← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 337

التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل - ضمن «آثار المعلمي»

عبد الرحمن المعلمي اليماني

Полный текст (1 489 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

في خمسة أحاديث» فذكرها. قال ابن حجر في «التعجيل» (١): «وهذا عندي أَعْدَل الأقوال فيه». أقول: قد ظهرت عدالةُ الرجل أولًا، ثم عرضت تلك الأحاديث فاختلفوا فيها، فمنهم مَن عَذَره، ومنهم من رماه بسرقتها. فالذي ينبغي: التوقفُ عن سائر ما رواه عن غير الأشجعي، وقبولُ ما رواه عن الأشجعي، فإن ذلك من أصول الأشجعي باعترافهم جميعًا، ولم ينكروا منها شيئًا. وأحسب أن رواية الإمام أحمد وابنه عبد الله عن إبراهيم، إنما هي مما رواه من كتب الأشجعي. وقد يكون هذا رأي الأستاذ الكوثري، فقد احتجَّ (ص ٩٩): «حدثنا ... قال حدثني إبراهيم ابن أبي الليث قال حدثني الأشجعي ... ». فأما روايته هنا فهي عن الأشجعي، لكنها حكاية لا يظهر أنها كانت من أصول الأشجعي. والله أعلم. ٨ - إبراهيم بن محمد بن الحارث بن أسماء بن خارجة بن حصن بن حذيفة بن بدر أبو إسحاق الفزاري. في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٧٣ [٣٧٦]): « ... سمعت أبا إسحاق الفزاري يقول: سمعت أبا حنيفة يقول: إيمان أبي بكر الصديق وإيمان إبليس واحد. قال إبليس: يا رب، وقال أبو بكر الصديق: يا رب ... ». قال الأستاذ (ص ٤٠): «الفزاري كان يطلق لسانه في أبي حنيفة ويعاديه، من جهة أنه كان أفتى أخاه على موازرة إبراهيم القائم في عهد المنصور، فقتل في الحرب ... وحكمُ شهادة العدو في مذهب الشافعي ... معروف ... ويقول ابن سعد

стр. 212

في «الطبقات الكبرى»: [١/ ٩٢] كان كثير الغلط في حديثه. ويقول ابن قتيبة في «المعارف»: إنه كان كثير الغلط في حديثه. ومثله في «فهرست محمد بن إسحاق النديم». لكن ذلاقة لسانه في أبي حنيفة وأصحابه نفعته في رواج رواياته بين أصحاب الأغراض ... مع أن الواجب فيمن كان كثير الخطأ في حديثه الإعراض عن انفراداته ... ». وقال الأستاذ (ص ٧١): «سامح الله أبا إسحاق الفزاري كأنه فَقَد اتزانه من فَقْد أخيه، فأصبح يطلق لسانه في فقيه الملة في كل مجلس ومحفل، حتى في مجلس الرشيد، كما تجد ذلك في «تقدمة الجرح والتعديل» لابن أبي حاتم .... غاية ما فعل أبو حنيفة أن أفتى أخاه بما أراه الله حين استفتاه». وقال الأستاذ (ص ٧٣): «إنما شأنه في السير والمغازي، ولم يكن ابن سعد يرضاه فيها، ويذكره بكثرة الغلط، وابن سعد ذلك الإمام الكبير في السير والمغازي ... ». وقال (ص ٧٧): «قال ابن سعد في الفزاري: كان ثقة فاضلًا صاحب سنة وغزو، كثير الخطأ في حديثه». أقول: مدار كلام الأستاذ في أبي إسحاق على أمرين: الأول: قوله: إنه كان يعادي أبا حنيفة لإفتائه أخاه بالخروج، فخرج، فقتل. الثاني: كثرة الخطأ. فأما العداوة فيحاول الأستاذ أن يجعلها عداوة دنيوية لأجل الفتوى، مع أن ذكر الفتوى لم يقع إلا في روايةٍ ذُكِرت في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٨٤ [٣٩٧]) في سندها يزيد بن يوسف الشامي، فتكلم الأستاذ فيها (ص ٧٠):

стр. 213

قال: «يزيد بن يوسف الشامي يقول ابن معين فيه: ليس بثقة. ويقول النسائي: متروك». والكلام فيه أكثر من ذلك، حتى قال ابن شاهين في «الضعفاء» (١): «قال ابن معين: كان كذابًا». وقال ابن حبان: «كان سيئ الحفظ، كثير الوهم، يرفع المراسيل [ولا يعلم]، ويسند الموقوف ولا يفهم. فلما كثر ذلك منه سقط الاحتجاج بأفراده» (٢). فهذه الرواية ساقطة، والثابت رواية أخرى في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٨٤ [٣٩٨]) فيها عن أبي إسحاق: «قُتل أخي مع إبراهيم الفاطمي بالبصرة، فركبت لأنظر في تركته، فلقيت أبا حنيفة فقال لي: من أين أقبلت؟ وأين أردت؟ فأخبرته أني أقبلت من المَصِّيصة وأردت أخًا [١/ ٩٣] لي قُتل مع إبراهيم، فقال أبو حنيفة: لو أنك قُتِلت مع أخيك كان خيرًا لك من المكان الذي جئتَ منه ... ». وهناك رواية ثالثة في «تقدمة الجرح والتعديل» (٣) هي التي وقع فيها ما أشار إليه الأستاذ من إطلاق اللسان. وفي إسنادها نظر، ولا ذِكْر فيها للفتوى، ولو صحت لكانت أدلّ على عدم الفتوى. فالحاصل أن الثابت أن أبا إسحاق بلغه قتلُ أخيه مع إبراهيم بن عبد الله بن الحسن الخارج على المنصور، فقَدِم فلقي أبا حنيفة، فسأله

стр. 214

أبو حنيفة، فأجابه أنه جاء من المَصِّيصة ــ الثغر الذي كان أبو إسحاق يرابط فيه لجهاد الروم ودَفْعهم عن بلاد الإسلام ــ فقال أبو حنيفة: «لو أنك قُتِلْت مع أخيك كان خيرًا لك من المكان الذي جئتَ منه». ومن المعلوم أن أبا إسحاق حَبَس نفسَه غالبَ عمره على المرابطة في الثغر، والتعرّض للشهادة صباح مساء، فلم يكن ليغمَّه قتلُ أخيه إلا لكونه في فتنة، ولا لينقم على من رضي بقتل أخيه إلا لرضاه بما يراه فتنة، ولا ليستعظم قول من قال له: «لو أنك قتلت مع أخيك ... » إلا لما فيه من تفضيل قتال المسلمين في غير كُنْهِه عنده على الرباط والجهاد ودفع الكفار عن بلاد الإسلام. فهذا وغيره ــ مما يوجد في الروايات الأخرى، منها الرواية التي تقدمت أول الترجمة ــ هو الذي أحْفَظ أبا إسحاق على أبي حنيفة. فإن بلغ ذلك أن يسمَّى عداوة، فهي عداوة دينية، لا تُرَدّ بها الرواية بإجماعهم، كما تقدم في القواعد (١). وسواء أكان الصواب استحسان الخروج مع إبراهيم بن عبد الله بن الحسن وتفضيله على الجهاد والرباط كما رأى أبو حنيفة، أم خلافه كما كان يعتقده أبو إسحاق؟ فإن أبا إسحاق إما مصيب مشكور، وإما مخطئ مأجور. ولا بأس بالإشارة إلى وجهتي النظر: كان أبو حنيفة يستحبّ أو يوجب الخروج على خلفاء بني العباس لما ظهر منهم من الظلم، ويرى قتالهم خيرًا من قتال الكفار؛ وأبو إسحاق ينكر

стр. 215

ذلك. وكان أهل العلم مختلفين في ذلك، فمَنْ كان يرى الخروج يراه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والقيام بالحق، ومن كان يكرهه يرى أنه شقٌّ لعصا المسلمين، وتفريق لكلمتهم، وتشتيت لجماعتهم، وتمزيق لوحدتهم، وشغلٌ لهم بقتل بعضهم بعضًا؛ فتَهِنُ قوتُهم وتقوى شوكةُ عدوهم، وتتعطل ثغورهم فيستولي عليها [١/ ٩٤] الكفار ويقتلون من فيها من المسلمين ويُذِلُّونهم، وقد يستحكم التنازع بين المسلمين فتكون نتيجته الفشل المخزي لهم جميعًا. وقد جرَّب المسلمون الخروج، فلم يروا منه إلا الشرَّ. خرج الناس على عثمان يرون أنهم إنما يريدون الحق، ثم خرج أهل الجمل يرى رؤساؤهم ومعظّمهم (١) أنهم إنما يطلبون الحق، فكانت ثمرة ذلك بعد اللَّتيا والتي أن انقطعت خلافة النبوة وتأسست دولة بني أمية. ثم اضطر الحسين بن علي إلى ما اضطر إليه، فكانت تلك المأساة، ثم خرج أهل المدينة فكانت وقعة الحَرّة، ثم خرج القُرّاء مع ابن الأشعث فماذا كان؟ ثم كانت قضية زيد بن عليّ، وعرض عليه الروافض أن ينصروه على أن يتبرأ من أبي بكر وعمر، فأبى، فخذلوه، فكان ما كان. ثم خرجوا مع بني العباس فنشأت دولتهم التي رأى أبو حنيفة الخروجَ عليها. واحتشد الروافض مع إبراهيم الذي رأى أبو حنيفة الخروج معه، ولو كُتب له النصر لاستولى الروافض على دولته، فيعود أبو حنيفة يفتي بوجوب الخروج عليهم! هذا، والنصوص التي يحتجُّ بها المانعون من الخروج والمجيزون له

стр. 216

معروفة. والمحققون يجمعون بين ذلك بأنه إذا غلب على الظنّ أن ما ينشأ عن الخروج من المفاسد أخفُّ جدًّا مما يغلب على الظن أنه يندفع به، جاز الخروج، وإلا فلا. وهذا النظر قد يختلف فيه المجتهدان، وأولاهما بالصواب مَن اعتبر بالتاريخ، وكان كثيرَ المخالطة للناس، والمباشرة للحروب، والمعرفة بأحوال الثغور، وهكذا كان أبو إسحاق. وأما حال أبي إسحاق في الرواية، فنبدأ بتلك الكلمة: «كثير الخطأ في حديثه». هذه الكلمة نقلها الأستاذ عن ابن سعد، وابن قتيبة، وابن النديم. فأقول: ابن قتيبة وابن النديم لا شأن لهما بمعرفة الرواية والخطأ والصواب فيها وأحوال الرواة ومراتبهم. وإنما فنّ ابن قتيبة معرفة اللغة والغريب والأدب. وابن النديم رافضيّ ورَّاق، فنُّه معرفة أسماء الكتب التي كان يَتَّجِر فيها؛ وإنما أخذا تلك الكلمة من ابن سعد. وابن سعد هو محمد بن سعد بن منيع كاتب الواقدي، روى الخطيب (١) في ترجمته: أن مصعبًا الزبيري قال لابن معين: «حدثنا ابن سعد الكاتب بكذا وكذا» فقال ابن معين: «كذَب». [١/ ٩٥] واعتذر الخطيب عن هذه الكلمة وقال: «محمد عندنا من أهل العدالة، وحديثه يدلّ على صدقه .. ». وقال أبو حاتم: «يصدق» (٢). ووفاة ابن سعد سنة ٢٣٠، فقد أدركه أصحاب الكتب الستة إدراكًا واضحًا، وهو مقيم ببغداد حيث كانوا يتردَّدون، وهو مُكثر من الحديث

стр. 217

والشيوخ، وعنده فوائد كثيرة؛ ومع ذلك لم يُخرجوا عنه شيئًا، إلا أن أبا داود روى عن أحمد بن عبيد ــ وستأتي ترجمته (١) ــ عن ابن سعد عن أبي الوليد الطيالسي أنه قال: «يقولون: قبيصة بن وقّاص له صحبة» (٢). وهذه الحكاية ليست بحديث ولا أثر، ولا ترفعُ حكمًا ولا تضعُه. والأستاذ كثيرًا ما يتشبَّث في التليين بعدم إخراج أصحاب الكتب الستة للرجل مع ظهور العذر، كما تقدّم في ترجمة إبراهيم بن شَمَّاس. فأما ابن سعد، فلا مظنة للعذر إلا أنهم رغبوا عنه. وأظن الأستاذ أول من منح ابن سعد لقب: «الإمام»، ولم يقتصر عليه بل قال: «الإمام الكبير»، وتغاضى الأستاذ عن قول ابن سعد في أبي حنيفة، فإنه ذكره في موضعين من «الطبقات» (ج ٦ ص ٢٥٦) (٣) و (ج ٧ قسم ٢ ص ٦٧) (٤) وقال في كلا الموضعين: «وكان ضعيفًا في الحديث» ولم يقرن هذه الكلمة بشيء مما قرن به كلمته في أبي إسحاق، فلم يقل: «ثقة»، ولا «فاضل»، ولا «صاحب سنة»! ومع ذلك فليس ابن سعد في معرفة الحديث ونقده ومعرفة درجات رجاله في حدِّ أن يُقبَل منه تليينُ مَنْ ثبَّته غيرُه، على أنه في أكثر كلامه إنما

стр. 218

يتابع شيخه الواقدي، والواقدي تالف. وفي «مقدمة الفتح» (١) في ترجمة عبد الرحمن بن شريح: «شذَّ ابن سعد فقال: منكر الحديث. ولم يلتفت أحد إلى ابن سعد في هذا، فإن مادته من الواقدي في الغالب، والواقدي ليس بمعتمد». وفيها (٢) في ترجمة مُحارب بن دِثار: «قال ابن سعد: لا يحتجّون به. قلت: بل احتجَّ به الأئمة كلُّهم ... ولكن ابن سعد يقلِّد الواقدي». وفيها (٣) في ترجمة نافع بن عمر الجمحي: «قد قدمنا أن تضعيف ابن سعد فيه نظر، لاعتماده على الواقدي». وقد ردَّ الأستاذ (ص ١٦٨) قول إمام النقَّاد عليِّ ابن المديني في أبي حنيفة: «روى خمسين حديثًا أخطأ فيها». فقال الأستاذ: «لم يذكر وجه تخطئته في الحديث حتى يحتاج إلى الجواب، [١/ ٩٦] وهو على كل حال جرح غير مفسَّر». وذكر (ص ١٥٨) قول ابن أبي داود: «إن أبا حنيفة أخطأ في نصف أحاديثه». فقال الأستاذ: «فلا نشتغل بالرد على هذا الكلام المرسل منه جزافًا من غير أن يبيّن ما هو خطؤه، وفي أي حديث كان ذلك الخطأ». وذكر الأستاذ (ص ٩٠) قول ابن حبان (٤) في أبي حنيفة: «كان أجلَّ في نفسه من أن يكذب، ولكن لم يكن الحديث شأنه، فكان يروي فيخطئ من

стр. 219

حيث لا يعلم، ويقلب الإسناد من حيث لا يفهم. حدَّث بمقدار مائتي حديث أصاب منها في أربعة أحاديث، والباقية إما قلَبَ إسنادها أو غيَّر متنها». فأجاب الأستاذ جوابًا إجماليًّا يأتي مع النظر فيه في ترجمة ابن حبان (١) إن شاء الله. يدفع الأستاذ هذه النصوصَ وأضعافَها بأنها لم تفسَّر، ويتشبث في الغضِّ من أبي إسحاق بتلك الفخارة النيئة «كثير الخطأ في حديثه» محاولًا أن ينطح بها ذلك الجبل الشامخ! وإذ قد تحطمت تلك الفخارة على رأس حاملها، فلنذكر تقريظ الأئمة لأبي إسحاق (٢): أما ثقته، فقال ابن معين: «ثقة ثقة». وقال أبو حاتم: «الثقة المأمون الإمام». وقال النسائي: «ثقة مأمون أحد الأئمة». ووثقه جماعة غير هؤلاء واحتج به الشيخان في «الصحيحين» وبقية الستة والناس. وأما فقهه، فقال ابن المبارك: «ما رأيت رجلًا أفقه من أبي إسحاق الفزاري». وقال عبد الله بن داود الخُرَيبي: «لَقول أبي إسحاق أحبُّ إليَّ من قول إبراهيم النخعي». وأثنى عليه آخرون في الفقه. وأما معرفته بالسير، فقال ابن عيينة: «ما ينبغي أن يكون رجل أبصر بالسير (وفي نسخة: بالسنن) منه». وقال الخليلي: «أبو إسحاق يقتدى به

стр. 220

وهو صاحب «كتاب السير». نظر فيه الشافعي وأملى كتابًا على ترتيبه ورَضِيَه». وقال الحميدي: «قال لي الشافعي: لم يصنِّف أحد في السير مثله». وأما إمامته وفضله، فقال سفيان بن عيينة: «كان إمامًا». وقال أيضًا: «والله ما رأيت [١/ ٩٧] أحدًا أقدِّمه عليه». وقال الفضيل بن عياض: «ربما اشتقتُ إلى المَصِّيصة، وما بي فضل الرباط، بل لأرى أبا إسحاق». وقال أبو داود الطيالسي: «مات أبو إسحاق الفَزاري وليس على وجه الأرض أفضل منه». وقال عبد الرحمن بن مهدي: «إذا رأيت شاميًّا يحب الأوزاعي وأبا إسحاق فاطمئنّ إليه، كانا إمامين في السنة». وقال أبو أسامة: «سمعت فضيل بن عياض يقول: رأيت النبي ﵌ في النوم وإلى جنبه فرجة، فذهبت لأجلس، فقال: هذا مجلس أبي إسحاق الفزاري». والثناء على أبي إسحاق كثير، وفي هذا كفاية. فهؤلاء الأئمة ونظراؤهم الراضون عن أبي إسحاق والموافقون والمثنون عليه هم الذين سماهم الأستاذ فيما تقدم من عبارته «أصحاب الأغراض». وقال الأستاذ (ص ٦٦) في شأن أبي إسحاق: «حاله في عِلْمه كما علمت، وإنما وقعت ذلاقة لسانه في الوقوع في الناس موقع الإعجاب عند كثير ممن يحبون الوقوع في خصومهم بألسنة أناس آخرين، فرفعوه إلى غير مرتبته»! أقول: إذا كان هؤلاء ساخطين على أبي حنيفة هذا السخطَ الذي يصوِّره الأستاذ، فليت شعري من بقي غيرهم من أئمة الدين يسوغ أن يقال: إنه راض

стр. 221

عن أبي حنيفة؟ وهل بقي إلا كُسَير وعُوَير، وثالث ما فيه خير! وقال الأستاذ (ص ٧٧): «قال الحافظ (؟ ) ابن أبي العوّام: حدثني ... سمعت إسماعيل بن داود يقول: كان عبد الله بن المبارك يذكر عن أبي حنيفة، فكانوا إذا اجتمعوا بالثغر - يعني المَصِّيصة - لم يحدِّث ابن المبارك عن أبي حنيفة بشيء، ولا يذكر أبو إسحاق الفزاري أبا حنيفة بسوء حتى يخرج ابن المبارك». أقول: إن صحت هذه الحكاية، فإنما تدلُّ على أدب كل من الإمامين مع صاحبه، وحُسْن اعتقاده فيه. ولو كان ابن المبارك يرى أن أبا إسحاق يكذب على أبي حنيفة، ويحكي عنه ما لم يكن، ويتكلم فيه بالهوى؛ ما ساغ لابن المبارك أن يسكت. وإن تعجب فعجبٌ ما في التعليق على صفحة (٣٨٧) من المجلد (١٣) من «تاريخ بغداد» (١)، ونص ذلك: «أبو إسحاق الفزاري منكر الحديث، وهذان الخبران من مناكيره». أما إني لا أكاد أصدِّق أن مثل هذا يقع في مصر تحت سمع الأزهر وبصره! وقريب من هذا ما يأتي في [١/ ٩٨] ترجمة صالح بن أحمد (٢)، فإن القضية التي كشفتُ عنها في «الطليعة» (ص ١٢) (٣) يعتذر عنها الأستاذ في «الترحيب» (٤) بأنه قد سبقته إليها اللجنة

стр. 222

الأزهرية. والله المستعان. ٩ - إبراهيم بن محمد بن يحيى أبو إسحاق المزكِّي النيسابوري . في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٨٥ [٣٩٨]): «أخبرنا الحسن بن أبي بكر، أخبرنا إبراهيم بن محمد بن يحيى المزكّي النيسابوري، حدثنا محمد بن المسيب .. ». قال الأستاذ (ص ٧١): «لم يكن البَرقاني يرضاه، وتفصيل أحواله عند الخطيب». أقول: قال الخطيب في «التاريخ» (٦/ ١٦٨): « ... وكان ثقة ثبتًا مكثرًا مواصلًا للحج ... وكان عند البَرقاني عنه سَفَط أو سَفَطان، ولم يخرج عنه في «صحيحه» شيئًا، فسألته عن ذلك، فقال: حديثه كثير الغرائب، وفي نفسي منه شيء، فلذاك لم أرو عنه في «الصحيح». فلما حصلت بنيسابور في رحلتي إليها سألت أهلها ... فأثنوا عليه أحسن الثناء، وذكروه أجمل الذِّكْر. ثم لما رجعت إلى بغداد ذكرت ذلك للبرقاني فقال: قد أخرجت في «الصحيح» أحاديث كثيرة بنزول، وأعْلَم أنها عندي بعلوّ عن أبي إسحاق المزكي، إلا أني لا أقدر على إخراجها؛ لكبر السن، وضعف البصر، وتعذُّر وقوفي على خطي لِدِقّته، أو كما قال». أقول: فزال ما كان في نفس البرقاني من المزكّي، وعاد فَرضِيَه. وكانت نيسابور في ذاك العصر دار الحديث. وحكى الخطيب عن الحاكم قال: «كان إبراهيم بن محمد بن يحيى المزكي من العُبّاد المجتهدين ... عُقد له

стр. 223

الإملاء بنيسابور سنة ٣٣٦، وهو أسود الرأس واللحية، وزُكِّيَ في تلك السنة. وكنا نعدُّ في مجلسه أربعة عشر محدِّثًا، منهم أبو العباس الأصم، وأبو عبد الله بن الأخرم، وأبو عبد الله الصفار، ومحمد بن صالح، وأقرانهم». وكثرة الغرائب إنما تضر الراوي في أحد حالين: الأولى: أن تكون مع غرابتها منكرةً عن شيوخ ثقات بأسانيد جيدة. الثانية: أن يكون مع كثرة غرائبه غير معروف بكثرة الطلب. ففي الحال الأولى: تكون تَبِعة النكارة على الراوي نفسه، لظهور براءة من فوقه عنها. وفي الحال الثانية: يقال: من أين له هذه الغرائب الكثيرة مع قلة طلبه؟ فيتهم بسرقة الحديث كما [١/ ٩٩] قال ابن نُمير في أبي هشام الرفاعي: «كان أضعفنا طلبًا، وأكثرنا غرائب» (١). وحُفَّاظ نيسابور كانوا يعرفون صاحبهم بكثرة الطلب والحرص عليه وطول الرحلة وكثرة الحديث، ولازِمُ ذلك كثرةُ الغرائب. وعرفوه مع ذلك بالأمانة والفضل والثَّبْت، فلم يشكُّوا فيه، وهم أعرف به. ولذلك رجع البَرْقاني إلى قولهم. ١٠ - إبراهيم بن يعقوب أبو إسحاق الجُوزَجاني . قال الأستاذ (ص ١١٥): «في كتاب «الجرح والتعديل»: أخبرنا إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني ــ فيما كتب إليَّ ــ عن أبي عبد الرحمن المقري قال: كان أبو حنيفة يحدّثنا، فإذا فرغ من الحديث قال: هذا الذي سمعتم كله ريح وأباطيل. ثم قال: أخبرنا

стр. 224

إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني ــ فيما كتب إليَّ ــ حدثني إسحاق بن راهويه قال: سمعت جريرًا يقول: قال محمد بن جابر اليمامي: سرق أبو حنيفة كتب حماد مني». ثم قال الأستاذ: «وابن أبي حاتم من أعرف الناس أن الجوزجاني منحرف عن أهل الكوفة، حتى استقرَّ قول أهل النقد فيه على أنه لا يُقبل له قول في أهل الكوفة. وكان ناصبيًّا خبيثًا حريزي المذهب. أخرجت جارية له فروجة لتذبحها فلم تجد من يذبحها، فقال: سبحان الله! فروجة لا يوجد من يذبحها، وعليٌّ يَذبح في ضحوة نيفًا وعشرين ألف مسلم. فمثل هذا الخبيث يصدِّقه ذلك التقي في أبي حنيفة». أقول: أما الحكاية الأولى، فقد عُرف عن أبي حنيفة أنه يترك العمل بكثير من الأحاديث، كما يأتي في قسم الفقهيات إن شاء الله تعالى (١). والحنفية ــ ومنهم الأستاذ ــ يعتذرون عن ذلك بما هو معروف. وأما تركه العمل بكثير من الآثار عن الصحابة والتابعين فواضح، فأيُّ مانع أن يحدِّث بأشياء من ذلك، ثم يقول تلك الكلمة؟ وأما الحكاية الثانية فيأتي النظر فيها في ترجمة محمد بن جابر إن شاء الله تعالى (٢). وأما الجوزجاني فحافظ كبير متقن عارف، وثَّقه تلميذه النسائي جامع «خصائص علي» وقائل تلك الكلمات في معاوية، ووثقه آخرون. فأما ميل الجوزجاني إلى النَّصْب، فقال ابن حبان في «الثقات» (٣): «كان حَرِيزيّ المذهب ولم يكن بداعية، وكان صلبًا في السنة ... إلا أنه [١/ ١٠٠] من صلابته ربما كان يتعدَّى طورَه». وقال ابن عدي: «كان شديد الميل إلى

стр. 225

مذهب أهل دمشق في الميل على عليّ» (١). وليس في هذا ما يبيِّن درجته في الميل. فأما قصة الفروجة فقال ابن حجر في «تهذيب التهذيب» (٢): «قال السلمي عن الدارقطني بعد أن ذكر توثيقه: لكن فيه انحراف عن علي، اجتمع على بابه أصحاب الحديث، فأخرجت جارية له فروجةً ... ». فالسلمي هو محمد بن الحسين النيسابوري. ترجمته في «لسان الميزان» (ج ٥ ص ١٤٠) (٣)، تكلموا فيه حتى رموه بوضع الحديث. والدارقطني إنما ولد بعد وفاة الجوزجاني ببضع وأربعين سنة، وإنما سمع الحكاية على ما في «معجم البلدان» (جوزجانان) (٤) من عبد الله بن أحمد بن عَدَبَّس. ولابن عدبَّس ترجمة في «تاريخ بغداد» (ج ٩ ص ٣٨٤) و «تهذيب تاريخ ابن عساكر» (ج ٧ ص ٢٨٨) (٥) ليس فيهما ما يبيِّن حاله، فهو مجهول الحال، فلا تقوم بخبره حجة. وفوق ذلك فتلك الكلمة ليست بالصريحة في البغض، فقد يقولها من يرى أن فعل عليّ ﵇ كان خلاف الأولى، أو أنه اجتهد فأخطأ. وفي «تهذيب التهذيب» (ج ١٠ ص ٣٩١) عن ميمون بن مهران قال: «كنت أفضِّل عليًّا على عثمان، فقال عمر بن عبد العزيز: أيهما أحبّ إليك:

стр. 226

رجل أسرعَ في المال أو رجل أسرعَ في كذا ــ يعني الدماء؟ ــ قال: فرجعتُ وقلت: لا أعود». وهذا بيِّن في أن عمر بن عبد العزيز وميمون بن مهران كانا يريان فعل عليّ خلاف الأولى أو خطأ في الاجتهاد. ولا يُعدُّ مثل هذا نصبًا، إذ لا يستلزم البغض، بل لا ينافي الحبّ. وقد كره كثير من أهل العلم معاملة أبي بكر الصديق لمانعي الزكاة معاملة المرتدين ورأوا أنه أخطأ، وهم مع ذلك يحبونه ويفضِّلونه. فأما حطُّ الجوزجاني على أهل الكوفة، فخاصٌّ بمن كان شيعيًّا يبغض بعض الصحابة أو يكون ممن يُظَنُّ به ذلك، وليس أبو حنيفة كذلك. ثم قد تقدم في القاعدة الرابعة من قسم القواعد (١) النظر في حَطِّ الجوزجاني على الشيعة، واتضح أنه لا يجاوز الحدّ، وليس فيه ما يسوِّغ اتهامه بتعمّد الحكم بالباطل، أو يخدش في روايته ما فيه غضّ منهم أو طعن فيهم. وتوثيق أهل العلم له يدفع ذلك البتة، كما تقدم في القواعد. والله الموفق. ١١ - أحمد بن إبراهيم . راجع «الطليعة» (ص ٣١ - ٣٢) (٢). وقع في «الطليعة» (ص ٣١): [١/ ١٠١] «وذكر سماعه من شريك». اعترَضَها الأستاذ في «الترحيب» (٣) بأنه ليس في «تهذيب التهذيب» ذِكْر

стр. 227

ذلك. وصدق الأستاذ، وقع الوهم في «الطليعة» لسبب الاختصار، وصواب العبارة هكذا: «ذكر الخطيب سماعه من شريك، وذكر المزي في «التهذيب» شريكًا في شيوخه». ثم ذكر الأستاذ أنه لا يحتج بالخطيب فيما هو متّهم فيه. وأقول: قد تقدم في القواعد الكلام في التهمة (١)، والخطيب حجةٌ على كلّ حال، على أن نص الخطيب على سماع أحمد بن إبراهيم من شريك إنما وقع في ترجمة أحمد بن إبراهيم (٢)، حيث لا عين لذكر أبي حنيفة ولا أثر، وبين تلك الترجمة وترجمة أبي حنيفة تسعة مجلدات، والخطيب لا يعلم الغيب! ولو علمه لنصَّ على السماع عند تلك الحكاية نفسها. وكأن هَمّ الأستاذ في «الترحيب» أن يقال: قد أجاب، لا أن يقال: لعله قد أصاب! ١٢ - أحمد بن جعفر بن حمدان بن مالك أبو بكر القَطِيعي. في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٤١١ [٤٣٨]): «أخبرنا بشرى بن عبد الله الرومي، ثنا أحمد بن جعفر بن حمدان ... ». قال الأستاذ (ص ١٤١): «مختلط فاحش الاختلاط .... ». أقول: قضية الاختلاط ذكرها الخطيب في «التاريخ» (ج ٤ ص ٧٣) قال: «حدثت عن أبي الحسن بن الفرات .... »، وذكرها الذهبي في «الميزان» (٣)

стр. 228

عن ابن الصلاح قال: «اختلّ في آخر عمره حتى كان لا يعرف شيئًا مما يُقرأ عليه. ذكر هذا أبو الحسن بن الفرات». والظاهر أن ابن الصلاح إنما أخذ ذلك مما ذكره الخطيب، ولا ندري من حدَّث الخطيب، ومع الجهالة به لا تثبت القصة، لكن ابن حجر شدَّها بأن الخطيب حكى في ترجمة أحمد بن أحمد السِّيبي أنه قال: «قدمت بغداد، وأبو بكر بن مالك حي .... فقال لنا ابن الفرضي: لا تذهبوا إلى ابن مالك، فإنه قد ضَعُف واختلَّ، ومنعتُ ابني السماع منه». وهذه الحكاية في «التاريخ» (ج ٤ ص ٤)، لكن ليس فيها ما في تلك المنقطعة مما يقتضي فحش الاختلاط، وقد قال الذهبي في «الميزان» بعد ذكر الحكاية الأولى: «فهذا القول غلوّ وإسراف». [١/ ١٠٢] أقول: ويدل على أنه غلوّ وإسراف: أن المشاهير من أئمة النقد في ذلك العصر، كالدارقطني والحاكم والبرقاني، لم يذكروا اختلاطًا ولا تغيُّرًا. وقد غمزه بعضهم بشيء آخر. قال الخطيب: «كان بعض كتبه غرق، فاستحدث نسخَها من كتاب لم يكن فيه سماعه، فغمزه الناس؛ إلا أنَّا لم نر أحدًا امتنع من الرواية عنه، ولا ترك الاحتجاج به. وقد روى عنه من المتقدمين الدارقطني وابن شاهين ... سمعت أبا بكر البرقاني سئل عن ابن مالك فقال: كان شيخًا صالحًا ... ثم غرقت قطعة من كتبه بعد ذلك، فنسَخَها من كتاب ذكروا أنه لم يكن سماعه فيه، فغمزوه لأجل ذلك، وإلا فهو ثقة». قال الخطيب: «وحدثني البرقاني قال: كنت شديد التنقير عن حال ابن مالك، حتى ثبت عندي أنه صدوق لا يُشكُّ في سماعه، وإنما كان فيه بَلَه. فلما غرقت القطيعةُ بالماء الأسود غرق شيء من كتبه، فنسخ بَدَل ما غرق من

стр. 229

كتابٍ لم يكن فيه سماعه». أقول: أجاب ابن الجوزي في «المنتظم» (ج ٧ ص ٩٣) عن هذا بقوله: «مثل هذا لا يُطعَن به عليه، لأنه يجوز أن تكون تلك الكتب قد قُرئت عليه وعُورض بها أصله، وقد روى عنه الأئمة كالدارقطني وابن شاهين والبرقاني وأبي نعيم والحاكم» (١). أقول: وقال الحاكم: «ثقة مأمون». ونَسخُه ما غرق من كتبه من كتاب ليس عليه سماعه يحتمل ما قال ابن الجوزي، ويحتمل أن يكون ذاك الكتاب كان أصل ثقةٍ آخر كان رفيقه في السماع، فعرف مطابقته لأصله. والمدار على الثقة بصحة النسخة، وقد ثبت أن الرجل في نفسه ثقة مأمون. وتلك الحكاية تحتمل ما لا ينافي ذلك، فكان هو الظاهر. ولا أدري متى كان غرق القطيعة بالماء الأسود، وقد فتشتُ أخبار السنين في «المنتظم» فلم أره ذكر غرقًا بالماء الأسود (٢)، وإنما ذكر أنه في شهر رمضان سنة ٣٦٧ غرق بعض المحال منها قطيعة أم جعفر. فإن كان ذلك هو المراد، فإنما كان قبل وفاة القطيعي بنحو سنة واحدة، وقد سمع

стр. 230

الناس منه الكتب كلها قبل ذلك مرارًا، وأُخِذت منها عدة نسخ. والذين ذكروا الاستنساخ لم يذكروا أنه روى مما استنسخه [١/ ١٠٣]، ولو علموا ذلك لذكروه؛ لأنه أبين في التليين وأبلغ في التحذير. وليس من لازم الاستنساخ أن يروي عما استنسخه، ولا أن يعزم على ذلك؛ وكأنهم إنما ذكروا ذلك في حياته لاحتمال أن يروي بعد ذلك عما استنسخه. وقد قال الخطيب في «الكفاية» (ص ١٠٩): «ومذاهب النقَّاد للرجال غامضة دقيقة، وربما سمع بعضهم في الراوي أدنى مغمز، فتوقف عن الاحتجاج بخبره، وإن لم يكن الذي سمعه موجبًا لردِّ الحديث ولا مسقطًا للعدالة. ويرى السامع أن ما فعله هو الأولى؛ رجاءَ إن كان الراوي حيًّا أن يحمله على التحفُّظ وضبط نفسه عن الغميزة، وإن كان ميتًا أن ينزِّله مَنْ نَقَل عنه منزلتَه، فلا يُلحقه بطبقة السالمين من ذلك المغمز. ومنهم من يرى أن من الاحتياط للدين إشاعةُ ما سَمِع من الأمر المكروه الذي لا يوجب إسقاط العدالة بانفراده، حتى يُنْظَر هل [له] من أخوات ونظائر ... ». فلما ذكروا في حياة القطيعي أنه تغيّر، وأنه استنسخ من كتاب ليس عليه سماعُه، كان هذا على وجه الاحتياط، ثم لما لم يذكروا في حياته ولا بعد موته أنه حدَّث بعد تغير شديد، أو حدَّث مما استنسخه من كتاب ليس عليه سماعه، ولا استنكروا له رواية واحدة، وأجمعوا على الاحتجاج به كما تقدم= تبيَّن بيانًا واضحًا أنه لم يكن منه ما يخدش في الاحتجاج به. هذا، وكتب الإمام أحمد ك «المسند» و «الزهد» كانت نسخها مشهورة متداولة قد رواها غير القطيعي، وإنما اعتنوا بالقطيعي واشتهرت رواية

стр. 231

الكتب من طريقه لعلوِّ السند. ويأتي لهذا مزيد في ترجمة الحسن بن علي بن المُذْهِب (١). والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. ١٣ - أحمد بن جعفر بن محمد بن سلم . في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٦٩ [٣٧٠]): «أخبرنا محمد بن أحمد بن رزق، أخبرنا أبو بكر أحمد بن جعفر بن محمد بن سلم [الخُتَّلي] قال: أملى علينا أبو العباس أحمد بن علي بن مسلم الأ بَّار ... ». قال الأستاذ (ص ٣٢): «فابن رزق ... وأقل ما يقال في شيخه أنه متعصب أعمى البصيرة». أقول: ترجمة ابن سلم هذا في «التاريخ» (ج ٤ ص ٧١) وفيها: «كان صالحا ديِّنًا مكثرًا ثقة ثبتًا، كتب عنه الدارقطني. ثم نقل عن ابن أبي الفوارس قال: «توفي أبو بكر بن سلم ... سنة ٣٦٩، وكان ثقة». [١/ ١٠٤] والخطيب يروي بهذا السند من مصنفات الأ بَّار، وكذلك يروي عن الحسن بن الحسين ابن دوما، عن ابن سلم، عن الأ بَّار. فكل ما أسنده عن هذين عن ابن سلم عن الأ بَّار، فهو ثابت عن الأ بَّار حتمًا، لا شأن لهؤلاء الثلاثة ابن رزق وابن دوما وابن سلم فيه، فإن كانت تبعة فعلى الأ بَّار، وستأتي ترجمته (٢).

стр. 232

١٤ - أحمد بن الحسن بن جنيدب أبو الحسن الترمذي الحافظ الرحَّال صاحب أحمد ابن حنبل: في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٤١٨ [٤٤٨]): « ... أحمد بن الحسن الترمذي قال: سمعت أحمد بن حنبل يقول ... ». قال الأستاذ (ص ١٦٣): «وأحمد بن الحسن الترمذي من أصحاب أحمد، لا يقلّ تعصّبًا من عبد الله بن أحمد، وإن روى عنه البخاري حديثًا واحدًا في المغازي. وكم بين رجال البخاري من يؤخذ عنه شيء دون شيء». أقول: هذا الرجل معروف بالحفظ والمعرفة. أثنى عليه أبو حاتم وابن خزيمة، وهما ممن روى عنه. وروى عنه أبو زُرعة، ومن عادته أن لا يروي إلا عن ثقة كما في «لسان الميزان» (ج ٢ ص ٤١٦) (١). ولم يذكر بشيء من التعصب، لكن كونه من أصحاب أحمد وروى عنه تلك الكلمة كافٍ عند الأستاذ لرميه بشدَّة التعصب. وقد تقدم تحقيق حكم التعصّب في القوا</رمز>عد (٢). أما قلة رواية البخاري عنه، فلأنه من أقرانه، والبخاري كغيره من الأئمة يتحرَّى علوَّ الإسناد، فلا يكاد يروي في «الصحيح» عمن هو أكبر منه بقليل، فضلًا عن أقرانه؛ إلا ما أعوزه أن يجده عند مَنْ هو في طبقة كبار شيوخه. وإذا كان الرجل بحيث يؤخذ عنه الحديث في «الصحيح» فلأن تُؤخذ عنه الحكايات أولى.

стр. 233

١٥ - أحمد بن الحسن بن خيرون . قال الأستاذ (ص ٣١): «تكلم الحافظ أبو الفضل بن طاهر في أحمد بن الحسن المعروف بابن خيرون الذي كان [وصيَّ الخطيب عند وفاته وكأن] (١) الخطيب سلَّم إليه كتبه، فاحترقت تلك الكتب في بيت هذا الوصي، وبينها نسخة الخطيب من «تاريخ بغداد» حتى روى الناس «تاريخ الخطيب» من نسخة ابن خيرون لا عن [خط] الخطيب، وبَلَوْا فيها زيادات على ما كانوا سمعوه من الخطيب فقالوا: إن ابن خيرون هو الذي زادها [١/ ١٠٥] حتى رمى أبو الفضل [ابن طاهر] (٢) المقدسي ابنَ خيرون بكل سوء؛ وإن لم يعجب ذلك الذهبي، وقد نقل في «ميزان الاعتدال» عن ابن الجوزي أنه قال: سمعت مشايخنا يقولون: إن الخطيب أوصى [إلى] ابن خيرون أن يزيد وُرَيقات في «تاريخه» وكان لا يحب أن تظهر منه في حياته. فبذلك تعلم أن الزيادة فيه لا شكّ فيها، لكن هناك رواية أنها كانت بوصية من الخطيب، فتكون تَبِعة الزيادة على عاتق المؤلف نفسه؛ أو الزائد هو ابن خيرون، فيسقط ابن خيرون من مرتبة أن يكون مقبول الرواية على رأي أبي الفضل [ابن طاهر] المقدسي ... ومن الغريب أن المثالب الشنيعة المتعلقة بأبي حنيفة في «تاريخ الخطيب» لم تُذَعْ إلا بعد أن تحنَّف عالمُ الملوك الملك المعظَّم عيسى الأيوبي، ولذلك كان هو أول من ردّ عليها. ولو ذاعت المثالب قبل ذلك لما تأخر العلماء من الرد عليها، كما فعلوا مع عبد القاهر البغدادي وابن الجويني وأبي حامد الطوسي وغيرهم. وسبط ابن الجوزي ردَّ على الخطيب أيضًا في عصر الملك المعظَّم ... ». أقول: ابن خيرون ذكره ابن الجوزي في «المنتظم» (ج ٨ ص ٨٧) وقال: «روى عنه أبو بكر الخطيب، وحدَّثنا عنه أشياخنا، وكان من الثقات. وشهد

стр. 234

عند أبي عبد الله الدامغاني [قاضي القضاة الحنفي المشهور] (١) ثم صار أمينًا له». وفي «تذكرة الحفاظ» (ج ٤ ص ٧): «ذكره السمعاني فقال: ثقة عدل متقن واسع الرواية ... سمعت عبد الوهاب بن خيرون يقول: ما رُئيَ مثل أبي الفضل بن خيرون، لو ذكرت كتبه وأجزاءه التي سمعها يقول لك عمن سمع وبأي طريق سمع، وكان يذكر الشيخ وما يرويه وما ينفرد به ... ، قال أبو طاهر السلفي: كان كيحيى بن معين في وقته ... ، وقد ذكرتُ في «ميزان الاعتدال» كلام ابن طاهر فيه بكلام مردود، وأنه كان يُلحق بخطه أشياء في «تاريخ الخطيب»، وبيَّنَّا أن الخطيب أذن له في ذلك. وأما خطه فمشهور، وهو بمنْزلة الحواشي، فكان ماذا؟ ». وفي «الميزان» (٢): «أحمد بن الحسن بن خيرون أبو الفضل الثقة الثبت محدِّثُ بغداد. تكلم فيه ابن طاهر بقول زائف (٣) سَمِج، فقال: حدثني ابن مرزوق، حدثني عبد المحسن بن محمد قال: سألني ابن خيرون أن أحمل إليه الجزء الخامس من «تاريخ الخطيب» فحملته إليه، فردَّه [عليَّ] [١/ ١٠٦] وقد ألحَقَ فيه في ترجمة محمد بن علي رجلَين لم يذكرهما الخطيب، وألحق في ترجمة قاضي القضاة الدامغاني [الحنفي] (٤): «كان

стр. 235

نَزِهًا عفيفًا». وقال ابن الجوزي: قد كنت أسمع من مشايخنا أن الخطيب أمر ابن خيرون أن يُلحق وُرَيقات في كتابه ما أحبَّ الخطيبُ أن تظهر عنه. قلت: وكتابته لذلك كالحاشية، وخطه معروف لا يلتبس بخط الخطيب أبدًا، وما زال الفضلاء يفعلون ذلك. وهو أوثق من ابن طاهر بكثير، بل هو ثقة مطلقًا ... ». أقول: «تاريخ الخطيب» قُرئ عليه في حياته، ورواه جماعة. ويظهر أنها أُخِذت منه عدة نسخ في حياة الخطيب، على ما جرت به عادة المُثْرين من طلبة العلم والمجتهدين منهم، أن يستنسخ كلٌّ منهم الكتاب قبل أن يسمعه على الشيخ، ثم يسمع في كتاب نفسه ويصحح نسخته. وكثير منهم يستنسخ قبل كلّ مجلسٍ القطعةَ التي يتوقع أن تُقرأ في ذلك المجلس إلى أن يتمّ الكتاب. وعبد المحسن الذي روى ابن طاهر من طريقه ذكر الزيادة هو عبد المحسن بن محمد الشيحي. وفي ترجمته من «المنتظم» (ج ٩ ص ١٠٠): «أكثر عن أبي بكر الخطيب بصُور، وأهدى إليه الخطيب «تاريخ بغداد» بخطه، وقال: لو كان عندي أعزُّ منه لأهديته له». ومن الواضح أن الخطيب لا يهدي نسخته الوحيدة من تاريخه الجليل ويبقى بلا نسخة، فلا بدَّ أن تكون عنده نسخة أخرى. ومن البيِّن أن العالم لا يزال يحتاج إلى الزيادة في تآليفه، فلعله زاد في النسخة التي بقيت عنده أشياء لم تكن في النسخة التي أهداها لعبد المحسن. فإذا كانت هذه النسخة الأخيرة صارت لابن خيرون ــ كما يقول الأستاذ ــ فطلب ابن خيرون من عبد المحسن أن يبعث إليه بالجزء الخامس من نسخته، فألْحَقَ ما ألْحَق؛ فإن كان ألحق على

стр. 236

أنه من الكتاب، فإنما ألحق ذلك من نسخة الخطيب الأخيرة، وإن كان إنما كتب حاشية كما قال الذهبي فالأمر أوضح. وما ذكره الأستاذ: أن كتب الخطيب احترقت عند ابن خيرون، لا أتحققه. نعم، ذكروا احتراقًا، ولكن لم أجد نصًّا على أن نسخة الخطيب من «تاريخه» احترقت، ولا أن الناس إنما رووا «التاريخ» بعد ذلك عن نسخة لابن خيرون لا عن خط الخطيب؛ بل هذا باطل حتمًا. وقد علمتَ أنه كان عند عبد المحسن نسخة أخرى بخط الخطيب، ولا بد أن تكون عند غيره نُسَخ مما صُحِّح على نسخة الخطيب عند القراءة عليه. وقد روى جماعة منهم ابن الجوزي، وأبو [١/ ١٠٧] اليُمْن الكندي أستاذُ الملك المعظَّم، وخليلُه سبطُ ابنِ الجوزي «تاريخ بغداد» عن أبي منصور عبد الرحمن بن محمد القزاز يقول: «أخبرنا الخطيب» أو نحو ذلك. وفي ترجمته من «المنتظم» (ج ١٠ ص ٩٠): «سَمَّعه أبوه وعمُّه الكثير، وكان صحيح السماع». ولا بدّ أن تكون عنده نسخة أخرى سمع فيها من الخطيب وإلا لطعنوا فيه بأنه يروي مما ليس عليه سماعه. ثم رأيت في «معجم الأدباء» (ج ٤ ص ٣٨) (١): «قال السمعاني: لما رجعت إلى خراسان حصل لي «تاريخ الخطيب» بخط شجاع بن فارس الذهلي [الحافظ الثبت] الأصل الذي كتبه بخطه لأبي غالب محمد بن عبد الواحد القزاز، وعلى وجه كل واحد من الأجزاء: سماع لأبي غالب ولابنه أبي منصور عبد الرحمن ... ».

стр. 237

فهذه النسخة كتبها ذاك الحافظ الثبت بخطه، وسمع فيها القزّاز وولده على الخطيب، وصُححت على نسخته. ولا أدري أكانت عند الابن نسخة أخرى مما سمع على الخطيب فكان يروي منها، أم كان قد استنسخ من هذه التي بخط شجاع الذهلي نسخةً أخرى قوبلت على الأصل، وكتب العلماء شهادتهم بذلك ونقلوا سماعه إلى نسخته الجديدة، وباع الأصل حتى صار لابن السمعاني. وعلى كل حال فالنسخة التي كانت عند القزاز صحيحة عن الخطيب، ولا شأن لها بنسخة عبد المحسن، ولا بالنسخة التي كانت عند ابن خيرون، ولا بنسخة ابن خيرون. ونسختا ابن الجوزي والكندي أستاذ المعظم مأخوذتان عن نسخة القزاز، ونسختا سبط ابن الجوزي والمعظم تبع لذلك، وكان المعظم ملكًا مسلَّطًا متعصّبًا، وصاحبه سبط ابن الجوزي جوّالًا متفانيًا في هواه، وهما أول مَن ردّ على الخطيب كما ذكر الأستاذ، ولعلهما قد وقفا على عدة نسخ أخرى، فلو عرفا أن بين النسخ اختلافًا في الموضع الذي ردَّا عليه؛ لما سكتا عن بيان ذلك. فأما سكوت من قبلهما من علماء الحنفية عن الردِّ على الخطيب مع ردهم على غيره، فلأنهم أعقل منهما ومن الأستاذ، إنما ردوا على رسائل صغيرة من شأنها أن تشيع وتذيع. فأما ما في ذاك الموضع من «تاريخ بغداد» فرأوا أنه مدفون في كتاب كبير، لا يقف عليه إلا الأفراد، فتكلُّفُ الجواب إنما هو سعيٌ في انتشار ذلك واشتهاره، فعلموا أن السكوت أسلم. ولما خالفهم [١/ ١٠٨] الأستاذ وقع فيما تراه، وعلى أهلها تجني براقش! وقد ذكر ابن عساكر نسختين أخريين انظر «تاريخ دمشق» (ج ١ ص ٤٥

стр. 238

- ٤٦) (١). وقد حَقَّر الأستاذُ ابنَ خيرون، وعظَّم ابنَ طاهر والملكَ عيسى. فأما محمد بن طاهر فترجمته في «الميزان» و «لسانه» (٢) و «المنتظم» (ج ٩ ص ١٥٧) ويأتي له ذكر في ترجمة الخطيب (٣). ومن طالع ذلك وتدبر ما يعتمده الأستاذ علم أن ابن طاهر لو وقع في إسناد حكاية فيها غضٌّ من أبي حنيفة أو أحد أصحابه لحطَّ الأستاذ عليه أشنع حطٍّ، ولعله لا يتحاشى عن تكفيره، فضلًا عن تفسيقه. وأما الملك عيسى فحسبك أن تتتبع ما يحكيه عنه خليله (٤) في المجلد الأخير من تاريخه «مرآة الزمان» في مواضع متعددة، ويمنعني من نقل ذلك هنا أنه كان له مشاهد في قتال الكفار، وأنه حكي عنه ما يدلّ على محافظته على الصلاة حتى في مرض موته. والله أعلم. ١٦ - أحمد بن خالد الكرماني . في «تاريخ بغداد» (٢/ ١٧٨) «محمد بن إسماعيل التمار الرقي قال:

стр. 239

حدثني أحمد بن خالد الكرماني قال: سمعت المُقَدَّمي بالبصرة يقول: قال الشافعي ... ». قال الأستاذ (ص ١٨٣): «الكرماني مجهول». أقول: وأنا أيضًا لم أظفر له بترجمة ولا خبر إلا في هذه الرواية، أو ذكره في شيوخ التمار (١)، لكن مثل هذا لا يسوِّغ لأمثالنا أن يقول: «مجهول». وراجع «الطليعة» (ص ٨٦ - ٩٨) (٢). ١٧ - أحمد بن الخليل . راجع «الطليعة» (ص ٢٠ - ٢٢) (٣)، وما تقدم في القواعد أواخر القاعدة السادسة (٤). (٥) ١٨ - أحمد بن سعد بن أبي مريم . في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٤٢٠ [٤٥٠]): « ... أحمد بن سعد بن أبي مريم قال: وسألته ــ يعني يحيى بن معين ــ عن أبي حنيفة فقال: لا تكتب حديثه».

стр. 240

[١/ ١٠٩] قال الأستاذ (ص ١٦٨): «كثير الوهم وكثير الاضطراب في مسائله، مع مخالفة روايته هذه لرواية الثقات عن ابن معين، ويبدو عليه أنه غير ثقة، حيث يخالف ثقات أصحاب ابن معين فيما يرويه عنه في أبي حنيفة وأصحابه». أقول: ممن روى عن أحمد هذا: النسائيُّ وقال: «لابأس به». وأبو داود وهو لا يروي إلا عن ثقة عنده، كما في «تهذيب التهذيب» (١) في ترجمة الحسين بن علي بن الأسود، وترجمة داود بن أمية. وبقي بن مخلد وهو لا يروي إلا عن ثقة عنده، كما في ترجمة أحمد هذا من «تهذيب التهذيب» (٢). فأما كثرة وهمه وكثرة اضطرابه في مسائله فلم أعرفه، وكان على الأستاذ أن ينقل ذلك عمن يُعتدّ بقوله، أو يذكر عدة أمثلة لما زعمه. وقد ردَّ الأستاذ قول إمام النقاد علي ابن المديني في أبي حنيفة: «أخطأ في خمسين حديثًا» بأنه لم يفصِّل ذلك، كما سلف مع نظائره في ترجمة إبراهيم بن محمد بن الحارث (٣)، فكيف يطمع الأستاذ أن نقبل من مثله هذه المجازفة؟ وأما دعوى مخالفة روايته هذه لروايات الثقات عن ابن معين، فالجواب من أوجه: الأول: المطالبة بتثبيت تلك الروايات. الثاني: أنه ــ كما يعلم الأستاذ ــ قد جاءت عن ابن معين روايات أخرى

стр. 241

في التليين لعلها أثبت من روايات التوثيق. الثالث: أن ابن معين كثيرًا ما تختلف أقواله، وربما يطلق الكلمة يريد بها معنى غير المشهور، كما سلف في القواعد في القاعدة السادسة (١). الرابع: أن كلمة «لا تَكْتب حديثَه» ليست بصريحة في الجرح، فقد يكون ابن معين ــ مع علمه برأي غيره من المحدِّثين ــ عَلِم أن أحمد قد استكثر من سماع الحديث، ويمكنه أن يشتغل بما هو أنفع له من تتبُّع أحاديث أبي حنيفة. وعلى كل حال فأحمدُ هذا قد قَبِله الأئمة واحتجوا به، ولم يطعن فيه أحد منهم. والله الموفق. ١٩ - [١/ ١١٠] أحمد بن سلمان النجَّاد . في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٨٣ [٣٩٣]): «أخبرنا محمد بن عبد الله [ابن] أبان الهِيتي، حدثنا أحمد بن سلمان النجَّاد، حدثنا عبد الله ... ». قال الأستاذ (ص ٦٥): «يقول فيه الدارقطني: يحدِّث من كتاب غيره بما لم يكن في أصوله». وفي «تاريخ بغداد» (١٣/ ٤٠٤ [٤٢٩]) خبر آخر من طريق النجَّاد. فقال الأستاذ (ص ١٢٥): «والنجاد ممن يروي عما ليس عليه سماعه، كما نص على ذلك الدارقطني، كما في (٤/ ١٩١) من «تاريخ الخطيب». وليس قول

стр. 242

الدارقطني فيه: قد حدَّث أحمد بن سلمان من كتاب غيره بما لم يكن في أصوله، مما يُزال بلعل ولعل». أقول: لفظ الدارقطني: «حدَّث ... »، كما في «تاريخ بغداد» في الموضع الذي أحال عليه الأستاذ، وهكذا في «تذكرة الحفاظ» وفي «الميزان» و «اللسان» (١). وهذه الكلمة تصدق بمرَّة واحدة كما حملها عليه الخطيب إذ قال: «كان قد كُفَّ بصره في آخر عمره، فلعل بعض طلبة الحديث قرأ عليه ما ذكر الدارقطني»؛ بخلاف ما نسبه الأستاذ إلى الدارقطني أنه قال: «يحدِّث من كتاب غيره ... »، «ممن يروي عما ليس عليه سماعه»، فإن هاتين العبارتين تعطيان أن ذلك كان من شأنه، تكرر منه مرارًا! وقد تصرَّف الأستاذ مثل هذا التصرُّف وأشدّ منه في مواضع، راجع «الطليعة» (ص ٦٦ - ٧٢) (٢)، ويعتذر الأستاذ في «الترحيب» (ص ١٦) بقوله: «وأما مراعاة حرفية الجرح فغير ميسورة كلّ وقت، وكفى بالاحتفاظ بجوهر المعنى». أقول: على القارئ أن يراجع تلك الأمثلة في «الطليعة» ليتبين له هل احتفظ الأستاذ بجوهر المعنى؟ ولا أدري ما الذي عسَّر عليه المراعاة؟ ألعله كان بعيدًا عن الكتب، فلم يتيسر له مراجعتها، وإنما اعتمد على حفظه؟ أَوَ لا يحقُّ لي أن أقول: إن الذي عسَّر عليه ذلك هو أنه رأى كلمات الأئمة التي

стр. 243

تصرف فيها ذاك التصرُّف لا تشفي غيظه ولا تفي بغرضه، فاضطُرَّ إلى ما وقع منه. ويدل على هذا أني لم أر كلمة واحدة من كلمات التليين في الذين يريد جرحهم تصرَّف فيها، فجاءت عبارته أخفَّ من أصلها، بل رأيته يحافظ على حرفية الجرح حيث يراه شافيًا لغيظه، [١/ ١١١] كما يأتي في الترجمة رقم (٢٣) وغيرها! وعلى هذا يكون اعتذاره المذكور اعترافًا بما قلته في «الطليعة» (ص ٦٦) (١). وقول الأستاذ: «مما يُزال بلعل ولعل» يريد به قول الخطيب: « .. فلعل بعض الطلبة ... ». وقد مر. ولولا شدة غيظ الأستاذ على المحدِّثين لاكتفى بنص عبارة الدارقطني وعبارة الخطيب قائلًا: فعلى هذا ينبغي التثبُّت فيما يرويه عن النجاد مَنْ لم يكن في عصره معروفًا بالتيقظ، وراوي تينك الحكايتين عن النجاد هو محمد بن عبد الله بن أبان الهِيتي قال فيه الخطيب: « ... وكان مغفَّلًا مع خلوِّه عن علم الحديث ... ». وإذا كانت هذه نهايته فما عسى أن تكون بدايته؟ فلا يؤمَن أن يكون سمع تينك الحكايتين من النجاد في ذاك المجلس الذي حدَّث فيه النجاد من كتاب غيره بما ليس في أصوله. أقول: لو كان الأستاذ يكفكف من نفسه لاكتفى بهذا أو نحوه. فإذا قيل له: القضية النادرة لا يعتدُّ بها في حمل غيرها عليها، وإنما الحمل على الغالب؛ فقد يمكنه أن ينازع في هذا. أما أنا فأقول: إنما قال الدارقطني: «بما

стр. 244

لم يكن في أصوله»، ولم يقل: «بما لم يكن من حديثه» أو نحو ذلك، فدل هذا على احتمال أن يكون ما حدَّث به من ذلك الكتاب كان من حديثه أو روايته، وإن لم يكن في أصوله. وذلك كأن يكون سمع شيئًا فحفظه، ولم يثبته في أصله، ثم رآه في كتاب غيره كما حفظه، فحدَّث به. أو يكون حضر سماع ثقة غيره في كتاب، ولم يثبت اسمه فيه، ثم رأى ذلك الكتاب وهو واثق بحفظه، فحدَّث منه بما كان سمعه. أو تكون له إجازة بجزء معروف ولا أصل له به، ثم رأى نسخة موثوقًا بها منه، فحدَّث منها. نعم، كان المبالغون في التحفُّظ في ذاك العصر لا يحدِّث أحدهم إلا بما في أصوله، حتى إذا طولب أبرز أصله. ولا ريب أن هذا أحوط وأحزم، لكنه لا يتحتم جرح من أخلَّ بذلك، إذا كانت قد ثبتت عدالته وأمانته وتيقظه، وكان ما وقع منه محتملًا لوجه صحيح. وقد قال أبو علي ابن الصواف: «كان النجاد يجيء معنا إلى المحدثين، ونعلُه في يده، فيقال له في ذلك، فيقول: أحبُّ أن أمشي في حديث رسول الله ﵌ حافيًا». وقال أبو إسحاق الطبري: «كان النجاد يصوم الدهر، ويفطر كل ليلة على رغيف ويترك منه لقمة، فإذا كان ليلة الجمعة تصدَّق بذلك [١/ ١١٢] الرغيف، وأكل تلك اللقم التي استفضلها». وكان ابن رزقويه يقول: «النجاد ابن صاعدنا». قال الخطيب: «عنى بذلك أن النجاد في كثرة حديثه واتساع طرقه وأصناف فوائده لمن سمع منه كابن صاعد لأصحابه، إذ كل واحد من الرجلين كان واحد وقته». وقال الخطيب: «كان صدوقًا عارفًا، صنف كتابًا كبيرًا في السنن، وكان له بجامع المنصور حلقة قبل الجمعة للفتوى، وحلقة

стр. 245

بعدها للإملاء». هكذا في «تذكرة الحفاظ» (ج ٣ ص ٨٠) (١). وقال الذهبي أول الترجمة: «النجاد الإمام الحافظ الفقيه شيخ العلماء ببغداد». وقد روى عنه الأئمة كالدارقطني وابن شاهين والحاكم ــ وأكثرَ عنه في المستدرك ــ وابن منده وابن مردويه وغيرهم، ولم يُنكَر عليه حديث واحد. الثقة تثبت بأقل من هذا، ومن ثبتت عدالته لم يقبل فيه الجرح إلا ببينة واضحة لا احتمال فيها، كما تقدم في القواعد (٢). والله الموفق. ٢٠ - أحمد بن صالح أبو جعفر المصري المعروف بابن الطبري . في «تاريخ بغداد» (٨/ ٤٢٢): « ... أحمد بن صالح، حدثنا عنبسة بن خالد ابن أبي النجاد، حدثنا يونس ــ يعني ابن يزيد (٣) ــ قال: رأيت أبا حنيفة عند ربيعة بن أبي عبد الرحمن، وكان مجهود أبي حنيفة أن يفهم ما يقول ربيعة». قال الأستاذ في حاشية (ص ١٧٣): «أحمد بن صالح مختلف فيه». أقول: اقتصارك في صدد القدح في الرواية على قولك في الراوي: «مختلف فيه» ظاهر في أنه لم يتبين لك رجحان أحد الوجهين. والأستاذ يعلم إجماع أهل العلم على رد كلام الموهن لأحمد بن صالح هذا، حتى نصوا على ذلك في متون المصطلح. قال العراقي في «ألفيته» (٤): ورُبّما رُدَّ كلامُ الجارحِ ... كالنَّسَئي في أحمدَ بن صالحِ

стр. 246

فرُبّما كان لِجَرحٍ مَخرجُ ... غطَّى عليه السُّخْطُ حين يُحْرِجُ وقد لجأ الأستاذ إلى هذه القاعدة، وزاد عليها وبالغ، واتخذها عكازة يتوكأ عليها في ردِّ كلام كثير من الأكابر، وتخطى ذلك إلى رد روايتهم، وتعدَّاه إلى الطعن فيهم. فأما ابن الطبري، فوثَّقه الجمهور وعظَّموا شأنه. وقال النسائي: «غير ثقة ولا مأمون، تركه [١/ ١١٣] محمد بن يحيى، ورماه يحيى بالكذب». وبيَّن رمي يحيى بقوله: «حدثنا معاوية بن صالح سمعت يحيى بن معين يقول: أحمد بن صالح كذاب يتفلسف». وأنكر عليه أحاديث زعم أنه تفرد بها أو خالف. فأما قوله: «غير ثقة ولا مأمون» فمبنية على ما بعدها. وأما قوله: «تركه محمد بن يحيى» فوهم، فإن رواية محمد بن يحيى عن أحمد بن صالح موجودة. وقال ابن عدي: «حدَّث عنه البخاري والذهلي [محمد بن يحيى] واعتمادهما عليه في كثير من حديث الحجاز». وكأنَّ الذهلي لما سمع منه النسائيُّ لم يحدِّثْه عن أحمد بن صالح، فظن النسائي أنه تركه. ولعله إنما لم يحدثه عنه لأنه كان حيًّا، ورأى الذهلي أن النسائي كغيره من طلبة الحديث إنما يرغبون في العوالي. وأما رواية معاوية بن صالح عن ابن معين، فقد قال البخاري في أحمد بن صالح ابن الطبري: «ثقة صدوق، وما رأيت أحدًا يتكلم فيه بحجة، كان أحمد بن حنبل وعلي [ابن المديني] وابن نمير وغيرهم يثبِّتون أحمد بن صالح، وكان يحيى [بن معين] يقول: سلوا أحمد فإنه أثبت. فإن كان هناك وهم في النقل، فالظاهر أنه في رواية معاوية؛ لأن

стр. 247

البخاري أثبت منه، ولموافقة سائر الأئمة. وإن كان ليحيى قولان، فالذي رواه البخاري هو المعتمد لموافقة سائر الأئمة. وزَعَم ابنُ حبان أن أحمد بن صالح الذي كذَّبه ابن معين رجل آخر غير ابن الطبري يقال له الأُشمُومي كان يكون بمكة. ويقوِّي ذلك ما رواه البخاري من تثبيت ابن معين لابن الطبري، وأن ابن الطبري معروف بالصدق لا شأن له بالتفلسف. وقد تقدم في القواعد في أوائل القاعدة السادسة (١) أمثلة للخطأ الذي يوقع فيه تشابه الأسماء. وأما الأحاديث التي انتقدها النسائي على ابن الطبري فقد أجاب عنها ابن عدي (٢)، وراجع ما تقدم في القواعد القاعدة الرابعة (٣). ٢١ - أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق أبو نُعيم الأصبهاني الحافظ . في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٢٥): «أخبرنا أبو نعيم الحافظ حدثنا أبو أحمد الغِطْريفي ... ». قال الأستاذ (ص ١٧): «قد أخرج رحلة منسوبة إلى الإمام الشافعي ﵁ في «حلية الأولياء» بسند فيه أحمد بن موسى النجار، وعبد الله بن محمد البلوي، وهما كذابان معروفان ... ويذكر الخبر الكاذب وهو يعلم أنه كذب، ويعلم أيضًا ما يترتب على ذلك من اغترار جهلة أهل مذهبه بذكره الخبر المذكور وسعيهم في الفتنة سعي الموتور في الثأر. نسأل الله الصون. [١/ ١١٤] ومن المعروف أن عادة

стр. 248

أبي نعيم سَوق الأخبار الكاذبة بأسانيده بدون تنبيه على كذبها. وهو أيضًا ممن يسوق ما يرويه بإجازة فقط مع ما سمعه في مساق واحد ويقول في الاثنين: حدثنا. وهذا تخليط فاحش، وليس جرح ابن منده فيه مما يُتغاضى عنه بهوى الذهبي». أقول: أما الرحلة، فباطلة بذلك السياق حتمًا، وهل تنبَّه أبو نعيم لبطلانها؟ الله أعلم. وأما سياقه في مؤلفاته الأخبار والروايات الواهية التي ينبغي الحكم على كثير منها بالوضع، فمعروف. ولم ينفرد بذلك، بل كثير من أهل عصره ومَنْ بعدهم شاركوه في ذلك، ولاسيَّما في كتب الفضائل والمناقب، ومنها مناقب الشافعي ومناقب أبي حنيفة. ثم يجيء مَن بعدهم، فيحذفون الأسانيد، ويقتصرون على النسبة إلى تلك الكتب (١)، وكثيرًا ما يتركون هذه النسبة أيضًا كما في «الإحياء» وغيره. وفي «فتح المغيث» (ص ١٠٦) (٢) في الكلام على رواية الموضوع: «لا يبرأ من العهدة في هذه الأعصار بالاقتصار على إيراد إسناده بذلك، لعدم الأمن من المحذور به، وإن صَنَعه أكثرُ المحدّثين في الأعصار الماضية من سنة مائتين وهلمَّ جرًّا، خصوصًا الطبراني، وأبو نعيم، وابن منده، فإنهم إذا ساقوا الحديث بإسناده اعتقدوا أنهم برئوا من عهدته ... قال شيخنا: وكأنَّ ذِكْر الإسناد عندهم من جملة البيان ... ».

стр. 249

أقول: مدار التشديد في هذا على الحديث الصحيح: «مَنْ حدَّث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين» (١). ومَن تدبَّر علم أنه إنما يكون كاذبًا على أحد وجهين: الأول: أن يرسل ذاك الحديث جازمًا كأن يقول: «قال النبي ﷺ ... ». الثاني: أن يكون ظاهر حاله في تحديثه أن ذاك الخبر عنده صدق، أو محتمل أن يكون صدقًا، فيكون موهمًا خلاف الواقع، فيكون بالنظر إلى ذاك الإيهام كاذبًا. وقد عَلِمنا أن قول مَن صَحِب أنسًا: «قال أنس ... » موهم بل مفهم إفهامًا تقوم به الحجة أنه سمع ذلك من أنس، إلا أن يكون مدلّسًا معروفًا بالتدليس. فإذا كان معروفًا بالتدليس فقال فيما لم يسمعه من أنس: «قال أنس ... » لم يكن كاذبًا ولا مجروحًا، وإنما يلام على شرَهِه ويُذْكَر بعادته لتُعْرَف، فلا تُحمل على عادة غيره. وذلك أنه لما عُرِف بالتدليس لم يكن ظاهر حاله أنه لا يقول: [١/ ١١٥] «قال أنس ... » إلا فيما سمعه من أنس، وبذلك زال الإفهام والإيهام، فزال الكذب. فهكذا وأولى منه مَنْ عُرِف بأنه لحرصه على الجمع والإكثار والإغراب وعلوِّ الإسناد يروي ما سمعه من أخبار وإن كان باطلًا ولا يبيِّن، فإنه إذا عُرِف بذلك لم يكن ظاهر حاله أنه لا يحدِّث غير مبيِّن إلا بما هو عنده صدق، أو محتمل للصدق. فزال الإيهام، فزال الكذب، فلا يجرح ولكن يلام على شَرَهِه ويُذْكَر بعادته لتُعرف. وكما

стр. 250

يكفي المدلس أن يعرفَ عادتَه أهلُ العلم وإن جهلها غيرهم، فكذلك هذا، لأن الفرض على غير العلماء مراجعة العلماء؛ على أن العامة يشعرون في الجملة بما يدفع اغترارهم الذي هوَّل به الأستاذ، ولذلك كثيرًا ما نسمعهم إذا ذكر لهم حديث قالوا: هل هو في البخاري؟ فعلى هذا نقول في أبي نعيم ومَن جرى مجراه: إن احتمل أنهم لانهماكهم في الجمع لم يشعروا ببطلان ما وقع في روايتهم من الأباطيل، فعذرهم ظاهر. وهو أنهم لم يحدِّثوا بما يرون أنه كذب، وإنما يلامون على تقصيرهم في الانتقاد والانتقاء. وإن كانوا شعروا ببطلان بعض ذلك، فقد عُرفت عادتُهم، فلم يكن في ظاهر حالهم ما يوجب الإيهام؛ فلا إيهام، فلا كذب. فإن اغترَّ ببعض ما ذكروه مَن قد عرف عادتهم من العلماء بالرواية فعليه التَّبِعَة، أو مَن لم يعرف عادتهم ممن ليس من العلماء بالرواية فَمِن تقصيره أُتي، إذ كان الفرض عليه مراجعة العلماء بالرواية. ولذلك لم يجرح أهل العلم أبا نعيم وأشباهه، بل اقتصروا على لومهم والتعريف بعادتهم. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. قول الأستاذ: «وهو ممن يسوق ما يرويه بإجازة فقط مع ما سمعه في مساق واحد، ويقول في الاثنين: حدثنا». أقول: يشير إلى ما في «تذكرة الحفاظ» (١): «قال يحيى بن منده الحافظ: سمعت أبا الحسين القاضي يقول: سمعت عبد العزيز النَّخْشَبي يقول: لم يسمع أبو نعيم «مسند الحارث بن أبي أسامة» بتمامه من ابن خلَّاد، فحدَّث به كلِّه».
следующие страницы →