← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 337

التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل - ضمن «آثار المعلمي»

عبد الرحمن المعلمي اليماني

Полный текст (1 489 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

وكأن عبد الله بن عمرو حفظ هذا، ولم يبحث عن قيمة ذاك [٢/ ١٠٨] المجن، ولا بلغه ما يُغني عن ذلك؛ فلما سئل بعد وفاة النبي ﷺ اضطُرَّ إلى الحدس باعتبار الجنس، كما تقدَّم شرحه. وقد علم عبد الله بن عمر بن الخطاب قيمة ذاك المجن على التحقيق. وإذا جاء نهرُ الله بطَلَ نهرُ مَعْقِل (١). قال الطحاوي (٢): «حدثنا فهد، قال ثنا محمد بن سعيد ابن الأصبهاني، أخبرني معاوية بن هشام، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد وعطاء، عن أيمن الحبشي قال: قال رسول الله ﷺ : «أدنى ما يُقطَع فيه السارق ثمنُ المجن». قال: وكان يُقوَّم يومئذٍ دينارًا». أقول: هذا بهذا اللفظ غريب من هذا الوجه، وابن الأصبهاني كثير الغلط (٣). وقد قال النسائي في «السنن» (٤): «حدثنا محمود بن غيلان قال:

стр. 1087

حدثنا معاوية قال: حدثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد وعطاء (١)، عن أيمن قال: لم يقطع النبي ﷺ السارقَ إلا في ثمن المجن، وثمن المجن يومئذ دينار». محمود أثبَتُ جدًّا من ابن الأصبهاني. وأخرجه النسائي (٢) من طريق ابن مهدي، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد، عن أيمن: «لم تكن تُقطَع اليد على عهد رسول الله ﷺ إلا في ثمن المجن، وقيمته يومئذ دينار». ومن طريق (٣) محمد بن يوسف، عن سفيان، عن منصور (٤)، عن الحكم، عن مجاهد، عن أيمن مثله. أدخل في هذه الرواية الحكم بين منصور ومجاهد. وكذلك رواه الحسن وعلي ابنا صالح عند النسائي (٥). وكذلك رواه أبو عوانة وشيبان عند البخاري في «التاريخ» (ج ١ قسم ٢ ص ٢٥) كلُّهم عن منصور، عن الحكم، عن مجاهد وعطاء، عن أيمن. ورواه جرير عن [٢/ ١٠٩] منصور، فلم يذكر الحكَم. أخرجه النسائي (٦). وكذلك رواه شريك، كما يأتي. والمحفوظ ذكرُ الحكَم، والحكم مدلِّس ولم يصرِّح بالسماع. وأيمن هو أيمن الحبشي كما صُرِّح به في الرواية. ولفظ البخاري في «التاريخ» (٧):

стр. 1088

قال «قال لنا موسى (بن إسماعيل) عن أبي عوانة ــ وتابعه شيبان ــ عن منصور، عن الحكم، عن مجاهد وعطاء، عن أيمن الحبشي ... ». فإما أن يكون هو أيمن الحبشي والد عبد الواحد، كما يدل عليه ما رواه الدارقطني (١) من طريق عبد الله بن داود: «سمعت عبد الواحد بن أيمن [يذكر] عن أبيه قال: وكان عطاء ومجاهد قد رويا عن أبيه»، ووالد عبد الواحد تابعي لم يدرك الخلفاء الراشدين؛ وإما أن يكون آخر لا يعرف. فإن قيل: فقد قال النسائي (٢): «أخبرنا علي بن حجر، قال أنبأنا شريك، عن منصور، عن عطاء ومجاهد، عن أيمن ابن أم أيمن [يرفعه قال: «لا يُقطع إلّا في ثمن المجنِّ، وثمنه يومئذٍ دينار». وقال البخاري في «التاريخ» (٣): «قال لنا أبو الوليد: عن شريك، عن منصور، عن مجاهد وعطاء، عن أيمن ابن أم أيمن] (٤) ــ قال أبو الوليد: رفعه: لا يُقطَع السارقُ إلا في مجنٍّ أو حَجَفةٍ قيمته دينار». قلت: شريك ــ على فضلِه ــ سيئ الحفظ كثير الغلط. ونسبه الدارقطني وعبد الحق إلى التدليس. وأيمن ابن أم أيمن ليس بحبشي، بل هو ــ كما نسبه غير واحد ــ أيمن بن عبيد بن زيد ... بن عوف بن الخزرج. فهو عربي أنصاري. فإن قيل: لعله قيل له: الحبشي، لأن أمه حبشية.

стр. 1089

قلت: هذا بعيد. ومع ذلك، اختُلف في أم أيمن، نسبها غير واحد كابن عبد البر في «الاستيعاب» (١): « ... بنت ثعلبة بن عمرو بن حِصْن بن مالك بن سلمة بن عمرو بن النعمان». فعلى هذا هي عربية لا حبشية. فإن قيل: لعل أمها كانت حبشية. قلت: وما الموجِب لهذا التعسف؟ وقد ذكر أهل المغازي وغيرهم أن أيمن ابن أم أيمن استُشهد يوم حنين. وشريك قد تقدم حاله، وقد تفرَّد بقوله: «ابن أم أيمن»، ويجوز أن يكون زاد ذلك وهمًا، أو يكون قال: «أيمن ابن أم أيمن» كما يقال: «أحمد ابن أم أحمد»، وإن لم تكن كنية أمه أم أحمد. وفي محاورةٍ جرت بين سلمان وحذيفة أن حذيفة قال: يا سلمان ابن أم سلمان. فقال سلمان: يا حذيفة ابن أم حذيفة (٢). [٢/ ١١٠] فلهذا الخبر علتان: الأولى: تدليس الحكم. الثانية: أن أيمن تابعي لم يدرك الخلفاء الراشدين، أو غير معروف. هذا، وقد تفرَّد شريك بقوله: «قال النبي ﵌». وشريك قد تقدم حاله، والأئمة الأثبات لا يذكرون ذلك. ورواية الطحاوي عن فهد، عن ابن الأصبهاني، عن سفيان شاذة، بل باطلة. وابن الأصبهاني كثير الغلط جدًّا (٣). فإن قيل: فقد قال الطحاوي (٤): «ثنا ابن أبي داود قال: ثنا يحيى بن

стр. 1090

عبد الحميد الحِمَّاني قال: ثنا شريك، عن منصور، عن عطاء، عن أيمن، عن أم أيمن، قالت: قال رسول الله ﷺ : «لا يُقطع السارق إلا في حَجَفة»، وقُوِّمت يومئذٍ على عهد رسول الله ﷺ عشرة دراهم». قلت: زاد ابن الحِمَّاني ضِغْثًا على إبَّالة. وهو متكلَّم فيه، وإن ألحَّ ابن معين في توثيقه. وفي كتاب «العلل» لابن أبي حاتم (ج ١ ص ٤٥٧): «سألت أبي عن حديث رواه الحسن بن صالح ... قال أبي: هو مرسل، وأرى أنه والد عبد الواحد بن أيمن، وليست له صحبة. قلت لأبي: قد روى هذا الحديث يحيى الحِمَّاني .. ؟ قال أبي: هذا خطأ من وجهين: أحدهما: أن أصحاب شريك لم يقولوا: عن أم أيمن ... والوجه الآخر: أن الثقات رووه عن منصور عن الحكم عن مجاهد وعطاء عن أيمن قوله». فأما المتن في رواية الجماعة، ففيه جملتان: فالأولى: في رواية سفيان: «لم تكن تُقطَع اليد على عهد رسول الله ﷺ إلا في ثمن المِجنّ». وفي رواية علي بن صالح: «لم تقطع اليد في عهد رسول الله ﷺ إلا في ثمن المجن». وفي رواية جرير: «لا يقطع السارق إلا في ثمن المجن». وفي رواية الحسن بن صالح وأبي عوانة وشيبان: «يقطع السارق في ثمن المجن». وسفيان إمام، وعلي ثقة، والباقون جماعة. وقد كان أبو نعيم الفضل بن دكين يقول: «ما رأيت أحدًا إلا وقد غلط في شيء غير الحسن بن صالح». والجملة الثانية: لم تقع في رواية جرير، ولفظها (١) في رواية سفيان: «ثمن المجن يومئذ [٢/ ١١١] دينار». وفي رواية الباقين نحوه إلا الحسن بن

стр. 1091

صالح فلفظها عنده: «كان ثمن المجن في عهد رسول الله ﷺ دينارًا أو عشرة دراهم»، ولعل هذا هو الأصل، فاختصره الجماعة. وعلى كل حال، فهذا من قبيل ما تقدَّم من اعتبار الجنس، وقد ثبت التحقيق بحديث ابن عمر، فسقط الحدس. قال الطحاوي (١): «فلما اختُلِف في قيمة المجن الذي قَطَع فيه رسولُ الله ﷺ احْتِيطَ في ذلك، فلم يُقطَع إلا فيما أُجمِع أن فيه وفاءً بقيمة المجن التي جعلها رسول الله ﷺ مقدارًا لا يُقطع فيما هو أقل منها، وهو عشرة دراهم». أقول: قد علمتَ أنه ليس فيما ذكره الطحاوي ما يصلح دليلًا على أن النبي ﷺ بيَّن أنه لا قطعَ فيما دون قيمة ذاك المجن، ولا ما يصلح دليلًا يخالف الحجة الواضحة المحققة أن قيمته ثلاثة دراهم. ثم قال الطحاوي (٢): «وقد ذهب آخرون إلى أنه لا يُقطع إلا في ربع دينار فصاعدًا، واحتجُّوا على ذلك بما حدثنا يونس، أخبرنا به ابن عيينة ... كان رسول الله ﷺ يقطع في ربع دينار فصاعدًا. قيل لهم: ليس هذا حجة، لأن عائشة إنما أخبرت عمَّا قَطَع فيه رسولُ الله ﷺ ، فيحتمل أن يكون ذلك لأنها قوَّمت ما قُطِع فيه [فكانت قيمته عندها ربع دينارٍ، فجعلت ذلك مقدارَ ما كان النبي ﷺ يقطع فيه] (٣)».

стр. 1092

أقول: روى ابن شهاب الزهري وجماعة، عن عمرة، عن عائشة في القطع في ربع دينار، واختلفوا. ثم وقع خلاف عن بعض أصحاب الزهري، ثم وقع خلاف يسير عن ابن عيينة في روايته عن الزهري. وهذا الذي ذكره الطحاوي هو رواية يونس بن عبد الأعلى، عن ابن عيينة، عن الزهري، عن عمرة، عن عائشة. وهكذا رواه جماعة عن ابن عيينة، منهم يحيى بن يحيى عند مسلم (١)، وأحمد في «مسنده» (٢)، وإسحاقُ وقتيبةُ عند النسائي (٣). وخالفهم جماعة عن ابن عيينة. قال ابن حجر في «الفتح» (٤): «أورده الشافعي والحميدي وجماعة عن ابن عيينة بلفظ: قال رسول الله ﷺ : تقطع اليد ــ الحديث». ولفظ الشافعي كما في «مسنده» (٥) بهامش «الأم» (ج ٦ ص ٢٥٤): «أن رسول الله ﷺ قال: القطع في ربع دينار». ولفظ الحميدي كما ذكره الطحاوي (٦) فيما بعد: أن رسول الله ﷺ قال: «تُقطع اليد في ربع دينار فصاعدًا». [٢/ ١١٢] وأخرجه الطحاوي (٧) فيما بعدُ من طريق الحجاج بن منهال عن ابن عيينة، ولفظه: قال رسول الله ﷺ : «السارق إذا سرق ربعَ دينار قُطِع».

стр. 1093

ولنجب عن قول الطحاوي: «ليس هذا بحجة»، ثم ننظر في الروايات. فأما الجواب: فإن أراد أن الحديث بذاك اللفظ ليس بحجة على أنه لا قطع فيما دون ربع دينار، فجوابه مبني على رأي أصحابه في إهدار مفهوم المخالفة، ولا شأن لنا به الآن. وإن أراد: ليس بحجة على القطع فيما دون عشرة دراهم، فقد أبطل. قوله: «يحتمل أن يكون ذلك لأنها قَوَّمت ما قطع فيه». قلنا: وعلى هذا الاحتمال يكون حجة. فإن قيل: قد خالفها غيرها. قلنا: كلا، لم يخالفها أحد. فقد اتضح بما تقدم أنه لا يثبت مما ذكره الطحاوي غيرُ حديث ابن عمر، وهو موافق لهذا الحديث؛ لأن صرف الدينار كان حينئذ اثني عشر درهمًا. وقول الحنفية: كان صرفه عشرة دراهم، مردود كما بُيِّن في محلِّه. وهَبْ أنه كان صرفه في وقتٍ ما عشرة، فذلك لا يدفع أن يكون صرفه في وقت آخر اثني عشر. وهَبْ أن صرفه كان في طول العهد النبوي عشرة دراهم، فالفرق نصف درهم. وليس في حديث ابن عمر نفيٌ للقطع فيما دون ثلاثة دراهم. وهَبْ أن عائشة قوَّمت ذاك المجنَّ درهمين ونصفًا، فقد اتفقنا على القطع في ثلاثة دراهم، لأنه إذا قُطِع فيما دونها قُطِع فيها. وأما الروايات، فالواجب أن يُبدَأ باستقصاء النظر في الاختلاف عن ابن عيينة عن الزهري، ثم بالنظر في رواية غيره عن الزهري، ثم برواية غير الزهري عن عمرة. والطحاوي عدل عن هذا، فأخذ إحدى الروايتين عن ابن

стр. 1094

عيينة، وهي المخالفة لرواية غيره. وإنما بدأ بها الطحاوي، ثم قال (١): حدثنا يونس، أخبرنا ابن وهب قال: أخبرني يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، عن عروة وعمرة، عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال: «تقطع يد السارق في ربع دينار فصاعدًا» (٢) ثم قال: «يونس بن يزيد عندكم لا يقارب [٢/ ١١٣] ابن عيينة». ثم ذكر بعض روايات غير الزهري عن عمرة، وأنهم اختلفوا، فمنهم من رفعه ومنهم من وقفه، وحاول ترجيح الوقف، ثم عاد فذكر رواية الحميدي والحجاج بن منهال عن ابن عيينة، وروايةَ إبراهيم بن سعد عن الزهري بنحوها، ثم قال (٣): «فلما اضطرب حديث الزهري على ما ذكرنا، واختلف على غيره عن عمرة على ما وصفنا، ارتفع ذلك، فلم تجب الحجة بشيء منه، إذ كان بعضه ينفي بعضًا». كذا قال، حسيبه الله! فلندَعْه، ولنسلكِ الجادة. أما الروايتان عن ابن عيينة، فقد ترجَحُ رواية الشافعي والحميدي ومن وافقهما بأمور: الأول: أن رواتها عن ابن عيينة ممن سمع منه قديمًا. وقد جاء عن يحيى القطان (٤): «قلت لابن عيينة: كنت تكتب الحديث، وتحدِّث اليوم وتزيد في

стр. 1095

إسناده أو تنقص منه. فقال: عليك بالسماع الأول، فإني قد سئمت» (١). كأنه يريد: سئِمَ من مراجعة أصوله. الوجه الثاني: أن من رواتها عنه الشافعي والحميدي، وكان لهما مزيد اختصاص به، وجاء عن الحميدي أنه لزمه سبع عشرة سنة. وقال الإمام أحمد: «الحميدي عندنا إمام». وقال أبو حاتم: «هو أثبت الناس في ابن عيينة، وهو رئيس أصحابه، وهو ثقة إمام». الوجه الثالث: أن الحميدي لما روى هذا في «مسنده» عن ابن عيينة ذكر كلام ابن عيينة في الحديث، فقال ــ كما ذكره الطحاوي وقرأتُه في نسخة من «مسند الحميدي» (٢) ــ: «عن سفيان قال: حدثنا أربعة عن عمرة عن عائشة لم ترفعه: عبد الله بن أبي بكر، ورزيق بن حكيم الأيلي، ويحيى، وعبد ربه ابنا (٣) سعيد، والزهري أحفظهم كلهم، إلا أن في حديث يحيى ما قد دل على الرفع: ما نسيتُ ولا طال عليَّ، القطعُ في ربع دينار فصاعدًا». فهذا يدل أن ابن عيينة لما حدَّث الحميديَّ اعتنى بالحديث واحتفل له. وذلك أحرى أن يتحرى التحقيق في روايته، ولعله راجَعَ أصلَ كتابه. الوجه الرابع: أن الذين رووه عن الزهري غير ابن عيينة رووه بلفظ الحميدي عن ابن عيينة عن الزهري أو معناه. الوجه الخامس: أن الذين رووه عن عمرة غير الزهري، رواه أكثرهم بلفظ الحميدي أو معناه أيضًا.

стр. 1096

[٢/ ١١٤] الوجه السادس: أن في «الصحيحين» (١) من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: «لم تُقطَع يدُ سارقٍ على عهد النبي ﷺ في أدنى من ثمن المِجَنِّ: تُرْسٍ أو حَجَفةٍ. وكان كل واحد منهما ذا ثمن». فقولها: «تُرس أو حَجفة» يدل أنها لم تعرفه، وإذا لم تعرفه لا يمكنها أن تُقوِّمه. وقولها: «وكان كل واحد منهما ذا ثمن» ظاهر في أنها لم تعرف ثمن ذاك المجن، وإلا لَبيَّنته لتتم الفائدة المقصودة. فإن قيل: لا يلزم من عدم معرفتها بقيمة ذاك المجنّ أن لا تعرف قيمة غيره مما قَطَع فيه النبيُّ ﷺ . قلت: قد قطع النبي ﷺ سارقَ رداءِ صفوان، وكان ثمنه ثلاثين درهمًا (٢). وقطع يدَ المخزومية التي كانت تستعير الحُلِيَّ وتجحده (٣). وهاتان الواقعتان ليس فيهما ربع دينار، فكيف تأخذ عائشة منهما أو من إحداهما أن النبي ﷺ كان يقطع في ربع دينار. فإن قيل: لعلها أخذت ذلك من واقعة أخرى غير هذه الثلاث. قلت: لا يُعرَف ذلك، ولو كان ذاك عندها لما احتاجت أن تقول ما رواه هشام عن أبيه عنها، بل كانت تذكر ذاك الشيء الآخر الذي عَرَفَتْ قيمته،

стр. 1097

فذلك أوفى بمقصودها من ذكر ما لم تَعرفْه (١) ولا عَرفَتْ قيمته. فإن قيل: قد قال النسائي (٢): «أخبرنا قتيبة، ثنا جعفر بن سليمان، عن حفص بن حسان، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، قطع النبيُّ ﷺ في ربع دينار» قلت: جعفر فيه كلام، وحفص مجهول. فإن قيل: فقد يُعكَس عليك الأمر فيقال: لو كان عندها عن النبي ﷺ قوله: «تُقطَع يدُ السارق في ربع دينار فصاعدًا» أو نحوه لما احتاجت أن تقول ما رواه هشام عن أبيه عنها. قلت: هناك مسألتان: [٢/ ١١٥] الأولى: هل يقطع في ربع دينار؟ الثانية: هل يُقطَع فيما دون ذلك؟ فحديثها مرفوعًا: «تُقطَع يدُ السارق في ربع دينار فصاعدًا» يدل على المسألة الأولى بمنطوقه، ولا يدل على الثانية إلا بمفهوم المخالفة. فكأنها لما أرادت الاحتجاج على أنه لا يُقطَع في الشيء التافه، استضعفت أن تخصِّص القرآنَ بمفهوم المخالفة، فلم تحتجَّ بهذا الحديث، وعدلتْ إلى ما رواه هشام عن أبيه عنها. وكأنها كانت تُجوِّز أن تكون قيمة ذاك المجنّ كانت أقلَّ من ربع دينار، فأخبرت بما عندها، وهو أنه أقلُّ ما يَقطَع فيه النبيُّ ﷺ ، وتركت النظرَ لغيرها.

стр. 1098

فإن قيل: فقد جاء في بعض روايات حديث عمرة عنها أن النبي ﷺ قال: «لا تُقطع اليد إلا في ربع دينار فصاعدًا»، وهذا واضح الدلالة على المسألة الثانية. قلت: هذا اللفظ مرجوح. والمحفوظ: «تقطع يد السارق في ربع دينار فصاعدًا» أو ما في معناه، كما يأتي بيانه إن شاء الله. وكأن من روى بلفظ: «لا تُقطع ... » إنما روى بالمعنى، فصرَّح بمقتضى مفهوم المخالفة. إذا تقرر هذا فلو صحَّ عنها أنها قالت: «كان رسول الله ﷺ يقطع اليد في ربع دينار» لوجب حملُه على أنها إنما أخذته من قول النبي ﷺ : «تُقطَع يدُ السارق في ربع دينار فصاعدًا»، بناء على أن من شأنه ﷺ أن يوافق فعلُه قولَه، فإذا قال: «تُقطَع يدُ السارق في ربع دينار فصاعدًا»، عُلِمَ منه أنه كان إذا رُفِع إليه في سرقة ربع دينار قَطَع. فإن لم يقع القطع بالفعل لعدم الرفع، فهو واقع بالقوة. والحق أن ذاك اللفظ: «كان رسول الله ﷺ يَقطَع في ربع دينار فصاعدًا» لا يثبت عن عائشة. ولكن يمكن أن تكون تلك حال ابن عيينة، سمع الحديث بلفظ: «تُقطَعُ يدُ السارق في ربع دينار فصاعدًا»، فرواه تارة كذلك، وذلك حين اعتنى بالحديث عند تحديثه للحميدي كما مرَّ، وتارة بلفظ: «القطع في ربع دينار»، وتارة: «السارقُ إذا سَرَقَ ربع دينار قُطِع»، وتارة: «قالت عائشة: كان رسول الله ﷺ يقطع في ربع دينار فصاعدًا». والثلاثة الأخيرة كلها من باب الرواية بالمعنى. أما الثاني والثالث، فظاهر. وأما الرابع فلِمَا استقرَّ [٢/ ١١٦] في نفس ابن عيينة أن النبي ﷺ إذا قال شيئًا فقد عمل به أو كأنه قد عمل به.

стр. 1099

وقد ذكر الطحاوي في «مشكل الآثار» (ج ٢ ص ٢٧٠) (١) حديثًا من طريق شجاع بن الوليد عن ابن شبرمة بسنده: «قال رجل: يا رسول الله، أيُّ الناس أحقُّ مني بحسن الصحبة؟ قال: «أمك». قال: ثم مَن؟ قال: «أمك». قال: ثم من؟ قال: «أمك» ــ ثلاث مرات. قال: ثم مَن؟ قال: «أبوك»». ثم رواه (٢) من طريق ابن عيينة، وفيه ذكر الأم مرتين فقط. ثم قال الطحاوي (٣): «قد يحتمل أن يكون ابن عيينة ذهب عنه في ذلك ما حفِظه شجاع، لأن ابن عيينة كان يحدِّث من حفظه، وشجاع (٤) كان يحدِّث من كتابه». وعَبَّرَ عن هذا (٥) صاحب «المعتصَر» (ج ٢ ص ٢٨٦) (٦) بعبارة منكرة. وفي «المعتصر» (ج ٢ ص ٢٠٥) في الكلام على حديث: «أخرجُوا يهودَ الحجاز وأهلَ نجران من جزيرة العرب» أن ابن عيينة روى: «أخرِجُوا المشركين من جزيرة العرب» (٧)، ثم قال في «المعتصر»: «ففيه غلط من ابن عيينة، لأنه كان يحدِّث مِن حفظه، فيحتمل أن يكون جعل مكان «اليهود والنصارى»: المشركين، إذ لم يكن عنده من الفقه ما يميِّز [به] بين ذلك». كذا في «المعتصر»، وقوله: «إذ لم يكن ... » عبارة بَشِعة لا أرى الطحاوي

стр. 1100

يتفوَّه بها (١)، وإنما هي من تغيير المختصِر الذي ليس عنده من العلم ما يعرف به مقام ابن عيينة، كما فعل المختصِر في الموضع السابق. والمقصود هنا إنما هو أن ابن عيينة كان كثيرًا ما يروي من حفظه، ويروي بالمعنى. هذا، وصنيع مسلم في «صحيحه» يقتضي أنه لا فرق في المعنى، فإنه صرَّح أولًا بلفظ ابن عيينة الأول (٢): «قالت عائشة: كان رسول الله ... »، ثم ساق الإسناد عن معمر، وإبراهيم بن سعد، وسليمان بن كثير؛ وقال: «كلهم عن الزهري بمثله»، مع أن لفظ معمر وإبراهيم كلفظ الحميدي عن ابن عيينة، ولفظ سليمان كلفظ الشافعي عن ابن عيينة. أما البخاري، فأعرض عن رواية ابن عيينة البتة، كأنه يقول: اختلفت الرواية عنه، وفي رواية غيره الكفاية. والحق أن رواية الحميدي ومَن وافقه هي أرجح الروايتين عن ابن عيينة، وأنه لو لم يُعرَف أرجحُ الروايتين بصرف النظر عن رواية غيره، فإنه يعرف بالنظر في رواية غيره. فنقول مثلًا: يونس وابن عيينة من جانب، وابن عيينة [٢/ ١١٧] وحده من جانب، أيهما أرجح؟ على أن مع يونس جماعة كما يأتي. وفي «فتح الباري» (٣): «وأما نقلُ الطحاوي عن المحدِّثين أنهم يقدِّمون ابن عيينة في الزهري على يونس، فليس متفقًا عليه عندهم، بل أكثرهم على العكس. وممن جزم بتقديم يونس على سفيان في الزهري:

стр. 1101

يحيى بن معين، وأحمد بن صالح المصري. وذكر أن يونس صحب الزهري أربع عشرة سنة، وكان يزامله في السفر، وينزل عليه الزهري إذا قدم أَيلَة. وكان يذكر أنه كان يسمع الحديث الواحد من الزهري مرارًا. وأما ابن عيينة، فإنما سمع منه سنة ثلاث وعشرين ومائة. ورجع الزهري، فمات في التي بعدها». أقول: أما الحفظ، فابن عيينة أحفظ وأضبط بلا شك، ولاسيَّما فيما رواه قديمًا، إلا أنه كثير الرواية بالمعنى. ويونس دونه في الحفظ، ولكن كتابه صحيح، كما شهد له ابن المبارك وابن مهدي. وعلى كل حال فلا معنى للموازنة بينهما هنا، ولكن الطحاوي لأمرٍ ما ذكر رواية ابن عيينة المرجوحة، وعقَّبها برواية يونس، ونصب الخلافَ بينهما. وقد علمتَ أن الواقع رواية ابن عيينة المرجوحة من جانب، وروايته الراجحة ويونس من جانب؛ فأيُّ معنى للموازنة بين الرجلين؟ أما بقية الرواة عن الزهري فجماعة: الأول: يونس بن يزيد. تقدمت رواية الطحاوي عن يونس بن عبد الأعلى عن ابن وهب عنه. وبنحوه رواه البخاري في «الصحيح» (١) عن ابن أبي أويس عن ابن وهب. وكذلك رواه عن ابنِ وهبٍ: الحارثُ بن مسكين عند النسائي (٢)، وابن السرح ووهب بن بيان وأحمد بن صالح عند أبي داود (٣).

стр. 1102

ورواه مسلم (١) عن حرملة والوليد بن شجاع عن ابن وهب، وقالا في المتن: «لا تُقطَع اليدُ إلا في ربع دينار فصاعدًا». وهذه رواية بالمعنى بالتصريح بمفهوم المخالفة، والأولون أكثر وأثبت. وأخرج الإمام أحمد في «المسند» (ج ٦ ص ٣٦) (٢) عن عتَّاب، وأخرج النسائي (٣) عن حبان بن موسى، كلاهما عن ابن المبارك، عن يونس، عن الزهري، عن عمرة، عن عائشة مرفوعًا: «تُقطع اليدُ في ربع دينار فصاعدًا». وهذا أثبت مما تقدم، لأن ابن المبارك أثبت من ابن وهب، وكان يقول: كتاب يونس صحيح. وكان من عادة ابن المبارك تتبُّعُ [٢/ ١١٨] أصول شيوخه، فالظاهر أنه أخذ هذا عن يونس من أصل كتابه. ويشهد لذلك أنه لم يذكر عروة، وبقية الرواة عن الزهري غير يونس في رواية ابن وهب لا يذكرون عروة، وحديث عروة عن عائشة ليس بهذا اللفظ. وفي «الفتح» (٤): «يحتمل أن يكون لفظ عروة هو الذي حفظه هشام عنه، وحمل يونس حديثَ عروة على حديث عمرة، فساقه على لفظ عمرة. وهذا يقع لهم كثيرًا». أقول: وإنما يتصرف يونس هذا التصرف إذا حدَّث من حفظه أو من فرعٍ خرَّجه من أصوله. فأما إذا حدَّث من أصله فإنما يكون على الوجه. فبان بهذا أن ابن المبارك أخذ الحديث عن يونس من أصل كتابه، ولِقوَّة هذه الرواية

стр. 1103

ذكرها الإمام أحمد عقبَ رواية ابن عيينة، كأنه يشير إلى أن رواية يونس هذه هي الصواب. الثاني: إبراهيم بن سعد. عند البخاري في «الصحيح» (١) عن القعنبي عن إبراهيم بمثل رواية ابن المبارك عن يونس. وكذلك ذكره الطحاوي (٢): «ثنا ربيع المؤذن، ثنا أسد، ثنا إبراهيم». وأخرجه مسلم في «الصحيح» (٣) عن أبي بكر بن أبي شيبة «ثنا يزيد بن هارون، أخبرنا سليمان بن كثير وإبراهيم ... » ولم يسق المتن. وفي «مصنف ابن أبي شيبة» (٤): «القطع في ربع دينار فصاعدًا»، وهذا لفظ سليمان. الثالث: سليمان بن كثير. تقدمت روايته قريبًا. الرابع والخامس والسادس: قال البخاري في «الصحيح» (٥) عقب رواية إبراهيم: «وتابعه عبد الرحمن بن خالد، وابن أخي الزهري، ومعمر». وفي «الفتح» (٦): «أما متابعة عبد الرحمن .. فوصلها الذهلي في «الزهريات» عن عبد الله بن صالح، عن الليث، عنه نحو رواية إبراهيم ... وأما متابعة ابن أخي الزهري ... فوصلها أبو عوانة في «صحيحه» من طريق يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن ابن أخي ابن شهاب، عن عمه ... وأما

стр. 1104

متابعة معمر، فوصلها أحمد عن عبد الرزاق عنه. وأخرجه مسلم من رواية عبد الرزاق لكن لم يسُقْ لفظه. وساقه النسائي، ولفظه: «تُقطع يد السارق في ربع دينار فصاعدًا». ووصلها هو أيضًا وأبو عوانة من طريق سعيد بن أبي عروبة عن معمر. وقال أبو عوانة في آخره: قال سعيد: نبَّلنا معمرًا، رويناه عنه [٢/ ١١٩] وهو شابٌّ ... وسعيد أكبر من معمر، وقد شاركه في كثير من شيوخه. ورواه ابن المبارك عن معمر لكن لم يرفعه، أخرجه النسائي». أقول: رواية أحمد في «المسند» (ج ٦ ص ١٦٣) (١). ورواية مسلم (٢) هي عن إسحاق بن إبراهيم وعبد بن حميد عن عبد الرزاق. ورواية النسائي (٣) هي عن إسحاق عن عبد الرزاق. وكذلك أخرجه البيهقي في «السنن» (ج ٨ ص ٢٥٤) من طريق أحمد بن يوسف السُّلَمي عن عبد الرزاق. ورواية سعيد بن أبي عروبة عند النسائي (٤) هي عن عبد الوهاب الخفاف عنه. وقد عدُّوا عبد الوهاب من أثبت الناس عن ابن أبي عروبة، لكن ذكر بعضهم أنه سمع من قبل الاختلاط وبعده. وهذا لا يضرُّ هنا، فإن قول سعيد: «نبَّلنا معمرًا، رويناه عنه وهو شاب» يقضي بأن سعيدا روى هذا قديمًا، فإن معمرًا ولد سنة ست أو سبع وتسعين، وسعيد بدأ به الاختلاط أواخر سنة ١٤٣، واشتد به قليلًا سنة ١٤٥ هـ، واستحكم سنة ١٤٨. هذا هو الجامع بين الحكايات المتصلة في ذلك، فأما المنقطعة فلا عبرة بها.

стр. 1105

فأما رواية ابن المبارك فهي عند النسائي (١) عن سويد بن نصر عنه. وسويد مات سنة ٢٤٠، وعمره ٩١ سنة. فقد أدركه الشيخان، ولكنهما لم يخرجا عنه في «الصحيح». وإنما روى له النسائي والترمذي، ووثَّقه النسائي ومسلمة بن قاسم. وقال ابن حبان: «كان متقنًا»، فالله أعلم. وقد روى النسائي (٢) عنه، عن ابن المبارك، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة قالت: يُقطع في ربع دينار فصاعدًا. وأثبت الروايات عن يحيى ما رواه مالك (٣) وابن عيينة (٤) عنه عن عمرة عن عائشة: «ما طال عليَّ ولا نسيتُ: القطعُ في ربع دينار فصاعدًا». فإن لم يكن وهم في روايته عن ابن المبارك عن معمر فالتقصير من معمر. وقد قال الإمام أحمد (٥): «حديث عبد الرزاق عن معمر أحبُّ إلي من حديث هؤلاء البصريين (عن معمر)، كان (معمر) يتعاهد كتبه وينظر فيها باليمن (حيث سمع منه عبد الرزاق)، وكان يحدِّثهم حفظًا بالبصرة». وسعيد بن أبي عروبة أقدم سماعًا، فإن لم يكن الوهم من سويد، فكأنَّ معمرًا حدَّث بالحديث مرةً من حفظه حيث سمع منه ابن المبارك فشكَّ في

стр. 1106

الرفع، فقصَّر به، كما كان يقع مثل هذا لحماد بن زيد. وقد حدَّث به معمر قبل ذلك حيث سمع منه ابن أبي عروبة، فرفعه. وحدَّث به باليمن حيث كان يتعاهد كتبه فرفعه. والإمام [٢/ ١٢٠] أحمد إنما سمع من عبد الرزاق من أصوله، كما تراه في ترجمة عبد الرزاق من «التهذيب». السابع: زَمْعة بن صالح. في «مسند أبي داود الطيالسي» (ص ٢٢٠) (١): حدثنا زمعة، عن الزهري، عن عمرة، عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال: تُقطع يدُ السارق في ربع دينار فصاعدًا». فهؤلاء سبعة رووه عن الزهري كما رواه الحميدي والشافعي وغيرهما عن ابن عيينة عن الزهري. وإنما هناك اختلاف على ابن عيينة ومعمر، وأرجح الروايتين عن كل منهما هي الموافقة للباقين. وهَبْ أن الاختلاف عنهما ضارٌّ، فبروايتهما فقط، ويثبت الحديث برواية الباقين. وليس وراء ذلك إلا اختلاف يسير في الألفاظ، مع اتحاد المعنى. فليس في حديث الزهري ما يسوغ أن يسمَّى اضطرابًا، فضلًا عن أن يكون اضطرابًا مُسْقِطًا، كما زعم الطحاوي بقلة مبالاة، مع تشبُّثه بحديث ابن إسحاق الذي تقدم حاله! وأما بقية الرواة عن عمرة فجماعة: الأول: ابن ابن أخيها محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن سعد (٢) بن زرارة الأنصاري. قال البخاري في

стр. 1107

«الصحيح» (١): حدثنا عِمران بن ميسرة، ثنا عبد الوارث، حدثنا الحسين (المعلم)، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن عبد الرحمن الأنصاري، عن عمرة بنت عبد الرحمن حدَّثَته أن عائشة حدثتهم عن النبي ﷺ قال: «تُقطَع اليد في ربع دينار». ورواه عن عبد الوارث أيضًا ابنه عبد الصمد، وصرَّح بسماع يحيى بن أبي كثير. ورواه عن يحيى أيضًا حرب بن شداد وهمام بن يحيى، كما في «الفتح» (٢) عن الإسماعيلي. ورواية حرب في «مسند أحمد» (ج ٦ ص ٢٥٢) (٣). وكذلك رواه هِقْل بن زياد عن يحيى كما في «الفتح» (٤) عن «مسند أبي يعلى». وقال النسائي (٥): «أنا حُميد بن مسعدة، ثنا عبد الوارث، ثنا حسين، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن عبد الرحمن الأنصاري، ثم ذكر كلمةً معناها: عن عمرة عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : لا تُقطع اليد إلا في ربع دينار». لم يُتقِن حميدٌ بدليل قوله: «فذكر كلمةً معناها»، والصواب: «تُقطع اليد في ربع دينار» كما مرّ. وروى النسائي (٦) من طريق إبراهيم بن عبد الملك أبي إسماعيل

стр. 1108

القنَّاد، عن يحيى بن أبي كثير، [٢/ ١٢١] عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن عمرة، عن عائشة: كان النبي ﷺ يقطع اليد في ربع دينار. والقنَّاد ليس بعمدة، وذكر الساجي أن ابن معين ضعَّفه. وقال العقيلي: «يهم في الحديث». وقال ابن حبان في «الثقات» (١): «يخطئ». فقد وهم في السند بقوله: «بن ثوبان»، ووهم في المتن كما رأيت. الثاني: أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم. رواه عنه جماعة، منهم يزيد بن الهاد عند مسلم في «صحيحه» (٢) من وجهين، وعند الطحاوي (٣) من وجهين آخرين. ومنهم عبد الرحمن بن سلمان عند النسائي (٤)، ومنهم ابن إسحاق عند الطحاوي (٥) والبيهقي (٦). وقال في المتن المرفوع: «لا تُقطَع اليد إلا في ربع دينار». وفي رواية البيهقي (ج ٨ ص ٢٥٥) من طريق ابن إسحاق عن أبي بكر: «أُتِيتُ بنبطي قد سرَق، فبعثتْ إليَّ عمرةُ بنت عبد الرحمن: أي بُنيَّ إن لم يكن بلغ ربع دينار فلا تقطعه؛ فإن عائشة حدثتني أنها سمعت رسول الله ﷺ

стр. 1109

يقول: لا يُقطع في دون ربع دينار». وفي «مسند أحمد» (ج ٦ ص ٨٠) (١) و «سنن البيهقي» (ج ٨ ص ٢٥٥) من طريق محمد بن راشد، عن يحيى بن يحيى الغساني قال: «قدمتُ المدينة، فلقيتُ أبا بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وهو عامل على المدينة، فقال: أُتِيتُ بسارق (زاد البيهقي: من أهل بلادكم حوراني قد سرق سرقة يسيرة. قال) فأرسلتْ إليَّ خالتي عمرةُ بنت عبد الرحمن أن لا تَعجَلْ ... قال: فأتتْني، فأخبرتْني أنها سمعت عائشة تقول: قال رسول الله ﷺ : اقطعوا في ربع الدينار، ولا تقطعوا فيما هو أدنى من ذلك». الأثبت عن عمرة لفظ «تُقطَع اليد في ربع دينار فصاعدًا». وقد دل حديث عروة ــ كما تقدَّم ــ على أن هذا هواللفظ الذي كان عند عائشة، فما وقع في هذه الرواية: «لا تُقطَع اليد إلا ... » ونحوه= من الرواية بالمعنى. والمقتضي لذلك هنا ــ والله أعلم ــ أن الحديث يدل على حكمين: الأول: إثبات القطع في ربع دينار. الثاني: نفي القطع فيما دون ذلك. فإذا كان الأول هو الأهم، فحقُّه أن يقال مثلاً: «تُقطع اليد في ربع دينار». وإذا [٢/ ١٢٢] كان الثاني هو الأهم، فحقُّه أن يقال مثلًا: «لا تُقطع اليد إلا في ربع دينار». وإذا كانا سواءً جُمع بين اللفظين. فلما كان الأهم في الواقعة التي ذكرها أبو بكر هو الحكم الثاني وقع التعبير بما يوافقه. والأشبه أن التصرف من أبي بكر، سمع الحديث في صدد بيان الحكم الثاني، فثبت

стр. 1110

في ذهنه بالمعنى المقتضي للفظ الثاني، فعبَّر بذلك. ثم كأنه استشعر حيث أخبر الغساني أن أصل لفظ عمرة يقتضي المعنيين على السواء، فجمع بين اللفظين. وإنما كان لفظ الحديث يقتضي أهمية الأول، والمقام يقتضي أهمية الثاني، فتدبَّرْ. الثالث: سليمان بن يسار. أخرجه مسلم في «الصحيح» (١) من طريق ابن وهب، عن مخرمة بن بكير بن الأشج «عن أبيه، عن سليمان بن يسار، عن عمرة أنها سمعت عائشة تحدِّث أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا تُقطَع اليدُ إلا في ربع دينار فصاعدًا». وأخرجه الطحاوي (٢) عن يونس عن ابن وهب مثله، إلا أنه قال: «يد السارق». قال الطحاوي (٣): «أنتم تزعمون أن مخرمة لم يسمع من أبيه. حدثنا ابن أبي داود قال: ثنا ابن أبي مريم، عن خاله موسى بن سلمة قال: سألت مخرمةَ بن بكير: هل سمعت من أبيك شيئًا؟ فقال: لا». أقول: قال أبو داود: «لم يسمع من أبيه إلا حديثًا واحدًا، وهو حديث الوتر». فقد سمع من أبيه في الجملة، فإن كان أبوه أذن له أن يروي ما في كتابه ثبت الاتصال، وإلا فهي وجادة؛ فإن ثبت صحة ذاك الكتاب قوي الأمر. ويدل على صحة الكتاب أن مالكًا كان يعتدُّ به. قال أحمد: «أخذ مالك كتاب مخرمة، فكل شيء يقول: بلغني عن سليمان بن يسار، فهو من

стр. 1111

كتاب مخرمة عن أبيه عن سليمان». وربما يروي مالك عن الثقة عنده عن بكير بن الأشج. وقد قال أبو حاتم: «سألت إسماعيل بن أبي أويس قلت: هذا (١) الذي يقول مالك: حدثني الثقة ــ مَن هو؟ قال: مخرمة بن بكير». وأخرج النسائي (٢) من طريق ابن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب، عن بكير بن الأشج، عن سليمان بن يسار، عن عمرة أنها سمعت عائشة تقول: قال رسول الله ﷺ : «لا تُقطَع اليد إلا في ثمن المجنِّ». قيل لعائشة: ما ثمنُ المجنِّ؟ قالت: ربع دينار». ومن طريق مخرمة (٣) عن أبيه [٢/ ١٢٣] «سمعتُ عثمان بن الوليد (٤) الأخنسي يقول: سمعت عروة بن الزبير يقول: كانت عائشة تُحدِّث عن النبي ﷺ أنه قال: «لا تُقطع اليد إلا في المجنّ أو ثمنه»، وزعم أن عروة قال: المجن أربعة دراهم. وسمعتُ سليمان بن يسار يزعم أنه سمع عمرة تقول: سمعتُ عائشة تحدِّث أنها سمعتْ رسول الله ﷺ يقول: لا تُقطع اليد إلا في ربع دينار فما فوقه». أقول: ابن إسحاق في حفظه شيء، ويدلِّس، وكأنه أو مَنْ فوقه سمع الحديث كما ذكره مخرمة عن أبيه، فخلط الحديثين. والصواب حديث مخرمة. فذكرُ المجنّ إنما هو من رواية بُكير عن عثمان بن الوليد عن عروة، ورواية سليمان لا ذِكر فيها للمجن. وعثمان بن الوليد ذكره ابن حبان في

стр. 1112

«الثقات» (١)، وذاك لا يخرجه عن جهالة الحال، لما عُرِف من قاعدة ابن حبان. لكن إن صحت رواية بكير بن الأشج عنه، فإنها تُقوِّيه، فقد قال أحمد بن صالح: «إذا رأيت بكير بن عبد الله (بن الأشج) روى عن رجل فلا تسأل عنه، فهو الثقة الذي لا شك فيه». وهذه العبارة تحتمل وجهين: الأول: أن يكون المراد بقوله: «فلا تسأل عنه». أي: عن ذاك المروي. أي: لا تلتمس لبكير متابعًا، فإنه أي بكيرًا الثقةُ الذي لا شك فيه، ولا يحتاج إلى متابع. الوجه الثاني: أن يكون المراد: فلا تسأل عن ذاك الرجل، فإنه الثقة. يعني أن بكيرًا لا يروي إلا عن ثقة لا شك فيه. والله أعلم. وعلى كل حال، فالصواب من حديث عروة ما في «الصحيحين» (٢) عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: «لم تُقطَع يدُ سارقٍ على عهد النبي ﷺ في أدنى من ثمن المِجَنِّ: تُرْسٍ أو حَجَفةٍ، وكان كلُّ واحد منهما ذا ثمن». الرابع: أبو الرجال. وهو محمد بن عبد الرحمن بن حارثة بن النعمان. قال النسائي (٣): «أخبرني إبراهيم بن يعقوب، قال: حدثنا عبد الله بن يوسف، قال: حدثنا عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن ابن أبي الرجال، عن أبيه، عن عمرة، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : يُقطَع يد

стр. 1113

السارق في ثمن المجن، وثمنُ المجن ربع دينار». ذكر ابن حجر هذه الرواية في «الفتح» (١) بقوله: «أخرجه النسائي من رواية عبد الرحمن بن [٢/ ١٢٤] أبي الرجال، عن محمد بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن عمرة». كذا وقع في النسخة، والصواب إسقاط كلمة «عن» الواقعة قبل «محمد». هذا، وأبو الرجال ثقة عندهم، وعمرة أمه. وابنه عبد الرحمن وثَّقه أحمد وابن معين وغيرهما، لكن ليَّنه أبو زرعة وأبو حاتم وأبو داود. وقال ابن حبان في «الثقات» (٢): «ربما أخطأ». وأُراه خلط حديثين، فإنه لا يُعرَف عن عمرة ذكرُ المجن. وقد دل حديث «الصحيحين» عن عروة أن عائشة لم تكن تَحُقُّ ثمنَ المجن، كما تقدَّم شرحُه. الخامس والسادس والسابع: قال الطحاوي (٣): «حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني يحيى بن أيوب، عن جعفر بن ربيعة، عن العلاء بن الأسود بن جارية (ويقال: الأسود بن العلاء بن جارية) وأبي سلمة بن عبد الرحمن وكثير بن خُنَيس، أنهم تنازعوا في القطع، فدخلوا على عمرة يسألونها، فقالت: قالت عائشة: قال رسول الله ﷺ : لا يُقطَع إلا في ربع دينار». قال الطحاوي: «أما أبو سلمة فلا نعلم لجعفر بن ربيعة عنه سماعًا، ولا

стр. 1114

نعلمه لقيه أصلًا». أقول: ذكروا أن جعفر بن ربيعة رأى عبد الله بن الحارث بن جَزْء، وعبد الله توفي سنة ٨٦ على الراجح، وقيل: في التي قبلها، وقيل: في التي بعدها، وقيل: بعدها بسنتين؛ فيشبه أن يكون مولد جعفر نحو سنة ٧٥. وقد اختلف في وفاة أبي سلمة، فقيل: سنة ٩٤، وقيل: سنة ١٠٤، فاللقاء ممكن. والله أعلم. وكان في المدينة ربيعة الرأي الفقيه، وكان قوله: القطع في ما يبلغ درهمًا، فكأن هذا هو الباعث على ما وقع في بعض الروايات من التعبير عن الحديث بلفظ «لا تُقطع اليد ... » أو نحو ذلك، كما وقع في رواية سليمان بن يسار وغيرها. الثامن: أبو النضر. فيما رواه ابن لهيعة «ثنا أبو النضر، عن عمرة، عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال: «لا تُقطع يد السارق إلا في ثمن المجن فما فوقه». قالت عمرة بنت [٢/ ١٢٥] عبد الرحمن: فقلت لعائشة: ما ثمن المجن يومئذ؟ قالت: ربع دينار». أخرجه البيهقي (ج ٨ ص ٢٥٦). وابن لهيعة ضعيف. التاسع: يحيى بن يحيى الغساني. فيما أخرجه الطبراني في «المعجم الصغير» (ص ٣ وص ٨٩) (١) عن أحمد بن أنس بن مالك الدمشقي المقري، وعن خالد بن أبي روح الدمشقي، كل منهما عن إبراهيم بن هشام بن يحيى بن يحيى الغساني، عن أبيه، عن جده، عن عمرة، عن عائشة

стр. 1115

قالت: قال النبي ﷺ : «القطع في ربع دينار فصاعدًا». قال الطبراني: «لم يروه عن يحيى بن يحيى إلا ولده»، زاد في الموضع الثاني: «وهُم ثقات». وإبراهيم بن هشام ذكره ابن حبان في «الثقات» (١)، وأخرج له في «صحيحه». لكن طعن فيه أبو حاتم (٢)، وذكر قصة تدل على أن إبراهيم كان به غفلة. والله أعلم. العاشر: يحيى بن سعيد الأنصاري. وهو أجلُّ (٣) من كثير من الذين تقدموا، وإنما أخرته لأن بعضهم نسب رواة هذا الحديث عنه إلى الخطأ كما يأتي. قال النسائي (٤): «أخبرنا الحسن بن محمد (بن الصباح الزعفراني)، قال: حدثنا عبد الوهاب (بن عطاء)، عن سعيد (بن أبي عروبة)، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة، عن النبي ﷺ : «تُقطع يدُ السارق في ربع دينار فصاعدًا». أخبرني يزيد بن محمد بن فضيل قال: أنبأنا مسلم بن إبراهيم، قال: حدثنا أبان، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة أن النبي ﷺ قال: تُقطع يدُ السارق في ربع دينار فصاعدًا». وقال الطحاوي (٥): «حدثنا محمد بن خزيمة، ثنا مسلم بن إبراهيم ... » فساقه مثله. الحسن ثقة من رجال البخاري. وعبد الوهاب من رجال مسلم، وثَّقه

стр. 1116

جماعة مطلقًا، وليَّنه آخرون. وقدَّموه في روايته عن سعيد، قال الإمام أحمد: «كان عالمًا بسعيد». وسُئل أبو داود عنه وعن السهمي في حديث ابن أبي عَروبة؟ فقال: عبد الوهاب أقدم. فقيل له: عبد الوهاب سمع زمن الاختلاط (يعني اختلاط سعيد). فقال: مَن قال هذا؟ سمعت أحمد يقول: «عبد الوهاب أقدم». وقال ابن سعد: «لزم سعيد بن أبي عروبة، وعُرف بصحبته، وكتب كُتبه ... ». وقال البخاري: «يُكتب حديثه» قيل له: يُحتَج به؟ قال: [٢/ ١٢٦] «أرجو، إلا أنه كان يدلِّس عن ثور وأقوام أحاديث مناكير». وسعيد ثقة جليل إلا أنه اختلط بأَخَرةٍ، وسماع عبد الوهاب منه قديم. وأما السند الثاني، فشيخ النسائي لم يوثَّق، ولكن قد تابعه محمد بن خزيمة كما رأيت. ومسلم ثقة متفق عليه. وأبان من رجال مسلم، وأخرج له البخاري في «الصحيح» (١) بلفظ: «قال لنا مسلم بن إبراهيم ثنا أبان ... ». وبالجملة فمجموع السندين صالح للحجة حتمًا. لكن أعلَّه بعضهم بأن مالكًا (٢) وابن عيينة (٣) رويا عن يحيى عن عمرة: قالت عائشة: «ما نسيتُ ولا طال عليَّ، القطع في ربع دينار». وبنحوه رواه جماعة عن يحيى. وروى أخوه عبد ربه وعبد الله بن أبي بكر ورُزَيق بن حكيم عن عمرة: قالت عائشة: «القطع في ربع دينار». بل حاول الطحاوي إعلال الحديث من أصله.

стр. 1117

وأجاب البيهقي (١) وغيره بأنه لا منافاة بين أن يكون الحديث عند عائشة، فتخبر به تارة، وتُستفتى فتفتي بمضمونه أخرى. وفي «الموطأ» (٢) عن عبد الله بن أبي بكر عن عمرة قالت: «خرجت عائشة ... إلى مكة ومعها مولاتان لها ... فسئل العبد عن ذلك فاعترف، فأمرت به عائشة ... فقُطعت يده. وقالت عائشة: القطع في ربع دينار فصاعدًا». ويؤيد الجمعَ أن لفظ المرفوع في أثبت الطرق وأكثرها: «تُقطع اليد في ربع دينار فصاعدًا». ولفظ الموقوف في جميع طرقه إلا ما شذَّ: «القطع في ربع دينار فصاعدًا». وزاد يحيى قبله: «ما طال عليَّ ولا نسيتُ». والمدار في هذا الباب على غلبة الظن، ولا ريب أن من تدبَّر الروايات غلب على ظنه غلبةً واضحةً صحةُ كلٍّ من الخبرين، وأنه لا تعارض بينهما، وعلم أن الحمل على الخطأ بعيد جدًّا. هذا، وقد قال ابن التركماني (٣): «قال الطحاوي: حدثني غير واحد من أصحابنا من أهل العلم عن أحمد بن شيبان الرملي، ثنا مؤمَّل بن إسماعيل الرملي (كذا)، عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن عمرة، عن عائشة قالت: يُقطع السارقُ في ربع دينار فصاعدًا. قال أيوب: وحدَّث يحيى، عن عمرة، عن عائشة، ورفعه. فقال له عبد الرحمن: إنها كانت لا ترفعه، فترك يحيى رفعه».

стр. 1118

وبمثل هذا السند لا يثبت هذا الخبر عن حماد بن زيد (١)، لكن يظهر أن [٢/ ١٢٧] له أصلًا. فقد تقدم رواية سعيد بن أبي عروبة وأبان بن يزيد، عن يحيى، عن عمرة، عن عائشة مرفوعًا باللفظ الذي رواه الأثبات الذين رفعوا الحديث: «تُقطع يد السارق في ربع دينار فصاعدًا». وروى مالك وابن عيينة، عن يحيى، عن عمرة أن عائشة قالت: «ما طال عليَّ ولا نسيتُ: القطعُ في ربع دينار». وقوله: «القطع في ربع دينار» هو اللفظ الذي رواه الواقفون، فهذا يدل أنه كان عند يحيى كلا الخبرين، فكان يحدِّث بالمرفوع، فأنكر عليه بعضُ من لم يسمعه وسمع الموقوف، فأعرض يحيى عن رواية المرفوع صونًا لنفسه عن أن يتهمه مَن لا يعلم حقيقة الحال بالإصرار على الخطأ. هذا، وقد ذكر ابن عيينة رواية عبد الله بن أبي بكر وعبد ربه ورُزَيق ثم قال: «إلا أن في حديث يحيى ما قد دل على الرفع: ما نسيتُ ولا طال عليَّ، القطع في ربع دينار». اعترضه (٢) الطحاوي بقوله: «قد يجوز أن يكون معناها في ذلك: ما طال عليَّ ولا نسيتُ ما قطع فيه الرسول ﷺ مما كانت قيمته عندها ربع دينار». أقول: قد مرَّ دفعُ الاحتمال، وبيانُ أنه لا يُعرف فيما قطع فيه النبي

стр. 1119

صلى الله عليه وآله وسلم ما هو قليل إلا المجن. وقد دل حديث «الصحيحين» (١) عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة على أنها لم تكن تعرف المِجنَّ ولا قيمته. وبهذا يتبين أن رواية عبد الله بن أبي بكر وعبد ربه ورُزَيق تدل أيضًا على الرفع، فإن التقدير بربع دينار ليس مما يقال بالرأي، ولا يُعرف ما تأخذ عائشة منه ذلك إلا ما ثبت عنها عن النبي ﵌ من قوله. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. ثم جعجع الطحاوي بما عُلِم ردُّه مما تقدَّم، ثم قال (٢): «فلما اضطرب حديث الزهري على ما ذكرنا، واختُلِف على غيره عن عمرة كما وصفنا، ارتفع ذلك كله، فلم تجب الحجة بشيء منه إذ كان بعضه ينقض بعضًا». [٢/ ١٢٨] كذا قال، وقد أقمنا الحجة الواضحة على أنه لا اضطراب ولا تناقض (٣).

стр. 1120

ثم قال: «ورجعنا إلى أن الله قال في كتابه: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] فأجمعوا أن الله لم يَعْنِ بذلك كل سارق، وإنما عنى به خاصًّا ... فلا يدخل إلا ما قد أجمعوا أن الله تعالى عناه، وقد أجمعوا أن الله تعالى عنى سارق العشرة الدراهم». أقول: عليه في هذا أمور: الأول: دعواه الإجماعَ غير مقبولة. وفي «الفتح» (١) في تعداد المذاهب: «الأول: يُقطع في كل قليل وكثير، تافهًا كان أو غير تافه. نُقِل عن أهل الظاهر والخوارج، ونُقل عن الحسن البصري. وبه قال أبو عبد الرحمن ابن بنت الشافعي ... الثالث: مثل الأول إلا إن كان المسروق شيئًا تافهًا، لحديث عروة الماضي: «لم يكن القطع في شيء من التافه»، ولأن عثمان قَطَع في فخارة خسيسة، وقال لمن يسرق السياط: لئن عُدْتم لأقطعنَّ فيه. وقطع ابن الزبير في نعلين. أخرجهما ابن أبي شيبة (٢). وعن عمر بن عبد العزيز أنه قطع في مُدٍّ أو مُدَّين. الرابع: تُقطع في درهم فصاعدًا. وهو قول عثمان البتِّي ... من فقهاء البصرة، وربيعة من فقهاء المدينة ... ». وأقول: لا أرى هذه المذاهب الثلاثة إلا متفقةً على إبقاء الآية على

стр. 1121

عمومها. وإنما المدار على تحقُّق اسمِ «السارق»، فإنه لا ريب أن عمومها إنما يتناول من يحقُّ عليه اسمُ «السارق»، ولا ريب أنَّ مَن أخذ لوزةً أو تمرةً أو نحو ذلك لا يتبيَّن أنه يحقُّ عليه اسمُ «السارق». وهذا لازم [٢/ ١٢٩] للمذهب الأول، إذ يمتنع أن يقول عالم أن مَن أخذ حبةَ بُرٍّ مثلًا حقَّ عليه اسم «السارق». وأما المذهب الثالث، فلعل قائله نحا هذا المنحى أي أن الشيء التافه الذي لا يتبين أنه يحقُّ على آخذه اسمُ «السارق» = لا يتبيَّن دخولُه في الآية، والقطع إنما هو على من يتبيَّن دخولُه فيها. وأما المذهب الرابع، فالبتِّي وربيعة الرأي كانا ممن يتفقَّه ويتعانى الرأيَ والنظر، فكأنهما رأيا أن التفاهة التي لا يتبيَّن بها الدخول في الآية معنًى غيرُ منضبط، فرأيا ضبطَها بالدراهم. الأمر الثاني: هَبْ أنه سلِمَ للطحاوي ما ادعاه من الإجماع، فقد علِمنا أن ظاهر القرآن وجوبُ القطع على كل سارق، وظاهر القرآن حجة قطعًا. ويوافقه حديث «الصحيحين» (١): «لعن الله السارقَ يسرق البيضةَ فتُقطَع يدُه، ويسرق الحبلَ فتُقطَع يدُه». وهذه الحجة لا يجوز الخروج عنها إلا بحجة. فإن لم يثبت من السنة ما يوجب إخراج شيء من ذاك العموم رجعنا إلى الإجماع، فإن كان هناك إجماع على خروج شيءٍ خَرجَ ذاك الشيء. فأما ما اختلُف فيه، فقيل بخروجه، وقيل ببقائه؛ فهو باقٍ على ظاهر القرآن؛ لأن القائلين بخروجه بعض الأمة، وليس في قول بعض الأمة حجةٌ يُترَك بها ظاهرُ القرآن. فإن قيل: فقد اختلف النُّظَّارُ في العامِّ الذي قد خُصَّ، فقال بعضهم: إنه

стр. 1122

لا يبقى حجة في الباقي. قلت: هذا قول مخالف لإجماع السلف، وقد رغب عنه الحنفية أنفسهم، وتمام الكلام في ردِّه في أصول الفقه. الأمر الثالث: هَبْ أنه قويتْ دعوى الإجماع، وقوي ما يترتب على ذلك من دعوى أن الآية صارت مجملة؛ ففي السنة الثابتة ما يكفي. فقد صحَّ حديث ابن عمر، واندفع ما عورض به. وصحَّ حديث عائشة، وبطلت دعوى اضطرابه. فثبت القطعُ في ثلاثة دراهم، وفي ربع دينار. وبقي النظر فيما هو أقل من ذلك، وليس هذا موضع البحث فيه. ثم ذكر الطحاوي (١) خبرَ المسعودي، عن القاسم، عن ابن مسعود: «لا تُقطَع اليد إلا في دينار أو عشرة دراهم». ورواه بعضهم (٢)، عن المسعودي، عن القاسم، عن أبيه. والمسعودي اختلط. ثم هو منقطع، لأن القاسم لم يدرك ابن مسعود. وكذلك أبوه عبد الرحمن، نفى جماعةٌ سماعَه من [٢/ ١٣٠] ابن مسعود، وأثبت بعضهم سماعَه منه لأحرفٍ معدودة ذكرها ابن حجر في «طبقات المدلسين» (ص ١٣)، ثم قال: «فعلى هذا يكون الذي صرَّح فيه بالسماع من أبيه (ابن مسعود) أربعة، أحدها موقوف. وحديثه عنه كثير ... معظمها بالعنعنة، وهذا هو التدليس».

стр. 1123

أقول: وليس هذا الخبر من تلك الأربعة. وروى الثوري (١) عن «حماد بن أبي سليمان، عن إبراهيم قال: قال عبد الله: لا تُقطَع اليدُ إلا في تُرْس أو حَجَفة. قلت لإبراهيم: كم قيمته؟ قال: دينار». والثوري يدلِّس. وحماد سيئ الحفظ، حتى قال حبيب بن أبي ثابت: «وكان حماد يقول: قال إبراهيم. فقلت: والله إنك لتكذب أو إن إبراهيم ليخطئ». وقد قال حماد نفسه لما قيل له: قد سمعتَ من إبراهيم؟ : «إن العهد قد طال بإبراهيم». وإبراهيم عن عبد الله منقطع. وما روي عنه (٢) أنه قال: «إذا قلت: قال عبد الله، فهو عن غير واحد عن عبد الله» لا يدفع الانقطاع، لاحتمال أن

стр. 1124

يسمع إبراهيم من (١) غير واحد ممن لم يلق عبد الله، أو ممن لقيه وليس بثقة (٢)، واحتمالِ أن يغفُلَ [٢/ ١٣١] إبراهيم عن قاعدته، واحتمالِ أن تكون قاعدته خاصة بهذا اللفظ «قال عبد الله»، ثم يحكي عن عبد الله بغير هذا اللفظ ما سمعه من واحد ضعيف، فلا يتنبه مَن بعده للفرق، فيرويه عنه بلفظ «قال عبد الله»، ولاسيَّما إذا كان فيمن بعده مَن هو سيئ الحفظ كحماد. وفي «معرفة علوم الحديث» للحاكم (ص ١٠٨) من طريق «خلف بن سالم قال: سمعت عدة من مشايخ أصحابنا تذاكروا كثرة التدليس والمدلِّسين، فأخذنا في تمييز أخبارهم، فاشتبه علينا تدليس الحسن بن أبي الحسن، وإبراهيم بن يزيد النخعي ... وإبراهيم أيضًا يُدخل بينه وبين أصحاب عبد الله مثل هُنَيّ بن نويرة، وسهم بن مِنجاب، وخِزامة الطائي، وربما دلَّس عنهم». وقد ذكر الأستاذ (ص ٥٦) قول يحيى الحِمَّاني: «سمعت عشرة كلُّهم ثقات يقولون: سمعنا أبا حنيفة يقول: القرآن مخلوق». فقال الأستاذ: «قول الراوي: سمعت الثقة، يُعَدُّ كرواية عن مجهول، وكذا الثقات». وما روي عن أبي حنيفة عن حماد عن إبراهيم: «لا تُقطَع اليدُ في أقل من ثمن الحَجَفة، وكان ثمنها عشرة دراهم» قولُ إبراهيم، وقد يكون إنما

стр. 1125

أخذ من عمرو بن شعيب، أو مما روي عن مجاهد وعطاء، وقد تقدَّم ما فيه. وقد روى الثوري (١) أيضًا عن عيسى بن أبي عزة، عن الشعبي, عن ابن مسعود أن النبي ﷺ قطع في مجنٍّ ثمنه خمسة دراهم. قال ابن التركماني (٢): «فيه ثلاث علل: الثوري مدلِّس وقد عنعن. وابن أبي عزة ضعَّفه القطان، وذكره الذهبي في كتابه في «الضعفاء». والشعبي عن ابن مسعود منقطع». أقول: أما الأولى فنعم، وأما الثانية فإنما حكى ذلك العُقَيلي (٣)، وهو لم يدرك القطَّان (٤)، [٢/ ١٣٢] ومع ذلك فهو جرح غير مفسَّر، وابن أبي عزة وثَّقه أحمد وابن معين وابن سعد. فأما الذهبي، فمعلوم أن قاعدته أن يذكر في «الميزان» (٥) كلَّ مَن تُكُلِّم فيه، ولو كان الكلام يسيرًا لا يقدح. وأما
следующие страницы →