← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 337

التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل - ضمن «آثار المعلمي»

عبد الرحمن المعلمي اليماني

Полный текст (1 489 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

المذهب، ففكَّر أولئك السُّعاة في حيلة، فرأوا في طلبة العلم الذين كانوا يختلفون إلى الخطيب فتى صبيحًا، فتكلموا بين الناس بأن في اختلاف مثله إلى الخطيب ريبة، وربما اختلقوا ما يوقع الريبة عند بعض الناس، ثم قالوا للأمير: تأخذ الخطيب على أنك إنما أخذته بهذه التهمة التي قد تحدَّث بها الناس. فإذا كانت الواقعة هكذا فهي معقولة، فقد يقع مثلها لأفضل الناس، ويُخبر بوقوعها له أعقلُ الناس وأحزمُهم إذا كان يعلم أن معرفتهم بحاله تحجزهم عن أن يتخرَّصوا منها ما يكره، ويحكي وقوعها لأستاذه أبرُّ الناس وأوفاهم، لكن ابن طاهر لما سمعها اصطبغت في فهمه ثم في حفظه ثم في عبارته بميله وهواه ورأيه الذي ألَّف فيه. ويؤيد هذا أن الرميلي لما حكى القصة سمَّى ذاك الفتى ولم ير في ذكر اسمه غضاضةً عليه، فلما حكاها ابن طاهر لم يسمِّه، بل قال: «قد سماه مكي وأنا نكَبتُ عن ذكره»؛ لأن لونها عند ابن طاهر غير لونها عند مكي. ولم يحتج ابن طاهر إلى تسميته كما احتاج إلى ذكر وقوع القصة للخطيب لتكون شاهدًا لابن طاهر على ما يميل إليه، كما استشهد بما حكاه عن ابن معين من قصة الجارية. فتدبَّرْ ما تقدَّم، ثم استمِعْ لسبط ابن الجوزي وتصرُّفه! قال الذهبي في «الميزان» (١): «يوسف بن قِزُغْلي (٢) الواعظ المؤرّخ شمس الدين

стр. 282

أبو المظفر سبط ابن الجوزي. روى عن جده وطائفة، وألَّف «مرآة الزمان» فتراه يأتي فيه بمناكير الحكايات، وما أظنه بثقة فيما ينقله بل يَجْنِفُ ويجازف. ثم إنه ترفَّض وله في ذلك مؤلف ... قال الشيخ محيي الدين .... : لما بلغ جدِّي موتُ سبط ابن الجوزي قال: لا ﵀! كان رافضيًّا. قلت: كان بارعًا في الوعظ ومدرسًا للحنفية». [١/ ١٣٦] أقول: قد تقدم أنه كان حنبليًّا، ثم تحنَّف في الصورة الظاهرة على ما قاله مذيِّلُ «مرآته» (١)؛ لأجل الحظوة عند الملك عيسى بن أبي بكر بن أيوب، الذي يلقبه الكوثري: «عالم الملوك الملك المعظَّم». فإن هذا الملك كان أهله شافعية، فتحنَّفَ وتعصَّبَ. قال فيه المُلَّا عليّ القاري الحنفي ــ كما في «الفوائد البهية في مناقب الحنفية» (ص ١٥٢) ــ: «كان متغاليًا في التعصّب لمذهب أبي حنيفة. قال له والده يومًا: كيف اخترتَ مذهب أبي حنيفة، وأهلك كلهم شافعية؟ فقال: أترغبون عن أن يكون فيكم رجل واحد مسلم! ». وهذا الملك قد أثنى عليه خليلُه السِّبْط في «المرآة»، ومع ذلك ذكَرَه في مواضع متفرقة بفظائع. وقد سبق له ذكر في ترجمة أحمد بن الحسن بن خيرون (٢)، وذكرتُ المانع من تتبّع هفواته. فأما السِّبْط، فقد مرَّ عن الذهبي ما علمتَ، ومَن طالع «المرآة» علم

стр. 283

صدق الذهبي فيما يتعلق بالحكايات المنكرة، والمجازفات ولاسيما فيما فيه مدح لنفسه. ويظهر من «المرآة» ما يوافق قول صاحب «الذيل عليها» أنه إنما تحنَّف في الصورة الظاهرة. وكذلك لا يظهر منها أنه رافضي، فكأنه إنما ألَّف كتابه في الترفُّض تقربًا إلى بعض الرافضة من أصحاب الدنيا. فهذا المجازف اتصل بالملك عيسى، وقد عرفتَ بعضَ حاله في التعصّب، فتحنَّف السِّبطُ إرضاءً له، وألَّف كلّ منهما ردًّا على الخطيب، كما مرَّ في ترجمة أحمد بن الحسن بن خيرون. وحاول السِّبْط التقرّبَ إلى عيسى بذمِّ الخطيب، وذكر حكاية ابن طاهر، فزاد فيها. قال الأستاذ (ص ١٢): «قال سبط ابن الجوزي في «مرآة الزمان»: قال محمد بن طاهر المقدسي: لما هرب الخطيب من بغداد عند دخول البساسيري إليها قدم دمشقَ، فصحبه حَدَثٌ صبيحُ الوجه كان يختلف إليه، فتكلم الناس فيه وأكثروا، حتى بلغ واليَ المدينة ــ وكان من قبل المصريين شيعيًّا ــ فأمر صاحبَ الشرطة بالقبض على الخطيب وقتله، وكان صاحب الشرطة سُنِّيًّا فهجم عليه، فرأى الصبي عنده، وهما في خلوة، فقال للخطيب: قد أمر الوالي بقتلك، وقد رحمتُك ... فأخرجوه فمضى إلى صُور، واشتد غرامه بذلك الصبي، فقال فيه الأشعار فمن شعره ... ». فيقال لهذا الجانف المجازف: توفي ابن طاهر قبل أن يولد جدُّك، فمن أين لك هذه الحكاية عنه على هذا اللون؟ قد حكاها غيرك عن ابن طاهر، حتى ياقوت مع شدة غرامه بالحكايات [١/ ١٣٧] الفاجرة حتى في ترجمة الكسائي، فلم يذكروا فيها ما ذكرت. بل نقلها خليلُك الملك عيسى في «رده على الخطيب» (ص ٢٧٧) من خط ابن طاهر ــ كما قال ــ ولم يذكر هذه

стр. 284

الزيادة ولا ما يشير إليها. استفدتُ هذه من ترجمة الخطيب للدكتور يوسف العُش (١). وكانت القصة وابن طاهر في سنِّ تسع سنين، ولم يكن بدمشق، فممَّن سمع الحكاية؟ لم يسمعها على هذا الوجه من مكّي الرميلي، فإنه حكى ما سمعه من مكي على غير هذا، وقد تقدم حال مكيّ بما يُعْلَم أنه يمتنع أن يحكيها على هذا الوجه أو ما يقرب منه، مع أن مكيًّا لم يشهد القصة، فممن سمعها؟ وفي أقل من هذا ما يتضح به نكارة القصة على هذا الوجه وبطلانها. ولو كان السبط ثقة لاتجه الحملُ على ابن طاهر وتثبيت مجازفته، لكن حال السِّبْط كما علمت، وقد حكاها غيره عن ابن طاهر على وجه يُغتفر في الجملة، فالحملُ على السِّبط. أما الأشعار المنسوبة إلى الخطيب، فلا أدري ما يصح منها. وما وُجد منها بخطه قد يكون لغيره، وما عسى أن يكون له فذاك على عادة العلماء الذين أخذوا بحظٍّ من الأدب؛ يقول أحدهم الأبياتَ على طراز ما عُرِف من شعراء زمانه، كما ينقل عن ابن سُريج وغيره. وما في «معجم الأدباء» (٢) عن أبي العز ابن كادش لا يُعبأ به. ترجمة ابن كادش في «لسان الميزان» (ج ١ ص ٢١٨) (٣) وفيها عن ابن النجار: «كان مخلِّطًا كذَّابًا لا يُحتجُّ بمثله». وتكلم فيه ابن ناصر وغيره. وذكر ابن

стр. 285

عساكر أن ابن كادِش أخبره أنه وضع حديثًا في فضل أبي بكر وتبجَّح بذلك قائلا: «بالله أليس فعلت جيدًا؟». فقد اتضح بحمد الله سلامةُ الخطيب في عقيدته، ونزاهته في سيرته، وأنَّ ما ظُنَّ غمزًا في سيرته ــ مع وضوحِ أنه ليس مما يُعتدُّ به شرعًا ــ ليس مما يسوغ احتماله تخرُّصًا، بل تقضي القرائن وشواهد الأحوال وقضايا العادات ببطلانه. ومن المضحك المبكي صنيع الأستاذ الكوثري يقول (ص ١٠) في الخطيب: «على سوء سلوكٍ يُنسب إليه، ويجعله في عداد أمثال أبي نواس في هُجر القول وسوء الفعل». ويقول (ص ٥١): «إذًا فماذا يكون حاله حينما اقترف ذلك الذنب في دمشق»، ويورد عن سبط ابن الجوزي القصة محتجًّا بها. وفي مقابل ذلك يرى كلام الأئمة في الحسن بن زياد اللؤلؤي الذي كذَّبه [١/ ١٣٨] ابن معين وابن نُمير وأبو داود وأبو ثور ويعقوب بن سفيان وغيرهم، وقال صالح بن محمد الحافظ الملقب جَزَرة: «ليس بشيء، لا هو محمود عند أصحابنا ولا عند أصحابهم، يُتهم بداء سوء، وليس في الحديث بشيء». وفي «لسان الميزان» (ج ٢ ص ٢٠٩) (١): «قال أبو داود عن الحسن بن علي الحُلْواني: رأيت اللؤلؤي قبَّل غلامًا وهو ساجد، ... وقال أحمد بن سليمان الرُّهاوي: «رأيته يومًا في الصلاة، وغلام أمرد إلى جانبه في الصف، فلما سجد مدَّ يده إلى خدِّ الغلام فقرَصَه». وصالح والحُلواني والرُّهاوي كلهم من الحفاظ الثقات الأثبات= فيضِجُّ الأستاذ من هذا ويعِجُّ،

стр. 286

ويقول (ص ١٨٨): «والعجب من هؤلاء الأتقياء الأطهار استهانتهم بأمر القذف الشنيع هكذا فيما لا يتصور قيام الحجة فيه، مع علمهم بحكم الله في القَذَفة؛ ولا يكون ذلك إلا من قلة الدين واختلال العقل». يقول هذا، ثم يرمي الخطيب بما رماه، ويصرِّح أو يكاد، مع أن القصة ــ ولو كما حكاها سبط ابن الجوزي ــ ليس فيها ما هو ظاهر في التقبيل، فضلًا عن غيره، ومع علمه بحال سبط ابن الجوزي وحال ابن طاهر، وأن السبط لم يدرك ابن طاهر ولم يذكر سنده إليه، وأن ابن طاهر لم يدرك القصة، ولا ذكر في رواية السبط مَن أخبره بها، وأن الرميلي الذي ذكر ابن طاهر القصة عنه على الوجه المذكور في «تذكرة الحفاظ» لم يشهد القصة، ولم يذكر عمن أخذها، ومع طعن الأستاذ في الرميلي إذ قال (ص ١٢١): «تجد بينهم من يجعل النبي ﵌ يحضر مجلس إقراء الخطيب لتاريخه .... ولا يكون منشأ ذلك إلا رقة الدين والنفاق الكمين»! فليتدبر القارئ: أيهما أولى بأن يكون قذفًا شرعيًّا، أكلمات الأستاذ بانيًا على ما ليس بشيء، أم قول صالح بن محمد الحافظ المبني على ما سمعه من الناس من اتهامهم اللؤلؤي: «يتهم بداء سوء»، وإخبار الحافظَين الآخرَين بما شاهداه من اللؤلؤي في حال سجوده من التقبيل وقرص الخد! وأيهما أولى بأن يكون استهانة بأمر القذف الشنيع فيما لا يُتصور قيام الحجة فيه مع العلم بحكم الله في القَذَفة! وأيّهما أولى وأحق بأن يقال فيه: «لا يكون ذلك إلا من قلة الدين واختلال العقل»! وكذلك الرُّميلي الحافظ الفاضل ليس يترتب على صدقه فيما حكى ما تقوم به حجة [١/ ١٣٩] شرعية على أن «تاريخ الخطيب» كلّه حق، فأيّ حجة

стр. 287

أو شبهة تُبعد أن يكون صادقًا فيما حكى؟ فمَن الأولى برقَّة الدين والنفاق الكمين! فصل قال ابن الجوزي في «المنتظم» (ج ٨ ص ٢٦٦) بعد أن عدَّد جملة من مصنفات الخطيب: «فهذا الذي ظهر لنا من مصنفاته. ومَن نظر فيها عرف قدرَ الرجل وما هُيِّئ له مما لم يتهيأ لمن كان أحفظ منه كالدارقطني وغيره. وقد روي لنا عن أبي الحسين ابن الطيوري أنه قال: أكثر كتب الخطيب مستفادة من كتب الصُّوري ابتدأ بها». قال ابن الجوزي: «وقد يضع الإنسان طريقًا فيُسْلَك، وما قصَّر الخطيب على كل حال». أقول: لم يسمِّ ابن الجوزي من حكى له ذاك القول عن ابن الطيوري. وابن الطيوري هذا هو المبارك بن عبد الجبار، وثَّقه جماعة، وكذَّبه المؤتمن الساجي الحافظ. والصُّوري هو محمد بن عبد الله الساحلي، ترجمته في «التذكرة» (ج ٣ ص ٢٩٣) (١)، وفيها: أن مولده سنة ست أو سبع بعد السبعين وثلاثمائة، ووفاته سنة ٤٤١، فهو أكبر من الخطيب بنحو خمس عشرة سنة. ومع حفظه ففي «التذكرة» (ج ٣ ص ٢٩٨) (٢) في ترجمة أبي نصر السِّجْزي المتوفى سنة ٤٤٤: «قال ابن طاهر: سألت الحافظ أبا إسحاق الحبَّال عن أبي نصر السِّجزي والصُّوري: أيهما أحفظ؟ فقال: كان السِّجزي

стр. 288

أحفظ من خمسين مثل الصُّوري». وفي «التذكرة» (ج ٣ ص ٣١٤) (١): «قال ابن ماكولا: كان أبو بكر الخطيب آخر الأعيان ممن شاهدناه معرفةً وحفظًا وإتقانًا وضبطًا لحديث رسول الله ﵌، وتفنّنًا في علله وأسانيده، وعلمًا بصحيحه وغريبه وفَرْده ومنكره ومطروحه. ثم قال: ولم يكن للبغداديين بعد الدارقطني مثله، وسألت الصُّوري عن الخطيب وأبي نصر السِّجْزي، ففضَّل الخطيبَ تفضيلًا بيِّنًا». وقد علمتَ أن الصُّوري توفي سنة ٤٤١ أي: قبل وفاة الخطيب باثنتين وعشرين سنة، ووفاةُ السِّجزي سنة ٤٤٤، وابنُ طاهر لقي الحبَّال سنة ٤٧٠ كما في «التذكرة» (ج ٣ ص ٣٦٣) (٢). فتفضيلُ الحبَّال بين السِّجزي والصُّوري كان بعد موتهما، فهو بحسب ما انتهى إليه أمرهما. وأما تفضيل الصوري [١/ ١٤٠] بين الخطيب والسِّجزي ففي حياتهما، لكن أحدهما وهو السِّجزي كان في أواخر عمره، والآخر وهو الخطيب في وسط عمره؛ لأن الصوري مات سنة ٤٤١ كما مرَّ، فالسؤال منه وجوابه يكون قبل ذلك. فإذا فرضنا أنه قبل ذلك بشهر مثلًا، حيث كان سنُّ السائل وهو ابن ماكولا نحو عشرين سنة فإن مولده ٤٢٢، كان قبل وفاة السّجزي بنحو ثلاث سنين، وقبل وفاة الخطيب بنحو اثنتين وعشرين سنة. فيخرج مما تقدم أن الخطيب ــ باعتراف الصوري ــ كان قبل موته باثنتين وعشرين سنة بحيث يفضَّل تفضيلًا بيّنًا على مَنْ هو بحكم الحبَّال

стр. 289

أحفظ من خمسين مثل الصُّوري، فما عسى أن يكون بلغ بعد ذلك؟ وإذا كانت النسبة بينهما هي هذه، فما معنى ما حكي عن ابن الطيوري؟ هل معناه أن الصوري ابتدأ في أكثر الكتب التي تُنسب إلى الخطيب ولم يُتمَّ شيئًا منها؟ يقول ابن السمعاني: إن مؤلفات الخطيب ستة وخمسون مصنفًا. فهل ابتدأ الصوري في عمل ثلاثين مصنفًا أو نحوها ولم يتمّ شيئًا منها؟ فإن كان أتمَّ شيئًا منها أو قارب، أو على الأقل كتب منه كراسة مثلًا، فقد كان ابن الطيوري من أخصِّ الناس بالصوري ــ كما يؤخذ من «لسان الميزان» (ج ٥ ص ١٠) (١) ــ أفلم يكن عنده شيء من ابتداءات الصوري، فيُبرزه للناس تصديقًا لقوله؟ ولعل أصل الحكاية على ما يؤخذ من «معجم الأدباء» (٢): أن الكتب التي كانت في ملك الصُّوري صار جملةٌ منها بعد موته إلى الخطيب، فاستفاد منها الخطيب. لكن قد علمنا أن الخطيب لا يكاد يورد شيئًا إلا بأسانيده المعروفة، ومَن تدبَّر مؤلفاته علم أنها من مشكاة واحدة أوائلها وأواخرها (٣). هذا، وفي رواية عن ابن الطيوري أن الصُّوري كان ترك كتبه عند أختٍ له بصُور، وأن الخطيب أخذها عند خروجه إلى الشام (كأنه يعني: عند

стр. 290

دخوله صور، وذلك بعد إقامته بدمشق). واحتج الدكتور (١) بهذا على بطلان زعم ابن الطيوري من أصله، لأن أكثر كتب الخطيب ثبت تأليفه لها قبل خروجه إلى الشام ــ وذكر دليل ذلك ــ، وبأن الصُّوري أقام (٢) ببغداد نيفًا وعشرين سنة وبها مات، فكيف يُعقل أن لا يطلب كتبًا تركها عند أخته! [١/ ١٤١] فصل قال ابن الجوزي في «المنتظم» (ج ٨ ص ٢٦٧) بعد أن ذكر ميل الحنابلة على الخطيب حتى انتقل عن مذهبهم ما لفظه: «وتعصَّب في تصانيفه عليهم، فرمز إلى ذمِّهم، وصرَّح بقدر ما أمكنه. فقال في ترجمة أحمد بن حنبل: «سيد المحدثين»، وفي ترجمة الشافعي: «تاج الفقهاء»، فلم يذكر أحمد بالفقه. وقال في ترجمة حسين الكرابيسي أنه قال عن أحمد: أيَّ شيء نعمل بهذا الصبي؟ إن قلنا: لفظنا بالقرآن مخلوق، قال: بدعة. وإن قلنا: غير مخلوق، قال: بدعة. وله دسائس في ذمهم، من ذلك: أنه ذكر مهنأ بن يحيى ... ومال الخطيب على أبي الحسن [عبد العزيز بن الحارث] التميمي ... ومال الخطيب على أبي [عبد الله] عبيدالله بن [محمد بن] بطة ... ومال الخطيب على أبي علي [الحسن بن علي] ابن المُذْهب. وكان في الخطيب شيئان: أحدهما: الجري على عادة عوامِّ المحدثين في الجرح والتعديل، فإنهم يجرحون بما ليس بجرح؛ وذلك لقلة فهمهم. والثاني:

стр. 291

التعصب على مذهب أحمد وأصحابه ... ». أقول: رحمك الله يا أبا الفرج! لا أدري، أجاوزتَ الحدَّ في غبطة الخطيب على مصنفاته التي أنت عيال عليها ــ كما يظهر من مقابلة كتبك بكتبه ــ فدعتك نفسُك إلى التشعيث منه والتجني عليه؟ أم أردت التقرب إلى أصحابك الذين دخل في قلوبهم من يومك المشهود الذي لم يُرَ مثلُه غمٌّ عظيم؟ أم كنت أنت المتصف بما ترمي به المحدّثين من قلة الفهم؟ أما ما قاله الخطيب في ترجمتَي أحمد والشافعي، فلفظه في المطبوع (ج ٤ ص ٤١٢) في ترجمة أحمد: « ... إمام المحدثين، الناصر للدين، والمناضل عن السنة، والصابر في المحنة ... ». وفي آخر الترجمة (ج ٤ ص ٤٢٣): «قد ذكرنا مناقب أبي عبد الله أحمد بن حنبل مستقصاة في كتاب أفردناه لها، فلذلك اقتصرنا في هذا الكتاب على ما أوردناه منها». وعبارته في ترجمة الشافعي (ج ٢ ص ٥٦): « ... زين الفقهاء، وتاج العلماء ... ». فعلى هذا للشافعية أن يعاتبوا الخطيب قائلين: لم تذكر الشافعي بالحديث، فإن كنت لا تراه مُحدِّثًا فقد سلبتَه أعظم الفضائل، ولزم [١/ ١٤٢] من ذلك سلبُه الفقهَ والعلمَ الذي يعتدّ به، وإن كنت تراه محدِّثًا فقد جعلتَ أحمد إمامًا له أو سيِّدًا للمحدثين مطلقًا، فشمل ذلك الفقهاء منهم، فلزم أن يكون إمامَ الفقهاء أو سيِّدَهم مطلقًا. ومع ذلك لم تذكر الشافعيَّ بنصرة الدين، ولا النضال عن السنة، فأما قولك: «زين الفقهاء وتاج العلماء» فلا يدفع ما تقدم، لأن المتزين أفضل من الزينة، ولابس التاج أفضل من التاج. والصواب: أن المناقشة في مثل هذا ليست من دأب المحصِّلين، وإنما

стр. 292

الحاصل أن المترجِم يتحرَّى في صدر الترجمة أشهر الصفات. فأحمدُ لِتبحُّره في معرفة الحديث وتجرُّده لنصر السنة كان أشهر بذلك منه بالفقه، والشافعي لِتجرُّده للفقه كان أشهر به. وأما قضية الكرابيسي، فإن الخطيب روى بسنده في ترجمته (ج ٨ ص ٦٤) عن يحيى بن معين أنه: «قيل له: إن حسينًا الكرابيسي يتكلم في أحمد بن حنبل. قال: ما أحوجه أن يُضرَب». وروى عن يحيى أيضًا أنه قال: «ومَنْ حسين الكرابيسي لعنه الله ... »، ثم ذكر القصة التي فيها تلك الكلمة، ثم ذكر روايات عن أحمد في تبديع الكرابيسي والتحذير منه. ثم ذكر قصةً فيها غضُّ الكرابيسي من فضل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وأن رجلًا رأى النبي ﵌ يكذِّب الكرابيسي. فالخطيب ذكر تلك الكلمة لفائدتين: الأولى: تفسير ما تقدَّم إجماله من أن الكرابيسي كان يتكلم في أحمد، ليتبين أنه كلام فارغ. الثانية: زيادة التشنيع على الكرابيسي. فمن توهَّم أن الخطيب حاول انتقاص أحمد فهو كمن يتوهم أن ذكره القصة التي فيها غضُّ الكرابيسي من فضل علي بن أبي طالب محاولةٌ من الخطيب لانتقاص علي! وابنُ الجوزي يرمي الخطيب وعامة المحدثين بقلة الفهم، وهذه حاله! وأما ما زعمه ابن الجوزي من ميل الخطيب على مُهَنّأ والجماعة الذين سماهم، فقد أفردت لكل منهم ترجمة تأتي في موضعها إن شاء الله تعالى، وتتضح براءة الخطيب مما تخيله ابن الجوزي. وقد وثَّق الخطيبُ جمعًا كثيرًا بل جمعًا غفيرًا من الحنابلة، وأطاب

стр. 293

الثناء عليهم. فإن ساغ أن يُرمى بالتعصّب على الحنابلة لذكره القدح في أفرادٍ منهم، فليسُغْ رميُه بالتعصب لهم لتوثيقه أضعاف أضعاف أولئك، وليسُغْ رميه بالتعصب على الشافعية لذكره القدح في كثير منهم. وقد [١/ ١٤٣] مرَّ قريبًا ما ذكره في الكرابيسي، وهكذا حال بقية المذاهب. فهل يسوغ أن يقال: إن الخطيب كان يتعصّب لأهل مذهب وعليهم؟ فإن قيل: بل ينظر في كلامه. قلت: فستراه في التراجم. فصل قال ابن الجوزي (١): «وقد ذكر في «كتاب الجهر» أحاديث يعلم أنها لا تصح، وفي «كتاب القنوت» أيضًا. وذكر في مسألة صوم يوم الغيم حديثًا يدري أنه موضوع، فاحتجَّ به ولم يذكر عليه شيئًا. وقد صح عن النبي ﵌ أنه قال: «من روى حديثًا يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين» (٢). وذكر الكوثري في «التأنيب» (ص ١٠) عبارات أخرى لابن الجوزي تشتمل على زيادة, فذكر مما أخرجه الخطيب في «كتاب الجهر بالبسملة»: «مثل حديث عبد الله بن زياد بن سمعان، وقد أجمعوا على ترك حديثه، قال مالك: كان كذابًا. ومثل حديث حفص بن سليمان، قال أحمد: هو متروك

стр. 294

الحديث». ومما يتعلق بـ «كتاب القنوت»: «ما أخرجه عن دينار بن عبد الله عن أنس قال: ما زال رسول الله ﵌ يقنت في صلاة الصبح حتى مات. قال: وسكوته عن القدح في هذا الحديث واحتجاجه به وقاحة عظيمة، وعصبية باردة، وقلة دين؛ لأنه يعلم أنه باطل، قال ابن حبان: دينار يروي عن أنس آثارًا موضوعة لا يحل ذكرها في الكتب إلا على سبيل القدح فيه». أقول: الجواب من أوجه: الأول: أن الخطيب إن كان قَصَد بجَمْع تلك الرسائل جمعَ ما ورد في الباب فلا احتجاج. وإن كان قصد الاحتجاج، فبمجموع ما أورده، لا بكل حديث على حِدَة. الثاني: أننا عرفنا من ابن الجوزي تسرُّعَه في الحكم بالوضع والبطلان، وترى إنكار أهل العلم عليه في كتب المصطلح في بحث «الموضوع» (١). الثالث: أن من جملة ما أورده في «الموضوعات» وحدها أكثر من ثلاثين حديثًا رواها [١/ ١٤٤] الإمام أحمد في «مسنده»، ولعله أورد في «الأحاديث الواهية» أضعاف ذلك، فيقال له: إن كنت ترى أنه خفي على الإمام أحمد ما علمتَه من كون تلك الأحاديث موضوعة أو باطلة، فما نراك أحسنتَ الثناء عليه، وعلى ذلك فالخطيب أولى أن يخفى عليه. وإن كنت

стр. 295

ترى أن الإمام أحمد علم أنها موضوعة أو باطلة، ومع ذلك أثبتها في «مسنده» ولم ينبِّه عليها، فكفى به أسوة للخطيب. الرابع: لا يلزم مِن زَعْم ابن الجوزي أن الحديث موضوع (١) باطل، أن يكون الخطيب يرى مثل رأيه. الخامس: قد يجوز أن يكون الحديث موضوعًا أو باطلًا، ولم يتنبه الخطيب لذلك. السادس: إذا رُوي الحديث بسند ساقط، لكنه قد رُوي بسند آخر حسن أو صالح أو ضعيف ضعفًا لا يقتضي الحكم ببطلانه، لم يجز الحكم ببطلان المتن مطلقًا، ولا يدخل مَنْ رواه بالإسنادين معًا في حديث: «من حدَّث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين»؛ لأنه لا يرى الحديث نفسه كذبًا. وقد يُتوسع في هذا، فيُلحق به ما إذا كان المتن المرويّ بالسند الساقط، ولم يُرو بسندٍ أقوى، لكن قد رُوي معناه بسند أقوى. ويقِّوي هذا أن المفسدة إنما تعظُم في نسبة الحكم إلى النبي ﵌ مع ظن أنه كذب لا في نسبة اللفظ، وشاهدُ هذا جواز الرواية بالمعنى. الأمر السابع: قوله في عبد الله بن زياد بن سمعان: «أجمعوا على ترك حديثه» فيه نظر، فقد أكثر عنه ابنُ وهب ووثَّقه على ما في «مختصر كتاب العلم لابن عبد البر» (ص ١٩٩) (٢)، ومجموعُ كلامهم فيه يدل أنه صدوق

стр. 296

في الأصل، فلا بأس بإيراد حديثه في المتابعات والشواهد (١). [١/ ١٤٥] وأما حفص، فروى عبد الله وحنبل عن أحمد: «متروك الحديث». وروى عبد الله أيضًا عن أبيه: «صالح»، وروى حنبل عن أحمد أيضًا «ما به بأس». فيأتي في حديثه نحوُ ما مرَّ (٢). وإنما ذكر الخطيب رواية هذين مع عدة روايات عن غيرهما، والروايات في ذلك معروفة تراها في «سنن الدارقطني»، و «سنن البيهقي» وغيرهما. وفي ذلك آثار عن الصحابة منها الصحيح فما دونه. وحديث أنس النافي للجهر قد أُعِلَّ بعدة علل، كما ترى ذلك في بحث المعلَّل من «تدريب الراوي» (٣). وجمع الشيخُ تقي الدين ابن تيمية (٤) بأن الأصل عدم الجهر، ولكن كان النبي ﵌ ربما جهر ليعلِّم أصحابه، وكذلك

стр. 297

أصحابه كان أحدهم ربما جهر ليعلم مَن [١/ ١٤٦] يسمعه. وفي «الصحيح» (١) عن أبي قتادة: «كان النبي ﵌ يقرأ في الركعتين من الظهر والعصر بفاتحة الكتاب وسورةٍ سورةٍ ويُسْمِعنا الآيةَ أحيانًا». وللنسائي (٢) عن البراء: « .. فنسمع منه الآيةَ بعد الآيةِ .. ». ولابن خزيمة (٣) عن أنس نحوُه كما في «فتح الباري» (٤). فإسماعه إياهم البسملة في الجهرية آكد، لأنه إذا أسرَّ بها وجهَر بما بعدها توهموا أنه تركها البتة. فمن لم يقع له هذا الجمع، أو لم يقوَ عنده، وقوي عنده ما ورد في الجهر، فأخذ به مطلقًا كالشافعي، فلا لوم عليه. ومن احتجَّ من أتباعه بما ورد في الجهر بالأسانيد القوية، وألحق بها ما يوافقها مما في سنده نحو ابن سمعان وحفص بن سليمان، فلا حرج عليه. [١/ ١٤٧] وأما حديث: «ما زال رسول الله ﵌ يقنت في الصبح حتى مات» (٥)، فقد ورد من وجهين آخرين أو أكثر عن

стр. 298

أنس، صحح بعضُ الحفاظ بعضَها. وجاء نحو معناه من وجوه أخرى. راجع «سنن الدارقطني»، و «سنن البيهقي». وبمجموع ذلك يقوى الحديث. وقد جمع ابن القيم بينه وبين ما جاء في ترك القنوت (١). فإذا أخرج الخطيبُ الحديثَ من تلك الأوجه القوية، ثم ألحق بها رواية دينار؛ لم يلزمه أن يبيِّن في ذاك الموضع حالَ دينار، لما مرَّ في الوجه السادس. على أنه قد بيَّن الخطيب في موضع آخر حال دينار، وبيَّنه غيرُه، واشتهر ذلك. وقد بيَّن الأئمة كالثوري وابن المبارك وغيرهما حالَ الكلبي، ثم كانوا يروون عنه ما لا يرونه كذبًا ولا يذكرون حاله. [١/ ١٤٨] وأما النهي عن صوم يوم الشك، فلم أعثُر عليه (٢)، غير أن الأدلة على ذلك معروفة في «الصحيحين» وغيرهما. وعن الإمام أحمد في صوم يوم الشك إذا كان غيمٌ رواية أنه لا يصام، واختارها بعض المحققين من أصحابه. فعند الخطيب أن الحكم ثابت بأحاديث صحيحة، وبقية الكلام يُعلم مما مرَّ.

стр. 299

وأما قول ابن الجوزي: «وقاحة عظيمة وعصبية باردة وقلة دين» فابن الجوزي أحوج إلى أن يجيب عنها! غفر الله للجميع. فصل في «تاريخ بغداد» (٢/ ١٧٧): «أخبرنا محمد بن أحمد بن رزق قال: أنبأنا عثمان بن أحمد الدقاق قال: ثنا (١) محمد بن إسماعيل التمار قال: حدثني الربيع بن سليمان (٢) قال: سمعت الشافعي يقول: ما ناظرتُ أحدًا إلا تمعَّر وجهه، ما خلا محمد بن الحسن. أخبرنا محمد بن الحسين القطان قال: أنبأنا دَعْلَج بن أحمد قال: أنبأنا أحمد بن علي الأ بَّار قال: حدثني يونس ــ يعني ابن عبد الأعلى ــ قال سمعت الشافعي يقول: ناظرتُ محمدَ بن الحسن وعليه ثياب رِقاق، فجعل تنتفخ أوداجُه، ويصيح حتى لم يبق له زِرٌّ إلا انقطع. قلت: (الصواب: قال) ما كان لصاحبك أن يتكلم، ولا كان لصاحبي أن يسكت. قال: قلت له: نشدْتُك بالله هل تعلم أن صاحبي كان عالمًا بكتاب الله؟ قال: نعم. قال: قلت: فهل كان عالمًا بحديث رسول الله ﵌؟ قال: نعم. قال: قلت: أفما كان عاقلًا؟ قال: نعم. قلت: فهل كان صاحبك جاهلًا بكتاب الله؟ قال: نعم. قلت: وبما جاء عن رسول الله ﵌؟ قال: نعم. قلت: أوَ كان (٣) عاقلًا؟ قال: نعم. قال: قلت: صاحبي فيه ثلاث خصال لا يستقيم لأحد أن يكون

стр. 300

قاضيًا إلا بهن ــ أو كلامًا هذا معناه ــ». قال الأستاذ (ص ١٨٠) في جملة الكلام على الحكاية الثانية في شأن تغير محمد بن الحسن: [١/ ١٤٩] «هذا خلاف ما صح عنه في «انتقاء ابن عبد البر» ص ٢٤، وخلاف ما ثبت عن الشافعي بطرق أنه لم ير من لا يتغير عند المناظرة سواه». أقول: الذي في «الانتقاء» في تلك الصفحة (١): «حدثنا خلف بن قاسم قال: نا الحسن بن رشيق قال: نا محمد بن الربيع بن سليمان ومحمد بن سفيان بن سعيد قالا: نا يونس بن عبد الأعلى قال: قال لي الشافعي: ذاكرتُ محمد بن الحسن يومًا، فدار بيني وبينه كلام واختلاف، حتى جعلت أنظر إلى أوداجه تَدُرّ (٢) وتنقطع أزرارُه، فكان فيما قلت له يومئذ: نشدتُك بالله هل تعلم أن صاحبنا ــ يعني مالكًا ــ كان عالمًا بكتاب الله؟ قال: اللهم نعم. قلت: وعالمًا باختلاف أصحاب رسول الله ﵌؟ قال: اللهم نعم». فالاختلاف بين الروايتين بالنسبة إلى تغيُّر محمد اختلاف يسير، لا تكاد تخلو عن مثله حكايةٌ تُروى من وجهين مختلفين. أما قول الأستاذ: «وخلاف ما ثبت عن الشافعي بطرق ... » فقد قدَّم الخطيبُ روايته في ذلك، وفي سندها محمد بن إسماعيل التمار. قال الأستاذ: إنه غير موثَّق، كما يأتي في ترجمته (٣). ولا منافاة، بل معنى قوله:

стр. 301

«ما ناظرت أحدًا إلا تمعَّر وجهه» على العموم، فيعمُّ كلَّ مناظر في كل مناظرة. فقوله: «ما خلا محمد بن الحسن» يصح أن يراد أنه لم يكن يتمعّر وجهه في كل مناظرة، فلا ينافي ذلك أنه تغير في مناظرة واحدة مثلًا. ثم ذكر الأستاذ بقية القصة ثم قال: «لا أدري متى كان أبو حنيفة أو مالك قاضيًا .. ». أقول: هذا هيِّن، فإنَّ مِن لازم أهلية القضاء أهلية الاجتهاد. ثم قال: «وتلك العبارة لم ترد في رواية من الروايات أصلًا، بل هذه تغيير من الخطيب حتمًا، وقد زاد في الآخر: «أو كلامًا هذا معناه» ليتمكَّن من التملُّص من تبعة هذا التحريف الشنيع حينما يهتك ستر وجهه بأن قيل له: استقصينا طرق تلك الحكاية من طريق يونس بن عبد الأعلى وغيره استقصاءً لا مزيد عليه، فلم نجد تلك العبارة في شيء منها، فتكون أنت غيَّرتَ وبدَّلتَ! فيجيب الخطيب قائلًا: ما ادعيتُ أن ما سبق ذكره هو نصُّ عبارة الرواية، بل هذا معناه. وكفى أن نقول لمثل هذا المحرِّف المنحرف: أفليس في روايتك: «ما كان [١/ ١٥٠] لصاحبك أن يتكلم ولا كان لصاحبي أن يسكت»؟ ، فكيف تتصور أن يُوجب محمدُ بن الحسن الكلامَ والإفتاءَ على من هو جاهل بكتاب الله وسنة رسوله، ويحرِّم ذلك على العالم بهما، فيكون مع الخبر ما يبطله؛ على أن من اطلع على كتب محمد بن الحسن ... عَلِمَ عِلْمَ اليقين منزلة صاحبه عنده من معرفة الكتاب والسنة». أقول: قولك: «لم ترد في رواية من الروايات أصلًا» إن أردت الإطلاق، فهذه مجازفة، فإن كثيرًا من كتب الحديث ــ فضلًا عن كتب الحكايات ــ منها ما قد فُقد، ومنها ما ليس في متناول الأيدي. وحسبك أنك ادعيت الاستقصاء الذي لا مزيد عليه، ومع ذلك فاتك في كلامك أثبَتُ الطرق،

стр. 302

وهي رواية ابن أبي حاتم عن ابن عبد الحكم، وهي في موضعين من كتاب «تقدمة الجرح والتعديل» (١) الذي نقلتَ عنه في غير موضع، منها ما مرَّ في ترجمة إبراهيم بن محمد بن الحارث (٢). وفي «تهذيب التهذيب» (٣) في ترجمة مالك التنبيه عليها، وهو في متناول يدك كلّ وقت. وهذا لفظ ابن أبي حاتم: «حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم قال: سمعت الشافعي يقول: قال لي محمد بن الحسن: أيهما أعلم بالقرآن (٤): صاحبنا أو صاحبكم؟ يعني أبا حنيفة ومالك بن أنس. قلت: على الإنصاف؟ قال: نعم. قلت: فأنشدك الله، مَن أعلم بالقرآن: صاحبنا أو صاحبكم؟ قال: صاحبكم، يعني: مالكًا. قلت: فأنشدك الله، مَن أعلم بالسنة: صاحبنا أو صاحبكم؟ قال: اللهم صاحبكم. قلت: فأنشدك الله، مَن أعلم بأقاويل أصحاب رسول الله ﵌ والمتقدمين: صاحبنا أو صاحبكم؟ قال: صاحبكم. قال الشافعي: فقلت: لم يبق إلا القياس، والقياس لا يكون إلا على واحد من هذه الأشياء؛ فمن لم يعرف الأصول، فعلى أي شيء يقيس؟ ». فاتت الأستاذَ ــ مع زعمه أنه استقصى استقصاءً لا مزيد عليه ــ هذه الرواية، مع أن في ترجمة مالك من «تهذيب التهذيب»: «وقال ابن أبي حاتم: ثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، سمعت الشافعي يقول: ... ». نعم، نقل الأستاذ متنَ هذه الرواية عن كتابٍ لم تُسْنَد فيه ولا أشير إلى

стр. 303

إسنادها فقال: «ولفظ أبي (١) إسحاق الشيرازي في «طبقات الفقهاء» (ص ٤٢) بدون سند: قال الشافعي ... ». وذكر الأستاذ رواية ابن عبد الحكم من وجهين آخرين: الأول: عن (ص ٢٣) (٢) من «انتقاء ابن عبد البر» من طريق «إبراهيم بن نصر سمعت محمد بن [١/ ١٥١] عبد الله بن عبد الحكم يقول: سمعت الشافعي يقول: قال لي محمد بن الحسن: صاحبنا أعلم، أم صاحبكم؟ ــ يعني أبا حنيفة ومالكًا ــ وما كان على صاحبكم أن يتكلم، وما كان على صاحبنا أن يسكت، قال: فغضبت، وقلت: نشدتك الله، من كان أعلم بسنة رسول ﷺ : مالك أو أبو حنيفة؟ قال: مالك، لكن صاحبنا أَقْيَس. فقلت: نعم، ومالك أعلم بكتاب الله تعالى وناسخه ومنسوخه وسنة رسول الله ﷺ من أبي حنيفة، فمن كان أعلم بكتاب الله وسنة رسوله كان أولى بالكلام». الثاني: عن «مناقب أحمد» لابن الجوزي (ص ٤٩٨) من طريق «محمد بن يحيى بن آدم الجوهري قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم قال: سمعت الشافعي يقول: سمعت محمد بن الحسن يقول: صاحبنا أعلم، أم صاحبكم؟ قلت: تريد المكابرة أم الإنصاف؟ قال: بل الإنصاف. قلت: فما الحجة عندكم؟ قال: الكتاب والإجماع والسنة والقياس. قال: قلت: أنشدك، أصاحبنا أعلم بكتاب الله، أم صاحبكم؟ قال: إذ نشدتَني بالله

стр. 304

فصاحبكم. قلت: فصاحبنا أعلم بسنة رسول الله ﷺ ، أم صاحبكم؟ قال: صاحبكم، قلت: فبقي شيء غير القياس؟ قال: لا، قلت: فنحن ندّعي القياس أكثر مما تدعونه، وإنما يقاس على الأصول فيعرف القياس، قال: ويريد بصاحبه مالك بن أنس». ثم نقل عن «كتاب ذم الكلام» (١) للهروي رواية أخرى من طريق الربيع عن الشافعي، وبين الألفاظ اختلاف كما هو شأن الرواية بالمعنى. ومثل ذلك يكثر في رواية الأحاديث النبوية، كما سترى أمثلته في «قسم الفقهيات» من هذا الكتاب، فما بالك بالحكايات! وأثبَتُ هذه الروايات وأولاها بأن يكون متنها هو اللفظَ الذي قاله الشافعي: روايةُ ابن أبي حاتم، لجلالته ولأنه أثبتَها في موضعين من كتابه بلا فرق، فدلَّ ذلك أنه أثبتها في أصله عند تلقيها من ابن عبد الحكم، ثم نقلها بأمانتها إلى كتابه المصنَّف. فأما بقية الروايات، فلم تُقيَّد في كتاب إلا بعد زمان، بعد أن تداولها جماعة من الرواة، وذلك مظنة للتصرُّف على جهة الرواية بالمعنى. نعم، رواية الخطيب من طريق الأ بَّار عن يونس مقيّدة في مصنَّف للأبار يرويه الخطيب بذاك السند، لكن لم يقم دليل على أن الأ بَّار أثبتها في أصله عند السماع، إلا أن رواية ابن [١/ ١٥٢] عبد البر دلت على ضبط الأ بَّار. وإنما الظاهر أن يونس لم يكتب الحكاية عند سماعها من الشافعي، ولم يتقن حفظها، فاتسع في روايتها بالمعنى واحتاط.

стр. 305

وإيضاح ذلك: أن القصة مبنية على المفاضلة، والمفاضلة قد يعبَّر عنها بالجمع كأن يقال: «أيهما أعلم»، وقد يعبر عنها بالتفريق كأن يقال: «أما كان فلان كذا؟ »، ثم يقال في الآخر: «فهل كان فلان كذا؟ » على الوجه الذي يؤدي التفضيل. فرواية ابن عبد الحكم من طرقها الثلاث ــ وكذا رواية الربيع ــ سلكت طريق الجمع «أيهما أعلم». أما يونس فسلك طريق التفريق، فوقع في روايته عند الخطيب وابن عبد البر: «هل تعلم أن صاحبي - أو صاحبنا - عالم ... ؟ »، فلزم من هذا بحسب الظاهر أن يقال في المقابل: «فهل كان صاحبك جاهلًا؟ ». فجرى الأمر على ذلك كما في رواية الخطيب. وكأنَّ يونس أحسّ بالخلل في الظاهر، فقال في رواية الخطيب: «أو كلامًا هذا معناه». فأما في رواية ابن عبد البر، فقد يكون الاقتصار من يونس لشعوره بعدم إتقانه للقصة، فكما أنه لأجل ذلك لما حدَّث الأ بَّار واستوفى القصة قال: «أو كلامًا هذا معناه»، فكذلك لما حدَّث محمد بن الربيع ومحمد بن سفيان اقتصر على أولها، وترك ما يتبين به الخلل. وقد يكون ــ وهو الظاهر ــ الاقتصار من عبد البر، وذلك لأسباب: الأول: أن بقية الحكاية ليس من مقصوده في الموضع الذي ذكرها فيه. الثاني: أن ذكر بقيتها مناف لمقصوده في «الانتقاء» من الإجمال والمجاملة. الثالث: أنه شعر أن في بقيتها خللًا بحسب الظاهر. أما قولي بأن الخلل بحسب الظاهر فقط، فلأن القرائن تدل أن المقصود بكلمة «جاهل» الجهل النسبي. وفي «فتح المغيث»

стр. 306

(ص ١٦٢) (١): «فقد يقولون: فلان ثقة أو ضعيف، ولا يريدون أنه ممن يحتجّ به ولا ممن يُرَدُّ، إنما ذاك بالنسبة لمن قُرِن معه ... قال عثمان الدارمي: سألت ابن معين عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه ... فقال: ليس به بأس. قلت: هو أحب إليك أو سعيد المقبري؟ قال: سعيد أوثق، والعلاء ضعيف. فهذا لم يُرد به ابن معين أن العلاء ضعيف مطلقًا، بدليل قوله: إنه لا بأس به. وإنما أراد أنه ضعيف بالنسبة لسعيد المقبري». وأما احتمال أن يكون الاقتصار من ابن عبد البر، فمثل ذلك جائز عند الجمهور في الحديث [١/ ١٥٣] النبوي، فكيف الحكايات! وفي «تدريب الراوي» (٢): «قال البُلْقيني: يجوز حذف زيادةٍ مشكوك فيها بلا خلاف، وكان مالك يفعله كثيرًا تورُّعًا». وأما قولي: إن التغيير من يونس، فلوجهين: الأول: أن رواية ابن عبد الحكم بطرقها الثلاث ورواية الربيع قد دلت أن القصة مطوَّلة، وأن موضوعها المفاضلة بين مالك وأبي حنيفة، ورواية ابن عبد البر من طريق يونس لا تفي بذلك. الثاني: أن رواية ابن عبد البر قد وافقت رواية الخطيب في التغيير في ذِكْر مالك بلفظ «عالم» وذلك من يونس اتفاقًا، وهو مقتض ــ كما تقدم ــ أن يقال في مقابله «جاهل»، فبان أن هذا أيضًا من يونس. ولولا رواية ابن عبد البر لجاز أن يكون التغيير من الأ بَّار، بأن يكون لما سمع القصة لم يُثبتها

стр. 307

في أصله، ولم يُتقن حفظها، فلما احتاج إلى ذكرها في مصنَّفه رواها بالمعنى، ولما أحسَّ بالخلل بحسب الظاهر قال: «أو كلامًا هذا معناه». فأما احتمال أن يكون التغيير من الخطيب خطأً، فباطل لأوجه: الأول: ما تقدم من الدلالة على أن التغيير من فوق. الثاني: أن الخطيب إنما يروي بذلك السند من كتاب معروف للأبار. الثالث: أن الخطيب لم يكن يتساهل في الرواية من حفظه. وفي «تذكرة الحفاظ» (ج ٤ ص ٤) (١): «قال الحميدي: ما راجعت الخطيب في شيء إلا أحالني على الكتاب، وقال: حتى أكشفه». وفي الصفحة التي تليها عن السِّلَفي: «سألت أبا الغنائم النَّرْسي عن الخطيب؟ فقال: جبل لا يُسأل عن مثله، ما رأينا مثله، وما سألته عن شيء فأجاب في الحال إلا يرجع إلى كتابه». وفيها (ج ٣ ص ٣١٨) (٢) عن عبد الوارث الشيرازي: «كنا إذا سألنا عن شيء أجابنا بعد أيام، وإن ألححنا عليه غضب، كانت له بادرة وحشة». الرابع: أن الخطيب يعلم عادة المحدثين في تتبُّع عثرات المحدِّث، مع أنه قد أوغر قلوب كثير منهم، فلو تساهل بالرواية من حفظه لِما أخذه من مصنَّف معروف ــ كما صنع الأستاذ ذلك في مواضع معتذرًا بما تقدم في ترجمة أحمد بن سلمان (٣) ــ لقالوا له: هذا كتاب معروف [١/ ١٥٤] متداول،

стр. 308

وليس فيه كما ذكرت. فإن قال: قد قلت: «أو كلامًا هذا معناه» قالوا: لم تبيِّن أن هذا من عندك، ومع ذلك فعادتك التثبت الزائد حتى إذا سُئلت عن شيء أحلتَ على الكتاب، فكيف يُعقل أن تتساهل فيما تثبته في مصنَّفك! هذا، وقد علمنا أن الأئمة وثَّقوا الخطيب وثبَّتوه، وبالغوا في إطرائه، ولم يعثر له المتعنِّتون على أدنى خلل في الرواية. وقد علمت محاولة ابن الجوزي الغضَّ من الخطيب، فلم يظفر بشيء من باب الرواية، وإنما تعنَّتَ في أمور أُخر قد مرَّ ما فيها. فمحاولة الأستاذ أن ينسب التغيير إلى الخطيب وأنه تعمده تَناوُشٌ من مكان بعيد. قول الأستاذ: «أليس في روايتك: ما كان لصاحبك أن يتكلم ... فكيف تتصور ... ». أقول: قد يكون هذا من جملة التغيير، ويكون الصواب في رواية ابن الجوزي من طريق ابن عبد الحكم (١): «ما كان على صاحبكم أن يتكلم». لكن في رواية الهروي من طريق الربيع: «قد رأيت مالكًا، وسألته عن أشياء، فما كان يحل له أن يفتي». وقد مرّ بيان أن كلمة «جاهلًا» في رواية الخطيب المراد به الجهل النسبي، وحاصله أنه دون مالك في العلم بالكتاب والسنة. ومعروف عن أهل الرأي أنهم يؤكّدون أمر الرأي والقياس، ويقولون: مَن كان عنده من العلم بالكتاب والسنة ما يكفيه، وكان جيّد النظر في الرأي والقياس كان عليه أن يفتي. ومن كان ضعيف النظر في الرأي والقياس لم يكن له أن يفتي، وإن كان أعلم من الأول بالكتاب والسنة.

стр. 309

وقد أشار الشافعي في عدة مواضع من كتبه إلى زعم أهل العراق ضعفَ مالك في القياس. ففي «الأم» (ج ٤ ص ٦) (١): «أرأيت من نسبتم إليه الضعف من أصحابنا وتعطيل النظر وقلتم: إنما يتخرَّص، فيلقي ما جاء على لسانه ... ». وفيها (ج ٧ ص ٢٥٧) (٢): «فسمعت بعض من يفتي منهم يحلف بالله: ما كان لفلان أن يفتي، لنقص عقله وجهالته؛ وما كان يحلّ لفلان أن يسكت [يعني] آخر من أهل العلم». على أن المحاجَّة والملاجَّة التي تبلغ بالحليم الوقور أن تنتفخ أوداجه وتنقطع أزراره مظنةٌ للإسراف في القول. قول الأستاذ: «على أن من اطلع على كتب محمد بن الحسن ... ». أقول: قد سلف أنه ليس في تلك الرواية ولا غيرها نفيُ محمد أن يكون لأبي حنيفة علمٌ بالكتاب والسنة، وإنما في الروايات كلها أنه دون مالك في ذلك. فأما العلم بالسنة، فيكفي [١/ ١٥٥] في الشهادة لذلك الموازنة بين ما روى محمد عن أبي حنيفة وما روى عن مالك. وأما العلم بالكتاب، فإن كان في كتب محمد ما ينافي اعترافه، فالأستاذ أحوج إلى أن يجيب عن هذا جوابًا معقولًا. ولقائل أن يقول: إن محمدًا لما ضايقه الشافعي، وسأله بالله وناشده إياه، وشرط عليه الإنصاف= راجع نفسه، فلم يسعه إلا الاعتراف. ولعله جرى في بعض كتبه على الاسترسال في الميل إلى أبي حنيفة، والحق إن شاء الله تعالى أنه ليس في كتب محمد ما هو صريح في منافاة اعترافه.

стр. 310

قال الأستاذ: «ملازمة الشافعي لمالك إلى وفاته لم ترد إلا في خبر منكر ... والمعروف أنه صحبه إلى أن أتم سماع «الموطأ» منه في نحو ثمانية أشهر. وأما محمد بن الحسن، فقد لازم مالكًا ما يزيد على ثلاث سنين، فلا يتصور أن يسأل محمدُ بن الحسن الشافعيَّ عن مبلغ علم أبي حنيفة ومالك كما وقع في رواية الشيرازي؛ لأن أبا حنيفة لم يدركه الشافعي حتى يُتحاكم في علمه إليه، وكذلك لم يلازم مالكًا أكثر من محمد بن الحسن. فالمفاضلة بين الإمامين بصيغة صاحبنا وصاحبكم والحالة هذه غير مستساغة». أقول: الذي وقع في رواية الشيرازي هو الواقع في أثبَتِ الروايات، وهي رواية ابن أبي حاتم التي فاتت الأستاذ، مع زعمه أنه استقصى استقصاءً لا مزيد عليه. وكذلك هي في الوجهين الآخرين عن ابن عبد الحكم (١). والشافعي حجازي، فلعله عاد إلى المدينة بعد قراءته «الموطأ» وخروجه منها، بل لعله تردد مرارًا. وكان الشافعي يدين أوّلًا بقول مالك ويذبُّ عنه، فإن لم يكن تلقَّى جميع ذلك منه، فقد تلقى بعضه منه وبعضه من أصحابه، ومعرفة الشافعي بمبلغ علم أبي حنيفة يكفي فيها نظرة في كتبه وكتب أصحابه. وسؤال محمد للشافعي ليس على وجه التحكيم، بل على وجه السؤال عن رأيه. والشافعي حجازي كمالك كان أولًا يدين بقوله، ثم صار ربما خالفه مع انتسابه إليه، وحينئذٍ وقعت القصة. وإنما كثر خلافه لمالك بعد دخوله مصر، وذلك بعد موت محمد بن الحسن. ومحمدُ بن الحسن عراقيّ كأبي حنيفة، ينتسب إليه، ويتَّبعه في أصوله، ويذبُّ عن قوله غالبًا. فأي غبار على أن يقول محمد للشافعي: «صاحبكم» يريد مالكًا، و «صاحبنا» يريد أبا حنيفة؟

стр. 311

[١/ ١٥٦] هذا، وقد أشار الأستاذ فيما علَّقه على «الانتقاء» لابن عبد البر (ص ٢٤) (١) إلى الروايات واختلافها. ثم قال: «والمخلص من ذلك: النظر في الأسانيد، والمقارنة بينها، وضربُ ما يروى بغير إسناد عرض الحائط». ثم حاول عبثًا الرجوع عن هذا القضاء العدل في «التأنيب» (١٨٣) إذ قال: «ولعل الصواب في الأمر هو ما حكاه القاضي أبو عاصم محمد بن أحمد العامري في «مبسوطه» حيث قال في كتابه المذكور: إن الشافعي سأل محمدًا: أيما أعلم: مالك أو أبو حنيفة؟ فقال محمد: بماذا؟ قال: بكتاب الله. قال: أبو حنيفة. فقال: من أعلم بسنة رسول الله ﷺ ؟ فقال: أبو حنيفة أعلم بالمعاني، ومالك أهدى للألفاظ»! منًى إن تكن حقًّا تكن أحسنَ المنى ... وإلَّا فقد عِشْنا بها زمنًا رَغْدا (٢) فصل قال الخطيب (١٣/ ٣٦٩) بعد ذكر المناقب: «قد سقنا عن أيوب السختياني وسفيان الثوري وسفيان بن عيينة وأبي بكر بن عياش وغيرهم من الأئمة أخبارًا كثيرة تتضمن تقريظ (٣) أبي حنيفة والمدح له والثناء عليه، والمحفوظُ عند نقلة الحديث عن الأئمة المتقدمين ــ وهؤلاء المذكورون (٤) منهم ــ في أبي حنيفة خلاف ذلك».

стр. 312

فأخذ الأستاذ يتكلم على الروايات ثم يقول: «وهذا من المحفوظ عند الخطيب» ويشنِّع. فأقول: قال ابن حجر في «النخبة» (١)، وقرره السخاوي في «فتح المغيث» (ص ٨٢) (٢): «فإن خولف ــ أي: الراوي ــ بأرجحَ منه لمزيد ضبطٍ، أو كثرة عددٍ أو غير ذلك من وجوه الترجيحات، فالراجح يقال له: المحفوظ، ومقابله وهو المرجوح يقال له: الشاذ». فالمحفوظ عندهم ما كان أرجح من مقابله، فنَقْد كلمة الخطيب إنما هي بالموازنة، فإن بان رُجْحان ما ذكره أخيرًا صحَّ كلامه حتى على فرض أن يكون الثاني ضعيفًا، فإن الضعيف أرجح من الأضعف. ولا يضرُّه أن يكون فيما ذكره أخيرًا رواية ساقطة توافق أخرى قوية، أو [١/ ١٥٧] تكون عمن لم يتقدم في المناقب عنه شيء. ولا يحتسب على الخطيب ولا له بما عند غيره، ولا يؤاخذ في أحوال الرواة بخلاف اعتقاده واجتهاده، فإن مدار صدق كلمته على الرجحان عنده. وقد كنتُ جمعتُ ما في الترجمة عن أيوب والسفيانين وأبي بكر بن عيّاش ونظرتُ فيها، ثم كرهت شرح ذلك هنا لطوله، وإن كان فيه إظهار حجة الخطيب وتصديق كلمته. وأقتصرُ في ترجمة الخطيب على هذا القَدْر، وأدَعُ الكلمات المفرقة في «التأنيب»، وسينكشف حال غالبها إن شاء الله تعالى.

стр. 313

٢٧ - أحمد بن علي بن مسلم أبو العباس الأ بَّار . في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٢٥): «أخبرنا محمد بن أحمد بن رزق، أخبرنا أحمد بن جعفر بن محمد بن سَلْم الخُتَّلي، حدثنا أحمد بن على الأ بَّار ... ». قال الأستاذ (ص ١٩): «والأ بَّار من الرواة الذين كان دَعْلَج التاجر يُدِرُّ عليهم الرزق، فيدوِّنون ما يروقه للنكاية في مخالفيه في الفروع والأصول، فللأبَّار قلم مأجور ولسان ذَلْق في الوقيعة في أئمة أهل الحق. وكفى ما يجده القارئ في روايات الخطيب عنه في النيل من أبي حنيفة وأصحابه، لتعرف مبلغ عداوته وتعصبه، وروايةُ العدوّ المتعصب مردودة عند أهل النقد، كيف وهو يروي عن مجاهيل بل الكذابين في هذا الباب ما ستراه، فلا يحتاج القارئ الكريم في معرفة سقوط هذا الراوي إلى شيء سوى استعراض مروياته فيمن ثبتت إمامته وأمانته، فكفى الله المؤمنين القتال». أقول: في «تذكرة الحفاظ» للذهبي (ج ٢ ص ١٩٢) (١): «الأ بَّار الحافظ الإمام أبو العباس أحمد بن علي بن مسلم محدِّث بغداد، يروي (٢) عن مسدَّد، وعلي بن الجعد، وشيبان بن فرّوخ، وأمية بن بسطام، ودُحيم، وخلق كثير. حدَّث عنه دَعْلَج، وأبو بكر النجَّاد، وأبو سهل بن زياد، والقطيعي، وآخرون. قال الخطيب: كان [ثقة] حافظًا متقنًا حسن المذهب. قال جعفر الخُلْدي: كان الأ بَّار أزهد الناس. استأذن أمّه في الرحلة إلى قتيبة، فلم تأذن له، فلما ماتت رحل إلى بلخ، وقد مات قتيبة، وكانوا يعزُّونه على هذا. قلت:

стр. 314

وله تاريخ وتصانيف. مات يوم نصف شعبان سنة تسعين ومائتين». [١/ ١٥٨] رأى الأستاذُ في الرواة عن الأ بَّار دَعْلَج بن أحمد السِّجزي، ورأى في ترجمة دَعْلج أنه كان تاجرًا كثير المال كثير الإفضال على أصحاب الحديث وغيرهم، وأنه أخذ عن ابن خزيمة مصنفاته وكان يفتي بقوله= فاستنبط الأستاذ أن دَعْلجًا كان متعصِّبًا لابن خزيمة في الأصول ــ يعني العقائد ــ وفي الفروع، وابن خزيمة عند الأستاذ مجسِّم، وأبو حنيفة عنده منزِّه ــ التنزيه الذي يسمِّيه خصومُه تعطيلًا وتكذيبًا ــ فعلى هذا كان دعلج متعصبًا على أبي حنيفة للعقيدة وللمذهب معًا! ثم استنبط الأستاذ في شأن الأ بَّار أنه جمع ما جَمَعَه في الغضِّ من أبي حنيفة تقرُّبًا إلى دعلج المُثْري المنفق، وأن دعلجًا كان يوسع العطاء للأبّار لأجل ذلك! فأقول: لا يخفى على عارف بالفقه والحديث أنه يكفي في ردِّ هذه التهمة أن يبيَّن أن الأ بَّار ودَعْلجًا من الحفّاظ المعروفين، روى عنهما أئمة الحديث العارفون بالعدالة والرواية، ووثَّقوهما، وأثنوا عليهما. ولم يطعن أحد في عدالتهما ولا روايتهما، ولم يذكر أحد دعلجًا بتعصب، بل كان فضله وإفضاله كلمة وفاق. ولم يذكر أحدٌ الأ بَّار بحرص على الدنيا كما ذكروا الحارث بن أبي أسامة وعلي بن عبد العزيز البغوي وغيرهما، بل وصفه شيخ الزهاد وراوية أخبارهم جعفر بن محمد بن نصير الخُلْدي بأنه كان أزهد الناس، كما سلف. ومع هذا فالأ بَّار كان ببغداد، وسُكْنى دَعْلج بها، وحصولُ الثروة له، وما عُرف به من الإنفاق، وتجردُ ابن خزيمة للكلام في العقائد، وأخذُ دَعلجٍ كتبَه واتِّباعُه له= كلُّ ذلك إنما كان بعد وفاة الأ بَّار بمدة. فإن أقدم من سُمِّي

стр. 315

من شيوخ الأ بَّار مسدَّد المتوفى سنة ٢٢٨، فعليّ بن الجعد المتوفى سنة ٢٣٠، فأمية بن بسطام المتوفى سنة ٢٣١. وبذلك يظهر أن مولد الأ بَّار كان بعد سنة ٢١٠، وتوفي سنة ٢٩٠ كما مرَّ. ومولد دَعْلج سنة ٢٦٠ بسجستان، وبها نشأ، ثم كان يطوف البلدان لطلب العلم والتجارة. ويظهر أن أول دخوله بغداد كان في أواخر سنة ٢٨٢ أو أوائل التي تليها، فإن أعلى من سمع دعلج منه ببغداد ــ كما يؤخذ من ترجمته في «تذكرة الحفاظ» (١) ــ محمد بن رِبْح البزَّاز ومحمد بن غالب تمتام، وكانت وفاتهما سنة ٢٨٣. وقد كان ببغداد الحارث بن أبي أسامة وهو أسنُّ منهما وأعلى إسنادًا وأشهر ذكرًا، وتوفي يوم عرفة سنة ٢٨٢، ولم يذكروا لدعلج عنه روايةً، ولو أدركه ما فاته. فعلى هذا أول ما لقي دعلج الأ بَّار سنة ٢٨٣، وسنُّ الأ بَّار يومئذ نحو [١/ ١٥٩] سبعين سنة، وسنُّ دعلج نحو ثلاث وعشرين سنة. ولم يكن دعلج حينئذ ذا ثروة ولا إنفاق، لأنه أقام بعد ذلك بمكة زمانًا، وسمع بها من الحافظ المعمَّر عالي الإسناد علي بن عبد العزيز البغوي المتوفى سنة ٢٨٦. وكان البغويُّ بغاية الفقر حتى كان يُضطر إلى أخذ الأجرة على الحديث، ويقول ــ كما في «تذكرة الحفاظ» (ج ٢ ص ١٧٩) (٢) ــ: «يا قوم أنا بين الأخشبَين، وإذا ذهب الحُجَّاج نادى أبو قبيس قُعَيقعانَ يقول: من بقي؟

стр. 316

فيقول: المجاورون. فيقول: أطبِقْ! ». وبقي على ذلك إلى أن مات، إذ لو كَفَّ قبل موته، لكان الظاهر أن يذكر ذلك تلامذتُه الأجلَّاء، وهم كثير، ولهم حرص على أن يدفعوا عن شيخهم ما عِيب به، فيقول واحد منهم أو أكثر: إنما كان يأخذ للضرورة ثم كفَّ عن ذلك. ولو كان دعلج تلك المدةَ قد اتسعت ثروته وإنفاقه لكان جديرًا بأن يعطي شيخه ما يخلِّصه من انطباق الأخشبَين والمشاحَّة على الدرهم والدرهمين. وفي «تاريخ بغداد» (ج ٨ ص ٣٩٠) قصة من سخاء دعلج، وفي آخرها أنه سُئل عن ثروته وإنفاقه، فقال: «نشأتُ وحفظتُ القرآن وسمعت الحديث، وكنت أتبزَّز، فوافاني رجل من تجار البحر، فقال لي: أنت دعلج بن أحمد؟ فقلت: نعم. فقال: قد رغبتُ في تسليم مالي إليك لتتَّجر فيه، فما سهَّل الله من فائدة فهي بيننا، وما كان من جائحة كانت في أصل مالي. وسلَّم إليّ البرنامجات بألف ألف درهم ... ولم يزل يتردد إليّ سنة بعد سنة يحمل إليّ مثل هذا، والبضاعة تنمي، فلما كان في آخر سنة اجتمعنا فيها. قال لي: أنا كثير الأسفار في البحر، فإن قضى الله عليّ بما قضاه على خلقه، فهذا المال لك، على أن تتصدَّق منه، وتبني المساجد، وتفعل الخير». ففي أي سنٍّ ترى اشتهرت أمانة دعلج وديانته وحذقه بالتجارة، حتى يأتمنه تاجرٌ سمع به ولم يعرفه على مثل ذلك المال؟ ويكفيك النظر في عادات الناس، تعلمُ أن الرجل لا يكاد يرسخ في التجارة، ويتوفر رأس ماله، وتسخو نفسه بالإنفاق، إلا بعد الأربعين من عمره، فكيف إذا لاحظتَ أن دعلجًا لم يكن متجرِّدًا للتجارة، بل كان كثير التطواف لسماع الحديث؟ والأ بَّار توفي سنة ٢٩٠ أي: وسنُّ دعلج ثلاثون سنة، وعاش دعلج بعده فوق

стр. 317

ستين سنة، فإنه توفي سنة ٣٥١؛ والظاهر مما ذكروه من أنه أقام بمكة زمانًا أنه لم يسكن بغداد إلا بعد وفاة [١/ ١٦٠] الأ بَّار بمدة= فبالنظر فيما تقدم يتبين أنه ليس هناك أدنى قرينة أن يكون دعلج وصل الأ بَّار بفَلْس واحد. أما ابن خزيمة فإنه توفي سنة ٣١١ أي: بعد وفاة الأ بَّار بإحدى وعشرين سنة، وإنما تجرد للتأليف في العقائد في أواخر عمره. وفي «تذكرة الحفاظ» (ج ٢ ص ٢٦٢) (١) عن الحاكم عن جماعة: «لما بلغ ابن خزيمة من السن والرياسة والتفرُّد بهما ما بلغ، كان له أصحاب صاروا أنجم الدنيا .. فلما ورد منصور الطوسي كان يختلف إلى ابن خزيمة للسماع وهو معتزلي ... واجتمع مع أبي عبد الرحمن الواعظ وقالا: هذا إمام لا يسرع (؟ ) (٢) من الكلام وينهى عنه، وقد نبغ له أصحاب يخالفونه وهو لا يدري، فإنهم على مذهب الكلابية (٣) ... ». ثم ذكر كلامًا فيه أن ذلك الخلاف كان بعد ضيافةٍ عملها ابن خزيمة «في جمادى الأولى سنة تسع» يعني سنة ٣٠٩، وكأن ذاك الخلاف هو الذي دعا ابن خزيمة إلى التأليف في العقائد. وعلى كلّ حال فالظاهر البيِّن أن أخذَ دعلجٍ كتبَ ابن خزيمة وإفتاءه بقوله إنما كان بعد وفاة الأ بَّار بمدة. وإنما الثابت أن الأ بَّار كان ساخطًا على أبي حنيفة سخطًا ما، كما يدل عليه جمعه ما جمع، وذلك شأن أهل الحديث في عصره كالبخاري

стр. 318

ويعقوب بن سفيان وزكريا الساجي والعقيلي وغيرهم. فإن صح أن يسمَّى ذلك عداوةً وتعصبًا، فهي عداوة دينية لا تُرَدُّ بها الشهادة، فكيف الرواية؟ وقد مرَّ إيضاح ذلك في القواعد (١). قول الأستاذ: إن الأ بَّار «يروي عن مجاهيل بل الكذابين». أقول: كلُّ من تكلم فيه الأستاذ ممن روى عنهم الأ بَّار ترى تراجمهم في هذا الكتاب، فإن صح أن يكون منهم من هو مجهول أو كذاب، فلا اعتداد بروايته، ولا يضرُّ الأ بَّار ذلك شيئًا؛ فقد روى السفيانان وابن جريج وابن المبارك وغيرهم عن محمد بن السائب، وهو من أشهر الناس بالكذب. قول الأستاذ: «فلا يحتاج القارئ الكريم ... ». أقول: الكريم من اتقى الله ، وثبوت الإمامة والأمانة كان في عصر الأ بَّار وقبله محل النزاع، كما يعلم الأستاذ. والله أعلم. ٢٨ - [١/ ١٦١] أحمد بن الفضل بن خزيمة . راجع «الطليعة» (ص ٩١) (٢). وفي «معجم الأدباء» (ج ٤ ص ٣٠) (٣) عن ابن السمعاني: «والخطيب في درجة القدماء من الحفاظ والأئمة الكبار كيحيى بن معين وعلي ابن المديني .. وطبقتهم .. ». وراجع ترجمة أحمد بن إبراهيم (٤) فيما مضى.

стр. 319

٢٩ - أحمد بن كامل القاضي . في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٧٤ [٣٧٨ - ٣٧٩]): «أخبرنا ابن الفضل، أخبرنا عبد الله بن جعفر، حدثنا يعقوب بن سفيان، حدثنا سليمان بن حرب. وأخبرنا ابن الفضل أيضًا، أخبرنا أحمد بن كامل القاضي، حدثنا محمد بن موسى البربري، حدثنا ابن الغلابي، عن سليمان بن حرب ... ». قال الأستاذ (ص ٤٣): «وأحمد بن كامل القاضي فيه يقول الدارقطني: أهلكه العُجْب، كان متساهلًا في الرواية، ربما حدَّث من حفظه بما ليس عنده. كما رواه الخطيب». أقول: ذكرتُ في «الطليعة» (ص ٦٩) (١) أن عبارة الدارقطني كما في «تاريخ بغداد» وغيره: « .. بما ليس عنده في كتابه». وهذا القيد «في كتابه» يدفع القدح، فإنه لا يلزم من عدم كون الحديث عند أحمد في كتابه أن لا يكون عنده في حفظه». فلأمْرٍ ما حذف الأستاذ ذاك القيد! أجاب الأستاذ في «الترحيب» (ص ٥١) بقوله: «ليس عادة النقاد أن يقولوا لما ليس في كتاب الراوي: إنه عنده، فلا يكون سقوط «في كتابه» مغيرًا للمعنى ولا مقصودًا، فهم الناقد [يعني المعلمي]، أم لم يفهم». أقول: لا يخفى أن الظاهر من قولهم «عنده» يتناول ما في كتابه وما في حفظه، وعادة النقَّاد جاريةٌ على هذا الظاهر. وتجد أمثلة من ذلك في «تهذيب التهذيب» (ج ١ ص ١١٠) ولا حاجة إلى تتبع نظائر ذلك ما دام هو الموافق للظاهر، كما تقدم. وكفى دليلًا على ذلك تقييد الدارقطني بقوله:

стр. 320

«في كتابه». فأما القصد فالله أعلم، ولكن القرائن تدل عليه كما مر في ترجمة أحمد بن سلمان (١). وعلى كل حال، فقد ثبت ــ كما اعترف به الأستاذ ــ أن كلمة الدارقطني فيما حدَّث به أحمد بن كامل: «وليس عنده في كتابه» لا تنفي أن يكون عنده في حفظه، بل قد تُثبت ذلك بمقتضى دليل الخطاب، وبذلك ثبت أنه لا قدح. غاية الأمر أن الدارقطني رأى أنه كان الأحوط لأحمد بن كامل أن لا يحدث بما ليس في كتابه، وإن كان يحفظه. وتَرْكُ الراوي للأحوط [١/ ١٦٢] لا يقدح فيه، بل إذا خاف أن يكون تركُه روايةَ ما حفظه ولم يثبته في كتابه الأصل كتمانًا للعلم وتعريضًا للضياع وجب عليه أن يرويه. وراجع ما تقدم في ترجمة أحمد بن جعفر بن حمدان (٢). وأما قول الدارقطني: «أهلكه العُجْب». ففسرها الدارقطني بقوله: «فإنه كان يختار، ولا يضع لأحد من الأئمة أصلًا. فقيل له: كان جريري المذهب؟ فقال: «بل خالفه، واختار لنفسه، وأملى كتابًا في السنن وتكلم على الأخبار» (٣). فحاصل هذا أنه لم يلتزم مذهبَ إمامٍ معيّن، بل كان ينظر في الحجج ثم يختار قول من رجح قولُه عنده. أقول: وهذا أيضًا ليس بجرح، بل هو بالمدح أولى. وقد قال الخطيب:
следующие страницы →