عبد الله ــ الحاجبي المروزي. راجع «التهذيب» و «اللسان» (١).
ومنها: أنه حكى (٢) في جعفر بن حيَّان أبي الأشهب البصري كلامًا عن الأئمة إنما قالوه في جعفر بن الحارث أبي الأشهب الواسطي. راجع «التهذيب» (٣).
ومنها: أنه ذكر معاوية بن هشام (٤)، فقال: وقيل: هو معاوية بن أبي العباس، روَى ما ليس من سماعه، فتركوه. كذا قال! ومعاوية بن هشام من الثقات، لم يرو ما ليس من سماعه، ولم يتركه أحد. وإنما روى مروان بن معاوية الفزاري عن معاوية بن أبي العباس أحاديث عن شيوخ الثوري، وهي معروفة من حديث الثوري؛ فقال ابن نمير ــ وأخذه عنه أبو زرعة وغيره ــ: إن معاوية بن أبي العباس رجل متروك، كان جارًا للثوري، فلما مات الثوري أخذ معاوية كتبه، فرواها عن شيوخه، فسمعوا منه. ثم فطنوا لصنيعه، فافتضح، وتركوه؛ وبقي مروان يروي عنه.
ورأى بعض الحفاظ أن معاوية بن هشام روى تلك الأحاديث عن الثوري، فسمعها منه مروان، ثم دلَّس مروان اسمه، وأسقط الثوريَّ من السند، فدلَّس مروانُ [تدليس] تسوية بعد تدليسه الاسم. وهذا القول على وهنه ــ كما بيَّنتُه في تعليقي على «الموضح» (٥) ــ لا يفيد أن معاوية بن هشام
стр. 422
روى ما لم يسمع، ولا أنهم تركوه؛ ولكن ابن الجوزي جمع بين القولين. فإن القائل: إن ابن أبي العباس روى ما لم يسمع وتركوه، بنَى على أنه غيرُ معاوية بن هشام. والقائل: إنه هو، لم يقل إنه روَى ما لم يسمع ولا أنهم تركوه.
ومنها: أنه ذكر في «موضوعاته» (١) حديثًا رواه الطبراني قال: «حدثنا أحمد، حدثنا إسحاق بن وهب العلَّاف، حدثنا بِشر بن عبيد الدّارسي (٢) ... ». ثم قال ابن الجوزي: «إسحاق كذاب ... ». قال السيوطي في «اللآلئ» (١/ ٢٠٦) (٣): «إنما الكذاب إسحاق بن وهب الطُّهُرْمُسي، فالتبس على المؤلف ... » يعني ابن الجوزي. وصدق السيوطي، العلاف موثَّق، وهو من شيوخ البخاري في «صحيحه»، والطهرمسي كذَّبوه. إلى غير ذلك من أوهامه.
وأما الحاكم، فأحسبه تَبِع ابنَ حبان؛ فإن ابن حبان ذكر الحارث في «الضعفاء» (٤)، وذكر ما أنكره من حديثه. والذي يُستنكر من حديث الحارث حديثان:
الأول: رواه [١/ ٢٢٣] محمد بن زنبور المكي، عن الحارث، عن حميد.
والثاني: رواه ابن زنبور أيضًا عن الحارث، عن جعفر بن محمد.
стр. 423
فاستنكرها ابن حبان، وكان عنده أن ابن زنبور ثقة، فجعل الحَمْل على الحارث. وخالفه آخرون، فجعلوا الحمل على ابن زنبور. قال مسلمة في ابن زنبور: «تُكُلِّم فيه، لأنه روى عن الحارث بن عمير مناكير لا أصول لها، وهو ثقة». وقال الحاكم أبو أحمد في ابن زنبور: «ليس بالمتين عندهم، تركه محمد بن إسحاق بن خزيمة». وهذا مما يدل على وهم ابن الجوزي.
وساق الخطيب في «الموضِّح» (١) فصلًا في ابن زنبور، فذكر أن الرواة عنه غيَّروا اسمه على سبعة أوجه. وهذا يُشعِر بأن الناس كانوا يستضعفونه، لذلك كان الرواة عنه يدلِّسونه. وقال ابن حجر في ترجمة الحارث من «التهذيب» (٢): «قال ابن حِبَّان: كان ممن يروي عن الأثبات الأشياء الموضوعات، وساق له عن جعفر بن محمد ... » فذكر الحديث الثاني وقولَ ابن حبان: «هذا موضوع لا أصل له». ثم ساقه ابن حجر بسنده إلى محمد بن أبي الأزهر عن الحارث. وكذلك ذكره السيوطي في «اللآلئ المصنوعة» (ج ١ ص ١١٨) (٣). وابن أبي الأزهر هو ابن زنبور. وأسند الخطيب في «الموضِّح» هذا الحديث في ترجمة ابن زنبور. ثم قال ابن حجر: «والذي يظهر لي أن العلة فيه ممن دون الحارث». يعني من ابن زنبور. وخالفهم جميعًا النسائي، فوثَّق الحارث، ووثَّق ابن زنبور أيضًا، وقال مرة: «ليس به بأس».
стр. 424
قال المعلمي: لو كان لا بدّ من جرح أحد الرجلين لكان ابن زنبور أحق بالجرح، لأن عدالة الحارث أثبت جدًّا وأقدَم؛ لكن التحقيق ما اقتضاه صنيع النسائي من توثيق الرجلين. ويُحمَل الإنكارُ في بعض حديث ابن زنبور عن الحارث على خطأ ابن زنبور، وقد قال فيه ابن حبان نفسه في «الثقات» (١): «ربما أخطأ». والظاهر أنه كان صغيرًا عند سماعه من الحارث، كما يُعلَم من تأمُّل ترجمتهما.
وقد تقدم في ترجمة جرير بن عبد الحميد أنه اختلط عليه حديثُ أشعث بحديث عاصم الأحول، فكأنه اختلط على ابن زنبور بما سمعه من الحارث أحاديثُ سمعها من بعض الضعفاء، ولم ينتبه لذلك كما تنبه جرير. فكأنَّ ابن زنبور في أوائل طلبه كَتَب أحاديثَ عن الحارث، ثم سمع من رجل آخر أحاديثَ كتبها في تلك الورقة، ولم يسمِّ الشيخَ، ثقةً بأنه لن يلتبس عليه، ثم غَفَل عن ذاك الكتاب مدةً، ثم نظر فيه، فظنَّ أن تلك الأحاديث كلَّها مما سمعه [١/ ٢٢٤] من الحارث.
وقد وثَّق الأئمةُ جماعةً من الرواة، ومع ذلك ضعَّفوهم فيما يروونه عن شيوخ معيَّنين. منهم: عبد الكريم الجزري فيما يرويه عن عطاء. ومنهم: عثمان بن غياث وعمرو بن أبي عمرو وداود بن الحصين فيما يروونه عن عكرمة. ومنهم: عمرو بن أبي سلمة فيما يرويه عن زهير بن محمد. ومنهم: هشيم فيما يرويه عن الزهري. ومنهم: ورقاء فيما يرويه عن منصور بن
стр. 425
المعتمر. ومنهم: الوليد بن مسلم فيما يرويه عن مالك (١). فهكذا ينبغي مع توثيق ابن زنبور تضعيفُه فيما يرويه عن الحارث بن عمير.
فإن قيل: فأين أنت عما في «الميزان» (٢): «ابن حبان، ثنا الحسن بن سفيان، ثنا محمود بن غيلان، أنبأنا أبو أسامة، ثنا الحارث بن عمير، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس: قال العباس: لأعلَمَنَّ ما بقاءُ رسول الله ﵌ فينا؟ فأتاه، فقال: يا رسول الله لو اتخذنا لك مكانًا تكلِّم الناسَ منه. قال: «بل أصْبِر عليهم، ينازعوني ردائي، ويطؤون عقبي، ويصيبني غبارُهم، حتى يكون الله هو يُريحني منهم». رواه حماد بن زيد عن أيوب فأرسله، أو أن ابن عباس قاله ــ شك ــ». فهذا الحديث لا شأن لابن زنبور فيه، وليس في سنده من يتجه الحملُ عليه غير الحارث.
قلتُ: ليس في هذا الحديث ما يُنكَر، وقد رواه حماد بن زيد غير أنه شك في إسناده، وقد قال يعقوب بن شيبة: «حمَّاد بن زيد أثبتُ من ابن سلمة، وكلٌّ ثقة، غير أن ابن زيد معروف بأنه يقصر في الأسانيد ويوقف المرفوع، كثيرُ الشكِّ بتوقِّيه، وكان جليلًا. لم يكن له كتاب يرجع إليه، فكان أحيانًا يذكر فيرفع الحديث، وأحيانًا يهاب الحديث ولا يرفعه». فأيُّ مانع من أن يكون هذا مما قصَّر فيه حماد، وحفظه الحارث؟ وقد كان حماد نفسه يثني على الحارث ويقدِّمه، كما مرَّ. فإن شدَّد مشدِّد، فغاية الأمر أن يكون الخطأ في وصله.
стр. 426
وهل الخطأ من الحارث، أو ممن بعده؟ وعلى فرض أنه من الحارث، فليس ذلك مما يُوجب الجرح؛ ومثل هذا الخطأ وأظهرُ منه قد يقع للأكابر كمالك والثوري. والحُكْم المُجْمَع عليه في ذلك: أن من وقع منه ذلك قليلًا لم يضرَّه، بل يحتج به مطلقًا، إلا فيما قامت الحجة على أنه أخطأ فيه. فالحارث بن عمير ثقة حتمًا. والحمد لله ربِّ العالمين.
٦٩ - [١/ ٢٢٥] حبيب بن أبي حبيب كاتب مالك:
في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٩٦ [٤١٦]) من طريق: «الأ بَّار، حدثنا أبو الأزهر (١) النيسابوري، حدثنا حبيب كاتب مالك بن أنس، عن مالك ... ».
قال الأستاذ (ص ١٠٦): «يقول عنه أبو داود: من أكذب الناس. وقال ابن عدي: أحاديثه كلها موضوعة. وقال أحمد: ليس بثقة. وقال ابن حبان: يروي عن الثقات الموضوعات».
أقول: اتفقوا على جرحه، فلا معنى للرواية عنه، ولو في المتابعات.
٧٠ - الحجاج بن أرطاة:
في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٤١٥ [٤٤٥]) من طريق: «حماد بن زيد يقول: سمعت الحجاج بن أرطاة يقول: ومَن أبو حنيفة؟! .. ».
قال الأستاذ (ص ١٥٥): «من فقهاء الكوفة ومحدثيها، ويتكلم النقاد في حديثه».
стр. 427
أقول: ليس له هنا رواية، وإنما هو شيء من قوله. وحاصل كلامهم في حديثه: أنه صدوق مدلِّس يروي بالمعنى. وقد لخَّص ذلك محمد بن نصر المروزي قال: «والغالب على حديثه الإرسال والتدليس وتغيير الألفاظ». فإذا صرَّح بالسماع فقد أمِنَّا تدليسه، وهو فقيه عارف لا يُخشى من روايته بالمعنى تغييرُ المعنى، لكن إذا خالفه في اللفظ ثقةٌ يتحرَّى الروايةَ باللفظ، وكان بين اللفظين اختلافٌ ما في المعنى= قُدِّم فيما اختلفا فيه لفظُ الثقة الآخر. فأما محلُّ الحَجَّاج في علمه، فقال ابن عيينة: «سمعت ابن أبي نَجيح يقول: ما جاءنا منكم (يعني أهل الكوفة) مثلُه ــ يعني الحجاج بن أرطاة». وقال سفيان الثوري: «عليكم به، فإنه ما بقي أحد أعرفُ بما يخرج من رأسه منه». وقال حماد بن زيد: «قدِمَ علينا جرير بن حازم من المدينة، فكان يقول: حدثنا قيس بن سعد عن الحجاج بن أرطاة. فلبثنا ما شاء الله، ثم قدِمَ علينا الحجاجُ ابن ثلاثين أو إحدى وثلاثين، فرأيت عليه من الزحام ما لم أر على حماد بن أبي سليمان. رأيت عنده داود بن أبي هند، ويونس بن عبيد، ومطر الورَّاق= جُثاةً على أرجلهم يقولون: يا أبا أرطاة ما تقول في كذا؟».
٧١ - الحجاج بن محمد الأعور:
في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٤٠٥ [٤٣٠]) من طريق «سُنَيد بن داود حدثنا حجاج قال: سألت قيس بن الربيع عن أبي حنيفة قال: أنا [من] (١) أعلم الناس به ... ».
قال الأستاذ (ص ١٢٦): «سُنَيد إنما روى عن الحجاج بعد أن اختلط اختلاطًا
стр. 428
شديدًا، وقد [١/ ٢٢٦] رآه أهل العلم يلقِّن الحجاج فيتلقَّن منه، والملقِّن كالمتلقِّن في السقوط عند أهل الفقه، وقال النسائي (في سنيد): «غير ثقة»».
أقول: أما سُنَيد، فستأتي ترجمته (١). وأما الحجاج، فمدار الكلام فيه على الاختلاط والتلقُّن، وهاهنا مباحث:
الأول: هل اختلط حجاج؟ وإن كان اختلط، فهل حدَّث بعد اختلاطه؟
قال ابن سعد: «كان قد تغيَّر في آخر عمره حين رجع إلى بغداد» (٢). وقال إبراهيم الحربي: «أخبرني صديق لي قال: لما قدِمَ حجَّاج الأعور آخرَ قدمةٍ إلى بغداد خلَّط، فرأيت يحيى بن معين عنده، فرآه يحيى خلّط، فقال لابنه: لا تُدخِلْ عليه أحدًا. قال: فلما كان بالعشيّ دخل الناس، فأعطوه كتابَ شعبة فقال: حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، عن عيسى بن مريم، عن خيثمة! فقال يحيى لابنه: قد قلت لك».
فكلمة ابن سعد ليست بصريحة في الاختلاط، لأن التغيير (٣) أعمّ من الاختلاط. وحكاية إبراهيم الحربي صريحة في الاختلاط، لكن لا ندري من هو صديقه؟ وسكوتُ الحفاظ الأيقاظ كابن معين وأحمد وأبي خيثمة ــ وكلهم بغداديون ــ عن نقل اختلاط حجَّاج، وبيان تاريخه، وبيان من سمع منه فيه؛ مع إطلاقهم توثيقَ حجاج، وتوثيق كثيرين ممن روى عن حجاج=
стр. 429
يدلُّ حتمًا على أحد أمرين: إما أن لا يكون حجاج اختلط، وإنما تغيَّر تغيرًا يسيرًا لا يضر؛ وإما أن لا يكون سمع منه أحد في مدة اختلاطه. والثاني أقرب.
فكأنّ يحيى بن معين ذهب إلى حجاج عقبَ قدومه، فأحسَّ بتغيره، فقال لابنه: لا تُدخِلْ عليه أحدًا. ثم عاد يحيى عشيَّ ذاك اليوم في الوقت الذي جرت العادة بالدخول فيه على القادم للسماع منه، خشيةَ أن لا يعمل ابن حجاج بما أمره به، فوجد الأمر كذلك: أذِنَ لهم الابنُ، فدخلوا، ويحيى معهم، فسكت أولًا، فلما أخذ حجَّاجٌ الكتابَ فخلَّط، قال يحيى للابن: ألم أقل لك؟ فكأنهم قطعوا المجلس، وحجبوا حجَّاجًا حتى مات، فلم يسمع منه أحد في الاختلاط. فلما وثِق يحيى وبقيةُ أهل العلم بذلك لم يروا ضرورة إلى أن يُشِيعوا اختلاط حجاج وبيان تاريخه، بل كانوا يوثِّقونه ويوثِّقون كثيرًا من الذين سمعوا منه مطلقًا؛ لعلمهم أن ما بأيدي الناس من روايته كلَّه كان في حال تمام ضبطه.
وفي ترجمة حجاج من «مقدمة الفتح» (١): «أجمعوا على توثيقه، [١/ ٢٢٧] وذكره أبو العرب الصقلي في «الضعفاء» بسبب أنه تغير في آخر عمره واختلط، لكن ما ضرَّه الاختلاط؛ فإن إبراهيم الحربي حكى أن يحيى بن معين منع ابنه أن يُدخِلَ عليه بعد اختلاطه أحدًا». فأما قوله في «التهذيب» (٢): «وسيأتي في ترجمة سُنيد بن داود عن الخلال ... »، فستعلم
стр. 430
ما فيه قريبًا.
المبحث الثاني: متى سمع سُنيد من الحجَّاج؟
روى الأثرم ــ وهو ثقة ــ عن الإمام أحمد أنه قال: «سُنيد لزم حجَّاجًا قديمًا، قد رأيت حجَّاجًا يملي عليه، وأرجو أن لا يكون حدَّث إلا بالصدق». وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: «رأيت سُنيدًا عند حجاج بن محمد، وهو يسمع منه كتابَ «الجامع» لابن جريج (١): أخبِرتُ عن الزهري. وأخبِرتُ عن صفوان بن سليم. وغير ذلك. قال: فجعل سُنيد يقول لحجاج: يا أبا محمد قل: ابن جريج عن الزهري. وابن جريج عن صفوان بن سليم. قال: فكان يقول له هكذا». قال عبد الله: «ولم يحمده أبي فيما رآه يصنع بحجَّاج، وذمَّه على ذلك. قال أبي: وبعض تلك الأحاديث التي كان يرسلها ابن جريج أحاديث موضوعة، كان ابن جريج لا يبالي ممن أخذها». حكى هذا في «تهذيب التهذيب» ثم قال: «وحكى الخلَّال عن الأثرم نحو ذلك، ثم قال الخلَّال: وروى (؟ ونُرى) أن حجاجًا كان هذا منه في وقت تغيُّره، ويرى (؟ ونُرى) أن أحاديث الناس عن حجاج صحاح إلا ما روى سُنيد».
أقول: هذا حَدْسٌ يردُّه نصُّ الإمام أحمد، كما تقدم. ومبنى هذا الحدس على توهم أن في القصة ما يخدش في تثبيت حجاج، وإنما يكون الأمر كذلك لو كان إذا قيل: «ابن جريج عن فلان» يحمل على سماع ابن جريج من فلان، وليس الأمر كذلك؛ لأن ابن جريج مشهور بالتدليس. فإذا قيل:
стр. 431
«ابن جريج عن الزهري»، ولم يجئ بيان السماع من وجه آخر، فإنه لا يُحْكَم بالاتصال، بل يُبنى على أوهن الاحتمالين، وهو أن بين ابن جريج وبين الزهري واسطة، وذلك لاشتهار ابن جريج بالتدليس.
وعلى هذا، فسيَّانِ قيل: «ابن جريج أخبِرتُ عن الزهري» و «ابن جريج عن الزهري». ولهذا قال الإمام أحمد: أرجو أن لا يكون حدَّث إلا بالصدق. وإنما ذكر في رواية عبد الله كراهيته لذلك، لأنه رآه خلاف الكمال في الأمانة. وفي [١/ ٢٢٨] «الكفاية» (ص ١٨٧) من طريق: «عبد الله بن أحمد قال: كان إذا مرَّ بأبي لحن فاحش غيَّره، وإذا كان لحنًا سهلًا تَرَكه، وقال: كذا قال الشيخ». فأنت ترى أحمد يمتنع من تغيير اللحن، فما ظنُّك بما تقدَّم!
فإن قيل: فما الحامل لسُنيد على التماس ذلك من حجَّاج؟ قلت: طلب الاختصار والتزيين الصوري.
فتدبَّرْ ما تقدم يتبيَّنْ لك أنه ليس في الحكاية ما يُشعر بوهنٍ في تثبُّت حجاج، حتى يقوى الحدس بأنها كانت في وقت تغيُّره، ويتضحْ لك أن ما تقدَّم من الدليل على أن حجَّاجًا لم يُحدِّث في وقت تغيُّرِه هو على إطلاقه.
المبحث الثالث: في التلقين.
التلقين القادح في الملقِّن هو أن يوقع الشيخَ في الكذب ولا يبيِّن، فإن كان إنما فعل ذلك امتحانًا للشيخ وبيَّن ذلك في المجلس لن يضرَّه. وأما الشيخ، فإن قبِلَ التلقين وكثُر ذلك منه فإنه يسقط. دخل حفص بن غياث ويحيى بن سعيد القطان على موسى بن دينار المكي، فوجدا عنده أبا شيخٍ جاريةَ بن هرِم الفُقَيمي، فجعل حفص يقول لموسى امتحانًا: حدَّثتْك عائشةُ
стр. 432
بنت طلحة عن عائشة بكذا، وحدَّثك القاسمُ بن محمد عن عائشة بكذا، وحدَّثك سعيد بن جبير عن ابن عباس بكذا؛ ويذكر أحاديث قد علِمَ أن موسى لم يسمعها ممَّن ذكر، فأجابه موسى بالإثبات. وكان أبو شيخ مغفَّلًا، فكتبها. فلما فرغ حفص مدَّ يده إلى ما كتبه أبو شيخ، فمحاه وبيَّن له الواقع. راجع ترجمة موسى وجارية في «لسان الميزان» (١).
وما وقع من سُنَيد ليس بتلقين الكذب، وإنما غايته أن يكون تلقينًا لتدليس التسوية. وتدليس التسوية: أن يترك الراوي واسطة بعد شيخه، كما يُحكى عن الوليد بن مسلم أنه كان عنده أحاديث سمعها من الأوزاعي عن رجل عن الزهري، وأحاديث سمعها من الأوزاعي عن رجل عن نافع، فكان يقول فيها: حدثني الأوزاعي عن الزهري، وحدثني الأوزاعي عن نافع! وهذا تدليس قبيح، لكنه في قصة سُنَيد وحجَّاج لا محذور فيه، لاشتهار ابن جريج بالتدليس، كما مرّ.
[١/ ٢٢٩] وبذلك يتبيَّن أن حجَّاجًا لم يتلقَّن غفلةً ولا خيانةً، وإنما أجاب سُنيدًا إلى ما التمسه، لعلمه أنه لا محذور فيه. وكره أحمد ذلك لما تقدم.
ومن ثناء الأئمة على الحجاج: قال الإمام أحمد: «ما كان أضبطَه وأشدَّ تعاهُدَه للحروف». وقال المعلَّى الرازي: «قد رأيت أصحاب ابن جريج، ما رأيت فيهم أثبت من حجَّاج». وقال علي ابن المديني والنسائي: «ثقة». وكذا وثَّقه مسلم والعجلي وابن قانع ومسلمة بن قاسم وغيرهم، واحتج به الجماعة.
стр. 433
٧٢ - حرب بن إسماعيل الكِرماني السِّيرجاني:
لم ينقم عليه الأستاذ رواية، ولكنه علم أنه من أصحاب الإمام أحمد، فتناوله من بُعد يُسِرُّ حَسْوًا في ارتغاء (١)!
قال (ص ١١٥) في ابن أبي حاتم: «أفسده حرب بن إسماعيل السِّيرجاني في المعتقد، حتى أصبح ينطوي على العداء لمتكلمي أهل الحق».
وقال السُّها يا شمسُ أنتِ خفيَّةٌ ... وقال الدجى يا صبحُ لونُكَ حائلُ (٢)
وقد أفردتُ المعتقد بقسم. وحرب من ثقات أصحاب أحمد، لم يتكلم فيه أحد. (٣)
٧٣ - الحسن بن أحمد بن إبراهيم بن شاذان أبو علي بن أبي بكر:
في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٩٩ [٤٢٠]): «أخبرنا الحسن بن أبي بكر أخبرنا حامد بن محمد الهروي ... ».
قال الأستاذ (ص ١١٣): «يقول عنه الخطيب: إنه كان يشرب النبيذ».
أقول: قال الخطيب (ج ٧ ص ٢٧٩): «كتبنا عنه، وكان صدوقًا صحيح الكتاب، وكان يفهم الكلام على مذهب الأشعري. وكان مشتهرًا بشرب النبيذ إلى أن تركه بأخرة. كتب عنه جماعة من شيوخنا كأبي بكر البَرْقاني ... سمعت أبا الحسن بن رزقويه يقول: أبو علي بن شاذان من أوثق من برأ الله
стр. 434
في الحديث، وسماعي منه أحبُّ إليَّ من السماع من غيره، أو كما قال». فسماع البرقاني وغيره منه يدل أنه إنما كان على مذهب العراقيين في الترخّص في النبيذ، ومثلُ ذلك لا يُجرَح به اتفاقًا؛ ومع ذلك فقد ترك ذلك بأخرة. وسماعُ الخطيب منه [١/ ٢٣٠] متأخر، وغالب السماع أو جميعه في ذاك العصر من الكتب، وقد قال الخطيب: «كان صدوقًا صحيح الكتاب» (١).
٧٤ - الحسن بن الحسين بن العباس بن دُوما النِّعالي:
في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٧٤ [٣٨٠]): «أخبرنا الحسن بن الحسين بن العباس النعالي، أخبرنا أحمد بن جعفر بن سَلْم، حدثنا أحمد بن علي الأبَّار، حدثنا أبو يحيى محمد بن عبد الله بن يزيد المقرئ، عن أبيه قال: دعاني أبو حنيفة إلى الإرجاء. أخبرنا ابن رزق، أخبرنا جعفر الخُلْدي، حدثنا محمد بن عبد الله بن سليمان الحضرمي قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد ... » بمثله، وزاد فيه: «فأبيت».
قال الأستاذ (ص ٤٦): «النِّعالي هو ابن دُوما المزوِّر، قال عنه الخطيب نفسه: أفسد أمرَه بأن ألْحَق لنفسه السماعَ في أشياء لم يكن عليها سماعُه، فكيف تكون روايةُ مثله في عِداد المحفوظ عند النقلة! هكذا يكون المحفوظ عند الخطيب! وكأن الخطيب استشعر تداعي هذا السند حتى ساق شاهدًا فيه ابن رزق والحضرمي. ولكن نعترف للخطيب ونقول له: قد يصدق الكذوب! ولا مانع من أن
стр. 435
يكون أبو حنيفة داعيًا إلى الإرجاء بالمعنى الذي سبق».
أقول: ابن رزق هو محمد بن أحمد بن رزق ثقة، تأتي ترجمته (١). والحضرمي حافظ جليل تأتي ترجمته (٢). فالسند الثاني لا غبار عليه، وإذا كان المتن محفوظًا بسند صحيح لم يزده سَوقُه مع ذلك بسندٍ فيه مقال إلا تأكيدًا. على أن المقال في ابن دُوما لا يضرُّ هاهنا، فإن كان الخطيب إنما يروي بذاك السند ما يأخذه من مصنَّف الأبَّار، والعمدة في ذلك على أن تكون النسخة موثوقًا بها؛ كما لو روى أحدنا بسندٍ له من طريق البخاري حديثًا ثابتًا في «صحيحه»، فإنه لا يقدح في ذلك أن يكون في السند إلى البخاري مطعون فيه، وقد شرحتُ هذا في «الطليعة» (٣) وغيرها، والأ بَّار هو الحافظ أحمد بن علي بن مسلم تقدمت ترجمته (٤)، والخطيب معروف بشدة التثبُّت، بل قد يبلغ به الأمر إلى التعنُّت= فلم يكن ليروي عن مصنَّف الأبَّار إلا عن نسخة موثوق بها بعد معرفته صحة سماع ابن دُوما.
وفوق ذلك، فالطعن في ابن دوما فيه نظر. ذكره الخطيب [١/ ٢٣١] فقال: «كان كثير السماع إلا أنه أفسد نفسه ... ». العبارة التي حكاها الأستاذ، ثم قال الخطيب: «وذكرت للصُّوري جزءًا من حديث الشافعي حدثنا ابن دُوما، فقال لي: لما دخلت بغداد رأيت هذا الجزء، وفيه سماع ابن دوما الأكبر، وليس فيه سماع أبي علي، ثم سمع أبو علي فيه لنفسه وألحق اسمه
стр. 436
مع اسم أخيه». فمن الجائز أنهم كانوا يحضرونه مع أخيه، ولم يكتبوا إسماعه لصغره، فرأى أنه كان مميِّزًا وأن له حق الرواية بذلك. فإن كان كتب بخطه العادي أنه سمع، فلعله صادق. وإن كان قلَّد خط كاتب السماع الأول إيهامًا أنه كتب سماعه في المجلس، فهذا تدليس قبيح قد يكون استجازه بناءً على ما يقوله الفقهاء في مسألة الظفر ونحوها، بعلّة أنه لا يصل إلى حقه إلا بذلك. وعلى كل حال، فكما أن الخطيب لم يرو عنه من الجزء الذي ذكره من حديث أبي بكر الشافعي، فكذلك لم يرو عنه الخطيب شيئًا إلا مما ثبت عنده صحة سماعه له مع الوثوق بالنسخة.
٧٥ - الحسن بن الربيع أبو علي البَجَلي الكوفي:
في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٤١٤ [٤٤٣]) من طريق: «أبي بكر الأعيَن عن الحسن بن الربيع قال: ضرب ابن المبارك على حديث أبي حنيفة قبل أن يموت بأيام يسيرة».
قال الأستاذ (ص ١٥١): «يقول فيه ابن معين: لو كان يتقي الله لم يكن يحدِّث بالمغازي، ما كان يُحسن يقرؤها. ومع ذلك لفظه لفظ انقطاع».
أقول: لم تصح هذه الكلمة عن ابن معين، راجع «الطليعة» (ص ٧٨) (١). ولذلك لم تُذكر في «التهذيب»، ولا ذُكِر الحسن في «الميزان»، ولا ذكره ابن حجر في «مقدمة الفتح» فيمن فيه كلام من رجال البخاري، ومع ذلك فقد أجاب عنها الخطيب. وفي «التهذيب» (٢): وقال ابن
стр. 437
شاهين في «الثقات» (١): قال عثمان بن أبي شيبة: «الحسن بن الربيع صدوق وليس بحجة». وهذه الحكاية منقطعة لأن ابن شاهين إنما ولد بعد وفاة عثمان بنحو ستين سنة، ولا نعلمه التزم الصحة فيما يحكيه في «ثقاته» عمن لم يدركه، وعثمان على قلة كلامه في الرجال يتعنَّت. وكلمة «ليس بحجة» لا تنافي الثقة، فقد قال عثمان نفسه في أحمد بن عبد الله بن يونس الثقة المأمون: «ثقة وليس بحجة». وراجع «فتح المغيث» (ص ١٥٧) (٢).
والحسن قد وثَّقه الناس (٣). قال أبو حاتم مع تشدُّده: «كان من أوثق أصحاب ابن إدريس». وقال العجلي: «كوفي ثقة [١/ ٢٣٢] صالح متعبّد». وقال ابن خراش: «كوفي ثقة». وروى عنه البخاري ومسلم في «الصحيحين»، وأبو داود في «السنن» وهو لا يروي إلا عن ثقة، كما مرَّ في ترجمة أحمد بن سعد بن أبي مريم (٤). وروى عنه أبو زرعة، ومِن عادته أن لا يروي إلا عن ثقة، كما في «لسان الميزان» (ج ٢ ص ٤١٦) (٥). وأخرج له بقية الستة بواسطة. وقال ابن حبان في «الثقات» (٦): «هو الذي غمَّضَ ابن المبارك ودَفَنه». وليس بمدلس، فقوله: «ضرب ابن المبارك» محكوم له
стр. 438
بالاتصال، كما سلف في القواعد (١). (٢)
٧٦ - الحسن بن الصبَّاح أبو علي البزار الواسطي:
في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٩٦ [٤١٥]) من طريق: «يعقوب بن سفيان، حدثني الحسن بن الصباح، حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنيني ... ».
قال الأستاذ (ص ١٠٥): «ليس بقوي عند النسائي».
أقول: عبارة النسائي: «ليس بالقوي»، وبين العبارتين فرق لا أراه يخفى على الأستاذ ولا على عارف بالعربية. فكلمة: «ليس بقوي» تنفي القوة مطلقًا، وإن لم تُثبِت الضعف مطلقًا. وكلمة: «ليس بالقوي» إنما تنفي الدرجة الكاملة من القوة. والنسائي يراعي هذا الفرق، فقد قال هذه الكلمة في جماعة أقوياء، منهم عبد ربه بن نافع وعبد الرحمن بن سليمان بن الغسيل، فبيَّن ابن حجر في ترجمتيهما من «مقدمة الفتح» (٣) أن المقصود بذلك أنهما ليسا في درجة الأكابر من أقرانهما. وقال في ترجمة الحسن بن الصباح (٤): «وثَّقه أحمد وأبو حاتم. وقال النسائي: صالح، وقال في الكنى: ليس بالقوي. قلت: هذا تليين هيِّن، وقد روى عنه البخاري وأصحاب «السنن» إلا ابن ماجه، ولم يُكثِر عنه البخاري».
стр. 439
٧٧ - الحسن بن علي بن محمد الحُلْواني نزيل مكة:
في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٩٨ [٤١٨]) من طريق: «الأبَّار، حدثنا الحسن بن علي، حدثنا أبو توبة ... ».
قال الأستاذ (ص ١٠٩): «لم يكن أحمد يحمده، كما ذكره الخطيب».
أقول: إنما لم يحمده أحمد لأنه بلغه عنه أنه مع قوله: «القرآن كلام الله غير مخلوق، ما نعرف غير هذا» امتنع من إطلاق الكفر على القائلين بخلق القرآن. فكأنَّ أحمد رأى أن امتناع العالِم في ذاك العصر من إطلاق الكفر عليهم يكون ذريعةً لانتشار تلك البدعة التي جدَّ أهلها، والدولة معهم في نشرِها وحملِ الناس عليها. ولعل الحُلواني لم ينتبه لهذا، وعارَضَ ذلك عنده ما يراه مفسدة أعظم. فأما قول أحمد: «لا أعرفه بطلب الحديث، ولا رأيته يطلبه» فحق وصدق. أحمد في بلد، والحُلْواني في بلد آخر. وقد قال يحيى القطان في عبد الواحد بن زياد: «ما رأيته طلب حديثًا قط»، ولم يعدُّوا هذا تضعيفًا. والحلواني قال فيه يعقوب بن شيبة: «كان ثقة ثبتًا». وقال النسائي: «ثقة». وقال الترمذي: «كان حافظًا». وقال الخليلي: «كان يُشْبِه أحمد في سَمْته (١) وديانته». وقال الخطيب: «كان ثقة حافظًا». وروى عنه البخاري ومسلم في «صحيحهما»، وأبو داود مع أنه لا يروي إلا عن ثقة ومع شدة متابعته لأحمد (٢).
стр. 440
٧٨ - الحسن بن علي بن محمد أبو علي ابن المُذْهِب التميمي:
له ذِكْر في ترجمة الخطيب، وتكلم فيه الأستاذ في موضع آخر. وحاصل الكلام أن الخطيب قال في «التاريخ» (ج ٧ ص ٣٩٠): «كان يروي عن ابن مالك القطيعي «مسند أحمد بن حنبل» بأسره. وكان سماعه صحيحًا إلا لأجزاء منه، فإنه ألحق اسمَه فيها. وكذلك فعل في أجزاء من «فوائد ابن مالك». وكان يروي عن ابن مالك أيضًا كتاب «الزهد» لأحمد بن حنبل، ولم يكن له به أصل عتيق وإنما كانت النسخة بخطه كَتَبها بأخَرَة. وليس بمحلٍّ للحجة. حدثنا ابن المُذْهِب ... ثنا ابن مالك وأبو سعيد الحُرَقي قالا: ثنا أبو شعيب الحرَّاني، ثنا البابْلُتِّي ... وجميع ما كان عند ابن مالك عن أبي شعيب جزء واحد وليس هذا الحديث فيه. حدثني ابن المذهب، حدثنا محمد بن إسماعيل الوراق، وعلي بن عمر الحافظ، وأبو عمر بن مهدي قالوا: حدثنا الحسين بن إسماعيل ... فأنكرته عليه وأعلمتُه أن هذا الحديث لم يكن عند أبي عمر بن مهدي، فأخذ القلم وضرب على اسم ابن مهدي. وكان كثيرًا يَعرض عليَّ أحاديثَ في أسانيدها أسماءُ قوم غير منسوبين، ويسألني [١/ ٢٣٤] عنهم، فأذكر له أنسابهم، فيلحقها في تلك الأحاديث، ويزيدها في أصوله موصولةً بالأسماء. وكنت أنكر عليه هذا الفعل، فلا ينثني عنه».
أقول: أما الأمر الأول ــ وهو إلحاق السماع ــ فأجاب ابن الجوزي في «المنتظم» (ج ٨ ص ١٥٥) بقوله: «هذا لا يوجب القدح، لأنه إذا تبين سماعَه للكتاب جاز أن يكتب سماعه بخطه. والعجب من عوام المحدثين كيف يجيزون قول الرجل: أخبرني فلان، ويمنعون أن يكتب سماعه بخط نفسه أو
стр. 441
إلحاق سماعه فيها بما يتقنه! ».
أقول: جرت عادتهم بكتابة السماع وأسماء السامعين في كلّ مجلس، فمن لم يسمَّع له في بعض المجالس دلَّ ذلك على أنه فاته، فلم يسمعه. فإذا ادعى بعد ذلك أنه سمعه ارتابوا فيه، لأنه خلاف الظاهر. فإذا زاد فألحق اسمه أو تسميعه بخط يحكي به خطَّ كاتب التسميع الأول قالوا: زَوَّر. والظاهر أن هذا لم يقع من ابن المذهب، ولو كان وقع لبالغ الخطيب في التشنيع، وإنما ألحق ما ألحق بخطه الواضح. ولا ريب أن من استيقن أنه سمع جاز له أن يُخبرَ أو يكتبَ أنه سمع، وأن من ثبتت (١) عدالتُه وأمانتُه ثم ادعى سماعًا ولا معارض له، أو يعارضه ما مرَّ ولكن له عذر قريب كأن يقول: فاتني أولًا ذلك المجلس وكان الشيخ يعتني بي فأعاده لي وحدي، ولم يحضر كاتب التسميع= فإنه يُقبل منه. ولعل هذا هو الواقع، فقد دلَّ اعتمادُ الخطيب عليه في كتاب «الزهد» كما يأتي واقتصارُه في الحكم على قوله: «ليس بمحل للحجة» أنه كان عنده صدوقًا.
وذكر ابن نقطة كما في «الميزان» (٢) أن مسنَدَي فضالة بن عبيد وعوف بن مالك وأحاديث من مسند جابر لم تكن في كتاب ابن المذهِب، وهي ثابتة في رواية غيره عن شيخه. قال: «ولو كان يُلحق اسمه ــ كما زعم الخطيب ــ لألحَقَ ما ذكرناه». يعني لو كان يُلحق اسمه فيما لم يسمَع. والخطيب لم يقل ذلك، وإنما أطلق أنه ألحق اسمه؛ لأن ثبوت السماع
стр. 442
بمجرّد الدعوى مع الصدق ليس في درجة ثبوته بالبينة. وقد قال الخطيب في «الكفاية» (ص ١٠٩): «ومذاهب النقاد للرجال غامضة دقيقة، وربما سمع بعضهم في الراوي أدنى مغمز، فتوقف عن الاحتجاج بخبره ... رجاء إن كان الراوي حيًّا أن يحمله ذلك على التحفظ ... وإن كان ميتًا أن يُنزِّله من ينقل عنه منزلته، فلا يُلحقه بطبقة السالمين من [١/ ٢٣٥] ذلك المغمز ... ». وقال شجاع الذهلي: «كان شيخًا عسِرًا في الرواية، وسمع الكثير، ولم يكن ممن يُعتمد عليه في الرواية، كأنه خلط في شيء من سماعه». وقال السِّلَفي: «كان مع عُسْرِه متكلَّمًا فيه ... ». والعَسِرُ في الرواية هو الذي يمتنع من تحديث الناس إلا بعد الجهد، وهذه الصفة تنافي التزيُّد ودعوى سماع ما لم يسمع. إنما يدعي سماعَ ما لم يَسمع من له شهوة شديدة في ازدحام الناس عليه وتكاثُرهم حوله، ومن كان هكذا كان من شأنه أن يتعرض للناس يدعوهم إلى السماع منه ويرغِّبهم في ذلك. فأما من يأبى التحديث بما سمع إلا بعد جهد، فأيُّ داع له إلى التزيُّد؟
وأما الأمر الثاني: وهو قضية كتاب «الزهد»، فقد قال السِّلَفي عقب ما مرَّ عنه: «حدَّث بكتاب الزهد ــ بعد ما عدِمَ أصلَه ــ من غير أصله». فدل هذا على أنه كان لابن المُذْهِب أصل بكتاب «الزهد»، ولكن عدِمَه وبقيت عنده نسخة بخطه، فلعله كان قد عارضها بأصله أو أصل آخر علِمَ مطابقته لأصله. ويقوِّي ذلك أن الخطيب نفسه سمع منه كتاب «الزهد»، وروى منه أشياء.
وأما الأمر الثالث: وهو قول الخطيب: «وليس بمحلٍّ للحجة»؛ فحاصله أنها لا تقوم الحجة بما يتفرد به. وهذا لا يدفع أن يُعتمد عليه في الرواية عنه من مصنَّف معروف: كـ «المسند»، و «الزهد». وسيأتي في ترجمة
стр. 443
عبد العزيز بن الحارث (١) طعنُهم فيه، وتشنيعُهم عليه، وتشهيرُهم به بسبب حديثين نسبهما إلى «المسند»، وهم يرون أنهما ليسا منه. ولم يغمزوا ابن المُذهِب بشيء ما من هذا القبيل، وذلك يدل أوضح دلالة على علمهم بمطابقة نسختيه اللتين كان يروي منهما «المسند» و «الزهد» لسائر النسخ الصحيحة. فالكلام فيه وفي شيخه لا يقتضي أدنى خَدْش في صحة «المسند» و «الزهد»، فليخسأ أعداء السنة!
وأما الخبران اللذان ذكرهما الخطيب، فالذي يظهر لي أن ابن المُذْهِب كان يتعاطى التخريج من أصول بعض الأحاديث، فيكتب الحديث من طريق شيخ من شيوخه، ثم يتصفح أصوله؛ فإذا وجد ذاك الحديث قد سمعه من شيخ آخر بذاك السند كتَبَ اسم ذاك الشيخ مع اسم الشيخ الأول في تخريجه، وهكذا، وهذا الصنيع مظِنَّة للغلط، كأنْ يريد أن يكتب [١/ ٢٣٦] اسم الشيخ على حديث، فيخطئ، فيكتبه على حديث آخر. أو يرى السند متفقًا، فيتوهم أن المتن متفق، وإنما هو متن آخر، وأشباه ذلك. وقد قال ابن معين: «من سمع من حماد بن سلمة الأصناف ففيها اختلاف، ومن سمع منه نسخًا فهو صحيح» (٢). وقال يعقوب بن سفيان في سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي: «كان صحيح الكتاب إلا أنه كان يحوِّل، فإن وقع فيه شيء فمن النقل، وسليمان ثقة» (٣). والمراد بأصناف حماد وتحويل سليمان نحوُ ما ذكرتُ من التخريج. وكأنّ ابن المُذْهِب شعر بهذا من نفسه، ولذلك ضرب
стр. 444
على الاسم.
وأما إلحاقه ما كان يذكر له الخطيبُ من أنساب غير المنسوبين، فتساهلٌ لا يوجب الجرح، ولكنه يدل على أن ابن المُذْهِب لم يكن بمتقن، وأنه كان فيه سلامة وحسن ظنٍّ بالخطيب ومعرفته. ولا نشكُّ أن الخطيب لم يكن يذكر له من الأنساب إلا ما يستيقنه، فالخَطْب ــ إن شاء الله تعالى ــ سهل.
وعلى كل حال، فلم ينصف ابن الجوزي إذ ينقم على الخطيب ما ذكره في ابن المذهب، ويزعم أن هذه الأمور كلها ليس فيها ما يستحقّ الذكر في ترجمة الراوي، وأن الخطيب إنما جرى على عادة عوامِّ المحدِّثين يجرحون بما ليس بجرح، مع ميل من الخطيب على الحنابلة. كذا قال! فهو لا يتهم الخطيب فيما حكاه، وإنما يتهمه في اعتداده بهذه الأمور.
ومن عرف وأنصف علم أن الخطيب لم يخرج عن طريق أئمة النقاد، وأنه مع ذلك لم يعتدَّ بهذه الأمور مُسقطًا للرواية البتة، وإنما قال: «ليس بمحل للحجة». وقد قدمت ما يُبيِّن ذلك ويُهوِّنه. والله المستعان.
٧٩ - الحسن بن الفضل البُوصَرائي:
في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٤١٧ [٤٤٧]): «أخبرنا البَرْقاني، أخبرنا محمد بن الحسن السِّراجي، أخبرنا عبد الرحمن (١) بن أبي حاتم الرازي، حدثني أبي قال: سمعت محمد بن كثير العبدي يقول ... ». فذكر حكاية، ثم
стр. 445
أردف ذلك بقوله: «أخبرنا محمد بن الحسين بن محمد المتُّوثي، أخبرنا إسماعيل بن محمد الصفار، حدثنا الحسن بن الفضل البُوصَرائي قال: حدثنا محمد بن كثير العبدي ... » فذكر نحوه.
قال الأستاذ (ص ١٦١): «قال ابن المنادي: أكثَرَ الناسُ عنه، ثم انكشف أمره، فتركوه، وخرقوا حديثه. قاله الذهبي. ومثله في كتاب الخطيب نفسه، وهكذا المحفوظ عنده».
[١/ ٢٣٧] أقول: قد روى عن البُوصَرائي جماعة من الأكابر كابن صاعد والصفار، وكلام ابن المنادي غير مفسَّر، وقد كانوا ربما يغضبون على المحدِّث، ويخرقون حديثه لغير موجِب كما مرَّ في «الطليعة» (ص ٤٩) (١)، وكما تراه في ترجمة محمد بن بِشر الزَّنْبَري من «لسان الميزان» (٢).
والحكايةُ ثابتة بالسند الأول عن ابن أبي حاتم، وقد أثبتها في كتابه «الجرح والتعديل»، وفي المعنى المقصود منها روايات أخرى كثيرة، وبذلك يثبت أنه هو المحفوظ. فأما رواية البوصرائي فإن لم تؤكِّد ذلك لم توهِّنه، فلا وجه لقول الأستاذ: «وهكذا المحفوظ عنده».
٨٠ - الحسين بن أحمد الهروي الصَّفَّار:
في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٤٢٣ [٤٥٣]): «أخبرنا محمد بن عمير بن بكير المقرئ، أخبرنا الحسين بن أحمد الهروي الصفار ... ».
стр. 446
قال الأستاذ (ص ١٧٠): «قال البَرْقاني: ... عندي عنه رِزْمة، ولا أخرج عنه في «الصحيح» حرفًا واحدًا. سمع من أبي القاسم البغَوي ثلاثة أحاديث أو أربعة أحاديث، ثم حدَّث عنه بشيء كثير. كتبتُ عنه، ثم بان لي أنه ليس بحجة. وقال الحاكم: كذَّاب لا يُشتغل به. فبرئتْ بذلك ذمةُ الثوري من مثل تلك الكلمة الساقطة، وركبتْ على أكتاف الخطيب الذي يَعلم كلَّ ذلك».
أقول: الهروي هذا له مستخرج على «صحيح مسلم»، وروايته عن البغوي ما لم يسمعه منه قد تكون عملًا بالإجازة أو إعلام الشيخ. وعبارةُ البَرْقاني إنما فيها أن الرجل ليس بحجة، ولا يُخرِّج عنه في «الصحيح». وهذا يُشعر بأنه يروي عنه في غير «الصحيح» للاعتبار. فأما قول الحاكم: «كذاب»، فبناها على ظاهر روايته عن البغوي ما لم يسمعه منه، وقد مرَّ ما في ذلك. ثم قال الحاكم: « ... انصرف الرجل من الحج، ورفض الحشمةَ، وحدَّث بالمناكير». والتحديث بالمناكير إنما يضرُّه إذا كانت النكارة من جهته، والمقصود هنا أنه لا يثبت بما ذكر تعمُّدُ الهروي للكذب المسقِط، وهو ــ على ما اقتضاه كلام البرقاني ــ ممن يُكتَب حديثه ويُروَى عنه للاعتبار.
وتلك الكلمة التي في حكايته توجد لها في الترجمة عند الخطيب عدةُ أخوات عن الثوري توافقها في المعنى الذي ادعاه الخطيب بقوله: «والمحفوظ ... ». أقربها إليها حكايتان قَبْلها عن أبي عاصم عن الثوري، وأبو عاصم هذا هو النبيل الثقة المأمون، حاول الأستاذ أن يجعله العبَّاداني المجروح، كما شرحته في «الطليعة» (ص ٢٩ - ٣٠) (١).
стр. 447
٨١ - [١/ ٢٣٨] الحسين بن إدريس الهروي:
في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٤٠٨ [٤٣٣]): «أخبرنا البَرْقاني، أخبرنا محمد بن عبد الله بن خَمِيرُويَه، أخبرنا الحسين بن إدريس قال: قال ابن عمار ... ».
قال الأستاذ (ص ١٣٣): «يقول عنه ابن أبي حاتم بعد أن ذكر له أحاديث باطلة: لا أدري البلاءُ منه، أم من خالد بن هيَّاج. والهروي وخالد مذكوران في «ثقات ابن حبان» جهلًا منه بحالهما، وتساهلُه في التوثيق مردودٌ عند أهل النقد».
أقول: الحسين بن إدريس يروي عن سعيد بن منصور، وعثمان بن أبي شيبة، وداود بن رُشَيد، وهشام بن عمار، وابن عمار ــ وهو محمد بن عبد الله بن عمار ــ وخلق، منهم خالد بن هيَّاج.
وخالد بن هيَّاج يروي عن جماعة، منهم أبوه هيَّاج بن بسطام. وهيَّاج قال فيه الإمام أحمد: «متروك الحديث». وقال يحيى بن معين: «ضعيف الحديث ليس بشيء». وقال أبو داود: «تركوا حديثه». وألان أبو حاتم القول فيه قال: «يُكتَب حديثه ولا يُحتَج به». وخالد بن هياج يروي عن أبيه مناكير كثيرة، روى عنه الحسين بن إدريس عدة منها. فتلك الأحاديث التي أنكرها ابن أبي حاتم يجوز أن يكون البلاء فيها من هيَّاج، ويبرأ منها خالد والحسين. ويجوز أن تكون من خالد، ويبرأ منها هيَّاج والحسين. ويجوز أن تكون من الحسين، ويبرأ منها هياج وخالد.
فأما ابن أبي حاتم فكان عنده عن أبيه أن هياجًا «يُكتَب حديثه ولا يُحتَج به»، وهذه الكلمة يقولها أبو حاتم فيمن هو عنده صدوق ليس بحافظ،
стр. 448
يحدِّث بما لا يتقِنُ حفظَه، فيغلط ويضطرب، كما صرح بذلك في ترجمة إبراهيم بن المهاجر (١). فرأي ابن أبي حاتم أن تلك المناكير التي رآها فيما كتب به إليه الحسين لا يحتملها هياج، ولم يكن يعرف خالدًا ولا الحسين، فجعل الأمر دائرًا بينهما. ومقتضى كلام الإمام أحمد ويحيى بن معين وأبي داود في هيَّاج أن تبرئته منها ليست في محلِّها.
والطريق العلمي في هذا اعتبار ما رواه غير خالد من الثقات عن هيَّاج، وما رواه خالد عن الثقات غير هيَّاج، وما رواه الحسين عن الثقات غير خالد، وبذلك يتبين الحال. فإذا وجدنا غير خالد من الثقات قد رووا عن هيَّاج مناكيرَ يتجه الحملُ فيها عليه، ووجدنا خالدًا قد روى عن غير هيَّاج من الثقات [١/ ٢٣٩] أحاديثَ عديدة كلُّها مستقيمة، ووجدنا الحسينَ قد روى عن الثقات غير خالد أحاديثَ كثيرة كلُّها مستقيمة= سقط هيَّاج، وبرئ خالد والحسين.
وهذا هو الذي تبيَّن لابن حبان، فذكر هيَّاجًا في «الضعفاء»، وقال: «كان مرجئًا يروي الموضوعات عن الثقات». وذكر خالدًا في «الثقات»، وكذلك ذكر الحسين وقال: «كان ركنًا من أركان السنَّة في بلده»، وأخرج له في «صحيحه»، وقد عرفه حقَّ المعرفة. وتوثيقُ ابن حبان لمن عرفه حقَّ المعرفة من أثبت التوثيق، كما يأتي في ترجمة ابن حبان (٢). وقد وافقه غيره على توثيق الحسين، فوثَّقه الدارقطني. وقال ابن ماكولا: «كان من الحفاظ
стр. 449
المكثرين».
وقال ابن عساكر (١) عقب كلمة ابن أبي حاتم: «البلاء في الأحاديث المذكورة من خالد بلا شك». فإما أن يكون ابن عساكر يبرِّئ هيَّاجًا أيضًا، ويجعل الحمل على خالد، كما فعل الحاكم ويحيى بن أحمد بن زياد الهروي. وإما أن يكون مراده تبرئة الحسين، ويكون الأمر دائرًا بين خالد وهياج، فالحسين ثقة اتفاقًا. وأما خالد والهيَّاج، فالأشبه صنيع ابن حبان؛ فإن كبار الأئمة طعنوا في هيَّاج، كما مرَّ. وفي ترجمته من «الميزان» (٢) أحاديث انتقدت عليه رواها غير خالد عنه، ولم يذكروا لخالد شيئًا من المناكير رواه عن غير هيَّاج. والمقصود هنا بيان حال الحسين وقد اتضح ــ بحمد الله تعالى ــ أنه ثقة.
٨٢ - الحسين بن حُميد بن الربيع:
ذكر الأستاذ (ص ١٢٢): محمدًا ولد الحسين هذا، فقال: «الكذاب ابن الكذاب ... وقد قال مطيَّن: إن محمد بن الحسين هذا كذاب ابن كذاب، وأقرَّه ابن عقدة، ثم أقرَّ ابنُ عدي وأبو أحمد الحاكم ابنَ عقدة في ذلك».
أقول: الحكاية عن مطيَّن تفرَّد بها أحمد بن سعيد بن عقدة، وقد تقدَّم في ترجمته أنه ليس بعمدة (٣). لكن ابن عدي قوَّى الحكاية فيما يتعلق بالحسين بقوله: «سمعت عَبْدان يقول: سمعت حسين بن حميد بن الربيع
стр. 450
يقول: سمعت أبا بكر بن أبي شيبة يتكلَّم في يحيى بن معين يقول: من أين له حديث حفص بن غياث، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة رفعه: «من أقال نادمًا [أقال الله] (١) عثرتَه»؟ هو ذا كتُبُ حفصِ بن غياث عندنا، وكتُب ابنهِ عمر بن حفص، ليس فيها من ذا شيء». وقال ابن عدي: «هذه الحكاية لم يحكها عن أبي بكر غيرُ حسين [١/ ٢٤٠] هذا، وهو متهم فيها. ويحيى أجلُّ من أن يقال فيه مثل هذا ... وهذا الحديث قد رواه زكريا بن عدي عن حفص بن غياث ... ». ثم ذكر أنه قد رواه عن الأعمش أيضًا مالك بن سُعَير (٢)، ثم قال: «الحسين متهم عندي كما قال مطيَّن».
أقول: كلمة مطيَّن لم تثبت، وقد كان يحيى بن معين ينتقد على الرواة ما يراهم تفرَّدوا به، وربما شدَّد؛ فلعله بلغ أبا بكر بعضُ ذلك، فرآه تشديدًا في غير محلِّه، فذكر ما حكاه الحسين عنه، يريد أنه كما تفرد يحيى بهذا وليس في كتب حفص ولا ابنه، ومع ذلك نقبله من يحيى لثقته وأمانته= فكذلك ليس ليحيى أن يشدِّد في مثل ذلك على من عُرِفَتْ ثقتُه وأمانتُه.
وعلى هذا لا يكون المقصود الطعن في يحيى، كما فهمه الحسين وابن عدي، وبنى عليه ابن عدي استنكارَ الحكاية واتهامَ الحسين، لكن ابن عدي علم أن يحيى تكلَّم في حُميد بن الربيع كلامًا شديدًا، قال مرة: «أخزى الله ذاك ومَن يَسأل عنه»، وقال أخرى: «أوَ يُكتَب عن ذاك! خبيث غير ثقة ولا
стр. 451
مأمون، يشرب الخمر، ويأخذ دراهم الناس ويكابرهم عليها حتى يصالحوه». فوقع في نفس ابن عدي أن الحسين أراد الانتقام لأبيه من يحيى.
وأقول: هذا وحده لا يوجب اتهام الحسين باختلاق الحكاية، بل يكفي اتهامه بأنه أبرزها في ذاك المعرض: «يتكلم في يحيى بن معين». وليس هذا بالكذب المُسقِط، على أنه قد يكون فهم ذلك ولم يتنبه لمقصود أبي بكر. والحسين مكثر عارف. قال الخطيب: «روى عن أبي نعيم، ومسلم بن إبراهيم، ومحمد بن طريف البَجَلي، وأحمد بن يونس وغيرهم ... وكان فهِمًا عارفًا، له كتاب مصنَّف في التاريخ». فإذا كانت هذه حاله، ولم يُنكَر عليه شيء إلا تلك الحكاية، فلا أرى اتهامه بالكذب لأجلها إلا ظلمًا. والله أعلم.
٨٣ - الحسين بن عبد الأول:
في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٧٩ [٣٨٦]) من طريقه: «أخبرني إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة قال: هو قول أبي حنيفة: القرآن مخلوق».
قال الأستاذ (ص ٥٦): «قال أبو زرعة: لا أحدِّث عنه. وقال أبو حاتم: تكلم الناس فيه. وقال الذهبي: كذَّبه ابن معين».
[١/ ٢٤١] أقول: ذكر الخطيب هذه الحكاية في أثناء الروايات عن أبي حنيفة في تلك المسألة، فذكر أولًا: رواياتٍ تبرِّئ أبا حنيفة عن تلك المقالة، ثم قال: «ذكر الروايات عمن حكى عن أبي حنيفة القولَ بخلق القرآن ... ». فساق رواياتٍ هذه واحدة منها، فلم يعتمد الخطيب على رواية الحسين هذه، ولا جزم بما تضمَّنَتْه هي والروايات القوية التي معها، بل قدَّم الروايات
стр. 452
في نفي ذلك؛ على أن نسبة إسماعيل هذه المقالة إلى جدِّه مشهورة. انظر ترجمته في «تاريخ بغداد» و «لسان الميزان». والأستاذ وإن طعن في الراوي، فإنه يُثبت المرويَّ ويتبجَّح به.
٨٤ - الحسين بن علي بن يزيد الكَرابيسي:
قال الأستاذ (ص ١٨٤): «متكلَّم فيه».
أقول: تكلَّموا فيه لخوضه في طرف من الكلام واسخفافه بالإمام أحمد بن حنبل، كما مرَّ في ترجمة الخطيب (١). أما الرواية، فلم أر مَن غمزه فيها، بل قال ابن حبان في «الثقات» (٢): «كان ممن جمع وصنَّف، ممن يُحسن الفقه والحديث، أفسده قلة عقله». (٣)(٤)
٨٥ - حماد بن سَلَمة بن دينار:
في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٩٠ [٤٠٨]) عنه: «أبو حنيفة هذا يستقبل السنَّة، يردُّها برأيه». وفيه (١٣/ ٤٠٦ [٤٣٢]) من طريق فهد (٥) بن عوف: «سمعت حماد بن سلمه يكني أبا حنيفة: أبا جيفة».
قال الأستاذ (ص ٩١): «حماد بن سلمة ليس ممن يفرِّق بين من يأخذ بالسنة
стр. 453
ومن يردُّها، وهو راوي تلك الطامَّات في الصفات، منها رؤية الله في صورة شاب. ومثله يجب أن يسكت عن الأئمة، حتى يسكت الناس عن تخليطه».
وقال (ص ١٣٩): «يروي تلك الطامات المدوَّنة في كتب «الموضوعات»، وقد أدخل في كتبه ربيباه ما شاءا من المخازي، كما قال ابن الجوزي. وتحاماه البخاري، ولم يذكر مسلم من أحاديثه إلا ما سلم من التخليط من رواياته قبل أن يختلط. وكان المسكين على براعته في العربية وصِيته الطيِّب مبدأ أمره، ساءت سمعته وأصبح أداةً صمَّاءَ بأيدي الحشوية في أواخر عمره ... ».
أقول: الكلام في حماد يعود إلى أربعة أوجه:
الأول: أنه كان سيئ الحفظ يغلط (١). وهذا قد ذكره الأئمة، إلا أنهم خصُّوه بما يرويه [١/ ٢٤٢] عن غير ثابت وحميد، واتفق أئمة عصرهم على أنه أثبت الناس في ثابت. قال أحمد: «أثبتهم في ثابت حماد بن سلمة»، وقال أيضًا: «حماد بن سلمة أعلم الناس بحديث حُمَيد وأصحُّ حديثًا». وقال في موضع آخر: «هو أثبت الناس في حميد الطويل ... ».
وقال ابن معين: «من خالف حماد بن سلمة في ثابت، فالقول قول حماد»، وقال أيضًا: «من سمع من حماد بن سلمة الأصناف ففيها اختلاف، ومن سمع منه نسخًا فهو صحيح». يعني أن الخطأ كان يعرض له عندما يحوِّل من أصوله إلى مصنفاته التي يجمع فيها من هنا وهنا، فأما النسخ فصحاح.
وقال علي ابن المديني: «لم يكن في أصحاب ثابت أثبت من حماد بن
стр. 454
سلمة، ثم بعده سليمان بن المغيرة، ثم بعده حماد بن زيد، وهي صحاح».
الوجه الثاني: أنه تغيَّر بأَخَرة . وهذا لم يذكره إلا البيهقي، والبيهقي أرعبته شقاشقُ أستاذه ابنِ فُورَك المتجهِّم الذي حذا حذوَ ابن الثَّلْجي في كتابه الذي صنفه في تحريف أحاديث الصفات والطعن فيها. وإنما قال البيهقي: «هو أحد أئمة المسلمين إلا أنه لما كبر ساء حفظه، فلذا تركه البخاري. وأما مسلم، فاجتهد، وأخرج من حديثه عن ثابت ما سُمع منه قبل تغيُّره، وما سوى حديثه عن ثابت لا يبلغ اثني عشر حديثًا أخرجها في الشواهد» (١).
أقول: أما التغيُّر فلا مستند له، ونصوص الأئمة تبيِّن أن حمادًا أثبتُ الناس في ثابت وحميد مطلقًا، وكأنه كان قد أتقن حفظَ حديثهما. فأما حديثه عن غيرهما فلم يكن يحفظه، فكان يقع له فيه الخطأ إذا حدَّث من حفظه، أو حين يحوِّل إلى الأصناف التي جمعها كما مرَّ.
ولم يتركه البخاري، بل استشهد به في مواضع من «الصحيح» (٢). فأما عدم إخراجه له في الأصول، فلا يوجب أن يكون عنده غيرَ أهلٍ لذلك. ولذلك نظائر، هذا سليمان بن المغيرة الذي تقدم أنه من أثبتِ الناس في ثابت، وأنه أثبتُ فيه من حماد بن زيد، وقد ثبَّته الأئمة جدًّا. قال أحمد: «ثبت ثبت». وقال
стр. 455
ابن معين: «ثقة ثقة». والثناء عليه كثير، ولم يغمزه أحد. ومع ذلك ذكروا أن البخاري لم يحتجَّ به، ولم يُخرج له إلا حديثًا واحدًا مقرونًا بغيره (١).
وقد عَتَب ابنُ حبان (٢) على البخاري في شأن حماد بن سلمة، وذكر أنه قد أخرج في غير الشواهد لمن هو دون حماد بكثير، كأبي بكر بن عياش، وفُلَيح، وعبد الرحمن بن عبد الله بن دينار. واعتذر [١/ ٢٤٣] أبو الفضل بن طاهر عن ذلك بكلام شريف، قال: «حماد بن سلمة إمام كبير مدحه الأئمة وأطنبوا، لما تكلَّم بعضُ منتحلي الصنعة (كما يأتي) أن بعض الكَذَبة أدخل في حديثه ما ليس منه، لم يخرج عنه البخاري معتمدًا عليه، بل استشهد به في مواضع ليبيِّن أنه ثقة، وأخرج أحاديثه التي يرويها من حديث أقرانه كشعبة وحماد بن زيد وأبي عوانة وغيرهم. ومسلم اعتمد عليه لأنه رأى جماعةً من أصحابه القدماء والمتأخرين لم يختلفوا، وشاهد مسلم منهم جماعة وأخذ عنهم، ثم عدالة الرجل في نفسه، وإجماع أئمة أهل النقل على ثقته وأمانته» (٣).
الوجه الثالث: زعم بعضهم أنه كان له ربيب يُدخِل في كتبه، وقيل: ربيبان. وصحَّف بعضهم «ربيب حماد» إلى «زيد بن حماد» راجع «لسان الميزان» (ج ٢ ص ٥٠٦) (٤). ومدار هذه التهمة الفاجرة على ما يأتي. قال
стр. 456
الذهبي في «الميزان» (١): «الدولابي، حدثنا محمد بن شجاع بن الثلجي، حدثني إبراهيم بن عبد الرحمن بن مهدي قال: كان حماد بن سلمة لا يُعْرَف بهذه الأحاديث ــ يعني التي في الصفات ــ حتى خرج مرةً إلى (عبَّادان)، فجاء وهو يرويها، فلا أحسب إلا شيطانًا خرج إليه من البحر فألقاها إليه. قال ابن الثلجي: فسمعتُ عبّاد بن صهيب يقول: إنَّ حمادًا كان لا يحفظ، وكانوا يقولون: إنها دُسَّتْ في كتبه، قد قيل: إن ابن أبي العوجاء كان ربيبه، فكان يدُسُّ في كتبه». قال الذهبي: «قلت: ابن الثلجي ليس بمصدَّق على حماد وأمثاله، وقد اتُّهِم. نسأل الله السلامة» (٢).
أقول: الدولابي حافظ حنفيّ له ترجمة في «لسان الميزان» (ج ٥ ص ٤١) (٣) وهو بريء من هذه الحكاية ــ إن شاء الله ــ إلا في قبوله لها من ابن الثلجي وروايتها عنه. كان ابنُ الثلجي من أتباع بشر المريسي جهميًّا داعيةً عدوًّا للسنة وأهلها. قال مرة: «عند أحمد بن حنبل كتب الزندقة». وأوصى أن لا يُعطَى من وصيته إلا من يقول: القرآن مخلوق. ولم أر من وثَّقه، بل اتهموه وكذَّبوه. قال ابن عدي: «كان يضع أحاديث في التشبيه، وينسُبُها إلى أصحاب الحديث، يثلِبهم بذلك». وذكر ما رواه عن حَبَّان بن هلال ــ وحبان ثقة ــ عن حماد بن سلمة، عن أبي المهزِّم، عن أبي هريرة مرفوعًا: «إن الله خلق الفرس، فأجراها فعرقت؛ ثم خلق نفسَه منها». وكذَّبه أيضًا الساجي والأزدي وموسى بن القاسم الأشيب. فأما ما نُسِب إليه من
стр. 457
التوسع في الفقه [١/ ٢٤٤] وإظهار التعبد، فلا يدفع ما تقدَّم.
وحكايته هذه يلوح عليها الكذب. إبراهيم بن عبد الرحمن بن مهدي ولد أبوه سنة ١٣٥، فمتى ترى ولد إبراهيم؟ ومولد ابن الثلجي ــ كما ذكر عن نفسه ــ سنة ١٨١، فمتى تراه سمع من إبراهيم؟ وفي ترجمة قيس بن الربيع من «التهذيب» (١) شيء من رواية ابن المديني عن إبراهيم عن أبيه، وهذا يُشعِر بأنه عاش بعد أبيه، وأبوه مات سنة ١٩٨، فإذا كان إبراهيم مات سنة ٢٠٠، فمتى تراه وُلد؟ وقد قال الخليلي: «مات وهو شاب. لا يُعرف له إلا أحاديث دون العشرة. يروي عنه الهاشمي جعفر بن عبد الواحد أحاديث أنكروها على الهاشمي وهو من الضعفاء». وحماد بن سلمة توفي سنة ١٦٧. ومقتضى ما تقدم أن يكون إبراهيم حينئذ إما صبيًّا صغيرًا وإما لم يولد، فمتى صَحِب حمادَ بن سلمة حتى عَرَف حديثه، وعرف أنه لم يكن يروي تلك الأحاديث حتى خرج إلى «عبَّادان»! وكيف عرف هذا الأمر العظيمَ، ولم يعرفه أبوه وكبار الأئمة من أقران حماد وأصحابه؟ وكلُّهم أبلغوا في الثناء على حماد كما يأتي.
ولا داعي إلى الحمل على إبراهيم لأنه لم يوثقه أحد. وذِكْرُ ابن حبان له في «الثقات» (٢) لا يُجدي، لأنه لم يثبت عنه أحاديث كثيرة يُعرف باعتبارها أثقة هو أم لا؟ ولا إلى أن يقال: لعل إبراهيم سمع ذلك من بعض الهلكى، بل الحملُ على ابن الثلجي كما ذكر الذهبي.
стр. 458
وكذلك ما ذكره عن عباد بن صهيب، مع أن عبَّادًا متروك. وقال عبدان: «لم يكذِّبه الناس، وإنما لقَّنه صهيب بن محمد بن صهيب أحاديثَ في آخر الأمر». فعلى هذا، فعبَّاد هو (١) المبتلى بابن أخيه يُدخِل عليه في حديثه. وفي «الميزان» (٢) أحاديث من مناكيره.
الوجه الرابع: أن حمادًا روى أحاديث سماها الكوثري: «طامات»، وأشار إلى أن أشدَّها حديث رؤية الله في صورة شاب.
والجواب: أن لهذا الحديث طرقًا معروفةً، في بعضها ما يُشعر بأنها رؤيا منام، وفي بعضها ما يصرِّح بذلك. فإن كان كذلك اندفع الاستنكار رأسًا، وإلا فلأهل العلم في تلك الأحاديث كلام معروف. وفي «اللآلئ المصنوعة» (٣) أن محقق الحنفية ابن الهمام سئل عن الحديث، فأجاب بأن ذلك «حجاب الصورة». وبقية الأحاديث إذا كانت من رواية حماد عن ثابت أو حميد [١/ ٢٤٥] أو مما حدَّث به من أصوله، فهي كما قال الله ﵎: ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ [الأنعام: (٨٩)].
ولنختم بطرف من ثناء الأئمة على حماد في حياته وبعد وفاته، ليتبين هل ساءت سمعته في أواخر عمره كما زعم الأستاذ!
قال ابن المبارك: «دخلتُ البصرة فما رأيت أحدًا أشبه بمسالك الأُوَل من حماد بن سلمة». وقال عفان: «قد رأيت من هو أعبد من حماد بن
стр. 459
سلمة، ولكن ما رأيت أشدَّ مواظبةً على الخير وقراءة القرآن والعمل لله من حماد بن سلمة». وقال رجل لعفان: أحدِّثك عن حماد؟ قال: مَن حماد ويلك؟ قال: ابن سلمة. قال: ألا تقول: أمير المؤمنين! وقال عبد الرحمن بن مهدي ــ والد إبراهيم الذي نسب إليه ابن الثلجي ما نسب ــ: «لو قيل لحماد بن سلمة: إنك تموت غدًا، ما قدَر أن يزيد في العمل شيئًا». وقال أيضًا: «حماد بن سلمة صحيحُ السماع، حسنُ اللُّقِيِّ، أدرك الناس، لم يُتهم بلون من الألوان، ولم يلتبس بشيء، أحسَنَ ملكةَ نفسه ولسانه ولم يطلقه على أحد، فسلِمَ، حتى مات». وقال حماد بن زيد: «ما كنا نرى أحدًا يتعلَّم بنيَّةٍ غير حماد بن سلمة، وما نرى اليوم من يعلِّم بنيةٍ غيرَه». وقال إسحاق بن الطبَّاع: قال لي ابن عيينة: العلماء ثلاثة، عالم بالله وبالعلم، وعالم بالله ليس بعالم بالعلم، وعالم بالعلم ليس بعالم بالله. قال ابن الطباع: «الأول كحماد بن سلمة ... ». وقال علي ابن المديني: «من تكلم في حماد بن سلمة فاتَّهِموه في الدين».
٨٦ - حنبل بن إسحاق:
في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٧١ [٣٧٢]) من طريقه: «حدثنا الحميدي، حدثنا حمزة بن الحارث بن عمير، عن أبيه قال: سمعت رجلًا يسأل أبا حنيفة في المسجد الحرام عن رجل قال: أشهد أن الكعبة حق، ولكن لا أدري هي هذه التي بمكة أم لا؟ فقال: مؤمن حقًّا. وسأله عن رجل قال: أشهد أن محمد بن عبد الله نبيّ، ولكن لا أدري هو الذي قبرُه بالمدينة أم لا؟ فقال: مؤمن حقًّا ... ».
стр. 460
وفيه (١٣/ ٣٨٩ [٤٠٦]) من طريقه: «حدثنا الحميدي قال: سمعت سفيان قال: كنت في جنازة أمِّ خَصيب بالكوفة، فسأل رجل أبا حنيفة عن مسألة من الصرف, فأفتاه. فقلت: يا أبا حنيفة [١/ ٢٤٦] إن أصحاب محمد ﵌ قد اختلفوا في هذه، فغضب، وقال للذي استفتاه: اذهَبْ فاعمل بها، فما كان فيها من إثم فهو عليَّ».
قال الأستاذ (ص ٣٦): «يتكلم فيه بعض أهل مذهبه، ويرميه ابن شاقْلا بالغلط في روايته، كما ذكره ابن تيمية في تفسير سورة القلم. لكن لا نلتفت إلى كلامهم، ونعدُّه ثقةً مأمونًا، كما يقول ابن نقطة في «التقييد»». وقال (ص ٨٤): «غالِط، غيرُ مرضيٍّ عند بعض أهل مذهبه».
أقول: قال الدارقطني: «كان صدوقًا». وقال الخطيب: «كان ثقة ثبتًا». وتخطئته في حكاية إنما تدلُّ على اعتقاد أنه لم يكن معصومًا من الخطأ، وليس هذا مما يوهن الثقةَ المُكثِر كحنبل. وقد خطَّأ أهلُ العلم جماعةً من أجلة الصحابة، بل قالوا: إن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قد يخطئون في أمور الدنيا، بل قال بعضهم: قد يعرض لهم الخطأ في شيء من أمر الدين، ولكن ينبَّهون في الحال لمكان العصمة في التبليغ. وقد تعرضتُ لذلك في قسم الاعتقاديات. والمقرر عند أهل العلم جميعًا أن الثقة الثبت قد يخطئ، فإن ثبت خطؤه في شيء فإنما يُترك ذاك الشيء. فأما بقية روايته، فهي على الصواب. ومن ادعى الخطأ في شيء، فعليه البيان. والأستاذ يعلم ذلك كله، ولكن ... والله المستعان.
٨٧ - خالد بن عبد الله القَسْري:
في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٨١ [٣٩٠]) من طريق: «محمد بن فُليح