فيقول: المجاورون. فيقول: أطبِقْ! ». وبقي على ذلك إلى أن مات، إذ لو كَفَّ قبل موته، لكان الظاهر أن يذكر ذلك تلامذتُه الأجلَّاء، وهم كثير، ولهم حرص على أن يدفعوا عن شيخهم ما عِيب به، فيقول واحد منهم أو أكثر: إنما كان يأخذ للضرورة ثم كفَّ عن ذلك. ولو كان دعلج تلك المدةَ قد اتسعت ثروته وإنفاقه لكان جديرًا بأن يعطي شيخه ما يخلِّصه من انطباق الأخشبَين والمشاحَّة على الدرهم والدرهمين.
وفي «تاريخ بغداد» (ج ٨ ص ٣٩٠) قصة من سخاء دعلج، وفي آخرها أنه سُئل عن ثروته وإنفاقه، فقال: «نشأتُ وحفظتُ القرآن وسمعت الحديث، وكنت أتبزَّز، فوافاني رجل من تجار البحر، فقال لي: أنت دعلج بن أحمد؟ فقلت: نعم. فقال: قد رغبتُ في تسليم مالي إليك لتتَّجر فيه، فما سهَّل الله من فائدة فهي بيننا، وما كان من جائحة كانت في أصل مالي. وسلَّم إليّ البرنامجات بألف ألف درهم ... ولم يزل يتردد إليّ سنة بعد سنة يحمل إليّ مثل هذا، والبضاعة تنمي، فلما كان في آخر سنة اجتمعنا فيها. قال لي: أنا كثير الأسفار في البحر، فإن قضى الله عليّ بما قضاه على خلقه، فهذا المال لك، على أن تتصدَّق منه، وتبني المساجد، وتفعل الخير».
ففي أي سنٍّ ترى اشتهرت أمانة دعلج وديانته وحذقه بالتجارة، حتى يأتمنه تاجرٌ سمع به ولم يعرفه على مثل ذلك المال؟ ويكفيك النظر في عادات الناس، تعلمُ أن الرجل لا يكاد يرسخ في التجارة، ويتوفر رأس ماله، وتسخو نفسه بالإنفاق، إلا بعد الأربعين من عمره، فكيف إذا لاحظتَ أن دعلجًا لم يكن متجرِّدًا للتجارة، بل كان كثير التطواف لسماع الحديث؟ والأ بَّار توفي سنة ٢٩٠ أي: وسنُّ دعلج ثلاثون سنة، وعاش دعلج بعده فوق
стр. 317
ستين سنة، فإنه توفي سنة ٣٥١؛ والظاهر مما ذكروه من أنه أقام بمكة زمانًا أنه لم يسكن بغداد إلا بعد وفاة [١/ ١٦٠] الأ بَّار بمدة= فبالنظر فيما تقدم يتبين أنه ليس هناك أدنى قرينة أن يكون دعلج وصل الأ بَّار بفَلْس واحد.
أما ابن خزيمة فإنه توفي سنة ٣١١ أي: بعد وفاة الأ بَّار بإحدى وعشرين سنة، وإنما تجرد للتأليف في العقائد في أواخر عمره. وفي «تذكرة الحفاظ» (ج ٢ ص ٢٦٢) (١) عن الحاكم عن جماعة: «لما بلغ ابن خزيمة من السن والرياسة والتفرُّد بهما ما بلغ، كان له أصحاب صاروا أنجم الدنيا .. فلما ورد منصور الطوسي كان يختلف إلى ابن خزيمة للسماع وهو معتزلي ... واجتمع مع أبي عبد الرحمن الواعظ وقالا: هذا إمام لا يسرع (؟ ) (٢) من الكلام وينهى عنه، وقد نبغ له أصحاب يخالفونه وهو لا يدري، فإنهم على مذهب الكلابية (٣) ... ». ثم ذكر كلامًا فيه أن ذلك الخلاف كان بعد ضيافةٍ عملها ابن خزيمة «في جمادى الأولى سنة تسع» يعني سنة ٣٠٩، وكأن ذاك الخلاف هو الذي دعا ابن خزيمة إلى التأليف في العقائد. وعلى كلّ حال فالظاهر البيِّن أن أخذَ دعلجٍ كتبَ ابن خزيمة وإفتاءه بقوله إنما كان بعد وفاة الأ بَّار بمدة.
وإنما الثابت أن الأ بَّار كان ساخطًا على أبي حنيفة سخطًا ما، كما يدل عليه جمعه ما جمع، وذلك شأن أهل الحديث في عصره كالبخاري
стр. 318
ويعقوب بن سفيان وزكريا الساجي والعقيلي وغيرهم. فإن صح أن يسمَّى ذلك عداوةً وتعصبًا، فهي عداوة دينية لا تُرَدُّ بها الشهادة، فكيف الرواية؟ وقد مرَّ إيضاح ذلك في القواعد (١).
قول الأستاذ: إن الأ بَّار «يروي عن مجاهيل بل الكذابين».
أقول: كلُّ من تكلم فيه الأستاذ ممن روى عنهم الأ بَّار ترى تراجمهم في هذا الكتاب، فإن صح أن يكون منهم من هو مجهول أو كذاب، فلا اعتداد بروايته، ولا يضرُّ الأ بَّار ذلك شيئًا؛ فقد روى السفيانان وابن جريج وابن المبارك وغيرهم عن محمد بن السائب، وهو من أشهر الناس بالكذب.
قول الأستاذ: «فلا يحتاج القارئ الكريم ... ».
أقول: الكريم من اتقى الله ، وثبوت الإمامة والأمانة كان في عصر الأ بَّار وقبله محل النزاع، كما يعلم الأستاذ. والله أعلم.
٢٨ - [١/ ١٦١] أحمد بن الفضل بن خزيمة .
راجع «الطليعة» (ص ٩١) (٢). وفي «معجم الأدباء» (ج ٤ ص ٣٠) (٣) عن ابن السمعاني: «والخطيب في درجة القدماء من الحفاظ والأئمة الكبار كيحيى بن معين وعلي ابن المديني .. وطبقتهم .. ». وراجع ترجمة أحمد بن إبراهيم (٤) فيما مضى.
стр. 319
٢٩ - أحمد بن كامل القاضي .
في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٧٤ [٣٧٨ - ٣٧٩]): «أخبرنا ابن الفضل، أخبرنا عبد الله بن جعفر، حدثنا يعقوب بن سفيان، حدثنا سليمان بن حرب. وأخبرنا ابن الفضل أيضًا، أخبرنا أحمد بن كامل القاضي، حدثنا محمد بن موسى البربري، حدثنا ابن الغلابي، عن سليمان بن حرب ... ».
قال الأستاذ (ص ٤٣): «وأحمد بن كامل القاضي فيه يقول الدارقطني: أهلكه العُجْب، كان متساهلًا في الرواية، ربما حدَّث من حفظه بما ليس عنده. كما رواه الخطيب».
أقول: ذكرتُ في «الطليعة» (ص ٦٩) (١) أن عبارة الدارقطني كما في «تاريخ بغداد» وغيره: « .. بما ليس عنده في كتابه». وهذا القيد «في كتابه» يدفع القدح، فإنه لا يلزم من عدم كون الحديث عند أحمد في كتابه أن لا يكون عنده في حفظه». فلأمْرٍ ما حذف الأستاذ ذاك القيد!
أجاب الأستاذ في «الترحيب» (ص ٥١) بقوله: «ليس عادة النقاد أن يقولوا لما ليس في كتاب الراوي: إنه عنده، فلا يكون سقوط «في كتابه» مغيرًا للمعنى ولا مقصودًا، فهم الناقد [يعني المعلمي]، أم لم يفهم».
أقول: لا يخفى أن الظاهر من قولهم «عنده» يتناول ما في كتابه وما في حفظه، وعادة النقَّاد جاريةٌ على هذا الظاهر. وتجد أمثلة من ذلك في «تهذيب التهذيب» (ج ١ ص ١١٠) ولا حاجة إلى تتبع نظائر ذلك ما دام هو الموافق للظاهر، كما تقدم. وكفى دليلًا على ذلك تقييد الدارقطني بقوله:
стр. 320
«في كتابه». فأما القصد فالله أعلم، ولكن القرائن تدل عليه كما مر في ترجمة أحمد بن سلمان (١).
وعلى كل حال، فقد ثبت ــ كما اعترف به الأستاذ ــ أن كلمة الدارقطني فيما حدَّث به أحمد بن كامل: «وليس عنده في كتابه» لا تنفي أن يكون عنده في حفظه، بل قد تُثبت ذلك بمقتضى دليل الخطاب، وبذلك ثبت أنه لا قدح. غاية الأمر أن الدارقطني رأى أنه كان الأحوط لأحمد بن كامل أن لا يحدث بما ليس في كتابه، وإن كان يحفظه. وتَرْكُ الراوي للأحوط [١/ ١٦٢] لا يقدح فيه، بل إذا خاف أن يكون تركُه روايةَ ما حفظه ولم يثبته في كتابه الأصل كتمانًا للعلم وتعريضًا للضياع وجب عليه أن يرويه. وراجع ما تقدم في ترجمة أحمد بن جعفر بن حمدان (٢).
وأما قول الدارقطني: «أهلكه العُجْب». ففسرها الدارقطني بقوله: «فإنه كان يختار، ولا يضع لأحد من الأئمة أصلًا. فقيل له: كان جريري المذهب؟ فقال: «بل خالفه، واختار لنفسه، وأملى كتابًا في السنن وتكلم على الأخبار» (٣).
فحاصل هذا أنه لم يلتزم مذهبَ إمامٍ معيّن، بل كان ينظر في الحجج ثم يختار قول من رجح قولُه عنده.
أقول: وهذا أيضًا ليس بجرح، بل هو بالمدح أولى. وقد قال الخطيب:
стр. 321
«كان من العلماء بأيام الناس والأحكام وعلوم القرآن والنحو والشعر وتواريخ أصحاب الحديث. قال ابن رزقويه: لم تر عيناي مثله».
أقول: فيحق له أن ينشد:
إن أكن مُعْجَبًا فعُجْبُ عجيبٍ ... لم يجد فوقَ نفسِه من مزيدِ (١)
٣٠ - أحمد بن محمد بن الحجاج أبو بكر المرُّوذي .
في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٤١١ [٤٣٧]): «أخبرنا البرقاني، حدَّثني محمد بن العباس أبو عمر الخزّاز (٢)، حدثنا أبو الفضل جعفر بن محمد الصندلي ــ وأثنى عليه أبو عمر جدًّا ــ حدثني المرُّوذي أبو بكر أحمد [بن محمد] بن الحجاج: سألت أبا عبد الله ــ وهو أحمد بن حنبل ــ عن أبي حنيفة وعمرو بن عبيد، قال: أبو حنيفة أشدّ على المسلمين من عمرو بن عبيد؛ لأن له أصحابًا».
قال الأستاذ (ص ١٤١): « ... المرُّوذي هو صاحب الدعوة إلى أن المقام المحمود هو إقعاد الرسول ﷺ على العرش في جنبه تعالى، تعالى الله عما يقول المجسِّمة علوًّا كبيرًا ... فيا سبحان الله متى كان أحمد يقول: إن عمرو بن عبيد لا أصحاب له، وقد امتلأت البصرة وبغداد بأصحابه وأصحاب أصحابه، وهلم جرًّا، حتى أوقعوا أحمد في تلك المحنة، وكان أحمد يترحم على أبي حنيفة ويثني عليه، كما سبق من الخطيب (ص ٣٢٧)».
стр. 322
أقول: قد أفردت للاعتقاديات قسمًا من هذا الكتاب. والمقام المحمود قد اختلف السلف في تفسيره، وروى ابن جرير في «تفسيره» (ج ١٥ ص ٩٢) (١): «عن مجاهد قال: يجلسه معه على عرشه»، ثم قال: «ما قاله مجاهد مِن أنّ الله يُقْعِد محمدًا ﷺ على عرشه، قولٌ غير مدفوع صحته لا من جهة خبر ولا نظر .. ». وأطال في ذلك وأطاب، وقد أعطى الله رسوله في ليلة الإسراء ما أعطى، وقال له: ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى﴾ [الضحى: ٤].
ولم يُرِد أحمد أن عمرو بن عبيد لا أصحاب له البتة، وإنما أراد أنه ليس له أصحاب في مثل غُلوّه جادِّين في نشر شرِّهم. كان عمرو غاليًا جدًّا كما أشرت إليه في الاعتقاديات (٢)، ولا أعرف أحدًا ممن لقيه وتأثر بكلامه كان غاليًا مثله. ولا أعرف أن عمرو بن عبيد تكلم إلا في القدر والوعيد، والمعتزلة الذين ينتسبون إليه لم يوافقوه في غلوه، ولكنهم تابعوا جهمًا في مسائل لم يتكلم فيها عمرو. والذين دعوا إلى المحنة كبِشر المريسي وابن أبي دواد معروفون بأنهم من أصحاب أبي حنيفة، واشتهروا بأنهم جهمية، ومسألة القول بخلق القرآن ليست من مسائل عمرو بن عبيد بل هي من مسائل جهم.
نعم، إن المعتزلة المنتسبين إلى عمرو بن عبيد لاتِّباعهم له في الجملة وافقوا جهمًا فيها، ولعل من يقول: إن دعاة المحنة معتزلة اغترَّ بموافقتهم
стр. 323
المعتزلة في تلك القضية وقضايا أخرى تتفرع عن قول جهم. والصواب أن يُنظر في قولهم في القدَر والوعيد، فإن كانوا لا يوافقون المعتزلة فيهما، وهذا هو الظاهر، فهم جهمية ولا ينبغي أن يسمَّوا معتزلة. وقد كان لهم من إعلان ضلالتهم والدعوة إليها إلى أن جرى ما جرى ما لم يكن للمنتسبين إلى عمرو بن عبيد ما يقاربه. وكانوا ينسبون جهميَّتهم إلى أبي حنيفة، وفي روايات غيرهم عنه اضطراب. وقد روى الخطيب من طريق المرُّوذي عن أحمد أنه لم يَثبت عنده أن أبا حنيفة قال: إن القرآن مخلوق، فكأنه قَوِي عنده عدم الثبوت، فترحَّم، إن صح ما رواه الخطيب (ص ٣٢٧)؛ وقوي عنده الثبوت مرةً، فشدَّد، والله أعلم. وعلى كل حال فصدقُ المرّوذي وأمانته وفضله كلمةُ وفاق قبل الأستاذ، كما يعلم من ترجمته في «تاريخ بغداد» (١) وغيره.
٣١ - أحمد بن محمد بن الحسين الرازي .
يأتي مع محمود بن إسحاق (٢) إن شاء الله تعالى.
٣٢ - أحمد بن محمد بن حنبل أبو عبد الله الشيباني، إمام أهل السنة.
قال أحمد الدورقي: [١/ ١٦٤] «من سمعتموه يذكر أحمد بسوء، فاتَّهِموه على الإسلام». ومرَّ في ترجمة الخطيب (٣) أن ابن معين بلغه أن
стр. 324
الكرابيسي يتكلم في أحمد، فقال: «ومَن حسين الكرابيسي لعنه الله ... ». وعن سفيان بن وكيع قال: «أحمد عندنا محنة، من عاب أحمد عندنا فهو فاسق». وقال ابن أعْيَن:
وإذا سمعتَ لأحمدٍ متنقِّصًا ... فاعلَمْ بأنَّ ستورَه ستُهَتَّكُ (١)
عرض الأستاذ في مواضع بالطعن في عقيدة الإمام أحمد، وتتبَّع أصحابه وأصحابهم طاعنًا في عقيدتهم؛ ليلجئ من يقرأ كتابه إلى اعتقاد الطعن في عقيدة أحمد نفسه. وقد أفردت البحث في العقائد بقسم خاص من هذا الكتاب، وهو بمثابة تتمة لترجمة الإمام أحمد، وأقتصر هنا على ما عدا ذلك.
قال الأستاذ (ص ٤): «من تابع أحمد بن حنبل وذكره بكثرة الحديث فله ذلك، لكن كثرة الحديث بمجردها إذا لم تكن مقرونة بالتمحيص والغوص تكون قليلة الجدوى».
أقول: نفيه عن أحمد التمحيص والغوص كذب مكشوف. فإن زعم الأستاذ أنه إنما أراد أن أبا حنيفة كان أبلغ في ذلك، قلنا: أما تمحيص الروايات لمعرفة الصحيح من السقيم، والراجح من المرجوح، والناسخ من المنسوخ؛ فأحمد أرجح الأئمة في ذلك، لأنه أوسعهم رواية، وأعلمهم بأحوال الرواة وعلل الحديث، وأعلمهم بآثار الصحابة والتابعين.
وأما تمحيص النصوص لمعرفة معانيها، فأحمد من أحسن
стр. 325
الأئمة معرفةً لذلك. وهَبْ أن غيره قد يفوقه في هذا، فإنما يمحِّص الإنسان ما يعرفه، ويغوص فيما يَجده؛ فمن لم يبلغه النص، فأيَّ شيء يمحِّص؟ وفي أي شيء يغوص؟
وقد تقدم في ترجمة الخطيب (١) قول الشافعي لمحمد بن الحسن بعد اعتراف محمد بأن مالكًا كان أعلم بالكتاب والسنة والآثار من أبي حنيفة: «لم يبق إلا القياس، والقياس لا يكون إلا على واحد من هذه الأشياء، ومن لم يعرف الأصول على أيّ شيء يقيس؟».
وقد ذكر الأستاذ (ص ١٣٩) ما نُقِل عن الشافعي: «أبو حنيفة يضع أول المسألة خطأ، ثم يقيس الكتاب كلَّه عليها». فقال الأستاذ: « ... ولأبي حنيفة بعض أبواب في الفقه من هذا القبيل، ففي كتاب الوقف أخذ بقول شريح القاضي وجعله أصلًا، ففرَّع عليه المسائل، [١/ ١٦٥] فأصبحت فروع هذا الكتاب غير مقبولة حتى ردَّها صاحباه. وهكذا فعل في كتاب المزارعة، حيث أخذ بقول إبراهيم النخعي، وجعله أصلًا، ففرَّع عليه الفروع ... ».
أقول: فلم ينفعه في تلك الكتب تمحيصه وغوصه، إذ لم يطلع على ما ثبت من السنة وآثار الصحابة.
فصل
قال الأستاذ (ص ٢٦): «وأما أحمد، فدونك «مسائل أبي داود»، و «إسحاق بن منصور الكوسج»، و «عبد الله بن أحمد»؛ فيا ترى هل يمكنك أن تقرأ صفحة منها على صحة الأصول من غير أن تجابهك خطيئات في اللغة والنحو؟».
стр. 326
أقول: أما أنا فلم أقف على نسخة من هذه المسائل (١)، فإن كان الأستاذ وقف عليها، فهل ما وقف عليه هو بخطوط هؤلاء الذين سمَّاهم؟ فإن لم تكن بخطوطهم ولا بخطوط تلامذتهم، بل تداولها النساخ والرواة، فمن أين يتجه أن يَعُدَّ ما فيها من خطأ هو من أحمد نفسه؟ ونحن نرى النساخ يغلطون كثيرًا حتى في كتابة القرآن، مع أنهم ينقلون من مصاحف واضحة الخط منقوطة مضبوطة. ولم أر أحدًا قبل الأستاذ حاول الطعن في عربيَّة أحمد، ولا نسب إليه شيئًا من اللحن، كما نُسب إلى غيره من الأئمة.
فصل
قال الأستاذ (ص ١٤١): «تفقه أول ما تفقه على أبي يوسف القاضي وكتب عنه ثلاثة قماطر من العلم، كما في أوائل «سيرة ابن سيد الناس»، و «تاريخ الخطيب» (٣/ ١٧٧)».
أقول: الذي في «تاريخ الخطيب» في ذاك الموضع: « ... إبراهيم بن جابر حدثني عبد الله بن أحمد قال: كتب أبي عن أبي يوسف ومحمد ثلاثة قماطر، فقلت له: كان ينظر فيها؟ قال: كان ربما نظر فيها، وكان أكثر نظره في كتب الواقدي». وهذا لا يُعطي أنه تفقه على أبي يوسف. فأما الكتابة عنه وعن محمد ــ إن صحَّت ــ فالظاهر أنه إنما كتب عنهما مما يرويانه من [١/ ١٦٦] الآثار، ومع ذلك لم يرو عن أحد منهما ولا بنى على روايته حكمًا.
стр. 327
وفي الحكاية أنه كان قليل النظر في كتبهما، كثير النظر في كتب الواقدي. هذا مع أنه من أسوأ الناس رأيًا في الواقدي، فلم يكن ينظر في كتبه ليعتمد عليه، بل رجاء أن يرى فيها الشيء مما يهمُّه، فيبحث عنه من غير طريق الواقدي، على حدِّ قول الله ﵎: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦] فلم يأمر بإلغاء خبر الفاسق إذ لعله صادق، بل أمر بالتبيُّن، فخبر الفاسق يكون تنبيهًا يستدعي الالتفات إلى ما أخبر به، والاستعداد له، وعدم الاسترسال مع ما يقتضيه الأصل من عدمه، حتى يبحث عنه، فيتبيَّن الحال.
فصل
قال الأستاذ: «وكان يستخرج الأجوبة الدقيقة من كتب محمد بن الحسن، كما روى عنه إبراهيم الحربي على ما في «تاريخ الخطيب» (٢/ ١٧٧)».
أقول: الراوي عن إبراهيم غير موثَّق، على أن محمدًا لمهارته في الحساب وشغفه بالدقة كان يفرض القضايا التي لا تكاد تقع، مما يحتاج إلى دقيق الحساب، فيضخِّم بها كتبَه. ومن عرف النصوص الشرعية وفهِمَها وعلِمَ الأحكام فهو الفقيه، فإن عرضت واقعةٌ يحتاج تفصيل الحكم فيها إلى حساب دقيق، فاستعان بحاسب، لم يكن في ذلك ما يُتوهم منه أنه تعلَّم الفقه من الحاسب.
فصل
ثم ذكر الأستاذ رواية أن أحمد: «كان يعيب أبا حنيفة ومذهبه». ثم قال: «يقول الملك المعظَّم: أنا أصدِّق هذا لأن أصحاب أحمد إلى يومنا هذا لم يفهم أحد منهم
стр. 328
«الجامع الكبير» ولا عرف ما فيه، ومتى وقف على ما فيه فلا شك أنه ينكره، فخلِّ عنك باقيَ كتب أصحاب أبي حنيفة». ثم قال الأستاذ: «ومن جهل شيئًا [أنكره و] (١) عاداه».
[١/ ١٦٧] أقول: هذا موضع المثل:
سألته عن أبيه ... فقال: خالي شعيب! (٢)
لم يعب أحمد كلَّ مسألة تكلم فيها أبو حنيفة، ولا عاب المسائل الحسابية الدقيقة التي ضخَّم بها محمدٌ كتبَه، وإنما عاب ما يراه مخالفًا للسنة. وهذا يتحقق عند أحمد، سواء أفَهِم أتباعُه «الجامع الكبير» لمحمد (٣) وهل نظر فيه وتفهَّمه غيرهم من غير الحنفية؟
وقول الملك عيسى الذي تقدمت الإشارة إلى حاله في ترجمة الخطيب: «ومتى وقف على ما فيه فلا شك أنه (٤) ينكره» مجازفة. نعم، ينكِر ما فيه مما يراه مخالفًا للسنة، وعسى أن يتوقف بعضهم في بعض المسائل الدقيقة.
стр. 329
وقول الأستاذ: «ومن جهل شيئًا أنكره وعاداه» لا محل لها هنا، فإن دعوى أن أحمد كان يجهل طريق استدلال أبي حنيفة في القضايا التي ردَّ بها السنة دعوى باطلة، بل أكثر الناس يفهمون ذاك الاستدلال، ويعرفون بطلانه، كما ستراه في قسم الفقهيات. وسترى هناك بعض ما يُروى عن أبي حنيفة من مجابهة النصوص بتلك الكلمات التي تدل على ما تدل عليه، إن صحَّت.
فصل
قال الأستاذ: «وليس بقليل بين الفقهاء من لم يرض تدوين أقوال أحمد في عداد أقوال الفقهاء، باعتبار أنه محدِّث غير فقيه عنده، وأنَّى لغير الفقيه إبداء رأي متزن في فقه الفقهاء!».
أقول: يشير بهذا إلى أن ابن جرير لم ينقل أقوال أحمد في كتابه الذي ألَّفه في «اختلاف الفقهاء». ولَأن يُعاب بهذا ابن جرير أولى من أن يعاب به أحمد، ولكن عذره أنه ــ كما يُعْلَم من النظر في كتابه ــ إنما قصد الفقهاء الذين كانت قد تأسست مذاهبهم ورُتِّبت كتبهم. ولم يكن هذا قد اتضح في مذهب أحمد، فإنه ﵀ لم يقصد أن يكون له مذهب ولا أتباع يعكفُون على قوله، وإنما كان يفتي كما يفتي غيره من العلماء، ويكره أن يُكتَب كلامه، فكانت فتاواه عند موته مبعثرةً بأيدي الطلبة والمستفتين، وأدركها ابن جرير كذلك، وإنما رتَّبها وجمَعها أبو بكر الخلَّال، وهو أصغر من ابن جرير بعشر سنين (١).
стр. 330
[١/ ١٦٨] وقول هذا الخائب: «وأنى لغير الفقيه ... » كلمةٌ أدَعُ جوابها إلى القارئ. وفقه أحمد أظهر وأشهر من أن يحتاج إلى ذكر شهادات الأكابر. ويغني في ذلك قول الشافعي: «خرجتُ من بغداد، وما خلَّفتُ بها أفقه ولا أزهد ولا أورع ولا أعلم من أحمد بن حنبل» (١).
هذا رأي الشافعي في أحمد قبل أن يموت أحمد بنيِّف وأربعين سنة.
فصل
ذكر الأستاذ (ص ١٤٣) ما روي من قول أحمد: «ما قولُ أبي حنيفة والبعرُ عندي إلا سواء».
قال الأستاذ: «المصدر المضاف من ألفاظ العموم عند الفقهاء، فيكون لذلك اللفظ خطورة بالغة؛ لأن أبا حنيفة يعتقد في الله تعالى ما يكون خلافه كفرًا أو بدعة شنيعة ... فيكون امتهان قوله في المسائل الاعتقادية والمسائل الفقهية التي ما نازعه فيها أحد من المسلمين محض كفر لا يصدر عمن له دين».
أقول: هذه مخاطرة فاجرة، ومحاولة خاسرة.
أولًا: لأن من المعلوم قطعًا أن أحمد لا يمتهن الحق، وإنما روى الناس امتهان الحق عن غيره، كما ترى بعض ذلك في (قسم الفقهيات)، والعموم يُخَصُّ بما هو دون هذه الدلالة بكثير.
ثانيًا: هَبْه سَلِم العمومُ، فمعلوم أن ما في تلك الكلمة إنما هو حكمٌ على القول من حيث هو قولُ ذاك القائل، فلا يتعدَّاها إلى حيثية أخرى.
стр. 331
ثالثًا: عموم القول لا يستلزم عموم التسوية للصفات. فإذا قيل: سواء زيدٌ والأسد، لم يُفهم منه إلا التسوية في بعض المعاني، وهي الشجاعة. فالتسوية بين القول والبَعَر إنما هي في عدم الاعتداد، فمعنى تلك الكلمة إنما هو أن أحمد لا يعتدُّ بقول أبي حنيفة دليلًا أو خلافًا، كما لا يعتدُّ بالبعر مالًا. فأما عدم اعتداده به دليلًا فلا غبار عليه، ولا يقول أحد: إن قول أبي حنيفة دليل شرعي يلزم مَن بعده من المجتهدين الأخذُ به. وأما عدم الاعتداد به خلافًا، فكما قاله بعضهم في قول داود الظاهري (١). فلو كلَّف الأستاذُ نفسَه الاتزانَ لَحمَلَ الكلمةَ على عدم الاعتداد دليلًا، ثم يقول: فإن أراد عدم الاعتداد بقول أبي حنيفة خلافًا، فغير مسلَّم له ....
[١/ ١٦٩] هذا، وقد ثبت عمن لا يحصى من الأئمة من عظيم الثناء على أحمد ما لم يُثنوا به على أحد من الأئمة، كما يعلم من كتاب ابن الجوزي و «تاريخ بغداد» وغيرهما.
وأكتفي ههنا ببعض ما في «تهذيب التهذيب» (٢):
قال إبراهيم بن شمَّاس: سمعت وكيع بن الجراح وحفص بن غياث يقولان: ما قدم الكوفةَ مثلُ ذاك الفتى ــ يعنيان أحمد. وقال القطان: ما قدم عليّ مثل أحمد. وقال مرّةً: حبر من أحبار الأمة ... وقال عبد الرزاق: ما رأيت أفقه منه ولا أورع. وقال أبو عاصم: ما جاءنا من ثمة أحدٌ غيره يحسن
стр. 332
الفقه. وقال يحيى بن آدم: أحمد إمامنا. وقال الشافعي ... (قد مرَّ). وقال عبد الله [بن داود] الخُرَيبي: كان أفضل زمانه. ... وقال قتيبة: أحمد إمام الدنيا. وقال أبو عبيد: لست أعلم في الإسلام مثله .... وقال العباس بن الوليد بن مزيَد: قلت لأبي مُسْهِر: هل تعرف أحدًا يحفظ على هذه الأمة أمرَ دينها؟ قال: لا، إلا شابٌّ في ناحية المشرق ــ يعني أحمد. وقال بشر بن الحارث: أُدخِل الكِيرَ، فخرج ذهبًا أحمر. وقال حجاج بن الشاعر: ما رأت عيناي روحًا في جسدٍ أفضل من أحمد بن حنبل. وقال أحمد الدَّورقي: من سمعتموه يذكر أحمد بسوء، فاتَّهِموه على الإسلام».
٣٣ - أحمد بن سعيد بن عقدة.
في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٨٧ [٤٠٢ - ٤٠٣]): « ... أحمد بن [محمد بن] (١) سعيد الكوفي حدثنا ... عن بشر بن مفضل قال: قلت لأبي حنيفة: نافع عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: «البيِّعان بالخيار ما لم يتفرقا». قال: هذا رجز. قلت: قتادة عن أنس أن يهوديًّا رضخ رأس جارية بين حجرين، فرضخ النبيُّ ﷺ رأسه بين حجرين. قال: هذيان».
وفيه (١٣/ ٤٠٣ [٤٢٦]): «عبد الله بن المبارك قال: من نظر في «كتاب الحيل» لأبي حنيفة أحلَّ ما حرَّم الله، وحرَّم ما أحلَّ الله».
قال الأستاذ (ص ٧٨): «وأحمد بن سعيد في السند هو ابن عُقْدة الكوفي، شيعي جَلْد. وكلام الخطيب فيه شديد، فيلزمه أن لا يعوِّل عليه».
وقال (ص ١٢٢): «حاول بعض الكذابين رواية «كتاب الحيل» عن أبي
стр. 333
حنيفة ... وهو أبو الطيب محمد بن الحسين ... وقد قال مطيَّن: إن محمد بن الحسين هذا كذاب بن كذاب. وأقرَّه [١/ ١٧٠] ابنُ عقدة ... وقد قوَّى ابن عدي أمر ابن عقدة وردَّ على الذين تكلموا فيه، بل قال السيوطي: ... من كبار الحفاظ، وثَّقه الناس، وما ضعَّفه إلا عصريٌّ متعصب».
أقول: ما نقله عن السيوطي مجازفة (١). ولم أر في «الميزان» و «اللسان» ما نسبه إلى ابن عدي (٢). وابن عقدة لا نزاع في سعة حفظه ومعرفته. قال البرقاني: «قلت للدارقطني: أيشٍ أكثرُ ما في نفسك من ابن عقدة؟ قال: الإكثار بالمناكير». وفي «الميزان» (٣): «قرأت بخط يوسف بن أحمد الشيرازي: سئل الدارقطني عن ابن عقدة، فقال: لم يكن في الدين بالقوي، وأكذِّب من يتهمه بالوضع، إنما بلاؤه هذه الوجادات». وفيه: «قال ابن عدي: سمعت أبا بكر بن أبي غالب يقول: ابن عقدة لا يتديَّن بالحديث، لأنه كان يحمل شيوخًا بالكوفة على الكذب، يسوِّي لهم نسخًا ويأمرهم أن يرووها، ثم يرويها عنهم». وفي «اللسان» (٤): «وقال ابن عدي أيضًا: سمعت أبا بكر الباغَندي يقول: كتب إلينا ابن عقدة: قد خرج شيخ بالكوفة عنده نُسَخ الكوفيين؛ فقدِمنا عليه، وقَصَدْنا الشيخ، فطالبناه بالأصول، فقال: ما عندي أصل، وإنما جاءني ابن عقدة بهذه النسخ، وقال لي: اروِ هذه يكون لك ذِكْر
стр. 334
ويرحل إليك أهل بغداد. قال: وسمعت ابن مُكْرم يقول: كُنَّا (١) عند ابن عثمان بن سعيد في بيت، وقد وضع بين أيدينا كتبًا كثيرة، فنَزع ابن عقدة سراويله، وملأه منها سرًّا من الشيخ ومنَّا، فلما خرجنا قلنا: ما هذا الذي تحمله؟ فقال: دعونا من ورعكم هذا!». وفيه أيضًا: «وقال ابن الهَرَواني (؟) (٢): أراد الحضرمي أبو جعفر ــ يعني مُطيَّنًا ــ أن ينشر أن ابن عقدة كذَّاب، ويصنِّف في ذلك، فتوفي ﵀ قبل أن يفعل».
أقول: الذي يتحرَّر من هذه النقول وغيرها أن ابن عقدة ليس بعمدة، وفي سرقة الكتب، والأمر بالكذب، وبناء الرواية عليه= ما يمنع الاعتماد على الرجل فيما ينفرد به. وانظر ما يأتي في ترجمتي محمد بن حسين بن حميد، ومحمد بن عثمان (٣).
٣٤ - أحمد بن محمد بن الصَّلْت بن المغلِّس الحِمَّاني .
وقد ينسب إلى جده وإلى أبي جده، ويقال له: أحمد بن عطية، وغير ذلك. أخرج الخطيب من طريقه في مناقب أبي حنيفة عدة حكايات، ثم أخرج عنه (١٣/ ٤١٩ [٤٤٩ - ٤٥٠]) حكايتين:
стр. 335
[١/ ١٧١] الأولى: قوله: «سمعتُ يحيى بن معين وهو يُسأل عن أبي حنيفة: أثقةٌ هو في الحديث؟ قال: نعم، ثقة ثقة، كان والله أورع من أن يكذب، وهو أجلُّ قدرًا من ذلك».
الثانية: قوله: «سُئل يحيى بن معين: هل حدَّث سفيان عن أبي حنيفة؟ قال: نعم، كان أبو حنيفة ثقة صدوقًا في الحديث والفقه، مأمونًا على دين الله».
ثم قال الخطيب: «أحمد بن الصَّلْت هو أحمد بن عطية، وكان غير ثقة».
قال الأستاذ (ص ١٦٥): «سبق أن تحدثتُ عن أحمد بن الصَّلْت هذا في هامش (ص ٣٥٣) من «تاريخ الخطيب» ... ».
أقول: عبارته هناك: «وعنه يقول ابن أبي خيثمة لابنه عبد الله: اكتب عن هذا الشيخ يا بني، فإنه كان يكتب معنا في المجالس منذ سبعين سنة. وفي شيوخه كثرة، وقد أخذ عنه أناس لا يحصون من الرواة. وتحامل ابنُ عديّ عليه كتحامله على البغوي، ولعل ذنبه كونه ألَّف في مناقب النعمان. وحديث ابن جزء لم ينفرد هو بروايته [بل له متابع] (١). والكلام في حقه طويل الذيل، ومن الغريب أنه إذا طعن طاعن في رجل تجد أسرابًا من ورائه يردِّدون صدى الطاعن، أيًّا كانت قيمة طعنه».
أقول: أما الحكاية عن ابن أبي خيثمة، فأعادها الأستاذ في «التأنيب» (ص ١٦٧) ثم أتبعها بقوله: «وهذا مما يغيظ الخطيب جدًّا، ويحمله على ركوب كلِّ مركب للتخلُّص منه بدون جدوى».
стр. 336
وقد نعيتُ على الأستاذ في «الطليعة» (ص ٩٣) (١) أنه: «يتعارف المجاهيل ويحتج بروايتهم إذا كانت روايتهم توافق هواه». ثم ذكرت (ص ٩٣) هذه الحكاية، وقلت: «كذا قال، ثم لم يبيِّن ما يُعرف به أولئك الذين جهلهم الخطيب». فتعامى الأستاذ في «الترحيب» عن ذلك، فلم يذكر فيه شيئًا! فلننظر في سند هذه الحكاية أصحيح هو؟ حتى يسوغ للأستاذ أن يجزم بقوله: «يقول ابن أبي خيثمة». وماذا قال الخطيب في هذه الحكاية؟ أرَكِبَ كلَّ مركبٍ للتخلص منها بدون جدوى؟
قال الخطيب (ج ٤ ص ٢٠٩): «أخبرنا علي بن المحسِّن التنوخي، حدثني أبي، ثنا أبو بكر محمد بن [١/ ١٧٢] حمدان بن الصباح النيسابوري بالبصرة، حدثنا أبو علي الحسن بن محمد الرازي، قال: قال لي عبد الله بن أبي خيثمة: قال لي أبي أحمد بن أبي خيثمة: اكتب عن هذا الشيخ يا بُني، فإنه يكتب معنا في المجالس منذ سبعين سنة ــ يعني أبا العباس أحمد بن الصلت المغلِّس الحِمَّاني»
قال الخطيب: «قلت: لا أُبعِد أن تكون هذه الحكاية موضوعة، وفي إسنادها غير واحد من المجهولين، وحالُ أحمد بن الصلت أظهر من أن يقع فيها الريبة».
فلندع الجملة الأولى والثالثة، ولننظر في الوسطى، هل جميع رجال السند معروفون ثقات، حتى يسوغ للأستاذ أن يعوِّل بدون جدوى، وأن يجزم بنسبة ذاك القول إلى ابن أبي خيثمة؟ أما عليّ بن المحسِّن وأبوه
стр. 337
فمعروفان. فمَن أبو بكر محمد بن حمدان بن الصباح النيسابوري؟ ومَن شيخه؟ وهل يُعرف لابن أبي خيثمة ابنٌ اسمه عبد الله؟
أما الأول ففي «لسان الميزان» (ج ٥ ص ١٤٧) (١): «محمد بن حمدان بن الصباح النيسابوري عن الحسن بن محمد الرازي، وعنه علي بن الحسن (٢) (صوابه: المحسِّن) التنوخي. قال الخطيب: مجهول». ولم يتعقبه بشيء. نعم، عرفنا محمد بن حمدان هذا بأنه يروي فيُكثِر عن ابن الصلت صاحب هذه الترجمة، وعنه التنوخي. أخرج الخطيب في مناقب أبي حنيفة بهذا الطريق عدة حكايات منها في (ص ٣٣٩) مرتين، وفي (ص ٣٤٠ وص ٣٤٣ وص ٣٤٥ (٣) وص ٣٤٦ وص ٣٥٣ وص ٣٥٨) وأكِلُ الاستنتاجَ إلى القارئ.
وأما الثاني: ففي «لسان الميزان» (ج ٢ ص ٢٥٣) (٤): «الحسن بن محمد بن نصر بن عثمان بن الوليد بن مدرك الرازي أبو محمد (كذا) المتطيب (٥)، قال الحاكم: قدم نيسابور سنة ٣٣٧، وكان يحدِّث عن
стр. 338
الكُدَيمي وأقرانه بعجائب. فمنها: ... » فذكر حكايةً. قال ابن حجر: «قلت: هذا لا يحتمله الكُدَيمي وإن كان ضعيفًا. وروى الخطيب في «تاريخه» عن علي بن الحسن (كذا) بن علي التنوخي، عن أبيه، عن أبي بكر بن أحمد (كذا) (١) النيسابوري، عن الحسن بن محمد الرازي، عن محمد (كذا) (٢) بن أحمد بن أبي خيثمة حكاية باطلة، وقال: في إسنادها غير واحد من المجهولين، وعنى بذلك الحسنَ بن محمد والراويَ عنه».
أقول: وللحسن هذا عجائب في «مناقب أبي حنيفة» للموفَّق.
[١/ ١٧٣] وأما الثالث: فلم أر أحدًا ذكر أن لأحمد بن أبي خيثمة ابنًا اسمه عبد الله، وما سبق عن ابن حجر مِن جعله بدل عبد الله «محمد». فهل وقع في نسخته من تاريخ الخطيب «محمد»، أم وقع فيها «أبو عبد الله» وهي كنية محمد، أم وقع فيها ــ كما في النسخ المطبوع عنها ــ «عبد الله»، ولكنه ظن أن الصواب «أبو عبد الله»، وأن كلمة «أبو» سقطت من الناسخ؟ الأشبه هذا الثالث، ولو تمَّ هذا لنجا الثالث من الجهالة والضعف، فإن أبا عبد الله محمد بن أحمد بن أبي خيثمة معروف ثقة، لكن وجدت الحكاية في «تهذيب تاريخ ابن عساكر» (ج ٢ ص ٥٧) وفيها «عبد الله»، فضعُفَ ما ظنَّه ابن حجر. هذا حال الإسناد, فكيف ترى حال الأستاذ!
وهَبْ أن الحكاية صحَّت عن أحمد بن أبي خيثمة، فأيّ شيء فيها؟ لم
стр. 339
يُعرف ابن أبي خيثمة بالتوقِّي عن الرواية عن الضعفاء، فضلًا عن الكتابة عنهم. بل عامة المحدِّثين يكتبون عن كل أحد، إلا أن منهم أفرادًا كانوا يتقون أن يرووا إلا عن ثقة، ويكتبون عن الضعفاء للمعرفة، كما مر في ترجمة الإمام أحمد (١) مِن نَظَرِه في كتب الواقدي. وأحمد بن أبي خيثمة وابنه محمد، لو اتجه ظنُّ ابن حجر، كانا مشتغِلَين بجمع «التاريخ»، والتاريخ يحتاج إلى موادَّ وتسامحٍ في الرواية عن الضعفاء، فلو صحت القضية لما كان فيها إلا شهادة ابن أبي خيثمة لابن الصلت أنه كان يكتب معهم من زمان طويل. وبذلك علَّل أمرَ ابنِه بالكتابة عنه، على ما جرت عادتهم من الحرص على الكتابة عن المعمَّر، ولو كان ضعيفًا، رغبةً في العلوِّ. وعلى كل حال فليس فيها توثيق.
قول الأستاذ: «وفي شيوخه كثرة».
أقول: سيأتي كلام الأئمة فيه، وبه تَعرف أن من كان في مثل حاله، فالناس كلهم شيوخه!
قوله: «وقد أخذ عنه أناس لا يحصون».
أقول: أما المذكورون في ترجمته فقليل، ومع ذلك فليس فيهم من عُرِف بأنه لا يروي عن الساقطين. وهذا الكلبي أشهر الرواة بالكذب، روى عنه السفيانان وابن جريج وابن المبارك وغيرهم من الأئمة، فلم ينفعه ذلك.
[١/ ١٧٤] قوله: «وتحامل عليه ابنُ عدي كتحامله على البغوي».
стр. 340
أقول: لا سواء، البغوي ــ وهو عبد الله بن محمد بن عبد العزيز تأتي ترجمته (١) ــ تحامل عليه ابن عدي بما ليس بجرح، ثم عاد فأثنى عليه، ووثَّقه الناس. وابن الصلت جَرَحه ابنُ عدي جرحًا صريحًا مفسّرًا، وجرحه الناس كما يأتي، ولم يثن عليه أحد. ومع ذلك فقد رجع الأستاذ حين احتاج إلى الكلام في البغوي، فلم يعدَّ كلام ابن عدي فيه تحاملًا، بل بنى على ذاك التحامل، وهوَّل، ورمى البغوي بالكذب!
قوله: «ولعل ذنبه كونه ألَّف في مناقب النعمان».
أقول: لم يخب رجاء الأستاذ، فإن من ذنب ابن الصلت عندهم أنه خلط في المناقب، كما يأتي. وذلك واضح لكل متدبر، وسيأتي أن أعلى الجارحين لابن الصلت حافظ حنفي!
قوله: «وحديث ابن جزء لم ينفرد هو بروايته». وزاد في «التأنيب» (ص ١٦٦): «بل أخرجه ابن عبد البر في «جامع بيان العلم» (ج ١ ص ٤٥) بسند ليس فيه ابن الصلت».
أقول: في الموضع المذكور من كتاب «العلم» (٢): «وأُخبِرنا أيضًا عن أبي يعقوب يوسف بن أحمد الصيدلاني المكي قال: حدثنا أبو جعفر محمد بن عمرو بن موسى العُقَيلي وأبو علي عبد الله بن جعفر الرازي ومحمد بن سماعة، عن أبي يوسف قال: سمعت أبا حنيفة ﵀ يقول: حججتُ مع أبي سنة ثلاث وتسعين ولي ست عشرة سنة .. ». ذكر
стр. 341
القصة. فيُنظر في المخبِر لابن عبد البر مَن هو؟ وفي الصيدلاني، فإني لم أجد من وثَّقه.
ومع هذا، ففي بقية السند تحريف لم يشر إليه الأستاذ رجاء أن يغترَّ به من لا معرفة له! فإن الصيدلاني لم يدرك ابن سماعة، والعقيلي لم يدرك أبا يوسف ولا ابن سماعة، وعبد الله بن جعفر هذا قد جاء ــ كما يأتي ــ هذا الخبر عنه عن أبيه عن ابن سماعة. فصواب هذه العبارة كما يعلم من «الجواهر المضيئة في تراجم الحنفية» للقرشي (١/ ٢٧٣) (١): « ... العقيلي ثنا أبو علي عبد الله بن جعفر الرازي ثنا (أو: عن) محمد بن سماعة .. ».
ترجم القرشيُّ عبدَ الله بن جعفر هذا أخذًا من هذا الموضع في «كتاب العلم» فقط، كما يتضح من مراجعة كلامه. ولما شعر أن عبد الله بن جعفر هذا لا يُدرى مَن هو، رأى حقًّا عليه أن يموِّه، فخلع عليه لقب «الإمام»!
وفي «مناقب أبي حنيفة» للموفق (١/ ٢٥) عن الجعابي: [١/ ١٧٥] «حدثني أبو علي عبد الله بن جعفر الرازي من كتاب فيه حديث أبي حنيفة، حدثنا أبي، عن محمد بن سماعة، عن أبي يوسف قال: «حججت مع أبي سنة ست وتسعين ولي ست عشرة سنة ... » وذكر القصة. زاد في السند كما مرَّ، وقال: «سنة ست وتسعين» وفي كتاب «العلم» و «الجواهر المضيئة» عنه: «سنة ثلاث وتسعين». تارةً حاول أن يقرِّب التاريخ من وفاة عبد الله بن الحارث، وتارةً راعى المعروف من مولد أبي حنيفة.
стр. 342
وفي «لسان الميزان» (١)، و «ذيل اللآلئ» (٢) للسيوطي من طريق أبي علي الحسن بن علي الدمشقي، عن عبد العزيز بن حسن الطبري، عن مكرم بن أحمد، عن محمد بن أحمد بن سماعة، عن بشر بن الوليد، عن أبي يوسف، فذكر القصة. قال في «اللسان»: وهو باطل أيضًا. وللحسن بن علي الدمشقي ترجمة في «لسان الميزان» (٢/ ٢٣٦) (٣). وفي «شرح مسند أبي حنيفة» (٤) لعلي قاري: «الأقرب ما ذكره أبو منصور البغدادي بإسناده عن بلال بن أبي العلاء عنه أنه قال: حملني أبي على عاتقه، وذهب إلى عبد الله بن الحارث ... ».
ولا أدري ما ذاك السند؟ ومَن بلال بن أبي العلاء؟ وربما كان عند القوم غير هذا!
قال الأستاذ: «فثبت أنه لم ينفرد بروايته، فيجب أن تزول نقمة الذهبي عليه بزوال سببها».
أقول: هذا إذا كان سند المتابعة مقبولًا. أما إذا كان ساقطًا، فلا يدفع التهمة، بل يقال: بعضهم وضع، وبعضهم سرق أو وهِم أو لُقِّن أو أُدخل عليه، على أنه إذا كان مقبولًا والمروي منكرًا، فإن الراوي يبرأ وتلصق التهمة بمن فوقه. ومع ذلك، فلا ينفع ابنَ الصلت زوالُ تَبِعَة ذلك الحديث عنه إلى
стр. 343
[مَن] (١) فوقه، لأن له بلايا أُخر لا تحصى.
قال الأستاذ: «ولكن لا يمكنهم أن يسامحوه، لأنه بروايته الحديث المذكور بطريق أبي حنيفة يثبت أن أبا حنيفة من التابعين حتى عند من لا يكتفي بالمعاصرة أو الرؤية في ذلك، وهذا مما لايمكن مسامحته والصفح عنه ... ».
أقول: لخصمك أن يقول: أنت أحقُّ بالتهمة وأهلُها، بل الأمر أوضح من أن يسمى تهمة. ومع ذلك لو جئت بحجة صحيحة لوجب قبولها، فكيف ترجو أن تُردَّ حججُ الأئمة باتهامك لهم؟
وفي «التأنيب» (ص ١٦٥) بعد الإشارة إلى قول الذهبي في هذا الحديث: «هذا كذب، [١/ ١٧٦] فابن جزء مات بمصر، ولأبي حنيفة ستُّ سنين»، قال الأستاذ: «تغافل الذهبي عن أن في مواليد رجال الصدر الأول ووفياتهم اختلافًا كثيرًا لتقدُّمهم على تدوين كتب الوفيات بمدة كبيرة، فلا يُبَتُّ في أغلب الوفيات برواية أحد النقلة. وها هو أُبيّ بن كعب ﵁ من أشهر الصحابة، اختلفوا في وفاته من سنة ١٨ إلى سنة ٣٢، والذهبي يُصرُّ على أن وفاته سنة ٢٢ في كتبه جميعًا، مع أنه عاش إلى سنة ٣٢، وشارك جمع القرآن في عهد عثمان كما يظهر من طبقات ابن سعد. وأين منزلة ابن جزء من منزلة أُبيّ حتى يُبَتَّ بوفاةٍ تُروى له عن ابن يونس وحده؟ وقد قال الحسن بن علي الغزنوي: إن وفاته سنة ٩٩، كما في «شرح المسند» لعلي القاري، ولعل ذلك هو الصواب في وفاته».
أقول: الجواب من وجوه:
الأول: وقوع الاختلاف في ذلك في الجملة إنما هو بمنزلة وقوعه في
стр. 344
أدلَّة الأحكام، لا يبيح إلغاء الجميع جملة؛ بل يؤخذ بما لا مخالف له، وينظر في المتخالفين فيؤخذ بأرجحهما، فإن لم يظهر الرجحان أُخِذ بما اتفقا عليه. مثال ذلك: ما قيل في وفاة سعد بن أبي وقاص سنة ٥١، ٥٤، ٥٥، ٥٦، ٥٧، ٥٨. فإن لم يترجَّح أحدها أُخِذ بما دلَّ عليه مجموعُها أنه لم يعش بعد سنة ٥٨. فإن جاءت رواية عن رجل أنه لقي سعدًا بمكة سنة ٦٥ مثلًا استنكرها أهل العلم، ثم ينظرون في السند، فإذا وجدوا فيه من لم تثبت ثقته حملوا عليه. فابن جَزء قيل في وفاته سنة ٨٥، ٨٦، ٨٧، ٨٨، وأرجحها الثاني؛ لأنه قول ابن يونس مؤرخ مصر، وهي مع ذلك مجتمعة على أنه لم يعش بعد سنة ٨٨. فلما جاءت تلك الرواية أنه لقي بمكة سنة ٩٦ أو ٩٨ استنكرها أهل العلم، ووجدوا أحقَّ مَن يُحمل عليه ابن الصلت.
فأما قول الغزنوي المتأخر: إن ابن جزء توفي سنة ٩٩، فهو من نمط ما في «المناقب» للموفق (ج ١ ص ٢٦) روى من طريق الجِعابي القصة، وفيها أن اللقاء كان سنة ٩٦، ثم حكى عن الجِعابي أن ابن جزء مات سنة ٩٧= فهذان القولان مع تأخر قائليهما إنما حاولا بهما تمشية القصة. رأيا أن فيها أن اللقاء كان بالموسم، وأن المعروف في وفاة ابن جزء أنها بمصر بقرية يقال لها «سَفْط القُدور» كما جاء عن الطحاوي، وأن من شَهِد الموسم لا يمكن أن يصل إلى مصر إلا في السنة التالية [١/ ١٧٧] = فبنيا على ذلك، ولم تمكنهما الزيادة على ذلك لئلا تفحُش المخالفة لما نُقِل عن المؤرخين جدًّا.
الوجه الثاني: ابن جَزء أقرب إلى عصر تدوين الوفيات من أُبي بن كعب، ففي «فهرست ابن النديم» (ص ٢٨١) أن لليث بن سعد تاريخًا،
стр. 345
وتواريخ المحدثين مدارها على بيان الوفيات، والليث ولد سنة ٩٤، ومات سنة ١٧٥، ومن أشهر شيوخه يزيد بن أبي حبيب المتوفى سنة ١٢٨، وهو أشهر الرواة عن ابن جَزء. وفي «تدريب الراوي» (١) في شرح النوع الستين: «وقال سفيان الثوري: لما استعمل الرواة الكذبَ استعملنا لهم التاريخ» والثوري ولد سنة ٩٧، ومات سنة ١٦١. فيظهر أن البحث والسؤال عن الوفيات قد شُرع فيه في حياة الرواة عن ابن جزء، وهكذا غيره ممن تأخرت وفاته، فلم يكن بين الباحث وبين الصحابي إلا رجل واحد، يسأله، فيُخبره عما أدركه؛ بخلاف الحال في متقدمي الوفاة كأُبيّ بن كعب.
الوجه الثالث: كان الصحابة في عهد أُبيّ بن كعب متوافرين، فلم يكن لطلبة العلم كبير حرص على لقائه؛ لأنهم يجدون غيره من الصحابة، ويرون أنه إن مات لم يَفُتهم شيء لبقاء كثير من الصحابة. وهو لعلمه بذلك لم يكن يبذل نفسه، حتى نُسِب إلى شراسة الخلق، فلعله لم يكن يتجشم لقاءَه إلا ذوو الأسنان. فإذا نظرنا في الرواة عنه، فلم نجد فيهم إلا من كان رجلًا في عهد عمر؛ لم يكن في ذلك دلالة بينة على أنه توفي في عهد عمر.
فأما ابن جزء فكان آخر الصحابة بمصر، فطلبةُ العلم بغاية الحرص على السماع منه؛ لأنهم يرون أنه إن مات لم يجدوا صحابيًّا آخر، ونزلوا طبقة عظيمة. وهو لعلمه بذلك يبذل نفسه لتحديث من يريد أن يسمع منه، صغيرًا كان أم كبيرًا، كما كان سهل بن سعد يقول: «لو متُّ لم تسمعوا أحدًا يقول:
стр. 346
قال رسول الله ﷺ » كما في ترجمته من «الاستيعاب» (١)، يحرِّضهم بذلك ــ والله أعلم ــ على السماع منه. ولما مات أنس قال مورِّق العجلي: ذهب اليوم نصف العلم. قيل: كيف ذاك؟ قال: كان الرجل من أهل الأهواء إذا خالَفَنا في الحديث قلنا: تعال إلى من سمعه من النبي ﵌ (٢). فالظن بمن كان من طلبة العلم بمصر أنه إذا بلغ سنَّ الطلب في حياة ابن جزء كان أهمَّ شيء عنده أن يلقاه ويسمع منه. فلو عاش ابن جزء إلى سنة ٩٧ أو ٩٩ لكان في الرواة عنه من لم يبلغ سنَّ الطلب إلا قبل ذلك بقليل. ولو كان فيهم من هو كذلك لاشتهر أمره لعلو [١/ ١٧٨] سنده، ولما خفي على مثل ابن يونس وغيره ممن ذكر وفاة ابن جزء.
وقد تتبعتُ الرواة عن ابن جزء، فإذا آخرهم وفاةً عبيد الله بن المغيرة بن معيقيب توفي سنة ١٣١، وقد روى عبيد الله أيضًا عن ناعم مولى أم سلمة ووفاة ناعم سنة ٨٠ على ما قيل، ولم يذكروا خلافه.
الوجه الرابع: لو حجَّ ابن جَزء سنة ست وتسعين أو ثماني وتسعين، وحدَّث في الموسم، واجتمع الناس حواليه ــ كما تزعمه تلك الرواية ــ لكان من حضر الموسم من أهل العلم وطلبة الحديث أحرصَ الناس على لقائه والسماع منه؛ لأنه لم يبق حينئذ على وجه الأرض صحابيٌّ سمع من رسول الله ﵌ وحدَّث عنه إلا هو ــ على فرض صحة
стр. 347
الرواية ــ ثم لتناقلوا ما يسمعون منه وتنافسوا فيه لعلوِّه، ولاسيَّما ذاك الحديث المذكور في تلك الرواية: «من تفقَّه في دين الله كفاه الله همَّه ورَزَقه من حيث لا يحتسب»؛ فإن فيه بشارةً عظيمةً لهم، وفضيلةً بيِّنةً وترغيبًا في طلب العلم، ولا يعرفونه من رواية غيره= فما بالنا لا نجد لذلك أثرًا إلا ما تضمَّنته تلك القصة!
الوجه الخامس: لو لم يكن فيما يدل على تأخر وفاة أُبيّ بن كعب إلا ما أشار إليه الأستاذ من الرواية التي عند ابن سعد لاستنكرها أهل العلم، لكن لذلك شواهد وعواضد، منها ما روي عن عبد الرحمن بن أَبْزَى أنه قال: «قلت لأُبيّ لما وقع الناس في أمر عثمان: يا أبا المنذر ... » (١). ومنها: ما روي عن زِرِّ بن حبيش أنه لقي أُبيًّا في خلافة عثمان (٢)، ومنها: ما روي عن الحسن البصري في قصة أن أُبيًّا مات قبل مقتل عثمان بجمعة (٣). فأما الرواية في لُقِيّ ابن جزء بمكة سنة ست وتسعين أو ثماني وتسعين، فلا شاهد لها ولا عاضد.
فإن قيل: أرأيت لو وُجِد لها شواهد وعواضد قوية، أتقبلونها؟ قلت: إن صحَّ سندها فنعم، وأيُّ شيء في هذا؟ أرأيت من قامت عليه البينة العادلة بما يوجب القتل، أيدرأ عنه القتلَ أن يقال: لو وُجِدتْ بينة عادلة بجرح الشهود لَما كان عليه قَتْل؟
стр. 348
الوجه السادس: متأخرو الوفاة من الصحابة قد يقع الاختلاف في تاريخ وفاتهم، لكنه لا يكاد يكون التفاوت شديدًا. فعبد الله بن أبي أوفى سنة ٨٦، ٨٧، ٨٨، وسهل بن سعد الساعدي سنة ٨٨، ٩١، وأنس سنة ٩١، ٩٣، ٩٥. وأشدُّ ما رأيته من التفاوت ما قيل في وفاة [١/ ١٧٩] السائب بن يزيد، وذلك نادر، مع أن النبي ﵌ توفي وللسائب نحو سبع سنين، وعامة روايته عن الصحابة، وقد يُرسل. أما ابن جزء فروى عن النبي ﷺ سماعًا، ولم يذكروا له رواية عن غيره، فالحرص على السماع من ابن جزء محقَّق، بخلاف السائب.
ثم قال الأستاذ: «على أن النبي ﵌ توفي عمن يزيد [عددهم] (١) على مائة ألف من الصحابة، ولم تَحْتوِ الكتب المؤلفة في الصحابة عشر معشار ذلك، ولا مانع من اتفاق كثير منهم في الاسم واسم الأب والنسب، لاسيّما المقلِّين في الرواية».
أقول: حاصل هذا أنه يحتمل أن يكون هناك صحابي آخر وافق عبدَ الله بن الحارث بن جَزء الزُّبيدي في الاسم واسم الأب والنسب، فيكون هو الذي جاء في تلك القصة أن أبا حنيفة لقيه بمكة سنة ٩٧ أو ٩٨. ولا يخفى أن مثل هذا الاحتمال لا يكفي لدفع الحكم، مع أنه قد عُلم مما تقدم في الوجه الرابع وغيره ما يدفع هذا الاحتمال. فإن كان الأستاذ يشير بقوله: «في الاسم واسم الأب والنسب» ــ ولم يذكر اسم الجد ــ إلى عبد الله بن الحارث الزُّبيدي النجراني المُكْتِب، فذاك تابعي معروف.
стр. 349
ثم ذكر الأستاذ أن ابن عبد البر: «نص على أن أبا حنيفة رأى أنس بن مالك وعبد الله بن جَزء الزبيدي روايةً عن ابن سعد».
أقول: يحكي الذهبي عن ابن سعد أنه روى عن سيف بن جابر عن أبي حنيفة أنه رأى أنسًا. ولم أر في «الطبقات» المطبوع لا ذا ولا ذاك، فلا أدري أفي كتاب آخر لابن سعد، أم حكاية مفردة رويت بسند (١)؟ فإن كان الثاني، فلا أدري ما حال ذاك السند؟ وكيف وقعت لابن عبد البر زيادة: «وعبد الله بن جَزء الزبيدي»؟ مع أني لم أعرف سيف بن جابر (٢)، وما دام الحال هكذا فلا تقوم بذلك حجة. مع أن صنيع ابن عبد البر في «الاستيعاب» يقتضي أنه لم يعتدَّ بما حكاه في «كتاب العلم» من رؤية أبي حنيفة لابن جَزء، فإنه قال في ترجمة أنس (٣) بعد أن ذكر أنه توفي سنة ٩١ و ٩٢ و ٩٣: «ولا أعلم أحدًا مات بعده ممن رأى رسول الله ﵌ إلا أبا الطفيل». وقال في ترجمة ابن جزء (٤): «كانت وفاته بعد الثمانين، وقد قيل: سنة ثمان أو سبع وثمانين، وقيل: سنة خمس وثمانين».
стр. 350
[١/ ١٨٠] فصل
في «تاريخ بغداد» (٤/ ٢٠٧) من طريق ابن الصلت: «حدثنا بِشر بن الوليد، حدثنا أبو يوسف، حدثنا أبو حنيفة قال: سمعت أنس بن مالك يقول: قال رسول الله ﵌: «طلب العلم فريضة على كل مسلم». ثم قال الخطيب: لم يروه عن بِشر غيرُ أحمد بن الصلت، وليس بمحفوظ عن أبي يوسف، ولا يثبت لأبي حنيفة سماع من أنس بن مالك. والله أعلم. حدثني علي بن محمد بن نصر قال: سمعت حمزة بن يوسف السهمي يقول: سئل أبو الحسن الدارقطني ــ وأنا أسمع ــ عن سماع أبي حنيفة من أنس يصح؟ قال: لا، ولا رؤيته. لم يلحق أبو حنيفة أحدًا من الصحابة».
أشار الأستاذ إلى هذا، ثم قال: «مع أن أبا حنيفة كان أكبر سنًّا من أقلِّ سنِّ التحمل عند المحدثين بكثير في جميع الروايات في وفاة أنس، مع ثبوت قدومه إلى الكوفة قبل وفاته اتفاقًا».
أقول: أما أنا فلم أعرف أن أنسًا قدم الكوفة في أواخر عمره. فإن بنى هذا على ما اشتهر من تحديثه للحَجَّاج بحديث العُرَنيين وإيذاء الحَجَّاج له وكتابة أنسٍ إلى عبد الملك يشكوه، فهذا كان بالبصرة سنة ٧٥. على أن الحجاج انتقل من الكوفة إلى واسط سنة ٨٦، وفيها مات عبد الملك كما هو معروف في التاريخ. وإن بنى على ما حكى عن ابن سعد في رؤية أبي حنيفة لأنس فقد مر ما فيه (١).
стр. 351
وإن بنى على أن الدارقطني ــ على ما في «تبييض الصحيفة» عن حمزة السهمي ــ قال: «لم يلق أبو حنيفة أحدًا من الصحابة إلا أنه رأى أنسًا بعينه ولم يسمع منه»، كما نقله الأستاذ (ص ١٥)؛ وأن جماعة ممن بعد الدارقطني ذكروا رؤية أبي حنيفة لأنس كما ذكره (ص ١٥) أيضًا= فلا أرى في هذا حجة.
أما ما حكاه السيوطي عن حمزة، فقد عارضه ما مر عن الخطيب. والخطيب يروي في مواضع كثيرة من «تاريخه» عن علي بن محمد بن نصر عن حمزة سؤالات حمزة للدارقطني وغيره، كما ترى شواهد ذلك في المقدمة لِـ «تاريخ جرجان» (١). فيعلم مما ذُكر مع النظر إلى عادة الخطيب وعادة أهل عصره التي أشرتُ إليها في «الطليعة» (ص ١١٠) (٢) أنه كان عنده نسخة من كتاب حمزة، وسمعها من علي بن محمد بن نصر، فما روى عن علي بن محمد بن نصر عن حمزة من سؤالات الدارقطني فهو من ذاك الكتاب، فرواية الخطيب ثابتة.
وأما حكاية [١/ ١٨١] السيوطي، فإن كان أخذها من نسخة من كتاب حمزة فنسخةُ الخطيب أثبتُ لقرب العهد وسماعه للكتاب بواسطة واحدة، ولِما عُرِف من تثبُّت الخطيب. وإن كان أخذها من مأْخَذ آخر فلا ندري ما حاله؟
وزعم الأستاذ أن ما وقع في «التاريخ»: «مما غيَّرته يدٌ أثيمة، وكم لمصحِّح
стр. 352
الطبع من إجرام في الكتاب! وكان أصل الكلام « ... إلا رؤيته»، فغيَّرته اليد الأثيمة إلى: ولا رؤيته».
أقول: الكتاب أي «تاريخ بغداد» طبع بمصر، ولعل الأستاذ إن كان شكَّ في تلك الكلمة قد راجع الأصل المطبوع عنه، أو روجع له، كما عُرف من عادته في الحرص على تأييد قوله والتنديد بمخالفيه كالمصحح الذي عناه. فلو وَجَد في الأصل «إلا رؤيته» لصرَّح به. فإن عاد فحمَل على الأصل نفسه، فما باله يذكر مصحِّحَ الطبع؟ هل أَذْكَرتْه كلمةُ «الطبع» قولهم: قيل للغراب: لم تسرق الصابون؟ قال: الأذى طبعي (١)!
وعلى كلا الحالين، أليس لخصمه أن يعارضه باتهام مصحح «تبييض الصحيفة»، أو كاتب أصلها؟ ومع هذا فلا مانع من صحة الحكايتين معًا بأن يقال: كان الدارقطني استند فيما في «تبييض الصحيفة» من قوله: «إلَّا أنه رأى أنسًا بعينه» إلى رواية ليِّنة أو شهرة بين حنفية عصره تسمح بذلك، لأن ذكر الرؤية وحدها «من باب المناقب الذي يُتساهل فيه»، كما قال الأستاذ (ص ٢١) في قضية أخرى؛ فلما سُئل في رواية الخطيب عن الصحة نفاها.
وقول الأستاذ (ص ١٥): «ونفيه لسماعه بعد إثباته لرؤيته دعوى مجردة وشهادة على النفي». يردُّ عليه أن دعوى الرؤية دعوى مجرَّدة أيضًا.
стр. 353
فإن قيل: الظاهر أنه لم يقل ذلك إلا عن حجة، قلنا: هذا الظاهر لا يبلغ أن يكون حجة، ولاسيما مع التساهل في المناقب. ومع هذا، فكذلك الظاهر أنه لم ينف السماع إلا عن حجة، قد تكون بنفيٍ خاصٍّ تُقبَل على مثله الشهادة.
[١/ ١٨٢] فأما من ذكر الرؤية ممن بعد الدارقطني، فبنَوا على اشتهار ذلك بين متأخري الحنفية، وأنه «من باب المناقب الذي يتساهل فيه»، كما نص عليه الأستاذ.
فصل
قضية سماع أبي حنيفة ترتبط بقضية ميلاده، فلا بأس بالنظر فيها هنا. في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٣٠) من طريق ابن عُقْدة بسنده إلى: «مزاحم بن ذوَّاد بن عُلَيَّة يذكر عن أبيه أو غيره قال: ولد أبو حنيفة سنة إحدى وستين ... ». قال الخطيب: «لا أعلم لصاحب هذا القول متابعًا».
قال الأستاذ (ص ١٩): «ألَّف في رواية أبي حنيفة الأحاديثَ عن جملة من الصحابة مباشرةً جماعةٌ من القدماء من أمثال أبي حامد محمد بن هارون الحضرمي ... وإلى هذه الرواية في ميلاده يكون ميل هؤلاء، وإلا ما ساغت روايتهم لبعض تلك الأحاديث في عداد مسموعاته ... ».
أقول: ابن عُقْدة هو أحمد بن محمد بن سعيد، تقدمت ترجمته (١). ومزاحم وأبوه ضعيفان، على أنه لم يُدْرَ أعن أبيه أم عن غيره؟ فأما الذين ألَّفوا في رواية أبي حنيفة عن جملة من الصحابة، فليسوا متقدمين على عصر
стр. 354
الخطيب، ولا هم ممن يُعتدُّ به في هذا الشأن. بلغهم شيء، فرووه، ووكلوا النقد إلى أهله.
ثم ذكر الأستاذ أنه رأى في نسخة قَلَمية من «ضعفاء ابن حبان» تاريخ ميلاد أبي حنيفة سنة سبعين، وأن بعض المطالعين صحَّح في الهامش: سنة ثمانين، وأن في «أنساب ابن السمعاني» المطبوع بالزنكوغراف في مادة «الخزاز»: سنة سبعين، وفي موضع آخر من الكتاب: سنة ثمانين، وأن في «ملخصه» لابن الأثير في مادة «الخزاز»: سنة ثمانين، وأن أبا القاسم السِّمناني عصريَّ الخطيب ذكر قولين: سبعين، ثمانين، وأن صاحب «الجواهر المضيئة» ذكر ثلاث روايات: ٦١، ٦٣، ٨٠، وأن العيني ذكر في «تاريخه» ثلاثًا أيضًا: ٦١، ٧٠، ٨٠.
أقول: أما رواية ٦١، فقد مرَّ ما فيها. وأما رواية ٦٣ فتفرَّد بذكرها في جملة ما قيل صاحب «الجواهر المضيئة» (١) المتوفى سنة ٧٧٥، ولم يذكر من قالها. وأما رواية ٧٠، فحكاها السِّمناني [١/ ١٨٣] عصريُّ الخطيب ولم ينسبها إلى قائل، ووقعت في نسخة من «الضعفاء» لابن حبان، وفي موضع من نسخة من «الأنساب» كما مرَّ عن الأستاذ مع ما فيه= فغاية الأمر أنه قيل بها في القرن الرابع.
وأما سنة ثمانين فثبتت من طرق في «انتقاء ابن عبد البر» (ص ١٢٢ - ١٢٣) (٢) و «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٣٠) عن أبي نعيم الفضل بن دُكَين، وهو
стр. 355
إمام جليل كوفي كأبي حنيفة، سمع منه وروى عنه. وكذلك في «تاريخ بغداد» عن زُفَر بن الهذيل صاحب أبي حنيفة، وفيه أيضًا (ص ٣٢٥ - ٣٢٦) عن إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة: «ولد جدِّي في سنة ثمانين، وذهب ثابت إلى علي بن أبي طالب ... ». وفي السند نظر، لكن الأستاذ احتجَّ بتلك الرواية في تعليقه على «مناقب أبي حنيفة» للذهبي (ص ٧) فقال: «صحَّ عن إسماعيل بن حماد ... ». وكذلك في «الانتقاء» عن يحيى بن نصر بن حاجب، وهو حنفي توفي سنة ٢١٥. وفي «الانتقاء» آخِر (ص ١٢٣) من طريق أبي يعقوب يوسف بن أحمد بن يوسف المكي الذي يُكثِر الأستاذ من ذكر كتابه والثناء عليه ويعبِّر عنه بابن الدخيل تلميذ العقيلي قال: «سمعت القاضي أبا الحسن أحمد بن محمد النيسابوري قال: وأما أبو حنيفة فلا اختلاف في مولده أنه ولد سنة ثمانين ... ». والنيسابوري هذا متقدم على الذين ذكروا سنة سبعين.
ومن العجب أن الأستاذ قال (ص ٢٠): «قول ابن عبد البر: «وأما أبو حنيفة فلا اختلاف في مولده ... » يدل على أنه لم يطلع على تلك الروايات، وعذره أنه لم يرحل إلى الشرق ... ». ولا أدري أغلط هذا أم مغالطة! فإن ابن عبد البر لم يقل ذلك من عند نفسه، وإنما رواه عن شرقيٍّ متقدم كما رأيت.
وعلى كل حال فتاريخ المولد يثبت ببعض ما ذُكِر فضلًا عن جميعه، ولم يعارض ذلك ما يستحق أن يُلتفت إليه. ولا يبعد أن تكون الأقوال الأخرى إنما بُنيت على رواية بعض تلك الأحاديث الواهية دفعًا لوضوح البطلان عنها كما تقدم في قول من قال: إن وفاة عبد الله بن الحارث بن جزء سنة ٩٧ أو ٩٩، ثم أخذها بعضُ من لم ينظر فيها!