الفعل: أضربٌ هو، أم رميٌ، أم حَذْفٌ أم خَذْفٌ؟ وفي الآلة: مِسْطح ــ حجر ــ عمود فسطاط؟ والطريق العلمية في مثل هذا أن يُجمَع، فإن لم يمكن فالترجيح.
فقد يقال: أما الفعل فحَذْفٌ، لأن الحذف هو الرمي عن جانب، فكلُّ حذفٍ رَمْيٌ، ولا عكس. وإنما كان ذلك سببًا للنهي عن الخذف، لأن كلًّا منهما رميٌ بحجر، ولتقاربهما لفظًا. وقد يُطلق على الرمي ضربٌ كما مرَّ في بعض الروايات: «ضربت امرأة ضرَّتَها بحجر».
وأما الآلة، فقد يقال: إنها حجرٌ كان صَوْبَجًا، وذلك أن في رواية زوج المرأة: «بمسطح»، وفي رواية عنه: «بحجر»، وفي رواية أخي المقتولة: «بمسطح». و «المسطح»: كلمة مشتركة يطلق على الصَّوبج، وهو ما يرقَّق به العجين ويُخبَز، وقد يكون عند أهل البادية حجرًا. ويطلق على عمود الخباء والفسطاط. فجاء في رواية منصور، عن إبراهيم، عن عبيد، عن المغيرة: «بعمود فسطاط». وفي رواية: «بحجر أو عمود فسطاط». وفي رواية الأعمش عن إبراهيم: «بحجر». فكأنه كان في أصل الرواية: «بمسطح»، فحمله بعضُهم على أحد معنيَيه، وبعضهم على الآخر، وشك بعضهم. وفي رواية أبي المليح عن أبيه: «بعمود خباء»، وفي الأخرى منه: «بحجر»، فكأنه كان في الأصل «بمسطح». وفي رواية أبي هريرة في «الصحيحين»: «بحجر»، ولم يُختلَف عليه. فإن اتجه ذاك التوجيه، وإلا فما اتفق عليه الشيخان أرجح.
إذا تقرَّر هذا فنقول: إن حذف المرأةِ صاحبتَها بحجر ليس مما يتبيَّن به مطلقًا قصدُ القتل.
стр. 1052
[٢/ ٨٨] فإن قيل: عدم استفصال النبي ﵌ يدل على أن القتل بمثل ذلك شبهُ عمدٍ على كل حال.
قلت: لم يُذكر في شيء من الروايات اختلافٌ من الخصمين في القتل أعمد أم شبه العمد؟ ولا في موجبه، بل تقدم في رواية أبي المليح عن حَمَل: «فقال حَمَل لعمران بن عويمر (أخي القاتلة) أدِّ إليَّ عقلَ امرأتي، فأبى، فترافعا». وفي روايته عن أبيه: «فقال عمران: يا نبي الله إنَّ لها ابنين هما سادة الحي، وهم أحقُّ أن يَعقِلوا عن أمهم». فقد اتفق الخصمان قبل الترافع وبعده على أن في القتل ديةً على العاقلة، وإنما اختلفا في العاقلة التي تلزمها الدية في الواقعة: الأخ أم الابنان؟ ومعنى ذلك اتفاقهما على أن القتل شبه عمد.
وافرض أن خصمين ترافعا إلى قاض، فقال أحدهما: إن أختَ هذا قتلَتْ أختي شبه عمد، وهو عاقلتها، فأطالبه بالدية. فقال الآخر: قد صدق، ولكنْ للقاتلة بنون وهم أحقُّ أن يعقلوا عن أمهم. ألا ترى أنه لا حاجة بالقاضي إلى السؤال عن صفة القتل، لتصادُق الخصمين على أنه شبه عمد، وإنما اختلفا في غيره؟
قول الأستاذ: «وقد أعلّ أبو حنيفة حديثَ الرضْخ، كما سيأتي».
أقول: في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٨٧ [٤٠٣]) من طريق «بشر بن مفضَّل قال: قلت لأبي حنيفة ... قتادة عن أنس أن يهوديًّا رضخ رأسَ جاريةٍ بين حجرين، فرضخ النبيُّ ﷺ رأسه بين حجرين. قال: هذيان». فهل هذا إعلال؟!
قال الأستاذ (ص ٨٠): وأما حديثُ الرضخ، فمروي عن أنس بطريق هشام بن
стр. 1053
زيد وأبي قلابة عنعنة، وفيه القتل بقول المقتول من غير بيِّنة، وهذا غير معروف في الشرع، وفي رواية قتادة عن أنس إقرارُ القاتل، لكن عنعنة قتادة متكلَّم فيها». ثم راح يتكلم في أنس ﵁.
أقول: أما هشام، فهو هشام بن زيد بن أنس بن مالك، وحديثه هذا عن جدِّه في «الصحيحين» (١) وغيرهما. وهشام غير مدلس، وسماعُه من جدِّه أنس ثابت، ومع ذلك فالراوي عنه شعبة، ومن عادته التحفظ من رواية ما يُخشى فيه التدليس. وحديثه هذا في «الصحيحين»، [٢/ ٨٩] ومن عادتهما التحرز عما يُخشى فيه التدليس. فسماعُ هشام لهذا الحديث من جدِّه أنس بن مالك ثابت على كل حال.
وأما أبو قلابة، فهو عبد الله بن زيد الجَرْمي، وقد قال فيه أبو حاتم: «لا يُعرف له تدليس». وذكر ابن حجر في ترجمته من «التهذيب» ما يُعلم منه أن معنى ذلك أن أبا قلابة لا يروي عمن قد سمع منه إلا ما سمعه منه. وقد ثبت سماعه من أنس، كما في قصة العُرَنيين وغيرها، وحديثه في «الصحيح» (٢) أيضا. فالحكم في حديثه هذا أنه سمعه من أنس.
أما قتادة فمدلِّس، لكنه قد صرَّح بالسماع. قال البخاري في «الصحيح» (٣) في «باب إذا أقرَّ بالقتل مرة قُتِل به»: «حدَّثني إسحاق، أخبرنا حَبَّان، حدثنا همّام، حدثنا قتادة، حدثنا أنس بن مالك أن يهوديًّا رضَّ رأسَ جارية بين حجرين ... فجيء باليهودي، فاعترف، فأمر به النبي ﷺ ، فرُضَّ
стр. 1054
رأسه بالحجارة. وقد قال همّام: بحجرين». وفي «مسند أحمد» (ج ٣ ص ٢٦٩) (١): «ثنا عفان، قال: ثنا همام، قال: أنا قتادة أن أنسًا أخبره ... فأُخِذ اليهوديُّ، فجيء به، فاعترف». وتمام الكلام في «الطليعة» (ص ١٠١ - ١٠٣) وترجمةِ أنس من قسم التراجم، وفي مقدمة «التنكيل» أوائلَ الفصل الثالث وفي أثناء الفصل الخامس.
قال الأستاذ: «ومن رأيه (يعني أبا حنيفة) أيضًا أن القوَد بالسيف فقط تحقيقًا لعدم الخروج عن المماثلة المنصوص عليها في الكتاب».
أقول: الخروج عن المماثلة كما يكون بالعدوان، فكذلك يكون بالنقصان. وكما أن العدل يقتضي منع الولي من الاعتداء، فكذلك يقتضي تمكينه من الاستيفاء. ومن قتل إنسانًا ظلمًا برضْخِ رأسه بالحجارة فالقصاص أن يُقتَل مثل تلك القِتلة.
فإن قيل: ربما يقع في هذا زيادةٌ ما في الإيلام؟
قلنا: وربما يقع نقصٌ ما، فهذا بذاك؛ على أنها إن وقعت زيادة، فخفيفة غير مقصودة ولا محقَّقة ولا مانعة من أن يقال: إنه قتل مثل قِتلته. وفي تمكين الوليِّ من ذلك شفاءٌ لغيظه، وتطييبٌ لنفسه، وزجرٌ للناس، وردعٌ عن الجمع بين القتل ظلمًا وإساءة القتلة. وقد شرع الله ﵎ رجمَ الزاني المحصَن إبلاغًا في الزجر، والقتل ظلمًا أشدُّ من الزنا. نعم، قال الله ﵎: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠]. وكما أن العفو قد يكون بترك المجازاة البتة، فقد يكون
стр. 1055
بتخفيفها، فغاية الأمر أن يكون الاقتصاص بضرب العنق أولى، وعلى هذا يُحمل ما ورد في ذلك على ضعفه ومعارضة غيره له. والله الموفق.
стр. 1056
[٢/ ٩٠] المسألة الثالثة عشرة
لا تعقل العاقلة عبدًا
قال الأستاذ (ص ٢٤): «قول صاحب القاموس (ع ق ل): وقول الشعبي لا تعقل العاقلة عمدًا ولا عبدًا ... معناه أن يجنى على عبد ... قال الأصمعي: كلَّمتُ أبا يوسف بحضرة الرشيد فلم يفرِّق بين (عقلتُه) و (عقلتُ عنه) حتى فهَّمتُه».
قال الأستاذ: «وعقلته يستعمل في معنى عقلت عنه. قال الأكمل في «العناية» (١): وسباق الحديث وهو: «لا تعقل العاقلة عمدًا»، وسياقه وهو: «ولا صلحًا ولا اعترافًا» يدلان على ذلك، لأن معناه: عمَّن عمَدَ، وعمَّن صالح وعمّن اعترف. اهـ. ويؤيده ما أخرجه أبو يوسف في «الآثار» (٢) عن أبي حنيفة عن حماد عن إبراهيم أنه قال: لا تعقل العاقلة العبد إذا قتل خطأ؛ وما أخرجه محمد بن الحسن في «الموطأ» (٣) عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن ابن عباس قال: لا تعقل العاقلة عمدًا ولا صلحًا ولا اعترافًا ولا ما جنى المملوك ... اهـ. و «ما جنى المملوك» نصٌّ على أن المراد بقوله: «لا تعقل العاقلة عبدًا»: أن العاقلة لا تعقل عن العبد الجاني رغم كل متقوِّل. وأخرج البيهقي (٤) بطريق الشعبي عن عمر: العمد والعبد والصلح والاعتراف لا تعقله العاقلة. ثم قال: هذا منقطع، والمحفوظ أنه من قول الشعبي».
стр. 1057
ثم حكى عبارة أبي عبيد، وفي آخرها: «قال أبو عبيد: فذاكرتُ الأصمعي، فقال: القول عندي ما قال ابن أبي ليلى، وعليه كلام العرب. ولو كان المعنى على ما قال أبو حنيفة لكان: لا تعقل العاقلة عن عبد».
ثم قال الأستاذ: « ... ولا منافاة بين هذا وبين أن يأتي في لسان العرب (عقل عنه) بمعنى: وَدَى. بل (عقله) في هذا الباب بمعنى: عقل عنه، على الحذف والإيصال؛ لأن أصل الكلام: عقل فلان قوائم الجمال ليدفعها ديةً عن فلان، فاستغنى عن المفعول الصريح، وأوصل إلى المدفوع عنه بحذف (عن)، وهذا من أسرار العربية. والقصد من الآثار المروية عن عمر وابن عباس وإبراهيم النخعي والشعبي واحد ... ».
أقول: عاقلة الإنسان: عَصَبته، على تفصيل معروف في كتب العلم. ف إذا قتل حرٌّ حرًّا خطأ [٢/ ٩١] محضًا أو شبهَ عمد ، وثبتَ القتل ببينة، فالدية على عاقلة القاتل. ومن الحكمة في ذلك أن أولياء المقتول يطلبون بثأره، ومن شأن عصبة القاتل أن تقوم دونه، وهم مُحِقُّون في ذلك، فيقال لهم: من شأنكم أن تقوموا دونه، فاغْرَموا ما لزم بفعله. وإن كان القتل عمدًا أو لم يثبت إلا باعتراف القاتل لم يلزم العاقلةَ شيء؛ لأنهم قد يقولون في العمد: لو طُلِب دمُه لم نقم دونه، ولا يحِلُّ لنا ذلك، وهو أوقع نفسه باختياره. ويقولون في الاعتراف: هو جرَّ البلاء باختياره. وهكذا إذا لم يلزمه (١) شيء إلا بمصالحته، لأن ذلك كاعترافه.
وبقيت مسألتان:
الأولى: أن يقتل عبد حرًّا، فليس في هذا شيء على عاقلة العبد ولا على
стр. 1058
عاقلة سيده. أما عاقلة العبد، فلأنه ما دام عبدًا في معنى الأجنبي عنهم. وأما عاقلة سيده، فلأنهم يقولون: القاتل المطالَب هو العبد، ولا شأنَ لنا به، ولا نقوم دونه.
الثانية: أن يقتل حرٌّ عبدًا، فقيل: إذا كان عمدًا ثبت القوَد. وقيل: لا قودَ بحال، لأن هذا ليس من مظنة الفتنة، فإن سيد العبد لا يهمُّه أن يأخذ بثأر عبده، وإنما يهمُّه أن يأخذ مالًا يستعيض به منه. فأما إذا كان خطأ محضًا أو شبهَ عمد، فلا قود اتفاقًا، وإنما يجب المال.
واختلفوا في الواجب، فقال قوم: الواجب قيمة العبد بالغةً ما بلغتْ، لأن سيده يستحق ما يعادل ما فاته، ومقدارُ ذلك معروف وهو القيمة، كما لو كان المقتول فرسًا. وإلى هذا رجع أبو يوسف، وهو قول الشافعي وغيره.
وقيل: الواجب دية، لكن مقدارها هو القيمة بشرط أن لا تساوي ديةَ الحرِّ ولا تزيد عليها. فإن ساوت أو زادت لم يجب إلا دون دية الحر بعشرة. وهذا قول أبي حنيفة، ولا يخفى ما فيه.
ثم اختلفوا في تغريم العاقلة، فقال قوم: ليس عليها شيء لأنه إن كان الواجب قيمةَ العبد (١) فكما لو كان المقتول فرسًا. وإن كان ديةً فليس من شأن سيد العبد أن يطلب دم القاتل، فيكونَ ذلك من مثار تعصب عاقلته. وقال أبو حنيفة: تُغْرَم (٢) العاقلة. احتج مخالفوه بما روي عن الشعبي: «لا تعقل العاقلة عمدًا ولا عبدًا ولا صلحًا ولا اعترافًا». فقال أبو حنيفة: إنما معنى هذا وارد في المسألة الأولى، وهي أن يكون العبد هو القاتل، فردَّه
стр. 1059
الأصمعي بما مرَّ، وأجاب الأستاذ بما سمعت.
[٢/ ٩٢] وأقول: أما ما ذُكر عن إبراهيم، فقوله: «قتل» لا أدري أبالبناء للفاعل أم المفعول؟ فإن كان للمفعول ــ وهو الظاهر ــ فهو نصٌّ في خلاف قول أبي حنيفة. فإن قيل: رواية أبي حنيفة له تدل على أنه عنده بالبناء للفاعل، قلنا: بل رواية أبي يوسف له تدل أنه عنده بالبناء للمفعول. والحقُّ اطراح هذين، فإن إبراهيم تابعي، والعالمُ كأبي حنيفة وأبي يوسف قد يروي من أقوال التابعين ما لا يقول به. لكن إذا ثبت أن المعروف في اللغة «عقلت القتيل» دون «عقلت القاتل». تبيَّنَ أن الفعل في قول إبراهيم مبني للمفعول، وهو الظاهر.
وأما الأثر عن ابن عباس، فليس من الواجب مطابقته لما روي عن غيره. بل هي خمس مسائل اتفق القولان على ثلاث، وانفرد كل منهما بواحدة، ويتعين الجزم بهذا إذا كان المعروف في اللغة «عقلت القتيل»، لا «عقلت القاتل». فتبيَّن أن المدار على اللغة.
فأما ما ذكره صاحب «العناية» فليس بشيء، بل المعنى: لا تعقل (١) العاقلة دية عمد، ولا قيمة عبد، ولا واجب صلح، ولا واجب اعتراف.
وأما تحقيق الأستاذ، فيقال له: العبارة التي زعمت أنها الأصل ــ وهي «عقل فلان قوائم الإبل ليدفعها ديةً عن فلان» ــ إنما تعطي بمقتضى العربية أن فلانًا الثاني هو القاتل، فإننا نقول: «دفعت عن فلان الدَّين الذي عليه، وأديتُ عنه الدية التي لزِمتْه». ويصح أن يقال بهذا المعنى: «وَدَيتُ عنه» أي:
стр. 1060
أدَّيتُ عنه الدية التي لزمته. فأما المقتول، فإنما يقال: «وديته»، وقد يقال: هذه دية من القتيل، أي بدل عنه. قال الشاعر (١):
عَقَلنا لها من زوجها عددَ الحصَى
قال ابن قتيبة في كتاب «المعاني» (٢): «يقول: قتلنا زوجها، فلم نجعل عقلَه إلا همَّها ... والمغموم يُولَع بلَقْط الحصى وعدِّه». و «مِنْ» هذه هي البدلية، مِثلُها في قوله تعالى: ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ﴾ [التوبة: ٣٨]. وفي صغار كتب العربية أن «عن» للمجاوزة، وإذا أديتَ الدية فإنما جعلتَها تُجاوِز ذمةَ القاتل، كما تقول: أديتُ عن فلان الدين الذي كان عليه. ولا معنى لمجاوزتها المقتول.
وبعد، فلا ريب أن الأصل «عقلت قوائم الإبل»، لكن استغنوا عن القوائم على كل حال، فقالوا: «اعقِلْ ناقتك». ثم كثر عقلُ الإبل في الدية، فاستغنوا في ذكر الدية عن لفظ الإبل. [٢/ ٩٣] يقول ولي المقتول أو المصلح: اعقِلوا. ويقول أولياء القاتل: سنعقِل. وكثر ذلك حتى صار المتبادر من العقل في قضايا القتل معنى الدية، فاستُعمل في معناها حتى جُمِع جمْعَها فقيل: «عقول» بمعنى «ديات». فإذا قيل في قضايا القتل: عقلتُه فمعناه: وديتُه، أي أدَّيتُ ديته. وإذا قيل: عقلتُ عنه، فالمعنى: وديتُ عنه، أي أدَّيت عنه الدية التي كانت مستقرةً عليه، فجعلتُها تجاوزه. هذا هو المعروف في العربية.
стр. 1061
المسألة الرابعة عشرة
تقطع يد السارق في ربع دينار فصاعدًا
في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٩١ [٤٠٨]) حكايتان عن أبي عوانة: «كنت عند أبي حنيفة جالسًا، فأتاه رسول من قبل السلطان ... فقال: يقول الأمير: رجل سرق وَدِيًّا، فما ترى؟ فقال غير متعتع: إن كانت قيمته عشرة دراهم فاقطعوه ... ».
قال الأستاذ (ص ٩٢): «قال الإمام محمد بن الحسن الشيباني في «الآثار» (١): أخبرنا أبو حنيفة، عن حماد، عن إبراهيم: لا يُقطع السارق في أقلَّ من ثمن المِجَنِّ، وكان ثمنه يومئذ عشرة دراهم، ولا يُقطَع بأقل من ذلك ... قال الإمام محمد في «الموطأ» (٢): قد اختلف الناس فيما تُقطع فيه اليد، فقال أهل المدينة: ربع دينار، ورووا أحاديث. وقال أهل العراق: لا تقطع اليد في أقل من عشرة دراهم، ورووا ذلك عن النبي ﷺ ، وعن عمر، وعن عثمان، وعن عليّ، وعن عبد الله بن مسعود، وعن غير واحد. فإذا جاء الاختلاف في الحدود أخذ فيها بالثقة، وهو قول أبي حنيفة والعامة من فقهائنا. يعني أن ربع الدينار نحو ثلاثة دراهم. والحدود مما يدرأ بالشبهات، فالأخذُ برواية عشرة دراهم في القطع أحوطُ، فيؤخذ بها حيث لم يُعلم الناسخ من المنسوخ من تلك الآثار المختلفة».
أقول: رأيت للحنفية مسالكَ في محاولة التخلُّص من الأحاديث الصحيحة في هذه المسألة، نشِطتُ للنظر فيها هنا.
стр. 1062
المسلك الأول: هذا الذي تقدم. وحاصله أن الدليلين إذا تعارضا عُمِل بالناسخ، فإن لم يُعلم فبالراجح. تعارضت الأدلة هنا ولم يُعلَم الناسخ فتعيَّن العملُ بالراجح. ومن المرجِّحات نفيُ [٢/ ٩٤] الحد، أي أنه إذا كان أحدُ الدليلين المتعارضين مثبتًا لحدٍّ والآخرُ نافيًا له، كان ذلك مما يقتضي ترجيح الثاني. فالأحاديث الموجبة للقطع في ربع دينار مثبِتة للحدِّ في ما ساوى ذلك وما زاد عليه. والأحاديث الدالة على أنه لا قطع في أقلَّ من عشرة دراهم نافية للحدّ فيما دون ذلك، فجاء التعارض فيما يساوي ربع دينار، أو يزيد عليه ولكنه لا يبلغ العشرة، ولم يُعلم الناسخ، فترجَّح النافي.
والجواب عن هذا أن ما يذكر في أنه لا قطع فيما دون العشرة لا يَثبتُ، كما ستراه مفصلًا، فليس بدليلٍ أصلًا. هَبْه ثبَتَ، فعدُّ نفي الحدِّ من المرجِّحات فيه نظر، وما يذكر فيه من السنة لا يثبت. هَبْه ثبَتَ، فلا حجة فيه، للاتفاق على أن الحد يثبت بخبر الواحد ونحوه مما يقول الحنفية إنه دليل فيه شبهة. وإنما الشبهة التي يُدرأ بها الحدُّ ما يقتضي عذرًا ما للفاعل، كمن أخذ ما له فيه حق، فإن له أن يقول: لم أسرق وإنما توصلت إلى أخذ حقي؛ وكالواطئ في نكاح بلا ولي، فإن له أن يقول: لم أزْنِ وإنما أتيت امرأتي. فأما من يقول: سرقتُ عالِمًا بأن السرقة حرام، لكن قد تعارضت الأدلة في أن سرقتي هذه توجب الحد، فلا عذر له، ولا يُدرأ عنه الحدُّ، كما لا يُدرأ عمن قال: سرقت عالمًا بأن السرقة حرام، ولكن لم أعلم بأن حكم الإسلام قطع يد السارق. بل ذاك أولى، فإنه إذا لم يُعذر بجهل وجوب الحد من أصله، فكيف يُعذر بالتردد فيه؟ هَبْه ثبت أن نفي الحد من مقتضيات الترجيح، فللمثبت مرجحاتٌ أقوى من ذلك كما ستراه إن شاء الله.
стр. 1063
المسلك الثاني للطحاوي. بدأ في كتابه «معاني الآثار» (١) بذكر حديث ابن عمر «أن رسول الله ﵌ قطع في مِجَنٍّ ثمنُه ثلاثة دراهم»، وهو في «الموطأ» و «الصحيحين» (٢) وغيرها. رواه مالك وجماعة عن نافع عن ابن عمر، فهو في أعلى درجات الصحة. ثم ذكر الطحاوي أنه لا حجة فيه على أنه لا يُقطَع فيما دون ذلك. ثم روى (٣) من طريق أبي واقد صالح بن محمد بن زائدة، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه رفعه: «لا يُقطَع السارق إلا في ثمن المِجَنِّ». قال الطحاوي: «فعلمنا بهذا أن رسول الله ﵌ وقَفَهم عند قطعه في المجنِّ على أنه لا يُقطع فيما قيمته أقلُّ من قيمة المجن».
[٢/ ٩٥] أقول: أبو واقد هذا ذُكر بصلاح في نفسه وغزو. قال أحمد: «ما أرى به بأسًا». لكنهم ضعَّفوه في روايته، قال ابن معين: «ضعيف الحديث». وضعَّفه أيضًا علي ابن المديني، والعجلي، وأبو زرعة، وأبو داود، والنسائي، وأبو أحمد الحاكم، وابن عدي. وقال البخاري وأبو حاتم والساجي: «منكر الحديث». وقال ابن حبان: «كان ممن يقلب الأخبار والأسانيد ولا يعلم، ويُسند المرسل ولا يفهم، فلما كثر ذلك في حديثه وفحش استحقَّ الترك». ومما أنكروه عليه حديثُه عن سالم عن أبيه عن عمر رفعه: «من وجدتموه قد غَلَّ فأحرِقوا متاعَه» (٤) قال البخاري: «هوحديث باطل ليس له أصل».
стр. 1064
وقد ذكر الطحاوي حديثه هذا عن سالم في «مشكل الآثار» (١) على ما في «المعتصر» (ج ٢ ص ٢٣٨) (٢). وفي «المعتصر» عن الطحاوي (٣): «وكتاب الله يخالف ذلك، قال الله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا﴾ [المائدة: ٣٨] فإذا لم يكن في سرقة مال ــ ليس للسارق فيه شركة ــ سوى قطع اليد، لا جزاء له غير ذلك، فأحرى أن لا يجب عليه في غلول مال له فيه حظٌّ إحراقُ رحله».
أقول: دلالةُ الآية على أنه لا جزاء غير ذلك دلالةٌ لا يقول بها الجمهور. وعلى القول بها فإنما يتجه ما بناه الطحاوي عليها لو كان على الغالِّ قطعٌ، إذ يقال: ليس على السارق إلا القطع مع أنه لا شبهة له، فكيف يُزاد الغالُّ على القطع مع أن له شبهة؟ فأما أن يكون على السارق الذي لا شبهة له القطع وليس على الغال لشبهته قطع، ولكن عليه عقوبة دون ذلك= فليس في هذا ما يُنكَر، كما أن على الزاني المحصَن الرجم فقط، وليس على غير المحصن
стр. 1065
رجم ولكن عليه الجلد. وكما أن من ارتكب موجبَ الحدِّ يُحَدُّ ولا يعزَّر، ومن ارتكب ما دون ذلك لم يُحَدَّ ولكنه يعزَّر.
ردَّ الطحاوي حديث أبي واقد في الغالِّ بدعوى مخالفة لا حقيقة لها، لدلالة لا يقول بها الجمهور، ثم احتج بحديث أبي واقد نفسه هنا مع مخالفته مخالفةً محققةً لدلالة متفقٍ عليها من الآية نفسها. فإن حديثه هنا ينفي القطع عن عدد كثير يحقُّ على كلٍّ منهم اسم «السارق»، وهم كلُّ مَن كان مسروقه أقل من قيمة المجنّ، والآية توجب بعمومها قطعَ كلِّ مَن يحق عليه [٢/ ٩٦] اسمُ «السارق». ودلالة العموم متفق عليها، بل يقول الحنفية: إنها قطعية. ثم يبالغ الطحاوي فيقول: «فعلمنا بهذا ... » كأنه يرى أبا واقد معصومًا يوجب حديثه العلم، ويجعل ذلك أمرًا مفروغًا منه، وإنما الشأن في معرفة قيمة المجن!
ومع ذلك نجاري الطحاوي في النظر في قيمة المجن. ذكر الطحاوي أن بعض أهل العلم يقول: إنها ثلاثة دراهم بحديث ابن عمر السابق. قال (١): «وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: لا يُقطَع السارق إلا فيما يساوي عشرة دراهم فصاعدًا، واحتجوا في ذلك بما حدثنا ابن أبي داود (وهو إبراهيم بن سليمان بن داود الأسدي البُرُلُّسِي) و (أبو زرعة) عبد الرحمن بن عمرو الدمشقي قالا: ثنا أحمد بن خالد الوهبي قال: ثنا محمد بن إسحاق، عن أيوب بن موسى، عن عطاء، عن ابن عباس قال: كان قيمة المجنّ الذي قَطع فيه النبيُّ ﷺ عشرة دراهم».
стр. 1066
أقول: ابن إسحاق متكلَّم فيه، وفي حفظه شيء، كما في «الميزان»، وقد اضطرب في الخبر كما يأتي. فخبره هذا غير صالح للحجة أصلاً، فكيف يعارَض به حديثُ «الموطأ» و «الصحيحين» وغيرهما المتواتر عن نافع عن ابن عمر؟
ومع هذا فالظاهر أن هذا لفظ ابن أبي داود، كما يشير إلى ذلك تقديم الطحاوي له. فأما الدمشقيُّ، فقال الحاكم في «المستدرك» (ج ٤ ص ٣٧٨): «حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب (الأصم)، ثنا أبو زرعة الدمشقي، ثنا أحمد بن خالد الوهبي، ثنا محمد بن إسحاق، عن أيوب بن موسى، عن عطاء، عن ابن عباس قال: كان ثمن المجنِّ على عهد رسول الله ﷺ يُقوَّم عشرةَ دراهم».
وهذا هو الصواب من حديث الوهبي، كذلك أخرجه الدارقطني في «السنن» (ص ٣٦٩) (١): «نا محمد بن إسماعيل الفارسي، نا أحمد بن عبد الوهاب بن نجدة، نا أحمد بن خالد الوهبي». وكذلك أخرجه البيهقي في «السنن» (ج ٨ ص ٢٥٧): «ثنا أبو طاهر الفقيه، أنبأ أبو بكر القطان، ثنا أحمد بن يوسف السلمي، ثنا أحمد بن خالد الوهبي ... » كلاهما بلفظ الأصم عن الدمشقي، إلا أن ابن نجدة قدَّم كلمة «يقوَّم»، ذكرها بعد كلمة «المجن».
فإن قيل: فالمعنى واحد.
قلت: كلّا، لفظ الطحاوي يجعل العشرة قيمة «المجنّ الذي قطَع فيه
стр. 1067
النبيُّ ﷺ ». والمحفوظ ــ وهو لفظ الدمشقي وابن نجدة [٢/ ٩٧] والسلمي ــ يجعلها قيمة المجنّ مطلقًا، كما تقول: كانت الغنم رخيصة في عهد فلان، كان ثمن الشاة يقوَّم درهمين.
فإن قيل: وكيف يستقيم ذلك والمجانُّ تختلف جودةً ورداءةً، وجِدَّةً وبِلًى، وسلامةً وعيبًا، وتَرخُص في وقت وتغلو في آخر؟
قلت: كأَنَّ قائل ذلك بلغه أن أقلَّ ما قطَع فيه النبيُّ ﵌ مجنٌّ، ورأى أنه لا ينبغي القطعُ في أقل من ذلك، وأعوزه أن يعرف ذاك المجنَّ، أو يعرف قيمتَه على التعيين، أو يجد دليلًا يُغنيه عن ذلك؛ ففزع إلى اعتبار جنسه، ليحمله على أقصى المحتملات احتياطًا، أو على أولاها في نظره، فرأى أن العشرة أقصى القِيَم، أو أوسطها، أو غالبها، أو أقصى الغالب، أو أوسطه.
فإن قيل: فهلَّا تَحملُ كلمةَ «المجن» في لفظ الجماعة على ذلك المجنِّ المعهود الذي قطع فيه النبيُّ ﷺ ، فتوافق لفظَ الطحاوي؟
قلت: يمنع من ذلك أمور:
الأول: أن الظاهر إرادة الجنس.
الثاني: قوله «كان ... يقوَّم». وهذا يقتضي تكرار التقويم، ولا يكون ذلك في ذاك المجنِّ المعيَّن.
الثالث: أنه لا داعي إلى حمل المحفوظ على الشاذِّ بما يخالف الحديث الثابت المحقَّق، وهو حديث ابن عمر.
فإن قيل: قد يكون ابن عمر قوَّم [ذلك المجن المعين] باجتهاده، فقال:
стр. 1068
[ثلاثة، وقوَّمه غيرُه باجتهاده، فقال: ] (١) عشرة.
قلت: هذا باطل من أوجه:
الأول: أن الواجب في التقويم أنه إذا رُفعت إلى الحاكم سرقةٌ، وكان (٢) المسروق مما لا يُعلم لأول وهلة أنه بالقدر الذي يُقطَع فيه أو لا: أن يبدأ الحاكمُ، فيأمر العدولَ العارفين بتقويم المسروق. وابنُ عمر في دينه وتقواه وورعه، وعلمِه بأنه سيُبنَى على خبره قطعُ أيدٍ كثيرةٍ، لا يُظَنُّ به أن يَجزم إلا مستندًا إلى ما جرى به التقويمُ بحضرة النبي ﷺ .
الثاني: أن أثبت الروايات وأكثرها عن ابن عمر بلفظ: «ثمنه»، كما تراه في «صحيح البخاري» مع «فتح الباري» (٣). وأصل الفرق بين الثمن والقيمة: أن الثمن هو ما يقع عوضًا عن السلعة، والقيمة ما تقوَّم به السلعة. فمن اشترى سلعة بثلاثة دراهم، وكانت تساوي أكثر أو أقل، فالثلاثة ثمنها، والذي تساويه هو قيمتها. فإذا أتلف رجلٌ سلعة الآخر فقُوِّمت بثلاثة دراهم، [٢/ ٩٨] فقضى بها الحاكم، فقد لزمت الثلاثةُ عوضًا عن السلعة، فصحَّ أن تسمى ثمنًا لها. فهكذا السلعة المسروقة لا يحسن أن يقال: «ثمنها ثلاثة دراهم» إلا إذا كانت قُوِّمت بأمر الحاكم بثلاثة دراهم، فقضى بحسب ذلك. وكأن هذا هو السرُّ في اعتناء البخاري باختلاف الرواة في قول بعضهم: «ثمنه»، وبعضهم: «قيمته»، مع أن قول بعضهم: «قيمته» لا يخالف ما تقدَّم؛ لأن ما وقع به التقويم فالقضاء يصح أن يسمى «قيمةً»، لكن مالم يُعلَم أنه
стр. 1069
وقع به التقويم فالقضاء، فإنه لا يصح أن يسمَّى ثمنًا. فتدبَّرْ.
الثالث: أن ابن عمر لو بنى على حَدْسه لكان الغالب أن يتردَّد.
الرابع: أن الاختلاف في تقويم السلعة بين عارفيها وعارفي قِيَم جنسها في المكان والزمان الواحد لا يكون بهذا القدر، يقول هذا: ثلاثة، ويقول الآخر: عشرة. قال ابن حجر في «الفتح» (١): «محال في العادة أن يتفاوت هذا التفاوت الفاحش ... وإنما يتفاوت بزيادة قليلة أو نقص قليل لايبلغ المثل غالبًا». ومع هذا فقد جاء في بعض الروايات عن ابن عمر ــ كما في «سنن أبي داود» والنسائي (٢) ــ «أن النبي ﷺ قطَع يد سارقٍ سرَق تُرْسًا من صُفَّةِ النساء ثمنه ثلاثة دراهم». وهذا يدل على إتقان ابن عمر للواقعة ومعرفته بها، فهو المقدَّم على غيره.
هذا كلُّه على فرض صحة خبر ابن إسحاق، وقد علمتَ أنه لا يصح، وسيأتي تمام ذلك. والصواب ــ مع صرف النظر عن الصحة ــ أن القائل: «عشرة دراهم» إنما نظر إلى الجنس، على ما تقدَّم بيانه.
فإن قيل: فقد قال أبو داود في «السنن» (٣): «حدثنا عثمان بن أبي شيبة ومحمد بن أبي السَّرِيّ العسقلاني ــ وهذا لفظه، وهو أتم ــ قالا: ثنا ابن نمير، عن محمد بن إسحاق، عن أيوب بن موسى، عن عطاء، عن ابن عباس قال: قطع رسول الله ﷺ يد رجلٍ في مجنٍّ قيمته دينار أو عشرة دراهم».
стр. 1070
قلت: هذا لفظ ابن أبي السَّري كما صرَّح به أبو داود. وابن أبي السَّري وإن حكى ابن الجنيد أن ابن معين وثَّقه، فقال: قال أبو حاتم: «لين الحديث». وقال مسلمة: «كان كثير الوهم، وكان لا بأس به». وقال ابن وضاح: «كان كثير الحفظ، كثير الغلط». وقال ابن [٢/ ٩٩] عدي «كثير الغلط». والمحفوظ عن ابن نمير كما تقدم (١): «نا شعيب بن أيوب نا عبد الله بن نمير ... ». والظاهر أن لفظ عثمان بن أبي شيبة هكذا.
فإن قيل: فقد قال ابن أبي شيبة في «المصنف» (٢): «حدثنا عبد الأعلى، عن محمد بن إسحاق قال: حدثني أيوب بن موسى، عن عطاء، عن ابن عباس: لا يُقطَع السارق في دون ثمن المجن، وثمنُ المجن عشرة دراهم». وذكره البخاري في «التاريخ» (ج ١ قسم ٢ ص ٢٦) عن عياش عن عبد الأعلى نحوه. فكلمة «المجن» الأولى للعهد، فكذلك الثانية.
قلت: ليس هذا بلازم، بل الثانية للجنس كما في غالب الروايات، على أنه يمكن أن تكون الأولى للجنس أيضًا، ويمكن أن تكونا معًا للعهد، ولكن التقويم استنباطي على ما تقدَّم، لا تحقيقي.
فإن قيل: فقد قال ابن التركماني (٣): «قال صاحب «التمهيد»: ثنا عبد الوارث، ثنا قاسم، ثنا محمد، ثنا يوسف، ثنا ابن إدريس، ثنا محمد بن إسحاق، عن عطاء، عن ابن عباس قال: «قُوِّم المجنُّ الذي قطَع فيه النبيُّ ﷺ عشرةَ دراهم».
стр. 1071
قلت: المحفوظ عن ابن إدريس ما قاله الدارقطني (ص ٣٦٨) (١): «ثنا ابن صاعد، ثنا خلاد (٢) بن أسلم، ثنا عبد الله بن إدريس، عن محمد بن إسحاق، عن عطاء، عن ابن عباس قال: «كان ثمن المجن على عهد رسول الله ﷺ عشرة دراهم». سندُ الدارقطني أقصَرُ وأثبَتُ، فإن محمد بن وضاح كان ممن يخطئ، وقاسم بن أصبغٍ اختلط بأخرةٍ».
هذا، وقد اضطرب ابن إسحاق في هذا الحديث، فرواه مرةً عن عطاء عن ابن عباس كما هنا، ومرةً عن أيوب بن موسى عن عطاء كما مرَّ، وقال مرة: عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده كما يأتي، ومرةً عن عمرو بن شعيب عن مجاهد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قوله، ذكره البخاري في «التاريخ» (٣)، ومرةً عن عمرو بن شعيب عن عطاء أن ابن عباس كان يقول: «ثمنه يومئذ عشرة دراهم»، أخرجه النسائي (٤)، وذكره البخاري في «التاريخ» (ج ١ قسم ٢ ص ٢٦). ورواه مرةً عن عمرو بن شعيب عن عطاء مرسلًا كما في «الفتح» (٥)، ومرةً عن أيوب بن موسى عن عطاء مرسلًا، لم يذكر فيهما ابن عباس وجعله من كلام عطاء. ذكر النسائي (٦) الثانية قال: «أخبرني [٢/ ١٠٠] محمد بن وهب قال: حدثنا محمد بن سلمة قال: حدثني
стр. 1072
ابن إسحاق، عن أيوب بن موسى، عن عطاء. مرسل».
فإن قيل: فقد قال أبو داود (١): «رواه محمد بن سلمة وسعدان بن يحيى عن ابن إسحاق بإسناده»، وظاهر هذا الوصل.
قلت: لم يذكر أبو داود مَن حدَّثه عن محمد بن سلمة، والنسائي ذكر ذلك وحقَّقه، فهو أولى. وفي كلام النسائي ما يدل على ترجيح الإرسال، فإنه قال عقب ذلك (٢): «أخبرني حُميد بن مَسعدة عن سفيان ــ هو ابن حبيب ــ عن العرزمي ــ هو عبد الملك بن أبي سليمان ــ عن عطاء قال: أدنى ما يُقطع فيه ثمنُ المجن. قال: وثمن المجن يومئذ عشرة دراهم». وفي «مصنف ابن أبي شيبة» (٣): «حدثنا عبد الرحيم بن سليمان، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء قال: أدنى ما يُقطع فيه السارق ثمن المجن. وكان يقوَّم المجن في زمانهم دينارًا أو عشرة دراهم». وقال ابن التركماني (٤): «في كتاب «الحجج» لعيسى بن أبان ... »، ثم قال: «وفي كتاب «الحجج» عن مصعب بن سلَّام ويعلى بن عبيد قالا: ثنا عبد الملك عن عطاء أنه سئل: ما يُقطع فيه السارق؟ قال ثمن المجن، وكان في زمانهم يُقوَّم دينارًا أو عشرةَ دراهم».
وهذا الحديث في حُكمٍ مختلَفٍ فيه تعمُّ به البلوى، وعطاء إمام جليل فقيه معمَّر، كان بمكة حيث ينتابها أهل العلم من جميع الأقطار، وله
стр. 1073
أصحاب أئمة حفاظ فقهاء كانوا أعلمَ به وألزمَ له من أيوب بن موسى وعمرو بن شعيب، فلو كان عنده هذا الحديث عن ابن عباس لما فاتهم. وهذا عبد الملك بن أبي سليمان، وهومن أثبت أصحاب عطاء، لم يكن عنده عنه إلا قوله كما تقدَّم.
وهذا ابن جريج أعلم أصحاب عطاء وألزمهم له جاء عنه أنه قال: «لزمتُ عطاءً سبع عشرة سنة» وقال: «جالستُ عمرو بن دينار بعد ما فرغتُ من عطاء»، وكان يدلِّس عن غير عطاء، فأما عن عطاء فلا. قال: «إذا قلتُ: قال عطاء، فأنا سمعته منه، وإن لم أقل: سمعتُ». وإنما هذا لأنه كان يرى أنه قد استوعب ما عند عطاء فإذا سمع رجلًا يخبر عن عطاء بما لم يسمعه منه رأى أنه كذب فلم يستحِلَّ أن يحكيه عن عطاء. وهذا كما قال أبو إسحاق: «قال أبو صالح (ذكوان) و (عبد الرحمن بن هرمز) الأعرج: ليس أحد يحدِّث عن أبي [٢/ ١٠١] هريرة إلا علِمنا أصادق هو أم كاذب». يريدان أنه إذا حدث عن أبي هريرة بما لم يسمعاه منه علِما أنه كاذب، لإحاطتهما بحديث أبي هريرة. وقال الإمام أحمد: «ابن جريج أثبتُ الناس في عطاء»، وكان ابن جريج يذهب إلى هذا المذهب. قال ابن التركماني (١): «في «مصنف عبد الرزاق» عن ابن جريج قال: كان يقول (٢): لا تُقطع يدُ السارق في أقل من عشرة دراهم». ومع هذا كله لم يكن عند ابن جريج عن عطاء في هذا إلا ما ذكره الطحاوي في أواخر كلامه، قال (٣): «حدثنا إبراهيم بن
стр. 1074
مرزوق، قال: ثنا أبو عاصم، عن ابن جريج قال: كان قول عطاء على قول عمرو بن شعيب: لا تُقطَع اليد في أقل من عشرة دراهم». وهذا يُشعِر بأن عطاء إنما أخذ هذا القول عن عمرو بن شعيب، وهذا عكسُ ما زعمه ابن إسحاق. أفيجوز أن يكون عند ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس، فيترك أن يقول: كان قول عطاء على قول ابن عباس، ويعدل إلى عمرو بن شعيب؟ !
وقد كان لابن عباس أصحاب حفَّاظ فقهاء كأنوا ألزمَ له وأعلمَ به من عطاء، ولم يروِ أحد منهم عنه في هذا الباب شيئًا. فأما ما روى عبد الرزاق (١)، عن إبراهيم بن أبي يحيى، عن داود بن حصين، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: «ثمن المجنّ الذي يُقطع فيه دينار» ذكره ابن التركماني (٢) = فليس بشيء. إبراهيم ساقط، ولاسيَّما إذا لم يُصرِّح بالسماع. وأما حسنُ ظنِّ الشافعي به، فكأنه كان متماسكًا لمَّا سمع منه الشافعي، ثم ظهر فساده.
وقد قال ابن أبي شيبة في «المصنف» (٣): «حدثنا عبد الوهاب الثقفي، عن خالد (بن مهران الحذاء)، عن عكرمة قال: تُقطع اليد في ثمن المجن. قال قلت له: ذكرَ لك ثمنَه؟ قال: أربعة أو خمسة». وعبد الوهاب وخالد من الثقات المشهورين. أفتراه يكون عند عكرمة عن مولاه ابن عباس أنه دينار أو عشرة دراهم، فيعدل عنه إلى ما لا يدري عمن أخذه مع شكِّه فيه؟
فهذا كلُّه يبيِّن أن ابن عباس لم يقل ما رواه ابن إسحاق قطُّ، وأن عطاء
стр. 1075
لم يحدِّث به عن ابن عباس قط. وإنما هو قول عطاء، وقد علمتَ مع ذلك أنه مبني على الحدس. والله الموفق.
فإن قيل: فقد قال البخاري في «التاريخ» (١): «وقال الوليد بن كثير: حدثني مَن سمع عطاءً عن ابن عباس ــ مثله».
قلت: وصله الدارقطني (ص ٣٦٩) (٢) «حدثنا أحمد، نا شعيب بن [٢/ ١٠٢] أيوب، نا أبو أسامة، عن الوليد بن كثير، حدثني مَن سمع عطاءً، عن ابن عباس أن ثمن المجن يومئذ عشرة».
قلت: أبو أسامة كان يدلِّس، ثم ترك التدليس بأَخَرة، ولا يُدرى متى حدَّث بهذا؟ وشيخ الوليد لا يُدرى من هو؟ ولو كان به طِرْق لما كنى عنه. وقد كان من أهل بلد الوليد ممن يحدِّث عن عطاء: محمد بن عبد الله العرزمي الهالك، ولا يبعد أن يكون الوليد إنما سمعه منه، فليس في هذا ما يُجدِي. والصواب ما تقدم.
قال الطحاوي (٣): «حدثنا ابن أبي داود وعبد الرحمن بن عمرو الدمشقي قالا (٤): ثنا الوهبي قال: ثنا ابن إسحاق، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده ــ مثله». يعني مثلَ حديثه المتقدم الذي رواه بهذا السند عن ابن إسحاق، عن أيوب بن موسى، عن عطاء، عن ابن عباس. وقد أقمنا
стр. 1076
الحجة على أنَّ ذاك اللفظ ليس هو لفظ الدمشقي ولا الوهبي ولا ابن إسحاق، فيأتي مثل ذلك هنا. وقد قال الدارقطني (ص ٣٦٩) (١): «نا محمد بن القاسم بن زكريا، نا هارون بن إسحاق، نا المحاربي، نا محمد بن إسحاق، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: كان ثمن المجنّ على عهد رسول الله ﷺ عشرة دراهم. نا محمد بن مخلد، نا محمد بن هارون الحربي أبو جعفر هو أبو نشيط، نا أحمد بن خالد الوهبي، نا محمد بن إسحاق بإسناده نحوه».
وفي «نصب الراية» (ج ٣ ص ٣٥٩) أنَّ ابن أبي شيبة روى في «مصنفه» (٢) عن عبد الأعلى عن ابن إسحاق «عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يُقطع السارق في دون ثمن المجن». قال عبد الله: وكان ثمن المجن عشرة دراهم». وفي «تفسير ابن كثير» (٣) أن ابن أبي شيبة روى عن ابن نمير وعبد الأعلى عن ابن إسحاق ــ فذكر مثله.
والذي وجدته في النسخة التي وقفتُ عليها من «المصنف» (٤): «حدثنا عبد الرحيم بن سليمان، عن محمد بن إسحاق، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: سمعت النبي ﷺ يقول: القطع في ثمن المجن». وفيها (٥): «حدثنا عبد الأعلى وعبد الرحيم بن سليمان، عن محمد بن
стр. 1077
إسحاق، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: كان يقول: ثمن المجن عشرة دراهم».
وفي «سنن البيهقي» (ج ٨ ص ٢٥٩) من طريق أبي يعلى «ثنا ابن نمير، ثنا أبي، ثنا محمد بن إسحاق [عن عمرو بن شعيب] (١) عن أبيه، [٢/ ١٠٣] عن جده قال: كان ثمن المجن على عهد رسول الله ﷺ عشرة دراهم».
وقال الدارقطني (ص ٣٦٨) (٢): «حدثنا الحسين بن إسماعيل، ثنا يوسف بن موسى، ثنا عبد الله بن إدريس، وعبد الله بن نمير، عن ابن إسحاق ح ونا محمد بن القاسم بن زكريا، نا هارون بن إسحاق، نا المحاربي، عن محمد بن إسحاق، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: كان ثمن المجن على عهد رسول الله ﷺ عشرة دراهم».
وفي «مسند أحمد» (ج ٢ ص ١٨٠) (٣): «ثنا ابن إدريس، ثنا ابن إسحاق، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن قيمة المجن على عهد رسول الله ﷺ كان عشرة دراهم».
وقال النسائي في «السنن» (٤): «أخبرنا خلاد بن أسلم، عن عبد الله بن إدريس، عن محمد بن إسحاق، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: كان ثمن المجن على عهد رسول الله ﷺ عشرة دراهم».
стр. 1078
وفي «نصب الراية» (ج ٣ ص ٤٦٦) عن «مسند إسحاق بن راهويه»: «حدثنا عبد الله بن إدريس، سمعت محمد بن إسحاق يحدِّث عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن النبي ﷺ قال: ما بلغ ثمنَ المجنّ ففيه القطع. وكان ثمن المجن على عهد رسول الله ﷺ عشرة دراهم. قال: وسئل عن اللقطة؟ فقال: عرِّفها سنة». هذه الرواية تدل أن هذا الحديث هو في الأصل قطعة من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده في اللقطة وغيرها (١).
وفي «مسند أحمد» (ج ٢ ص ٢٠٣) (٢): «ثنا ابن إدريس، سمعت ابن إسحاق، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: سمعت رسول الله ﷺ ورجلًا من مزينة يسأله عن ضالَّة الإبل ... وسأله عن الحَرِيسة التي تُوجد في مراتعها، قال: فقال: فيها ثمنُها مرتين وضربُ نَكَالٍ. قال: فما أُخِذ من أعطانه، ففيه القطعُ إذا بلغ ما يؤخذ من ذلك ثمن المجن. فسأله، فقال: يا رسول الله، اللقطةُ نجدها في السبيل العامر؟ قال: عرِّفها سنة ... ».
وفي «المسند» (ج ٢ ص ٢٠٧) (٣): «ثنا يزيد (بن هارون)، أنا محمد بن إسحاق، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: سمعت رجلًا من مُزينة وهو يسأل النبي ﷺ ــ فذكر نحو حديث ابن إدريس. قال: وسأله عن الثمار ... فقال ... ومن وجدته (٤) قد احتمل، ففيه ثمنه مرتين وضرْبُ نَكالٍ،
стр. 1079
فما أُخِذ من جِرانه، ففيه القطع إذا بلغ ما يؤخذ من ذلك ثمنَ المجن ... ».
فأما الحديث المختصر في القطع وقيمة المجن، ففي «المسند» (ج ٢ ص ٢٠٤) (١): «حدثنا نصر بن باب، [٢/ ١٠٤] عن الحجاج (بن أرطاة)، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : لا قَطْعَ فيما دون عشرة دراهم».
وأخرج الدارقطني (ص ٣٦٩) (٢) من طريق أبي مالك الجَنْبي عن حجاج بسنده نحوه. وكذلك من طريق زفر بن الهذيل عن حجاج. وأخرج (٣) من طريق سلمة بن الفضل «عن حجاج بإسناده: لا يُقطع السارق في أقلَّ من ثمن المجن، وكان ثمنُ المجن على عهد رسول الله ﷺ عشرة دراهم».
والحجاج بن أرطاة معروف بالتدليس عن الضعفاء، وفيه كلام غير ذلك. وفي «نصب الراية» (٤): «قال في «التنقيح»: والحجاج بن أرطاة مدلّس، ولم يسمع من عمرو هذا الحديث». وابن إسحاق أيضًا مدلِّس، وهو ممن يروي عن الحجاج، فأخلِقْ به أن يكون سمع بعض رواياته لهذا الحديث عن الحجاج عن عمرو بن شعيب، فرواها عن عمرو بن شعيب تدليسًا على تدليس.
стр. 1080
لكن قال البخاري في «التاريخ» (ج ١ قسم ٢ ص ٢٦): «قال لنا علي: حدثنا يعقوب قال: حدثنا أبي، عن ابن إسحاق، حدثني عمرو بن شعيب أن شعيبًا حدَّثه أن عبد الله بن عمرو كان يقول ــ وحدثني أن مجاهدًا أخبره أن عبد الرحمن بن أبي ليلى حدَّثه أن ثمن المجن يومئذ عشرة». فهذا اللفظُ الذي في هذه الرواية قويٌّ، لتصريح ابن إسحاق بالسماع.
وقال الدارقطني (ص ٣٦٨) (١): «نا أحمد بن علي بن العلاء، نا أبو عبيدة بن أبي السفر، نا أبو أسامة، عن الوليد بن كثير، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: كان ثمن المجن [يومئذٍ] (٢) عشرة دراهم». وأبو أسامة كان أولًا يدلِّس كما سبق، فإن سَلِمتْ هذه الرواية من تدليسه كانت متابعةً جيدةً لابن إسحاق في هذا اللفظ الذي صرَّح فيه بالسماع.
فإن أغمضنا عن اضطراب ابن إسحاق وعن تدليس أبي أسامة قلنا: إنه يثبت أن عمرو بن شعيب روى عن أبيه عن جدِّه هذا القدر الذي اتفقت عليه رواية ابن إسحاق المصرِّحة بالسماع ورواية أبي أسامة عن الوليد بن كثير، وهو: «كان ثمنُ المجن يومئذٍ عشرةَ دراهم».
ويبقى النظر في عمرو بن شعيب. وقد لخَّص ابنُ حجر كلامهم فيه بقوله: «ضعَّفه ناس مطلقًا، ووثَّقه الجمهور. ومن ضعَّفه مطلقًا فمحمول على روايته عن أبيه عن جده. فأما روايته عن أبيه، فربما دلَّس ما في الصحيفة ... فإذا قال: حدثني أبي، فلا ريب في صحتها ... وقد صرَّح شعيب بسماعه
стр. 1081
من عبد الله بن عمرو في أماكن ... لكن هل سمع منه جميعَ ما روى [٢/ ١٠٥] عنه، أم سمع بعضَها والباقي صحيفة؟ الثاني أظهر عندي، وهو الجامع لاختلاف الأقوال فيه، وعليه ينحطُّ كلام الدارقطني وأبي زرعة».
فإن قيل: فإذا لم يصرِّح بسماعه من أبيه من عبد الله بن عمرو، فغاية ذلك أن يكون من الصحيفة. وقد قال ابن حجر: «قال الساجي: قال ابن معين: هو ثقة في نفسه، وما روى عن أبيه عن جده لا حجة فيه، وليس بمتصل، وهو ضعيف من قِبَل أنه مرسل. وجَدَ شعيب كُتُبَ عبد الله بن عمرو، فكان يرويها عن جدِّه إرسالًا، وهي صحاح عن عبد الله بن عمرو غير أنه لم يسمعها». قال ابن حجر: «فإذا شهد له ابن معين أن أحاديثه صحاح غير أنه لم يسمعها، وصحَّ سماعه لبعضها، فغاية الباقي أن يكون وجادة صحيحة، وهو أحد وجوه التحمل». وذكر بعد ذلك كلامًا ليعقوب بن شيبة، وفيه: «وقال علي ابن المديني: وعمرو بن شعيب عندنا ثقة، وكتابه صحيح».
قلت: الساجي لم يدرك ابن معين، وقول ابن المديني: «كتابه صحيح» لعله أراد كتابه الخاص الذي قيَّد فيه سماعاته لا تلك الصحيفة. وقد قال الإمام أحمد: «له أشياء مناكير، وإنما يُكتب حديثُه يُعتبر به، فأما أن يكون حجة فلا». وقال مرة: «ربما احتججنا به، وربما وَجَس في القلب منه شيء»، كأنه يريد أن يحتج به إذا لم يكن الحديث منكرًا. وفي كلام لأبي زرعة: «ما أقلَّ ما نُصيب عنه مما روى عن غير أبيه عن جده من المنكر! ». وهذا يدل أن في روايته عن أبيه عن جده مناكير غير قليلة. وبذلك صرَّح ابن حبان في «الثقات» (١).
стр. 1082
وراجع «أنساب ابن السمعاني» (الورقة ٣١٩ ألف) (١). وذلك يدل على أحد أمرين: إما أن تكون تلك الصحيفة ــ مع صحتها في الجملة عن عبد الله بن عمرو ــ لم تُحفَظ كما يجب، فوقع العبث بها. وإما أن يكون عمرو أو أبوه أو كلاهما كما يدلِّس عن الصحيفة، يدلِّس عن غير الصحيفة.
فالذي يتحصل أنَّ ما صرَّح فيه عمرو بالسماع من أبيه، وبسماع أبيه من عبد الله بن عمرو، فإنها تقوم به الحجة. وما لم يصرِّح بذلك ففيه وقفة. ولم أر في شيء من طرق هذا الحديث التصريحَ بسماع أبيه من عبد الله بن عمرو. فأما سماعه من أبيه، فوقع التصريح به في لفظ «كان ثمن المجن يومئذ عشرة دراهم» في رواية ابن إسحاق عن عمرو، ورواية أبي أسامة عن [٢/ ١٠٦] عمرو، ورواية أبي أسامة عن الوليد بن كثير عن عمرو؛ إلا أن فيه اضطرابَ ابن إسحاق وتدليسَ أبي أسامة، مع عدم التصريح بسماع شعيب.
وقد قال الشافعي (٢) لمن ناظره من الحنفية: «عمرو بن شعيب قد روى أحكامًا توافق أقاويلنا وتخالف أقاويلكم عن الثقات، فرددتموها، ونسبتموه إلى الغلط، فأنتم محجوجون. إن كان ممن ثبت حديثه، فأحاديثه التي وافقناها وخالفتموها أو أكثرها ــ وهي نحو ثلاثين حكمًا ــ حجة عليكم، وإلا فلا تحتجُّوا به».
وبعد اللَّتيا والتي، إن صحَّ شيء عن عبد الله بن عمرو فهو: «كان ثمن المجن يومئذ عشرة دراهم»، فعلى فرض صحته فهو محمول على الجنس
стр. 1083
كما توضِّحه أكثر الروايات: «كان ثمن المجن على عهد رسول الله ﷺ عشرة دراهم». وقد مرَّ أنه لا حجة بذلك بعد قيام الحجة المحققة أن المجن الذي قطع فيه النبي ﷺ كانت قيمته ثلاثة دراهم.
فأما الجملة المرفوعة، ولفظها فيما نسبه الزيلعي وابن كثير إلى «مصنَّف ابن أبي شيبة»: «لا يُقطَع السارق في دون ثمن المجن»، وفي النسخة التي وقفتُ عليها من «المصنَّف»: «القطع في ثمن المجن»، وفي رواية ابن راهويه، عن ابن إدريس، عن ابن إسحاق، عن عمرو: «ما بلغَ ثمنَ المجن ففيه القطع» = فقد تقدم أنها قطعة من حديث اللقطة الطويل، وقد تقدم رواية ابن إسحاق له عن عمرو.
ورواه النسائي (١) من طريق ابن عجلان عن عمرو «عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو عن رسول الله ﷺ أنه سئل عن الثمر المعلَّق قال: ... ومن خرج بشيء منه فعليه غرامةُ مثلَيْه والعقوبة، ومن سرق شيئًا بعد أن يُؤويه الجَرينُ، فبلغ ثمنَ المجن، فعليه القطع ... ».
ومن طريق ابن وهب (٢) «أخبرني عمرو بن الحارث وهشام بن سعد، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عبد الله بن عمرو أن رجلًا من مُزينة أتى رسولَ الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله كيف ترى في حَرِيسة الجبل؟ فقال: هي ومثلُها والنكال، وليس في شيء من الماشية قطع إلا فيما آواه المُرَاحُ، فبلغ ثمنَ المجن، ففيه قطع اليد ... ».
стр. 1084
ومن طريق عبيد الله بن الأخنس (١) «عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: سئل رسول الله ﷺ : في كم تُقطَع اليد؟ قال: لا تُقطَع اليد في ثمر معلَّق. فإذا ضمَّه الجَرينُ قُطِعت في ثمن المجن، ولاتقطَع في حَرِيسة الجبل، فإذا آوى المراحُ قُطِعت في ثمن المجن».
وأخرجه أبو داود (٢) في «اللقطة» من طرق عن [٢/ ١٠٧] عمرو، ويظهر منه أن الحديث أطول مما ساقه النسائي.
فمدار تلك الجملة المرفوعة على هذا الحديث. ولم أر في شيء من طرقه التصريحَ بسماع عمرو من أبيه، ولا بسماع أبيه من عبد الله بن عمرو.
وقد ذكر البيهقي في «السنن» (ج ٨ ص ٢٦٣) حديث رافع بن خديج مرفوعًا: «لا قطعَ في ثَمَرٍ ولا كَثَرٍ» وحديثَ عمرو بن شعيب هذا. فقال ابن التركماني (٣): «ذكر الطحاوي أن الحديث الأول تلقَّت العلماء متنه بالقبول، واحتجُّوا به. والحديث الثاني لا يحتجون به، ويطعنون في إسناده، ولا سيما ما فيه مما يدفعه الإجماع من غُرم المثلَيْنِ».
أقول: وإنما الطعن في إسناده، لمكان عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، فليس للطحاوي أن يحتج بتلك القطعة من هذا الحديث ولا بشيء من رواية عمرو عن أبيه عن جده. وقد أخرج مالك في «الموطأ» (٤) قطعة من الحديث عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي الحسين المكي عن النبي ﷺ .
стр. 1085
وابن أبي الحسين إنما سمعه من عمرو بن شعيب كما صرَّح به مالك في رواية الشافعي عنه، كما في «مسنده» (١) بهامش «الأم» (ج ٦ ص ٢٥٥).
وعلى فرض صحة حديث اللقطة، فالمراد بكلمة «المجن» ذاك المجن المعهود الذي قطع فيه النبيُّ ﵌، كأنه بعد أن قطع في المجن جاءه ذلك السائل، فاستشعر من سؤاله حرصَه على الالتقاط وما يقرب من السرقة أو يكونها، فشدَّد عليه النبيُّ ﷺ بذكر غرامة المثلين وجَلَدات النكال. ثم ذكر له القطعَ، وعدَلَ عن أن يقول: «ما بلغ ثلاثة دراهم» أو «ما بلغ ربع دينار»، ليتنبه السائل لموضع العبرة، ويعلم أن ذلك أمر مفروغ منه، قد نفذ به الحكم وجرى به العمل، ليكون ذلك أبلغ في المقصود من رَدْعه.
ولمثل هذا كثر في القرآن ترداد التذكير بأيام الله تعالى في الأمم السابقة. وفي الخبر أن النبي ﵌ تلا على عتبة بن ربيعة أوائل سورة (فصلت)، فلما بلغ ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ (١٣)﴾ بادر عتبةُ فوضع يدَه على فم النبي ﵌ وناشده الرحمَ أن يكُفَّ (٢).
стр. 1086
وكأن عبد الله بن عمرو حفظ هذا، ولم يبحث عن قيمة ذاك [٢/ ١٠٨] المجن، ولا بلغه ما يُغني عن ذلك؛ فلما سئل بعد وفاة النبي ﷺ اضطُرَّ إلى الحدس باعتبار الجنس، كما تقدَّم شرحه. وقد علم عبد الله بن عمر بن الخطاب قيمة ذاك المجن على التحقيق. وإذا جاء نهرُ الله بطَلَ نهرُ مَعْقِل (١).
قال الطحاوي (٢): «حدثنا فهد، قال ثنا محمد بن سعيد ابن الأصبهاني، أخبرني معاوية بن هشام، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد وعطاء، عن أيمن الحبشي قال: قال رسول الله ﷺ : «أدنى ما يُقطَع فيه السارق ثمنُ المجن». قال: وكان يُقوَّم يومئذٍ دينارًا».
أقول: هذا بهذا اللفظ غريب من هذا الوجه، وابن الأصبهاني كثير الغلط (٣). وقد قال النسائي في «السنن» (٤): «حدثنا محمود بن غيلان قال:
стр. 1087
حدثنا معاوية قال: حدثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد وعطاء (١)، عن أيمن قال: لم يقطع النبي ﷺ السارقَ إلا في ثمن المجن، وثمن المجن يومئذ دينار». محمود أثبَتُ جدًّا من ابن الأصبهاني.
وأخرجه النسائي (٢) من طريق ابن مهدي، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد، عن أيمن: «لم تكن تُقطَع اليد على عهد رسول الله ﷺ إلا في ثمن المجن، وقيمته يومئذ دينار». ومن طريق (٣) محمد بن يوسف، عن سفيان، عن منصور (٤)، عن الحكم، عن مجاهد، عن أيمن مثله. أدخل في هذه الرواية الحكم بين منصور ومجاهد. وكذلك رواه الحسن وعلي ابنا صالح عند النسائي (٥). وكذلك رواه أبو عوانة وشيبان عند البخاري في «التاريخ» (ج ١ قسم ٢ ص ٢٥) كلُّهم عن منصور، عن الحكم، عن مجاهد وعطاء، عن أيمن. ورواه جرير عن [٢/ ١٠٩] منصور، فلم يذكر الحكَم. أخرجه النسائي (٦). وكذلك رواه شريك، كما يأتي.
والمحفوظ ذكرُ الحكَم، والحكم مدلِّس ولم يصرِّح بالسماع. وأيمن هو أيمن الحبشي كما صُرِّح به في الرواية. ولفظ البخاري في «التاريخ» (٧):
стр. 1088
قال «قال لنا موسى (بن إسماعيل) عن أبي عوانة ــ وتابعه شيبان ــ عن منصور، عن الحكم، عن مجاهد وعطاء، عن أيمن الحبشي ... ». فإما أن يكون هو أيمن الحبشي والد عبد الواحد، كما يدل عليه ما رواه الدارقطني (١) من طريق عبد الله بن داود: «سمعت عبد الواحد بن أيمن [يذكر] عن أبيه قال: وكان عطاء ومجاهد قد رويا عن أبيه»، ووالد عبد الواحد تابعي لم يدرك الخلفاء الراشدين؛ وإما أن يكون آخر لا يعرف.
فإن قيل: فقد قال النسائي (٢): «أخبرنا علي بن حجر، قال أنبأنا شريك، عن منصور، عن عطاء ومجاهد، عن أيمن ابن أم أيمن [يرفعه قال: «لا يُقطع إلّا في ثمن المجنِّ، وثمنه يومئذٍ دينار». وقال البخاري في «التاريخ» (٣): «قال لنا أبو الوليد: عن شريك، عن منصور، عن مجاهد وعطاء، عن أيمن ابن أم أيمن] (٤) ــ قال أبو الوليد: رفعه: لا يُقطَع السارقُ إلا في مجنٍّ أو حَجَفةٍ قيمته دينار».
قلت: شريك ــ على فضلِه ــ سيئ الحفظ كثير الغلط. ونسبه الدارقطني وعبد الحق إلى التدليس. وأيمن ابن أم أيمن ليس بحبشي، بل هو ــ كما نسبه غير واحد ــ أيمن بن عبيد بن زيد ... بن عوف بن الخزرج. فهو عربي أنصاري.
فإن قيل: لعله قيل له: الحبشي، لأن أمه حبشية.
стр. 1089
قلت: هذا بعيد. ومع ذلك، اختُلف في أم أيمن، نسبها غير واحد كابن عبد البر في «الاستيعاب» (١): « ... بنت ثعلبة بن عمرو بن حِصْن بن مالك بن سلمة بن عمرو بن النعمان». فعلى هذا هي عربية لا حبشية.
فإن قيل: لعل أمها كانت حبشية.
قلت: وما الموجِب لهذا التعسف؟ وقد ذكر أهل المغازي وغيرهم أن أيمن ابن أم أيمن استُشهد يوم حنين. وشريك قد تقدم حاله، وقد تفرَّد بقوله: «ابن أم أيمن»، ويجوز أن يكون زاد ذلك وهمًا، أو يكون قال: «أيمن ابن أم أيمن» كما يقال: «أحمد ابن أم أحمد»، وإن لم تكن كنية أمه أم أحمد. وفي محاورةٍ جرت بين سلمان وحذيفة أن حذيفة قال: يا سلمان ابن أم سلمان. فقال سلمان: يا حذيفة ابن أم حذيفة (٢).
[٢/ ١١٠] فلهذا الخبر علتان: الأولى: تدليس الحكم. الثانية: أن أيمن تابعي لم يدرك الخلفاء الراشدين، أو غير معروف.
هذا، وقد تفرَّد شريك بقوله: «قال النبي ﵌». وشريك قد تقدم حاله، والأئمة الأثبات لا يذكرون ذلك. ورواية الطحاوي عن فهد، عن ابن الأصبهاني، عن سفيان شاذة، بل باطلة. وابن الأصبهاني كثير الغلط جدًّا (٣).
فإن قيل: فقد قال الطحاوي (٤): «ثنا ابن أبي داود قال: ثنا يحيى بن
стр. 1090
عبد الحميد الحِمَّاني قال: ثنا شريك، عن منصور، عن عطاء، عن أيمن، عن أم أيمن، قالت: قال رسول الله ﷺ : «لا يُقطع السارق إلا في حَجَفة»، وقُوِّمت يومئذٍ على عهد رسول الله ﷺ عشرة دراهم».
قلت: زاد ابن الحِمَّاني ضِغْثًا على إبَّالة. وهو متكلَّم فيه، وإن ألحَّ ابن معين في توثيقه. وفي كتاب «العلل» لابن أبي حاتم (ج ١ ص ٤٥٧): «سألت أبي عن حديث رواه الحسن بن صالح ... قال أبي: هو مرسل، وأرى أنه والد عبد الواحد بن أيمن، وليست له صحبة. قلت لأبي: قد روى هذا الحديث يحيى الحِمَّاني .. ؟ قال أبي: هذا خطأ من وجهين: أحدهما: أن أصحاب شريك لم يقولوا: عن أم أيمن ... والوجه الآخر: أن الثقات رووه عن منصور عن الحكم عن مجاهد وعطاء عن أيمن قوله».
فأما المتن في رواية الجماعة، ففيه جملتان:
فالأولى: في رواية سفيان: «لم تكن تُقطَع اليد على عهد رسول الله ﷺ إلا في ثمن المِجنّ». وفي رواية علي بن صالح: «لم تقطع اليد في عهد رسول الله ﷺ إلا في ثمن المجن». وفي رواية جرير: «لا يقطع السارق إلا في ثمن المجن». وفي رواية الحسن بن صالح وأبي عوانة وشيبان: «يقطع السارق في ثمن المجن». وسفيان إمام، وعلي ثقة، والباقون جماعة. وقد كان أبو نعيم الفضل بن دكين يقول: «ما رأيت أحدًا إلا وقد غلط في شيء غير الحسن بن صالح».
والجملة الثانية: لم تقع في رواية جرير، ولفظها (١) في رواية سفيان: «ثمن المجن يومئذ [٢/ ١١١] دينار». وفي رواية الباقين نحوه إلا الحسن بن