← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 337

التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل - ضمن «آثار المعلمي»

عبد الرحمن المعلمي اليماني

Полный текст (1 489 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

وغيره ما يدلّ على صحة ذلك، ما ساغ لعالمٍ تغييرُه، لأن العربية لا تضيق بمن «أطاع الفريضة»، بل يمكن تخريجها على عدة أوجه كالمجاز والتضمين وغير ذلك؛ فكيف بالتغيير إلى: «أضاع»، مع إبطال الأدلة المعنوية، كعجز البيت، والبيت الثاني، وسبب قول ذلك الشعر، وما هو معلوم من حال أحمد! هذا كلُّه توضيح للواضح، وقابِلْ هذا بما يأتي في ترجمة الشافعي (١) في الكلام على ما وقع في «مختصر المزني»: «وليست الأذنان من الوجه، فيغسلان». [١/ ٢٠٣] وأما عبد الملك، فلم يزهَدوا فيه لاستجازته الغناء، فقد سبقه إليه إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، المُجْمَع على توثيقه. وإنما زهِدوا في عبد الملك لمنكرات في روايته، ولاتهامه برأي جهم، كما ترى ذلك في ترجمته من «التهذيب» (٢). وأحمد بن المعذّل لم يطعن أحدٌ في روايته ولا عقيدته، ولا عُرِف بالترخيص في الغناء ــ فيما علمتُ ــ وقد وُثِّق. ولا يضرُّ العالمَ أن يكون في شيوخه مطعون فيه، ومن شيوخ أحمد من أصحاب مالك محمدُ بن مسلمة الذي تجاهله الأستاذ في «التأنيب»، ونبَّهتُ عليه في «الطليعة» (ص ٨٧ - ٨٩) (٣) فاعترف الأستاذ في «الترحيب» (٤). وسمع أحمد أيضًا من بشر بن

стр. 387

عمر وإسماعيل بن أبي أويس وغيرهما من أصحاب مالك. وذكر الأستاذ ما يتعلق بمذهب مالك من الأخذ بالقياس، وسأُلِمُّ بذلك في ترجمة مالك إن شاء الله تعالى (١). ٣٩ - أحمد بن موسى النجَّار: قال الأستاذ (ص ١٧) في ذكر أبي نعيم الأصبهاني: «أخرج رحلة ... بسند فيه أحمد بن موسى النجار وعبد الله بن محمد البلوي، وهما كذَّابان معروفان». أقول: البلاء من البلوي، وهو الكذاب المعروف. فأما النجار فلم يُعرَف (٢). (٣) ٤٠ - أحمد بن يونس: في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٧٩ [٣٨٦]) من طريق «عباس بن عبد العظيم (٤)، حدثنا أحمد بن يونس قال: اجتمع ابن أبي ليلى وأبو حنيفة

стр. 388

عند عيسى بن موسى العباسي والي الكوفة ... ». قال الأستاذ (ص ٥٦): «إن كان أحمد بن عبد الله بن يونس اليربوعي المتوفى سنة ٢٢٧ فلم يكن في عهد عيسى بن موسى والي الكوفة في سنٍّ تُمَكِّنه من الحضور في مثل تلك المجالس، فيكون الخبر مقطوعًا. وإن كان أحمد بن يونس هذا غير اليربوعي، فمجهول». أقول: هو أحمد بن عبد الله بن يونس، فإنه غالبًا يُنسب إلى جدِّه، ولا يُفهم عند إطلاق أحمد بن يونس في تلك الطبقة غيره، ومولده سنة ١٣٣ أو في التي تليها. وقد صح عنه أنه قال: «مات الأعمش وأنا ابن أربع عشرة سنة، ورأيت أبا حنيفة ومسعرًا، وابن أبي ليلى يقضي خارج المسجد من أجل الحُيَّض». ومات الأعمش سنة ١٤٧، وقيل: في التي تليها، ومات ابن [١/ ٢٠٤] أبي ليلى سنة ١٤٨. وعمرُ أحمد خمس عشرة سنةً على المشهور من وفاة الأعمش. وقد يبرز الأمير للناس، أو يأذن لهم إذنًا عامًّا، أو يدخل عليه الغلام ابن أربع عشرة سنة مع أبيه أو عمِّه مثلًا. والله أعلم. ٤١ - الأحوص بن الجوَّاب أبو الجوَّاب: في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٤٠٧ [٤٣٣]) من طريق إسحاق بن إبراهيم البغوي: «حدثنا أبو الجوَّاب ... ». قال الأستاذ (ص ١٣٣): «لم يكن بالقوي عند ابن معين». أقول: في «تهذيب التهذيب» (١): «قال ابن معين: ثقة، وقال مرة: ليس

стр. 389

بذاك القوي». وهذا إنما يعطي أنه ليس غايةً في الإتقان (١)، فكأنّ ابن حبان فسَّر ذلك إذ قال في «الثقات»: «كان متقنًا ربما وهم»؛ وهذا إنما يظهر أثره عندما يخالف مَن وثَّقوه مطلقًا. والأحوص من رجال مسلم في «صحيحه». ٤٢ - إسحاق بن إبراهيم الحُنَيني: في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٩٦ [٤١٥]) من طريق: «الحسن بن الصباح، حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنيني قال: قال مالك .. ». قال الأستاذ ص ١٠٥: «ذكره ابن الجوزي في «الضعفاء»، وقال الذهبي: صاحب أوابد. وقال البخاري: في حديثه نظر ــ وهو من أشد كلمات الجرح عنده ــ. وقال الحاكم أبو أحمد: [في حديثه بعض المناكير. وقال البزَّار] (٢): كُفَّ بصرُه، فاضطرب حديثه. وقال أبو حاتم: لم يرضه أحمد بن صالح. وقال النسائي: ليس بثقة». أقول: وقال الذهبي في «الميزان» (٣): «كان ذا عبادة وصلاح. وقال عبد الله بن يوسف التِّنِّيسي: كان مالك يعظم الحُنيني». وفي «تهذيب التهذيب» (٤): «قال ابن حبان في «الثقات»: كان يخطئ. وقال عبد الله بن يوسف: كان مالك يعظِّمه ويكرمه ... وقال ابن أبي حاتم عن أبي زرعة: صالح، يعني في دينه لا في حديثه».

стр. 390

وذكروا أن البخاري يقول: «فيه نظر»، أو «سكتوا عنه» فيمن هو عنده ضعيف جدًّا. قال السخاوي في «فتح المغيث» (ص ١٦١) (١): «وكثيرًا ما يعبِّر البخاري بهاتين ... فيمن تركوا حديثه، بل قال ابن كثير: إنهما أدنى المنازل عنده وأردؤها». ولم يقل البخاري في الحُنيني: «فيه نظر»، إنما قال: «في [١/ ٢٠٥] حديثه نظر» وبينهما فرق، فقوله: «فيه نظر» تقتضي الطعن في صدقه (٢). وقوله: «في حديثه نظر» تُشعر بأنه صالح في نفسه، وإنما الخلل في حديثه لغفلة، أو سوء حفظ. ولعل الأستاذ يقول: هذا تمحُّل. فيقال له: ألم تقل (ص ٤٨): «وأما قوله في «تاريخه الكبير»: كان مرجئًا، سكتوا عنه وعن رأيه وعن حديثه، فبيانٌ لسبب إعراض من أعرض عنه». وقد علمت أن «سكتوا عنه» هي أخت «فيه نظر» بل هي الكبرى. والمقصود هنا أن الحنينيّ كان صالحًا في نفسه، وقد سقنا شواهد ذلك. فأما حديثه، فكلمةُ البخاري تقتضي أنه مُطَّرَح لا يصلح حتى للاعتبار، وكذلك كلمة النسائي. وصنيع ابن حبان يقتضي أنه يعتبر به، وكذا كلمة الحاكم أبي أحمد. ويوافقهما قول ابن عدي: «ضعيف، ومع ضعفه يكتب حديثه». وكلمةُ البزار تقتضي أن حديثه كان قبل عَماه مستقيمًا، فيُنظر متى عمي؟ ومتى سمع منه الحسن بن الصباح؟ وهل روايته التي ساقها الخطيب من مظان الغلط؟

стр. 391

٤٣ - إسحاق بن إبراهيم الموصلي: في «تاريخ بغداد» (١٤/ ٢٤٩) من طريق: «محمد بن أبي الأزهر، حدثنا حماد بن إسحاق الموصلي، حدثني أبي ... ». قال الأستاذ: (ص ١٧٦): «حماد بن إسحاق الموصلي ... هو وأبوه من رجال الأغاني ... ». أقول: تراجع ترجمتاهما في «تاريخ بغداد» (١). وزعم الأستاذ أن في القصة غضاضةً على أبي يوسف، وليس ذلك بظاهر. وفيما هو منقول عن الحنفية من الحيل المباحة عندهم ما هو أقرب إلى الإيحاش منها. أما الخطيب فلعله إنما قصد بإيراد تلك الحكاية الظريفة تزيين «التاريخ». ٤٤ - إسحاق بن عبد الرحمن: في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٧٨ [٣٨٤ - ٣٨٥]). من طريق: «جعفر بن محمد الصَّنْدَلي، حدثنا إسحاق بن إبراهيم [بن عبد الرحمن البغوي] (٢) ابن عم ابن منيع، حدثنا إسحاق بن عبد الرحمن، حدثنا حسن بن أبي مالك ... ». قال الأستاذ (ص ٥٢): «وإسحاق بن عبد الرحمن لا يُعلَم». أقول: شيخ الصَّنْدَلي قديم، يروي عن إسماعيل ابن عُلَية المتوفى سنة ١٩٣، وعنه البخاري في «الصحيح» وغيره. والحسن بن أبي مالك توفي

стр. 392

سنة ٢٠٤. فلو كان للأستاذ غرض في تصحيح تلك الرواية لربما جَزَم بأن لفظ: «حدثنا إسحاق بن عبد الرحمن» كان بهامش أصل [١/ ٢٠٦] قديم على أنها نسخة بدل: «حدثنا إسحاق بن إبراهيم»، وذلك بنسبة إسحاق إلى جده، فتوهَّم الناسخ أن تلك الحاشية لَحَق، فأدرجها في المتن. ولذلك نظائر في النسخ الخطية! ٤٥ - إسحاق بن عبد الرحمن: ذكر الأستاذ (ص ١٨٤) رواية أبي نعيم الأصبهاني، عن أبي الشيخ، عن عبد الرحمن بن داود، عن عبيد بن خلَف، عن إسحاق بن عبد الرحمن، عن الحسين الكرابيسي ــ فذكر قصة. قال الأستاذ: «إسحاق بن عبد الرحمن مجهول ... فلا يُجدي تكلُّفُ التاج ابن السبكي في ترقيع السند». أقول: إنما قال ابن السبكي في «طبقات الشافعية» (ج ١ ص ٢٥٣) (١): «كذا في السند: عبيد عن إسحاق. وعبيد صاحب الكرابيسي، ولا يمتنع أن يسمع عنه كما سمع منه»، فأين الترقيع؟ ٤٦ - أسد بن موسى بن إبراهيم المرواني الأموي: يقال له: أسد السنة. في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٨٣ [٣٩٣]) من طريق: «الربيع بن سليمان يقول: سمعت أسد بن موسى قال ... ». قال الأستاذ (ص ٦٥): «منكر الحديث عند ابن حزم».

стр. 393

أقول: قد قال البخاري: «مشهور الحديث». وهذا بحسب الظاهر يُبطل قول ابن حزم، لكن يجمع بينهما قولُ ابن يونس: «حدَّث بأحاديث منكرة، وأحسب الآفة من غيره»، وقول النسائي: «ثقة، ولو لم يصنِّف كان خيرًا له». وذلك أنه لما صنَّف احتاج إلى الرواية عن الضعفاء، فجاءت في ذلك مناكير، فحمل ابن حزم على أسد، ورأى ابن يونس أن أحاديثه عن الثقات معروفة، وحقَّق البخاري فقال: «حديثه مشهور». يريد ــ والله أعلم ــ مشهورٌ عمن روى عنهم، فما كان فيه من إنكار فممن (١) قَبْلَه. وقد قال ابن يونس أيضًا والبزار وابن قانع حافظ الحنفية: ثقة. وقال العجلي: ثقة، صاحبُ سنة. وفي «الميزان» (٢): «استشهد به البخاري، واحتجَّ به النسائي، وأبو داود. وما علمتُ به بأسًا». وقد أساء الأستاذ إلى نفسه جدًّا إذ يقتصر على كلمة ابن حزم في صدد الطعن، مع علمه بحقيقة الحال، ولكن! ٤٧ - إسماعيل بن إبراهيم بن مَعْمَر أبو معمَرالهذلي الهروي الكوفي: في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٤٠٠ [٤٢١]) من طريق إبراهيم بن عبد الرحيم ثم من طريق عبد الله بن أحمد بن حنبل [١/ ٢٠٧] قال كل منهما: «حدثني أبو معمر ... ». قال الأستاذ (ص ١١٤): «هو ممن أجاب في المحنة، وقال: كفرنا وخرجنا.

стр. 394

ويقال: إن ابن معين قال: خرج الهذلي هذا إلى الرقة وحدّث بخمسة آلاف حديث أخطأ في ثلاثة آلاف منها». أقول: قال الله ﵎: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل: ١٠٦]. فأبو معمر ممن أُكرِه، والأستاذ يعلم مَن هو الذي شرح صدره بتلك المقالة. وأما ما جاء عن الإمام أحمد أنه كان ينهى عن الكتابة عن الذين أجابوا في المحنة، فليس ذلك على معنى جَرْحِ مَن أجاب مُكرهًا، بل أراد بذلك تثبيت أهل العلم والعامة. أما أهل العلم فخشية أن يبادروا بالإجابة قبل تحقّق الإكراه، وأما العامة فخشية أن يتوهموا أن الذين أجابوا أجابوا عن انشراح صدر. فإن كان مغزى الأستاذ الطعن على أبي معمر، لإيمانه بأن القرآن غير مخلوق، وقوله: إن القول بأنه مخلوق كفر، فتلك شَكاةٌ ظاهر عنك عارُها (١). وأما الحكاية عن ابن معين، فقد أنكرها الخطيب وغيره من أئمة الحديث، ولكن الأستاذ مولَع بالتقاط السواقط. وما أحسب أحدًا أشدَّ إزراءً بأبي حنيفة من الأستاذ، فإنه مع إظهاره أنه متهالك في الدفاع عنه، يُكثر من التشبث بالأشياء المردودة والباطلة، ويلجأ إلى المغالطة والتهويلات الفارغة. وذلك يُلجئ الناظرَ إلى ما يلجئه، فيقول: لولا أن تلك المطاعن أو

стр. 395

أكثرها حقٌّ لما اضطُرَّ مثلُ الكوثري في سعة اطلاعه وقوة عارضته إلى ما اضطرّ إليه في الإجابة عنها. والمعروف عن ابن معين توثيق أبي معمر. قال عباس الدوري (١): «سئل يحيى بن معين عن أبي معمر، وهارون بن معروف، فقال: أبو معمر أكيَس». هذا مع قوله هو وغيره في هارون: «ثقة». وقال ابن سعد في أبي معمر: «هو من هذيل أنفسِهم، صاحب سنة وفضل، وهو ثقة ثبت». وقال ابن قانع حافظ الحنفية: «ثقة ثبت». وروى عنه البخاري ومسلم في «الصحيحين». ٤٨ - إسماعيل بن بِشر بن منصور السُّلَيمي أبو بِشر البصري: في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٩٦ [٤١٦]) من طريق: «عبد الله بن أحمد الجصاص، حدثنا إسماعيل بن بشر، قال: سمعت [١/ ٢٠٨] عبد الرحمن بن مهدي: يقول ... ». قال الأستاذ (ص ١٠٧): «قدَري يعادي مثبتي القدر، فلا يثبت بسندٍ فيه مثلُه ومثلُ أبي المفضل عزوُ هذا القول إلى ابن مهدي، كما لا يثبت ما يعزوه إليه أبو نعيم في «الحلية» بطريق رُسْته لما سيأتي في رُسْته». أقول: قد تقدم في القواعد (٢) أن العداوة الدينية لا تُرَدُّ بها الشهادة، فكيف الرواية؟ ولم يكن إسماعيل داعية، وقد قال أبو داود: «صدوق»،

стр. 396

وروى عنه في «سننه»، ولا يروي إلا عن ثقة، كما تقدم في ترجمة أحمد بن سعد بن أبي مريم (١). وكذلك روى عنه ابن خزيمة مع تثبُّته. وأخرج له النسائي في «السنن». وذكره ابن حبان في «الثقات» (٢). ورُسْته هو عبد الرحمن بن عمر، تأتي ترجمته (٣). ٤٩ - إسماعيل بن أبي الحكم: في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٨٠ [٣٨٧]) من طريق: «الأثرم، حدثني هارون بن إسحاق، قال: سمعت إسماعيل بن أبي الحكم يذكر عن عمر بن عبيد ... ». قال الأستاذ (ص ٥٨): «فيكون إسماعيل هذا مجهولًا». أقول: ذكره المزِّي في شيوخ هارون (٤). وفي كتاب ابن أبي حاتم (٥) «إسماعيل بن أبي الحكم الثقفي روى عن عمران بن عيينة وعيسى بن يونس. روى عنه أبو زرعة. سئل أبي عنه فقال: شيخ». وفي «لسان الميزان» (ج ٣ ص ٤١٦) (٦): «فمن عادة أبي زرعة أن لا يروي إلا عن ثقة».

стр. 397

٥٠ - إسماعيل بن حمدويه: ذكرتُه في «الطليعة» (ص ٩٠) (١) وذكرت هناك أنه وقع في نسخة «الثقات»: «السكندري». ثم وقفت على نسخة أخرى أصح من الأولى محفوظة في المكتبة السعيدية بحيدراباد دَكَن، وفيها «البِيكَنْدي» (٢) على الصواب. ٥١ - إسماعيل بن عَرْعَرة: قال الأستاذ (ص ٤٨): «وأما قول أبي عبد الله الجعفي [البخاري صاحب الصحيح] في «تاريخه الصغير»: سمعت إسماعيل بن عَرعَرة يقول: قال أبو حنيفة: جاءت امرأة جهم إلينا فأدَّبتْ نساءنا، فليس بأحسن حالًا من سابقه، بالنظر إلى تأخر طبقة إسماعيل بن عَرعَرة، فبينه وبين أبي حنيفة انقطاع، وإسماعيل بن عرعرة هذا مجهول الصفة لم يذكره أحد من أصحاب التواريخ التي اطلعنا عليها حتى البخاري ... نعم، [١/ ٢٠٩] له ذكر في كتاب «السنة» لعبد الله بن أحمد في (ص ٢٧ و ١٥٤) بما يدل أنه بصري معاصر لعباس بن عبد العظيم العنبري. وليس في هذا أدنى غَناء، بعد أن عُلِم أنه لم يرو أحد من أصحاب الأصول الستة عن ابن عرعرة هذا». أقول: في «إكمال ابن ماكولا» (٣) «بِرِنْد»: أن لعَرْعَرة (٤) بن البِرِنْد

стр. 398

البصري ابنًا اسمه إسماعيل. وعَرْعَرة ولد سنة ١١٠، ومات سنة ١٩٣، فلا مانع أن يكون له ابن أدرك أبا حنيفة، ثم عاش حتمًا حتى أدركه البخاري. وقد مر في ترجمة أحمد بن عبد الله أبي عبد الرحمن (١) أن البخاري لا يروي إلا عن صدوق يتميَّز صحيح حديثه من سقيمه. وقد يكون الرجل ثقة مقلًّا من الرواية، إنما يروي قليلًا من الحكايات، فلا يعتني به أهل التواريخ، ولا يُحتاج إليه في الأمهات الست. وراجع ما مرَّ في ترجمة إبراهيم بن شمَّاس (٢). ٥٢ - إسماعيل بن عيّاش الحمصي: في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٩٤ [٤١٣]) من طريق: «محمد بن عوف، حدثنا إسماعيل بن عباس الحمصي، حدثنا هشام بن عروة ... ». قال الأستاذ (ص ١٠٠): «الصواب: إسماعيل بن عياش ... وروايته عن غير الشاميين مردودة عند أهل النقد». أقول: إسماعيل ثقة في نفسه، لكن عن غير الشاميين تخليط كثير، فحدُّه إذا روى عن غير الشاميين أن يصلح في المتابعات والشواهد. وتلك الحكاية تابعه عليها سفيانُ بن عيينة وغيرُه، كما يأتي في ترجمة هشام (٣). وراجع (ص ٩) (٤).

стр. 399

٥٣ - إسماعيل بن عيسى بن علي الهاشمي: في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٨٧ [٤٠١]) من طريق: «عبد السلام بن عبد الرحمن، حدثني إسماعيل بن عيسى بن علي الهاشمي، قال: حدثني أبو إسحاق الفزاري ... ». قال الأستاذ (ص ٧٧): «إسماعيل بن عيسى من المجاهيل». أقول: الصواب أن يقول: «لم أعرفه»، فإن عدم معرفة مثل الأستاذ بالرجل لا يستلزم أن يكون مجهولًا. راجع «الطليعة» (ص ٨٦ - ٩٨) (١). ٥٤ - الأسود بن سالم: في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٤٠٩ [٤٣٥]) من طريق أبي عبيد: «كنت جالسًا مع الأسود بن سالم في مسجد الجامع بالرصافة، فتذاكروا مسألة، فقلت: إن أبا حنيفة يقول فيها كيت وكيت. فقال لي الأسود: تذكر أبا حنيفة في المسجد! فلم يكلِّمني حتى [١/ ٢١٠] مات». قال الأستاذ (ص ١٣٤): «أين الأسود بن سالم من أبي عبيد الإمام في كل علم! وكان الأسود بن سالم من العُبَّاد المتقشفين المقبلين على الله، ولم يكن له سعة في العلم ولا الالتفات إلى الفقه. كان يصعب عليه أن يشتغل في المسجد بغير ذكر الله، غير شاعر بأن مذاكرة الفقه من ذكر الله. وله رأيه، ولأهل العلم رأيهم، ولم يكن هو ممن يُحتجُّ بقوله في هذا الموضوع. ولا أدري لماذا تكلَّف الخطيب الرواية عنه، وحالُه معلومٌ مما رواه الخطيب نفسه في (ج ٧ ص ٣٦) حيث قال: أخبرنا ... سمعت حبش بن برد يقول: رُئي أسود بن سالم يغسل وجهه من غدوة

стр. 400

إلى نصف النهار، فقيل له: أيشٍ خبرك؟ قال: رأيت اليوم مبتدعًا فأنا أغسل وجهي منذ رأيته إلى الساعة، وأنا أظنه لا ينقَى»! أقول: وأنا ما أدري لماذا تكلَّف الأستاذ التأويل المُسْتَكْره؟ فإنه لا يخفى أن الأسود لم ينكر المذاكرة من حيث هي، ولو كان كذلك لأنكرها عليهم عند شروعهم فيها، ولما كان لذِكْر أبي حنيفة وجه، ولما حكى أبو عبيد الإمام في كلِّ فنٍّ القصةَ على ما حكاها. فأما قصة غسل الوجه، فالذي في «التاريخ»: حَبَش بن الورد، وكأنه حبش بن أبي الورد المترجَم في «التاريخ» (١) أيضًا باسم محمد بن الورد، ولقبه حَبَش، وهو من المذكورين بالعبادة والزهد يروي الحكايات، ولم يوثَّق. والأستاذ يعدُّ قول الراوي: «قيل لفلان»، أو «سئل فلان» منقطعًا، للجهل بالقائل أو السائل، وقد رددتُ عليه ذلك في القواعد وغيرها (٢). وقولُ حَبَش: «رئي أسود» ظاهرٌ في الانقطاع، بخلاف «قيل» و «سئل»، فإن الراوي قد يحضر الواقعة ويكون القائل أو السائل غيره دونه، فأما أن يحضرها ويكون الرائي غيره دونه فلا، إلا أن يكون أعمى. فليبحث الأستاذ لعلَّه يجد نصًّا على أن حَبَشًا كان أعمى! فيصير قوله: «رئي أسود» بمنزلة قول غيره: «قيل لفلان»، و «سئل فلان» ونحو ذلك، كقول سلمة: «قال رجل لابن المبارك»! فإن صحَّت القصة، فالظنُّ بالأسود أنه إنما قصد تنفير الناس عن البدع وأهلها!

стр. 401

٥٥ - أصبغ بن خليل القرطبي: قال الأستاذ (ص ١٠٥): «روى الحافظ أبو الوليد ابن الفرضي عن أبي القاسم أصبغ بن خليل القرطبي الذي دارت عليه الفتوى في مذهب مالك [١/ ٢١١] خمسين عامًا وتوفي سنة ٢٧٣ أنه قال: لَأَنْ يكون في تابوتي رأسُ خنزيرٍ أحبُّ إليَّ من أن يكون فيه «مصنف ابن أبي شيبة»»! أقول: «مصنف ابن أبي شيبة» مشتمل مع أحاديث صحاح على ضعاف، وعلى أقوال مختلفة محكية عن بعض الصحابة وبعض التابعين وبعض من بعدهم، والظنُّ بأصبغ أنه لم يقصد ذمَّ الأحاديث، كيف وكان هو يروي «الموطأ» وغيره؟ وبعدُ، فماذا على المالكية من أصبغ هذا، وقد كذَّبه أجِلَّتُهم كالقاسم بن أصبغ وابن الفَرَضي وعياض! ودوران الفتوى عليه إنما هو نتيجة أن العامة كانوا حريصين على الجمود على أقوال ابن القاسم صاحب مالك، والدولةُ موافقةٌ لهم على ذلك، وكان هو عارفًا بها جامدًا عليها. وفي المالكية من حفَّاظ الحديث والمتَّبعين له ــ إذا خالفه المنقول في مذهبهم ــ عددٌ غير قليل، لعلهم يَفْضُلون بذلك على بعض أصحاب المذاهب الأخرى! ومَن تأمَّلَ حالَ كثيرٍ من علماء المذاهب رأى أن كثيرًا منهم قد تكون حالهم عند التحقيق شرًّا من حال أصبغ. وذلك أنهم يُظهرون التديُّنَ بقبول الحديث وتعظيم «الصحيحين»، ويزيد بعضُهم ــ حتى من أهل عصرنا هذا ــ فيقول: إن الحديث إذا كان في «الصحيحين» أو أحدهما فهو مقطوع بصحته، فإذا جاؤوا إلى حديث مخالف لمذهبهم حرَّفوه أقبحَ تحريف (١).

стр. 402

فالردُّ الصريحُ أخفُّ ضررًا على المسلمين وأهونُ مؤنةً على أهل العلم والدين من إثارة الشُّبَه والتطويل والتهويل الذي يغترُّ به كثيرٌ من الناس، ويَضطرُّ العالمَ إلى صَرْف وقته في كشف ذلك! والله المستعان. ٥٦ - أنس بن مالك صاحب النبي ﷺ -: تقدم ما يتعلق به في «الطليعة» (ص ٩٨ - ١٠٦) (١)، وفي الفصلين الثاني والخامس من أوائل هذا الكتاب (٢). وذكرت (ص ١٠٠ - ١٠١) من «الطليعة» بعض المعمَّرين من ثقات التابعين المحتجِّ بهم مطلقًا إجماعًا، ويُزاد عليهم: معرور بن سويد، وزِرُّ بن حُبيش، وأبو عثمان النهدي. بلغ الأول مائة وعشرين سنة، والثاني مائة وسبعًا وعشرين سنة، والثالث مائة وثلاثين ــ وقيل: أربعين ــ سنة. وذكرت في (ص ١٠٣) من «الطليعة» شاهدًا لرواية أنس في أبوال الإبل، ثم رأيت في «تفسير ابن جرير» (ج ٦ ص ١١٩ - ١٢٠) (٣): «حدثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق قال: سمعت أبي يقول: [١/ ٢١٢] أخبرنا أبو حمزة، عن عبد الكريم بن مالك الجزري، وسئل عن أبوال الإبل، فقال: حدَّثني سعيد بن حبير عن المحاربين، فقال: كان ناس أتوا النبي ﵌ ... ثم قالوا: إنّا نجتوي المدينة. فقال النبي

стр. 403

صلى الله عليه وآله وسلم: هذه اللقاح تغدو عليكم وتروح، فاشربوا أبوالها وألبانها ... » فذكر القصة. وسياقها مخالف لسياق رواية أنس، وفي آخرها الإشارة إلى حديث أنس، وذلك يدل أن سعيد بن جبير تلقَّاها من غير أنس من الصحابة. والحديث مرسل صحيح رجاله ثقات كلهم، وتأتي ترجمة محمد بن علي، وترجمة أبي حمزة محمد بن ميمون السُّكَّري (١). وعلي بن الحسن بن شقيق من متقدمي أصحاب أبي حمزة، يظهر أن سماعه منه كان قبل أن يعمى أبو حمزة. وعليٌّ من المتثبتين، وفي ترجمته من «تهذيب التهذيب» (٢) أنه قيل له: «سمعتَ «كتاب الصلاة» من أبي حمزة السُّكَّري؟» فقال: «نعم، سمعت، ولكن نهَقَ حمار يومًا، فاشتبه عليَّ حديثٌ، فلا أدري أيُّ حديث هو، فتركتُ الكتاب كلَّه». وكلام الأستاذ في «الترحيب» في العنعنة تقدَّم ما فيه في الفصل التاسع (٣) من أوائل الكتاب. والله الموفق. ٥٧ - أيوب بن إسحاق بن سافري: راجع «الطليعة» (ص ٥٩ - ٦٠) (٤) أشار الأستاذ إلى ذلك في (ص ٤٤) من «الترحيب»، فلم يأت بشيء؛ بل حاول الطعن في مهذِّب (٥) «تاريخ ابن عساكر»، وذلك لا يغني عنه شيئًا. ثم قال: «لم يكن السافري إلا داعرًا سافر

стр. 404

الوجه، أصبحت الدعارة خلقًا فيه وملكةً عنده، رغم أنف هذا الناقد». أقول: أرغم اللهُ أنفَ من يكابر، ويدفع الحق بالباطل! وانظر «طبقات [ابن] أبي يعلى» (١/ ١٧١). (١) ٥٨ - بشر بن السَّرِيّ: في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٩١ [٤٠٨]) من طريق «رجاء بن السِّندي، سمعت بِشر بن السَّري قال: أتيت أبا عوانة .. ». قال الأستاذ (ص ٩٢): «يقول عنه الحميدي: جهمي لا يحِلُّ أن يُكتَب عنه». أقول: ثبَّته عبد الرحمن بن مهدي جدًّا، وقال أحمد: «حدثنا بشر السري، وكان متقِنًا للحديث عجَبًا». ووثَّقه ابن معين وغيره، واحتجَّ به الشيخان في «الصحيحين» وبقية الستة (٢). [١/ ٢١٣] فأما التجهُّم، فقال ابن معين في بشر: «رأيته يستقبل البيت يدعو على قوم يرمُونه برأي جهم، ويقول: معاذ الله أن أكون جهميًّا». وقال أحمد: «سمعنا منه، ثم ذكر حديث ﴿نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣] فقال: ما أدري ما هذا، أيْشٍ هذا؟ فوثب به الحميدي وأهل مكة، فاعتذر، فلم يُقبل منه، وزهِدَ الناسُ فيه. فلما قدمتُ المرة الثانية كان يجيء إلينا، فلم نكتب عنه». أقول: لم ينصفوه، فلعله إنما كان سمع ما صحَّ عن مجاهد من تفسيره «ناظرة» في الآية بقوله: «تنتظر الثواب»، فلما سمع الوجه الآخر استنكره من جهة كونه تفسيرًا للآية، لا من جهة إنكار الرؤية.

стр. 405

أما ما زاده محمد بن حميد في الحكاية عن مجاهد: «لا يراه من خلقه شيءٌ»، فمحمد بن حميد مُتَّهَم (١). فإن كان بِشرٌ استنكر الرؤية، فقد كان حقُّهم أن يبيِّنوا له النصوص في إثباتها، فإذا أقرَّ تبيَّن أنه كان معذورًا فيما فَرَط منه، وإن أصرَّ هجروه عن بيِّنة. على أن الإجماع انعقد بعد ذلك على عذره والاحتجاج بروايته. ٥٩ - بقيَّة بن الوليد: في «تاريخ بغداد» (٢/ ١٧٩) من طريق «بقيّة يقول: قيل لإسماعيل بن عياش ... ». قال الأستاذ (ص ١٨٦): «حالُه إذا لم يقل: «سمعتُ» ردُّ روايته عند الجميع». أقول: بقية يدلِّس عن الضعفاء، فإذا لم يصرِّح بالسماع وجب التوقف؛ لاحتمال أنه إنما سمع من ضعيف. ٦٠ - تمَّام بن محمد بن عبد الله الأَذَني: في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٤١٩ [٤٤٩]): «أخبرنا العتيقي، حدثنا تمَّام بن محمد بن عبد الله الأَذَني بدمشق، أخبرنا أبو الميمون عبد الرحمن بن عبد الله البجَلي ... ». ذكر الأستاذ (ص ١٦٤): بلفظ «تمام بن محمد بن عبد الله الرازي». وكتب في الحاشية: «وقع بدله (الأذني) في الطبعات الثلاث، وهو تحريف، ومبلغ تعصُّب تمَّام وشيخه معلوم عند من عرف أحوالهما».

стр. 406

أقول: ترجمتاهما في «تاريخ دمشق» (١)، ولتمَّام ترجمة في «تذكرة الحفاظ» (ج ٣ ص ٢٤٣) (٢). ولم أر مَنْ نسبهما ولا أحدهما إلى تعصُّب، ولا عرفتُ من أحوالهما ما يدل على ذلك. والمخالفة للمذهب لا تستلزم التعصب. وقد تقدَّم الكلام في التعصب في القواعد (٣). ٦١ - [١/ ٢١٤] ثعلبة بن سهيل التميمي الطُّهَوي: راجع «الطليعة» (ص ٧٨ - ٨١) (٤) وما ذكرتُه هناك من أن ابن معين قد يطلق كلمة «ليس بشيء» لا يريد بها التضعيف، وإنما يريد قلة الحديث، ترى مستنده في ترجمة عبد العزيز بن المختار من «مقدمة الفتح» (٥)، وترجمة كثير بن شِنْظِير من «تهذيب التهذيب» (٦). ويعترف به الأستاذ، كما ستراه في الترجمة الآتية. ٦٢ - جرَّاح بن منهال أبو العطوف: في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٤٠٦ [٤٣٢]) من طريق: «سلمة بن سليمان يقول: قال رجل لابن المبارك (٧): أكان أبو حنيفة عالمًا؟ قال: لا، ما كان

стр. 407

بخليق لذاك. ترك عطاءً، وأقبل على أبي العطوف!». قال الأستاذ (ص ١٢٨): «فيه انقطاع ومجهول؛ لأنه لم يبيِّن أنه سمع الرجل يقول، وأنه حضر القصة، كما لم يبيِّن من هو هذا الرجل .... ثم من الغريب أن يزعم زاعم ... مع أنه ما من مسند من المسانيد السبعة عشر المؤلفة في أحاديث أبي حنيفة إلا وفيه روايته عن عطاء بكثرة. وأما أبو العطوف ... فهو متأخر الوفاة عن أبي حنيفة بنحو ثماني عشرة سنة، وقد قلَّت رواية أبي حنيفة عنه جدًّا، ولا مانع من الرواية عنه قبل طروء الغفلة به. وقد ذكره أحمد بالغفلة فقط. وقال ابن معين: ليس بشيء. وهو كثيرًا ما يقول هذا فيمن قلّ حديثه. ومن ظن بأبي حنيفة أنه لا يميِّز بين مَنْ به غفلة أو تهمة [وبين غيره] (١) فقد ظنَّ باطلًا. وأبو حنيفة يُكثر جدًّا عن عطاء ... بل ليس بين شيوخه بعد حماد بن أبي سليمان مَن يُكثِر عنه قدرَ إكثاره عن عطاء. وأما أبو العطوف فرواياته عنه كلُّها لا تزيد على نحو خمس روايات ... ». أقول: أما الانقطاع والمجهول فقد تقدم النظر فيه في القواعد (٢). وأما قوله: «ما من مسند من المسانيد السبعة عشر ... إلا وفيه روايته عن عطاء بكثرة»، وقوله: «وأبو حنيفة يُكثِر جدًّا عن عطاء»؛ ففيه نظر ظاهر، لأن غالب الجامعين لتلك المسانيد متأخرون، وجماعة منهم متَّهَمون بالكذب، ومن لم يكن منهم متهمًا يكثر أن يكون في أسانيده إلى أبي حنيفة مَنْ لا يُعتدُّ بروايته. ومع ذلك فقد تصفَّحْتُ «جامع المسانيد» فلم أجد فيه عن أبي حنيفة عن عطاء إلا نحو ثلاثين رواية، لعله لا يصحُّ منها عن أبي حنيفة [إلّا] (٣) خمسٌ

стр. 408

أو ستٌّ، فأين الكثرة، فضلًا عن الإكثار جدًّا! على أن الحميدي قد قال: «حدثنا وكيع قال: حدَّثنا أبو حنيفة أنه [١/ ٢١٥] سمع عطاءً، إن كان سمعه! » أخرجه الخطيب (١)، ورواه ابن أبي حاتم في كتابه «تقدمة الجرح والتعديل» (٢) في باب «ما ذكر من معرفة وكيع بن الجراح بناقلة الأخبار ورواة الآثار وكلامه فيهم» رواه عن أبيه عن الحميدي. وذكره الأستاذ (ص ١٣٠) فزعم أن كلمة: «إن كان سمعه» من قول الحميدي. ولم يصنع الأستاذ شيئًا، هي من قول وكيع، لكن ليس المقصود بها كما ذكر الأستاذ الشكّ في سماع أبي حنيفة مطلقًا، وإنما المقصود الشك في سماع خبر معيَّن ذكره وكيع ولم يذكره الحميدي، إذ كان قصد الحميدي إنما هو حكاية تلك الكلمة عن وكيع. وقد يحتمل أن الشك ليس من وكيع، وإنما هو من أبي حنيفة نفسه، كأن يكون قال في ذلك الخبر: سمعتُ عطاءً، إن كنت سمعته؛ فعبَّر وكيع بما تقدم. فإن كان هذا هو الواقع، فليس فيه طعن من وكيع في أبي حنيفة كما فهموه. والله أعلم. قوله: «ولا مانع من الرواية عنه قبل طروِّ الغفلة». هذه دعوى مجردة، فلم يذكر أحد قبل الأستاذ أن أبا العطوف طرأت عليه الغفلة، بل قدحوا فيه على الإطلاق، كما ترى بعض ذلك في «الطليعة» (ص ٨٠) (٣). ولو كان إنما بليَّته الغفلة وكانت طرأت عليه بعد أن سمع أبو حنيفة أو غيره لما طعنوا فيه،

стр. 409

بل كانوا يعدُّونه في جملة المختلطين الذين يوثِّقهم أهلُ العلم ويحتجُّون بما سمع منهم قبل الاختلاط. فأما قوله: «ذكره أحمد بالغفلة فقط»؛ فأحمد إمام ورع، إذا كفاه غيرُه الكلامَ في رجل، ورأى الناسَ قد تركوا حديثه؛ لم يستحسن أن يشيع الكلام فيه. ومع ذلك فلم يشر أحمد إلى أن الغفلة طرأت، كما زعم الأستاذ، بل قضية كلامه أن الرجل لم يزل كذلك. وأما قول ابن معين: «ليس بشيء»، فلا ريب أنه قد يقولها في الراوي بمعنى قلَّة ما رواه جدًّا، يعني أنه لم يسند من الحديث ما يُشْتَغَل به، كما مرت الإشارة إليه في ترجمة ثعلبة. فأما أنه كثيرًا ما يقول هذا فيمن قلَّ حديثه، فهذه مبالغة الأستاذ! وعلى ذلك، فقد مضى تحقيقُ ذلك في ترجمة ثعلبة من «الطليعة» (١). وحاصله: أن الظاهر المتبادر من هذه الكلمة الجرحُ، فلا يُعدَل عنه إلا بحجة، فلما كان ابن معين قد وثَّق ثعلبة، ولم يقدح فيه غيرُه، وثعلبة قليل الحديث جدًّا= تبيَّن أن مراد ابن معين بتلك الكلمة ــ لو ثبتت ــ قلة الحديث. وأبو العطوف لم يوثِّقه ابن معين ولا غيره، بل أوسعوه جرحًا، وحديثه غير قليل. فقد ذكر له الأستاذ خمسة، وفي [١/ ٢١٦] «لسان الميزان» (٢) ثلاثة أخرى، لو لم يكن له غيرها لما كانت من القلة بحيث يصح أن يقال: إنها ليست بشيء. ولولا أنهم تركوه ولم يكتبوا حديثه لوجدنا له غيرَ ما ذُكر.

стр. 410

ولعله لولا أن جامعي المسانيد السبعة عشر علموا أن أبا العطوف تالف لوجدنا له في تلك المسانيد عشرات الأحاديث. فمن الواضح أن قول ابن معين في أبي العطوف: «ليس بشيء» إنما محملها الجرح الشديد، فمحاولة الأستاذ أن يعكس القضيةَ قلبٌ للحقائق. ٦٣ - جرير بن عبد الحميد: راجع «الطليعة» (ص ٤٣ - ٤٦) و (ص ٨٣) (١). واقتصر الأستاذ في «الترحيب» (ص ٤٠) على أنه ليس فيما ذكرتُه ما يجدر التحدُّثُ عنه. كذا قال! وقال في «التأنيب» (ص ١١٠): «مضطرب الحديث ... وكان سيئ الحفظ، انفرد برواية حديث الأخرس الموضوع، والكلام فيه طويل الذيل، وليس هو ممن يساق خبرُه في صدد سرد المحفوظ عند النقَلة إلا في مذهب الخطيب». أقول: أما قوله: «مضطرب الحديث»، فكلمة لم يقلها أحد قبل الأستاذ، وليس هو ممن يُقبَل منه مثلُ هذا. غايةُ الأمر أن تُعَدَّ دعوى، فما البينة؟ ليس بيده إلا قصة طلاق الأخرس وعليه في ذلك أمران: الأول: أن القصة تفرَّد بها سليمان بن داود الشاذَكُوني، وليس بثقة. قال البخاري: «فيه نظر»، وهذه من أشد كلمات الجرح في اصطلاح البخاري، كما مرَّ في ترجمة إسحاق بن إبراهيم الحنيني (٢). وقال أبو حاتم: «متروك الحديث». وقال النسائي: «ليس بثقة». وقال صالح بن محمد الحافظ: «كان

стр. 411

يكذب في الحديث». والكلام فيه كثير. وفي القصة ما يُنكَر، فإن الشاذكوني قال: «قدمتُ على جرير فأُعجب بحفظي، وكان لي مكرِمًا، فقدم يحيى بن معين والبغداديون الذين معه، وأنا ثَمَّ، فرأوا موضعي منه، فقال بعضهم: إن هذا بعثه ابن القطان وعبد الرحمن ليفسد حديثك ... ». وابن القطان وعبد الرحمن هما إماما عصرهما: يحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدي، ومن الممتنع أن يكذب يحيى بن معين ورفقته عليهما هذا الكذب الفاحش. الأمر الثاني: أن القصة لا تفيد اضطرابًا، وإنما تفيد تدليسًا. زعم الشاذكوني أن جريرًا [١/ ٢١٧] ذكر أولًا عن مغيرة عن إبراهيم في طلاق الأخرس، ثم ذكره ثانيًا عن سفيان عن مغيرة، ثم ثالثًا عن ابن المبارك عن سفيان، ثم قال: «حدثنيه رجل خراساني عن ابن المبارك». فلو صحت القصة لما كان فيها إلا التدليس، بإسقاط ثلاثة، ثم بإسقاط اثنين، ثم بإسقاط واحد، ثم ذكره على وجهه. ولهذا قال ابن حجر في «تهذيب التهذيب» (١): «إن صحَّت حكاية الشاذكوني، فجريرٌ كان يدلِّس». ولم يذكره في طبقات المدلِّسين، لأن القصة لم تصحَّ، وقد ذكر أبو خيثمة جريرًا، فقال: «لم يكن يدلِّس». وقول الأستاذ: «كان سيئ الحفظ» لم يقلها أحد قبله أيضًا، وإنما المعروف أن جريرًا كان لا يحدِّث من حفظه إلا نادرًا، وإنما يحدِّث من كُتبه. ولم ينكروا عليه شيئًا حدَّث به من حفظه، وأثنوا على كتبه بالصحة.

стр. 412

فأما ما حكاه العقيلي (١) عن أحمد أنه قال: «لم يكن بالذكي، اختلط عليه حديث أشعث وعاصم الأحول، حتى قدِمَ عليه بَهْزٌ، فعرفه». فقد ذكر هذا لابن معين فقال: «ألا تراه قد بيَّنها». يعني أن جريرًا بيَّن لمن يروي عنه أن حديث أشعث وعاصم اختلط عليه حتى ميَّز له بهزٌ ذلك. وعلى هذا فلم يحدِّث عنهما حتى ميَّز له بهزٌ، فكان يحدِّث عنهما ويبيِّن الحال. وهذا هو محض الصدق والنصيحة والضبط والإتقان، فإنه لا يُطلب من المحدِّث أن لا يَشُكَّ في شيء، وإنما المطلوب منه أن لا يحدِّث إلا بما يتقنه؛ فإن حدَّث بما لا يتقنه بيَّن الحالَ، فإذا فعل ذلك فقد أمِنَّا من غلطه، وحصل بذلك المقصود من الضبط. فإن قيل: فإنه يؤخذ من كلامهم أنه لم يكن يحفظ، وإنما اعتماده على كتبه. قلت: هذا لا يعطي ما زعمه الأستاذ «أنه كان سيئ الحفظ». فإن هذه الكلمة إنما تُطلق في صدد القدح فيمن لا يكون جيد الحفظ، ومع ذلك يحدِّث من حفظه فيخطئ، فأما من لا يحدِّث من حفظه إلا بما أجاد حفظه كجرير، فلا معنى للقدح فيه بأنه لم يكن جيِّد الحفظ. وأما قول الأستاذ: «انفرد برواية حديث الأخرس الموضوع»، فهذا تقليدٌ من الأستاذ للشاذَكوني، فإنه هو الذي حكم على ذلك الخبر بأنه موضوع، والشاذكوني قد عرفتَ حالَه. فأما الخبر، فإنما حدَّث به جرير عن

стр. 413

مغيرة قوله، كما في «الميزان» (١) عن عثمان بن أبي شيبة، وليس [١/ ٢١٨] بموضوع ولا ضعيف، سواء أتوبع عليه جرير أم لم يتابع، فإنه لا يُنكَر لمثل جريرٍ أن يتفرّد بحديث مرفوع، فضلًا عن شيء من قول مغيرة بن مقسم. وأما قول الأستاذ: «والكلام فيه طويل الذيل»، فلم يبق إلا كلام الموثِّقين! قال الإمام أحمد: «جريرٌ أقلُّ سقطًا من شريك، وشريك كان يخطئ». وقال ابن معين نحوه. وقال العجلي والنسائي: «ثقة». وقال ابن أبي حاتم (٢): «سألت أبي عن أبي الأحوص وجرير في حديث حصين، فقال: كان جرير أَكْيَس الرجلين، وجرير أحبُّ إليّ. قلت: يُحتج بحديثه؟ قال: نعم، جرير ثقة، وهو أحبُّ إليَّ في هشام بن عروة من يونس بن بُكير». وقال ابن عمار: «حجة، كانت كتبُه صحاحًا». وقال أبو أحمد الحاكم: «هو عندهم ثقة». وقال الخليلي: «ثقة متفق عليه». وقال اللالكائي: «مجمع على ثقته». وقال قتيبة: «ثنا جرير الحافظ المقدَّم، لكني سمعته يشتم معاوية علانيةً». أقول: لم يبيِّن ما هو الشتم؟ ولم يضرَّه ذلك في روايته، بل أجمعوا على توثيقه كما رأيت، واحتجَّ به صاحبا «الصحيحين» وبقية الستة والناس. قول الأستاذ: «وليس هو ممن يساق خبره في صدد سرد المحفوظ عند النقلة إلا في مذهب الخطيب».

стр. 414

أقول: ومذهب أهل العلم كافة، كما رأيت! ٦٤ - جعفر بن محمد بن شاكر: راجع «الطليعة» (ص ١٠٩) (١). قال الأستاذ في «الترحيب»: «لا أريد التكلم عن ابن المنادي، وحاله معروف». أقول: نعم بالثقة والأمانة، ومعه إمام عصره أبو بكر الخطيب. ٦٥ - جعفر بن محمد الصندلي: راجع «الطليعة» (ص ٩١ - ٩٣) (٢) ذكر الأستاذ في «الترحيب» أن الخطيب لا يُحْتجّ به فيما هو متهم فيه. أقول: الخطيب ثقة مأمون إمام، قد تقدمت ترجمته (٣). وذكر ابن السمعاني أنه من نُظراء يحيى بن معين وعلي ابن المديني وأبي خيثمة وطبقتهم، كما تراه في ترجمته من «معجم الأدباء» (٤) لياقوت. والكلام في التهمة قد تقدم في القواعد (٥)، ومع الخطيب جماعة، كما في «الطليعة». ٦٦ - [١/ ٢١٩] جعفر بن محمد الفِرْيابي: في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٤١٨ [٤٤٨]) من طريق العقيلي: «ثنا

стр. 415

سليمان بن داود العقيلي قال: سمعت أحمد بن الحسن الترمذي يقول: (قال الخطيب: ح) وأخبرنا عبيد الله بن عمر الواعظ، [حدثنا أبي] (١) حدثنا عثمان بن جعفر بن محمد السبيعي, حدثنا الفريابي جعفر بن محمد، حدثني أحمد بن الحسن الترمذي قال: سمعت أحمد ابن حنبل ... ». قال الأستاذ (ص ١٦٣): «جعفر بن محمد الفريابي كان يجتمع عليه في مجلس تحديثه ثلاثون ألف رجل، بينهم نحو عشرة آلاف أصحاب محابر، فإذا روى مثلُه شيئًا يسير به الركبان. وهو الذي أذَّن على أُذُن مجنون على ملأ الأشهاد، فنادى الجنيُّ هاربًا بحيث يسمع الجماعة: «مَنْ بِشَوَمْ محمَّد مَكُو» على لسان المجنون. بمعنى: أنا أنصرف ولا تقل محمد، كما في «تاريخ الخطيب». ومثل هذا الراوي لا نستطيع أن نقول فيه شيئًا، والله من ورائهم محيط». أقول: هذا الرجل من كبار الحفاظ والأثبات. فأما قصة التأذين في أذن المصاب، فقد كان النبي ﵌ يرقي ويأمر بالرقية، وكثيرًا ما تظهر فائدة ذلك حالًا. ومن المعروف بين الناس سلفًا وخلفًا أن المصاب يتكلم بكلام كأنه كلام شخص آخر، فيقول الناس: إن ذاك كلام الجني على لسان المصاب. هذا، وذاك الكلام إنما سُمِع من المصاب، والقائلُ إنه كلام الجني هو راوي القصة، ولم يقع من الفريابي إلا التأذين في أذن المصاب اتِّباعًا لما ورد في الأثر، فأيُّ شيء في ذلك؟ !

стр. 416

٦٧ - حاجب بن أحمد الطوسي: في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٤٠١ [٤٢٣]): «أنبأنا القاضي [أبو بكر] أحمد بن الحسن الحَرَشي، أخبرنا أبو محمد حاجب بن أحمد الطوسي، حدثنا عبد الرحيم بن منيب قال: قال عفان ... ». قال الأستاذ (ص ١١٧): «قال الحاكم: لم يسمع حديثًا قط، لكنه كان له عمٌّ قد سمع، فجاء البَلاذُري إليه، فقال: هل كنت تحضر مع عمِّك في المجلس؟ قال: بلى، فانتخب له من كتب عمِّه. ويقال: إنه كان ابن مائة وثماني سنين كما ذكره الذهبي، ولفظ عبد الرحيم لفظ انقطاع». أقول: تتمة الترجمة في «الميزان» (١) بعد قوله «من كتب عمه»: «تلك الأجزاء الخمسة، قال الحاكم في «تاريخه»: بلغني أن شيخنا أبا محمد البلاذري كان يشهد له بلُقِيِّ هؤلاء، وكان [١/ ٢٢٠] يزعم أنه ابن مائة وثماني سنين، سمعتُ منه ولم يصل إلي ما سمعتُ منه ... ». فظهر بهذا أن قوله أولًا: «لم يسمع حديثًا قط». إنما أراد به أنه لم يتصدَّ للسماع بنفسه، وإنما كان عمُّه يُحضِره معه مجالسَ السماع. والبلاذري حافظ أثنى عليه الحاكم، انظر ترجمته في «تذكرة الحفاظ» (ج ٣ ص ١٠١) (٢). ولم يغمزوا حاجبًا في عدالته، ولا أنكروا عليه شيئًا من مروياته. ويؤخذ مما تقدم أنه إنما كان يروي تلك الأجزاء التي انتخبها له البلاذري من أصول عمِّه لم يتعدَّها. وأحاديثه في «سنن البيهقي» أحاديث معروفة تدلّ

стр. 417

على صدقه وأمانته. وقد روى عنه ابنُ منده، والقاضي أحمد بن الحسن الحَرَشي راوي هذه الحكاية، وهما من الثقات الأثبات. وعبد الرحيم ثقة غير مدلس. فقوله: «قال عفان» حكمه الاتصال، كما سلف في القواعد (١). ٦٨ - الحارث بن عُمير البصري نزيل مكة: في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٧٠ [٣٧٢]) من طريق: «الحميدي، حدثنا حمزة بن الحارث بن عمير، عن أبيه قال: سمعت رجلًا يسأل أبا حنيفة في المسجد الحرام ... ». قال الأستاذ (ص ٣٦): «مختلَف فيه، والجرح مقدَّم. قال الذهبي في «الميزان»: وما أراه إلا بيِّن الضعف، فإن ابن حبان قال في «الضعفاء»: روى عن الأثبات الموضوعات. وقال الحاكم: روى عن حميد وجعفر الصادق أحاديث موضوعة. وفي «تهذيب التهذيب»: قال الأزدي: منكر الحديث. ونقل ابن الجوزي عن ابن خزيمة أنه قال: الحارث بن عمير كذاب». أقول: الحارث بن عمير وثَّقه أهل عصره والكبار. قال أبو حاتم عن سليمان بن حرب: «كان حماد بن زيد يقدِّم الحارث بن عُمير ويُثني عليه». زاد غيره: «ونظر إليه مرة فقال: هذا من ثقات أصحاب أيوب». وروى عنه عبد الرحمن بن مهدي، وقد قال الأثرم (٢) عن أحمد: «إذا حدَّث عبد الرحمن عن رجل فهو حجة». وقال ابن معين والعجلي وأبو حاتم وأبو زرعة والنسائي والدارقطني: «ثقة». زاد أبو زرعة: «رجل صالح».

стр. 418

وفي «اللآلئ المصنوعة» (ص ١١٨ - ١١٩) (١) عن الحافظ ابن حجر في ذكر الحارث: «استشهد به البخاري في «صحيحه»، وروى عنه من الأئمة عبد الرحمن بن مهدي وسفيان بن عيينة، واحتج به أصحاب السنن». وفيها بعد ذلك: «قال الحافظ ابن حجر في أماليه ... أثنى عليه حماد بن زيد ... وأخرج له البخاري تعليقًا ... ». [١/ ٢٢١] ولم يتكلم فيه أحد من المتقدمين، والعدالة تثبت بأقلَّ من هذا، ومن ثبتت عدالته لم يُقبل فيه الجرح إلا بحجة وبينة واضحة، كما سلف في القواعد. فلننظر في المتكلمين فيه وكلامهم: أما الأزدي، فقد تكلَّموا فيه حتى اتهموه بالوضع. راجع ترجمته في «لسان الميزان» (ج ٥ رقم ٤٦٤) (٢) مع الرقم الذي يليه من «قال الخطيب» إلى آخر الترجمة فإنه كله متعلِّق بالأزدي. وقال ابن حجر في ترجمة أحمد بن شبيب في الفصل التاسع من «مقدمة الفتح» (٣): «لا عبرة بقول الأزدي؛ لأنه هو ضعيف، فكيف يُعتمد في تضعيف الثقات! ». وذكر نحو ذلك في ترجمة خُثَيم بن عِراك وغيرها (٤). وقال في ترجمة علي بن أبي هاشم: «قدَّمتُ غيرَ مرة أن الأزدي لا يُعتبر تجريحه لضعفه هو» (٥). على أن

стр. 419

الأزدي استند إلى ما استند إليه ابن حبان، وسيأتي ما فيه. وأما ابن خزيمة فلا تثبت تلك الكلمة عنه بحكاية ابن الجوزي المعضلة (١)، ولا نعلمُ ابنَ الجوزيّ التزمَ الصحةَ فيما يحكيه بغير سند. ولو التزم لكان في صحة الاعتماد على نقله نظر، لأنه كثير الأوهام. وقد أثنى عليه الذهبي في «تذكرة الحفاظ» (٢) كثيرًا، ثم حكى عن بعض أهل العلم أنه قال في ابن الجوزي: «كان كثير الغلط فيما يصنفه، فإنه كان يفرغ من الكتاب ولا يعتبره». قال الذهبي: «نعم، له وهم كثير في تواليفه، يدخل عليه الداخل من العجلة والتحويل إلى مصنف آخر، ومن أنَّ جُلَّ علمِه (٣) من كتُبٍ صُحُفٍ ما مارس فيها أربابَ العلم كما ينبغي». وذكر ابن حجر في «لسان الميزان» (ج ٣ ص ٨٤) (٤) حكاية عن ابن الجوزي، ثم قال: «دلت هذه القصة على أن ابن الجوزي حاطب ليل لا ينقُد ما يحدِّث به». وقد وقفتُ أنا على جملة من أوهامه: منها: أنه حكى عن أبي زرعة وأبي حاتم أنهما قالا في داود بن

стр. 420

عمرو بن زهير: «منكر الحديث» (١). وإنما قالا ذلك في داود بن عطاء المدني، راجع التعليق على «تاريخ البخاري» (ج ٢ قسم ١ ص ٢١٥). ومنها: أنه حكى (٢) في إسحاق بن ناصح عن الإمام أحمد كلامًا إنما قاله أحمد في إسحاق بن نَجِيح. راجع «لسان الميزان» (ج ١ ص ٣٧٦) (٣). ومنها: أنه قال في الربيع بن عبد الله بن خطَّاف: «كان يحيى بن سعيد يثني عليه، وقال ابن مهدي لا تَرْوِ عنه شيئًا» (٤). وهذا مقلوب كما في ترجمة الربيع من «التهذيب» (٥). ومنها: أنه حكى (٦) في سوَّار بن عبد الله بن سوَّار أن الثوري قال فيه: «ليس بشيء»، مع أن سوارًا هذا إنما [١/ ٢٢٢] وُلِد بعد موت الثوري. وإنما قال الثوري تلك الكلمة في جدِّه سوَّار بن عبد الله، كما في «التهذيب» (٧). ومنها: أنه حكى (٨) في صخر بن عبد الله بن حرملة الحجازي أن ابن عديّ وابن حبان اتهماه بالوضع، وإنما اتهما صخر بن محمد ــ ويقال ابن

стр. 421

عبد الله ــ الحاجبي المروزي. راجع «التهذيب» و «اللسان» (١). ومنها: أنه حكى (٢) في جعفر بن حيَّان أبي الأشهب البصري كلامًا عن الأئمة إنما قالوه في جعفر بن الحارث أبي الأشهب الواسطي. راجع «التهذيب» (٣). ومنها: أنه ذكر معاوية بن هشام (٤)، فقال: وقيل: هو معاوية بن أبي العباس، روَى ما ليس من سماعه، فتركوه. كذا قال! ومعاوية بن هشام من الثقات، لم يرو ما ليس من سماعه، ولم يتركه أحد. وإنما روى مروان بن معاوية الفزاري عن معاوية بن أبي العباس أحاديث عن شيوخ الثوري، وهي معروفة من حديث الثوري؛ فقال ابن نمير ــ وأخذه عنه أبو زرعة وغيره ــ: إن معاوية بن أبي العباس رجل متروك، كان جارًا للثوري، فلما مات الثوري أخذ معاوية كتبه، فرواها عن شيوخه، فسمعوا منه. ثم فطنوا لصنيعه، فافتضح، وتركوه؛ وبقي مروان يروي عنه. ورأى بعض الحفاظ أن معاوية بن هشام روى تلك الأحاديث عن الثوري، فسمعها منه مروان، ثم دلَّس مروان اسمه، وأسقط الثوريَّ من السند، فدلَّس مروانُ [تدليس] تسوية بعد تدليسه الاسم. وهذا القول على وهنه ــ كما بيَّنتُه في تعليقي على «الموضح» (٥) ــ لا يفيد أن معاوية بن هشام

стр. 422

روى ما لم يسمع، ولا أنهم تركوه؛ ولكن ابن الجوزي جمع بين القولين. فإن القائل: إن ابن أبي العباس روى ما لم يسمع وتركوه، بنَى على أنه غيرُ معاوية بن هشام. والقائل: إنه هو، لم يقل إنه روَى ما لم يسمع ولا أنهم تركوه. ومنها: أنه ذكر في «موضوعاته» (١) حديثًا رواه الطبراني قال: «حدثنا أحمد، حدثنا إسحاق بن وهب العلَّاف، حدثنا بِشر بن عبيد الدّارسي (٢) ... ». ثم قال ابن الجوزي: «إسحاق كذاب ... ». قال السيوطي في «اللآلئ» (١/ ٢٠٦) (٣): «إنما الكذاب إسحاق بن وهب الطُّهُرْمُسي، فالتبس على المؤلف ... » يعني ابن الجوزي. وصدق السيوطي، العلاف موثَّق، وهو من شيوخ البخاري في «صحيحه»، والطهرمسي كذَّبوه. إلى غير ذلك من أوهامه. وأما الحاكم، فأحسبه تَبِع ابنَ حبان؛ فإن ابن حبان ذكر الحارث في «الضعفاء» (٤)، وذكر ما أنكره من حديثه. والذي يُستنكر من حديث الحارث حديثان: الأول: رواه [١/ ٢٢٣] محمد بن زنبور المكي، عن الحارث، عن حميد. والثاني: رواه ابن زنبور أيضًا عن الحارث، عن جعفر بن محمد.

стр. 423

فاستنكرها ابن حبان، وكان عنده أن ابن زنبور ثقة، فجعل الحَمْل على الحارث. وخالفه آخرون، فجعلوا الحمل على ابن زنبور. قال مسلمة في ابن زنبور: «تُكُلِّم فيه، لأنه روى عن الحارث بن عمير مناكير لا أصول لها، وهو ثقة». وقال الحاكم أبو أحمد في ابن زنبور: «ليس بالمتين عندهم، تركه محمد بن إسحاق بن خزيمة». وهذا مما يدل على وهم ابن الجوزي. وساق الخطيب في «الموضِّح» (١) فصلًا في ابن زنبور، فذكر أن الرواة عنه غيَّروا اسمه على سبعة أوجه. وهذا يُشعِر بأن الناس كانوا يستضعفونه، لذلك كان الرواة عنه يدلِّسونه. وقال ابن حجر في ترجمة الحارث من «التهذيب» (٢): «قال ابن حِبَّان: كان ممن يروي عن الأثبات الأشياء الموضوعات، وساق له عن جعفر بن محمد ... » فذكر الحديث الثاني وقولَ ابن حبان: «هذا موضوع لا أصل له». ثم ساقه ابن حجر بسنده إلى محمد بن أبي الأزهر عن الحارث. وكذلك ذكره السيوطي في «اللآلئ المصنوعة» (ج ١ ص ١١٨) (٣). وابن أبي الأزهر هو ابن زنبور. وأسند الخطيب في «الموضِّح» هذا الحديث في ترجمة ابن زنبور. ثم قال ابن حجر: «والذي يظهر لي أن العلة فيه ممن دون الحارث». يعني من ابن زنبور. وخالفهم جميعًا النسائي، فوثَّق الحارث، ووثَّق ابن زنبور أيضًا، وقال مرة: «ليس به بأس».

стр. 424

قال المعلمي: لو كان لا بدّ من جرح أحد الرجلين لكان ابن زنبور أحق بالجرح، لأن عدالة الحارث أثبت جدًّا وأقدَم؛ لكن التحقيق ما اقتضاه صنيع النسائي من توثيق الرجلين. ويُحمَل الإنكارُ في بعض حديث ابن زنبور عن الحارث على خطأ ابن زنبور، وقد قال فيه ابن حبان نفسه في «الثقات» (١): «ربما أخطأ». والظاهر أنه كان صغيرًا عند سماعه من الحارث، كما يُعلَم من تأمُّل ترجمتهما. وقد تقدم في ترجمة جرير بن عبد الحميد أنه اختلط عليه حديثُ أشعث بحديث عاصم الأحول، فكأنه اختلط على ابن زنبور بما سمعه من الحارث أحاديثُ سمعها من بعض الضعفاء، ولم ينتبه لذلك كما تنبه جرير. فكأنَّ ابن زنبور في أوائل طلبه كَتَب أحاديثَ عن الحارث، ثم سمع من رجل آخر أحاديثَ كتبها في تلك الورقة، ولم يسمِّ الشيخَ، ثقةً بأنه لن يلتبس عليه، ثم غَفَل عن ذاك الكتاب مدةً، ثم نظر فيه، فظنَّ أن تلك الأحاديث كلَّها مما سمعه [١/ ٢٢٤] من الحارث. وقد وثَّق الأئمةُ جماعةً من الرواة، ومع ذلك ضعَّفوهم فيما يروونه عن شيوخ معيَّنين. منهم: عبد الكريم الجزري فيما يرويه عن عطاء. ومنهم: عثمان بن غياث وعمرو بن أبي عمرو وداود بن الحصين فيما يروونه عن عكرمة. ومنهم: عمرو بن أبي سلمة فيما يرويه عن زهير بن محمد. ومنهم: هشيم فيما يرويه عن الزهري. ومنهم: ورقاء فيما يرويه عن منصور بن

стр. 425

المعتمر. ومنهم: الوليد بن مسلم فيما يرويه عن مالك (١). فهكذا ينبغي مع توثيق ابن زنبور تضعيفُه فيما يرويه عن الحارث بن عمير. فإن قيل: فأين أنت عما في «الميزان» (٢): «ابن حبان، ثنا الحسن بن سفيان، ثنا محمود بن غيلان، أنبأنا أبو أسامة، ثنا الحارث بن عمير، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس: قال العباس: لأعلَمَنَّ ما بقاءُ رسول الله ﵌ فينا؟ فأتاه، فقال: يا رسول الله لو اتخذنا لك مكانًا تكلِّم الناسَ منه. قال: «بل أصْبِر عليهم، ينازعوني ردائي، ويطؤون عقبي، ويصيبني غبارُهم، حتى يكون الله هو يُريحني منهم». رواه حماد بن زيد عن أيوب فأرسله، أو أن ابن عباس قاله ــ شك ــ». فهذا الحديث لا شأن لابن زنبور فيه، وليس في سنده من يتجه الحملُ عليه غير الحارث. قلتُ: ليس في هذا الحديث ما يُنكَر، وقد رواه حماد بن زيد غير أنه شك في إسناده، وقد قال يعقوب بن شيبة: «حمَّاد بن زيد أثبتُ من ابن سلمة، وكلٌّ ثقة، غير أن ابن زيد معروف بأنه يقصر في الأسانيد ويوقف المرفوع، كثيرُ الشكِّ بتوقِّيه، وكان جليلًا. لم يكن له كتاب يرجع إليه، فكان أحيانًا يذكر فيرفع الحديث، وأحيانًا يهاب الحديث ولا يرفعه». فأيُّ مانع من أن يكون هذا مما قصَّر فيه حماد، وحفظه الحارث؟ وقد كان حماد نفسه يثني على الحارث ويقدِّمه، كما مرَّ. فإن شدَّد مشدِّد، فغاية الأمر أن يكون الخطأ في وصله.
следующие страницы →