وإن بنى على أن الدارقطني ــ على ما في «تبييض الصحيفة» عن حمزة السهمي ــ قال: «لم يلق أبو حنيفة أحدًا من الصحابة إلا أنه رأى أنسًا بعينه ولم يسمع منه»، كما نقله الأستاذ (ص ١٥)؛ وأن جماعة ممن بعد الدارقطني ذكروا رؤية أبي حنيفة لأنس كما ذكره (ص ١٥) أيضًا= فلا أرى في هذا حجة.
أما ما حكاه السيوطي عن حمزة، فقد عارضه ما مر عن الخطيب. والخطيب يروي في مواضع كثيرة من «تاريخه» عن علي بن محمد بن نصر عن حمزة سؤالات حمزة للدارقطني وغيره، كما ترى شواهد ذلك في المقدمة لِـ «تاريخ جرجان» (١). فيعلم مما ذُكر مع النظر إلى عادة الخطيب وعادة أهل عصره التي أشرتُ إليها في «الطليعة» (ص ١١٠) (٢) أنه كان عنده نسخة من كتاب حمزة، وسمعها من علي بن محمد بن نصر، فما روى عن علي بن محمد بن نصر عن حمزة من سؤالات الدارقطني فهو من ذاك الكتاب، فرواية الخطيب ثابتة.
وأما حكاية [١/ ١٨١] السيوطي، فإن كان أخذها من نسخة من كتاب حمزة فنسخةُ الخطيب أثبتُ لقرب العهد وسماعه للكتاب بواسطة واحدة، ولِما عُرِف من تثبُّت الخطيب. وإن كان أخذها من مأْخَذ آخر فلا ندري ما حاله؟
وزعم الأستاذ أن ما وقع في «التاريخ»: «مما غيَّرته يدٌ أثيمة، وكم لمصحِّح
стр. 352
الطبع من إجرام في الكتاب! وكان أصل الكلام « ... إلا رؤيته»، فغيَّرته اليد الأثيمة إلى: ولا رؤيته».
أقول: الكتاب أي «تاريخ بغداد» طبع بمصر، ولعل الأستاذ إن كان شكَّ في تلك الكلمة قد راجع الأصل المطبوع عنه، أو روجع له، كما عُرف من عادته في الحرص على تأييد قوله والتنديد بمخالفيه كالمصحح الذي عناه. فلو وَجَد في الأصل «إلا رؤيته» لصرَّح به. فإن عاد فحمَل على الأصل نفسه، فما باله يذكر مصحِّحَ الطبع؟ هل أَذْكَرتْه كلمةُ «الطبع» قولهم: قيل للغراب: لم تسرق الصابون؟ قال: الأذى طبعي (١)!
وعلى كلا الحالين، أليس لخصمه أن يعارضه باتهام مصحح «تبييض الصحيفة»، أو كاتب أصلها؟ ومع هذا فلا مانع من صحة الحكايتين معًا بأن يقال: كان الدارقطني استند فيما في «تبييض الصحيفة» من قوله: «إلَّا أنه رأى أنسًا بعينه» إلى رواية ليِّنة أو شهرة بين حنفية عصره تسمح بذلك، لأن ذكر الرؤية وحدها «من باب المناقب الذي يُتساهل فيه»، كما قال الأستاذ (ص ٢١) في قضية أخرى؛ فلما سُئل في رواية الخطيب عن الصحة نفاها.
وقول الأستاذ (ص ١٥): «ونفيه لسماعه بعد إثباته لرؤيته دعوى مجردة وشهادة على النفي». يردُّ عليه أن دعوى الرؤية دعوى مجرَّدة أيضًا.
стр. 353
فإن قيل: الظاهر أنه لم يقل ذلك إلا عن حجة، قلنا: هذا الظاهر لا يبلغ أن يكون حجة، ولاسيما مع التساهل في المناقب. ومع هذا، فكذلك الظاهر أنه لم ينف السماع إلا عن حجة، قد تكون بنفيٍ خاصٍّ تُقبَل على مثله الشهادة.
[١/ ١٨٢] فأما من ذكر الرؤية ممن بعد الدارقطني، فبنَوا على اشتهار ذلك بين متأخري الحنفية، وأنه «من باب المناقب الذي يتساهل فيه»، كما نص عليه الأستاذ.
فصل
قضية سماع أبي حنيفة ترتبط بقضية ميلاده، فلا بأس بالنظر فيها هنا. في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٣٠) من طريق ابن عُقْدة بسنده إلى: «مزاحم بن ذوَّاد بن عُلَيَّة يذكر عن أبيه أو غيره قال: ولد أبو حنيفة سنة إحدى وستين ... ». قال الخطيب: «لا أعلم لصاحب هذا القول متابعًا».
قال الأستاذ (ص ١٩): «ألَّف في رواية أبي حنيفة الأحاديثَ عن جملة من الصحابة مباشرةً جماعةٌ من القدماء من أمثال أبي حامد محمد بن هارون الحضرمي ... وإلى هذه الرواية في ميلاده يكون ميل هؤلاء، وإلا ما ساغت روايتهم لبعض تلك الأحاديث في عداد مسموعاته ... ».
أقول: ابن عُقْدة هو أحمد بن محمد بن سعيد، تقدمت ترجمته (١). ومزاحم وأبوه ضعيفان، على أنه لم يُدْرَ أعن أبيه أم عن غيره؟ فأما الذين ألَّفوا في رواية أبي حنيفة عن جملة من الصحابة، فليسوا متقدمين على عصر
стр. 354
الخطيب، ولا هم ممن يُعتدُّ به في هذا الشأن. بلغهم شيء، فرووه، ووكلوا النقد إلى أهله.
ثم ذكر الأستاذ أنه رأى في نسخة قَلَمية من «ضعفاء ابن حبان» تاريخ ميلاد أبي حنيفة سنة سبعين، وأن بعض المطالعين صحَّح في الهامش: سنة ثمانين، وأن في «أنساب ابن السمعاني» المطبوع بالزنكوغراف في مادة «الخزاز»: سنة سبعين، وفي موضع آخر من الكتاب: سنة ثمانين، وأن في «ملخصه» لابن الأثير في مادة «الخزاز»: سنة ثمانين، وأن أبا القاسم السِّمناني عصريَّ الخطيب ذكر قولين: سبعين، ثمانين، وأن صاحب «الجواهر المضيئة» ذكر ثلاث روايات: ٦١، ٦٣، ٨٠، وأن العيني ذكر في «تاريخه» ثلاثًا أيضًا: ٦١، ٧٠، ٨٠.
أقول: أما رواية ٦١، فقد مرَّ ما فيها. وأما رواية ٦٣ فتفرَّد بذكرها في جملة ما قيل صاحب «الجواهر المضيئة» (١) المتوفى سنة ٧٧٥، ولم يذكر من قالها. وأما رواية ٧٠، فحكاها السِّمناني [١/ ١٨٣] عصريُّ الخطيب ولم ينسبها إلى قائل، ووقعت في نسخة من «الضعفاء» لابن حبان، وفي موضع من نسخة من «الأنساب» كما مرَّ عن الأستاذ مع ما فيه= فغاية الأمر أنه قيل بها في القرن الرابع.
وأما سنة ثمانين فثبتت من طرق في «انتقاء ابن عبد البر» (ص ١٢٢ - ١٢٣) (٢) و «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٣٠) عن أبي نعيم الفضل بن دُكَين، وهو
стр. 355
إمام جليل كوفي كأبي حنيفة، سمع منه وروى عنه. وكذلك في «تاريخ بغداد» عن زُفَر بن الهذيل صاحب أبي حنيفة، وفيه أيضًا (ص ٣٢٥ - ٣٢٦) عن إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة: «ولد جدِّي في سنة ثمانين، وذهب ثابت إلى علي بن أبي طالب ... ». وفي السند نظر، لكن الأستاذ احتجَّ بتلك الرواية في تعليقه على «مناقب أبي حنيفة» للذهبي (ص ٧) فقال: «صحَّ عن إسماعيل بن حماد ... ». وكذلك في «الانتقاء» عن يحيى بن نصر بن حاجب، وهو حنفي توفي سنة ٢١٥. وفي «الانتقاء» آخِر (ص ١٢٣) من طريق أبي يعقوب يوسف بن أحمد بن يوسف المكي الذي يُكثِر الأستاذ من ذكر كتابه والثناء عليه ويعبِّر عنه بابن الدخيل تلميذ العقيلي قال: «سمعت القاضي أبا الحسن أحمد بن محمد النيسابوري قال: وأما أبو حنيفة فلا اختلاف في مولده أنه ولد سنة ثمانين ... ». والنيسابوري هذا متقدم على الذين ذكروا سنة سبعين.
ومن العجب أن الأستاذ قال (ص ٢٠): «قول ابن عبد البر: «وأما أبو حنيفة فلا اختلاف في مولده ... » يدل على أنه لم يطلع على تلك الروايات، وعذره أنه لم يرحل إلى الشرق ... ». ولا أدري أغلط هذا أم مغالطة! فإن ابن عبد البر لم يقل ذلك من عند نفسه، وإنما رواه عن شرقيٍّ متقدم كما رأيت.
وعلى كل حال فتاريخ المولد يثبت ببعض ما ذُكِر فضلًا عن جميعه، ولم يعارض ذلك ما يستحق أن يُلتفت إليه. ولا يبعد أن تكون الأقوال الأخرى إنما بُنيت على رواية بعض تلك الأحاديث الواهية دفعًا لوضوح البطلان عنها كما تقدم في قول من قال: إن وفاة عبد الله بن الحارث بن جزء سنة ٩٧ أو ٩٩، ثم أخذها بعضُ من لم ينظر فيها!
стр. 356
ومن عجيب شأن التعصب أنه يبلغ بصاحبه من العمى أن يسعى جاهدًا في الإضرار بمن يتعصب له، متوهمًا أنه إنما يسعى في نفعه. لو كان مولد أبي حنيفة متقدمًا كما زعموا، بحيث أدرك [١/ ١٨٤] جماعةً من الصحابة وأكابر التابعين، كان الذي ينبغي له أن يتحرَّى السماعَ منهم لأحاديث كثيرة يحتج بها في كتبه، ويرويها عنه أصحابه كأبي يوسف ومحمد في كتبهم الثابتة عنهم. فلو ثبت مع ذلك أحاديث عن أولئك لكنها قليلة، وكان معظم روايته عمن سِنُّه قريب من سنِّه كحماد بن أبي سليمان، لكانت شُنْعةً عليه أن يتشاغل عن الاستكثار من أولئك حتى يبلغ عمره ثلاثين أو أربعين سنة أو أكثر، بالمخاصمة في الإرجاء والقدر كما يأتي. وسيأتي (١) في ترجمة أبي العطوف جرَّاح بن مِنهال عن سلمة بن سليمان أحد ثقات أصحاب ابن المبارك قال: «قال رجل لابن المبارك: هل كان أبو حنيفة عالمًا؟ قال: لا، ما كان خليقًا لذاك. ترك عطاء، وأقبل على أبي العطوف! ». وقد نازع الأستاذ في صحة هذه الحكاية عن ابن المبارك بما فيه ما فيه، وهَبْ أنها لم تصح عن ابن المبارك، فالشُّنْعةُ بحالها. ولذلك حاول الأستاذ أن يُثبت أن أبا حنيفة استكثر من عطاء، وربما أنظر في ذلك في ترجمة أبي العطوف، وعلى كل حال فهذه الشُّنعة أخفُّ بكثير من عدم الاستكثار من الصحابة وكبار التابعين، فكيف إذا لم تثبت عنه رواية واحدة عن صحابي أو تابعي كبير؟ ! فأولئك المساكين والأستاذ معهم يركبون ــ كما يعبِّر به الأستاذ ــ كلَّ مركب لمحاولة إثبات أن أبا حنيفة أدرك عدة من الصحابة، ويحتمل أن يكون قد سمع منهم، وفي ذلك عبرة!
стр. 357
قال الأستاذ: «والاختلاف شديد في مواليد رجال الصدر الأول».
أقول: قد مرَّ ما فيه (١)، وهو على كلِّ حال لا يسوِّغ التشكُّك فيما قامت عليه الحجة من ذلك.
قال: «والأكثرون على أن أبا حنيفة ولد سنة ٨٠ ترجيحًا منهم لأحدث التواريخ المروية في المواليد وأقدمها في الوفيات، أخذًا بالأحوط في الحكم بالاتصال أو الانقطاع».
أقول: لا أثر ههنا للاحتياط المذكور، بل القطع بسنة ثمانين أخذًا بالحجة الواضحة التي لم يعارضها ما يستحق أن يُلتفت إليه.
قال الأستاذ: «هنا أمور تخدش ما اختاره الأكثرون».
أقول: فلننظر فيها واحدًا واحدًا.
قال: «منها ما فعله الحافظ أبو عبد الله محمد بن مَخْلَد العطَّار المتوفى سنة ٣٣١ في جزئه الذي [١/ ١٨٥] سماه: «ما رواه الأكابر عن مالك» حيث عَدَّ حماد بن أبي حنيفة من هؤلاء الأكابر، فساق حديثًا بطريق حماد بن أبي حنيفة عن مالك. وحماد هذا وإن توفي قبل مالك بنحو ثلاث سنين لكن عدَّه من الأكابر لا يتم إلا إذا كان ميلاده قبل ميلاد مالك أيضًا، فيجب أن يكون ميلاد أبي حنيفة قبل سنة ٨٠ بمدة لا تقل عن عشر سنين ... وابن مخلد من الحفاظ البارعين من شيوخ الدارقطني، فلا يحيد عن التحقيق فيما يكتب. وجزؤه المذكور محفوظ بظاهرية دمشق في قسم المجاميع رقم ٩٨، وعليه تسميعات وخطوط كثيرة من حملة الرواية».
أقول: يكفي لحل هذه الشبهة أن الأستاذ نفسه قال في تعليقه على
стр. 358
«الانتقاء» (١) لابن عبد البر: «وفي هذا الجزء رواية الزهري ... والثوري ... وحماد بن زيد، وإبراهيم بن طهمان، وورقاء وغيرهم».
ومولد مالك سنة ٩٣، والثوري سنة ٩٧، وحماد بن زيد سنة ٩٨، ولعل في الجزء مَن ولد بعد ذلك (٢). وإبراهيم بن طهمان لم يذكروا ميلاده، ويظهر من أسامي شيوخه أنه أصغر من حماد بن زيد، لكنه صار من الأكابر في حياة مالك ومات قبله، فإن مالكًا عُمِّر. فإذا كان مولد أبي حنيفة أول سنة ٨٠، فإنه يبلغ سنُّه آخر سنة ٩٨ ــ وهي السنة التي ولد فيها حماد بن زيد ــ تسع عشرة سنة، فأيُّ مانع من أن يولد له في هذه السنة أو قبلها؟ والأقرب أن ابن مخلد ــ إن صح ما في ذاك الجزء ــ إنما نظر إلى أن حماد بن أبي حنيفة بلغ مبلغ الأكابر في حياة مالك، ومات قبله، ولم يدقِّق في ميلاده، لأنه غير معروف. وبالنظر إلى سن أبيه يحتمل أن يكون ولد سنة ٩٧ كالثوري، أو سنة ٩٨ كحماد بن زيد، أو قريبًا من ذلك.
فاتضح أنه ليس فيما وقع في ذلك الجزء ما يخدش فيما قامت عليه الحجة الواضحة أن مولد أبي حنيفة سنة ثمانين.
هذا كلُّه إذا بنينا على صحة ما وقع في ذلك الجزء، وإلا فالغالب على الظن خلاف ذلك؛ [١/ ١٨٦] فإن ذاك الحديث وقع في ذاك الجزء هكذا: «نا
стр. 359
أبو محمد القاسم بن هارون، نا عمران، نا بكار بن الحسن الأصبهاني، نا حماد بن أبي حنيفة، ثنا (١)
مالك ... ». كما نقله الأستاذ فيما علَّقه على
стр. 360
«الانتقاء» (١)، وذكر هو أن ذاك الحديث قد رواه الدارقطني في «غرائب مالك»، وابن شاهين عن «محمد بن مخزوم، عن جده محمد بن الضحاك، ثنا عمران بن عبد الرحيم الأصبهاني، ثنا بكار بن الحسن، ثنا حماد بن أبي حنيفة، عن أبي حنيفة، عن مالك ... ». فعمران في سند ابن مخلد هو عمران بن عبد الرحيم في سند الدارقطني وابن شاهين، وفي ترجمته من «الميزان» عن السليماني: «هو الذي وضع حديث أبي حنيفة عن مالك».
[١/ ١٨٧] فابن مخلد لم يشترط في ذاك الجزء الصحة، وإنما اكتفى بما قد رُوي، فلو وقع في روايته من طريق عمران بسقوط أبي حنيفة، لكان الظاهر أن يذكر الرواية الأخرى؛ فإنه لا بد أن يكون عند تأليفه ذاك الجزء تتّبَعَ ما يصلح أن يُذكر فيه، ويبعد أن لا يظفر بالرواية المشهورة عن عمران بثبوت أبي حنيفة وهي أدلُّ على مقصوده. وقد ذكر الأستاذ أنه ليس في ذلك الجزء من طريق أبي حنيفة عن مالك شيء، وبهذا يظهر أنه وقع في روايته كما وقع في رواية غيره: «حماد بن أبي حنيفة، عن أبي حنيفة، ثنا مالك»، فزاغ نظر ناسخ ذاك الجزء من (حنيفة) الأولى إلى الثانية. ولا يدفع ذلك ما على الجزء من التسميعات، وقد رأينا عِدَّة من الأصول القديمة عليها كثير من التسميعات والتصحيحات، وبقي فيها مثل هذا الخلل أو أشدُّ منه. راجع «التاريخ الكبير» للبخاري (ج ١ قسم ١ ص ٧٠، ٧٩، ٨٠، ١٠١، ١٠٥، ١٥٤، ١٥٧).
стр. 361
ومن غرائب الأستاذ أن يحاول تثبيت ما وقع في الجزء المذكور مع احتماله كما رأيت، ثم يحاول في «التأنيب» (١) أن يخفي اصطلاح ابن مخلد في «الأكابر» ويثبت أنه إنما يعني بهم الذين ولدوا قبل مالك، ثم يبالغ في الثناء على ابن مخلد ليخدش بصنيعه المزعوم في نصوص المتقدمين الصريحة= كلُّ ذلك لِيثبتَ أن أبا حنيفة أدرك جماعةً من الصحابة وأكابر التابعين، ويحتمل أن يكون سمع منهم، مع علمه أنه لا تثبت عن أبي حنيفة رواية واحدة عن واحد منهم، ويغفل عن النتيجة التي سلفت الإشارة إليها!
قال الأستاذ: «ومنها أن العُقيلي روى في ترجمة حماد بن أبي سليمان ما يفيد أن إبراهيم بن يزيد النخعي لما مات اجتمع خمسة من أهل الكوفة فيهم عمر بن قيس الماصر وأبو حنيفة، فجمعوا نحو أربعين ألف درهم، ثم أعطوه حماد بن أبي سليمان ليستعين به ويتفرغ لرياسة الجماعة في العلم. وكانت وفاة إبراهيم النخعي سنة ٩٥، ولو كان ميلاد أبي حنيفة سنة ثمانين لكان سِنُّه عند وفاة النخعي خمس عشرة سنة، ومن يكون في مثل هذا السنِّ لا يتصوَّر أن يهتمَّ هذا الاهتمام بمن يخلف النخعي ... ».
أقول: قال الأستاذ نفسُه فيما علَّقه على «مناقب أبي حنيفة» للذهبي (ص ٧): «قال العُقَيلي في «الضعفاء»: حدثنا أحمد بن محمد الهروي، قال: حدثنا محمد بن المغيرة البلخي، قال: حدثنا [١/ ١٨٨] إسماعيل بن إبراهيم، قال: حدثنا محمد بن سليمان الأصفهاني، قال: لما مات إبراهيم اجتمع خمسة من أهل الكوفة فيهم عمر بن قيس الماصر وأبو حنيفة، فجمعوا أربعين ألف درهم، وجاؤوا إلى الحكم بن عتيبة، فقالوا: إنا قد جمعنا أربعين ألف درهم نأتيك بها وتكون رئيسنا في
стр. 362
الإرجاء، فأبى عليهما الحكم. فأتوا حماد بن أبي سليمان فقالوا له، فأجابهم، وأخذ الأربعين ألف درهم»!
لا أناقش الأستاذ في تمويهه، وإنما أنظر في الحكاية. فالهروي والبلخي لم أجدهما (١). وإسماعيل لم يتضح لي من هو؟ وابن الأصبهاني متكلَّم فيه، قال أبو حاتم: «لا بأس به يكتب حديثه ولا يحتج به» (٢). وأخرج له النسائي حديثًا (٣) ثم قال: «هذا خطأ، ابن الأصبهاني ضعيف». وقال ابن عدي (٤): «مضطرب الحديث، قليل الحديث، مقدارُ ما له قد أخطأ في غير شيء [منه]». وكانت وفاته سنة ١٨١. ويظهر من وفَيَات شيوخه أنه لم يدرك موت إبراهيم. فإن صحّ سندُ الحكاية إليه، فممن سمع القصة؟ وما عسى أن يكون أخطأ في سياقها؟
ثم أيُّ شيء فيها؟ ! كان إبراهيم شديدًا على المرجئة، وفي ترجمته من «طبقات ابن سعد» (٥) عدة حكايات في ذلك. منها عن الحارث العُكْلي عن إبراهيم قال: «إياكم وهذا الرأي المحدَث ــ يعني المرجئة». وعن مُحِلِّ بن مُحرِز عن إبراهيم قال: «كان رجل يجالس إبراهيم يقال له: محمد، فبلغ
стр. 363
إبراهيم أنه يتكلم في الإرجاء، فقال له إبراهيم: لا تجالسنا». وعن مُحِلِّ أيضًا: «قال لنا إبراهيم: لا تجالسوهم ــ يعني المرجئة». وعن حكيم بن جبير عن إبراهيم قال: «لأنا على هذه الأمة من المرجئة أخوَفُ عليهم من عِدَّتهم من الأزارقة». وعن غالب أبي الهذيل (١) أنه كان عند إبراهيم، فدخل عليه قوم من المرجئة قال: فكلَّموه، فغضب وقال: «إن كان هذا كلامكم فلا تدخلوا علَيَّ».
وفي «تهذيب التهذيب» (٢) في ترجمة ذرِّ بن عبد الله المُرْهِبي: «قال أبو داود: كان مرجئًا، وهَجَره إبراهيمُ النخعي وسعيد بن جبير للإرجاء». وفيه (٣) في ترجمة محمد بن السائب الكلبي: «وقال ابن فضيل عن مغيرة عن إبراهيم أنه قال لمحمد بن السائب: ما دمتَ على هذا الرأي لا تقرَبْنا. وكان مرجئًا». [١/ ١٨٩] فكأنهم كانوا مقموعين في حياته، فلما مات خلا لهم الجوّ واستعانوا بالمال.
وفي ترجمة إبراهيم من «تهذيب التهذيب» (٤): «روى عنه الأعمش ومنصور وابن عون وزبيد اليامي وحماد بن أبي سليمان ومغيرة بن مِقسَم الضبِّي، وخلق». وهؤلاء سوى حماد منكرين (٥) للإرجاء، ولما دخل فيه
стр. 364
حماد أنكروا ذلك عليه. وفي «تهذيب التهذيب» (١) في ترجمة حماد: «قال أبو حذيفة: ثنا الثوري قال: كان الأعمش يلقى حمادًا حين تكلَّم في الإرجاء، فلم يكن يسلِّم عليه، ... وقال شعبة: كنت مع زبيد فمررنا بحماد، فقال: تنحَّ عن هذا، فإنه قد أحدث». وفيه (٢) في ترجمة عَمْرو بن مرة: «قال جرير عن مغيرة: لم يزل في الناس بقية حتى دخل عمرو في الإرجاء، فتهافت الناس فيه».
وعلى فرض صحة سند الحكاية إلى ابن الأصبهاني وأنه سمعها من ثقة، فالظاهر أنها تأخرت عن موت إبراهيم مدة. وفي كتاب ابن أبي حاتم (ج ٢ قسم ٢ ص ١٤٦): «نا أحمد بن سنان الواسطي، نا أبو عبد الرحمن المقرئ، نا ورقاء، عن المغيرة قال: لما مات إبراهيم جلس الحكم وأصحابه إلى حماد، حتى أحدث ما أحدث. قال المقرئ: يعني الإرجاء». ورجاله ثقات.
وعلى صحة تلك الحكاية وأنها على ظاهرها في أن القضية وقعت عقب موت إبراهيم، فقد يكون ذكر أبي حنيفة مدرَجًا أوقع فيه اشتهارُه بالإرجاء مقرونًا بعمر بن قيس الماصر، كما قُرنا في البيتين اللَّذين في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٨٠ [٣٨٨])، و «التأنيب» (ص ٥٩).
وبعد اللَّتيَّا والَّتي، فإبراهيم توفي في أوائل سنة ٩٦ (٣)؛ وذلك أن
стр. 365
أبا نعيم الفضل بن دكين قال: سنة ٩٦، وقال ابن حبان: «مات بعد الحجاج بأربعة أشهر». والحجاج هلك في شوال سنة ٩٥، وقيل: في رمضان منها، فإذا كان أبو حنيفة ولد أول سنة ثمانين، فإنه يتم له عند وفاة إبراهيم ست عشرة سنة، ومن كان في هذا السن وهو جَلْد ذكيّ لا يمتنع أن يستعين به أصدقاء أبيه في جمع المال ونحوه، ولاسيما إذا كان أبوه مرجئًا فإنه ينشأ متحمسًا لرأي أبيه جاهدًا فيه.
قال الأستاذ: «ومنها: أنه قد تضافرت الروايات على أن أبا حنيفة قبل انصرافه إلى الفقه كان جدليًّا يشتغل بعلم الكلام، حتى هبط البصرة نحو عشرين مرة ليناظر القدرية وغيرهم. ثم [١/ ١٩٠] انصرف إلى الفقه، ومن تكون سِنه عند وفاة النخعي كما ذكرناه، لا يمكن له الاشتغال الطويل بالجدل قبل انصرافه إلى الفقه».
أقول: ما تضافرت الروايات، بل تنافرت. ففي «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٣١) من طريق «محمد بن شجاع الثلجي، ثنا الحسن بن أبي مالك، عن أبي يوسف قال: قال أبو حنيفة: لما أردتُ طلبَ العلم جعلت أتخيَّر العلوم، وأسأل عن عواقبها ... قلت: فإن نظرتُ في الكلام ما يكون آخره؟ قالوا: لا يسلَم مَن نظر في الكلام من مشنَّعات الكلام، فيرُمى بالزندقة ... قلت: فإن تعلمت الفقه؟ قالوا: تُسأل وتفتي الناس، وتُطلب للقضاء وإن كنت شابًّا. قلت: ليس في العلوم شيء أنفعُ من هذا. فلزمت الفقة وتعلَّمته». والروايات المخالفة لهذه والموافقة لها يُعلم ما فيها بالنظر في أسانيدها.
وهَبْ أنه صحَّ أن أبا حنيفة كان جدليًّا ثم انصرف إلى الفقه، فمتى انصرف؟ إن قيل: قد جاء عنه أنه لازم حمَّادًا ثماني عشرة سنة. قلت: إن
стр. 366
صح ذلك فلعله لازمَه أولًا للإرجاء، فإن حمادًا كان يقول به في الجملة كما مرَّ، ثم أكمل المدة للفقه. فإن صح هبوطه البصرةَ نحو عشرين مرة لمخاصمة القدرية، فليس مِن لازمِ انصرافه إلى الفقه هجرُه الكلامَ في القدر البتة، ولا مِن لازمِ ملازمته حمادًا أن لا يغيب عنه في السنة الأسبوع والأسبوعين، والشهر والشهرين للحج (١) والحاجة. على أن حمادًا توفي سنة ١٢٠ كما قاله أبو بكر ابن أبي شيبة، وحكى ابن سعد (٢) إجماعَهم عليه. وقول البخاري ــ وتبعه ابن حبان ــ سنة ١١٩ متأخر عن هذا الإجماع. وملازمة أبي حنيفة حمادًا ثماني عشرة سنة معناه إذا كان مولد أبي حنيفة أول سنة ٨٠ (٣) أنه ابتدأ في الملازمة وسِنُّه نحو ثلاث وعشرين سنة، فلا مانع أن يكون قد مَهَر في مسائل الكلام المعروفة حينئذ كالإرجاء والقدر. وهذا ابن سينا يزعم أنه أحكم المنطقَ وأقليدس والمِجَسْطي والطبيعي والإلهي والطبَّ، وألَّف فيها أو في أكثرها، وكان مع ذلك يتلقى الفقه ويناظر فيه، وأخذ الأدب= كلُّ ذلك وعمره إحدى وعشرون سنة! ولذلك نظائر.
وبالجملة فلم يأتِ الأستاذ بعد اللَّتيَّا والَّتي بما يصح أن يُعَدَّ معارضًا لما ثبت من أن مولد أبي [١/ ١٩١] حنيفة سنة ثمانين، ولم يستفد إلا تضييع وقته ووقت من يتعقَّبه، والسعي فيما لو صحَّ لأنتج نقيضَ مقصوده كما سلف! والله المستعان.
стр. 367
فصل
ولنعطف على ابن الصَّلْت. هَبْ أن أبا حنيفة ولد سنة ٦١ أو قبلها، وأنه سمع من أنس وروى عنه عدة أحاديث، فإن هذا لا يدفع إنكار الخطيب ذاك الحديثَ على ابن الصلت، من جهة أنه لم يروه غيرُه عن بِشْر، ولا يُحفظ عن أبي يوسف ولا يَثبت عن أبي حنيفة. وهذا الحديث مما تتوفر الدواعي على كثرة روايته واشتهاره، فلو كان عند أبي حنيفة لَكثُر تحديثُه به لعلوِّ السند، وإثباتِ السماع من الصحابي، والترغيبِ فيما كان يدعو إليه من طلب العلم. ولو حدَّث به لَكثُر تحديثُ تلامذته به وإثباتُه في كتبهم. فلو قال قائل: لو كان عنده لَتواتَرَ عنه، لَما أبعدَ.
وأهل العلم من قديم يلهجون بمتن هذا الحديث، ويتطلَّبون له إسنادًا صحيحًا، فلا يجدونه. ولأجل ذلك وقع كثير من الناس في روايته بأسانيد مركَّبة أو مدلَّسة أو نحو ذلك، واحتاج أهل العلم إلى نقله من وجوه ضعيفة. ذكره ابن عبد البر في أوائل «كتاب العلم» (١) ثم قال: «هذا حديث يروى عن أنس بن مالك عن النبي ﵌ من وجوه كثيرة كلُّها معلولة، لا حجة في شيء منها عند أهل العلم بالحديث من جهة الإسناد». ثم ذكر (٢) عن إسحاق بن راهويه المتوفى سنة ٢٣٨ «أنه كان يقول: طلب العلم واجب، ولم يصح في الخبر». قال ابن عبد البر: «يريد إسحاق ــ والله أعلم ــ أن الحديث في وجوب طلب العلم في أسانيده مقال لأهل العلم
стр. 368
بالنقل، ولكن معناه صحيح عندهم ... ».
فصل
ثم روى الخطيب (١) من طريق ابن الصَّلْت: «حدثنا محمد بن المثنَّى صاحب بِشر بن الحارث قال: سمعت ابن عيينة قال: العلماء: ابن عباس في زمانه، والشعبي في زمانه، وأبو حنيفة [١/ ١٩٢] في زمانه [والثوري في زمانه]». قال الخطيب: «قلتُ: ذِكْر أبي حنيفة في هذه الحكاية زيادةٌ من الحِمَّاني (ابن الصَّلت)، والمحفوظ ما أخبرناه عليُّ بن محمد بن عبد الله المقرئ الحذَّاء، أخبرنا أحمد بن جعفر بن سالم (صوابه: سَلْم) الخُتَّلي، حدثنا أبو بكر أحمد بن محمد بن عبد الخالق، حدثنا أبو بكر المروزي (صوابه: المرُّوذي) حدثني محمد بن أبي محمد (٢) (صوابه: محمد بن أبي عمر، كما قاله الأستاذ) عن سفيان بن عيينة قال: علماء الأزمنة ثلاثة: ابن عباس في زمانه، والشعبي في زمانه، وسفيان الثوري في زمانه.
ثم قال: «فإن قيل: ما أنكرتَ أن تكون رواية الحِمَّاني صحيحة، والرواية الثانية (٣) فيها ذِكْر أبي حنيفة، وحَذَفه بعضُ النقَلَة؟ قلتُ: مَنَع من ذلك أمران: أحدهما: أن عبد الرزاق بن هارون (٤) يروي عن ابن عيينة مثل
стр. 369
هذا القول الثاني سواء. والأمر الآخر: أن المحفوظ عن ابن عيينة سوء القول في أبي حنيفة. من ذلك ما أخبرنا محمد بن عبد الله الحِنَّائي، أخبرنا أبو محمد عبد الله بن أحمد بن الصديق المروزي، حدثنا أحمد بن محمد المنكدري، حدثنا محمد بن أبي عمر قال: سمعت ابن عيينة يقول (ح) (١) وأخبرنا ابن الفضل، أخبرنا عبد الله بن جعفر بن درستويه: حدثنا يعقوب بن سفيان قال: حدثني محمد بن أبي عمر ــ يعني العدَني ــ قال: قال سفيان: ما وُلِد في الإسلام مولود أضرُّ على أهل الإسلام من أبي حنيفة. وهكذا روى الحميدي عن ابن عيينة. ولسفيان بن عيينة في أبي حنيفة كلام غير هذا كثير شبهه في المعنى. ثم (٢) ذكرناه في أخبار أبي حنيفة».
أشار الأستاذ (ص ١٦٦) إلى رواية ابن الصَّلْت عن محمد بن المثنى صاحب بِشر بن الحارث بقوله: « ... وبأنه روى عن محمد بن المثنى عن ابن عيينة ... ». وأشار إلى رواية ابن أبي عمر، وقال في الحاشية: «الفرق بين الروايتين عن ابن عيينة: فرقُ ما بين محمد بن المثنى ومحمد بن أبي عمر العدني، نسأل الله المعافاة، فبهذا اطلعت على جليِّة صنيع الخطيب هناك أيضًا».
أقول: لا يكاد الأستاذ يقول: «نسأل الله الصون» أو «السلامة»، أو «المعافاة» إلا حيث يكون قد فعل إحدى الفَعَلات! والفَعْلة هنا أنه لم يسُقْ السند، وفيه: عن ابن الصلت «حدثنا محمد بن المثنى صاحب بشر بن الحارث». واقتصر في أصل «التأنيب» وفي «حاشيته» في [١/ ١٩٣] ذكره
стр. 370
شيخ ابن الصلت على قوله: «محمد بن المثنى»، لم يقل: «صاحب بشر بن الحارث». وأشار إلى رجحان محمد بن المثنى على محمد بن يحيى بن أبي عمر، يريد إيهام أنه محمد بن المثنى بن عبيد بن قيس بن دينار العنَزي أبو موسى البصري الحافظ المعروف بالزَّمِن، فإنه هو الذي يُفهَم عند إطلاق «محمد بن المثنى». وليس في كتب أسماء الرجال المتداولة مَن يقال له: «محمد بن مثنى» غيره، وقد سمع من ابن عيينة وأدركه ابن الصَّلت. فعلم الأستاذ أن من يطالع «التأنيب»، ولا يقف على «تاريخ الخطيب»، أو لا يراجعه في ذاك الموضع؛ لا يقع إلا على هذا الحافظ.
والواقع أن الذي في السند: «محمد بن مثنى صاحب بِشر بن الحارث» كما مضى. وهذا رجل آخر، ترجمته في «تاريخ بغداد» (ج ٤ ص ٢٨٦): «محمد بن المثنى بن زياد أبو جعفر السِّمسار، كان أحد الصالحين، صحِب بِشرَ بن الحارث وحفظ عنه، وحدَّث عن نوح بن يزيد وعفَّان بن مسلم وغيرهم ... ». ثم ذكر قول ابن أبي حاتم: «كتبت عنه مع أبي، وهو صدوق»، وأنه «مات سنة ٢٦٠». وهذا دون ابن أبي عمر بكثير، ولم يخرِّج له أحد من الستة. وابن أبي عمر روى عنه مسلم في «صحيحه» مائتي حديث وستة عشر حديثًا على ما في «التهذيب» (١) عن كتاب «الزهرة». وستأتي ترجمته (٢)، والنظر في كلام الأستاذ فيه.
стр. 371
وفوق ذلك، فالسِّمسار يظهر أنه لم يدرك ابن عيينة، وأن ابن الصلت افتُضح في روايته عنه أنه قال: «سمعت ابن عيينة»؛ فإن ابن عيينة مات سنة ١٩٨، والمسمَّون من شيوخ السمسار ماتوا بعد ذلك بزمان. فبشر بن الحارث سنة ٢٢٧، وعفان ٢٢٠، ونوح بن يزيد قريبًا من ذلك، ولم أظفر بتاريخ وفاته، لكن ذكروا في الرواة عنه أحمد بن سعد بن إبراهيم أبا إبراهيم الزهري الذي ولد سنة ١٩٨ ــ كما في «تاريخ بغداد» (ج ٤ ص ١٨١) ــ وأحمد بن علي بن الفضيل أبا جعفر الخرَّاز المقرئ المتوفى سنة ٢٨٦ كما في «تاريخ بغداد» (ج ٤ ص ٣٠٣) = فظهر بذلك أن وفاة نوح كانت سنة بضع عشرة ومائتين، أو بعد ذلك. أضف إلى ذلك أن من عادتهم أنهم يحرصون على أن يذكروا في ترجمة الرجل أقدم شيوخه وأجلَّهم، فلو عرفوا للسِّمسار سماعًا من ابن عيينة، أو أحد أقرانه، أو مَن قَرُب منهم؛ لكان أولى أن يذكروه في شيوخه من نوح وعفَّان.
فإن قيل: إن كان ابن الصلت أراد الكذب، فما الذي منعه أن يسمِّي شيخًا أشهرَ من السمسار وأثبتَ، لا يُشَكُّ في سماعه من ابن [١/ ١٩٤] عيينة؟
قلت: منعه علمُه بأن الكذب على المشاهير سرعان ما يُفتضح، لإحاطة أهل العلم بما رووه، بخلاف المغمورين الذين لم يرغب أهلُ العلم في استقصاء ما رووه.
ومع ما تقدَّم، فلا معنى للموازنة بين شيخ ابن الصَّلْت وبين ابن أبي عمر، ما دام ابن الصَّلْت فيه ما فيه. ومع ذلك فقد عضد الخطيب رواية ابن
стр. 372
أبي عمر برواية عبد الرزاق بن هارون (١)، وهي عنده في ترجمة سفيان من «التاريخ» (ج ٩ ص ١٥٤) من وجهين بنحو رواية ابن أبي عمر. وقريب منها رواية العباس بن يزيد البحراني في «تاريخ بغداد» (ج ٣ ص ٢٢٧).
فقد اتضح جدًّا صحة قول الخطيب: إن المحفوظ عنده اقتصار ابن عيينة على الثلاثة، لم يذكر أبا حنيفة؛ فإنَّ المحفوظ عندهم هو الطرف الراجح، كما مرَّ في ترجمة الخطيب (٢). ولا يخفى على عارف اطلع على ترجمة ابن الصلت أنَّ روايتَه بالنسبة إلى ما قال الخطيب إنه المحفوظ عنده: نسبةُ الوهمِ إلى الظن!
وأما قول الخطيب: «الأمر الآخر أن المحفوظ عن ابن عيينة ... » فالحكاية التي ذكرها ساقها بسندين في أحدهما المنكدريّ، وفي الآخر ابن درستويه، وستأتي ترجمتاهما (٣).
وحاصل الكلام فيهما: أن المنكدريّ ليس بعمدة، ولكنه أحسنُ حالًا من ابن الصلت بكثير؛ وأن ابن درستويه موثَّق لا يضرُّه ما قيل فيه. مع أن رواية الخطيب من طريقه عن يعقوب بن سفيان إنما يأخذها الخطيب من «تاريخ يعقوب بن سفيان»، فرجحانُ هذه الرواية وحدها على رواية ابن الصلت واضح جدًّا. فقول الأستاذ: «أفبمثل هذين الإسنادين يكون الخبر محفوظًا؟ » لا وجه له، على أن الخطيب ضمَّ إلى ذلك رواية الحميدي، وهي
стр. 373
عنده في «التاريخ» (ج ١٣ ص ٣٩٩ [٤١٩ - ٤٢٠]) من وجهين رجالُ كلٍّ منهما ثقات، وإن تكلم الأستاذ في بعضهم بما بيَّنتُ حاله في تراجمهم. والحميدي إمام، وإن كره الأستاذ. ثم أشار الخطيب إلى الكلمات الأخرى وهي معروفة.
ومن تأمل ما تقدَّم، وعرف ابنَ الصلت معرفة جيدة، ولم يُعمِه الهوى= لم يَرْتَبْ في صحة حكم الخطيب على ابن الصلت بأنه زاد تلك الزيادة من عنده. على أن المدار في هذه الأمور على غلبة الظن، فلا يُلتفت إلى الاحتمالات البعيدة؛ بل من تدبر ما يرويه ابن الصلت في [١/ ١٩٥] المناقب، وقارَنَ ذلك بما رواه الثقات فيها وفي غيرها= عرف تزيُّدَه في غير موضع. والله المستعان.
ثم قال الأستاذ: «فكأنَّ ابن الصلت كَفَر في نظر الخطيب بذكره أبا حنيفة في عداد (١) هؤلاء الثلاثة ... وهذا هو محض الإجحاف. أبو حنيفة الذي ملأ ما بين الخافقين علمًا ... إذا ذُكِر في صفِّ هؤلاء الثلاثة يكون ذلك من أبرز الحجج على كذب ابن الصلت كذبًا بيِّنًا. هذا ما لا يقوله إلا من اعتلَّ قلبه اعتلالًا لا دواء له ... ».
أقول: هذا ديدن الأستاذ: إذا أعْوَزته الحجة لجأ إلى التهويل على العامة! قد ذكر الخطيب حجَّتَه كما تقدم شرحه، وأئمة الحديث كثيرًا ما يطعنون مثل ذاك الطعن بنحو تلك الحجة، وإن كان المرويُّ فضيلةً للنبي ﵌، أو لأحد كبار أصحابه، كما تراه في كتب الموضوعات وكتب الضعفاء، فهل يُرَدُّ كلامُهم بمثل هذا التهويل! فلينظر
стр. 374
الأستاذ، أو غيرُه من العارفين في «دلائل النبوة» لأبي نعيم، أو في «الخصائص الكبرى» للسيوطي، وليراجع نفسَه فيما يستنكره، وعمَّ نشأ استنكاره؟ أعن اعتقاده نقصًا في النبي ﵌، أو بغضٍ له، أو حرصٍ على غمط فضله؟ فالخطيب لم يجعل زيادةَ ابن الصلت من أبرز الحجج على كذبه من جهة أنها منقبةٌ لأبي حنيفة، بل من الوجهين اللذين نصَّ عليهما، مع ما عُرِف من حال ابن الصلت بغير هذه الحجة. وماذا يغني الضجيج أمام الحجة إلا كما قيل:
أوسعتُهم سبًّا، وأودَوا بالإبلْ (١)!
أو كما قال الآخر:
فلا تُكْثِروا فيها الضِّجاجَ فإنه ... محا السَّيفُ ما قال ابنُ دارةَ أجمعا (٢)
فصل
ثم ختم الأستاذ كلامه بقوله (ص ١٦٨): «ومن الغريب أنه إذا طعن طاعن في رجل تجد أسرابًا من الرواة يركضون وراءه، يردِّدون صدى الطاعن أيًّا كانت قيمة طعنه، ولهم موقف يوم القيامة رهيب لا يُغبَطون عليه».
стр. 375
[١/ ١٩٦] أقول: مات ابن الصلت سنة ٣٠٨. ولم يذكروا مولده، لكن قال ابن عدي: «رأيته سنة ٢٩٧، فقدّرت أن له سبعين سنة، أو أكثر». فلنجعل الزيادة المحتملة سبعًا، فيكون مولده سنة ٢٢٠. لكنه يروي عمن مات سنة ٢٢٨ كمسدَّد ويحيى الحِمَّاني، وسنة ٢٢٧ كبشر بن الحارث وسعيد بن منصور وأحمد بن يونس، وسنة ٢٢٦ كإسماعيل بن أبي أويس ومحمد بن مقاتل، وسنة ٢٢٤ كأبي عبيد، وسنة ٢٢٢ كمسلم بن إبراهيم، وسنة ٢٢١ كالقعنبي وعاصم بن علي، وسنة ٢٢٠ كعفَّان، وسنة ٢١٩ كأبي نعيم وأبي غسان، وسنة ٢١٥ كثابت بن محمد الزاهد. ومِن هؤلاء مَن لم يكن بالكوفة منشأِ ابن الصلت، فلو كان أدركهم وطبقتَهم وسمع منهم لكان مولده تقريبًا على رأس المائتين، فيكون بلغ من العمر مائة سنة وثماني سنين. ولو صحَّ ذلك أو احتمل الصحة عند محدِّثي عصره لَفُتِنوا به، كعادتهم في الحرص على علوِّ الإسناد، ولو كان في الشيخ لِين. وقد تشبَّث الأستاذ بذلك في كلامه في عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي كما يأتي في ترجمته (١). فزُهْدُهم في ابن الصلت واضحُ الدلالة على أنهم كانوا يرون أنه لم يدرك أولئك القدماء الذين يحدِّث عنهم، وقد صرَّحوا بذلك كما يأتي. وليس بيد الأستاذ إلا تلك الحكاية عن ابن أبي خيثمة، وقد علمتَ حالها.
فأما الطاعنون، فوقفتُ على جماعة منهم:
الأول: حافظ الحنفية عبد الباقي بن قانع البغدادي (ولد سنة ٢٦٥ أو في التي تليها، ومات سنة ٣٥١). وكان مع ابن الصلت في بغداد، ولما بلغ
стр. 376
أوانَ الطلب كان ابن الصلت على فرض صحة سماعه من أولئك القدماء في نحو ثمانين سنة من عمره، فلا بدّ أن يكون ابن قانع قد قَصَده وجالسه، وسمع منه؛ طلبًا للسماع مع علوّ السند والموافقة في المذهب. ولكنه بعد اختباره لابن الصلت قال فيه: «ليس بثقة». فهل كان ذنبُ ابن الصلت عند ابن قانع الحنفي ما قاله الأستاذ (ص ١٦٧): «لكن ذنبُ الرجل أنه ألَّف كتابًا في مناقب أبي حنيفة»!
الثاني: أبو أحمد عبد الله بن عدي الجرجاني الحافظ الشافعي (٢٧٧ - ٣٦٥). ينظر تمام كلامه في ابن الصلت في «كامله» (١) والمنقول منه في «لسان الميزان» (٢): «رأيته سنة سبع وتسعين ومائتين (٣) ... ما رأيت في الكذَّابين أقلَّ حياءً منه. كان ينزل إلى (٤) الورّاقين، فيحْمِل مِن عندهم [١/ ١٩٧] رِزَمَ الكتب،
стр. 377
ويحدِّث عمّن اسمُه فيها، ولا يبالي متى مات، وهل مات قبل أن يولد أولا». قال ابن حجر: «ثم ذكر له أحاديث» يعني مما يبيِّن كذبه.
الثالث: أبو حاتم محمد بن حِبَّان البُسْتي الحافظ (قبل ٢٨٠ - ٣٥٤). قال في ابن الصلت: «راودني أصحابنا على أن أذهب إليه فأسمع منه، فأخذت جزءًا لأنتخب فيه، فرأيته قد حدَّث عن يحيى بن سليمان بن نضلة، عن مالك, عن نافع, عن ابن عمر مرفوعًا: «ردُّ دانِقٍ من حرام أفضل عند الله من سبعين حَجةً مبرورةً». ورأيته حدَّث عن هنّاد، عن أبي أسامة، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر: «لردُّ دانقٍ من حرام أفضل من مائة ألف يُنفق في سبيل الله»، فعلمتُ أنه يضع الحديث، فلم أذهب إليه. ورأيته يروي عن جماعة ما أحسبه رآهم! » (١).
وابن عدي دخل بغداد سنة ٢٩٧، وابن حبان دخلها بعد سنة ٣٠٠، وكان أحمد بن علي الأ بَّار قد توفي سنة ٢٩٠؛ ولكن الأستاذ يقول: «ذنب الرجل أنه ألَّف كتابًا في مناقب أبي حنيفة حينما كان خصوم أبي حنيفة يتمنَّون أن يصفو الجوُ للأبَّار الذي كانوا حملوه على تدوين مثالب أبي حنيفة إفكًا وزورًا، فتحاملوا على الحِمَّاني هذا؛ ليُسقطوا رواياته»!
الرابع: أبو الحسن علي بن عمر بن مهدي الدارقطني الحافظ (٣٠٦ - ٣٨٥). قال في ابن الصلت: «يروي عن ثابت الزاهد وإسماعيل ابن أبي أويس وأبي عبيد القاسم بن سلام ومَن بعدهم، يضع الحديث» هكذا في
стр. 378
«تاريخ بغداد» (ج ٥ ص ١٠٤). وفيه (ج ٤ ص ٢٠٩): «حدثني أبو القاسم الأزهري قال: سُئل أبو الحسن علي بن عمر الدارقطني ــ وأنا أسمع ــ عن جمع مُكْرَم بن أحمد فضائلَ أبي حنيفة، فقال: موضوع كلُّه كذب، وضعه أحمد بن المغلِّس الحِمَّاني». وراجع «الطليعة» (ص ٩٦ - ٩٧) (١).
الخامس: أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحاكم صاحب «المستدرك» (٣٢١ - ٤٠٣). قال: «روى ابن الصَّلْت عن القعنبي ومسدَّد وابن أبي أويس وبِشر بن الوليد أحاديث وضعها، وقد وضع أيضًا المتون مع كذبه في لُقِيِّ هؤلاء» (٢). وبِشر بن الوليد مات سنة ٢٣٨، فإن صح ما فرَضْناه من مولد ابن الصلت، فقد أدرك بشرًا، وعن بشر روى حديث: «طلب العلم فريضة» كما تقدم.
[١/ ١٩٨] السادس: أبو بكر أحمد بن محمد بن غالب البَرْقاني الحافظ (٣٣٣ - ٤٢٥). عدَّ ابنَ الصلت فيمن وافق الدارقطني عليه من المتروكين.
السابع: أبو نُعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني الحافظ (٣٣٦ - ٤٣٠). قال في ابن الصلت: «روى عن شيوخ لم يَلْقَهم بالمشاهير والمناكير» (٣).
الثامن: أبو الفتح محمد بن أحمد بن أبي الفوارس الحافظ (٣٣٨ - ٤١٢). قال في ابن الصلت: «كان يضع». هكذا في «تاريخ بغداد» (٤). وفي
стр. 379
«الميزان» و «اللسان»: «كان يضع الحديث» (١).
التاسع: أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب الحافظ (٣٩٢ - ٤٦٣). قال في ابن الصلت: «حدَّث عن ثابت بن محمد الزاهد وأبي نعيم ... أحاديثَ أكثرها باطلة هو وضَعها. وحكى أيضًا عن بشر بن الحارث، ويحيى بن معين، وعليّ ابن المديني أخبارًا جمعها بعد أن صنَّفها (في «اللسان»: وضعها) (٢) في مناقب أبي حنيفة».
وذكر المثالين السابقين: حديث طلب العلم، والزيادةَ في الحكاية عن ابن عيينة.
العاشر: أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي (٦٧٣ - ٧٤٨). قال في ابن الصلت مرةً: «هالك»، ومرةً: «وضَّاع»، ومرةً: «كذَّاب» (٣). وأورد له الحكاية في لُقِيِّ أبي حنيفة لعبد الله بن الحارث بن جَزء، وقد مرَّ ذلك.
الحادي عشر: أبو الفضل أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (٧٧٣ - ٨٥٢). ذكر في «لسان الميزان» (٤) كلام الأئمة في ابن الصلت، ثم قال: «ومن مناكيره: روايتُه عن بِشر الحافي، عن إسماعيل بن أبي أويس، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر رفعه: «ازهد في الدنيا يحبك الله ... » الحديث ... وهذا الحديث بهذا الإسناد باطل».
стр. 380
فهؤلاء أحد عشر إمامًا طعنوا في ابن الصلت، وجرحوه جرحًا مفسَّرًا مشروحًا. ولو تتبعنا لوجدنا معهم غيرَهم كابن عساكر وابن السمعاني وآخرين، ولكن الأستاذ الذي جاء بعدهم بقرون يأبى إلا أن يجعلهم «أسرابًا يركضون وراءه يردِّدون صدى الطاعن أيًّا كانت قيمةُ طعنه، ولهم موقف يوم القيامة رهيب لا يُغبطون عليه» مع أنه قد عَرف حُججَهم، ولم يجد ما يصح [١/ ١٩٩] أن يُعَدَّ مخالفًا لهم، وينسى موقفه يوم القيامة كأنه مرفوع عنه القلم دونهم! ويذكر في ابن درستويه ما هو بالنسبة إلى ما في ابن الصلت كالهباءة بالنسبة إلى الجبل العظيم، ثم يقول: «وتضعف كواهلُ الخطيب وأذنابه عن حَمْلِ أثقال التهم التي رُكِّبت على أكتاف هذا الأخباري الهاذي»؛ ولكن لا تضعف كواهله عما على ابن الصلت، كأنَّ الخطيب وغيره من أئمة الحديث كما قال حسَّان (١):
لو يدِبُّ الحوليُّ من ولد الذَّرْ ... رِ عليها لأندبتها الكلومُ
لكنه هو «ثَهْلانُ ذو الهضَبات ما يتحلحلُ» (٢)!
ولو اكتفى بقوله (ص ١٦٥): «متكلَّم فيه، ولسنا بحاجة إلى رواياته في مناقب أبي حنيفة، وعندنا بطرقِ رجالٍ لم يُتكلَّم فيهم روايات كثيرة بمعنى ما رواه» لاستراح وأراح، لكنه عاد فدل على وثوقه بدعواه. وخير للحنفية أن يغسلوا أيديهم من ابن الصلت، فإن المدافعة عن مثله شهادة من المدافِع عن نفسه بماذا؟
стр. 381
٣٥ - أحمد بن محمد بن عبد الكريم أبو طلحة الفزاري الوساوسي:
في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٩٠ [٤٠٧]): « ... حدثنا أبو طلحة أحمد بن محمد بن عبد الكريم الوساوسي، حدثنا عبد الله ... ».
قال الأستاذ (ص ٨٥): «تكلموا فيه، فلا يُلتفت إلى وساوسه».
أقول: سئل عنه الدارقطني، فقال: «تكلموا فيه». وقال الخطيب في «التاريخ» (ج ٥ ص ٥٨): «سألتُ البَرْقاني عن أبي طلحة الفَزاري، فقال: ثقة». فكلمة: «تكلموا فيه» ليست بجرح، إذ لا يُدرى من المتكلِّم، وما الكلام؟ والتوثيق صريح فالعمل عليه.
٣٦ - أحمد بن محمد بن عمر المنكدري:
تقدَّم في ترجمة أحمد بن محمد بن الصلت (١) رواية المنكدري، بمتابعة يعقوب بن سفيان.
أشار إليها الأستاذ (ص ١٦٦) وقال: «أما المنكدري فكثير الانفراد والإغراب. قال الإدريسي: في حديثه المناكير. وأنكر عليه أيضًا أبو جعفر الأَرْزُنَاني. وقال الحاكم: كان له إفرادات وعجائب. وقال السمعاني: يقع في حديثه المناكير والعجائب والإفرادات».
أقول: الذي في «الميزان» و «اللسان» (٢) عن الإدريسي: «يقع في حديثه
стр. 382
المناكير، ومثلُه [١/ ٢٠٠] إن شاء الله لا يتعمّد الكذب. سألت محمد بن أبي سعيد السمرقندي الحافظ، فرأيته حسَنَ الرأي فيه. وسمعته يقول: سمعت المنكدري يقول: أناظر في ثلاثمائة ألف حديث. فقلت: هل رأيت بعد ابن عُقدة أحفظ من المنكدري؟ قال: لا». ومن يضاهي ابنَ عُقدة في الحفظ والإكثار، فلا بد أن يقع في حديثه الأفراد والغرائب، وإن كان أوثق الناس. فأما المناكير، فقد يكون الحمل فيها على مَن فوقه. وعلى كل حال فلم يذكروا فيه جرحًا صريحًا ولا توثيقًا صريحًا، لكنهم قد أنكروا عليه في الجملة، فالظاهر أنه ليس بعمدة، فلا يحتج بما ينفرد به. والله أعلم.
٣٧ - أحمد بن محمد بن يوسف بن دوست أبو عبد الله العلَّاف:
في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٤١٤ [٤٤٢]): «أخبرنا الحسن بن أبي طالب، أخبرنا أحمد بن محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن جعفر المَطِيري ... ».
قال الأستاذ (ص ١٥٠): «تكلَّم محمد بن أبي الفوارس في روايته عن المَطِيري، وطعن فيه. وقال الأزهري: ابن دوست ضعيف، رأيت كتبه كلها طريَّة، قيل: إنه كان يكتب الأجزاء ويترِّبها لِيُظَنَّ أنها عُتُق. والكلام فيه طويل. راجع «تاريخ الخطيب» (ج ٥ ص ١٢٥)».
أقول: ذكر الخطيب ما حكاه الأستاذ عن ابن أبي الفوارس، ثم روى عن عيسى بن أحمد بن عثمان الهَمَذَاني كلامًا يتعلَّق بابن دوست، وفيه من قول عيسى: «كان محمد بن أبي الفوارس ينكر علينا مُضِيَّنا إليه وسماعنا منه، ثم جاء بعد ذلك وسمع منه». فكأن ابن أبي الفوارس تكلَّم أولًا في سماع ابن دوست من المَطيري؛ لأنه كان عند موت المطِيري ابن اثنتي عشرة سنة، ثم كأنه تبيَّن لابن أبي الفوارس صحة السماع، فعاد، فقصد ابن دوست
стр. 383
وسمع منه. وذلك أن والد ابن دوست كان من أهل العلم والصلاح والرواية والثقة. ترجمته في «تاريخ بغداد» (ج ٣ ص ٤٠٩)، ووفاته سنة ٣٨١، ومولد أحمد سنة ٣٢٣. فقد وُلد له في شبابه، فكأنه اعتنى به، فبكَّر به للسماع، وقيَّد سَماعه وضَبطه له على عادة أهل العلم في ذاك العصر، وقد صحَّح المحدِّثون سماع الصغير المميِّز. وأما الأزهري، فتمام عبارته: « ... وكان يذكر أن أصوله العُتُق غرقت، فاستدرك نسخها»، فالتضعيف مفسَّر بما بعده.
واعلم أن المتقدمين كانوا يعتمدون على الحفظ، فكان النقَّاد يعتمدون في النقد عدالةَ الراوي واستقامةَ حديثه، فمن ظهرت عدالته وكان [٢٠١] حديثه مستقيمًا وثَّقوه. ثم صاروا يعتمدون الكتابة عند السماع، فكان النقاد إذا استنكروا شيئًا من حديث الراوي طالبوه بالأصل. ثم بالغوا في الاعتماد على الكتابة وتقييد السماع فشدَّد النقاد، فكان أكثرهم لا يسمعون من الشيخ حتى يشاهدوا أصله القديم الموثوقَ به المقيَّدَ سماعُه فيه، فإذا لم يكن للشيخ أصل لم يعتمدوا عليه، وربما صرَّح بعضهم بتضعيفه. فإذا ادعى السماع ممن يستبعدون سماعه منه كان الأمر أشد. ولا ريب أنَّ في هذه الحال الثالثة احتياطًا بالغًا، لكن إذا عُرِفت عدالة الرجل وضبطه وصدقه في كلامه، وادعى سماعًا محتملًا ممكنًا، ولم يُبرِز به أصلًا، واعتذر بعذر محتمل قريب، ولم يأت بما ينكَر= فبأيّ حجَّة يُرَدُّ خبرُه؟
وقد قال الخطيب: «حدثني أبو عبد الله الصوري قال: قال لي حمزة بن محمد بن طاهر: قلت لخالي أبي عبد الله بن دوست: أراك تملي المجالس من حفظك، فلم لا تملي من كتابك؟ فقال لي: انظر فيما أمليه، فإن كان لك فيه زلل أو خطأ لم أُمْلِ من حفظي. وإن كان جميعه صوابًا، فما الحاجة إلى
стр. 384
الكتاب؟ أو كما قال».
فيظهر أن والده لم يكتف بتسميعه، بل اعتنى بتحفيظه ما سمع. فإذا كانت أصوله بعد حِفْظه ما فيها غرقت فابتلَّتْ، وخِيفَ تقطُّعُ الورق، وبقيت الكتابة تُقرأ، فاستنسخ منها، أو ذهبت فنسخ من حفظه، أو من كتبٍ قد كانت قوبلت على أصوله، أو لم تُقابَل ولكنه اعتبرها بحفظه= فأيُّ حرج في ذلك؟ وإذ كان اعتماده على حفظه، فهَبْ أنه لم يكن له أصول البتة، أو كانت فتلِفَتْ، ولم يستدرك نسخها= ألا يكون له أن يروي من حفظه؟ أوَ لا تقوم الحجة بخبره إذا كان عدلًا ضابطًا؟
وأما قضية التتريب، فهي في عبارة للبرقاني. قال الخطيب: «سألت أبا بكر البرقاني عن ابن دوست؟ فقال: كان يسرد الحديث من حفظه، وتكلَّموا فيه. وقيل: إنه كان يكتب الأجزاء، ويُترِّبها لِيُظَنَّ أنها عُتُق». فقوله: «قيل: ... » لا يُدرَى من القائل؟ وعلى فرض صحة ذلك، فهو تدليس خفيف أراد به دفعَ تعنُّتِ بعض الطلبة. وكان إذا سئل يبيِّن الواقع، كما في بقية عبارة الأزهري التي تركها الأستاذ. وأما قول البرقاني: «تكلموا فيه» وما في الترجمة أن الدارقطني تكلم فيه، فمحمول على ما صرَّحوا به مما مرَّ، ومرَّ ما فيه.
وبعد، فقد وصفوا ابن دوست بالحفظ والمعرفة. قال الخطيب: «كان مكثرًا من الحديث، [١/ ٢٠٢] عارفًا به، حافظًا له. مكث مدةً يملي في جامع المنصور بعد وفاة أبي طاهر المخلِّص، ثم انقطع عن الخروج، ولزم بيته. كتب عنه الحسن بن محمد الخلَّال، وحمزة بن محمد بن طاهر الدقَّاق، وأبو القاسم الأزهري، وهبة الله بن الحسن (١) الطبري، وعامة أصحابنا،
стр. 385
وسمعت منه جزءًا واحدًا». ولم يغمزوه في دينه بشيء، ولا استنكروا له حديثًا واحدًا، فلا أرى أمره إلا قويًّا، والله أعلم.
٣٨ - أحمد بن المعذَّل (١):
في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٩٣ [٤١١ - ٤١٢]) «أخبرنا القاضي أبو عبد الله الصَّيْمَري ... لأحمد بن المعذَّل: إن كنتِ كاذبةَ الذي حدَّثتِني ... ».
قال الأستاذ (ص ٩٥): «هو أول من قام بنشر مذهب مالك بالبصرة، بعد أن تفقه على عبد الملك بن الماجشون، وشيخه هذا حينما رحل إلى العراق من المدينة المنورة رحل ومعه مَن يُغَنِّيه، فزهد فيه أهل العلم ... وهو الذي كان أخوه عبد الصمد بن المعذَّل يقول فيه:
أضاعَ الفريضةَ والسنَّهْ ... فتاهَ على الإنس والجِنَّهْ
الأبيات».
أقول: أما البيت، فالرواية فيه: «أطاع الفريضة ... » كما شرحته في «الطليعة» (ص ٦٣) (٢).
فتجلَّد الأستاذ، وقال في «الترحيب» (ص ٤٥): «هذا تمحُّل. لو كان مراده هذا لقال: أقام، .. وإنما الطاعة لله ولرسوله لا للعمل، وهذا ظاهر». كذا قال! ولو لم يوجد هذا الشعر إلا في كتاب واحد وفيه «أطاع»، ولم يكن في السياق
стр. 386
وغيره ما يدلّ على صحة ذلك، ما ساغ لعالمٍ تغييرُه، لأن العربية لا تضيق بمن «أطاع الفريضة»، بل يمكن تخريجها على عدة أوجه كالمجاز والتضمين وغير ذلك؛ فكيف بالتغيير إلى: «أضاع»، مع إبطال الأدلة المعنوية، كعجز البيت، والبيت الثاني، وسبب قول ذلك الشعر، وما هو معلوم من حال أحمد! هذا كلُّه توضيح للواضح، وقابِلْ هذا بما يأتي في ترجمة الشافعي (١) في الكلام على ما وقع في «مختصر المزني»: «وليست الأذنان من الوجه، فيغسلان».
[١/ ٢٠٣] وأما عبد الملك، فلم يزهَدوا فيه لاستجازته الغناء، فقد سبقه إليه إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، المُجْمَع على توثيقه. وإنما زهِدوا في عبد الملك لمنكرات في روايته، ولاتهامه برأي جهم، كما ترى ذلك في ترجمته من «التهذيب» (٢).
وأحمد بن المعذّل لم يطعن أحدٌ في روايته ولا عقيدته، ولا عُرِف بالترخيص في الغناء ــ فيما علمتُ ــ وقد وُثِّق. ولا يضرُّ العالمَ أن يكون في شيوخه مطعون فيه، ومن شيوخ أحمد من أصحاب مالك محمدُ بن مسلمة الذي تجاهله الأستاذ في «التأنيب»، ونبَّهتُ عليه في «الطليعة» (ص ٨٧ - ٨٩) (٣) فاعترف الأستاذ في «الترحيب» (٤). وسمع أحمد أيضًا من بشر بن
стр. 387
عمر وإسماعيل بن أبي أويس وغيرهما من أصحاب مالك.
وذكر الأستاذ ما يتعلق بمذهب مالك من الأخذ بالقياس، وسأُلِمُّ بذلك في ترجمة مالك إن شاء الله تعالى (١).
٣٩ - أحمد بن موسى النجَّار:
قال الأستاذ (ص ١٧) في ذكر أبي نعيم الأصبهاني: «أخرج رحلة ... بسند فيه أحمد بن موسى النجار وعبد الله بن محمد البلوي، وهما كذَّابان معروفان».
أقول: البلاء من البلوي، وهو الكذاب المعروف. فأما النجار فلم يُعرَف (٢). (٣)
٤٠ - أحمد بن يونس:
في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٧٩ [٣٨٦]) من طريق «عباس بن عبد العظيم (٤)، حدثنا أحمد بن يونس قال: اجتمع ابن أبي ليلى وأبو حنيفة
стр. 388
عند عيسى بن موسى العباسي والي الكوفة ... ».
قال الأستاذ (ص ٥٦): «إن كان أحمد بن عبد الله بن يونس اليربوعي المتوفى سنة ٢٢٧ فلم يكن في عهد عيسى بن موسى والي الكوفة في سنٍّ تُمَكِّنه من الحضور في مثل تلك المجالس، فيكون الخبر مقطوعًا. وإن كان أحمد بن يونس هذا غير اليربوعي، فمجهول».
أقول: هو أحمد بن عبد الله بن يونس، فإنه غالبًا يُنسب إلى جدِّه، ولا يُفهم عند إطلاق أحمد بن يونس في تلك الطبقة غيره، ومولده سنة ١٣٣ أو في التي تليها. وقد صح عنه أنه قال: «مات الأعمش وأنا ابن أربع عشرة سنة، ورأيت أبا حنيفة ومسعرًا، وابن أبي ليلى يقضي خارج المسجد من أجل الحُيَّض». ومات الأعمش سنة ١٤٧، وقيل: في التي تليها، ومات ابن [١/ ٢٠٤] أبي ليلى سنة ١٤٨. وعمرُ أحمد خمس عشرة سنةً على المشهور من وفاة الأعمش. وقد يبرز الأمير للناس، أو يأذن لهم إذنًا عامًّا، أو يدخل عليه الغلام ابن أربع عشرة سنة مع أبيه أو عمِّه مثلًا. والله أعلم.
٤١ - الأحوص بن الجوَّاب أبو الجوَّاب:
في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٤٠٧ [٤٣٣]) من طريق إسحاق بن إبراهيم البغوي: «حدثنا أبو الجوَّاب ... ».
قال الأستاذ (ص ١٣٣): «لم يكن بالقوي عند ابن معين».
أقول: في «تهذيب التهذيب» (١): «قال ابن معين: ثقة، وقال مرة: ليس
стр. 389
بذاك القوي». وهذا إنما يعطي أنه ليس غايةً في الإتقان (١)، فكأنّ ابن حبان فسَّر ذلك إذ قال في «الثقات»: «كان متقنًا ربما وهم»؛ وهذا إنما يظهر أثره عندما يخالف مَن وثَّقوه مطلقًا. والأحوص من رجال مسلم في «صحيحه».
٤٢ - إسحاق بن إبراهيم الحُنَيني:
في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٩٦ [٤١٥]) من طريق: «الحسن بن الصباح، حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنيني قال: قال مالك .. ».
قال الأستاذ ص ١٠٥: «ذكره ابن الجوزي في «الضعفاء»، وقال الذهبي: صاحب أوابد. وقال البخاري: في حديثه نظر ــ وهو من أشد كلمات الجرح عنده ــ. وقال الحاكم أبو أحمد: [في حديثه بعض المناكير. وقال البزَّار] (٢): كُفَّ بصرُه، فاضطرب حديثه. وقال أبو حاتم: لم يرضه أحمد بن صالح. وقال النسائي: ليس بثقة».
أقول: وقال الذهبي في «الميزان» (٣): «كان ذا عبادة وصلاح. وقال عبد الله بن يوسف التِّنِّيسي: كان مالك يعظم الحُنيني». وفي «تهذيب التهذيب» (٤): «قال ابن حبان في «الثقات»: كان يخطئ. وقال عبد الله بن يوسف: كان مالك يعظِّمه ويكرمه ... وقال ابن أبي حاتم عن أبي زرعة: صالح، يعني في دينه لا في حديثه».
стр. 390
وذكروا أن البخاري يقول: «فيه نظر»، أو «سكتوا عنه» فيمن هو عنده ضعيف جدًّا. قال السخاوي في «فتح المغيث» (ص ١٦١) (١): «وكثيرًا ما يعبِّر البخاري بهاتين ... فيمن تركوا حديثه، بل قال ابن كثير: إنهما أدنى المنازل عنده وأردؤها». ولم يقل البخاري في الحُنيني: «فيه نظر»، إنما قال: «في [١/ ٢٠٥] حديثه نظر» وبينهما فرق، فقوله: «فيه نظر» تقتضي الطعن في صدقه (٢). وقوله: «في حديثه نظر» تُشعر بأنه صالح في نفسه، وإنما الخلل في حديثه لغفلة، أو سوء حفظ.
ولعل الأستاذ يقول: هذا تمحُّل. فيقال له: ألم تقل (ص ٤٨): «وأما قوله في «تاريخه الكبير»: كان مرجئًا، سكتوا عنه وعن رأيه وعن حديثه، فبيانٌ لسبب إعراض من أعرض عنه». وقد علمت أن «سكتوا عنه» هي أخت «فيه نظر» بل هي الكبرى.
والمقصود هنا أن الحنينيّ كان صالحًا في نفسه، وقد سقنا شواهد ذلك. فأما حديثه، فكلمةُ البخاري تقتضي أنه مُطَّرَح لا يصلح حتى للاعتبار، وكذلك كلمة النسائي. وصنيع ابن حبان يقتضي أنه يعتبر به، وكذا كلمة الحاكم أبي أحمد. ويوافقهما قول ابن عدي: «ضعيف، ومع ضعفه يكتب حديثه». وكلمةُ البزار تقتضي أن حديثه كان قبل عَماه مستقيمًا، فيُنظر متى عمي؟ ومتى سمع منه الحسن بن الصباح؟ وهل روايته التي ساقها الخطيب من مظان الغلط؟