساك مستمرًّا إلى غايته، وإن كان الضرب ينقطع قبلها. وهكذا في السارق والزاني وغير ذلك. فقد اتضح أن قولنا مبني على الحقيقة، وضلَّ سعيُ الأستاذ في زعم أنه يكون مجازًا. فأما القول الذي اختاره، فلا يحتمله الحديث حقيقة ولا مجازًا.
فأما قوله: "وفائدة الحديث ... " فمبني على القول الذي قد فرغنا منه. ومع ذلك، فالحديث أثبتَ الخيارَ لكل واحدٍ من المتبايعين، وصيغةُ الموجِب للبيع لا تتضمن ما لا يحتاج إلى قبول، بخلاف موجِب الخلع أو العتق على مال، فإن إيجابه يتضمن الطلاق أو العتق. فإيجابه في معنى تعليق [٢/ ٥٣] الطلاق أو العتق، ولا رجوع في ذلك. فثبت أنه لا يتوهم في البادئ بالصيغة من المتساومَين أنه لا رجوع له، فحملُ الحديث على هذا المعنى الذي اختاره الأستاذ مثلُ حملهِ على المتساومين في أنه لا تكون له فائدة.
هذا، ولم يظفر الأستاذ بعد الجهد بشبهةٍ ما تُجرِّئه على زعم أن كلمة "يتفرقا" في الحديث إن حُمِلت على قولنا كانت مجازًا، وإن حُمِلت على
стр. 991
قولهم كانت حقيقة. فعدل إلى قوله:
"والتفرق بالأقوال شائع في الكتاب والسنة نحو قوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [البينة: ٤]، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ (١) اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾ [النساء: ١٣٠]، وفي الحديث: "افترقت اليهود .. " الحديث. بل التفرق بالأبدان من شأنه إفساد العقود في الشرع لا إتمامها، كعقد الصرف قبل القبض، وعقد السلم قبل القبض لرأس المال، والدَّين بالدَّين قبل تعيين أحدهما. وفي حمل الحديث على التفرق بالأبدان خروج عن الأصول، ومخالفة لكتاب الله تعالى. وأما حملُه على التفرق بالأقوال، فليس فيه خروج عن الأصول، ولا مخالفة لكتاب الله تعالى، مع كونه أشهر في الكتاب والسنة".
أقول: التفرقُ فكُّ الاجتماع، وهو حقيقةٌ في التفرق بالأبدان بلا شبهة. وكثيرًا ما يأتي الاجتماع والتفرق مجازًا في الأمور المعنوية بحسب ما تدل عليه القرائن، ومن ذلك: الشواهد [٢/ ٥٤] التي ساقها الأستاذ. ومجيءُ الكلمة في موضع أو ألف موضع أو أكثر مجازًا بقرينته لا يُسوِّغ حملَها على المجاز حيث لا قرينة. وهذه كلمة "أسد" كثُر جدًّا استعمالُها في الرجل الشجاع مع القرينة، حتى لقد يكون ذلك أكثر من استعمالها في معناها الحقيقي، ومع ذلك لا يقول عاقل: إنه يُسَوِّغ حملَها على المجاز حيث لا قرينة. وهذا أصل قطعي ينبغي استحضاره، فقد كثُر تغافلُ المتأولين عنه تلبيسًا على الناس.
стр. 992
نعم إذا ثبت أن الشارع نقَلَ الكلمةَ إلى معنى آخر، صارت حقيقة شرعية في المعنى الذي نُقلت إليه. وهذا منتفٍ هنا، إذ لا يدّعي أحد أن الشارع نقل كلمة "التفرق" إلى معنى غير معناها اللغوي.
وأما كثرة مجيئها في القرآن في الأمور المعنوية، فإنما ذلك لأن تلك الأمور مهمة في نظر الشارع، فكثُر ذكرُها دون افتراق الأبدان. ولها في ذلك أسوة بكلمات كثيرة كالرقبة والكظم والزيغ والحَيْف واللين والغِلَظ وغير ذلك.
ولا اختصاص للشواهد التي ذكرها الأستاذ بالقول، بل كلها في تفرق معنوي قد يقع بالقول، وقد يقع بغيره. فالتفرقُ عن الاعتصام بحبل الله يحصل بأن يكفر بعض، ويبتدع [بعض] (١)، ويجاهر بالعصيان بعض، وكل من الكفر والابتداع والعصيان قد يقع بالاعتقاد، وبالفعل، وبالقول. وتفرُّق أهل الكتاب بعد مجيء الرسول هو بإيمان بعضهم، واشتدادِ كفر بعضهم، ولا اختصاص لذلك بالقول. وتفرُّقُ الزوجين قد يكون بالفعل كإرضاعها ضرَّةً لها صغيرة، وبالقول من جانب، وبالقول من الجانبين، وبنيَّة الزوج القاطعة على قول مالك. وافتراقُ اليهود باختلاف اعتقاداتهم وما يبنى عليها من الأفعال والأقوال.
ومع هذا، فالتفرق في هذه الأمثلة إنما هو عن اجتماع سابق، وتعاقدُ المتساومين أجدرُ بأن يسمَّى اجتماعًا بعد تفرق، كما لا يخفى. لكنني أُرفِد الأستاذ، فأقول: إن المتساومين يجتمعان بأبدانهما، وتحملهما الرغبة في
стр. 993
البيع على أن يبقَيا مجتمعَين ساعة، ثم إذا تعاقدا زال سبب الاجتماع فيتفرقان بأبدانهما، فالتعاقد كأنه سبب للتفرق، فقد يسوغ إطلاق التفرق على التعاقد لذلك. لكن قد يقال: ليس التعاقد سببًا مباشرًا، ومثله في ذلك عدم الاتفاق على الثمن، فإنهما إذا يئسا من الاتفاق زال سبب الاجتماع. ثم إن ساغ ذاك الإطلاق فمجاز ضعيف لا دليل عليه ولا مُلجِئَ إليه. بل الحديث نص صريح في قولنا، ففي "الصحيحين" (١) من [٢/ ٥٥] حديث الإمام الليث بن سعد، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعًا: "إذا تبايع الرجلان فكلُّ واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا وكانا جميعًا ... وإن تفرَّقا بعد أن يتبايعا ولم يترك واحد منهما البيع فقد وجب البيع".
قوله: "بل التفرق بالأبدان من شأنه إفساد العقود ... ".
أقول: فساد العقد في هذه المسائل ليس للتفرق من حيث هو تفرُّق، بل من جهة أخرى حصلت بالتفرق، وهي صيرورته ربًا في الأولى، وبيعَ دَينٍ بدين في الأُخريين. وتفرُّقُ المتعاقدين في شراء دارٍ أو فرس معينة بذهب أو فضة مثلًا لا يحصل به شيء من ذلك ولا ما يشبهه، بل يحصل به ما يُثبت العقدَ ويؤكِّده، وهو تبيُّنُ صحةِ التراضي المشروط في كتاب الله ، واستحكامه كما تقدم إيضاحه. وكثيرًا ما يُناط بالأمر الواحد حكمان مختلفان من جهتين مختلفتين، كإسلام أحد الزوجين ينافي النكاح إذا كان الآخر كافرًا، ويُثبِته إذا أسلم الآخر أيضًا، أو كان قد أسلم قبل ذلك على خلاف؛ وكإسلام المرأة الأيِّم يُحِلُّ نكاحَها للمسلم ويُحرِّمه للكافر، ويمنع إرثها من أقاربها الكفار، ويُثبِته لها من أقاربها المسلمين. وأمثال ذلك لا تحصى.
стр. 994
على أن الأثر الحاصل بالتفرق في مسألتنا ليس هو تصحيح العقد حتى تظهر مخالفته لتلك الصور، فإن العقد قد صح بالإيجاب والقبول. وإنما أثرُ التفرُّقِ قطعُ الخيار، وإن شئتَ فقلْ: إفساد الخيار.
قوله: "خروج عن الأصول، ومخالفة لكتاب الله تعالى".
أقول: أما الخروج عن الأصول فالمراد به مخالفة القياس، يسمُّونه خروجًا عن الأصول تمويهًا وتهويلًا وتستُّرًا! وقد تقدم الجواب الواضح عمّا ذكره الأستاذ من القياس. وبينما الأستاذ يتبجح في آخر (ص ١٦١) بقوله: "أجمع فقهاء العراق على أن الحديث الضعيف "يُرجَّح على القياس"، ويقول (ص ١٨١) في الحسن بن زياد: "كان يأبى الخوض في القياس في مورد النص، كما فعل مع بعض المشاغبين في مسألة القهقهة في الصلاة"، يعني ببعض المشاغبين: الإمام الشافعي ورفيقًا له أورد على الحسن بن زياد أنه يرى أن قذْفَ المحصَنات في الصلاة لا يُبطِل [٢/ ٥٦] الوضوء، فكيف يرى أن القهقهة تبطله؟ ! فقام الحسن، وذهب= إذا بالأستاذ يردُّ أحاديثَ خيار المجلس زاعمًا أنها مخالفة للقياس. هذا مع ضعف حديث القهقهة ووضوح القياس المخالف له، وثبوت أحاديث الخيار ووهن القياس المخالف لها.
وأما المخالفة للكتاب، فقد تقدَّم تفنيدُ زعمها. وبينما ترى الأستاذ يحاول التشبُّثَ بدعوى مخالفة الكتاب هنا، إذا به يُعرِض في مسألة القصاص في القتل بالمثقَّل، ومسألة مقدار ما يُقطع سارقه، عن الدلالات القرآنية الواضحة مع ما يوافقها من الأحاديث الصحيحة، وموافقة القياس الجلي في مسألة القصاص. إلى غير ذلك من التناقض الذي يؤلِّف بينه أمر
стр. 995
واحد هو الذبُّ عن المذهب، والغلوُّ في ذلك إلى الحد الذي يصعب معه تبرئةُ صاحبه من أن يكون ممن اتخذ إلهه هواه، واتخذ الأحبار والرهبان أربابًا من دون الله. والله المستعان.
قال الأستاذ: "ولا نصَّ فيما يُروى عن ابن عمر من القيام من مجلس العقد على أن خيار المجلس من مذهبه، بل قد يكون هذا منه لأجل أن يقطع على من بايعه حقَّ الرجوع، لاحتمال أنه ممن يرى خيار المجلس. وقد خوصم ابن عمر إلى عثمان في البراءة من العيوب، فحمله عثمانُ على خلاف رأيه فيها، فأصبح يرعى الآراء في عقوده".
أقول: قد روى ابن عمر عن النبي ﵌ الحديث صريحًا في إثبات خيار المجلس كما تقدم. وفي "صحيح البخاري" (١) من طريق يحيى بن سعيد، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعًا ... الحديث، ثم قال نافع: "وكان ابن عمر إذا اشترى شيئًا يُعجِبه فارقَ صاحبَه". وفي "صحيح البخاري" (٢) من طريق الزهري، عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه: "بعتُ من أمير المؤمنين عثمان ... فلما تبايعنا رجعتُ على عقبي حتى خرجتُ من بيته خشية أن يُرادَّني البيعَ، وكانت السنَّة أن المتبايعين بالخيار حتى يتفرقا ... فلما وجب بيعي وبيعُه رأيتُ أني قد غبنتُه".
فصراحة الحديث نفسه، ثم جعلُه سببًا لمفارقة ابن عمر من يشتري منه ما يُعجِبه، وقوله: [٢/ ٥٧] "وكانت السنة ... "، وقوله: "فلما وجب بيعي وبيعه ... " بغاية الوضوح في بطلان قول الأستاذ: "قد يكون هذا منه ... ".
стр. 996
قال الأستاذ: "ولأصحابنا حجج ناهضة".
أقول: بل شبه داحضة.
قال: "وعالم دار الهجرة مع أبي حنيفة وأصحابه في هذه المسألة، ومن ظن وهنًا بما اتفق عليه إمام أهل العراق وإمام أهل الحجاز فقد ظنَّ سوءًا".
أقول: أما من اعتقد وهنَ قولِهما المخالف لما ثبت عن النبي ﵌ من رواية جماعة من الصحابة، وعمل به وقضى به جماعةٌ منهم بعد النبي ﵌، ولا يُعلم لهم مخالف من الصحابة= فإنما اعتقد ما يجب على كل مسلم أن يعتقده. فمن زعم أن هذا المعتقِد قد ظنَّ سوءًا، فقد شارف الخطر الأكبر أو وقع فيه.
ثم ذكر الأستاذ كلمة ابن أبي ذئب، وهو محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة، وقد ذكرتها في ترجمته من قسم التراجم (١).
وفي "تاريخ بغداد" (١٣/ ٣٨٩ [٤٠٥]) عن ابن عيينة قال: "ما رأيتُ أجرأَ على الله من أبي حنيفة، كان يضرب الأمثال لحديث النبي ﷺ ، فيردُّه. بلغه أني أروي: "البيِّعان بالخيار ما لم يتفرقا"، فجعل يقول: أرأيتَ إن كانا في سفينة، أرأيت إن كانا في سجن، أرأيت إن كانا في سفر، كيف يفترقان! ".
قال الأستاذ (ص ٨٢): "هكذا كان غوص أبي حنيفة على المعنى حتى اهتدى إلى أن المراد بالافتراق: الافتراق بالأقوال، لا الأبدان".
أقول: مغزى تلك العبارة أننا إذا قبلنا الحديث وَرَدَ علينا أنه قد يتفق أن لا يتمكن المتبايعان من التفرق. والجواب أن الحديث قد فتح لهما بابًا آخر
стр. 997
يتمكنان به من إبرام العقد، وهو أن يختارا اللزوم، فيلزم من غير تفرق. وإن أرادا أو أحدهما الفسخَ فظاهر. وكأن أبا حنيفة لم تبلغه رواية مصرِّحة بذلك.
فإن قيل: قد يبادر أحدهما فيختار اللزوم، ويأبى الآخر أن يختار اللزوم أو يفسخ، فيتضرر المبادر؛ لأنه لا يمكنه إبرام العقد ولا فسخه.
قلت: هو المضيِّق على نفسه بمبادرته، فلينتظر التمكن من المفارقة بأن تصل السفينة إلى مرفأ، أو يطلَقا أو أحدُهما من السجن، أو يُنقل أحدُهما إلى سجن آخر، أو يبلغ المسافران حيث لا يخاف من [٢/ ٥٨] الانفراد والتباعد عن الرفقة.
فإن قيل: لكن المدة قد تطول مع جهالتها.
قلت: اتفاقُ أن يجتمع أن يبادر أحدهما، ويمتنع التفرق، وتطول المدة، وتفحش الجهالة= نادرٌ جدًّا. ويقع مثل ذلك كثيرًا في خيار الرؤية. وكذلك في الصَّرْف والسلَم وغيرها مما لا يستقر فيه العقد إلا بالقبض قبل التفرق. فمثلُ ذلك الاستبعاد إن ساغ أن يُعتدَّ به، ففي التوقف عن الأخذ بدليل في ثبوته أو في دلالته نظر. وليس الأمر هاهنا كذلك، فإن الحديث بغاية الصحة، والشهرة، ووضوح الدلالة. فهو في "الصحيحين" وغيرهما من طُرق عن ابن عمر، وصحَّ عنه من قوله وفعله ما يوافقه. وهو في "الصحيحين" (١) وغيرهما من حديث حكيم بن حزام. وصحَّ عن أبي برزة (٢) أنه رواه وقضى به. وجاء
стр. 998
من حديث عبد الله بن عمرو (١)، وأبي هريرة (٢)، وسمرة (٣)، وغيرهم (٤). وجاء عن أمير المؤمنين عليّ القضاءُ به. ولا مخالفَ من الصحابة، وإنما جاء الخلاف فيه من التابعين عن ربيعة بالمدينة، وإبراهيم النخعي بالكوفة.
واشتد نكير ابن أبي ذئب إذ قيل له: إن مالكًا لا يأخذ بهذا الحديث، فقال: "يستتاب، فإن تاب وإلا يقتل" (٥). ومالك إنما اعتذر في "الموطأ" (٦) بقوله بعد أن روى الحديث: "ليس لهذا عندنا حدٌّ معروف، ولا أمرٌ معمول به فيه". وتعقَّبه الشافعيُّ وغيرُه بأنّ الحدّ معروف نقلًا ونظرًا، فإنه معلوم أن التفرُّق حقيقة في التفرق بالأبدان، وحدُّه معروف في العُرف. وقد اتفقوا على نظيره في الصرف والسلم. والعمل ثابت عن الصحابة وكثير من
стр. 999
أئمة التابعين بالمدينة وغيرها. وراجع كتاب "الأم" للشافعي أوائلَ المجلد الثالث (١).
стр. 1000
[٢/ ٥٩] المسألة الثامنة
رجل خلا خلوةً مريبةً بامرأة أجنبية يحِلُّ له أن يتزوجها، فعُثِر عليهما، فقالا: نحن زوجان
تقدم في المسألة السادسة قول خالد بن يزيد بن أبي مالك: "أحلَّ أبو حنيفة الزنا ... ". قال: "وأما تحليل الزنا فقال: لو أن رجلًا وامرأة اجتمعا في بيت، وهما معروفا الأبوين، فقالت المرأة: هو زوجي، وقال هو: هي امرأتي= لم أَعرِضْ لهما"
قال الأستاذ (ص ١٤٥): "قال الملك المعظَّم في "السهم المصيب": إذا جاء واحد إلى كل واحد من امرأة ورجل، فقالا له: نحن زوجان، فبأي طريقة يفرِّق بينهما أو يعترض عليهما؛ لأن كل واحد منهما يدعي أمرًا حلالًا؟ ولو فُتِح هذا الباب لكان الإنسان كلَّ يوم بل كلَّ ساعة يُشهِد على نفسه وعلى زوجه أنهما زوجان. وهذا لم يقل به أحد من الأئمة، وفيه من الحرج ما لا يخفى على أحد".
أقول: في كتب الحنفية (١): "إن إقرار الرجل أنه زوجها، وهي أنها زوجته يكون إنكاحًا، ويتضمن إقرارُهما الإنشاء". فهذه هي مسألة ابن أبي مالك استشنعها الأستاذ نفسه، وكذلك ملِكُه المعظَّم عنده، ولذلك لجأ إلى المغالطة. وحاصلها أننا إذا عرفنا رجلًا وامرأةً نعلم أنهما ليسا بزوجين، ثم وجدناهما في خلوة مريبة، فقال: هي زوجتي، وقالت: هو زوجي، فأبو حنيفة يقول: يكون اعترافهما عقدًا ينعقد به النكاح، فيصيران زوجين
стр. 1001
من حينئذ، ولا يعرض لهما! ففي هذا ثلاثة أمور:
الأول: أنه بلا ولي.
الثاني: أنه كيف يكون إنشاء، وإن لم يقصداه؟
الثالث: أنه كيف لا يُعرَض لهما بإنكار وتعزير على الأقل؟ لأنهما قد ارتكبا الحرام قطعًا وهو الخلوة، لأنهما إن كانا تلفظا بزواج قبل العثور عليهما فذاك باطل، إذ لا ولي ولا شهود. وإن لم يتلفظا إلا بدعواهما الزوجية، أو اعترافهما بها عند العثور عليهما، فالأمر أوضح. وأيضًا فالتعزير متّجه من وجه آخر، وذلك لئلا يكون هذا تسهيلًا للفجور، يخلو الفاجر بالفاجرة آمنَينِ مطمئنينِ قائلينِ: إن لم يُطَّلع علينا فذاك المقصود، وإن اطُّلِع علينا قلنا: نحن زوجان!
стр. 1002
[٢/ ٦٠] المسألة التاسعة
الطلاق قبل النكاح
في "تاريخ بغداد" (١٣/ ٤١١ [٤٣٨]): عن أحمد بن حنبل أنه قيل له: قول أبي حنيفة: الطلاق قبل النكاح؟ فقال: "مسكين أبو حنيفة! كأنه لم يكن من العراق، كأنه لم يكن من العلم بشيء. قد جاء فيه عن النبي ﷺ ، وعن الصحابة، وعن نيف وعشرين من التابعين مثل سعيد بن جبير، وسعيد بن المسيب، وعطاء، وطاوس، وعكرمة. كيف يجترئ أن يقول: تطلق؟ ".
قال الأستاذ (ص ١٤٢): " ... على أن مذهب أبي حنيفة أنه لا طلاق إلا في مِلْك، أو مضافًا إلى مِلْك، أو عُلْقة من علائق الملك، ... وقد أجمعت الأمة أنه لا يقع طلاق قبل النكاح لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ الآية [الأحزاب: ٤٩]. فمن علَّق الطلاق بالنكاح وقال: إن نكحتُ فلانةَ فهي طالق، لا يُعَدُّ هذا المعلِّق مطلِّقًا قبل النكاح ولا الطلاقُ واقعًا قبل النكاح. وإنما يُعَدُّ مطلِّقًا بعده، حيث يقع الطلاق بعد عقد النكاح، فيكون هذا خارجًا من متناول الآية ومن متناول حديث: "لا طلاق قبل النكاح"؛ لأن الطلاق في تلك المسالة بعد النكاح لا قبله. وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه الثلاثة وعثمان البَتِّي. وهو قول الثوري، ومالك، والنخعي، ومجاهد، والشعبي، وعمر بن عبد العزيز فيما إذا خَصَّ. والأحاديث في هذا الباب لا تخلو عن اضطراب، والخلافُ طويل الذيل بين السلف فيما إذا عَمَّ أو خَصَّ. وقول عمر بن الخطاب صريح فيما ذهب إليه أبو حنيفة وأصحابه. وتابع الشافعي ابن المسيِّب سواء عمَّ أو خصَّ، وإليه ذهب أحمد".
стр. 1003
أقول: قال البخاري في "الصحيح" (١): "باب لا طلاق قبل نكاح، وقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤٩]. وقال ابن عباس: جعل الله الطلاق بعد النكاح. ويروى في ذلك عن عليّ، وسعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وأبي بكر بن عبد الرحمن، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وأبان بن عثمان، وعلي بن حسين، وشريح، وسعيد بن [٢/ ٦١] جبير، والقاسم، وسالم، وطاوس، والحسن، وعكرمة، وعطاء، وعامر بن سعد، وجابر بن زيد، ونافع بن جبير، ومحمد بن كعب، وسليمان بن يسار، ومجاهد، والقاسم بن عبد الرحمن، وعمرو بن هرم، والشعبي= أنها لا تَطْلُق".
والآثار عن جماعة من هؤلاء صحيحة كما في "الفتح" (٢). ولم يصح عن عمر بن الخطاب شيء في الباب. وجمهور السلف على عدم الوقوع مطلقًا. وروي عن ابن مسعود أنه إذا خَصَّ وقع، وإذا عَمَّ كأن قال: "كل امرأة ... " لم يقع. وعن ابن عباس (٣) أنه أنكر هذا، فقال: "ما قالها ابن مسعود. وإن يكن قالها فزلَّةٌ من عالم ... قال الله تعالى .... " فتلا الآية. وممن نُقِل عنه هذا القول: الشعبي، وإبراهيم النخعي، وحماد بن أبي سليمان شيخ أبي حنيفة. وهو المشهور عن مالك، وقيل عنه كالجمهور أنه لا يقع مطلقًا،
стр. 1004
وهذا مذهب الشافعي وأحمد. وقال أبو حنيفة: يقع مطلقًا. ولا يُعلم له سلف في ذلك.
فأما الآية فاحتج بها حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس، ثم زين العابدين علي بن الحسين (١)، ثم البخاري على عدم الوقوع مطلقًا. وزعم بعضهم كالأستاذ أنها لا تدل إلا على أنه لا يقع الطلاق على المرأة قبل نكاحها. فأما من قال: "إن تزوجتُ فلانةَ فهي طالق"، فلا تدل الآية على عدم وقوعه؛ لأنه إذا وقع فإنما يقع بعد النكاح.
وأقول: يقال: "طَلَقَتْ (بفتح اللام مخففة) فلانةُ" أي انحلَّت عقدةُ نكاحها بقول من الزوج. ويقال: "طلَّق فلان امرأته" أي جعلها تطلُق، كما يقال سرَّحها أي جعلها تسرح، وسيَّرها: جعلها تسير، وغير ذلك. فطلاق الرجل يتضمن أمرين: الأول: قوله الخاص. الثاني: وقوع الأثر على المرأة، فتنحلُّ به عقدةُ نكاحها.
وإذا قيل: "طلَّق فلان امرأته اليوم" فالمتبادر أن قوله وانحلال العقدة وقعا ذاك اليوم، فهذا هو الحقيقة. فمن قال لامرأته يوم السبت: "إذا جاء يوم الجمعة فأنتِ طالق" لم يصدُق على وجه الحقيقة أن يقال قبل يوم الجمعة: إنه طلَّق، ولا أن يقال: طلَّق يومَ السبت، ولا طلَّق قبل يوم الجمعة؛ ولكنه يقال بعد مجيء يوم الجمعة: إنه طلَّق. فإذا أُريد التفصيل قيل: علَّق طلاقَها يوم السبت وطَلَقَتْ يوم الجمعة.
ونظير ذلك: إذا جَرَح رجلٌ آخرَ يوم السبت جراحةً مات منها يوم
стр. 1005
الجمعة، فلا يقال حقيقةً قبل الموت: إنه قَتَل، ولكن يقال بعد الموت: إنه [٢/ ٦٢] قتله، ولا يقال: قتله يوم السبت، ولا يوم الجمعة، بل يقال: جرَحه يوم السبت، فمات يوم الجمعة.
فقوله تعالى في الآية: ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ يقتضي تأخير الأمرين معًا: قول الرجلِ، وانحلال العقدة. ويؤيده أمران:
الأول: قوله: ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾. وكلمة "ثم" تقتضي المهلة. وإذا كان الطلاق معلَّقًا بالنكاح، وقلنا: إنه يقع= وقَعَ بلا مهلة.
الثاني: قوله: ﴿وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾. والتسريح هنا إرجاعها إلى أهلها، وإنما يكون ذلك إذا كانت قد زُفَّتْ إليه. ومن كان معلومًا أنه بنكاحه يقع طلاقُه فمتى تُزَفُّ إليه المرأة، حتى يقال له: سرِّحْها سراحًا جميلًا؟
وأما الحديث، فاحتج به جماعة من المتقدمين على عدم الوقوع، وتأوله بعضهم بما ذكر الأستاذ. وأقول: إن كان لفظ "طلاق" فيه اسمًا من التطليق كالكلام من التكليم، سقط التأويل كما يُعلم مما مرَّ. وإن كان مصدرَ قولنا: "طَلَقَتِ المرأةُ" كان للتأويل مساغ. والأول هو الأكثر والأشهر في الاستعمال. وقد دُفِع التأويلُ بأنه لا يجهل أحد أن المرأة لا تطلَّق ممن ليس لها بزوج، فحملُ الحديث على هذا النفي يجعله خِلْوًا عن الفائدة.
وأما النظر، فلا ريب أن الله ﵎ إنما شرع النكاحَ والطلاقَ لمقاصد عظيمة، وأن مثل ذلك الطلاق لا يحتمل أن يحصل به مقصد شرعي، وهو مضادٌّ لشرع النكاح.
стр. 1006
وبعد، فإذا لم يثبت عن السلف قبل أبي حنيفة إلا قولان، وأحدهما تدفعه الأدلة المذكورة، وهو ضعيف في القياس= تعيَّن القول الآخر، وهو مذهب عليّ وابن عباس، ثم مذهب الشافعي وأحمد. والله الموفق (١).
стр. 1007
[٢/ ٦٣] المسألة العاشرة
العقيقة مشروعة
في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٤١١ [٤٣٨]) عن أحمد بن حنبل: «في العقيقة عن النبي ﷺ أحاديث مسندة، وعن أصحابه، وعن التابعين. وقال أبو حنيفة: هو من عمل الجاهلية».
قال الأستاذ (ص ١٤٢): «نعم، كان أهل الجاهلية يرون وجوب العقيقة، وأبيحت في الإسلام من غير وجوب في رأي أبي حنيفة وأصحابه. قال الإمام محمد بن الحسن الشيباني في «الآثار» (١): أخبرنا أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم قال: كانت العقيقة في الجاهلية، فلما جاء الإسلام رُفِضت. قال محمد: وأخبرنا أبو حنيفة قال: حدثنا رجل عن محمد ابن الحنفية أن العقيقة كانت في الجاهلية، فلما جاء الإسلام رُفِضت».
ثم قال الأستاذ: «يرى أبو حنيفة أن ما كان من عمل أهل الجاهلية معتبرين وجوبَه عليهم إذا عُمِل به في الإسلام لا يدل هذا العملُ إلا على الإباحة، لا على إبقاء الوجوب المعتبَر في الجاهلية ... .».
أقول: قول القائل: «من عمل الجاهلية» ظاهر في أنها محظورة، وكلمة «عمل» تدل أن كلامه في العقيقة نفسها لا في اعتقاد وجوبها فقط. وقول القائل: «فلما جاء الإسلام رفضت» ظاهر في أنها غير مشروعة البتة، فيكون اعتقاد مشروعيتها ضلالًا كبيرًا وتديُّنًا بما لم ينزل الله به سلطانًا. فأما محمد ابن الحنفية، فلا يصح الأثر عنه، إذ لا يُدرى مَن شيخ أبي حنيفة؟ أثقة أم لا؟
стр. 1008
وأما إبراهيمُ فنافٍ، والمثبِتُ مقدَّم عليه.
وقد ورد في مشروعيتها أحاديث قولية. منها: حديثان في «صحيح البخاري» (١) ذكرهما البيهقي في «السنن» (ج ٩ ص ٢٩٨)، فاعترضه ابن التركماني (٢) قائلًا: «ظاهرهما دليل على وجوبها، فهما غير مطابقين لمدَّعاه». والقول بالوجوب منقول عن الظاهرية، واحتج من يقول بالندب بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه مرفوعًا: «من وُلِد له ولد، فأحبَّ أن ينسُك عنه، فلينسُكْ: عن الغلام شاتان .. » (٣). وهذا الحديث أيضًا يدل على مشروعيتها، فإنَّ النسك عبادة، إذا لم تكن [٢/ ٦٤] واجبة كانت مندوبة ولا بد. وسواء أكان أهل الجاهلية يعتقدون وجوبها أم لا، فإنها لم تُرفَض في الإسلام، بل هي مشروعة فيه (٤).
стр. 1009
[٢/ ٦٥] المسألة الحادية عشرة
للراجل سهم من الغنيمة، وللفارس ثلاثة:
سهم له وسهمان لفرسه
في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٩٠ [٤٠٧]) عن يوسف بن أسباط « ... قال رسول الله ﷺ : «للفرس سهمان وللرجل سهم». قال أبو حنيفة: أنا لا أجعل سهمَ بهيمةٍ أكثرَ من سهم المؤمن».
قال الأستاذ (ص ٨٦): «فقوله: «للفرس سهمان وللرجل سهم» هكذا في بعض الروايات، وفي بعضها: «للفارس سهمان وللراجل سهم»، وهو الذي اختاره أبو حنيفة، وهو الذي وقع في لفظ مُجمِّع بن جارية المخرج في «سنن أبي
стр. 1010
داود» (١) .... فأبو حنيفة لما رأى اختلاف ألفاظ الرواة ... نظر، فوجد أن الشرع لا يرى تمليك البهائم، فحكم على أن رواية «للفرس سهمان» المفيدة بظاهرها تمليكَ بهيمة ضِعْفَ ما يملك الرجلُ من غلط الراوي، حيث كانت الألف تُحذَف من الوسط في خط الأقدمين في غير الأعلام أيضًا، فقرأ هذا الغالط «فرسًا» و «رجلًا» ما تجب قراءته «فارسًا» و «راجلًا». فتتابعت رواةٌ على الغلط قاصدين باللفظين المذكورين الخيل والإنسان، مع إمكان إرادتهم الفارس من الفرس، كما يراد بالخيل الخيَّالة عند قيام القرينة جمعًا بين الروايتين. ومضى آخرون على رواية الحديث على الصحة. فردَّ أبو حنيفة على الغالطين بقوله: إني لا أفضِّل بهيمةً على مؤمن، ليُفْهِمهم أنه لا تمليك في الشرع للبهائم، والمجاز خلاف الأصل. وإنما تكلم عن التفضيل مع أنه أيضًا لا يقول بمساواة البهيمة لمؤمن؛ لأن الكلام في الحديث المغلوط فيه ... وقولُ أبي يوسف في «الخراج» (٢) بعد وفاة أبي حنيفة ومتابعةُ الشافعي له في «الأم» (٣) مع زيادة تشنيع بعيدان عن مغزى فقيه الملة ... وأما ما ورد في مضاعفة سهم الفارس في بعض الحروب، فقد حمله أبو حنيفة على التنفيل جمعًا بين الأدلة، لأن الحاجة إلى الفرسان تختلف باختلاف الحروب. أبهذا يكون أبو حنيفة ردَّ على رسول الله ﷺ ؟ حاشاه».
أقول: لا يخفى ما في هذا التوجيه من التعسف. وقد كثرت الحكايات عن
стр. 1011
أبي حنيفة في مجابهة من يعترض عليه بالكلمات الموحشة. فقد يقال: إنه كان يتبرَّم بالمعترضين، ولا يراهم أهلًا للمناظرة، فكان يدفعهم بتلك الكلمات لئلا يعودوا إلى التعرض، غيرَ مُبالٍ بما يترتب على [٢/ ٦٦] ذلك من اعتقادهم. فهل جرى على هذه الطريقة مع أصحابه حتى إن أخصَّهم به وآثرهم عنده وأعلمَهم بمقاصده ــ وهو أبو يوسف ــ لم يتفطَّن لما تفطَّن له الأستاذ؟
فأما حذف الألف في كتابة المتقدمين فيقع في ثلاثة مواضع: الأول: حيث يؤمن اللبس، إما لعدم ما يلتبس به مثل: القاسم بن فلان، سليمان بن فلان، إسحاق بن فلان. فإن هذه الأعلام إذا كتبت بلا ألف لا يوجد ما يلتبس بها. وإما في كتابة القرآن الذي من شأنه أن يؤخذ بالتلقي والتلقين وتعم معرفته، بحيث إذا أخطأ مخطئ لم يلبث أن يُنَبَّه. وإما فيما يصح على كلا الوجهين مثل جبريل و ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾. وليس قوله في الحديث: «للفرس، للرجل» في شيء من هذا. اللهم إلا أن يخطئ الكاتب، يسمع «للفارس، للراجل»، فيحسب ذلك مما يجوز تخفيفه في الكتابة فيكتب «للفرس، للرجل». لكنه كما قد يحتمل هذا، فكذلك قد يحتمل أن يخطئ القارئ بأن يكون الكاتب سمع «للفرس، للرجل» فكتبها كذلك، ثم توهم القارئ أن الأصل «للفارس، للراجل»، وإنما حذف الألف تخفيفًا في الكتابة، فيقرؤها «للفارس، للراجل» ويرويها كذلك.
وأما تقديم الحقيقة على المجاز، فالذي في الرواية «جَعلَ للفرس سهمين وللرجل سهمًا» (١)، ولا يتجه في قوله: «للفرس» مجاز، بل اللام
стр. 1012
لام التعليل، أي جعل لأجل الفرس.
فإن قيل: بل اللام لشبه التمليك.
قلنا: فما الحجة على أن لام شبه التمليك مجاز؟ فإن كانت هناك حجة فجَعْلُها للتعليل أَوْلى تقديمًا للحقيقة على المجاز، وكذلك لو ساغ أن يطلق «الفرس»، ويراد «الفارس»، كما زعم الأستاذ. على أن سواغ ذلك غير مسلَّم، فإنه غير معروف، ولا قرينة عليه. فأما إطلاق «الخيل» وإرادة «الفرسان»، فمستفيض، وإنما يسوغ بقرينة، وإنما جاء حيث يكون المقام ذكر الجيش، حيث لا تكون الخيل إلا مع فرسانها، فيكون بينهما ضرب من التلازم.
هَبْ أنه اتجه المجاز، فتقديمُ الحقيقة على المجاز محلُّه في الكلمة الواحدة، يجب حملها على معناها الحقيقي، ولا يجوز حملها على معنى مجازي بلا حجة، كما ارتكبه الأستاذ في غير موضع. فأما روايتان مختلفتان متنافيتان، والكلام في إحداهما حقيقة، وفي الأخرى مجاز صحيح بقرينته؛ فلا [٢/ ٦٧] يتجه تقديمُ الأولى لأنَّ المتكلم كما يتكلم بالحقيقة فكذلك يتكلم بالمجاز، والمخطئ كما يخطئ من الحقيقة إلى المجاز، فكذلك عكسه. بل احتماله أقرب، لأن أغلب ما يكون الخطأ بالحمل على المألوف، وغالب ما يقع من التصحيف كذلك. فقد رأيت ما لا أُحصِيه اسم «زَبر» مصحفًا إلى «أنس»، واسم «سعر» مصحفًا إلى «سعد» ولا أذكر أننى رأيت عكس هذا. وقال الشاعر (١):
стр. 1013
فمَنْ يكُ سائلًا عني فإنِّي ... من الفتيان أيامَ الخُنان
وقال الآخر (١):
كساك ولم تَسْتكسِه فحمِدتَه ... أخٌ لك يعطيك الجزيل وياصِرُ
فصحَّف الناس قافيتي هذين البيتين إلى «الختان. ناصر» (٢). وأمثال هذا كثيرة لا تخفى على من له إلمام.
وهكذا الخطأ في الأسانيد أغلب ما يقع بسلوك الجادة. فهشام بن عروة غالبُ روايته عن أبيه عن عائشة، وقد يروي عن وهب بن كيسان عن عبيد بن عمير. فقد يسمع رجل من هشام خبرًا بالسند الثاني، ثم يمضي على السامع زمان، فيشتبه عليه، فيتوهم أنه سمع ذاك الخبر من هشام بالسند الأول على ما هو الغالب المألوف. ولذلك تجد أئمة الحديث إذا وجدوا راويين اختلفا بأن رويا عن هشام خبرًا واحدًا جعله أحدهما عن هشام عن وهب عن عبيد، وجعله الآخر عن هشام عن أبيه عن عائشة، فالغالب أن
стр. 1014
يقدِّموا الأول، ويخطِّئوا الثاني. هذا مثال، ومن راجع كتب علل الحديث وجد من هذا ما لا يُحصى.
هَبْ أن الحقيقة تُقدَّم على المجاز في الروايتين المتنافيتين، فإنما لا يبعد ذلك جدًّا، حيث لا يوجد للرواية الأخرى مرجِّح قوي. وليس الأمر هاهنا كذلك، بل مَن تتَّبع الرواياتِ وجد الأمر بغاية الوضوح.
وشرح ذلك أن الحنفية يتشبثون بأربعة أشياء:
أولها: حديث مُجمِّع، والجواب عنه أنه من رواية مُجمِّع بن يعقوب بن مجمِّع عن أبيه بسنده. وفي «سنن البيهقي» (ج ٦ ص ٣٢٥) أن الشافعي قال: «مجمِّع بن يعقوب شيخ لا يعرف».
أقول: أما مجمِّع، فمعروف لا بأس به. فلعل الشافعي أراد أباه يعقوب بن مجمِّع، ففي «نصب [٢/ ٦٨] الراية» (١) عن ابن القطان: «علة هذا الحديث الجهلُ بحال يعقوب بن مجمِّع، ولا يُعرف روى عنه غير ابنه». وذكر المزي (٢) راويين آخرين، ولكنهما ضعيفان. ولم يوثق يعقوبَ أحدٌ، فأما ذكرُ ابن حبان له في «الثقات» (٣)، فلا يُجدي شيئًا لما عُرف من قاعدة ابن حبان من ذكر المجاهيل في «الثقات». وقد ذكر الأستاذ ذلك في غير موضع، وشرحته في الأمر الثامن من القاعدة السادسة من قسم القواعد، وفي ترجمة ابن حبان من قسم التراجم (٤).
стр. 1015
وفي الحديث وهمٌ آخر، فإن فيه أن فرسان المسلمين يوم خيبر كانوا ثلاثمائة، والمعروف أنهم كانوا مائتين. وأبو داود وإن أخرج الحديث في «سننه» (١) فقد تعقبه ــ كما في «نصب الراية» (٢) ــ بقوله: «هذا وهمٌ، إنما كانوا مائتي فارس، فأعطى الفرس سهمين وأعطى صاحبه سهما».
وأخرج جماعة منهم الحاكم في «المستدرك» (ج ٦ ص ٣٢٦) (٣) عن ابن عباس: «أن رسول الله ﷺ قسم لمائتي فرس يوم خبير سهمين سهمين».
وفي «مصنف ابن أبي شيبة» (٤) عن أبي خالد الأحمر، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن صالح بن كيسان أن النبي ﷺ أسهم يوم خيبر لمائتي فرس: لكل منهم سهمين. وهؤلاء كلُّهم ثقات متفق عليهم، وصالح من أفاضل التابعين.
وفي «سنن البيهقي» (ج ٦ ص ٣٢٦) بسند «السيرة» عن ابن إسحاق: «حدثني ابن لمحمد بن مسلمة عمن أدركه من أهله، وحدثني عبد الله بن أبي بكر بن حزم قالا: كانت المقاسم على أموال خيبر على ألفٍ وثمان مائة سهم: الرجال ألف وأربع مائة والخيل مائتي (٥) فرس، فكان للفرس سهمان ولصاحبه سهم، وللراجل سهم».
стр. 1016
وأكثر الروايات وأَثبتُها في عدد الجيش أنهم ألف وأربع مائة، وفي بعض الروايات: «ألف وخمس مائة». وجمع أهلُ العلم بين ذلك بأن عدد المقاتلة المستحقين للسهم كانوا ألفًا وأربع مائة، ومعهم نحو مائة ممن لا يستحق سهمًا من العبيد والنساء والصبيان.
وجاء عن بُشَير بن يسار (١) قال: «شهدها مائة فرس، وجعل للفرس سهمين». وهذا محمول على خيل الأنصار، فأما مجموع الخيل فكانت مائتين.
الثاني: حديث عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم العمري، عن نافع، عن ابن عمر: «أن رسول الله ﷺ كان يسهم للفارس سهمين، وللراجل سهمًا». أخرجه الدارقطني (٢)، ثم قال: «ورواه القعنبي عن العمري بالشك في الفارس والفرَس. ثنا أبو بكر، ثنا محمد بن علي الوراق، نا [٢/ ٦٩] القعنبي عنه».
فقد شك العمري، وهو مع ذلك كثير الخطأ، حتى قال البخاري: «ذاهب لا أروي عنه شيئًا». ومن أثنى عليه فلصلاحه وصدقه، وأنه ليس بالساقط.
الثالث: ما وقع في رواية بعضهم عن عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم. وسيأتي ذلك في الكلام على حديثه.
стр. 1017
الرابع: قال ابن أبي شيبة في «المصنف» (١): «غندر، عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن هانئ، عن علي قال: للفارس سهمان. قال شعبة: وجدته مكتوبًا عند (بياض)».
وقال قبل ذلك (٢): «معاذ، ثنا حبيب بن شهاب، عن أبيه، عن أبي موسى أنه أسهم للفارس سهمين، وللراجل سهمًا».
أما الأثر عن عليّ، فقول شعبة: «وجدته ... » عبارة مشككة. وقد روى الشافعي ــ كما في «سنن البيهقي» (ج ٦ ص ٣٢٧) ــ «عن شاذان (الأسود بن عامر)، عن زهير، عن أبي إسحاق قال: غزوت مع سعيد بن عثمان، فأسهم لفرسي سهمين، ولي سهما. قال أبو إسحاق: وكذلك حدَّثني هانئ بن هانئ عن عليّ، وكذلك حدَّثني حارثة بن مضرّب عن عمر».
وفي «مصنف ابن أبي شيبة» (٣): «وكيع، ثنا سفيان وإسرائيل، عن أبي إسحاق قال: شهدنا غزوة مع سعيد بن عثمان، ومعي هانئ بن هانئ، ومعي فرسان، ومع هانئ فرسان؛ فأسهم لي ولفرسَيَّ خمسة أسهم، وأسهم لهانئ ولفرسَيْه خمسة أسهم».
وهذا غير مخالف لرواية زهير، لأنه إذا أسهم للفرسين أربعة أسهم ولصاحبها سهمًا فقد أسهم للفرس سهمين، ولصاحبه سهمًا. وهذا بلا شك أثبَتُ مما ذكره شعبة. ومع هذا، فهانئ بن هانئ لم يرو عنه إلا أبو إسحاق
стр. 1018
وحده. قال ابن المدينى: «مجهول». وقال النسائي: «ليس به بأس». ومن عادة النسائي توثيق بعض المجاهيل، كما شرحته في الأمر الثامن من القاعدة السادسة من قسم القواعد.
وأما الأثر عن أبي موسى فسنده جيد. وقد تأوله بعضهم بأن معناه للفارس من حيث هو ذو فرس، وذلك لا ينافي أن يكون له سهم ثابت من حيث هو رجل. وفي هذا تعسف. وقد ذكر ابن التركماني (١) أن ابن جرير ذكر في «تهذيبه» أن هذا كان في واقعة (تُسْتَر). فكأن هذا رأي لأبي موسى فيما إذا كانت الوقعة قتالَ حصنٍ يضعفُ غَناءُ الخيل فيه. وقد جاء عن جماعة من التابعين أنهم كانوا ينقصون سهام الخيل في قتال الحصون أو لا يُسهِمون لها شيئًا. ذكر [٢/ ٧٠] ذلك ابن أبي شيبة وغيره، وذكر إنكار عمر بن عبد العزيز ذلك (٢)، وإنكار مكحول له واحتجاجه بأن النبي ﵌ أسهم في غنائم خيبر للفرس سهمين ولصاحبه سهمًا، مع أن خيبر كانت حصنًا. ولعلَّ أبا موسى اعتذر عن هذا بأنَّ مغانم خيبر قُسمت على أصحاب الحديبية ولم تكن الحديبية حصنًا. ولعل ابن جرير قد ذكر هذا المعنى في «التهذيب»، فليراجعه من تيسَّر له ذلك (٣).
حديث عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب.
عبيد الله هذا ثقة جليل أثبَتُ من أخيه عبد الله بما لا يُحصى، بل جاء عن
стр. 1019
يحيى بن سعيد القطان والإمام أحمد وأحمد بن صالح أن عبيد الله أثبَتُ أصحاب نافع، وفيهم مالك وغيره. وقد وقعتُ على جماعة ممن روى عنه هذا الحديث.
الأول: الإمام المضروب به المثل في الحفظ والإتقان والفقه والزهد والعبادة والسنة أبو عبد الله سفيان بن سعيد الثوري. قال الإمام أحمد في «المسند» (ج ٢ ص ١٥٢) (١): «ثنا عبد الرزاق، أنا سفيان، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر أن النبي ﷺ جعل للفرس سهمين وللرجل سهمًا». ورواه الدارقطني في «السنن» (ص ٤٦٧) (٢) من طريق عبد الله بن الوليد العدَني عن سفيان ــ بسنده ــ (٣) «أن رسول الله ﷺ أسهم للرجل ولفرسه ثلاثة أسهم: للرجل سهم ولفرسه سهمان». ورواه البيهقي في «السنن» (ج ٦ ص ٣٢٥) من طريق أبي حذيفة عن سفيان ــ بسنده ــ «أن رسول الله ﷺ أسهَمَ للرجل ثلاثة أسهم: للرجل سهم وللفرس سهمان».
الثاني: الحافظ المقدَّم هُشيم بن بشير الواسطي. رواه عنه الإمام أحمد في «المسند» (ج ٢ ص ٢) (٤) وهو أول حديث في «مسند ابن عمر» ولفظه: «أن رسول الله ﷺ جعل يوم خيبر للفرس سهمين وللرجل سهمًا».
الثالث: أبو معاوية محمد بن خازم الضرير. رواه عنه الإمام أحمد في
стр. 1020
«المسند» (ج ٢ ص ٢) (١) ولفظه: «أن رسول الله ﷺ أسهَمَ للرجل ولفرسه ثلاثة أسهم: سهمًا له، وسهمين لفرسه».
[٢/ ٧١] ورواه أبو داود في «السنن» (٢) عن أحمد. وقد رواه عن أبي معاوية أيضًا علي بن محمد بن أبي الشوارب عند ابن ماجه (٣)، والحسن بن محمد الزعفراني عند الدارقطني (ص ٤٦٧) (٤)، وسعدان بن نصر عند البيهقي (ج ٦ ص ٣٢٥).
الرابع: إسحاق الأزرق عند الشافعي كما في «مسنده» (٥) بهامش «الأم» (ج ٦ ص ٢٥٠) « ... أن رسول الله ﷺ ضرب للفرس بسهمين، وللفارس بسهم».
الخامس: سُلَيم بن أخضر. رواه مسلم في «صحيحه» (٦) عن يحيى بن يحيى وأبي كامل عنه: « ... أن رسول الله ﷺ قسم في النفل للفرس سهمين، وللرجل سهمًا». وقع عند بعض رواة الصحيح: «للراجل». وقد رواه عن