← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 337

التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل - ضمن «آثار المعلمي»

عبد الرحمن المعلمي اليماني

Полный текст (1 489 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

عام حدَّث فيه البغوي بأحاديث غير المعجم الذي اختص به ابن بطة ومن معه. ويشهد لذلك أن ابن بطة قد روى عن البغوي أحاديث ليست في «المعجم» كما يأتي. والله أعلم. السادس: قال الخطيب: شاهدت عند حمزة بن محمد بن طاهر الدقَّاق نسخةً بكتاب محمد بن عُزَيز في (غريب القرآن) وعليها سماع ابن السُّوسَنْجِردي من ابن بطة عن ابن عُزَيز، فسألت حمزة عن ذلك؟ فأنكر أن يكون ابن بطة سمع الكتاب من ابن عُزَيز، وقال: ادَّعى سماعه ورواه». أقول: ليس هناك ما يدفع دعواه، فقد أدرك ابنَ عُزَيز إدرا كًا بيّنًا. السابع: قال الخطيب: «قلت: وكذلك ادّعى سماع كتب أبي محمد بن قتيبة ورواها عن شيخ سماه: ابنَ أبي مريم. وزعم أنه دينَوَري حدَّثه عن ابن قتيبة. وابن أبي مريم هذا لا يعرفه أحد من أهل العلم، ولا ذكره سوى ابن بطة. والله أعلم». أقول: كأن ابن بطة لقي في سياحته رجلًا دينَوَريًّا ذكر له أنه سمع كتب ابن قتيبة، ويكون هذا الدينوري سياحًا لم يتصدّ للرواية وإنما اتفق أن لقيه ابن بطة في سياحته. الثامن: ذكر الخطيب عن ابن بَرهان قال: «قال لي محمد بن أبي الفوارس: روى ابن بطة عن البغوي عن مصعب بن عبد الله عن مالك عن الزهري عن أنس عن النبي ﷺ قال: طلب العلم فريضة على كل مسلم». قال

стр. 632

الخطيب: «قلت: هذا الحديث باطل من حديث مالك، [١/ ٣٤٦] ومن حديث مصعب، ومن حديث البغوي عن مصعب. وهو موضوع بهذا الإسناد، والحملُ فيه على ابن بطة» (١). أقول: تقدم أن ابن بَرْهان ليس بعمدة، ولعله سمع من [ابن] (٢) أبي الفوارس يقول: بلغني عن ابن بطة، أو نحو ذلك. ولو روى ابن بطة هذا الحديث لكان الظاهر أن يشتهر عنه وينتشر. ولو صح عنه لحُمِل على الوهم، فإنه سمع من البغوي وهو صغير، ولم يكن له أصول، إنما كان يحمل على حفظه فيَهِم، فيحتمل أن يكون سمع الحديث من البغوي بسند آخر، وسمع منه حديثًا أو أكثر بهذا السند، فوهم. التاسع: قال الخطيب: «حدثني أحمد بن محمد العتيقي بلفظه من أصل كتابه وكتبه لي بخطه قال: حدثنا عبيد الله بن محمد بن حمدان الفقيه (ابن بطة) بعكبرا، حدثنا عبد الله بن محمد البغوي، حدثنا مصعب بن عبد الله الزبيري، حدثنا مالك بن أنس، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا» الحديث. وهذا الحديث أيضًا باطل من رواية البغوي عن مصعب. ولم أره عن مصعب عن مالك أصلًا. والله أعلم».

стр. 633

أقول: الحديث في «الصحيحين» وغيرهما (١) من رواية جماعة عن مالك، ولا يبعد أن يكون عند مصعب أيضًا فلا يرويه عنه إلا البغوي. لكن يبعد جدًّا أن يكون الحديث كان عند البغوي من هذا الوجه العالي، فلا يرويه عنه إلا ابن بطة الذي حُمِل إليه وهو صغير، ولم يطل مقامه عنده. فالحكم بوهم ابن بطة في هذا واضح. ولَنِعْم ما قال الذهبي في «الميزان» (٢): «إمام ذو أوهام ... ومع قلة إتقان ابنِ بطة في [١/ ٣٤٧] الرواية كان إمامًا في السنة، إمامًا في الفقه، صاحب أحوال وإجابةِ دعوة (٣) ﵁» (٤). وعليك أن لا تقصر نظرك على هذه الأمور، فترى في اجتماعها واستضعافك لبعض الأجوبة ما يحملك على سوء الظن بابن بطة؛ بل ينبغي لك أن تنظر أيضًا إلى حاله في نفسه، وقدِّم قولَ ابن بَرهان المعتزلي نفسه: «لم أر في شيوخ أصحاب الحديث ولا غيرهم أحسن هيئة من ابن بطة». وقولَ أبي حامد الدلوي الأشعري: « ... ولا رئي مفطرًا إلا في يوم الأضحى والفطر. وكان أمَّارًا بالمعروف، لم يبلغه خبرُ منكر إلا غيَّره». وقولَ العتيقي: « ... كان شيخًا صالحًا مستجاب الدعوة».

стр. 634

وقال أبو الفتح بن القَوَّاس: «ذكرت لأبي سعد الإسماعيلي ابنَ بطة وعلمه وزهده، فخرج إليه، فلما عاد قال: هو فوق الوصف». وقال ابن الجوزي في «المنتظم» (ج ٧ ص ١٦٤): «أنبأنا أبو بكر محمد بن عبد الباقي، عن أبي محمد الحسن بن علي الجوهري قال: سمعت أخي [أبا] (١) عبد الله الحسين بن علي يقول: رأيت النبي ﷺ في المنام فقلت: يا رسول الله قد اختلفَتْ علينا المذاهب، فبمن نقتدي؟ فقال لي: عليك بأبي عبد الله ابن بطة. فلما أصبحتُ لبست ثيابي وأصعدت إلى عكبرا، فدخلت إليه. فلما رآني تبسَّم وقال: صدق رسول الله، صدق رسول الله، صدق رسول الله. يقولها ثلاثًا». فالذي يتحصَّل أن ابنَ بطة مع علمه وزهده وفضله وصلاحه البارع كثيرُ الوهم في الرواية، فلا يُتهم بما ينافي ما تواتر من صلاحه، ولا يُحتج بما ينفرد بروايته. ولا يُشنَّع على الخطيب فيما صنعه وفاءً بواجب فنه وإظهارًا لمقتضى نظره. والله الموفق. ١٥٤ - عُبيدة الخراساني: في «تاريخ بغداد» (١٤/ ٢٥٧): «أبو داود سليمان بن الأشعث، ثنا عَبْدة بن عبد الله الخراساني قال: قال رجل لابن المبارك ... ». قال الأستاذ (ص ١٧٨): « ... من لا يجوز الاحتجاج به ومن هو غير ثقة مثل ... وعُبيدة الخراساني ... ». أقول: في الرواة عن ابن المبارك «عتبة بن عبد الله»، و «عبدة بن سليمان». وكلاهما [١/ ٣٤٨] مروزيان، ومرو من خراسان، وهما ثقتان. فإن

стр. 635

كان هذا غيرهما فقد تقدَّم في ترجمة أحمد بن سعد بن أبي مريم (١) أن أبا داود لا يروي إلا عن ثقة. ١٥٥ - عثمان بن أحمد أبو عَمرو بن السَّمَّاك الدقَّاق . في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٨٩ [٤٠٦]) من طريقه «حدثنا حنبل بن إسحاق ... » مرت الحكاية في ترجمة حنبل (٢). قال الأستاذ (ص ٨٤): «المغموز عند الذهبي برواية الفاضحات». أقول: عبارة الذهبي في «الميزان» (٣): «صدوق في نفسه لكن روايته لتلك البلايا عن الطيور (٤) كوصية أبي هريرة، فالآفة من بعده (يعني في سياق السند). أما هو فوثَّقه الدارقطني، وينبغي أن يُغمز ابن السماك بروايته لهذه الفضائح». قال ابن حجر في «اللسان» (٥): «لو فتح المؤلف على نفسه ذِكْر من روى خبرًا كذبًا آفته من غيره ما سَلِم معه سوى القليل من المتقدمين فضلًا عن المتأخرين. وإني لكثير التألم من ذكره لهذا الرجل الثقة في هذا الكتاب بغير مستند (٦). وقد عظَّمه الدارقطني، ووصفه بكثرة الكتابة والجد

стр. 636

في الطلب، وأطراه جدًّا. وقال الحاكم في «المستدرك» (١) حدثنا أبو عمرو ابن السماك الزاهد حقًّا ... ». وأقول: نعم ينبغي أن يُغمز بما يناسب حاله، فلا يُركن إلى ما يرويه بدون النظر في رجاله، كما يركن إلى ما يرويه يحيى بن سعيد القطان مثلًا، وأنت إذا نظرت إلى سنده في هذه الحكاية وجدتهم ثقات. ١٥٦ - عثمان بن سعيد الدارمي الحافظ: في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٢٤) من طريقه «سمعت محبوب بن موسى يقول: سمعت ابن أسباط يقول: ولد أبو حنيفة وأبوه نصراني». قال الأستاذ (ص ١٦): «صاحب «النقض» مجسِّم مكشوف الأمر يعادي أئمة التنزيه، ويصرِّح بإثبات القيام والقعود والحركة والثقل والاستقرار المكاني والحد ونحو ذلك لله تعالى. ومثله يكون جاهلًا بالله سبحانه، بعيدًا عن أن تقبل روايته». أقول: كان الدارمي من أئمة السنة الذين يصدِّقون الله تعالى في كلِّ ما أخبر به عن نفسه، [١/ ٣٤٩] ويصدِّقون رسولَه في كلِّ ما أخبر به عن ربه، بدون تكييف، ومع إثبات أنه سبحانه ليس كمثله شيء. وذلك هو الإيمان، وإن سماه المكذِّبون جهلًا وتجسيمًا. وقد بسطت الكلام في قسم الاعتقاديات (٢)، ومرَّ في القواعد (٣) أن مثل هذا الاعتقاد ليس ممَّا يقدح في الرواية. وكذلك مرَّ فيها ما يتعلق بما يرويه الرجل مما فيه غضٌّ من مخالفه

стр. 637

في الاعتقاد أو المذهب. وهذه الحكاية منقطعة، لأن يوسف بن أسباط أصغر من أبي حنيفة بأربعين سنة، ولا ندري ممن سمعها. ١٥٧ - عليّ بن أحمد أبو الحسن المعروف بابن طيبة الرزَّاز: في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٨٥ [٣٩٩]): «أخبرني علي بن أحمد الرزاز أخبرنا علي بن محمد بن سعيد الموصلي قال: حدثنا الحسن بن الوضاح المؤدب ... ». فذكر حكاية قد جاءت من غير هذا الوجه. قال الأستاذ (ص ٧٢): «كان له ابنٌ أدْخَل في أصوله تسميعات طرية على ما حكاه الخطيب، فكيف يعوِّل الآن على روايته؟». أقول: قال الخطيب في ترجمة الرزاز (١): «شاهدت أنا جزءًا من أصول الرزّاز بخط أبيه ... ثم رأيته قد غُيِّر فيه بعد وقت ... وكان الرزاز مع هذا كثير السماع، كثير الشيوخ، وإلى الصدق ما هو». فهذه الحكاية مما رآه الخطيب في أصول الرزاز الموثوق بها، كما هو معروف من تحرِّي الخطيب وتثبُّته. ١٥٨ - علي بن إسحاق بن عيسى بن زاطيا: في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٨١ [٣٩٠]) من طريقه: «حدثنا أبو معمر القطيعي .... ». قال الأستاذ (ص ٦٣): «لم يكن بالمحمود كما أقرَّ به الخطيب». أقول: حكى الخطيب هذه الكلمة عن ابن المنادي (٢). وهذه الكلمة

стр. 638

تُشعر بأنه محمود في الجملة، كما مرَّ نظيره في ترجمة الحسن بن الصبّاح (١)، فإن عُدّت جرحًا فهو غير مفسَّر، وقد قال ابن السني: «لا بأس به». ١٥٩ - [١/ ٣٥٠] عليّ بن جرير الباوردي: في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٤١٣ [٤٤١ - ٤٤٢]) من طريق محمد بن المهلب السرخسي: «حدثنا علي بن جرير قال: كنت في الكوفة، فقدمت البصرة وبها ابن المبارك، فقال لي: كيف تركت الناس؟ قال: قلت: تركت بالكوفة قومًا يزعمون أن أبا حنيفة أعلم من رسول الله ﷺ ... ». ومن طريق محمد بن أبي عتاب الأعيَن: «حدثنا علي بن جرير الأبِيوَرْدي قال: قدمتُ على ابن المبارك فقال له رجل: إن رجلين تماريا عندنا في مسألة، فقال أحدهما: قال أبو حنيفة، وقال الآخر: قال رسول الله ﷺ ، قال الأول: كان أبو حنيفة أعلم بالقضاء ... ». قال الأستاذ (ص ١٤٨): «لا نجد لعلي بن جرير روايةً مطلقًا عن ابن المبارك في غير هذين الخبرين، وعلي بن جرير الباوردي هذا زائغ لم يستطع ابن أبي حاتم أن يذكر شيخًا له ولا راويًا عنه، وجعله بمنزلة من يُكتب حديثه ويُنظر فيه ــ روايةً عن أبيه ــ لا في عِداد مَن يُحتَج به. ونحن قد نظرنا فيه، فوجدناه باهتًا ... ». أقول: ذكره ابن حبان في «الثقات» (٢) قال: «علي بن جرير من أهل (أبِيوَرْد) يروي عن حماد بن سلمة وابن المبارك، وكان يخضب لحيته.

стр. 639

روى عنه أحمد بن سيَّار. سمعت محمد بن محمود بن عدي يقول: سمعت (محمد بن عبد الله) بن قهزاد (١) يقول: سمعت عليَّ بن جرير يقول: قلت لابن المبارك: رجل يزعم أن أبا حنيفة أعلم بالقضاء من رسول الله ﷺ . فقال عبد الله: هذا كفر. قلت: يا أبا عبد الرحمن بك نفَذَ الكفر، قالوا: رويتَ فروى الناس (٢). قال: ابتُليتُ به. ودمعت عيناه». فقد روى علي بن جرير عن إمامين (٣)، وروى عنه أربعة من الثقات. وفي ترجمة عمر بن صبح من «التهذيب» (٤): «قال البخاري في «التاريخ الأوسط»: حدثني يحيى اليشكري عن علي بن جرير ... ». فهذا خامس (٥). وقال أبو حاتم: «صدوق» (٦)، ولم يكن ليقول ذلك حتى يعرفه كما ينبغي. وأبو حاتم معروف بالتشدد، قد لا تَقِلُّ كلمة «صدوق» منه عن كلمة «ثقة» من غيره، فإنك لا تكاد تجده أطلق كلمة «صدوق» في رجل إلا وتجد غيره قد وثَّقه. هذا هو الغالب. ثم ذكَرَه ابن حبان في «الثقات» (٧)، وأورَدَ له

стр. 640

تلك الحكاية التي يستنكرها الأستاذ، ولا يضرُّه بعد ذلك أن لا يعرفه ابن أبي حاتم. وما أكثر الذين لم يعرفهم، وقد عرفهم غيره. فأما قول [١/ ٣٥١] الأستاذ «فوجدناه باهتًا»، فأطال في محاولة توجيهه بما أشعر أنه يمتنع أن يقول مسلم: إن أبا حنيفة أعلم بالقضاء من النبي ﷺ ، فإن أقدم جاهل على ذلك امتنع أن لا يُرفع إلى الحاكم ليقيم عليه حكم الشرع. فأقول: أما امتناع القول، فإن كان المراد أن قائل ذلك لا يبقى مسلمًا فهذا لا يدفع هذه الحكاية. وإن كان المراد امتناع أن يقول ذلك إنسان ينتحل الإسلام، فهذا لا وجه له، فقد غلا كثير من منتحلي الإسلام في أفراد، فادَّعوا لهم العصمة أو النبوة أو الألوهية، وذلك معروف مشهور. وقد حُكيت عن أبي حنيفة كلمات لا يبعد أن يسمعها بعضُ جهلةِ معظِّميه، فيتوهّم أن الأحكام التي مردُّها إلى القضاة بمنزلة الرأي في مصالح الدنيا كتدبير الحروب والمعايش. وقد قال الله ﵎ لرسوله: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] وجاء عنه ﷺ أنه قال: «أنتم أعلم بأمر دنياكم» (١)، وأنه ربما كان يرى الرأي في تدبير الحرب، فيخبره بعض أصحابه بأن غيره أولى، فيرجع إلى قوله. فمن تلك الكلمات ما حكي عنه في تلقِّيه من يذكر له حديثًا يخالف قوله بمثل: «من أصحابي من يبول قلتين. هذا حديث خرافة. لا آخذ به.

стр. 641

دعنا من هذا. هذا رجز. هذا سجع. هذيان. حُكَّ هذا بذنَبِ خنزير». وما عزي إليه من قوله: «لو أدركني النبي (وفي رواية: رسول الله) ﷺ لأخذ بكثير من قولي». زاد في رواية: «وهل الدين إلا الرأي الحسن؟». وقد ذكرها الأستاذ ص ٧٥ و ٨٥. وهذه الكلمة قد يكون أُريد بها: إن كثيرًا مما أقوله باجتهادي موافق للحق، فلو كنتُ في عهد النبي ﷺ لعلم صحة كثير من قولي، وصوَّبه، وحكم بما يوافقه، كما يُروى من موافقات عمر أنه قد كان يرى الرأي أو يقول القول فينزل القرآن بموافقته. فأما قوله: «وهل الدين إلا الرأي الحسن»، فالرأي الحسن حقًّا هو المطابق للحكمة الحقة حقَّ المطابقة، وكذلك الدين مطابق للحكمة الحقَّة حقَّ المطابقة. فالرأي الحسن حقًّا لا يخالف الدين، ولا يخالفه الدين. وقد زعم بعضهم أن أبا حنيفة إنما قال: «لو أدركني البَتِّي ... » فصحَّف بعضهم فقال: «النبي»، ثم رواها بعضهم بالمعنى فقال: «رسول الله». وجرى الأستاذ على هذا، ولا بأس بالنظر فيه. قال الأستاذ: «وأما [١/ ٣٥٢] أصل الحكاية ... » فذكر طرفًا مما في «مناقب أبي حنيفة» للموفق المكي (ج ٢ ص ١٠١ - ١٠٩). والرواية هناك من طريق عبد الله بن محمد بن يعقوب الحارثي قال: «حدثني أبو طالب سعيد بن محمد البرذعي في مسجد أبي الحسن الكوفي ببغداد، حدَّثني أبو جعفر ... الطحاوي، أبَنا بكّار بن قتيبة، أبنا هلال بن يحيى الرأي البصري، سمعت يوسف بن خالد السَّمْتي قال: اختلفتُ إلى عثمان البَتِّي فقيه أهل البصرة ــ وكان يذهب مذهب الحسن وابن سيرين ومذهب

стр. 642

البصريين ــ فأخذتُ من مذاهبهم وناظرت عليها ثم استأذنته في الخروج إلى الكوفة ... فأذن لي. فلما قدمتُ الكوفة ... فإذا أنا بكهل قد أقبل ... وخلفه غلام أشبه الناس به ... فتوسَّمت أنه أبو حنيفة ... فقال: كنتَ من المختلفة إلى البتِّي؟ قلت: نعم. قال: لو أدركني البتي لترك كثيرًا من قوله ... » إلى أن قال يوسف: «كنت أختلف إلى أبي حنيفة، فكنت أمرُّ بنادي قوم، فمن كثرة مروري بهم صاروا لي أصدقاء. ثم انقرضوا، فصار أولادهم لي أصدقاء. ثم استأذنت بالخروج إلى البصرة ... ». وفي القصة عجائب. وقد ذكر الأستاذ البتِّيَّ والسمتيَّ في (ص ١١٣) قال: «عثمان بن مسلم البتِّي هو فقيه البصرة توفي سنة ١٤٣ كما سبق. وكانت تجري بينه وبين أبي حنيفة مراسلات ... وكان يوسف بن خالد السَّمْتي بعد أن تفقه على أبي حنيفة رجع إلى البصرة وأخذ يُجابه البتِّيَّ وأصحابَه ... حتى ثاروا ضده ... ولكن لما حلَّ زُفَر بالبصرة جرى على الحكمة في مناظرتهم ... ». يشير الأستاذ إلى ما في كتاب ابن أبي العوام عن الطحاوي بسنده كما في «لسان الميزان» (ج ٢ ص ٤٧٧) (١): «قدم زُفَر بن الهُذيل البصرة فكان يأتي حلقه عثمان البتِّي ... فلم يلبث أن تحولت الحلقة إليه، وبقي عثمان البتي وحده». فقد اتَّضح أن البتيَّ أدرك أبا حنيفة. ويقول الأستاذ: إنه كانت تجري بينهما مراسلات، وصرحت القصةُ نفسُها أن البتيَّ كان حيًّا يرزق حين لقي يوسفُ السمتيُّ أبا حنيفة، وقال له أبو حنيفة كما تزعم القصة: «لو أدركني

стр. 643

البتي ... ». ويُعْلَم من كلام الأستاذ أن البتي عاش بعد ذلك إلى أن أكمل السمتي تفقُّهَه ورجع إلى البصرة، ثم إلى أن ظهر إخفاق السمتي وورد زفرُ البصرةَ. فليتدبر القارئ: هل يقول أبو حنيفة والبتيُّ حيٌّ يرزق يراسله ويكاتبه: «لو أدركني البتِّي ... »؟ ثم ليحزر ما أقلُّ ما يحتمل بحسب العادة أن [١/ ٣٥٣] يكون عمُر السمتي حين استأذن البتِّيَّ، وذلك بعد اختلاف السمتي إليه وأخذه من مذاهبهم ومناظرته عليها؟ ثم ليحزر ما عسى أن يكون عمُر أبي حنيفة وعمر ولده حماد حين رآهما السمتي؟ والقصة تقول: «فإذا أنا بكهل قد أقبل ... وخلفه غلام أشبه الناس به». ثم تصرِّح بعد ذلك بأن الكهل أبو حنيفة وأن الغلام ابنه حماد. ثم ليحزر ما عسى أن تكون مدة عكوف السمتي على الأخذ من أبي حنيفة، والقصة تقول: «أمر بنادي قوم فمن كثرة مروري بهم صاروا لي أصدقاء، ثم انقرضوا فصار أولادهم لي أصدقاء، ثم استأذنت ... ». فكم المدة إلى أن استأذن في العود إلى البصرة واحتفل له أبو حنيفة بتلك الوصية الطويلة العريضة؟ ثم ليحزر ما عسى أن تكون مدة بقاء السمتي بالبصرة حتى تبيَّن إخفاقه إلى أن ورد زفر، فسحر أهلَ البصرة وبقي البتي وحده؟ ثم ليعرض النتائج على الحقائق التاريخية. مولد السَّمتي سنة ١٢٠ (١) كما في «طبقات ابن سعد» (ج ٧ قسم ٢ ص ٤٧) (٢)، أو بعد ذلك بسنتين على ما في «التهذيب» (٣) عن ابن سعد.

стр. 644

ومولد أبي حنيفة سنة ثمانين على الأصح، وسنة سبعين أو ستين على رأي الأستاذ كما تقدم في ترجمة أحمد بن محمد بن الصلت (١). ومولد حماد حول سنة ١٠٠ على ما يظهر، وعلى رأي الأستاذ مولد حماد قبل مولد مالك، ومالك ولد سنة ثلاث وتسعين، وقيل قبل ذلك، ووفاة البتِّي سنة ١٤٣ كما تقدم. والقصة تقول: إن السَّمْتي الذي ولد سنة عشرين ومائة أو سنة اثنتين وعشرين ومائة كان يختلف إلى البتي ويأخذ من مذاهبهم حتى صار يناظر عليها، ثم قدم الكوفة فلقي الأعمش وجرت بينهما محاورة، ثم لقي أبا حنيفة وجرت بينهما محاورة. فلنفرض أن ذلك كان وعُمُر السمتي دون عشرين سنة، فليكن حول سنة أربعين ومائة، وعُمُر أبي حنيفة حينئذ على قولنا ستون سنة، وعلى رأي الأستاذ سبعون أو ثمانون. وعمر حماد على ما يظهر أربعون سنة، وعلى رأي الأستاذ خمسون سنة. لكن القصة ذكرتهما بقولها: «فإذا أنا بكهل قد أقبل ... وخلفه غلام أشبه الناس به»! ثم لا أدري كم نفرض بقاء السمتي مع أبي حنيفة، وهي مُدّة. كان أولًا يمر بقوم فصاروا له أصدقاء، ثم انقرضوا فصار أبناؤهم له أصدقاء، ثم رجع إلى البصرة فوجد البتِّي حيًّا إلى آخر ما ذكر الأستاذ. وقد علمتَ متى توفي البتي! وأدع البقية إلى القارئ. وإن أحب فليراجع القصة ليزداد بصيرة! والأستاذ عافانا الله وإياه يعمد إلى أمور [١/ ٣٥٤] نسبتُها إلى هذه نسبة الخيال إلى الحقيقة، فيردُّ بها روايات الثقات الأثبات. ومنها ما يُروى من

стр. 645

وجهين أو أكثر، ومنها ما هو متواتر على الحقيقة. فأما هذه الحكاية، فتفرَّد بها الحارثي، وهو تالف مرمي بالوضع. راجع ترجمته في «لسان الميزان» (ج ٣ ص ٣٤٨) (١). وشيخه لا يُذكر إلا في هذه الحكاية، وقد ذكره صاحب «الجواهر المضيئة في تراجم الحنفية» (ص ٢٤٩) (٢) بما يؤخذ من هذه الحكاية فقط. فإما أن يكون اسمًا اختلقه الحارثي، وإما أن يكون رجلًا مغمورًا هلك، فاختلق الحارثي هذه الحكاية ونسبها إليه. فإن القصة تدل على اطلاع وتفيهق، وهذه صفة الحارثي، يمتنع أن يكون شيخه بهذه الصفة ثم لا يُذكر إلا في هذه الحكاية. فأما الطحاوي فبريء منها حتمًا، ولو كان عنده شيء منها لما فات ابن أبي العوام. والظاهر أن الحارثي سمع ما حُكي عن أبي حنيفة من قوله: «لو أدركني النبيُّ ... » فحاول أن يعالجها، فوقع فيما وقع فيه. وكأنَّ الأستاذ شعر بذلك، فحاول التأويل. فزعم أن معنى قول أبي حنيفة «لأخذ بكثير من قولي»: لأخذني أي للامني ووبَّخَني! ولا يخفى حال هذا التأويل. على أنه ناقضَه بما أجاب به عن قوله: «وهل الدين إلا الرأي الحسن»، فزعم أن كلمة «الدين» محرفة عن «أرى»، وأن الأصل «وهل أرى إلا الرأي الحسن». ولنقتصر على هذا القدر. فأما امتناع أن يقول قائل: «أبو حنيفة أعلم ... » ولا يُرْفع إلى الحاكم ليقيم عليه حكم الشرع، فإنما يتجه إذا قاله على رؤوس الأشهاد. وليس فيما

стр. 646

رواه عليُّ بن جرير ما يقتضي ذلك. وقد مرَّ علي بن جرير بالكوفة غريبًا، فإذا سمع رجلًا يقول ذلك، ولم يكن هناك جمع كثير، رأى أنه لا فائدة في الذهاب إلى القاضي؛ إذْ لعله لو قال للقائل: تعال معي إلى القاضي امتنع، فإنْ ذهب علي إلى القاضي قال له القاضي: ومن القائل؟ فلا يعرفه. فإن عرفه فلعلَّ القائل يجحد، بل لعلهم يعكسون القضية على ذاك الغريب ويؤذونه! بقي ما وقع من اختلاف ألفاظ الحكاية. فأقول: ذاك من جهة الرواية بالمعنى، ومثله كثير، وفي «صحيح مسلم» (١) في أحاديث لا تقضي الحائض الصلاة، من طريق «يزيد الرِّشْك عن معاذة أن امرأة سألت عائشة ... »، ومن طريق «عاصم عن معاذة قالت: سألتُ عائشة فقلتُ ... ». ولهذا نظائر. فأما قول الأستاذ [١/ ٣٥٥] في علي بن جرير «زائغ. السفيه. الخبيث. النذل. الخبيث» فحسابها إلى الله . ١٦٠ - علي بن زيد الفرائضي: في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٩٨ [٤١٩]) من طريقه قال: «حدثنا علي بن صدقة قال: سمعت محمد بن كثير قال: سمعت الأوزاعي ... ». قال الأستاذ (ص ١١١): «تكلموا فيه». أقول: كذا قال ابن يونس، ولم يبيِّن من المتكلِّم، ولا ما هو الكلام؟ وقد قال مسلمة بن قاسم: «ثقة»، والتوثيق مقدَّم على مثل هذا الجرح كما لا

стр. 647

يخفى. ١٦١ - علي بن صدقة: تقدمت الإشارة إلى روايته في الذي قبله. قال الأستاذ (ص ١١١): «كثير الإغراب». أقول: ذكره ابن حبان في «الثقات» (١) وقال: «يُغرب». وابن حبان قد يقول مثل هذا لمن يستغرب له حديثًا واحدًا أو زيادة في حديث. فقول الأستاذ: «كثير الإغراب» من تصرفاته، والحكاية التي ذكرها الخطيب بهذا السند معروفة جاءت من عدة طرق. ١٦٢ - علي بن عاصم: في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٨٧ [٤٠٢]) عنه قال: «حدَّثْنا أبا حنيفة بحديث عن النبي ﷺ . فقال: لا آخذ به. فقلت: عن النبي ﷺ . قال: لا آخذ به». قال الأستاذ (ص ٧٨): «أبو حنيفة كغيره من أهل العلم في عدم الأخذ بحديث علي بن عاصم الذي يكتبه الورَّاقون ويحدِّث هو به بدون سماع ولا مقابلة بأصل صحيح. والكلامُ فيه طويل الذيل في كتب الضعفاء، فتبًّا لمن يقيم نفسه مقام الرسول ﷺ ، ويجعل الرد عليه ردًّا على المصطفى صلوات الله وسلامه عليه. وأبو حنيفة الذي يقول: لعن الله من يخالف رسول الله ﷺ ، به أكرمنا الله، وبه استنقذنا، كما في «الانتقاء» لابن عبد البر (ص ١٤١) كيف يخالف حديثًا صح عن الرسول ﵊. ومن زعم، فقد أبعد في البهت، نسأل الله الصون».

стр. 648

أقول: أما ما في «الانتقاء» (١)، فطرف من حكاية ردَّها الأستاذ نفسه (ص ٩٤)، وقال في حاكيها داود بن المحبّر: «متروك باتفاق»، فكيف يستند إليها هنا جازمًا بقوله: «الذي يقول»؟ وظاهر قول علي بن عاصم «حدَّثْنا أبا حنيفة ... » أنه وافقه غيره على التحديث. وهَبْه لم يوافقه أحد، أفما كان ينبغي أن يجيبه أبو حنيفة بقوله: «من روى هذا معك؟» أو نحو ذلك، [١/ ٣٥٦] وهَبْه علِمَ تفرُّدَه، أفما كان الأولى أن يجيبه بقوله: «لم يثبت عندي» أو نحو ذلك. [١/ ٣٥٦] بل لو قال له: لا أثق بروايتك لكان أولى من قوله: «لا آخذ به». فأما عليّ بن عاصم فالذي يظهر من مجموع كلامهم فيه أنه خَلّط في أول أمره، ثم تحسنت حاله، وبقي كثرة الغلط والوهم. فما حدَّث به أخيرًا ولم يكن مظنة الغلط فهو جيد (٢). ١٦٣ - علي بن عبد الله ابن المديني: تقدم في ترجمة إبراهيم بن بشار الرمادي (٣) متابعة ابن المديني له في حكايته عن ابن عيينة. أشار الأستاذ (ص ٨٢) إلى ذلك ثم قال: «لو فكّر ابن المديني في مسايرته لابن أبي دُواد ... وسعى في إعداد الجواب ... لكان أحسن له، ونحسب أنه لم يُعِدَّ ولن يُعِدَّ ... ».

стр. 649

وفي «تاريخ بغداد» (١٣/ ٤٢٠ [٤٥٠]) من طريق عبد الله بن علي ابن المديني أنه سأل أباه عن أبي حنيفة؟ «فضعَّفه جدًّا، وقال: لو كان بين يدي ما سألته عن شيء، وروى خمسين حديثًا أخطأ فيها». قال الأستاذ (ص ١٦٨): «إن كان ابن المديني كما نهش الخطيبُ عرضَه في (١١/ ٤٥٩) وابن الجوزي في «مناقب أحمد» لا يكون لكلامه قيمة». ثم أشار الأستاذ إلى أن ابن المديني تناقض، قال: «ينافي ما ذكره أبو الفتح الأزدي في «كتاب الضعفاء» حيث قال: قال علي ابن المديني: أبو حنيفة روى عنه ... وهو ثقة لا بأس به». ثم قال الأستاذ: «نسأل الله السلامة». وفي «تاريخ بغداد» (١٣/ ٤٢٣ [٤٥٤]) عنه: «قال لي بشر بن أبي الأزهر النيسابوري: رأيت في المنام ... ». قال الأستاذ (ص ١٧٠): «ليس بقليل ما ذكره الخطيب عن ابن المديني في «تاريخه»، ومن جملة ذلك صلته الوثيقة بأحمد بن أبي دُواد في محنة أهل الحديث ... وقد ترك أبو زرعة وأحمدُ الروايةَ عنه بعد المحنة، وبشر بن [أبي] الأزهر من أخص أصحاب أبي يوسف، ... ومن أتبع أهل العلم لأبي حنيفة وأرعاهم لجانبه، فلا أشك أن هذه الرواية مختلَقة». أقول: أما مسايرته لابن أبي دُواد، فقد أجاب عنها مرارًا بأنه مُكْرَه، وكان في أيام المحنة إذا خلا بمن يثق به من أهل السنة ذكر له ذلك، وأنه يرى أن الجهمية كفار. جاء ذلك من طرق. فإن قيل: لم يكن الدعاة يُكرهون أحدًا أن يكون معهم، وإنما كانوا يُكْرِهون على قول مثل مقالتهم، كما فعلوا بيحيى بن معين وغيره. فكيف أكرهوا ابنَ المديني على [١/ ٣٥٧] مسايرتهم؟

стр. 650

قلت: كان الدعاة يرون أنه لا غنى لهم عن أن يكون بجانبهم من يعارضون به الإمام أحمد، ولم يكن هناك إلا ابن المديني أو يحيى بن معين. فأما ابن معين فإنه وإن كان أضعف صبرًا وأقل ثباتًا من أحمد بحيث إنه أجاب عند الإكراه إلى إجراء تلك المقالة على لسانه، فلم يكن من الضعف بحيث إذا هدَّدوه وخوَّفوه على أن يسايرهم ليجيبهم إلى ذلك. ولعلهم قد حاولوا ذلك منه فأخفقوا، فما بقي إلا ابن المديني، وكان هو نفسه شهد على نفسه بالضعف قال: «قويَ أحمدُ على السوط ولم أقوَ». وقال لابن عمار: «خفتُ أن أقتل، وتعلم ضعفي أني لو ضُربتُ سوطًا واحدًا لمتُّ» أو نحو هذا. وقال لأبي يوسف القُلُوسي لما عاتبه: «ما أهون عليك السيف! ». وقال لعلي بن الحسين: «بلِّغْ قومك عني أن الجهمية كفار، ولم أجد بدًّا من متابعتهم؛ لأني حبست في بيت مظلم وفي رجلي قيد حتى خفت على بصري». وذُكِر عند يحيى بن معين فقال: «رجل خافَ». وإنما أنكر عليه في طول مسايرته للجهمية ما جرى في حديث الوليد بن مسلم. كان الوليد يروي عن الأوزاعي عن الزهري عن أنس عن عمر أنه قرأ قولَه تعالى: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ [عبس: ٣١] فتردد في معنى الأبّ، ثم قال: «أيها الناس خذوا بما بُيِّن لكم فاعملوا به، وما لم تعرفوه فَكِلُوه إلى عالمه»، فأخطأ الوليد مرةً فقال: «إلى خالقه». كأنه جعل الضمير للأبّ ونحوه مما ذكره الله من مخلوقاته، فكان أهل العلم يروونه عن الوليد على الصواب، وربما ذكروا أنه أخطأ فقال: «إلى خالقه». ورواه ابن المديني بالبصرة: «إلى عالمه»، ونبَّه على الخطأ فيما يظهر، ثم كأن الجهمية عرفوا ذلك، فألزموا ابن المديني أن يرويه بلفظ «إلى خالقه» قائلين: إنك قد

стр. 651

سمعت مرة كذلك، فإذا رويته كذلك لم يكن فيه كذب. فاضطُرَّ إلى إجابتهم، فسأله عباس العنبري، فأجابه بقوله: «قد حدثتكم بالبصرة» وذكر أن الوليد أخطأ فيه. فذكروا للإمام أحمد أن ابن المديني روى بلفظ «إلى خالقه»، فقال: «كذب» يريد أحمدُ أن ابن المديني يعلم أن الصواب «إلى عالمه» وأن كلمة: «إلى خالقه» كذب وقع من الوليد خطأً. وفي الحديث الصحيح: «من حدَّث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين» (١)، فقيل لأحمد: «إن عباسًا العنبري قال لما حدَّث به عليٌّ بـ (العسكر) قلت: إن الناس أنكروه عليك، فقال: قد حدثتكم به بالبصرة. وذكر [١/ ٣٥٨] أن الوليد أخطأ فيه». فغضب أحمد وقال: «نعم، قد علم أن الوليد أخطأ فلِمَ أراد أن يحدِّثهم به؟ يعطيهم الخطأ». وعذره في هذا ما قدمناه. فأما تركُ أحمد وأبي زرعة الروايةَ عن عليّ بعد أن وقعت المحنة، فقد تقدم الجواب عنه في ترجمة إسماعيل بن إبراهيم بن معمر (٢). وأما قول الأستاذ: «ونحسب أنه لم يُعِدَّ ولن يُعِدَّ» فكأنه يشير إلى أن الدعاة كانوا على حق وأن ابن المديني سايرهم عارفًا أنهم على حق، والحق لا يحتاج الإنسان إلى أن يُعِدَّ عن اختياره له جوابًا. فإن كان هذا مغزى الأستاذ، فالكلام فيه مشروح في قسم الاعتقاديات.

стр. 652

وأما ما ذكره الأزدي، فالأزدي نفسه متَّهم، ولا ندري مع ذلك ما سنده إلى ابن المديني. وهبْ أن ذلك صحَّ، فلا يدفع رواية ولد ابن المديني عن أبيه، فإن كثيرًا من الأئمة تختلف أقوالهم في الرجل توثيقًا وجرحًا، إما لتغيير الاجتهاد، وإما لأن إحدى الكلمتين أريد بها خلاف ما يظهر منها، وإما لغير ذلك، كأن يقال هنا: كان دعاة المحنة حنفية، وكانوا ينسبون مقالتهم التي امتحنوا الناسَ فيها إلى أبي حنيفة، ويدعون إلى مذهبه في الفقه كما مرت الإشارة إلى طرف منه في ترجمة سفيان الثوري (١)، فكأنهم استكرهوا ابنَ المديني على أن يثني على أبي حنيفة ويوثقه، فاضطُر إلى أن يوافقهم. وقد يكون ورَّى، فقصد بكلمة: «ثقة» معنى أنه لم يكن يكذب، ثم لما سأله ابنه أخبره بما يعتقده. وأما استبعاد أن يخبر بِشْر وهو من أتباع أبي حنيفة في الفقه بتلك الرؤيا، فلا يكفي لدفع الرواية إذا صح سندها. فقد يعترف الرجل على نفسه، فإذا أخبر بذلك عنه ثقة قُبِل، فما الظن بما يخبر به عن أستاذه أو أستاذ أستاذه؟ وقد يكون بِشْر مع متابعته لأبي حنيفة في الفقه يخالف في بعض العقائد، كما روي عن أبي يوسف أنه قال: «إنما كان مدرسًا، فما كان من قوله حسنًا قبلناه، وما كان قبيحًا تركناه» تراه في «التأنيب» (ص ٤٦). وقد يكون بِشْر يرى أن تلك الرؤيا أضغاث أحلام، فلا يقيم لها وزنًا، وإنما أخبر بها تعجّبًا. وقد يكون يرى أن لها تأويلًا تكون بحسبه فضيلة وبشارة لأبي حنيفة وأصحابه. فيتأول السواد بالسؤدد، وصحبة القسيسين بالإشارة إلى

стр. 653

قول الله ﵎: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ [١/ ٣٥٩] لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢) وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٨٣) وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (٨٤) فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾ [المائدة: ٨٢ - ٨٥]. ولو قيل: إن الخطيب إنما ختم ترجمة أبي حنيفة بهذه الرؤيا نظرًا إلى هذا التأويل كعادته في ختم التراجم بالرؤى التي فيها بشارة لأصحابها، كما فعل في ترجمة محمد بن الحسن وغيرها، لكان أقوى بكثير من كثير من دعاوي الأستاذ. والله الموفق. ١٦٤ - علي بن عمر بن أحمد بن مهدي أبو الحسن الدارقطني: ذكر الأستاذ (ص ١٦٧) ما روي عن الدارقطني من نفيه سماع أبي حنيفة من أنس ثم قال: «وهو الذي يستبيح أن يقول: إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة ثلاثتهم ضعفاء. وأين هو من محمد بن عبد الله الأنصاري الذي يقول في إسماعيل: ما ولي القضاء من لدن عمر بن الخطاب إلى اليوم أعلم من إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة. يعني بالبصرة؟ وأين هو أيضًا من محمد بن مخلد العطار الحافظ الذي ذكر حماد بن أبي حنيفة في عداد الأكابر الذين رووا عن مالك؟ وأين هو أيضًا من هؤلاء الذين أثنوا على أبي حنيفة ... ؟ والدارقطني هو الذي يهذي في أبي يوسف بقوله: أعور بين عميان. وهو الأعمى المسكين بين عُور، حيث ضلَّ في المعتقد، وتابع الهوى في الكلام على الأحاديث واضطرب». وقال (ص ١٧٨): «ومن طرائف صنيع الخطيب أيضًا روايته عن الدارقطني أنه

стр. 654

قال عن أبي يوسف: أعور بين عميان، بعد أن ذكر عنه من رواية البرقاني أنه قال: هو أقوى من محمد بن الحسن. والدارقطني هو الذي يذكر محمد بن الحسن في عداد الثقات الحفاظ حيث يقول في «غرائب مالك» عن حديث الرفع عند الركوع: حدث به عشرون نفرًا من الثقات الحفاظ منهم محمد بن الحسن الشيباني. كما تجد نص هذا النقل منه في «نصب الراية» (١/ ٤٠٨) كما سبق. وقد اعترف الدارقطني في رواية البرقاني بأن أبا يوسف أقوى من محمد، فيكون أبو يوسف حافظًا ثقةً وفوق الثقة عنده. فإذا قال في بعض المجالس في حق مثله: أعور بين عميان ــ كما حكى الخطيب ــ يكون قوله هذيانًا بحتًا وسفهًا صرفًا. فلو عارضه أحد [١/ ٣٦٠] أصحابنا قائلًا: بل هو الأعمى بين عُور، ما بعد عن الصواب؛ لأن الله سبحانه أعمى بصيرة هذا المتسافه في صفات الله سبحانه حتى دوَّن في صفات الله سبحانه ما لا يدوِّنه إلا مجسِّم، وهو حديث الشاب الجعد القطط، وحديث الإقعاد الذي يلهج هو به؛ كما أعمى بصيرة كثير من زملائه وهو معهم في الفروع، فإذن هو فاقد البصر في المعتقد كما أنه فاقد البصر في الفروع. ومن يكون فاقد البصرين يكون هو الأعمى بين أناس عُور لم يفقدوا إلا إحداهما بفقدهم التبصر في بعض الفروع فقط. راجع ما ذكره المحدث البارع الشيخ عبد العزيز الفَنْجابي الهندي مؤلف «نبراس الساري في أطراف البخاري» في حاشيته على «نصب الراية» (٣/ ٨) لتطلع على جلية أمر الدارقطني في الثقة والأمانة، نسأل الله السلامة». والذي في تلك الحاشية مع إصلاح بعض الأخطاء: «من مارس كتابَه علم أنه قلما يتكلم على الأحاديث، إلا حديثًا خالف الشافعيَّ فيُظهِر عَواره، أو وافقه فيصححه إن وجد إليه سبيلًا. لا أقول: إنه يفعل ذلك بهوى النفس، ولكن إذا كان ثقةً ضعَّفه بعضهم، أو ضعيفًا فيه كلام لبعضهم، أو ضعيفًا وثَّقه بعضهم، أو وجد مجهولًا= لا يترقب، ويُظهر طرفه الموافق لإمامه ... وهذا محمد بن عبد الرحمن ابن أبي ليلى القاضي رجل واحد يوثقه في حديث

стр. 655

طهارة المني (ص ٤٦) ويقول: ثقة في حفظه شيء. ويشدِّد القولَ فيه في حديث شَفْع الإقامة (ص ٨٩) ويقول: ضعيف سيّئ الحفظ. وفي حديث القارن يسعى سعيين (ص ٢٧٣) يقول: رديء الحفظ كثير الوهم، كأنه عليه غضبان وله غائظ» أقول: أما استباحة أبي الحسن قولَه: «ثلاثتهم ضعفاء» فلم ينفرد بها والكلام في أبي حنيفة أشهر من أن نحتاج إلى ذكره. وحماد ترجمته في «لسان الميزان» (ج ٢ ص ٣٤٦) (١). ودعوى أن ابن مخلد ذكره في الأكابر الذين رووا عن مالك فيها نظر، كما مرَّ في ترجمة أحمد بن محمد بن الصلت (٢). فإن ثبت ذلك فكِبَرُ العمر لا يستلزم الثقة في الرواية، وذاك الحديث باطل لم يروه حماد ولا أبوه، فإن كان خفي على ابن مخلد بطلانُه دلَّ ذلك على ضعف نقده، وإن [١/ ٣٦١] كان عَرَف ذلك وتسامح فلأن يتسامح في ذكر حماد أقرب. وكذلك إسماعيل ترجمته في «اللسان» (ج ١ ص ٣٩٨) (٣). وقد زعم مصحّحه الحنفي أنه أخرج له أبو داود والترمذي كأنه يزعم أنه هو إسماعيل بن حماد بن أبي سليمان! وهذا من عجائب هؤلاء القوم! والأنصاري ــ إن صح أنه قال تلك الكلمة ــ تغير تغيرًا شديدًا في آخر عمره، فلعله قال تلك الكلمة حين تغيره؛ على أنه كان مضطربًا في ميله إلى الرأي، كان

стр. 656

يتعصب له حتى يلي القضاء، فإذا ولي (١) القضاء قضى بالحديث. وكان بينه وبين معاذ بن معاذ نفرة، ذكروا له قضية لمعاذ بن معاذ فأفتى بخلافها، فلما ولي القضاء قضى بقول معاذ! فقيل له في ذلك فقال: «كنت أنظر في كتب أبي حنيفة، فإذا جاء دخول الجنة والنار لم نجد القول إلا ما قال معاذ». وأخرج الدارقطني في «السنن» (ص ٢١٤) (٢) حديثًا من طريق محمد بن موسى الحارثي (الإصطخري)، عن إسماعيل بن يحيى بن بحر الكرماني، عن الليث بن حماد الإصطخري، عن أبي يوسف، عن غورك بسنده. قال الدارقطني: «تفرد به غورك عن جعفر، وهو ضعيف جدًّا، ومن دونه ضعفاء». فروى الخطيب عن بعضهم أنه لما كانت «السنن» تقرأ على الدارقطني بلغ هذا الموضع فقيل له: إن فيهم أبا يوسف فقال: «أعور بين عميان» يريد أن أبا يوسف وإن كان فيه ضعف ما فهو أحسن حالًا من غورك، والليث بن حماد ومن معهما في السند من الضعفاء. فأما قوله مرة أخرى: إن أبا يوسف أقوى من محمد، فذلك ــ والله أعلم ــ بالنظر إلى حال محمد مطلقًا؛ فإن من الأئمة من يتكلم في محمد، ومنهم من قوَّاه في روايته عن مالك خاصة، كما قاله الذهبي في «الميزان» (٣). فمحمد قويّ في روايته «الموطأ» عن مالك خاصة، فأما في بقية حديثه فيرى الدارقطني أن أبا يوسف أقوى منه.

стр. 657

وأما ما حكاه الزيلعي عن كتاب «غرائب الرواة عن مالك» من قوله: «حدَّث به عشرون نفرًا من الثقات الحفاظ منهم محمد بن الحسن ... » فالجواب عنه من وجهين: الأول: ما تقدم أن محمدًا قويّ عندهم فيما يرويه في «الموطأ» عن مالك وليِّن فيما عدا ذلك، فلا مانع أن يعده الدارقطني في ذاك الحديث الذي هو عنده في «الموطأ» عن مالك من جملة الثقات الحفاظ، ثم يليِّنه في سائر شيوخه، ويقول: إن أبا يوسف أقوى منه مع لين أبي يوسف [١/ ٣٦٢] عنده. غاية الأمر أن كلمات الدارقطني تحتاج إلى تقييد بعضها ببعض، وليس في ذلك ما يضره؛ فإن النصوص الشرعية أنفسها قد تحتاج إلى تقييد بعضها ببعض، على أن سياق كلامه في «الغرائب» يدل على التقييد، ولعله كان مع كلمته الأخرى ما يدل على ذلك. الوجه الثاني: أن قول المحدث: «رواه جماعة ثقات حفاظ» ثم يعدُّهم لا يقتضي أن يكون كلُّ من ذكره بحيث لو سئل عنه ذاك المحدثُ وحدَه لقال: «ثقة حافظ». هذا ابن حبان قصد أن يجمع الثقات في كتابه، ثم قد يذكر فيهم من يليِّنه هو نفسه في الكتاب نفسه. وهذا الدارقطني نفسه ذكر في «السنن» (ص ٣٥) (١) حديثًا فيه مسح الرأس ثلاثًا، وهو موافق لقول أصحابه الشافعية، ثم قال: «خالفه جماعة من الحفاظ الثقات ... » فعدَّهم وذكر فيهم شَريكًا القاضي، وأبا الأشهب جعفر بن الحارث، والحجاج بن أرطاة، وجعفر الأحمر. مع أنه قال

стр. 658

(ص ١٣٢) (١): «شريك ليس بالقوي فيما يتفرد به». وجعفر بن الحارث لم أر له كلامًا فيه، ولكن تكلم فيه غيره من الأئمة كابن معين والنسائي. وحجاج بن أرطاة قال الدارقطني نفسه في مواضع من «السنن»: «لا يحتج به» (٢)، وفي بعض المواضع: «ضعيف» (٣). وجعفر الأحمر اختلفوا فيه. وقال الدارقطني كما في «التهذيب» (٤): «يعتبر به». وهذا تليين كما لا يخفى. ونحو هذا قول المحدّث: «شيوخي كلهم ثقات» أو «شيوخ فلان كلهم ثقات». فلا يلزم من هذا أن كل واحد منهم بحيث يستحق أن يقال له بمفرده على الإطلاق: «هو ثقة». وإنما إذا ذكروا الرجل في جملة من أطلقوا عليهم ثقات، فاللازم أنه ثقة في الجملة، أي له حظ من الثقة. وقد تقدم في القواعد (٥) أنهم ربما يتجوزون في كلمة «ثقة»، فيطلقونها على من هو صالح في دينه، وإن كان ضعيف الحديث أو نحو ذلك. وهكذا قد يذكرون الرجل في جملة من أطلقوا [١/ ٣٦٣] أنهم ضعفاء، وإنما اللازم أن له حظًّا ما من الضعف، كما تجدهم يذكرون في كتب الضعفاء كثيرًا من الثقات الذين تُكُلِّم فيهم أيسر كلام. هذا كله مع أن الدارقطني لو تناقضت بعض كلماته البتة لم يكن في ذلك ما يبيح سوء الظن به، فإن غيره من الأئمة اتفق لهم ذلك. وما أكثر ما

стр. 659

تجده من التناقض في كلمات ابن معين، كما تقدم في القواعد (١). وأما الفَنْجابي الذي يخلع عليه الأستاذ لقب (المحدِّث البارع) وينوِّه بكتابه «نبراس الساري» الذي لا أجحد إفادته وإن كان يتمكن من ترتيبه الطالب العادي، فما يظهر من كلامه أن الدارقطني إنما يصحح ما يوافق مذهب الشافعي وإنما يضعف ما يخالفه، ليس كما قال. وقد تقدم ردُّ الدارقطني خبر مسح الرأس ثلاثًا، وهو موافق لمذهب الشافعي. وذكر (ص ٤٢) (٢) خبرًا فيه الأمر بغسل الإناء من ولوغ الهر فصحَّحه، وهو خلاف مذهب الشافعي. ولذلك نظائر لا أرى حاجةً لتتبعها. وأما ما ذكره من اختلافِ ظاهرِ كلامه في ابن أبي ليلى، فذلك لاختلاف مقتضى الحال. ينبغي أن تعلم أن كلام المحدِّث في الراوي يكون على وجهين: الأول: أن يُسأل عنه، فيجيل فكره في حاله في نفسه وروايته، ثم يستخلص من مجموع ذلك معنى يحكم به. الثاني: أن يستقرّ في نفسه هذا المعنى، ثم يتكلم في ذاك الراوي في صدد النظر في حديث خاص من روايته. فالأول هو الحكم المطلق الذي لا يخالفه حكم آخر مثله إلا لتغير الاجتهاد. وأما الثاني فإنه كثيرًا ما ينحى به نحو حال الراوي في ذاك

стр. 660

الحديث. فإذا كان المحدث يرى أن الحكم المطلق في الراوي أنه صدوق كثير الوهم، ثم تكلم فيه في صدد حديث من روايته، ثم في صدد حديث آخر وهكذا، فإنه كثيرًا ما يتراءى اختلافٌ ما بين كلماته. فمن هذا أن الحجاج بن أرطاة عند الدارقطني صدوق يخطئ فلا يحتج بما ينفرد به. واختلفت كلماته فيه في «السنن» فذكره (ص ٣٥) (١) في صدد حديث وافق فيه جماعةً من الثقات، فعدَّه الدارقطني [١/ ٣٦٤] في جملة «الحفاظ الثقات» كما مرَّ (٢). وذكره (ص ٥٣١) (٣) في صدد حديث أخطأ فيه وخالف مسعرًا وشريكًا فقال الدارقطني: «حجاج ضعيف» وذكره في مواضع أخرى فأكثر ما يقول: «لا يحتج به». وعلى هذا يُنزَّل كلامه في ابن أبي ليلى, فإنه عنده صدوق سيئ الحفظ. ففي (ص ٤٦) (٤) ذكر حديثًا رواه إسحاق الأزرق, عن شريك, عن ابن أبي ليلى، عن عطاء، عن ابن عباس مرفوعًا في طهارة المني. وذكر أن وكيعًا رواه عن ابن أبي ليلى عن عطاء عن ابن عباس من قوله. وقد رواه الشافعي عن ابن عيينة عن عمرو بن دينار وابن جريج كلاهما عن عطاء عن ابن عباس من قوله. فالحديث صحيح عن ابن عباس من قوله. وقد رواه وكيع ــ وهو من الثقات الأثبات ــ عن ابن أبي ليلى كذلك. ورواه شريك عن ابن أبي ليلى

стр. 661

فرفعه. فحال ابن أبي ليلى في هذا الحديث جيدة، لأنه في أثبت الروايتين عنه وافق الأثبات، وفي رواية الأزرق عن شريك عنه رفعه، وقد يحتمل أن يكون الخطأ من الأزرق أو من شريك، فإن الأزرق ربما غلط، وشريكًا كثير الخطأ أيضًا. وقد رواه وكيع عن ابن أبي ليلى على الصواب، فلهذا اقتصر الدارقطني على قوله: «لم يرفعه غير إسحاق الأزرق عن شريك. محمد بن عبد الرحمن هو ابن أبي ليلى ثقة في حفظه شيء». وفي (ص ٨٩) (١) ذكر حديثًا رواه الجبلان سفيان وشعبة عن عمرو بن مرة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى مرسلًا، وخالفهما محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى فرواه موصولًا، فحاله في هذا الحديث رديئة، فظهر أثر ذلك في كلمة الدارقطني فقال: «ضعيف سيئ الحفظ». وفي (ص ٢٧٣) (٢) ذكر أحاديث في القارن يطوف طوافًا واحدًا ويسعى سعيًا واحدًا. وهناك روايات عن علي وابن مسعود أنهما قالا: طوافين وسعيين. ثم ذكر من طريق ابن أبي ليلى عن الحكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن علي أنه «جمع بين الحج والعمرة فطاف لهم طواف واحد (كذا) وسعى لهما سعيين، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ فعل». ولا يخفى ما في هذا من التخليط، فهذا هو الذي أغضب الدارقطني، وغاظه يا (٣) أستاذ! فلذلك قال: «رديء الحفظ كثير الوهم». فأين اتباع الهوى وأين

стр. 662

الاضطراب؟ وماذا أفادتكم الحذلقة والانتحال؟ [١/ ٣٦٥] وأما حديث الشاب الجعد القطط، فقد تقدم الجواب عنه في ترجمة حماد بن سلمة (١). وحديث الإقعاد تقدم الجواب عنه في ترجمة أحمد بن محمد بن الحجاج (٢). وأما ما زعم الأستاذ من ضلال الدارقطني وأئمة الحديث في المعتقد وعمى البصيرة فيه وعمى بصيرة المخالفين لأبي حنيفة في الفروع، فيعلم ما فيه من قسم الاعتقاديات وقسم الفقهيات. وأدع ما بقي موفورًا على الأستاذ! ١٦٥ - عليّ بن عمر بن محمد: في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٧٣ [٣٧٧ - ٣٧٨]): «أخبرني الخلال، حدثنا علي بن عمر بن محمد المُشْتري، حدثنا محمد بن جعفر الأَدَمي ... ». قال الأستاذ (ص ٤٢): «علي بن عمر بن محمد المشتري لم أجد من وثَّقه». أقول: أما أنا فلم أجده، إلا أن يكون هو علي بن عمر بن محمد الحميري يقال له: السكري، والصيرفي، والكيال، والختلي، والحربي. ترجمته في «تاريخ بغداد» (١٢/ ٤٠) وذكر في الرواة عنه الخلال. وذكر عن البرقاني أنه قال فيه: «لا يساوي شيئًا»، وعن الأزهري قال: «صدوق كان سماعه في كتب أخيه، لكن بعض أصحاب الحديث قرأ عليه شيئًا منها لم يكن فيه سماعه، وألحق فيه السماع، وجاء آخرون فحكُّوا الإلحاق وأنكروه.

стр. 663

وأما الشيخ فكان في نفسه ثقة». وعن عبد العزيز الأَزَجي قال: «كان صحيح السماع، ولما أضرَّ قرأ عليه بعض طلبة الحديث شيئًا لم يكن فيه سماعه، ولا ذنب له في ذلك». وعن العتيقي: «حدَّث قديمًا، وأملى في جامع المنصور، وذهب بصره في آخر عمره، وكان ثقة مأمونًا». أقول: فحاصل القصة أن الرجل لم يكن يحفظ، وكان سماعه مقيَّدًا في كتب أخيه، وكان من الكتب ما لم يقيَّد سماعُه فيه. فلما عمي كان يُخرج الكتب، فينظر المحتاطون ما سماعُه فيه، فيقرؤونه عليه. فاتفق أن جاء بعض من لا خير فيه، فطلب إخراج الكتب، فاتفق أن رأى جزءًا ليس عليه سماع الشيخ، فعلم أنه لم يروه قبل ذلك، فألحق فيه سماعًا للشيخ، والشيخ لا يدري، وقال للشيخ: أحبّ أن أقرأ عليك هذا الجزء فإن سماعك فيه. فظنه الشيخ صادقًا فقال: اقرأ. ثم عثر أهل الحديث على ذاك الجزء، فمنهم من لم يحقِّق كالبَرْقاني ظن أن ذلك الإلحاق برضى الشيخ فتكلم فيه. ومنهم من حقَّق، فعلم أن الشيخ بريء من ذلك كما رأيت. فالقول [١/ ٣٦٦] فيه أن ما سمع منه قبل عماه صحيح، فأما بعد عماه فما رواه عنه المحتاطون كالخلال، أو سمع منه بحضرة واحد من المحتاطين فهو صحيح. والله أعلم. ١٦٦ - عليّ بن محمد بن سعيد الموصلي: تقدمت الإشارة إلى روايته في ترجمة علي بن أحمد الرزاز (١). قال الأستاذ (ص ٧٢): «كذَّبه أبو نعيم، وقال ابن الفرات: مخلِّط غير محمود».

стр. 664

أقول: تسمَّح الخطيب، فروى من طريقه ما جاء من طرق أخرى قوية. والله المستعان. ١٦٧ - علي بن محمد بن مهران السوّاق: تقدم له ذكر في «الطليعة» (ص ١٠٩) (١) فأشار الأستاذ في «الترحيب» (ص ٣٩) و (ص ٦٠) إلى أني جعلتُ السواق الصواف. وصدق الأستاذ، وهو الذي سبقني إلى ذلك! وذلك أنه وقع في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٤١٦ [٤٤٥]): «أخبرنا الخلال، حدثنا أحمد بن إبراهيم بن شاذان، أخبرنا علي بن محمد بن مِهران السوّاق، حدثنا محمد بن حماد المقرئ ... » فقال الأستاذ (ص ١٥٦): «علي بن محمد بن مهران السواق من ضعفاء شيوخ الدارقطني» مع أنه لا ذِكْر للدارقطني في السند، ففتشتُ عن علي بن محمد بن مهران فلم أجد، إلا أنني وجدت في «تاريخ بغداد» (١٢/ ٧١) «علي بن محمد بن يحيى بن مهران أبو الحسن الصوّاف الضرير، حدَّث عن أحمد بن محمد بن عيسى السكوني ... روى عنه الدارقطني. وكان ثقة»، فحدستُ أن الأستاذ يرى أن المذكور في السند هو هذا. ومن عادتهم في الأسانيد أن يختصروا فيحذفوا بعض الأسماء في النسب، كما يقولون «أحمد بن حنبل»، ثم يقولون في ابنه «عبد الله بن أحمد بن حنبل»، ومثل هذا كثير. بقي أن الذي في السند «السواق» والذي في الترجمة «الصواف»، فراجعت ترجمة السكوني وهي في «تاريخ بغداد» (٥/ ٥٩) فإذا فيها «روى عنه ... وعلي بن

стр. 665

محمد بن يحيى بن مهران السواق» فقوي الظن. ثم راجعت «سنن الدارقطني» فوجدت فيها (ص ٢٥٥) (١): «نا علي بن محمد يحيى بن مهران السواق» وفيها (ص ٥٧) (٢): «أنا الحسين بن إسماعيل وعلي بن محمد بن مهران» وفيها (ص ٤٠٩) (٣): «نا علي بن محمد بن مهران السواق». فوضح الأمر وبان أن الواقع في سند الخطيب هو صاحب تلك الترجمة الذي قيل فيه: «روى عنه الدارقطني. وكان ثقة»، وأن ما وقع في الترجمة «الصواف» تحريف، والصواب [١/ ٣٦٧] «السواق» وأنّ ذِكرَ الأستاذ أن الواقع في السند من شيوخ الدارقطني كان عن تحقيق، فأما زعمُه أنه من ضعفائهم فمن عنده! ١٦٨ - عليّ بن مِهران الرازي: في «تاريخ بغداد» (١٤/ ٢٥٧) من طريقه: «ثنا ابن المبارك ... ». قال الأستاذ (ص ١٧٨): « ... وفي سندها من لا يجوز الاحتجاج به ومن هو غير ثقة، مثل سلم بن سالم وعلي بن مهران». أقول: قال إبراهيم بن يعقوب الجَوزجاني: «كان رديء المذهب غير ثقة» (٤). وقد تقدمت ترجمة الجوزجاني (٥) وتبيَّن أنه يميل إلى النصب،

стр. 666

ويطلق هذه الكلمة «رديء المذهب» ونحوها على من يراه متشيّعًا وإن كان تشيُّعه خفيفًا. وتحقّق في ترجمته في القواعد (١) أنه إذا جرح رجلًا ولم يذكر حجةً، وخالفه من هو مثله أو فوقه فوثَّق ذلك الرجل، فالعمل على التوثيق. وعليٌّ هذا ذكره ابن حبان في «الثقات» (٢)، وقال ابن عدي: «لا أعلم فيه إلا خيرًا، ولم أر له حديثًا منكرًا، وقد كان راويةً لسَلَمة بن الفضل» (٣). ١٦٩ - عمار بن زُرَيق: في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٤٠٧ [٤٣٣]) من طريق أبي الجوَّاب قال: «قال لي عمار بن زُرَيق: خالِفْ أبا حنيفة فإنك تصيب». قال الأستاذ (ص ١٣٣): «يقول السليماني عنه: إنه كان من الرافضة». أقول: هذا حكاه الذهبي في «الميزان» (٤) قال: «ثقة، ما رأيت لأحد فيه تليينًا إلا قول السليماني: إنه من الرافضة. والله أعلم». ولم يذكر المزي ولا ابن حجر هذه الكلمة في ترجمة عمار بن زريق. والسليمانيُّ مع تأخره وانزوائه في (بِيكند) ممن (٥) ينسب المتقدمين إلى نحو هذا. وفي «لسان

стр. 667

الميزان» (ج ٣ ص ٤٣٣) (١) عنه أنه قال: «ذكر أسامي الشيعة من المحدِّثين ... الأعمش، النعمان بن ثابت، شعبة بن الحجاج ... ». والمتقدمون الذين هم أعرف بعمار اعتمدوه ووثقوه ولم يعيبوه بشيء. قال الإمام أحمد: «كان من الأثبات». ووثَّقه ابن معين وابن المديني وأبو زرعة وغيرهم. وأخرج له مسلم وأبو داود والنسائي. ١٧٠ - عمر بن الحسن أبو الحسين الشيباني القاضي المعروف بابن الأُشناني: في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٧٨ [٣٨٥]): «أخبرني الحسن بن محمد الخلال قال: حدثنا أحمد بن إبراهيم بن [١/ ٣٦٨] الحسن حدثنا عمر بن الحسن القاضي ... ». قال الأستاذ (ص ٥٤): «عمر بن الحسن الأشناني القاضي متكلَّم فيه. وقد ضعَّفه الدارقطني، وكذَّبه الحاكم، وكان يساوي بين السماع والإجازة». أقول: حكى الخطيب عن أبي عبد الرحمن السلمي أنه سأل الدارقطني عن هذا الرجل فقال: «ضعيف» (٢). وعن الخلال أنه قال: «ضعيف تكلموا فيه». فأما السلمي فأراهم يحتملون حكاياته عن الدارقطني مع أنه على يدي عَدْلٍ، راجع ترجمته في «لسان الميزان» (ج ٥ ص ١٤٠) (٣). ومع ذلك لم

стр. 668

يفسر السبب. وكذلك كلمة الخلال. وقال الخطيب (١): «بلغني عن الحاكم أبي عبد الله بن البيِّع النيسابوري قال: سمعت أبا الحسن الدارقطني يذكر ابن الأشناني فقلت: سألت عنه أبا علي الحافظ فذكر أنه ثقة. فقال: بئس ما قال شيخنا أبو علي! دخلت عليه وبين يديه كتاب «الشُّفْعة»، فنظرت فيه فإذا فيه: عن عبد العزيز بن معاوية، عن أبي عاصم، عن مالك، عن الزهري عن سعيد وأبي سلمة، عن أبي هريرة في الشُّفْعة. وبجنبه عن أبي إسماعيل الترمذي، عن أبي صالح، عن عبد العزيز بن عبد الله الماجشون، عن مالك، عن الزهري. وذلك أنه بلغه أن الماجشون جوَّده، فتوهَّم أنه عبد العزيز. قال: فقلت له: قطع الله يدَ مَن كتب هذا ومن حدَّث به! ما حدَّث به أبو إسماعيل ولا أبو صالح ولا الماجشون. وما زال يداريني ... ورأيت في كتابه عن أحمد بن سعيد الجمال عن قبيصة عن الثوري عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر: نهى عن بيع الولاء، وكان يكذب». ولم يذكر الخطيب من بلَّغه عن الحاكم (٢). وقال الذهبي في «الميزان» (٣): «يُروَى عن الدارقطني أنه كذاب، ولم يصح هذا». والظاهر أن الذهبي عنى هذه الحكاية وأنها لم تصح للجهالة بمن بلَّغ الخطيب (٤).

стр. 669

أما ابن حجر فقال في «اللسان» (١): «قال الحاكم: قلت للدارقطني: سألت أبا علي الحافظ عنه، فذكر أنه ثقة. فقال: بئس ما قال شيخنا أبو علي» كذا جزم مع أن من عادته أن لا يجزم بما لا يصح. ثم قال ابن حجر: «وقال أيضًا: دخلت عليه يعني الأشناني ــ وبين يديه كتاب الشفعة ... » ساق القصة التي مضت. وقوله: «وقال أيضًا» يوهم السياق أن مراده: «وقال الحاكم». وعلى ذلك بنى الأستاذ قولَه: «كذَّبه الحاكم»، وقد علمت أن الذي في «تاريخ بغداد» [١/ ٣٦٩] أنها من جملة ما بلغ الخطيبَ عن الحاكم عن الدارقطني. ومع جَزْم ابن حجر هنا فإنه قال في ترجمة عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي: «قال موسى بن هارون ... » (٢)، فجزم، مع أن راوي تلك الكلمة عن موسى هو ابن الأُشناني هذا كما في «تاريخ بغداد» (٣). وكذلك قال الذهبي في ترجمة محمد بن محمد بن سليمان الباغندي من «الميزان» (٤)، وأقرَّه ابن حجر في «اللسان» (٥): «قال محمد بن أحمد بن أبي خيثمة ... » مع أن الخطيب إنما أسند تلك الكلمة من طريق ابن الأُشناني؛ فجَزْمُ ابنِ حجر في هذين الموضعين يقتضي بمقتضى التزامه توثيق

стр. 670

ابن الأشناني. والذي يتجه هنا هو ما أشار إليه الذهبي أن الحكاية التي قال فيها الخطيب: «بلغني عن الحاكم ... » لا تثبت لجهالة من بلَّغ الخطيب. ويزيدها وهنًا أن الدارقطني يروي عن ابن الأُشناني هذا كما يأتي، وأن الخطيب يعتمد عليه في مواضع، وذكر في ترجمة عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي (١) حكايةً فيها ذِكْر موسى بن هارون ثم قال: «والمحفوظ ... » فذكر حكاية من طريق ابن الأشناني. وهَبْ أنها ثبتت، فما فيها من قوله: «بئس ما قال شيخنا أبو علي» وقوله: «وكان يكذب» مبنيّ على ما ظهر له من حال ذينك الحديثين: حديث الشفعة، وحديث الولاء. وسيأتي الجواب عنهما. وقال الخطيب أيضًا (٢): «أخبرني محمد بن أحمد بن يعقوب، أخبرني محمد بن نعيم الضبِّي (هو الحاكم) قال: سمعت أبا علي الهروي يحدث عن عمر بن الحسن الشيباني القاضي. فسألته عنه، فقال: صدوق. قلت: إني رأيت أصحابنا ببغداد يتكلمون فيه، فقال: ما سمعنا أحدًا يقول فيه أكثر من أنه يرى الإجازة سماعًا، وكان لا يحدِّث إلا من أصوله». أقول: هذه الحكاية مسندة صحيحة. وقوله: «يرى الإجازة سماعًا»، يريد به الإجازة الخاصة بدليل قوله: «وكان لا يحدِّث إلا من أصوله» وهي قوية. فإن كان معنى أنه يراها سماعًا، هو أنه يعتدُّ بها ويروي ما أجيز له عمَّن
следующие страницы →