عمومها. وإنما المدار على تحقُّق اسمِ «السارق»، فإنه لا ريب أن عمومها إنما يتناول من يحقُّ عليه اسمُ «السارق»، ولا ريب أنَّ مَن أخذ لوزةً أو تمرةً أو نحو ذلك لا يتبيَّن أنه يحقُّ عليه اسمُ «السارق». وهذا لازم [٢/ ١٢٩] للمذهب الأول، إذ يمتنع أن يقول عالم أن مَن أخذ حبةَ بُرٍّ مثلًا حقَّ عليه اسم «السارق». وأما المذهب الثالث، فلعل قائله نحا هذا المنحى أي أن الشيء التافه الذي لا يتبين أنه يحقُّ على آخذه اسمُ «السارق» = لا يتبيَّن دخولُه في الآية، والقطع إنما هو على من يتبيَّن دخولُه فيها. وأما المذهب الرابع، فالبتِّي وربيعة الرأي كانا ممن يتفقَّه ويتعانى الرأيَ والنظر، فكأنهما رأيا أن التفاهة التي لا يتبيَّن بها الدخول في الآية معنًى غيرُ منضبط، فرأيا ضبطَها بالدراهم.
الأمر الثاني: هَبْ أنه سلِمَ للطحاوي ما ادعاه من الإجماع، فقد علِمنا أن ظاهر القرآن وجوبُ القطع على كل سارق، وظاهر القرآن حجة قطعًا. ويوافقه حديث «الصحيحين» (١): «لعن الله السارقَ يسرق البيضةَ فتُقطَع يدُه، ويسرق الحبلَ فتُقطَع يدُه». وهذه الحجة لا يجوز الخروج عنها إلا بحجة. فإن لم يثبت من السنة ما يوجب إخراج شيء من ذاك العموم رجعنا إلى الإجماع، فإن كان هناك إجماع على خروج شيءٍ خَرجَ ذاك الشيء. فأما ما اختلُف فيه، فقيل بخروجه، وقيل ببقائه؛ فهو باقٍ على ظاهر القرآن؛ لأن القائلين بخروجه بعض الأمة، وليس في قول بعض الأمة حجةٌ يُترَك بها ظاهرُ القرآن.
فإن قيل: فقد اختلف النُّظَّارُ في العامِّ الذي قد خُصَّ، فقال بعضهم: إنه
стр. 1122
لا يبقى حجة في الباقي.
قلت: هذا قول مخالف لإجماع السلف، وقد رغب عنه الحنفية أنفسهم، وتمام الكلام في ردِّه في أصول الفقه.
الأمر الثالث: هَبْ أنه قويتْ دعوى الإجماع، وقوي ما يترتب على ذلك من دعوى أن الآية صارت مجملة؛ ففي السنة الثابتة ما يكفي. فقد صحَّ حديث ابن عمر، واندفع ما عورض به. وصحَّ حديث عائشة، وبطلت دعوى اضطرابه. فثبت القطعُ في ثلاثة دراهم، وفي ربع دينار. وبقي النظر فيما هو أقل من ذلك، وليس هذا موضع البحث فيه.
ثم ذكر الطحاوي (١) خبرَ المسعودي، عن القاسم، عن ابن مسعود: «لا تُقطَع اليد إلا في دينار أو عشرة دراهم». ورواه بعضهم (٢)، عن المسعودي، عن القاسم، عن أبيه.
والمسعودي اختلط. ثم هو منقطع، لأن القاسم لم يدرك ابن مسعود. وكذلك أبوه عبد الرحمن، نفى جماعةٌ سماعَه من [٢/ ١٣٠] ابن مسعود، وأثبت بعضهم سماعَه منه لأحرفٍ معدودة ذكرها ابن حجر في «طبقات المدلسين» (ص ١٣)، ثم قال: «فعلى هذا يكون الذي صرَّح فيه بالسماع من أبيه (ابن مسعود) أربعة، أحدها موقوف. وحديثه عنه كثير ... معظمها بالعنعنة، وهذا هو التدليس».
стр. 1123
أقول: وليس هذا الخبر من تلك الأربعة.
وروى الثوري (١) عن «حماد بن أبي سليمان، عن إبراهيم قال: قال عبد الله: لا تُقطَع اليدُ إلا في تُرْس أو حَجَفة. قلت لإبراهيم: كم قيمته؟ قال: دينار». والثوري يدلِّس. وحماد سيئ الحفظ، حتى قال حبيب بن أبي ثابت: «وكان حماد يقول: قال إبراهيم. فقلت: والله إنك لتكذب أو إن إبراهيم ليخطئ». وقد قال حماد نفسه لما قيل له: قد سمعتَ من إبراهيم؟ : «إن العهد قد طال بإبراهيم».
وإبراهيم عن عبد الله منقطع. وما روي عنه (٢)
أنه قال: «إذا قلت: قال عبد الله، فهو عن غير واحد عن عبد الله» لا يدفع الانقطاع، لاحتمال أن
стр. 1124
يسمع إبراهيم من (١) غير واحد ممن لم يلق عبد الله، أو ممن لقيه وليس بثقة (٢)، واحتمالِ أن يغفُلَ [٢/ ١٣١] إبراهيم عن قاعدته، واحتمالِ أن تكون قاعدته خاصة بهذا اللفظ «قال عبد الله»، ثم يحكي عن عبد الله بغير هذا اللفظ ما سمعه من واحد ضعيف، فلا يتنبه مَن بعده للفرق، فيرويه عنه بلفظ «قال عبد الله»، ولاسيَّما إذا كان فيمن بعده مَن هو سيئ الحفظ كحماد.
وفي «معرفة علوم الحديث» للحاكم (ص ١٠٨) من طريق «خلف بن سالم قال: سمعت عدة من مشايخ أصحابنا تذاكروا كثرة التدليس والمدلِّسين، فأخذنا في تمييز أخبارهم، فاشتبه علينا تدليس الحسن بن أبي الحسن، وإبراهيم بن يزيد النخعي ... وإبراهيم أيضًا يُدخل بينه وبين أصحاب عبد الله مثل هُنَيّ بن نويرة، وسهم بن مِنجاب، وخِزامة الطائي، وربما دلَّس عنهم».
وقد ذكر الأستاذ (ص ٥٦) قول يحيى الحِمَّاني: «سمعت عشرة كلُّهم ثقات يقولون: سمعنا أبا حنيفة يقول: القرآن مخلوق». فقال الأستاذ: «قول الراوي: سمعت الثقة، يُعَدُّ كرواية عن مجهول، وكذا الثقات».
وما روي عن أبي حنيفة عن حماد عن إبراهيم: «لا تُقطَع اليدُ في أقل من ثمن الحَجَفة، وكان ثمنها عشرة دراهم» قولُ إبراهيم، وقد يكون إنما
стр. 1125
أخذ من عمرو بن شعيب، أو مما روي عن مجاهد وعطاء، وقد تقدَّم ما فيه.
وقد روى الثوري (١) أيضًا عن عيسى بن أبي عزة، عن الشعبي, عن ابن مسعود أن النبي ﷺ قطع في مجنٍّ ثمنه خمسة دراهم. قال ابن التركماني (٢): «فيه ثلاث علل: الثوري مدلِّس وقد عنعن. وابن أبي عزة ضعَّفه القطان، وذكره الذهبي في كتابه في «الضعفاء». والشعبي عن ابن مسعود منقطع».
أقول: أما الأولى فنعم، وأما الثانية فإنما حكى ذلك العُقَيلي (٣)، وهو لم يدرك القطَّان (٤)،
[٢/ ١٣٢] ومع ذلك فهو جرح غير مفسَّر، وابن أبي عزة وثَّقه أحمد وابن معين وابن سعد. فأما الذهبي، فمعلوم أن قاعدته أن يذكر في «الميزان» (٥) كلَّ مَن تُكُلِّم فيه، ولو كان الكلام يسيرًا لا يقدح. وأما
стр. 1126
الثالثة فنعم، ولكن الشعبي جيِّد المرسَل، قال العجلي: «لا يكاد الشعبي يُرسل إلا صحيحًا». وقال الآجري عن أبي داود: «مرسل الشعبي أحبُّ إليَّ من مرسل النخعي».
والظاهر أنه إن صح عن ابن مسعود شيء، فهو في ذكر القطع في المجنِّ مطلقًا. وأما التقويم، [٢/ ١٣٣] فممن بعده أخذًا من حديث أنس عن أبي بكر وسيأتي، أو يكون ابن مسعود إنما ذكر قطع أبي بكر.
стр. 1127
وروى الشافعي (١) عن ابن عيينة عن حميد الطويل قال: «سمعت قتادة يسأل أنس بن مالك عن القطع. فقال: حضرتُ أبا بكر قَطَع سارقًا في شيء ما يسوَى ثلاثة دراهم. أو: ما يسرُّني أنه لي بثلاثة دراهم». وقد رواه أبو حاتم الرازي، عن الأنصاري، عن حميد. وفيه: «ما يسرُّني أنه لي بثلاثة دراهم» بدون شك. أخرجه البيهقي (٢). ولا يلزم من قول أنس: «ما يسرني ... » أن تكون القيمة أقل من ثلاثة دراهم؛ فإنَّ من لا يحتاج إلى سلعة لا يسرُّه أنها له بقيمة مثلها، وإنما يسرُّه أن تكون بأقل من قيمتها، ليبيعها فيربح فيها، أو يدَّخرها لوقت الحاجة.
وقد روى قتادة عن أنس قصة أخرى، وهي أنه قُطِع في مجنٍّ قيمته خمسة دراهم. رواه النسائي (٣) والبيهقي في «السنن» (ج ٨ ص ٢٥٩) من طريق الثوري، عن شعبة، عن قتادة. ورواه النسائي (٤) أيضًا من طريق أبي داود الطيالسي قال: «حدثنا شعبة عن قتادة قال: سمعت أنسًا يقول: سرق رجل مجنًّا على عهد أبي بكر، فقُوِّم خمسةَ دراهم، فقُطِع». ورواه أبو هلال محمد بن سليم عن قتادة فقال: «عن أنس أن النبي ﷺ ... ». وأبو هلال ليس بعمدة، ولاسيَّما في قتادة. ورواه هشام عن قتادة فوافق أبا هلال. وسئل هشام مرةً فقال: «هو عن النبي ﷺ ، وإلا فهو عن أبي بكر». ورواه عبد الوهاب بن عطاء، عن سعيد، عن قتادة، عن أنس أن أبا بكر قطَع في
стр. 1128
مجنٍّ قيمته خمسة دراهم، أو أربعة دراهم. شكَّ سعيد. وصوَّب النسائي وغيره رواية شعبة، وذلك واضح. ومن أحبَّ تتبُّعَ هذه الروايات، فليراجع «سنن النسائي»، و «سنن البيهقي» (١).
وفي «مصنف ابن أبي شيبة» (٢) عن شريك، عن عطية بن مِقْسم، عن القاسم بن عبد الرحمن قال: «أُتيَ عمرُ بسارق، فأمر بقطعه. فقال عثمان: إن سرقته لا تساوي عشرة دراهم، قال: فأمرَ به عمرُ، فقُوِّمتْ ثمانيةَ دراهم، فلم يقطعه». القاسم لم يدرك عمر ولا كاد. وعطية مجهول الحال. وشريك سيئ الحفظ، ونسبه بعضهم إلى التدليس، كما مضى.
ورواه الثوري (٣)، عن عطية بن عبد الرحمن الثقفي، عن القاسم قال: «أُتيَ عمرُ بن الخطاب بسارق قد سرَق ثوبًا، فقال لعثمان: [٢/ ١٣٤] قوِّمه، فقوَّمه ثمانية دراهم، فلم يقطعه».
ويؤخذ من كلام البخاري وأبي حاتم (٤) أن عطية هذا هو الذي روى عنه شريك. فإن صحَّ هذا، فهو مجهول الحال، وإلا فكلاهما مجهول. ولو صحت القصة، فلفظ الثوري أقرب، ويكون تركُ القطع لمانع آخر كشبهة ظهرت. وسيأتي عن عثمان أنه قطَع في أُتْرُجَّة قُوِّمَتْ ثلاثةَ دراهم، ومرَّ عنه أنه قطع في فخارة خسيسة، فكيف يقول ما وقع في لفظ شريك!
стр. 1129
وفي «نصب الراية» (ج ٣ ص ٣٦٣) أن في «مصنف عبد الرزاق» (١): «عن معمر، عن عطاء الخراساني أن عمر بن الخطاب قال: مَنْ أخذ من الثمر شيئًا، فليس عليه قطعٌ حتى يأويَ الجرين، فإن أخذ منه بعد ذلك ما يساوي ربعَ دينار قُطِع». عطاء الخراساني لم يدرك عمر، لكن هذا أقوى من رواية عطية.
وفي «الفتح» (٢): «أخرجه ابن المنذر عن عمر بسند منقطع أنه قال: إذا أخذ السارق ربعَ دينار قُطِع». وفيه (٣) أن ابن المنذر أخرج من طريق منصور، عن مجاهد، عن ابن المسيب، عن عمر: «لا تُقطَع الخمسُ إلا في خمس». ابن المسيب عن عمر منقطع، إلا أنه جيد، لكن لا نعلم كيف السند إلى منصور؟ وأخرجه ابن أبي شيبة في «المصنف» (٤) من طريق قتادة عن ابن المسيب، وقتادة مشهور بالتدليس.
وروى مالك في «الموطأ» (٥)، وابن عيينة ــ كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (٦) ــ عن عبد الله بن أبي بكر عن عمرة أن سارقًا سرَقَ في زمن عثمان أترجَّةً، فأمر بها عثمان أن تُقوَّم، فقُوِّمت ثلاثَة دراهم من صرف اثني عشر درهمًا بدينار، فقطَع عثمان يدَه». وعمرة يقال: إنها ماتت سنة ٩٨، وعمرها سبع وسبعون سنة. فعلى هذا يكون سنُّها لمقتل عثمان فوق أربع عشرة سنة.
стр. 1130
وقد جاء عن عثمان ما هو أشدُّ من هذا، كما تقدم.
وروى حاتم بن إسماعيل كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (١)، وسليمان بن بلال كما في «سنن البيهقي» (٢) عن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن أبي طالب، عن أبيه، عن علي ﵁ أنه قطَع يد سارق في بَيضة حديد ثمنُها ربع دينار.
وقال الشافعي في «الأم» (ج ٦ ص ١١٦) (٣): «أخبرنا أصحاب جعفر، عن جعفر، عن أبيه أن عليًّا ﵁ قال: القطع في ربع دينار». محمد بن علي لم يدرك عليًا، لكن لم يعارِض هذا عن علي ما هو أقوى منه.
وإنما ذكر البيهقي [٢/ ١٣٥] في «السنن» (ج ٨ ص ٢٦١) أثرًا عن علي فيه: «لا تقطع اليد إلا في عشرة دراهم». ثم قال: «هذا إسناد يجمع مجهولين وضعفاء» (٤). فقال ابن التركماني (٥): «قد جاء من وجه آخر
стр. 1131
ضعيف، إلا أنه أجود من الرواية التي ذكرها البيهقي بلا شك. فروى عبد الرزاق (١) عن الحسن بن عمارة، عن الحكم بن عتيبة، عن يحيى بن الجزار، عن علي قال: لا تُقطع الكف (٢) في أقلَّ من دينار أو عشرة دراهم. فعدلَ البيهقي عن هذه الرواية إلى تلك لزيادة التشنيع».
أقول: وهذه ليست مما يُفرَح به! الحسن بن عمارة طائح، قال شعبة: «أفادني الحسن بن عمارة سبعين حديثًا عن الحكم، فلم يكن لها أصل». ونصَّ شعبة على أمثلةٍ منها سئل الحكمُ عنها فلم يعرفها. قال شعبة: «قال الحسن بن عمارة: حدثني الحكم، عن يحيى بن الجزار، عن علي ــ سبعة أحاديث، فسألتُ الحكم عنها فقال: ما سمعتُ منها شيئًا». وقال ابن المديني في الحسن بن عمارة: «كان يضع».
المسلك الثالث: لبعض مشاهير الحنفية في هذا العصر. كان الرجل مشهورًا بطول الباع وسعة الاطلاع والزهد والعبادة (٣)، وكان يقرِّر أن
стр. 1132
أحاديث «الصحيحين» قطعية الثبوت. [٢/ ١٣٦] وكان مع ذلك غايةً في الجمود على المذهب، والتفاني في الدفاع عنه. وفي مسلكه هذا ما يظهر منه علوُّ طبقته في ذلك. ذكر أن لأصحابه طرقًا في التملُّص من أحاديث «الصحيحين» في هذه المسألة، من ترجيح غيرها أو دعوى اضطرابها أو نسخها، وأنه لم يَرْتضِ شيئًا من ذلك، واختار طريقًا جديدًا يجمع بين الأدلة في زعمه.
وهو أن القطع أولًا كان في ثمن المجنّ، كما في حديث «الصحيحين» عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة، وكانت قيمة المجن أولًا قليلة، ثم أخذتْ تزيد بزيادة اتساع حال المسلمين حتى بلغت عشرة دراهم فأُقِرَّ الأمرُ عليها، وتُرِكَ اعتبارُ ثمن المجن. وذلك كما هو الحال عنده في الدية. قال: «وعلى نحو هذا حملتُ حدَّ الخمر ومقدارَ المهر».
أقول: لم أظفر بتطبيق الأخبار على هذا المسلك، لكن قد يقال: كان
стр. 1133
المعيار الشرعي لما يجب فيه القطع هو قيمة المجن، فكأنها كانت أولًا لا تزيد عن أقلِّ ما يحقُّ على آخذه اسم «السارق»، وحينئذ أنزل الله : ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، ثم كأنها ترقَّتْ قليلًا فصارت كقيمة الحبل والبيضة، وحينئذ قال النبي ﵌: «لعن الله السارقَ يسرق الحبلَ فتُقطعُ يده، ويسرق البيضة فتقطع يده» ثم ترقَّتْ فصارت ربع دينار، وهو عند الحنفية درهمان ونصف، وحينئذ قال النبي ﵌: «تقطع اليد في ربع دينار فصاعدًا»، ثم ترقت فصارت ثلاثة دراهم، وحينئذ قطع النبي ﵌ في مجنٍّ قيمته ثلاثة [٢/ ١٣٧] دراهم.
ثم كأنها بقيت كذلك إلى أن قطع أبو بكر في شيء يقول أنس: «ما يسرُّني أنه لي بثلاثة دراهم». ثم كأنها ترقَّت، فصارت خمسة دراهم. وحينئذ قطَع أبو بكر في مجنٍّ قيمته خمسة دراهم. وكأنها بقيت على ذلك إلى أوائل عهد عمر، وحينئذ قال ــ لو صحَّ عنه ــ: لا تُقطَع الخمسُ إلا في خمسٍ. ثم كأنها نقصت إلى درهمين ونصف، فحينئذ قال عمر ــ لو صحَّ عنه ــ: إذا أخذ السارقُ ربعَ دينار قُطِع. ثم كأنها ترقَّتْ، فصارت عشرة دراهم. وحينئذ امتنع ــ لو صحَّ عنه ــ من القطع في ما قيمته ثمانية دراهم.
ثم نقصت في عهد عثمان، وحينئذ قَطَع في أترجَّةٍ قيمتها ثلاثة دراهم، ثم ازدادت نقصًا، وحينئذ قَطَع في فخارة خسيسة. ثم تحسنت الحال قليلًا في زمن علي، وحينئذ قَطَع في بيضة حديدٍ قيمتها ربع دينار، وأفتت عائشةُ بالقطع في ربع دينار. ثم لا أدري متى عادت فترقَّتْ إلى عشرة دراهم، وحينئذ ــ بمقتضى هذا المسلك ــ نزل الوحيُ بإلغاء اعتبار قيمة المِجنّ، وأن يكون المعتبر هو العشرة الدراهم!
стр. 1134
ولعمري، لقد تكرَّر في الأخبار ذكرُ المِجنّ، وإنَّ بعضَ الألفاظ لَيُوهِم اعتبارَ المِجنّ، إلا أن الناس فهموا أن سبب التكرر هو أن أقلَّ ما قطع [فيه] النبي ﵌ مِجَنٌّ، وحملوا ما يُوهِم اعتبارَ المجن على ما تقدَّم مفصلًا. ولم يُعرِّجْ أحد منهم على هذا المسلك الطريف، ولكن:
لكل ساقطةٍ في الأرض لاقطةٌ ... وكلُّ كاسدةٍ يومًا لها سوقُ (١)
ومن العجيب أنه لم يرتضِ دعوى بعض أسلافه النسخَ، ثم وقع فيها؛ وأنه يقول: إن أحاديث «الصحيحين» قطعية الثبوت، ثم يخالف صرائحها، ويتشبث بما لم يثبت مما فيه ذكر العشرة!
فأما حديث هشام عن أبيه عن عائشة فاختلف فيه الرواة عن هشام سندًا ومتنًا.
أما السند، فمنهم من ذكر عائشة، ومنهم من لم يذكرها وجعله مرسلًا من قول عروة. نبَّه على ذلك البخاري في «الصحيح» (٢)، والصواب ذكر عائشة.
وأما المتن، فعلى ثلاثة أوجه:
[٢/ ١٣٨] الأول: ما رواه البخاري (٣) عن عثمان بن أبي شيبة، عن عبدة، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة «أن يد السارق لم تُقطَع على عهد النبي ﷺ
стр. 1135
إلا في مجنٍّ حَجَفةٍ أو تُرْسٍ». ثم روى البخاري (١) عن عثمان أيضًا، عن حميد «ثنا هشام، عن أبيه، عن عائشة. مثله».
الثاني: ما رواه البخاري (٢) عن محمد بن مقاتل، عن ابن المبارك، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة «لم تكن تُقطَع يدُ السارق في أدنى من حَجَفة أو تُرْسٍ كلُّ واحدٍ منهما ذو ثمن».
الثالث: رواه البخاري (٣) «حدثني يوسف بن موسى، ثنا أبو أسامة قال: هشام بن عروة أخبرنا عن أبيه، عن عائشة ﵂ قالت: لم تُقطع يدُ سارقٍ على عهد النبي ﷺ في أدنى من ثمن المِجنّ تُرْسٍ أو حَجَفةٍ، وكان كلٌّ منهما ذا ثمنٍ».
فالأول: مداره على عثمان بن أبي شيبة، عن عبدة وعن حميد، وقد خولف عن كل منهما. فرواه مسلم في «صحيحه» (٤) عن محمد بن عبد الله بن نمير عن حميد بسنده: «لم تُقطع يدُ سارق في عهد النبي ﷺ في أقلَّ من ثمن المِجنّ حَجَفةٍ أو تُرْسٍ، وكلاهما ذو ثمن». وهذا على الوجه الثالث كما ترى.
ورواه البيهقي في «السنن» (ج ٨ ص ٢٥٦) من طريق هارون بن إسحاق عن عبدة بسنده «لم تكن يد تُقطَع على عهد رسول الله ﷺ في أدنى من ثمن مِجنٍّ حَجَفة أو تُرْسٍ». وهذا على الوجه الثاني كما ترى.
стр. 1136
وبهذا بان ضعفُ الوجه الأول، بل ظاهره باطل؛ لأنه يعطي أن القطعَ لم يقع في عهد النبي ﷺ إلا مرة واحدة في ذاك المجن. وقد ثبت قطعُ سارق رداء صفوان الذي كانت قيمته ثلاثين درهمًا. وثبت قطعُ يد المخزومية التي كانت تستعير الحلي ثم تجحده.
وأما الوجه الثاني، فقد اختُلِف على عبدة كما رأيت. وكذلك اختُلِف على ابن المبارك. رواه النسائي (١)، عن سويد بن نصر، عن ابن المبارك، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة: «لم تُقطَع يدُ سارقٍ في أدنى من حَجَفةٍ أو تُرْسٍ، وكلُّ واحد منهما ذو ثمن».
وهذا على الوجه الثالث كما ترى. فبان رجحان الوجه الثالث، لأنه رواه عن هشام [٢/ ١٣٩] أبو أسامة، ولم يُختلَف عليه فيه. ورواه ابن نمير، عن حميد، عن هشام؛ وابنُ نمير أثبتُ من عثمان بن أبي شيبة. ورواه سويد بن نصر، عن ابن المبارك، عن هشام.
وقد رجَّح الشيخان والنسائي الوجه الثالث.
أما البخاري، فساقها على هذا الترتيب، ثم عقَّب بحديث ابن عمر، فأشار ــ والله أعلم ــ بالترتيب إلى ترتيبها في القوة. فالثاني أقوى من الأول، والثالث أرجح منهما. أو قل: أشار إلى أن الثاني يُفسِّر الأول من وجه، والثالث (٢) يُفسِّرهما جميعًا. وأشار بالتعقيب بحديث ابن عمر إلى أن هذا
стр. 1137
الحديث وحديث ابن عمر عن واقعة واحدة. فعائشةُ حفظت أنَّ أقلَّ ما قطَع فيه النبيُّ ﵌ هو ذاك المجن ولم تذكر قيمته، وابنُ عمر حفظ قيمتَه ولم يذكر أنه أقلُّ ما قطع النبيُّ ﵌ فيه.
وأما مسلم، فصدَّر بحديثه عن محمد بن عبد الله بن نمير وساقه بتمامه، وهو على الوجه الثالث كما مرَّ، ثم قال (١): «حدثنا عثمان بن أبي شيبة، أخبرنا عبدة بن سليمان وحميد بن عبد الرحمن ح وثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا عبد الرحيم بن سليمان ح وثنا أبو كريب، ثنا أبو أسامة= كلُّهم عن هشام بهذا الإسناد نحو حديث ابن نمير عن حميد بن عبد الرحمن الرؤاسي (٢). وفي حديث عبد الرحيم وأبي أسامة: «وهو يومئذ ذو ثمن». فحمَلَ سائر الروايات على حديث ابن نمير، وهو على الوجه الثالث كما مرَّ، ولم يعتدَّ بمخالفة بعضها له في الأوجه المذكورة، مع اعتداده بالاختلاف في قول ابن نمير: «وكلاهما ذو ثمن»، وقول عبد الرحيم وأبي أسامة: «وهو يومئذ ذو (٣) ثمن». ثم عقَّب مسلم ذلك بحديث ابن عمر.
وأما النسائي، فإنه مع تصدِّيه لجمع الروايات في ذكر المجنّ لم يسُقْ من طرقِ حديث هشام المذكورة إلا روايةَ سويد بن نصر عن ابن المبارك عن هشام، وهي على الوجه الثالث.
وصاحب هذا المسلك إنما يكون له متشبَّثٌ ما في الوجه الثاني، وقد
стр. 1138
علمتَ أنه مرجوح من جهة الرواية. وهكذا هو مرجوح من جهة النظر لما يأتي. وعلى فرض أنه لا يتبين أنه مرجوح، فلا يصحُّ التمسكُ بما اختص به بعض الروايات وخالفها غيرها؛ لأن الاختلاف إنما جاء [٢/ ١٤٠] من جهة الرواية بالمعنى، فلا يصح التشبث بواحدة منها حتى يترجح أنها باللفظ الأصلي أو موافقة له.
ومع هذا، فاللفظ الواقع في الوجه الثاني لا يتعين حمله على ما زعمه صاحب هذا المسلك، فإنه يحتمل أن يكون المراد أن السارق لم يكن يُقطَع فيما دون ثمن ذاك المجن الذي قطَع فيه النبيُّ ﵌. ولا مانع أن تعرف عائشة هذا، ولا تعرف قيمة ذاك المجن. وهذا المعنى أقرب وأولى مما زعمه صاحب هذا المسلك، فإنه يزعم أن المعنى أن اليد لم تكن تُقطَع إلا فيما يبلغ ثمنَ مجنٍّ من المَجان أيَّ مجنٍّ كان. وهذا بغاية البعد، فإن من المجانِّ الرديءَ البالي المعيب الذي تكون قيمته درهمًا واحدًا أو دونه، ومنها ما يزيد على ذلك زيادة متفاوتة، ولم يُعهَد من حكمة الشارع وإيثارِه الضبطَ: أن ينوط مثل هذا الحكم العظيم بمثل هذا الأمر الذي لا ينضبط.
فإن قيل: قد يختار مجنٌّ من أوسط الغالب على نحو ما قدَّمتَ أول المسألة.
قلت: أوسط الغالب بعيد أيضًا عن الانضباط، والذي تقدَّم إنما هو من بعضِ مَن بعدَ النبي ﵌، رأى أنه لا ينبغي القطع في أقل مما قطع فيه النبيُّ ﵌، وعرف أنه ذاك المجن ولم يعرف ثمنه، فاضطُرَّ إلى الحدس. والشارع لا ضرورة تُلجِئه ولا حاجة تدعوه إلى مثل هذا، فلماذا يعدل عن سنته من إيثار الضبط، وهو قادر على
стр. 1139
الضبط بالذهب أو الفضة، فيكون المناط ظاهرًا منضبطًا سهلَ المعرفة جاريًا على ما يعرفه الناس ويتعارفونه؟
فأما تقدير الدية بالإبل فذلك معروف متعارف من قبل الإسلام، وكان أغلب أموالهم الإبل، ووصفها الشارع بصفات معروفة تقرِّبها من الانضباط، ولا يُخشى بعد ذلك التباسٌ ولا مفسدة، كما يُخشى في نَوط القطع بثمن مِجنّ. فإنَّ مَنْ وجبت عليه الدية لا يلزمه أن يدفع النفيسة. فلو كانت عنده [ناقة] (١) نفيسة، وأراد أن يشتري بها عشرًا كلُّهن على وصف الدية مُكِّن من ذلك، فيشتري بتلك الناقة عشرًا ويدفعها، فتُحسَب له عشرًا. واحتمالُ أن لا يتمكن من ذلك بعيد. فإن اتفق ذلك، فللفقيه أن يقول: هي بمنزلة المعدومة، ويعدل إلى قيمة القدر الواجب من [٢/ ١٤١] الغالب، كما قيل بنحو ذلك في الزكاة. فأما إذا طابت نفسُ صاحبها فدفَعَها، فلا إشكال. والحنفية لم ينكروا وجوب الإبل، وإنما قالوا: إن الواجب هي أو ألف دينار، أو عشرة آلاف درهم، وإن التعيين بالتراضي أو القضاء.
وأقول: أما التراضي، فلا إشكال فيه. وكذلك القضاء إذا قضى القاضي بالإبل، أو بذاك المبلغ من الذهب أو الفضة، وهو قيمة الإبل. وأما إذا لم يكن ذلك قيمتها، فجعلُ الخِيَرةِ للقاضي منافٍ للعدل، وفتحٌ لباب اتباع القضاة للهوى، وأصول الشرع تأبى ذلك. والمقصود هنا أنه لا مفسدة في جعل الدية (٢) من الإبل، فإن الواجب الحقيقي هو أقلُّ ما يتحقق به الصفة. فالمستحق بين أن يحصل له حقه، وأن يحصل له دونه برضاه، وأن يحصل
стр. 1140
له فوقه برضا الدافع.
وعلى فرض أن المقوِّم أخطأ في التقويم، فالخطب سهل، إنما هو خسارة مالية يجبُرها الله من فضله.
وأما المجن، فإن قيل: إنه يُقطع في سرقته مطلقًا بأي صفة كان، فلا يخفى ما فيه. وإن قيل: لا يُقطع فيه إلا إذا كان بوصف مخصوص، فما هو ذاك الوصف؟ وما الدليل على تعيينه؟ وإن قيل: لا يُقطع فيه إلا إذا بلغت قيمته حدًّا معينًا، كما يدل عليه قول أنس (١): «سرق رجلٌ مِجنًّا على عهد أبي بكر، فقُوِّم خمسةَ دراهم، فقُطِع»، فهذا قولنا، وبطل هذا المسلك الطريف رأسًا.
وإذا كان المسروق ذهبًا أو فضة، فعلى ذلك المسلك ينبغي أن ينظر هل هو قيمة مجن أو لا؟ وهذا عكس المعروف المتعارف من اعتبار مقادير السِّلع بالذهب والفضة. وإذا كان المسروق سلعة أخرى احتيج إلى تقويمين، تقويم السلعة بالذهب أو الفضة، وتقويم المجن الذي لم تبيَّن صفته بالذهب أو الفضة، واحتمالُ الخطأ في ذلك أشد من احتماله في تقويم واحد.
فإن قيل: إنما كان ذلك في أول الأمر، ثم استقر الحال على العشرة الدراهم.
قلت: فهل كان الشارع يجهل عاقبة الأمر؟ وقد قال الشاعر:
رأى الأمرَ يُفضي إلى آخِرٍ ... فصيَّر آخرَه أوَّلا (٢)
стр. 1141
[٢/ ١٤٢] وإذا كان المجن لا يصلح أن يُجعل معيارًا مستمرًّا، فكذلك لا يصلح أن يكون معيارًا موقتًا بلا ضرورة ولا حاجة.
فإن قيل: قد يكون صاحب هذا المسلك إنما عنى ذاك المِجنَّ المعيَّن الذي قطع فيه النبي ﵌.
قلت: فيلزم أن يكون ذاك المِجنُّ بقي محفوظًا في بيت النبي ﵌، ثم في بيوت الخلفاء. فكلما رُفِعَ سارقٌ قُوِّم المسروقُ، ثم أُخرج ذاك المجنُّ، فقُوِّم بقيمة الوقت! وهذا باطل من وجوه:
منها: أنه لم يُنقل، ولو كان لَنُقِل لغرابته. ومنها: أن النقل يأباه. ومنها: أنه خلاف المعهود من براءة الشريعة عن مثل هذا التكلف الذي لا تُبرِّره حكمة. وكثيرٌ مما تقدَّم يرد على هذا أيضًا. وأشدُّ ذلك: الداهية الدهياء، وهي النسخُ بعد النبي ﵌.
فإن قيل: لعل صاحب هذا المسلك إنما أراد أن ذلك التدرج واستقرار الأمر على عشرة الدراهم كان كلُّه في حياة النبي ﵌.
قلت: ظاهر صنيعه خلاف ذلك، لتنظيره بحدِّ الخمر، ولأنه لا يجهل أنه لم يصح عن النبي ﵌ شيء في ذكر العشرة (١)، وإنما يصح ــ إن صحَّ شيء ــ عمن بعده وبعد الخلفاء الراشدين. وهَبْ أنه إنما أراد
стр. 1142
ما زعمت، لم يأت عليه بشبهة فضلًا عن حجة، ويرد عليه أكثر ما تقدم. وكيف يقول: إن أحاديث «الصحيحين» قطعية الثبوت، ثم ينسخها بما لم يثبت!
وأما قضية المهر فلم يثبت تحديده، وإنما اقتسر الحنفية قياسه على ما يُقطَع فيه السارق. والأصل باطل، والقياس أبطل.
وأما حدُّ الخمر، فالحق أنه أربعون. واستنبط الصحابة من تدريج الأمر في الخمر من حُكمٍ إلى أشدَّ منه رعايةً للحكمة جوازَ زيادة التشديد تعزيرًا، واستأنسوا لتحديد الزيادة بقولهم: «إنه إذا سكر هَذَى، وإذا هَذَى افترى» (١)، مع علمهم بأنه لا يلزمه بمجرد الاحتمال حكمُ [٢/ ١٤٣] المرتد ولا حكم المطلِّق، ولا غير ذلك مما يحتمل صدوره منه عند هذيانه. والسرقةُ لم يقع في تحريمها تدريجٌ، لا من حال إلى أشدَّ منها، ولا من حال إلى أخفَّ منها.
فإن قيل: قد يقال: إن للتدريج حكمةً، وهي أن الناس كانوا في ضيق، فكان المسروقُ منه يتضرَّر بأخذ اليسير من ماله، ثم اتسعوا فصار لا يتضرَّر إلا بأخذ أكثر من ذلك، وهكذا.
قلت: تعقُّلُ الحكمةِ لا يثبت به الحكم، مع أن ما ذكرتم يعارضه أن المناسب في زمن الضيق أن يخفَّف على السارق لكثرة الحاجة. وقد شهدت الشريعة في الجملة لهذا المعنى دون الأول، وذلك بدَرْء (٢) الحد
стр. 1143
عن المضطر، وما يُروَى عن بعض السلف أنه لا قطع في زمن المجاعة (١).
فإن قيل: إن المقدار لم يتغير في المعنى، لأن السِّلَع كلها أو غالبها تساير المجنّ، فالسلعة المسروقة التي تكون قيمتها خمسةً حين بلغ ثمنُ المجنِّ خمسة، كانت قيمتها ثلاثة حين كانت قيمة المجن ثلاثة، وهكذا الدراهم نفسها، فإن الثلاثة كانت أولًا تُغْني غَناءً لا تُغْنيه أخيرًا إلا الخمسة (٢) مثلًا.
قلت: هذا كله لا يُغْني فتيلًا فيما نحن بصدده. ثم هو غير مستقيم، فقد تغلو سلعة وترخص أخرى، ولا تزال تضطرب قيمتها ارتفاعًا وانخفاضًا إلى يوم القيامة. ولماذا إذا كان لوحظ ذاك المعنى وقع التحديد أخيرًا بالعشرة؟ وقد يزيد الاتساع، فتصير خمسة عشر لا تُغني إلا غناء الثلاثة، وقد يعود الضيق ويشتد أشدَّ مما كان أولًا. والمعروف إنما هو ضبط أثمان السلع بالدنانير والدراهم، لا ضبط الدنانير والدراهم بالسلع، فكيف بسلعةٍ لا تنضبط؟
وقد أطلتُ في ردِّ هذا المسلك، مع أنه لا يحتاج في ردِّه إلى هذا كلِّه، ولكن دعا إلى ذلك شهرةُ قائله. والله المستعان.
стр. 1144
[٢/ ١٤٤] المسألة الخامسة عشرة
القضاء بشاهد ويمين في الأموال
قال الأستاذ (ص ١٨٥): «وأما القضاء بشاهد ويمين، فلم يرد فيه ما هو غير معلَّل عند أهل النقد. وحديث مسلم فيه انقطاعان مع عدم ظهور دلالته على المتنازع (١) فيه، كما فُصِّل في محلِّه. والليث بن سعد ردَّ على مالك ردًّا ناهضًا في رسالته إليه ... حتى إن يحيى الليثي راوية «الموطأ» وغيرهم من كبار المالكية خالفوا مالكًا في المسألة. وكم بين الشافعية من خالف الشافعيَّ في المسألة! فسَلْ قضاةَ العصر ماذا كانت تكون النتيجة في الحقوق لو حكموا للناس بما يطالبون به بدون تكامل نصاب الشهادة؟ فضلًا عن الضعف الظاهر فيما يحتجُّون به في الأخذ بشاهد ويمين».
أقول: حديث مسلم هو قوله في «صحيحه» (٢): «حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ومحمد بن عبد الله بن نمير قالا: ثنا زيد ــ وهو ابن حُباب ــ ثني سيف بن سليمان، أخبرني قيس بن سعد، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قضى بيمينٍ وشاهد».
فأما الانقطاعان المزعومان، فأحدهما بين عمرو وابن عباس، والآخر بين قيس وعمرو.
أما الأول، فقال ابن التركماني (٣): «في «علل الترمذي»: سألت محمدًا
стр. 1145
(البخاري) عنه ــ أي هذا الحديث ــ فقال: عمرو بن دينار لم يسمع عندي هذا الحديث من ابن عباس».
أقول: ليس لهذه العندية ما يُسنِدها سوى أمرين:
الأول: أن محمد بن مسلم بن سَوْسَن الطائفي روى هذا الحديث عن عمرو بن دينار، فقال بعض الرواة عنه: عن عمرو، عن طاوس، عن ابن عباس. وبعضهم قال: عن عمرو، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس.
الثاني: استبعاد صحة الحديث، لعدم اشتهاره عن ابن عباس ومخالفته لظاهر القرآن.
فأما الأول، فقد أجاب عنه البيهقي (١) بأنه إنما جاء ذلك عن بعض الضعفاء. فأما [٢/ ١٤٥] الثقات، فرووه عن الطائفي، عن عمرو، عن ابن عباس، كما يأتي. ورواية الثقات لا تُعلَّل برواية الضعفاء.
أقول: ومع ذلك فلو صحَّ الوجهان المذكوران أو أحدهما لصحَّ الحديث أيضًا، كما صحَّح الشيخان (٢) حديث حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار، عن محمد بن علي، عن جابر في لحوم الخيل؛ مع رواية ابن عيينة وغيره له عن عمرو عن جابر (٣). ولهذا نظائر.
وأما الثاني، فالجواب عنه من وجهين:
الأول: أن ذاك الاستبعاد إن كان له وجه، فلا يُزيله إلا دعوى أن بين
стр. 1146
عمرو وابن عباس واسطة ضعيفة، إذ لو كان بينه وبينه ثقة لصح الحديث أيضًا كما مرَّ. وليس لأحد أن يفرض الواسطة الضعيفة هنا، فإن عمرًا لا يدلِّس مثل هذا التدليس، وإنما قد يُرسل ما سمعه من ثقة متفق عليه، كما أرسل عن جابر ما سمعه من محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عنه، ومحمد إمام حجة.
وقد تتبعت ما قيل إن عمرًا أرسله مثل هذا الإرسال غير الحديث السابق، فلم أجد إلا حديثًا حالُه كحال الحديث السابق. وذلك أن في «مسند أحمد» (ج ٣ ص ٣٦٨) (١): «ثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة، عن عمرو بن دينار، عن جابر ... ، قلت لعمرو: أنت سمعته من جابر؟ قال: لا». والحديث في «صحيح البخاري» (٢) من طريق ابن عيينة «قال عمرو: أخبرني عطاء أنه سمع جابرًا ... ». فبيْنَ عمرو وجابر في هذا عطاء بن أبي رباح، وهو إمام حجة.
ووجدت حديثين آخرين لم يتضح لي الإرسال فيهما، فإن صحَّ فالواسطة في أحدهما عكرمة وطاوس أو أحدهما، وفي الثاني: ابن أبي مليكة، وهؤلاء كلهم ثقات أثبات. فإن ساغ أن يقال في حديث رواه عمرو عن ابن عباس: لعله لم يسمعه منه، فإنما يسوغ أن يُفرَض أن عمرًا سمعه من ثقة حجة سمعه من ابن عباس.
وفي ترجمة عمرو من «تهذيب التهذيب» (٣): «قال الترمذي: قال
стр. 1147
البخاري: لم يسمع عمرو بن دينار من ابن عباس حديثَه عن عمر في البكاء على الميت. قال ابن حجر: قلت: ومقتضى ذلك أن يكون مدلِّسًا».
[٢/ ١٤٦] أقول: لم أظفر برواية عمرو ذاك الحديثَ عن ابن عباس، والقصة ــ وفيها الحديث ــ ثابتة في «صحيح مسلم» (١)، و «مسند الحميدي» (٢) من رواية عمرو، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس. فإن كان بعضهم روى الحديث عن عمرو عن ابن عباس، فلا ندري مَن الراوي؟ فإن كان ثقةً، فالحال في هذا الحديث كما تقدَّم، حدَّث به عمرو مرارًا عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس حتى عرف أن الناس قد عرفوا أنه لم يسمعه من ابن عباس، ثم قال مرةً على سبيل الفتيا أو المذاكرة: «قال ابن عباس»، وليس هذا بالتدليس. على أنه لا مانع من أن يسمع من ابن أبي مليكة عن ابن عباس القصة وفيها الحديث، ويسمع من ابن عباس نفسه الحديث. ولا مانع من أن يسمع الرجل الحديث من رجل عن شيخ، ثم يسمعه من ذلك الشيخ نفسه، ثم يرويه تارة هكذا، وتارةً هكذا. وهذا النوع يسمى «المزيد في متصل الأسانيد». وقد عد بعضهم منه حديث عمرو في لحوم الخيل.
وقد ذكر مسلم في مقدمة «صحيحه» (٣) أمثلةً مما قد يقع من غير المدلس من إرسال ما لم يسمعه، وذكر منها حديث عمرو بن دينار في لحوم الخيل، وقد مرَّ. وهذا حكمٌ من مسلم بأن عمرًا غير مدلس، وأن ما قد يقع عن (٤) مثل
стр. 1148
ذاك الإرسال ليس بتدليس. واحتج الشيخان بكثير من أحاديث عمرو التي لم يُصرِّح فيها بالسماع. واحتج مسلم (١) بحديث في المخابرة رواه ابن عيينة عن عمرو عن جابر، مع أنه قد ثبت عن ابن عيينة أن عمرًا لم يصرِّح فيه بالسماع من جابر. وهذا الترمذي (٢) حاكي الحكايتين عن البخاري صحَّح في حديث لحوم الخيل روايةَ ابن عيينة التي فيها: «عمرو عن جابر»، وخطَّأ حماد بن زيد في قوله: «عمرو، عن محمد بن علي، عن جابر» مع جلالة حماد وإتقانه، فلو كان عند الترمذي أن عمرًا يدلِّس لَما كان عنده بين الروايتين منافاة. والصحيح أنه لا منافاة ولا تدليس، كما مرَّ.
فأما ما في «معرفة الحديث» للحاكم (ص ١١١) في صدد كلامه في التدليس: «فليعلم صاحب الحديث أن الحسن لم يسمع من أبي هريرة ... وأن عامة حديث عمرو بن دينار عن الصحابة غير مسموعة»، فإنما قال ذلك في صدد من روى عمن لم يره قطُّ ولا سمع منه شيئًا. فإن تلك العبارة هي في صدد قوله (ص ١٠٩): «الجنس السادس من التدليس: قوم رووا عن شيوخ لم يروهم قطُّ ... ». وحاصل ذلك أن عمرًا يرسل عمن لم يره من الصحابة. وهذا ــ على قلة ما قد يوجد [٢/ ١٤٧] عن عمرو فيه ــ ليس بتدليس، وإنما يسمِّيه جماعة تدليسًا إذا كان على وجه الإيهام. فأما أن يرسل المحدِّث عمن قد عرف الناس أنه لم يدركه أو لم يلقه، فلا إيهام فيه، فلا تدليس.
وعادة أئمة الحديث إذا كان الرجل ممن يكثر منه هذا الإرسال أن
стр. 1149
ينصُّوا على أسماء الذين روى عنهم ولم يسمع منهم، كما تراه في تراجم مكحول، والحسن البصري، وأبي قلابة عبد الله بن زيد، وغيرهم. ولم نجد في ترجمة عمرو إلا قول ابن معين: «لم يسمع من البراء بن عازب». ولعله لم يرسل عن البراء إلا خبرًا واحدًا (١). وسماع عمرو من ابن عباس ثابت.
والحكم عندهم فيمن ليس بمدلِّس، ولكنه قد يرسل لا على سبيل الإيهام أن عنعنته محمولة على السماع، إلا أن يتبين أنه لم يسمع، كالحديث الذي رواه شعبة عن عمرو عن جابر، وقد تقدم. ووجه ذلك أنه لم يثبت عليه إلا أنه قد يُرسل لا على وجه الإيهام، ومعنى ذلك أنه لا يرسل إلا حيث يكون هناك دليل واضح على أنه لم يسمعه، فحيث وجدنا دليلًا واضحًا على عدم السماع فذاك، وحيث لم نجد كان الحكم هو السماع.
ألا ترى أن الثقة قد يخطئ، ومع ذلك فروايته محمولة على الصواب ما لم يقم دليل واضح على الخطأ، فأولى من ذلك أن يُحكَم بالاتصال في حديث من لم يُعرف عنه إلا الإرسالُ حيث لا إيهام؛ لأن المخطئ قد يخطئ حيث لا دليل على خطائه، بخلاف المرسل.
والحكم عندهم فيمن عُرف بالتدليس وكثُر منه، إلا أنه لا يدلِّس إلا فيما سمعه من ثقة لا شك فيه، أن عنعنته مقبولة، كما قالوه في ابن عيينة، فما بالك بما نحن فيه؟
стр. 1150
وأما عدم اشتهار الحديث عن ابن عباس، فلا يضرُّه بعد أن رواه عنه ثقة جليل فقيه، وهو عمرو بن دينار. وكم من حديث صحَّحه الشيخان وغيرهما مع احتمال أن يقال فيه مثلُ هذا أو أشدُّ منه. هذا حديث «إنما الأعمال بالنيات» عظيم الأهمية عند أهل العلم حتى قالوا: إنه نصف العلم، وهذا مما يقتضي اشتهاره. وفي روايته ما يشير إلى أن النبي ﵌ خطب به على المنبر (١)، وهذا مما يقتضي اشتهاره. وذُكِر فيه أن عمر بن الخطاب رواه وهو يخطب على المنبر، وهذا مما يقتضي اشتهاره. ومع ذلك لم يروه عن النبي ﵌ غير عمر بن الخطاب، ولا رواه عن عمر غير علقمة بن وقاص، ولا رواه عن علقمة غير محمد بن إبراهيم [٢/ ١٤٨] التيمي، ولا رواه عن محمد غير يحيى بن سعيد الأنصاري. ومع ذلك صحَّحه الشيخان وغيرهما، وجعلوه أصلًا من أصول العلم، بل جعلوه نصف العلم، كما مرَّ.
فإن قيل: لكن له شواهد.
قلت: وحديث القضاء بالشاهد واليمين كذلك، فقد جاء من رواية جماعة من الصحابة بأسانيد جيدة قد صححوا نظائرها. وجاء من رواية آخرين بأسانيد تصلح للاستشهاد. وجاء من مرسل عدةٍ من التابعين، وكان عليه عمل أهل الحجاز لا يُعرف عندهم خلافُه.
فإن قيل: فقد قلتَ في حديث ابن إسحاق، عن أيوب بن موسى، عن عطاء، عن ابن عباس في قطع يد السارق في ثمن المِجنّ، ما قلتَ.
стр. 1151
قلت: ذاك خبر اضطرب فيه ابن إسحاق أشدَّ اضطراب، وابن إسحاق في حفظه شيء، وجاءت أدلة تقضي بأنه من قول عطاء، لا من روايته عن ابن عباس، كما تقدم تفصيلُه في المسألة السابقة. وليس الأمر هاهنا كذلك، ولا قريبًا من ذلك. وقد تجتمع عدة أمور يقدح مجموعها في صحة الحديث، ومنها ما لو انفرد لم يَضُرَّ.
وأما مخالفته لظاهر القرآن ــ كما قد يشير إليه صنيع البخاري في «صحيحه» (١) ــ فكم من حديث صححه هو وغيره، وهو مخالف لظاهر القرآن، كحديث المنع من الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها (٢)، وحديث النهي عن أكل كل ذي ناب أو مخلب (٣)، وحديث النهي عن أكل لحوم الحمر الأهلية (٤)، وغير ذلك. وكم من دلالة ظاهرة من القرآن خالفها الحنفية أنفسهم، وقد تقدَّم شيءٌ من ذلك في المسألة الثانية عشرة. وذكر ابن حجر في «الفتح» (٥) أمثلة من ذلك، وبسط الشافعي الكلام في «الأم» (ج ٧ ص ٦ - ٣١) (٦). ومع ذلك فمخالفةُ حديث القضاء بشاهد ويمين لظاهر القرآن مدفوعةٌ، كما ستراه.
стр. 1152
قال الله ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ إلى أن قال: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ إلى أن قال: ﴿ذَلِكُمْ [٢/ ١٤٩] أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا﴾ إلى أن قال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢ - ٢٨٣].
إن قيل: أمر الله تعالى أن يُستشهد عند المداينة رجلان, فإن لم يكونا فرجل وامرأتان؛ فدل ذلك على أنه لا يثبت الحق عند التداعي عند الحاكم إلا بذلك.
فالجواب: إن أردتم أنه لا يثبت مطلقًا إلا بذلك، فهذا باطل؛ إذ قد يثبت الحق بالاعتراف، وبالنكول فقط عند الحنفية، ومع يمين المدعي عندنا. وإن أردتم أنه لا يثبت بشهادة إلا كذلك، فهذا لا يفيدكم؛ فإن الحديث إنما أثبته بالشاهد واليمين، لا بالشاهد وحده.
فإن قيل: لو كان يثبت بشاهد ويمين لما كان بالأمر برجلين أو رجل وامرأتين فائدة.
قلنا: بلى، له فوائد عظيمة:
الأولى: ما نصت عليه الآية: ﴿ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وهذا كما يحصل بالكتابة مع أن الحق لا يثبت بالكتاب وحده، فكذلك يحصل بالشهادة التامة. فإن القضاء بشهادة تامة
стр. 1153
أظهر في القسط والعدل من القضاء بشاهد ويمين، وأقوم للشهادة لأن كلًّا من الشاهدين يبالغ في التحفظ لئلا تخالف شهادته شهادة الآخر، وأبعد عن الريبة كما لايخفى. وقد دل الإتيان بصيغة التفضيل على أن أصل القسط، وقيام الشهادة، والبعد عن الريبة= قد يحصل بما هو دون ما ذُكر، فما هو؟ ليس إلا الشاهد واليمين، كما دل عليه الحديث. فالآية تدل على صحة الحديث، لأنه لو لم يكن صحيحًا لما كان هناك ما يحصل به ما اقتضته الآية.
الفائدة الثانية: أن ذلك أحوط للحق، إذ لو استُشهِد رجلٌ واحد فقط، فقد يموت قبل أداء الشهادة، أو يعرض له ما تفوت به شهادته، كالجنون أو النسيان أو الفسق أو الغَيبة، فإذا كانا اثنين فالغالب أنه لا يعرض لهما ذلك معًا. وهذه أدنى درجات الاحتياط نبهتْ عليها الآية، ولم تمنع مما فوقها، بل في هذا إشارة إلى أنه إذا اقتضت الحال ينبغي مظاهرة الاحتياط، وذلك كأن تكون مدة الدَّين طويلة كخمس عشرة سنة، ووجد شاهدان شيخين كبيرين، فينبغي الزيادة في عدد الشهود بحيث يغلب أنهم لا يموتون جميعًا قبل حلول الدين، أو يعرض لهم جميعًا ما تفوت به شهادتهم.
[٢/ ١٥٠] الفائدة الثالثة: أن الشاهد الواحد لا يثبت به الحق، بل لا بد معه من اليمين، وقد يكبر على المدعي أن يحلف خشية أن يتهمه بعض الناس، أو لأنه قد نسي القضية أو صفتها، أو لأنه لم يحضرها وإنما حضرها مورثه الذي قد مات. وقد يُجَنُّ الدائن أو يموت ويكون وارثه صبيًّا أو مجنونًا، فتتعذر اليمين وقت المطالبة، فيتأخر القضاء بالحق إلى أن يكمل صاحبه أو يموت.
стр. 1154
فإن قيل: ذكر البخاري في «الصحيح» (١) عن ابن شبرمة أنه احتج على أبي الزناد بالآية، وذكر قوله تعالى: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢]. قال: «قلت: إذا كان يُكتفَى بشهادة شاهد ويمين المدعي، فما يحتاج أن تُذكِّر إحداهما الأخرى؟ ما كان يصنع بذكر هذه الأخرى؟ ».
قلت: قد تقدم ما يُعلم منه الجواب. ولا بأس بإيضاحه، فأقول: يصنع بذكر الأخرى أنه إذا كان الرجل باقيًا حاضرًا جائز الشهادة أن تتم الشهادة، فيكون ذلك أقسط عند الله، وأقوم للشهادة، وأبعد عن الارتياب. ولا يتوقف ثبوتُ الحق على يمين المدعي، وقد تكبر عليه، أو تتعذر منه، فيضيع الحق أو يتأخر، كما تقدم. وإن كان الرجل قد مات أو عرض له ما فوَّت شهادته، شهدت المرأتان، وحلف المدعي معهما، وثبت الحق كما هو مذهب مالك. والظاهر أنه كان مذهب أبي الزناد، وهو مذهب قوي؛ فإن الآية أقامت المرأتين مقام رجل. وفي «الصحيحين» (٢) من حديث أبي سعيد الخدري في قصة خروج النبي ﵌ يوم العيد ومروره على النساء وموعظته لهن: «قال: «أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل؟ » قلن: بلى». وهذا قاضٍ بأن شهادة المرأتين في ما تُقبل فيه شهادتهن مثل شهادة رجل. فأما اشتراط الآية لاستشهاد المرأتين أن لا يكون رجل، فإنما هو ــ والله أعلم ــ لأن المطلوب في حق النساء الستر والصيانة، والشهادة تستدعي البروزَ، وحضورَ مجالس الحكام، والتعرضَ لطعن المشهود عليه.
стр. 1155
فقد اتضح بحمد الله ﵎ أنه ليس في الآية ما يتجه معه أن يقال: إن الحديث مخالف لظاهر القرآن، بل ثبت أن فيها ما يشهد له بالصحة.
وأما المخالفة لبعض الأحاديث الصحيحة، فذكروا هاهنا ما جاء في قصة الأشعث بن قيس [٢/ ١٥١] أنه ادعى على رجل، فقال له النبي ﵌: «شاهداك أو يمينه» (١). وحديث «الصحيحين» (٢) عن ابن عباس مرفوعًا: «لو يُعطى الناسُ بدعواهم لادعى ناسٌ دماءَ رجال وأموالَهم، ولكن اليمين على المدعى عليه» لفظ مسلم.
والجواب عن الحديث الأول: أنه في «الصحيحين» وغيرهما من طريق أبي وائل شقيق بن سلمة عن الأشعث بن قيس، واختلفت ألفاظ الرواة في ما قاله النبي ﵌. ففي رواية (٣): «شاهداك أو يمينه»، وفي أخرى (٤): «بيِّنتك أو يمينه»، وفي ثالثة أنه بدأ فقال للأشعث: «ألك بينة؟». قال الأشعث: قلت: لا. قال: «فليحلف». هكذا في «صحيح البخاري» (٥) في كتاب الأحكام في باب الحكم في البئر من طريق سفيان الثوري عن منصور والأعمش عن أبي وائل. وهكذا رواه أبو معاوية عن الأعمش إلا أنه قال: «فقال لليهودي: احلفْ». أخرجه البخاري (٦) في كتاب
стр. 1156
الشهادات من «صحيحه»، باب سؤال الحاكم المدعي: ألك بينة؟ ونحوه في «صحيح مسلم» (١) و «مسند أحمد» (ج ٥ ص ٢١١) (٢) من طريق أبي معاوية ووكيع عن الأعمش ــ إلى غير ذلك.
فلا ندري ما هو اللفظ الذي نطقَ به النبي ﵌، لكنْ أجلُّ مَن روى الحديث عن أبي وائل منصورٌ والأعمش، وأجلُّ مَن رواه عنهما سفيان الثوري، وهو إمام في الإتقان والفقه، وروايته هي الأشبه بآداب القضاء: أن يبدأ القاضي فيسأل المدعي: أله بيِّنة؟ فإن لم يكن له بينة وجَّه اليمينَ على المدعى عليه. والبينة كلُّ ما بيَّن الحق، فتصدق على البينة التامة، وهي ما لا يحتاج معها إلى يمين، وبالبينة (٣) الناقصة وهي ما يحتاج معها إلى يمين.
على أنه لو ثبت أن لفظ النبي ﵌: «شاهداك أو يمينه» فدلالةُ هذا على نفي القضاء بشاهد ويمين ليست بالقوية، ودلالة أحاديث القضاء بالشاهد واليمين واضحة.
فإن قيل: يقوِّي هذه أنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة.
قلت: فإن ظاهرها يقتضي أن لا تقبل شهادة رجل وامرأتين.
فإن قيل: يجوز أن يكون الأشعث قد علم قبولَ رجل وامرأتين.
قلت: ويجوز أن يكون قد علم قبول شاهد ويمين. والحق أنه يجوز أن لا يكون قد [٢/ ١٥٢] علِمَ ذا ولا ذاك، وليس هناك محذور؛ لأن من شأن
стр. 1157
المدعي أن يكون حريصًا على إظهار كلِّ ما يؤمِّل أن ينفعه، فلو كان له شاهد وامرأتان، أو شاهد فقط، أو امرأة واحدة، وقيل له: «شاهداك أو يمينه» = لقال: لا أجد شاهدين، ولكني أجد كذا. وقد نازع في تحليف المدعى عليه كما في بقية القصة، فإن فيها «قلت: يا رسول الله ما لي بيمينه؟ وإن تجعلها بيمينه تذهب بئري، إن خصمي امرؤ فاجر». أفتراه ينازع في هذا، ويأخذ بما يُشعِر به قولُ النبي ﵌ إن كان ما قاله «شاهداك»، فلا يقول: لي شاهد واحد، إن كان له؟
وأما الحديث الثاني، فأوله يبيِّن آخره، ويدل على أن محلّ قوله: «اليمين على المدعى عليه» حيث لا يكون للمدعي إلا دعواه فقط. وكما أنه لا يتناول من له شاهدان، لأنه لم يُعطَ بمجرد دعواه، وإنما أُعطِي بدعواه مع شهادة الشاهدين، فكذلك لا يتناول من له شاهد، لأنه إن أُعطِي فلم يُعطَ بمجرد دعواه.
وأما ما يقال: إن اختصاص المدعى عليه باليمين أصل من الأصول، فحديثُ القضاء بشاهد ويمين المدعي مخالفٌ للأصول= فتهويل. ويمكن دفعه بأن المدعي لما أقام شاهدًا عدلًا صار الظاهر بيده، فإذا أصرَّ المدعى عليه على الإنكار فهو مدّعٍ لبطلان ذاك الظهور، فقد صار المدعي في معنى المدعى عليه، وصار المدعى عليه في معنى المدعي. ويمكن معارضته بأصل آخر، وهو: أنه لا يحلَّف المدعى عليه مع وجود بينة للمدعي.
فإن قيل: ذاك إذا كانت بينة تامة.
قلت: لنا أن نمنع هذا. ويتحصل من ذلك أن المتفق عليه أنه لا يمين للمدعي حيث لا شاهد له، ولا يمين للمدعى عليه مع وجود بينة تامة. ويبقى ما إذا كان للمدعي شاهد واحد مترددا بين هذين الأصلين، فيؤخذ فيه بالدليل
стр. 1158
الخاص به، وقد ثبت الحديث بتحليف المدعي، فإن حلف صارت البينة في معنى التامة، وإن أبى صار في معنى من لا شاهدَ له أصلا. والله الموفق.
وأما الانقطاع الثاني (١) وهو بين قيس وعمرو، فلا وجه له، ولم يقله من يُعتَدُّ به. وقد تقدم أن البخاري كأنه استبعد صحة الحديث، ثم لم يكن عنده إلا أنه حدس أن عمرًا لم يسمعه [٢/ ١٥٣] من ابن عباس، وقد تقدم الكلام معه في ذلك. وهو الذي يشدِّد في اشتراط العلم باللقاء، فلو كان هناك مجال للشك في سماع قيس من عمرو لما تركه البخاري والتجأ إلى ذاك الحدس الضعيف الذي لا يُجدِي. وقيس وُلِدَ بعد عمرو، ومات قبله. وكان معه بمكة، وسمع كلٌّ منهما من عطاء وطاوس وسعيد بن جبير ومجاهد وغيرهم. وكان عمرو لا يدع الخروج إلى المسجد الحرام والقعود فيه إلى أن مات، كما تراه في ترجمته من «طبقات ابن سعد» (٢). وكان قيس قد خلف عطاء في مجلسه كما ذكره ابن سعد أيضًا (٣). وسمع عمرو من ابن عباس وجابر وابن عمر وغيرهم، ولم يدركهم قيس. فهل يُظَن بقيس أنه لم يلقَ عمرًا، وهو معه بمكة منذ ولد قيس إلى أن مات؟ أو لم يكونا يصلّيان معًا في المسجد الحرام الجمعة والجماعة؟ أو لم يكونا يجتمعان في حلقة عطاء وغيره في المسجد؟ ثم كان لكل منهما حلقة في المسجد قد لا تبعد إحدى الحلقتين عن الأخرى إلا بضعة أذرع. أوَ يُظنُّ بقيس أنه استنكف عن (٤)
стр. 1159
السماع من عمرو لأنه قد شاركه في صغار مشايخه، ثم يرسل عنه إرسالًا؟ وقد قاتل الأستاذ أشدَّ القتال لمحاولة دفع قولهم: إن أبا حنيفة الذي ولد سنة ثمانين بالكوفة ونشأ بها مُعرضًا عن سماع الحديث لم يسمع من أنس الذي عاش بالبصرة وتوفي بها سنة إحدى وتسعين، وقيل: بعدها بسنة أو سنتين. وليس بيده إلا أنه قد قيل: إن أبا حنيفة رأى أنسًا! وقد تعرضت لذلك في ترجمة أحمد بن محمد بن الصلت من قسم التراجم. ثم ترى الأستاذ هنا يجاري أصحابه في توهمهم الباطل مع وضوح الحال.
وسبب الوهم في هذا أن الطحاوي ذكر هذا الحديث فقال (١): «وأما حديث ابن عباس فمنكر، لأن قيس بن سعد لا نعلمه يحدِّث عن عمرو بن دينار بشيء». فتوهم جماعة ــ من آخرهم الأستاذ الكوثري ــ أن الطحاوي قصد بهذا أن قيسًا عن عمرو منقطع، لعدم ثبوت اللقاء، بناءً على القول باشتراط العلم به، القول الذي ردَّه مسلم في مقدمة «صحيحه»، ونقل إجماع أهل العلم على خلافه.
وعبارة الطحاوي لا تعطي ما توهَّموه، فإنه ادعى أن الحديث منكر، ثم وجَّه ذلك بقوله: «لأن قيس بن سعد لا نعلمه يحدِّث عن عمرو بن دينار بشيء»، ولم يتعرَّض لسماعه منه ولقائه له [٢/ ١٥٤] بنفي ولا إثبات. ولا ملازمة بين عدم التحديث وعدم اللقاء أو السماع، فإن كثيرًا من الرواة لقوا جماعة من المشايخ وسمعوا منهم، ثم لم يحدِّثوا عنهم بشيء.
فإن قيل: إنما ذاك لاعتقادهم ضعف أولئك المشايخ، وعمرو لم يستضعفه أحد.
стр. 1160
قلت: بل قد يكون لسبب آخر، كما امتنع ابن وهب من الرواية عن المفضَّل بن فَضالة القِتْباني لأنه قضى عليه بقضية، وامتنع مسلم من الرواية عن محمد بن يحيى الذهلي لما جرى له معه في شأن اختلافه مع البخاري. فكأن الطحاوي رأى أن قيسًا لو كان يروي عن عمرو لجاء من روايته عنه عدة أحاديث، لأن عمرًا كان أقدم وأكبر وأجلّ، وقد سمع من الصحابة، وحديثه كثير مرغوب فيه، وكان قيس معه بمكة منذ ولد. فحدَسَ الطحاوي أن قيسًا كان ممتنعًا من الرواية عن عمرو، فلما جاء هذا الحديث استنكره، كما قد نستنكر أن نرى حديثًا من رواية ابن وهب عن المفضل، أو من رواية مسلم عن محمد بن يحيى.
فإن قيل: فقد يكون لاستنكاره خشي انقطاعه.
قلت: كيف يُبنَى على ظنِّ امتناع قيسٍ من الرواية عن عمرو نفسه أن يُحمَل هذا الحديث على أنه أرسله عنه؟ بل المعقول أنه إذا امتنع من الرواية عنه نفسِه كان أشد امتناعًا من أن يروي عن رجل عنه، فضلًا عن أن يُرسِل عنه، أو بعبارة أخرى يدلِّس، وقيس غير مدلّس.
فإن قيل: فعلى ماذا يُحمل؟
قلت: أما الطحاوي، فكأنه خشي أن يكون سيف ــ وهو راوي الحديث عن قيس ــ أخطأ في روايته عن قيس عن عمرو.
فإن قيل: فهل تقبلون هذا من الطحاوي؟
قلت: لا، فإن أئمة الحديث لم يُعرِّجوا عليه. هذا البخاري مع استبعاده لصحة الحديث ــ فيما يظهر ــ إنما حدسَ أن عمرًا لم يسمعه من ابن عباس،