فرُبّما كان لِجَرحٍ مَخرجُ ... غطَّى عليه السُّخْطُ حين يُحْرِجُ
وقد لجأ الأستاذ إلى هذه القاعدة، وزاد عليها وبالغ، واتخذها عكازة يتوكأ عليها في ردِّ كلام كثير من الأكابر، وتخطى ذلك إلى رد روايتهم، وتعدَّاه إلى الطعن فيهم.
فأما ابن الطبري، فوثَّقه الجمهور وعظَّموا شأنه. وقال النسائي: «غير ثقة ولا مأمون، تركه [١/ ١١٣] محمد بن يحيى، ورماه يحيى بالكذب». وبيَّن رمي يحيى بقوله: «حدثنا معاوية بن صالح سمعت يحيى بن معين يقول: أحمد بن صالح كذاب يتفلسف». وأنكر عليه أحاديث زعم أنه تفرد بها أو خالف.
فأما قوله: «غير ثقة ولا مأمون» فمبنية على ما بعدها. وأما قوله: «تركه محمد بن يحيى» فوهم، فإن رواية محمد بن يحيى عن أحمد بن صالح موجودة. وقال ابن عدي: «حدَّث عنه البخاري والذهلي [محمد بن يحيى] واعتمادهما عليه في كثير من حديث الحجاز». وكأنَّ الذهلي لما سمع منه النسائيُّ لم يحدِّثْه عن أحمد بن صالح، فظن النسائي أنه تركه. ولعله إنما لم يحدثه عنه لأنه كان حيًّا، ورأى الذهلي أن النسائي كغيره من طلبة الحديث إنما يرغبون في العوالي. وأما رواية معاوية بن صالح عن ابن معين، فقد قال البخاري في أحمد بن صالح ابن الطبري: «ثقة صدوق، وما رأيت أحدًا يتكلم فيه بحجة، كان أحمد بن حنبل وعلي [ابن المديني] وابن نمير وغيرهم يثبِّتون أحمد بن صالح، وكان يحيى [بن معين] يقول: سلوا أحمد فإنه أثبت.
فإن كان هناك وهم في النقل، فالظاهر أنه في رواية معاوية؛ لأن
стр. 247
البخاري أثبت منه، ولموافقة سائر الأئمة. وإن كان ليحيى قولان، فالذي رواه البخاري هو المعتمد لموافقة سائر الأئمة. وزَعَم ابنُ حبان أن أحمد بن صالح الذي كذَّبه ابن معين رجل آخر غير ابن الطبري يقال له الأُشمُومي كان يكون بمكة. ويقوِّي ذلك ما رواه البخاري من تثبيت ابن معين لابن الطبري، وأن ابن الطبري معروف بالصدق لا شأن له بالتفلسف. وقد تقدم في القواعد في أوائل القاعدة السادسة (١) أمثلة للخطأ الذي يوقع فيه تشابه الأسماء. وأما الأحاديث التي انتقدها النسائي على ابن الطبري فقد أجاب عنها ابن عدي (٢)، وراجع ما تقدم في القواعد القاعدة الرابعة (٣).
٢١ - أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق أبو نُعيم الأصبهاني الحافظ .
في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٢٥): «أخبرنا أبو نعيم الحافظ حدثنا أبو أحمد الغِطْريفي ... ».
قال الأستاذ (ص ١٧): «قد أخرج رحلة منسوبة إلى الإمام الشافعي ﵁ في «حلية الأولياء» بسند فيه أحمد بن موسى النجار، وعبد الله بن محمد البلوي، وهما كذابان معروفان ... ويذكر الخبر الكاذب وهو يعلم أنه كذب، ويعلم أيضًا ما يترتب على ذلك من اغترار جهلة أهل مذهبه بذكره الخبر المذكور وسعيهم في الفتنة سعي الموتور في الثأر. نسأل الله الصون. [١/ ١١٤] ومن المعروف أن عادة
стр. 248
أبي نعيم سَوق الأخبار الكاذبة بأسانيده بدون تنبيه على كذبها. وهو أيضًا ممن يسوق ما يرويه بإجازة فقط مع ما سمعه في مساق واحد ويقول في الاثنين: حدثنا. وهذا تخليط فاحش، وليس جرح ابن منده فيه مما يُتغاضى عنه بهوى الذهبي».
أقول: أما الرحلة، فباطلة بذلك السياق حتمًا، وهل تنبَّه أبو نعيم لبطلانها؟ الله أعلم.
وأما سياقه في مؤلفاته الأخبار والروايات الواهية التي ينبغي الحكم على كثير منها بالوضع، فمعروف. ولم ينفرد بذلك، بل كثير من أهل عصره ومَنْ بعدهم شاركوه في ذلك، ولاسيَّما في كتب الفضائل والمناقب، ومنها مناقب الشافعي ومناقب أبي حنيفة. ثم يجيء مَن بعدهم، فيحذفون الأسانيد، ويقتصرون على النسبة إلى تلك الكتب (١)، وكثيرًا ما يتركون هذه النسبة أيضًا كما في «الإحياء» وغيره. وفي «فتح المغيث» (ص ١٠٦) (٢) في الكلام على رواية الموضوع: «لا يبرأ من العهدة في هذه الأعصار بالاقتصار على إيراد إسناده بذلك، لعدم الأمن من المحذور به، وإن صَنَعه أكثرُ المحدّثين في الأعصار الماضية من سنة مائتين وهلمَّ جرًّا، خصوصًا الطبراني، وأبو نعيم، وابن منده، فإنهم إذا ساقوا الحديث بإسناده اعتقدوا أنهم برئوا من عهدته ... قال شيخنا: وكأنَّ ذِكْر الإسناد عندهم من جملة البيان ... ».
стр. 249
أقول: مدار التشديد في هذا على الحديث الصحيح: «مَنْ حدَّث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين» (١). ومَن تدبَّر علم أنه إنما يكون كاذبًا على أحد وجهين:
الأول: أن يرسل ذاك الحديث جازمًا كأن يقول: «قال النبي ﷺ ... ».
الثاني: أن يكون ظاهر حاله في تحديثه أن ذاك الخبر عنده صدق، أو محتمل أن يكون صدقًا، فيكون موهمًا خلاف الواقع، فيكون بالنظر إلى ذاك الإيهام كاذبًا. وقد عَلِمنا أن قول مَن صَحِب أنسًا: «قال أنس ... » موهم بل مفهم إفهامًا تقوم به الحجة أنه سمع ذلك من أنس، إلا أن يكون مدلّسًا معروفًا بالتدليس. فإذا كان معروفًا بالتدليس فقال فيما لم يسمعه من أنس: «قال أنس ... » لم يكن كاذبًا ولا مجروحًا، وإنما يلام على شرَهِه ويُذْكَر بعادته لتُعْرَف، فلا تُحمل على عادة غيره. وذلك أنه لما عُرِف بالتدليس لم يكن ظاهر حاله أنه لا يقول: [١/ ١١٥] «قال أنس ... » إلا فيما سمعه من أنس، وبذلك زال الإفهام والإيهام، فزال الكذب. فهكذا وأولى منه مَنْ عُرِف بأنه لحرصه على الجمع والإكثار والإغراب وعلوِّ الإسناد يروي ما سمعه من أخبار وإن كان باطلًا ولا يبيِّن، فإنه إذا عُرِف بذلك لم يكن ظاهر حاله أنه لا يحدِّث غير مبيِّن إلا بما هو عنده صدق، أو محتمل للصدق. فزال الإيهام، فزال الكذب، فلا يجرح ولكن يلام على شَرَهِه ويُذْكَر بعادته لتُعرف. وكما
стр. 250
يكفي المدلس أن يعرفَ عادتَه أهلُ العلم وإن جهلها غيرهم، فكذلك هذا، لأن الفرض على غير العلماء مراجعة العلماء؛ على أن العامة يشعرون في الجملة بما يدفع اغترارهم الذي هوَّل به الأستاذ، ولذلك كثيرًا ما نسمعهم إذا ذكر لهم حديث قالوا: هل هو في البخاري؟
فعلى هذا نقول في أبي نعيم ومَن جرى مجراه: إن احتمل أنهم لانهماكهم في الجمع لم يشعروا ببطلان ما وقع في روايتهم من الأباطيل، فعذرهم ظاهر. وهو أنهم لم يحدِّثوا بما يرون أنه كذب، وإنما يلامون على تقصيرهم في الانتقاد والانتقاء. وإن كانوا شعروا ببطلان بعض ذلك، فقد عُرفت عادتُهم، فلم يكن في ظاهر حالهم ما يوجب الإيهام؛ فلا إيهام، فلا كذب. فإن اغترَّ ببعض ما ذكروه مَن قد عرف عادتهم من العلماء بالرواية فعليه التَّبِعَة، أو مَن لم يعرف عادتهم ممن ليس من العلماء بالرواية فَمِن تقصيره أُتي، إذ كان الفرض عليه مراجعة العلماء بالرواية. ولذلك لم يجرح أهل العلم أبا نعيم وأشباهه، بل اقتصروا على لومهم والتعريف بعادتهم. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
قول الأستاذ: «وهو ممن يسوق ما يرويه بإجازة فقط مع ما سمعه في مساق واحد، ويقول في الاثنين: حدثنا».
أقول: يشير إلى ما في «تذكرة الحفاظ» (١): «قال يحيى بن منده الحافظ: سمعت أبا الحسين القاضي يقول: سمعت عبد العزيز النَّخْشَبي يقول: لم يسمع أبو نعيم «مسند الحارث بن أبي أسامة» بتمامه من ابن خلَّاد، فحدَّث به كلِّه».
стр. 251
أقول: عقب هذا في «التذكرة»: «قال ابن النجار: وهم [النخشبي] في هذا، فأنا [١/ ١١٦] رأيت نسخة الكتاب عتيقة، وعليها خط أبي نعيم يقول: سمع مني فلان إلى آخر سماعي في هذا المسند من ابن خلّاد، فلعله روى باقيه بالإجازة».
أقول: وقول النخشبي «فحدَّث» إنما تعطي أن أبا نعيم حدَّث السامعين عنه، لا أنه ذكر في كل حديث من «المسند» أن ابن خلَّاد حدَّثه. وابن منده ومَن فوقه مِن خصوم أبي نعيم، كانت بين الفريقين نُفْرة شديدة كما يأتي، فلا يُقبل ما قالوه فيه مما يطرقه الاحتمال، على ما سلف في القواعد (١).
بقي أمران: أحدهما: يتعلق برواية أبي نعيم لجزء محمد بن عاصم، ويكفي في هذا ما أوضحه الذهبي في «تذكرة الحفاظ» (٢).
الثاني: قال الذهبي: «قال الخطيب: قد رأيت لأبي نعيم أشياء يتساهل فيها. منها: أنه يقول في الإجازة: أخبرنا، من غير أن يبيّن». قال الذهبي: «فهذا ربما فعله نادرًا، فإني رأيته كثيرًا ما يقول: كتب إليَّ جعفر الخُلْدي، وكتب إلي أبو العباس الأصم، وأنا أبو الميمون بن راشد في كتابه. لكني رأيته يقول: أنا عبد الله بن جعفر فيما قُرئ عليه، فالظاهر أن هذا إجازة».
وفي «فتح المغيث» للسخاوي (ص ٢٢٢) (٣) عن شيخه ابن حجر أن هذا اصطلاح لأبي نعيم قد صرَّح به، فقال: إذا قلتُ: «أخبرنا» على الإطلاق
стр. 252
من غير أن أذكر فيه إجازة، أو كتابة، أو كتب إليَّ، أو أذن لي= فهو إجازة؛ أو: «حدثنا» فهو سماع. قال ابن حجر: «ويقوّي التزامه لذلك أنه أورد في «مستخرجه على علوم الحديث للحاكم» عدة أحاديث رواها عن الحاكم بلفظ الإخبار مطلقًا، وقال في آخر الكتاب: الذي رويته عن الحاكم بالإجازة ... ».
أقول: وإذ قد عُرف اصطلاحه فلا حرج، ولكن من أقسام الإجازةِ: الإجازةُ العامة، بأن يجيز الشيخ للطالب جميع مروياته، أو جميع علومه، فينبغي التثبت في روايات العاملين بهذه الإجازة. فإذا ثبت في أحدهم أنه لا يروي بها إلا ما ثبت عنده قطعًا أنه من مرويات المجيز، فهذا ممن يوثق بما رواه بالإجازة. وإن بان لنا أو احتمل عندنا أن الرجل قد يروي بتلك الإجازة ما يسمع ثقةً عنده يحدِّث به عن المجيز، فينبغي أن يتوقف فيما رواه بالإجازة؛ لأنه بمنزلة قوله: [١/ ١١٧] حدثني ثقة عندي. وإن بان لنا في رجل أنه قد يروي بتلك الإجازة ما يسمع غيرَ ثقة يحدِّث به عن المجيز، فالتوقف في المروي أوجب، فأما الراوي فهو بمنزلة المدلس عن غير الثقات. فإن كان قد عُرف بذلك فذاك، وإلا فهو على يَدَي عدل (١).
وإذا تقرّر هذا فقد رأيت في «تاريخ بغداد» (ج ٨ ص ٣٤٥): «أخبرنا أبو نعيم الحافظ، أخبرنا جعفر الخُلْدي في كتابه قال: سألت خير
стр. 253
النسَّاج ... ». فذكر قصة غريبة، ثم قال الخطيب: «قلت: جعفر الخُلْدي ثقة، وهذه الحكاية طريفة جدًّا يسبق إلى القلب استحالتها. وقد كان الخلدي كتب إلى أبي نعيم يجيز له رواية جميع علومه، وكتب أبو نعيم هذه الحكاية عن أبي الحسن بن مِقْسَم عن الخُلْدي، ورواها عن الخلدي نفسه إجازة، وكان ابن مقسم غير ثقة. والله أعلم».
أقول: فقول أبي نعيم: «أخبرنا الخُلْدي في كتابه» أراد به أن الخلدي كتب إليه بإجازته له جميع علومه، فأما القصة فإنما سمعها من ابن مقسم عن الخلدي، وابن مقسم غير ثقة. فهذا أشدّ ما يقدح به في أبي نعيم، لكن لعله اغترَّ بما كان يظهره ابن مقسم من النُّسُك والصلاح، فظنه ثقة. فإن ابن مقسم ــ وهو أحمد بن محمد بن الحسن بن مقسم ــ ترجمته في «تاريخ بغداد» (ج ٤ ص ٤٢٩) وفيها: «حدثنا عنه أبو نعيم الحافظ، ومحمد بن عمر ... وكان يظهر النسك والصلاح، ولم يكن في الحديث بثقة». وقد تكلم الدارقطني وغيره في ابن مقسم. والله المستعان.
والحق أن أبا نعيم وضع من نفسه ومن كتبه، فجزاؤه أن لا يُعتدَّ بشيء من مروياته إلا ما صرَّح فيه بالسماع الواضح، كقوله في الحكاية المارة أول الترجمة: «حدثنا أبو أحمد الغِطْريفي». بخلاف ما استدل به الأستاذ (ص ١٠٧) وفيه عن أبي نعيم: «أخبرني القاضي محمد بن عمر وأذن لي». فإن هذه الصيغة مما يستعمله أبو نعيم في الإجازة، ومع ذلك فالقاضي محمد بن عمر هو الجِعَابي مُتكلَّم فيه.
ولكن كما أن لأبي نعيم اصطلاحًا خاصًّا في صيغة «أخبرنا»، فكذلك
стр. 254
للأستاذ اصطلاح خاص في كلمتي «العقل» و «التواتر»؛ وإنما الفرق أن أبا نعيم بيَّن اصطلاحه، والأستاذ لم [١/ ١١٨] يبيِّن، بل يعامل ما يطلق عليه تينك الكلمتين كما ينبغي أن يعامل به العقل والتواتر بمعناهما المعروف، فيحتج بما يوافق ذلك، وإن كان سنده ساقطًا؛ ويردُّ ما يخالفه وإن كان بغاية القوة. فإذا رأى أن مخالفيه يظلمونه، فلا يقبلون منه ذلك، استحلَّ أن يكيلَ لهم الكيل الذي كشفتُ عنه في «الطليعة». والله المستعان.
وأما كلام ابن منده في أبي نعيم، فقد مرَّ بعضُه وتبيَّن حاله. ولن يكون باقيه إلا طعنًا في العقيدة، أو من كلمات النفرة والتنفير، أو ما لا يتحصَّل منه ــ إذا نُظر فيه كما ينبغي على ما سلف في القواعد ــ ما يثبُت به الجرح؛ إذ قد عرف الناس أنه كان بين آل منده وأبي نعيم اختلاف في العقيدة، جرَّ إلى عداوة شخصية شديدة؛ وعند الأستاذ: أن الحقَّ فيما اختلف فيه الفريقان مع أبي نعيم.
وقد ذكر الذهبي في «التذكرة» (ج ٣ ص ٣٧٧) (١) عن السِّلَفي: «سمعت محمد بن عبد الجبار الفرساني: حضرت مجلس أبي بكر بن أبي علي المعدَّل في صِغَري، فلما فرغ من إملائه قال إنسان: من أراد أن يحضر مجلس أبي نعيم فليقم، وكان مهجورًا في ذلك الوقت بسبب المذهب، وكان بين الحنابلة والأشعرية تعصُّب زائد يؤدِّي إلى فتنة وقال وقيل وصداع= فقام إلى ذلك الرجل أصحابُ الحديث بسكاكين الأقلام، وكاد أن يُقتل».
стр. 255
والذهبي معروف بالميل إلى الحنابلة فهواه مع ابن منده، فلم يكن للأستاذ أن ينسبه إلى عكس ذلك.
٢٢ - أحمد بن عبد الله الأصبهاني .
قال الأستاذ (ص ١٥١) في طعنه في عبد الله بن حنبل وستأتي ترجمته (١) إن شاء الله: «مثله لا يصدَّق في أبي حنيفة، وقد بُلي فيه الكذب (!) وقد روى علي بن حَمْشاذ ــ وأنت تعرف منزلته في العلم ــ أنه سمع أحمد بن عبد الله الأصبهاني يقول: أتيت عبد الله بن [أحمد بن] (٢) حنبل فقال: أين كنت؟ فقلت: في مجلس الكُدَيمي، فقال: لا تذهب إلى ذاك فإنه كذاب. فلما كان في بعض الأيام مررت به، فإذا عبد الله يكتب عنه! فقلت: يا أبا عبد الرحمن أليس قلت: لا تكتب عن هذا فإنه كذاب؟ قال: فأومأ بيده إلى فيه أن اسْكُت. فلما فرغ وقام من عنده قلت: يا أبا عبد الرحمن أليس قلت: لا تكتب عنه؟ قال: إنما أردت بهذا أن لا يجيء الصبيان فيصيروا معنا في الإسناد واحدًا. اه.
وإن سعى [١/ ١١٩] الخطيب في إعلاله في (٣/ ٤٣٩) بأن يقول: إن أحمد بن عبد الله الأصبهاني مجهول. كيف وهو من ثقات شيوخ ابن حمشاذ، مترجم في «تاريخ أصفهان» لأبي نعيم؟ وليس ابن حمشاذ الحافظ الثقة ممن يروي عن المجاهيل، ولا هو ممن يعوِّل على من لا يعوَّل عليه. وإن تجاهله الخطيب لحاجة في النفس، فليس ذلك بضائره».
أقول: في هذا الكلام أمور:
الأول: قوله في عبد الله بن أحمد: «وقد بُلي فيه الكذب». ثم ساق القصة
стр. 256
لإثبات ذلك، وستعلم مَن الكاذب!
الثاني: قوله: «قد روى علي بن حَمْشاذ» بصيغة الجزم والتحقيق مع أنه إنما أخذ الحكاية من «تاريخ الخطيب»، وإنما قال الخطيب: «حُدّثت عن أبي نصر محمد بن أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي قال: سمعت علي بن حمشاذ يقول ... ». فلم يذكر الخطيب من حدَّثه، فكيف يجزم الأستاذ ويحقق؟
فإن قيل: إن الخطيب أعلّ القصة بالأصبهاني، فدلَّ ذلك على ثقة الخطيب بمن حدَّثه.
قلت: ليس هذا بلازم، فقد لا يكون الخطيب وثق بمن حدَّثه حق الثقة، ولكن رأى إعلال الحكاية بالأصبهاني كافيًا. ومع ذلك فقد ذكر الأستاذ (ص ٥٦) قول الحِمَّاني: سمعت عشرة كلهم ثقات يقولون: سمعنا أبا حنيفة يقول: القرآن مخلوق. فقال الأستاذ: «قول الراوي: سمعت الثقة، يُعَدُّ كرواية عن مجهول، وكذا الثقات». فهل يستثني الأستاذ أبا بكر الخطيب من هذه القاعدة، ويزيد فيرى أنه إذا لم يسمِّ شيخه وأشار إلى أنه لم يتهمه ثبت بذلك ثقةُ شيخه؛ فتقوم الحجة بقول الخطيب: «حُدِّثت عن فلان»، ولا تقوم بقول غيره: «حدثني عشرة كلهم ثقات»؟ !
الثالث: قوله: «بأن يقول [الخطيب]: إن أحمد بن عبد الله الأصبهاني مجهول».
وإنما قال الخطيب: «قلت: كان عبد الله بن أحمد أتقى لله من أن يكذِّب من هو عنده صادق، ويحتجَّ بما حكى عنه هذا الأصبهاني. وفي هذه
стр. 257
الحكاية نظر من جهته». وليس في العبارة كلمة «مجهول» ولا هي صريحة في معناها؛ إذ يحتمل أن يكون الخطيب عرف الأصبهاني بالضعف، ويحتمل أنه لم يعرفه، ولكن استدل بنكارة حكايته على ضعفه. ولا يلزم من [١/ ١٢٠] عدم معرفته له أن يجزم بأنه مجهول، فإن المتحري مثل الخطيب لا يطلق كلمة: «مجهول» إلا فيمن يئس من أن يعرفه هو أو غيره من أهل العلم في عصره، وإذا لم ييأس فإنما يقول: «لا أعرفه». ومن لم يراع هذا وقع فيما وقع فيه الأستاذ في مواضع تقدمت أمثلة منها في «الطليعة» (ص ٨٦ - ٩٣) (١).
الرابع: قوله: «كيف وهو من ثقات شيوخ ابن حمشاذ». لا أضايق الأستاذ في إطلاقه أن هذا الرجل من شيوخ ابن حمشاذ، وإن لم يعرف لابن حمشاذ عنه إلا هذه الحكاية، إن صحَّ أن ابن حمشاذ حكاها؛ ولا في جزمه بذلك مع ما مرَّ في الأمر الثاني. وإنما النظر في جزمه بأن هذا الرجل من الثقات، فمن أين لك ذلك؟ أنقلًا؟ فلماذا لم يذكره؟ أم اجتهادًا؟ فما حجته؟ أم مجازفة؟ فالله حسيبه.
والذي يظهر ــ إن كان ابن حمشاذ حكى هذه الحكاية ــ أن الأصبهاني أصغر منه. فإن كان ابن حمشاذ ــ كما يأتي ــ يروي فيكثر عن عبد الله بن أحمد وعن الكُديمي، وسماعه منهما ببغداد كما هو ظاهر، فلو سمع الحكاية حين كان ببغداد أو قبل ذلك لكان الظاهر أن يستثبت عبد الله بن أحمد، ولو فعل لحكى ذلك مع الحكاية. فدل هذا على أنه إن كان حكاها
стр. 258
فإنما سمعها بعد ذلك، كأنَّ هذا الأصبهاني زعم له أنه دخل بغداد بعده، وجرى له ما حكاه.
الخامس: قوله: «مترجم في «تاريخ أصبهان» لأبي نعيم» قد ذكرت هذا في «الطليعة» (ص ٩٢ - ٩٣) (١) وقلت هناك: «كذا قال! وقد فتشت «تاريخ أبي نعيم» فوجدت فيه ممن يقال له: (أحمد بن عبد الله) جماعة ليس في ترجمة واحد منهم ما يُشعر بأنه هذا، وفوق ذلك فجميعهم غير مُوثَّقين». فتحامى الأستاذ في «الترحيب» التعرُّض لذاك الموضع البتة!
السادس: قوله: «وليس ابن حمشاذ ممن يروي عن المجاهيل ولا هو ممن يعوِّل على مَن لا يعوَّل عليه».
إن أراد بالتعويل الاعتماد، فمن أين عرف أن ابن حمشاذ اعتمد على تلك الحكاية؟ وها نحن نجده يروي عن عبد الله بن أحمد، وعن الكُديمي. فمن روايته عن عبد الله في «المستدرك» (ج ١ [١/ ١٢١] ص ٦٣ و ٣٠١، و ٤٥٣)، و (ج ٢ ص ١٦٥)، و (ج ٣ ص ٢٦٩، و ٦١٢) وغيرها. ومن روايته عن الكُدَيمي في «المستدرك» (ج ١ ص ٦٨)، (ج ٣ ص ٥٥٦)، و (ج ٤ ص ١٣)، وغير ذلك.
وإن أراد بالتعويل مطلق الرواية، أي: أن ابن حَمْشاذ لا يروي إلا عن ثقة، فمن أين عرف ذلك؟ وقد وجدنا ابن حمشاذ يروي عن جماعة ممن يكذبهم الأستاذ ظلمًا، فمنهم أحمد بن علي الأ بَّار كما في «المستدرك» (ج ١ ص ٣٣ و ٢٢٧). ومنهم محمد بن عثمان بن أبي شيبة كما في
стр. 259
«المستدرك» (ج ٣ ص ١٤٦ و ٣٩٥). وكذلك يروي عن جماعة تكلموا فيهم والعمل على التوثيق، كالحارث بن أبي أسامة، وإبراهيم بن ديزيل، والحسن بن علي المَعْمري. وعن جماعة متكلَّمٍ فيهم، كالكُديمي وقد مرَّ، ومحمد بن منده الأصبهاني كما في «المستدرك» (ج ١ ص ٣٥٩) و (ج ٢ ص ٣١٥)، و (ج ٣ ص ١٠٧ و ٥٠٧)، و (ج ٤ ص ٥٩٣)، وقد كذَّبوا محمد بن منده هذا، راجع «لسان الميزان» (ج ٥ ص ٣٩٣) (١)، وعليِّ بن صقر السكري كما في «المستدرك» (ج ١ ص ٢٤٠)، وراجع «لسان الميزان» (ج ٤ ص ٢٣٥) (٢)، وعبد الله بن أيوب بن زاذان الضرير كما في «المستدرك» (ج ١ ص ١٨٧)، وراجع «لسان الميزان» (ج ٣ ص ٢٦٢) (٣)، وهناك: «قال الدارقطني: متروك». ولم يذكر في الترجمة ما يخالف ذلك، وإسحاق بن إبراهيم بن سنين كما في «المستدرك» (ج ٣ ص ٢١٠) وراجع «لسان الميزان» (ج ١ ص ٣٤٨) (٤)، وجنيد بن حكيم الدقاق كما في «المستدرك» (ج ٣ ص ٦١)، ومحمد بن المغيرة السُّكّري كما في «المستدرك» (ج ٢ ص ٥٣، و ١٨٩، و ٣٣٠، و ٤٨٣، و ٥٤١)، وراجع «لسان الميزان» (ج ٥ ص ٣٨٦) (٥).
ولعل ابن حمشاذ قد روى عمن هو أضعف من هؤلاء، فتجنب الحاكم
стр. 260
الرواية عن ابن حمشاذ عنهم في «المستدرك على الصحيحين». فابن حمشاذ كغالب محدِّثي عصره، يروي عن الثقات وعن الضعفاء الأحاديث النبوية، فما بالك بالحكايات!
السابع قوله: «وإن تجاهله الخطيب لحاجة في النفس، فليس ذلك بضائره».
الظاهر أنه يعني ابن حمشاذ، ولا أدري من أين أخذ أن الخطيب تجاهل ابن حمشاذ؟ إن كان أراد أن الخطيب تجاهل أن ابن حمشاذ لا يروي إلا عن ثقة، فقد علمتَ ما فيه. وإن كان [١/ ١٢٢] أراد أنه لم يورد له ترجمة في «التاريخ» فليس على شرطه، وإنما التزم أن يذكر من الغرباء من دخل بغداد وحدَّث بها، ولا دليل على أن ابن حمشاذ حدَّث ببغداد.
فليتدبر العاقل: هل يسوغ لعالم يصفه أصحابه ــ أو قُل: يصف نفسه ــ بما في عنوان «التأنيب»: «الإمام الفقيه المحدّث والحجة الثقة المحقق العلامة» أن يُقْدِم على تكذيب عبد الله بن أحمد بن حنبل الإمام ابن الإمام في الحق حقًّا، محتجًّا في زعمه بهذه الحكاية؛ ثم يخلِّط هذا التخليط مع التخاليط الأخرى مما ترى الكشف عن بعضه في «الطليعة»، وفي مواضع أخر في هذا الكتاب؟ أو أن يرمي مثل أبي بكر الخطيب فيما قاله في هذه الحكاية بأنه: «لحاجة في النفس»، ولا يلتفت إلى ما في نفسه!
٢٣ - أحمد بن عبد الله أبو عبد الرحمن العكي (؟).
في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٤٠٦ [٤٣١]): « ... الأ بَّار حدثنا أحمد بن عبد الله العكي أبو عبد الرحمن ــ وسمعت منه بمرو ــ قال: حدثنا مصعب بن خارجة بن مصعب سمعت حمادًا ... ».
стр. 261
قال الأستاذ (ص ١٢٧): «أحمد بن عبد الله هو الفِرياناني المروزي، قال أبو نعيم: مشهور بالوضع. وقال النسائي: ليس بثقة. وقال ابن عدي: يروي عن الفضيل وعبد الله بن المبارك وغيرهما المناكير. وقال الدارقطني: متروك الحديث. وقال ابن حبان: يروي عن الثقات ما ليس في حديثهم، وعن الأثبات ما لم يحدِّثوا به. وقال ابن السمعاني: وكان ممن يروي عن الثقات ما ليس من أحاديثهم، وكان محمد بن علي الحافظ سيئ الرأي فيه». ثم قال: «الصواب: العتكي، كما في «أنساب ابن السمعاني»».
أقول: ذكره ابن السمعاني في (الفرياناني) (١)، ووقع في النسخة: «العتكي الهاشمي» (٢) كذا، والهاشمي لا يجتمع في حقّ النسب مع العتكي ولا مع العكي، وليس في «الميزان» ولا «اللسان» (٣) أنه هاشمي ولا عتكي ولا عكي، وليس فيهما ولا في «الأنساب» أنه يروي عن مصعب بن خارجة ولا أنه يروي عنه (٤) الأ بَّار؛ لكن لم أجد غيره يصلح أن يكون هو الواقع في السند، فالظاهر أنه هو. ومما قاله ابن السمعاني أن (فريانان) خَرِبت قال: «وبقي قبر أبي عبد الرحمن بها يزوره الناس ويدورون حوله، زُرْته غير مرة». قال: «وسئل أحمد بن سيَّار عنه، فقال: لا سبيل إليه».
وهذا يدل أن الرجل كان له شهرة وصيت في تلك الجهات، وقد روى
стр. 262
عنه الحسن بن سفيان وغيره كما في «الميزان»، وقال الذهبي: «وقد رأيت البخاري يروي عنه في كتاب «الضعفاء»».
أقول: في باب الإمام ينهض بالركعتين من «جامع الترمذي» (١): «قال محمد بن إسماعيل [البخاري]: ابن أبي ليلى هو صدوق، ولا أروي عنه، لأنه لا يدري صحيح حديثه من سقيمه، وكلّ من كان مثل هذا فلا أروي عنه شيئًا». والبخاري لم يدرك ابن أبي ليلى، فقوله: «لا أروي عنه» أي: بواسطة. وقوله: «وكل من كان مثل هذا فلا أروي عنه شيئًا» يتناول الرواية بواسطة وبلا واسطة، وإذا لم يرو عمن كان كذلك بواسطة فَلَأن لا يروي عنه بلا واسطة أولى؛ لأن المعروف عن أكثر المتحفظين أنهم إنما يتقون الرواية عن الضعفاء بلا واسطة، وكثيرًا ما يروون عن متقدمي الضعفاء بواسطة.
وهذه الحكاية تقتضي أن يكون البخاري لم يرو عن أحد إلا وهو يرى أنه يمكنه تمييزُ صحيح حديثه من سقيمه. وهذا يقتضي أن يكون الراوي على الأقل صدوقًا في الأصل، فإن الكذاب لا يمكن أن يعرف صحيح حديثه.
فإن قيل: قد يُعرف بموافقته الثقات. قلت: قد لا يكون سَمِع، وإنما سرق من بعض أولئك الثقات. ولو اعتدَّ البخاري بموافقة الثقات لروى عن ابن أبي ليلى ولم يقل فيه تلك الكلمة، فإن ابن أبي ليلى عند البخاري وغيره صدوق، وقد وافق الثقات في كثير من أحاديثه، ولكنه عند البخاري كثير الغلط بحيث لا يؤمَن غلطُه حتى فيما وافق عليه الثقات. وقريب منه من عُرف بقبول التلقين، فإنه قد يلَقَّن من أحاديث شيوخه ما حدَّثوا به ولكنه لم
стр. 263
يسمعه منهم. وهكذا من يحدِّث على التوهُّم، فإنه قد يسمع من أقرانه عن شيوخه، ثم يتوهم أنه سمعها من شيوخه، فيرويها عنهم.
فمقصود البخاري من معرفة صحيح حديث الراوي من شيوخه لا تحصل بمجرد موافقة الثقات، وإنما تحصل بأحد أمرين:
إما أن يكون الراوي ثقةً ثبتًا، فيُعرف صحيح حديثه بتحديثه. وإما أن يكون صدوقًا يغلط، ولكن يمكن معرفة ما لم يغلط فيه بطريق أخرى، كأن يكون له أصول جيدة، وكأن يكون غلطه خاصًّا بجهة كيحيى بن عبد الله بن بكير روى عنه [١/ ١٢٤] البخاري، وقال في «التاريخ الصغير» (١): «ما روى يحيى [بن عبد الله] بن بكير عن أهل الحجاز في التاريخ فإني أتقيه» ونحو ذلك.
فإن قيل: قضية الحكاية المذكورة أن يكون البخاري التزم أن لا يروي إلا ما هو عنده صحيح، فإنه إن كان يروي ما لا يرى صحته فأيُّ فائدة في تركه الرواية عمن لا يدري صحيحَ حديثه من سقيمه؟ لكن كيف تصح هذه القضية مع أن في كتب البخاري غير «الصحيح» أحاديث غير صحيحة، وكثير منها يحكم هو نفسه بعدم صحتها؟
قلت: أما ما نَّبه على عدم صحته، فالخطب فيه سهل. وذلك بأن يُحْمَل كونه لا يروي ما لا يصح على الرواية بقصد التحديث أو الاحتجاج، فلا يشمل ذلك ما يذكره ليبين عدم صحته. ويبقى النظر فيما عدا ذلك، وقد
стр. 264
يقال: إنه إذا رأى أن الراوي لا يعرف صحيحُ حديثه من سقيمه تَرَكه البتةَ ليعرف الناسُ ضعفَه مطلقًا، وإذا رأى أنه يمكن معرفة صحيح حديثه من سقيمه في باب دون باب ترك الرواية عنه في الباب الذي لا يعرف فيه كما في يحيى بن بكير. وأما غير ذلك فإنه يروي ما عَرَف صحته وما قاربه أو أشبهه مبيِّنًا الواقع بالقول أو الحال. والله أعلم.
والمقصود هنا أن رواية البخاري عن الفِرياناني تدلّ أنه كان عنده صدوقًا في الأصل. وقد لقيه البخاري، فهو أعرف به ممن بعده. وقد تأيَّد ذلك بأن الرجل كان مشهورًا في تلك الجهة بالخير والصلاح كما مرَّ. وأن أحمد بن سيار على جلالته لما سئل عنه قال: «لا سبيل إليه»، كأنه يريد أنه لا ينبغي الكلام فيه بمدحٍ لضعفه في الرواية، ولا قدحٍ لصلاحه في نفسه؛ على أن أكثر الذين تكلموا فيه لم يرموه بتعمّد الكذب. فأما أبو نعيم فمتأخر، وقد تتبعنا كلام من تقدمه فلم نجد فيه ما تحْصُل به النسبة إلى الوضع فكيف الشهرة؟
هذا، والحكاية التي ذكرها الخطيب عن أحمد بن عبد الله ليست من طريق البخاري، وإنما هي من طريق الأ بَّار، والأ بَّار ناقل لا ناقد. ولكن الأستاذ لم يقنع بتوهين تلك الحكاية، بل قال: «ومن يعوِّل على الوضاع لا يكون إلا من طراز الأ بَّار المأجور». ولا يبعد أن يكون أراد التعريض بالبخاري، وما أوهن رأيًا يضطرُّ الجَدِل النِّحرير في الدفاع عنه إلى الطعن في مثل البخاري!
[١/ ١٢٥] فأما الأ بَّار، فهو أحمد بن علي بن مسلم حافظ فاضل تأتي
стр. 265
ترجمته (١). وقول الأستاذ: «المأجور» كلمة فاجرة مبنية على خيال كاذب، وسوء ظن صدَّقه الأستاذ على عادته! حاصل ذلك الخيال: أن الأستاذ زعم أن الحافظ الفاضل دَعْلَج بن أحمد السِّجْزي ــ وستأتي ترجمته (٢) ــ كان يصل الأ بَّار بالمال الوافر، فكان الأ بَّار يجمع الروايات الموافقة لهوى دَعْلج. وسيأتي في ترجمة الأ بَّار ما يتضح به أنه ليس هناك أيّ دلالة على أن دعلجًا وصل الأ بَّار بفَلْس واحد. وهَبْ أنه ثبت أنه وصله بمال كثير، فمثلُ ذلك لا يسوِّغ اتهام ذينك الحافظين تهمة ما، فضلًا عن هذه التهمة الخبيثة. كيف وقد ثبتت عدالتهما وفضلهما، وكانا من أول عمرهما إلى آخره على مذهب واحد، وهو مذهب أهل الحديث المعروف؟
أفرأيت إذا ثبت أن بعض تجَّار الحنفية يَصِل الأستاذ، أيحلّ لمخالفي الأستاذ أن يطلقوا عليه تلك الكلمة؟ هذا مع أن بين الرجلين بُعْدَ المشرقَين، وكذلك بين صنيعيهما. فالأ بَّار لم يزد على رواية ما سمع، والأستاذ يتصرف التصرفات التي ترى الكشف عن بعضها في «الطليعة» وهذا الكتاب. وإنما يحق أن يسمَّى مأجورًا مَن يأتي ما يرى أنه مخالف للدين والشرف والمروءة طمعًا في المال ونحوه. بلى، إن الأ بَّار لمأجور أجرًا عظيمًا إن شاء الله تعالى على صدقه وحُسن قصده ونيل الكوثري من عرضه!
٢٤ - أحمد بن عبد الرحمن بن الجارود .
ذكر الأستاذ (ص ١٢٥) رواية للخطيب من طريق عبد الله بن محمد بن
стр. 266
جعفر، وستأتي ترجمته (١)، ثم قال: «وقد فعل مثل ذلك في أحمد بن عبد الرحمن بن الجارود الرَّقِّي الذي كذَّبه هو ... ».
أقول: كذَّب الخطيب أحمد هذا، وروى في غير ترجمة أبي حنيفة من طريقه حكايتين غير منكرتين. ولا عيب في ذلك على الخطيب، فقد روى السفيانان، وابن جريج، وابن المبارك وغيرهم من الأئمة عن الكلبي مع اشتهاره بالكذب، وفي ترجمته من «الميزان» (٢): «يعلى بن عبيد قال: قال الثوري: اتقوا الكلبي، فقيل: فإنك تروي عنه، قال: أنا أعرفُ صدقَه من كذبه».
٢٥ - أحمد بن عُبيد بن ناصح أبو عَصيدة النحوي .
في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٧٣ [٣٧٨]): «أحمد بن عبيد ثنا طاهر بن محمد ... ».
قال الأستاذ (ص ٤٢): «فلم يكن بعمدة، كما ذكره [١/ ١٢٦] الذهبي في ترجمة عبد الملك الأصمعي من «الميزان». وقال الخطيب (٢/ ٢٦٠): «قال ابن عدي: يحدِّث بمناكير. وقال أبو أحمد [الحاكم الكبير]: لا يتابعَ في جُلِّ حديثه».
أقول: لفظ ابن عدي على ما في «تهذيب التهذيب» (٣): «حدَّث عن الأصمعي ومحمد بن مصعب بمناكير». قال ابن حجر: «قال الحاكم
стр. 267
أبو عبد الله: هو إمام في النحو، وقد سكت مشايخنا عن الرواية عنه، وقال ابن حبان في «الثقات» (١): «ربما خالف». وقال ابن عدي: «هو عندي من أهل الصدق».
أقول: كأنَّ ابن حبان وابن عدي رأيا أنه لا يتعمَّد الكذب، ولكن يخطئ ويَهِم؛ مع احتمال أن يكون البلاء في كثير من مناكيره من محمد بن مصعب، فإنه ضعيف يروي المناكير، واتهمه بعضهم.
فأما الأصمعي فثقة. ويأتي إن شاء الله تعالى في ترجمته (٢) ذِكْر الحديث الذي أورده الأزدي من طريق أحمد بن عبيد هذا عن الأصمعي، واستنكره هو وغيره، فأجاب الذهبي بأن أحمد بن عبيد ليس بعمدة. فأخذها الأستاذ هنا، وأعرض عنها عندما احتاج إلى الكلام في الأصمعي! والله المستعان.
٢٦ - أحمد بن عليّ بن ثابت أبو بكر الخطيب البغدادي، مؤلف «تاريخ بغداد» (٣).
قال ابن الجوزي في «المنتظم» (ج ٨ ص ٢٦٧): «كان أبو بكر الخطيب قديمًا على مذهب أحمد بن حنبل، فمال عليه أصحابنا [الحنابلة] لِمَا رأوا
стр. 268
من ميله إلى المبتدعة وآذوه، فانتقل إلى مذهب الشافعي».
أقول: أقدِّم النظر في عقيدة الخطيب .
زعم بعضهم أنه كان يذهب إلى مذهب الأشعري، فردَّ الذهبي ذلك بقوله: «قلت: مذهب الخطيب في الصفات أنها تُمَرُّ كما جاءت، صرَّح بذلك في تصانيفه» (١). فاعترضه ابن السبكي في «طبقات الشافعية» (ج ٣ ص ١٣) (٢) بقوله: «قلت: هذا مذهب الأشعري ... وللأشعري قول آخر بالتأويل».
أقول: الذي شهَّره المتعمِّقون عن الأشعري التأويل، وإن كان آخر مصنفاته «كتاب [١/ ١٢٧] الإبانة» أعلن فيه اعتماده مذهب الإمام أحمد وأهل الحديث. فالقائل: إن الخطيب كان يذهب مذهب الأشعري أَوْهَم أنه كان من المتأوّلين، ولم يزد الذهبي على دفع هذا الإيهام ولكن ابن السبكي لغلوِّه شديد العقوق لأستاذه الذهبي.
وقد نقل الذهبي في «تذكرة الحفاظ» (ج ٣ ص ٣١٩) (٣) فصلًا من كلام الخطيب في الاعتقاد (٤) ينفي عنه التأويل والتعطيل. قال الخطيب: «أما الكلام في الصفات، فإن ما روي منها في السنن الصحاح مذهبُ السلف:
стр. 269
إثباتُها، وإجراؤها على ظواهرها، ونفيُ الكيفية (١) والتشبيه عنها. وقد نفاها قوم، فأبطلوا ما أثبته الله. وحقَّقها قوم من المثبتين، فخرجوا بذلك إلى ضرب من التشبيه والتكييف. والفصل إنما هو سلوك الطريقة المتوسطة بين الأمرين ... ».
ويظهر أن ابن الجوزي أَمْيَل إلى المبتدعة من الخطيب. قال شيخ الإسلام ابن تيمية في «شرح العقيدة الأصفهانية» (ص ٦٨) (٢): «وأما الانتساب، فانتسابُ الأشعري وأصحابه إلى الإمام أحمد خصوصًا وسائر أئمة الحديث عمومًا ظاهر مشهور في كتبهم كلها. وما في كتب الأشعري مما يوجد مخالفًا للإمام أحمد وغيره من الأئمة، فيوجد في كلام كثيرٍ من المنتسبين إلى أحمد ــ كأبي الوفاء بن عقيل وأبي الفرج ابن الجوزي، وصدقة بن الحسين، وأمثالهم ــ ما هو أبعد عن قول أحمد والأئمة من قول الأشعري وأئمة أصحابه».
وإذ قد بان أن عقيدة الخطيب كانت مباينةً لعقائد المبتدعة، فلننظر في انتقاله عن مذهب أحمد في الفروع.
الظاهر أن معنى أنه كان على مذهب أحمد: أن والده وأهله كانوا على مذهب أحمد، وأنه هو انتقل إلى مذهب الشافعي في صغره زمان طلبه
стр. 270
العلم. فما الباعث له على الانتقال؟ يقول ابن الجوزي: [١/ ١٢٨] إن ذلك لميل الحنابلة عليه وإيذائهم له. فلماذا آذوه؟ يقول ابن الجوزي: لما رأوا من ميله إلى المبتدعة. قد تقدم إثبات أن عقيدة الخطيب كانت مباينة لعقائد المبتدعة، وذلك ينفي أن يكون ميلُه إليهم رغبةً منه في بدعتهم أو موافقةً عليها، فما معنى الميل؟ وما الباعث عليه؟
كان الحنابلة في ذاك العصر ينفرون بحقٍّ مِن كلِّ مَن يقال: إنه أشعري أو معتزلي، وينفرون عن الحنفية والمالكية والشافعية لشيوع البدعة فيهم. وكان كثير من الحنابلة يبالغون في النفرة ممن نفروا عنه، فلا يكادون يروون عنه إذا كان من أهل الرواية، ولا يأخذون عنه غير ذلك من العلوم؛ وإذا رأوا الطالب الحنبلي يتردَّد إلى حنفي أو مالكي أو شافعي سخطوا عليه. وقد ذكر ابن الجوزي نفسه في «المنتظم» (ج ٩ ص ٢١٣) عن أبي الوفاء بن عقيل الحنبلي قال: «وكان أصحابنا الحنابلة يريدون مني هجرانَ جماعة من العلماء، وكان ذلك يحرمني علمًا نافعًا». وتقدم (١) في ترجمة أحمد بن عبد الله أبي نعيم الأصبهاني ما لفظه: «قال إنسان: من أراد أن يحضر مجلس أبي نعيم فليفعل ــ وكان مهجورًا في ذلك الوقت بسبب المذهب، وكان بين الحنابلة والأشعرية تعصُّب زائد يؤدي إلى فتنة وقال وقيل وصداع ــ فقام إلى ذلك الرجل أصحاب الحديث بسكاكين الأقلام، وكاد أن يُقتل». مع أن مجلس أبي نعيم إنما كان لسماع الحديث، لا للدعوة إلى الأشعرية.
وقد قال ابن الجوزي في «المنتظم» (ج ٨ ص ٢٦٧) في وصف
стр. 271
الخطيب: «كان حريصًا على علم الحديث، وكان يمشي في الطريق وفي يده جزء يطالعه». وقال قبل ذلك بورقة: «أول ما سمع الحديث في سنة ٤٠٣ وهو ابن إحدى عشرة سنة ... وأكثَرَ من السماع من البغداديين، ورحل إلى البصرة، ثم إلى نيسابور، ثم إلى أصبهان، ودخل في طريقه همذان والجبال، ثم عاد إلى بغداد، وخرج إلى الشام وسمع بدمشق وصور، ووصل إلى مكة ... وقرأ «صحيح البخاري» على كريمة ... في خمسة أيام».
أقول: فحرصُه على تحصيل العلم وولوعُه به هو الذي كان يحمله على أن يقصد كلَّ من عُرِف بالعلم مهما كان مذهبه وعقيدته، وكان الحنابلة إذ ذاك يخافون عليه بحقٍّ أن يقع في البدعة، وإذ كانت نَهمتُه تَضطرُّه إلى الانطلاق في مخالفتهم، وغيرتُهم تضطرُّهم إلى المبالغة في كفِّه= بلغ [١/ ١٢٩] الأمر إلى الإيذاء. وكان ــ وهو حنبلي ــ لا يرجو من غيرهم أن يعطف عليه، ويحميه، وينتصر له؛ فاحتاج أن يتحوَّل إلى مذهب الشافعي، ليحميه الشافعيون، ولا يعارضوه في الاختلاف إلى من شاء من أهل العلم مهما كان مذهبه وعقيدته؛ لأن الشافعية لم يكونوا يضيِّقون في ذلك، مع أنهم إنما استفادوا الخطيب، فهم أشدّ مسامحةً له. وهذا، وإن نفعه من جهة الظفر بأنصار أقوياء يتمكن في حمايتهم من طلب العلم كيف شاء، لكن من شأنه أن يزيد حنقَ الحنابلة عليه وغيظَهم منه. وكانت بغداد مقرَّ الحنابلة، وأكثر العامة معهم، والعامة كما لا يخفى إذا اتصل بهم السخط على رجل تسارعوا إلى إيذائه وبالغوا.
قال الكوثري في «التأنيب» (ص ١٢): «وفي «مرآة الزمان» لسبط ابن الجوزي: وقال ابن طاهر: جاء جماعة من الحنابلة يوم الجمعة إلى حلقة الخطيب بجامع
стр. 272
المنصور، فناولوا حَدَثًا صبيحَ الوجه دينارًا، وقالوا له: قِفْ بإزائه ساعة وناوِلْه هذه الرقعة. فناوله الصبيُّ وإذا فيها (ما ذكره السبط مما لا حاجة إلى ذكره هنا) ثم قال: وكانوا يعطون السقَّاء قطعة يوم الجمعة، فكان يقف من بعيد بإزائه، ويُميل رأس القربة، وبين يديه أجزاء، فيبتلُّ الجميع، فتتلف الأجزاء. وكانوا يطيِّنون عليه باب داره في الليل، فربما احتاج إلى الغسل لصلاة الفجر، فتفوته ... ».
قال الكوثري: «وفي ذلك عِبَر من ناحية الخطيب وأحوال الحنابلة في آن واحد».
أقول: السبط ليس بعمدة، كما يأتي (١)؛ وابن طاهر لم يدرك الخطيب، لكن ما تضمنته القصة من تتبُّع أولئك العامة للخطيب وإيذائه يوافق في الجملة ما تقدم عن ابن الجوزي. وكذلك يوافق ما في «تذكرة الحفاظ» (ج ٣ ص ٣١٨) (٢) عن الحافظ المؤتَمَن الساجي: «تحاملت الحنابلة على الخطيب حتى مال إلى ما مال إليه».
وابن الجوزي نفسه يتألم آخر عمره من أصحابه الحنابلة حتى قال في «المنتظم» (ج ١٠ ص ٢٥٣) بعد أن ذكر تسليم المدرسة إليه وحضور الأكابر وإلقاءه الدرس: «وكان يومًا مشهودًا لم يُر مثلُه، ودخل على قلوب أهل المذهب غمٌّ عظيم». وزاد سبطه في «المرآة» عنه: «لأنهم حسدوني». قال السبط: «وكان جدِّي يقول: والله لولا أحمد والوزير ابن هُبيرة لانتقلت عن المذهب، فإني لو كنت حنفيًّا أو شافعيًّا لحملني القوم على رؤوسهم».
стр. 273
وليس السبط بعمدة، لكن عبارة «المنتظم» تُشعر بصحة الزيادة. هذا حال [١/ ١٣٠] ابن الجوزي في آخر عمره، فأما الخطيب فإنه كان انتقاله في حداثته؛ ليتمكَّن من طلب العلم، لا ليُحمل على الرؤوس. وكأنَّ كلام ابن الجوزي هذا مما جرَّأ السبط على الانتقال إلى مذهب أبي حنيفة تقرُّبًا إلى الملك عيسى بن أبي بكر الأيوبي. وقد دافع عنه صاحب «الذيل» على كتابه «المرآة» ــ كما في «لسان الميزان» (١) ــ بقوله: «وعندي أنه لم ينتقل عن مذهبه إلا في الصورة الظاهرة». وهذا العذر يدفع احتمال أن يكون انتقل تديُّنًا، ويعيِّن أنه إنما انتقل لأجل الدنيا.
فصل
قد علمتَ بعض ما كان يلقاه الخطيب من إيذاء العامة حتى في الجامع وقت إملاء الحديث، وفي بيته إذ كانوا يطيِّنون عليه بابه، فيحُولون بينه وبين شهود الجماعة. عاش الخطيب في هذا الوسط إلى أن ناهز الستين من عمره، وأولئك المؤذون يتعاقبونه نهارًا وليلًا يتمنَّون أن يقفوا له على زلَّة، أو يعثروا له على عثرة، فيشيعوها ويذيعوها، ويدوِّنها خصومه في كتبهم وتواريخهم، لكنه لم يكن من ذلك شيء. أفليس في هذا الدلالة القاطعة على نزاهة الخطيب وطهارة سيرته؟
اللَّهم إلا أن في «معجم الأدباء» لياقوت (ج ٤ ص ٢٩) (٢) عن ابن السمعاني عن عبد العزيز النخشبي أنه قال في «معجم شيوخه»: «ومنهم
стр. 274
أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب ... حافظ فَهِم، ولكنه كان يُتَّهم بشرب الخمر. كنت كلما لقيته بدأني بالسلام، فلقيته في بعض الأيام، فلم يسلِّم عليَّ، ولقيته شبه المتغير، فلما جاز عني لحقني بعض أصحابنا وقال لي: لقيتَ أبا بكر الخطيب سكران؟ فقلت له: قد لقيتُه متغيرًا، واستنكرتُ حاله، ولم أعلم أنه سكران. ولعله قد تاب إن شاء الله تعالى». قال ابن السمعاني: «ولم يذكر عن (١) الخطيب ﵀ هذا إلا النخشبي، مع أني لحقتُ جماعة كثيرة من أصحابه».
أقول: النخشبي لم يكن من أهل بغداد، وإنما دخلها في رحلته. وابن السمعاني نَخَل (٢) بغداد [١/ ١٣١] نَخْلًا، وجمع تاريخًا لها، ولقي جماعةً لا يُحصَون من موافقي الخطيب ومخالفيه وأصدقائه وأعدائه من المتثبتين والمجازفين. ومعروف في العادة أنه لا يشرب المسكِر فيتغير، ثم يخرج يجول في الشوارع إلا من صار شربُ المسكر عادةً له، لا يبالي أن يطلع عليها الناس، وإذا صار عادة استمرَّ زمانًا. فلو كانت هذه حال الخطيب لَما خفيت على جميع أهل بغداد، وفيهم من أعداء الخطيب جماعة يراقبون حركاته وسكناته، ويطيِّنون عليه باب داره بالليل، ويتعطَّشون إلى أن يظفروا له بعثرة ليذيعوها، فيشتفوا بدلًا مما يسيئون به إلى أنفسهم وإلى مَن ينتسبون إليه أكثر من إساءتهم إلى الخطيب.
وفي ذلك مع ظاهر سياق عبارة النخشبي أنه إنما أخذ التهمة من
стр. 275
القصة (١) التي حكاها. وحاصلها: أنه كان يعرف من عادة الخطيب أنه إذا لقيه بدأه بالسلام، حتى لقيه مرة، فلم يبدأه بالسلام. والظاهر أن النخشبي بدأ هو بالسلام، فردَّ عليه الخطيب، ولم ينبسط إليه؛ فإن النخشبي من أهل العلم، فلم يكن ليترك السلام معتذرًا بأن الخطيب لم يبدأه، مع أن الظاهر أن النخشبي أصغر من الخطيب وإن مات قبله، والسنَّةُ أن الأصغر أولى أن يبتدئ بالسلام. ولو سلَّم على الخطيب فلم يردَّ عليه لحكى ذلك، فإنه أدلُّ على مقصوده، فاستنكر النخشبي من الخطيب أنه لم يبدأه بالسلام، ولا انبسط إليه على عادته، فعدَّ ذلك شبهَ تغيُّر، ومعلوم أن الإنسان قد يعرض له ما تضيق به نفسه مِن هَمٍّ أو غم، أو تفكير في حل مشكل، أو تكدُّر خاطر من سماع مكروه، أو إيذاء مؤذٍ؛ فيقصِّر عما جرت به عادته من الانبساط وحُسن الخلق.
والنخشبي يقول: «لحقني بعض أصحابنا وقال لي: لقيتَ الخطيب سكران؟ » أحسبه يعني بقوله: «أصحابنا» الحنابلة. فكأنه لقي الخطيب بعض العامة الذين يتعاقبون الخطيب ويؤذونه كما سلف، وكأنه آذى الخطيب وأسمعه المكروه، فأعرض الخطيب وتغافل متكدِّرًا، وأسرع في المشي، فمرَّ بالنخشبي ــ وهو حديث عهد بسماع المكروه من بعض أصحابه ــ فلم ينبسط إليه، وكذلك صنع باللاحق. فهذا هو شبه التغير الذي رآه النخشبي، وهو السكر الذي أطلقه ذلك اللاحق (٢). هذا كله دفع للاحتمال، فأما
стр. 276
الثبوت الشرعي فلا حظَّ [١/ ١٣٢] لتلك الحكاية فيه بحال (١).
فصل
بعد أن قضى الخطيب قريبًا من ستين سنة على الحال التي تقدمت من الانهماك في العلم ليلًا ونهارًا، حتى كان يمشي في الطريق وبيده جزء يطالعه، وفي تلك الصيانة والنزاهة التي أعجز بها أولئك المؤذين، فلم يعثروا له على عثرة= خرج من بغداد في أيام الفتن، وقصد دمشق وأقام بها. وكانت إذ ذاك تحت ولاية العُبيديين الرافضة الباطنية، ولكن كانوا يتظاهرون بعدم التعرُّض لعلماء السنة، فاستمرّ الخطيب على أعماله العلمية إلى أن بلغ عمره خمسًا وستين سنة. وحينئذ أمر أمير دمشق من جهة العبيديين الرافضة الباطنية بالقبض على الخطيب ونفيه عن دمشق. فأما مؤرخ دمشق الحافظ الثبت ابن عساكر فقال: «سعى بالخطيب حسين الدميني إلى أمير الجيوش، وقال: هو ناصبي يروي فضائل الصحابة والعباس في جامع دمشق».
فهذا سبب واضح لنفي الخطيب، فإن العُبيديين رافضة باطنية يكفِّرون الصحابة والعباس، ويسرفون في بغضهم، ويرون في نشر فضائل الصحابة والعباس على رؤوس الأشهاد بجامع دمشق تحدِّيًا لهم، وتنفيرًا عنهم، ودعوةً إلى الخروج عليهم، ودعايةً لخصومهم بني العباس الذين كانوا ينازعونهم الخلافة ويقاتلونهم عليها.
وأما ابن طاهر ــ وما أدراك ما ابن طاهر ــ فحكى سببًا آخر، وقبل أن
стр. 277
أشرحه أذكر شيئًا من حال ابن طاهر. يقول ابن الجوزي في ترجمة ابن طاهر من «المنتظم» (ج ٩ ص ١٧٨): « ... فمن أثنى عليه فلأجل حفظه للحديث، وإلا فالجرح أولى به. ذكره أبو سعد ابن السمعاني وانتصر له بغير حجة بعد أن قال: سألت شيخنا إسماعيل بن أحمد الطلحي عن محمد بن طاهر، فأساء الثناء عليه، وكان سيئ الرأي فيه، وقال: سمعت أبا الفضل محمد بن ناصر يقول: محمد بن طاهر لا يُحتجُّ به، صنَّف كتابًا في جواز النظر إلى المُرْد، وأورد فيه حكاية عن يحيى [١/ ١٣٣] بن معين قال: رأيت جاريةً بمصر مليحةً صلى الله عليها، فقيل له: تصلي عليها؟ فقال صلى الله عليها وعلى كل مليح! ثم قال: كان يذهب مذهب الإباحة. قال ابن السمعاني: وذكره أبو عبد الله محمد بن الواحد الدقَّاق الحافظ، فأساء الثناء عليه جدًّا، ونسبه إلى أشياء. ثم انتصر له ابن السمعاني فقال: لعله قد تاب. فوا عجبًا ممن سيرته (١) قبيحة فيترك الذمَّ لصاحبها لجواز أن يكون قد تاب! ما أبله هذا المنتصر!
ويدلُّ على صحة ما قاله ابن ناصر من أنه كان يذهب مذهب الإباحة: ما أنبأنا به أبو المعمر المبارك بن أحمد الأنصاري قال: أنشدنا أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي لنفسه:
دع التصوفَ والزهدَ الذي اشتغلتْ ... به جوارحُ أقوامٍ من الناسِ
وعُجْ على دير داريا فإن به الرْ ... رُهبانَ ما بين قِسِّيس وشَمَّاسِ
فاشرَبْ معتَّقةً من كفِّ كافرةٍ ... تسقيك خمرَين من لحظ ومن كاسِ
стр. 278
ثم استمِعْ رنَّةَ الأوتار من رشَأٍ ... مهفهَفٍ لحظُه أمضَى من الماسِ»
وذكره الذهبي في «تذكرة الحفاظ» (٤/ ٣٧) (١) وذبَّ عنه. قال: «الرجل مسلم، معظِّم للآثار، وإنما كان يرى إباحة السماع [يعني سماع الغناء والملاهي] لا الإباحة المطلقة ... معلوم جواز النظر إلى المِلاح عند الظاهرية، فهو منهم». وذكر ثناء جماعة عليه، وله ترجمة في «لسان الميزان» (٢). والمقصود أن ابن طاهر كان له ولوع بالجمال وتعلُّق به وتسمُّح فيه، وإن لم يخرجه إن شاء الله تعالى إلى ما يوجب الفسق. وإنما ذكرته هنا، لأن له أثرًا على حكايته الآتية، كما سترى.
في «تذكرة الحفاظ» (ج ٣ ص ٣١٨) (٣): «قال ابن طاهر في «المنثور»: أخبرنا مكي الرملي [صوابه الرُّمَيلي] قال: كان سبب خروج الخطيب من دمشق أنه كان يختلف إليه صبيٌّ مليح، فتكلَّم فيه الناس، وكان أمير البلد رافضيًّا متعصبًا، فجعل ذلك سببًا للفتك بالخطيب، فأمر صاحبَ شرطته أن يأخذ الخطيب بالليل ويقتله، وكان سنِّيًّا، فقصده تلك الليلة في جماعته، فأخذه، وقال له بما أُمر به، ثم قال: لا أجد لك حيلةً إلا أنك تفرُّ منَّا وتهجم دار الشريف ابن أبي الحسن العلوي ... ففعل ذلك. فأرسل الأمير إلى الشريف أن يبعث به، فقال له: أيها [١/ ١٣٤] الأمير ... ليس في قتله مصلحة ... أرى أن تُخرجه من بلدك. فأمر بإخراجه، فذهب إلى صُورٍ، وأقام بها مدة».
стр. 279
وذكر ياقوت في «معجم الأدباء» (ج ٤ ص ٣٤) (١) عن ابن طاهر نحو ذلك وفيه: « ... كان يختلف إليه صبيّ مليح الوجه ــ قد سمّاه مكيٌّ، وأنا نكَبتُ عن ذكره ــ».
أقول: قد عرفتَ ابن طاهر. فأما مكّي الرميلي الذي حكى ابن طاهر القصة عنه، فحافظ فاضل شافعي كالخطيب، ومن تلامذة الخطيب المعظِّمين له. ترجمته في «تذكرة الحفاظ» (ج ٤ ص ٢٢) (٢)، و «الطبقات الشافعية» (ج ٤ ص ٢٠) (٣). وذكروا أنه سمع من الخطيب بصُور، ثم سمع منه ببغداد كما يعلم من «ترجمة الخطيب»، وكان مبجِّلًا للخطيب. روى ابن عساكر عنه أنه رأى في المنام لما كانوا يقرؤون على الخطيب «تاريخه» ببغداد أنه حضر مجلس الخطيب لقراءة التاريخ على العادة، فرأى رجلًا لم يعرفه، فسأل عنه، فقيل له: هذا رسول الله ﷺ جاء ليسمع «التاريخ». انظر الرؤيا مبسوطة في «طبقات الشافعية» (ج ٣ ص ١٥) (٤) وذكرها الذهبي في «تذكرة الحفاظ» (ج ٣ ص ٣٢١) (٥) قال: «قال غيث الأَرْمَنازي: قال مكي الرُّميلي: كنت ببغداد نائمًا في ليلة ثاني عشر في ربيع الأول سنة ثلاث وستين، فرأيت كأنا عند الخطيب لقراءة «تاريخه» على العادة ... ».
стр. 280
ويؤخذ مما تقدَّم أن الرُّميلي لم يلق الخطيب إلا بعد خروج الخطيب من دمشق، فلم يحضر الرميلي ذلك الخروج، فهل أخبره الخطيب بسبب إخراجه؟
قد عرفنا الخطيب، وعرفنا الرميلي، وعرفنا ابن طاهر؛ فما الذي يُتوقّع من الخطيب بعد شيخوخته؟ وما الذي يتوقع أن يخبر به عما جرى له؟ وما الذي يتوقع أن يخبر به الرميلي عن أستاذه المبجَّل؟ وما الذي يتوقع من ابن طاهر؟
أما السؤال الأول: فالعادةُ قاضيةٌ أن العالم الفاضل المستغرق في العلم، الذي قضى عامة عمره في صيانة ونزاهة، يمتنع أن يعرض له بعد شيخوخته داء العلاقة بالصبيان.
وأما الثاني: فمن عرف الخطيب ونزاهته وصيانته وعقله وتحفُّظَه، علم امتناع أن يخبر في شيخوخته بما يشينه شَينًا مُزرِيًا.
[١/ ١٣٥] وأما الثالث: فيبعد جدًّا أن يحكي الرميلي ما يشين أستاذه الذي يبجِّله ذاك التبجيل.
وأما الرابع: فقد طهَّر الله ابن طاهر من اختلاق الكذب، ولكن لا مانع أن يسمع حكايةً لها علاقةٌ ما بالجمال الذي كان مولعًا به متسمِّحًا في شأنه، فتصطبغ في نفسه صبغةً تناسب هواه، فيحكيها بتلك الصبغة على وجه الرواية بالمعنى. فعسى أن يكون بعض أعداء الخطيب في دمشق لما سعوا به إلى ذاك الأمير الرافضي ــ على ما تقدَّم عن ابن عساكر ــ توقَّف؛ لأن أكثر أهل الشام أهل سنة، ويخشى أن يعلموا أنه تعرَّض للخطيب لأجل
стр. 281
المذهب، ففكَّر أولئك السُّعاة في حيلة، فرأوا في طلبة العلم الذين كانوا يختلفون إلى الخطيب فتى صبيحًا، فتكلموا بين الناس بأن في اختلاف مثله إلى الخطيب ريبة، وربما اختلقوا ما يوقع الريبة عند بعض الناس، ثم قالوا للأمير: تأخذ الخطيب على أنك إنما أخذته بهذه التهمة التي قد تحدَّث بها الناس.
فإذا كانت الواقعة هكذا فهي معقولة، فقد يقع مثلها لأفضل الناس، ويُخبر بوقوعها له أعقلُ الناس وأحزمُهم إذا كان يعلم أن معرفتهم بحاله تحجزهم عن أن يتخرَّصوا منها ما يكره، ويحكي وقوعها لأستاذه أبرُّ الناس وأوفاهم، لكن ابن طاهر لما سمعها اصطبغت في فهمه ثم في حفظه ثم في عبارته بميله وهواه ورأيه الذي ألَّف فيه. ويؤيد هذا أن الرميلي لما حكى القصة سمَّى ذاك الفتى ولم ير في ذكر اسمه غضاضةً عليه، فلما حكاها ابن طاهر لم يسمِّه، بل قال: «قد سماه مكي وأنا نكَبتُ عن ذكره»؛ لأن لونها عند ابن طاهر غير لونها عند مكي. ولم يحتج ابن طاهر إلى تسميته كما احتاج إلى ذكر وقوع القصة للخطيب لتكون شاهدًا لابن طاهر على ما يميل إليه، كما استشهد بما حكاه عن ابن معين من قصة الجارية.
فتدبَّرْ ما تقدَّم، ثم استمِعْ لسبط ابن الجوزي وتصرُّفه! قال الذهبي في «الميزان» (١): «يوسف بن قِزُغْلي (٢) الواعظ المؤرّخ شمس الدين
стр. 282
أبو المظفر سبط ابن الجوزي. روى عن جده وطائفة، وألَّف «مرآة الزمان» فتراه يأتي فيه بمناكير الحكايات، وما أظنه بثقة فيما ينقله بل يَجْنِفُ ويجازف. ثم إنه ترفَّض وله في ذلك مؤلف ... قال الشيخ محيي الدين .... : لما بلغ جدِّي موتُ سبط ابن الجوزي قال: لا ﵀! كان رافضيًّا. قلت: كان بارعًا في الوعظ ومدرسًا للحنفية».
[١/ ١٣٦] أقول: قد تقدم أنه كان حنبليًّا، ثم تحنَّف في الصورة الظاهرة على ما قاله مذيِّلُ «مرآته» (١)؛ لأجل الحظوة عند الملك عيسى بن أبي بكر بن أيوب، الذي يلقبه الكوثري: «عالم الملوك الملك المعظَّم». فإن هذا الملك كان أهله شافعية، فتحنَّفَ وتعصَّبَ. قال فيه المُلَّا عليّ القاري الحنفي ــ كما في «الفوائد البهية في مناقب الحنفية» (ص ١٥٢) ــ: «كان متغاليًا في التعصّب لمذهب أبي حنيفة. قال له والده يومًا: كيف اخترتَ مذهب أبي حنيفة، وأهلك كلهم شافعية؟ فقال: أترغبون عن أن يكون فيكم رجل واحد مسلم! ».
وهذا الملك قد أثنى عليه خليلُه السِّبْط في «المرآة»، ومع ذلك ذكَرَه في مواضع متفرقة بفظائع. وقد سبق له ذكر في ترجمة أحمد بن الحسن بن خيرون (٢)، وذكرتُ المانع من تتبّع هفواته.
فأما السِّبْط، فقد مرَّ عن الذهبي ما علمتَ، ومَن طالع «المرآة» علم
стр. 283
صدق الذهبي فيما يتعلق بالحكايات المنكرة، والمجازفات ولاسيما فيما فيه مدح لنفسه. ويظهر من «المرآة» ما يوافق قول صاحب «الذيل عليها» أنه إنما تحنَّف في الصورة الظاهرة. وكذلك لا يظهر منها أنه رافضي، فكأنه إنما ألَّف كتابه في الترفُّض تقربًا إلى بعض الرافضة من أصحاب الدنيا. فهذا المجازف اتصل بالملك عيسى، وقد عرفتَ بعضَ حاله في التعصّب، فتحنَّف السِّبطُ إرضاءً له، وألَّف كلّ منهما ردًّا على الخطيب، كما مرَّ في ترجمة أحمد بن الحسن بن خيرون. وحاول السِّبْط التقرّبَ إلى عيسى بذمِّ الخطيب، وذكر حكاية ابن طاهر، فزاد فيها.
قال الأستاذ (ص ١٢): «قال سبط ابن الجوزي في «مرآة الزمان»: قال محمد بن طاهر المقدسي: لما هرب الخطيب من بغداد عند دخول البساسيري إليها قدم دمشقَ، فصحبه حَدَثٌ صبيحُ الوجه كان يختلف إليه، فتكلم الناس فيه وأكثروا، حتى بلغ واليَ المدينة ــ وكان من قبل المصريين شيعيًّا ــ فأمر صاحبَ الشرطة بالقبض على الخطيب وقتله، وكان صاحب الشرطة سُنِّيًّا فهجم عليه، فرأى الصبي عنده، وهما في خلوة، فقال للخطيب: قد أمر الوالي بقتلك، وقد رحمتُك ... فأخرجوه فمضى إلى صُور، واشتد غرامه بذلك الصبي، فقال فيه الأشعار فمن شعره ... ».
فيقال لهذا الجانف المجازف: توفي ابن طاهر قبل أن يولد جدُّك، فمن أين لك هذه الحكاية عنه على هذا اللون؟ قد حكاها غيرك عن ابن طاهر، حتى ياقوت مع شدة غرامه بالحكايات [١/ ١٣٧] الفاجرة حتى في ترجمة الكسائي، فلم يذكروا فيها ما ذكرت. بل نقلها خليلُك الملك عيسى في «رده على الخطيب» (ص ٢٧٧) من خط ابن طاهر ــ كما قال ــ ولم يذكر هذه
стр. 284
الزيادة ولا ما يشير إليها. استفدتُ هذه من ترجمة الخطيب للدكتور يوسف العُش (١).
وكانت القصة وابن طاهر في سنِّ تسع سنين، ولم يكن بدمشق، فممَّن سمع الحكاية؟ لم يسمعها على هذا الوجه من مكّي الرميلي، فإنه حكى ما سمعه من مكي على غير هذا، وقد تقدم حال مكيّ بما يُعْلَم أنه يمتنع أن يحكيها على هذا الوجه أو ما يقرب منه، مع أن مكيًّا لم يشهد القصة، فممن سمعها؟ وفي أقل من هذا ما يتضح به نكارة القصة على هذا الوجه وبطلانها. ولو كان السبط ثقة لاتجه الحملُ على ابن طاهر وتثبيت مجازفته، لكن حال السِّبْط كما علمت، وقد حكاها غيره عن ابن طاهر على وجه يُغتفر في الجملة، فالحملُ على السِّبط.
أما الأشعار المنسوبة إلى الخطيب، فلا أدري ما يصح منها. وما وُجد منها بخطه قد يكون لغيره، وما عسى أن يكون له فذاك على عادة العلماء الذين أخذوا بحظٍّ من الأدب؛ يقول أحدهم الأبياتَ على طراز ما عُرِف من شعراء زمانه، كما ينقل عن ابن سُريج وغيره.
وما في «معجم الأدباء» (٢) عن أبي العز ابن كادش لا يُعبأ به. ترجمة ابن كادش في «لسان الميزان» (ج ١ ص ٢١٨) (٣) وفيها عن ابن النجار: «كان مخلِّطًا كذَّابًا لا يُحتجُّ بمثله». وتكلم فيه ابن ناصر وغيره. وذكر ابن
стр. 285
عساكر أن ابن كادِش أخبره أنه وضع حديثًا في فضل أبي بكر وتبجَّح بذلك قائلا: «بالله أليس فعلت جيدًا؟».
فقد اتضح بحمد الله سلامةُ الخطيب في عقيدته، ونزاهته في سيرته، وأنَّ ما ظُنَّ غمزًا في سيرته ــ مع وضوحِ أنه ليس مما يُعتدُّ به شرعًا ــ ليس مما يسوغ احتماله تخرُّصًا، بل تقضي القرائن وشواهد الأحوال وقضايا العادات ببطلانه.
ومن المضحك المبكي صنيع الأستاذ الكوثري يقول (ص ١٠) في الخطيب: «على سوء سلوكٍ يُنسب إليه، ويجعله في عداد أمثال أبي نواس في هُجر القول وسوء الفعل». ويقول (ص ٥١): «إذًا فماذا يكون حاله حينما اقترف ذلك الذنب في دمشق»، ويورد عن سبط ابن الجوزي القصة محتجًّا بها. وفي مقابل ذلك يرى كلام الأئمة في الحسن بن زياد اللؤلؤي الذي كذَّبه [١/ ١٣٨] ابن معين وابن نُمير وأبو داود وأبو ثور ويعقوب بن سفيان وغيرهم، وقال صالح بن محمد الحافظ الملقب جَزَرة: «ليس بشيء، لا هو محمود عند أصحابنا ولا عند أصحابهم، يُتهم بداء سوء، وليس في الحديث بشيء». وفي «لسان الميزان» (ج ٢ ص ٢٠٩) (١): «قال أبو داود عن الحسن بن علي الحُلْواني: رأيت اللؤلؤي قبَّل غلامًا وهو ساجد، ... وقال أحمد بن سليمان الرُّهاوي: «رأيته يومًا في الصلاة، وغلام أمرد إلى جانبه في الصف، فلما سجد مدَّ يده إلى خدِّ الغلام فقرَصَه». وصالح والحُلواني والرُّهاوي كلهم من الحفاظ الثقات الأثبات= فيضِجُّ الأستاذ من هذا ويعِجُّ،