← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 337

التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل - ضمن «آثار المعلمي»

عبد الرحمن المعلمي اليماني

Полный текст (1 489 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

ويطلق هذه الكلمة «رديء المذهب» ونحوها على من يراه متشيّعًا وإن كان تشيُّعه خفيفًا. وتحقّق في ترجمته في القواعد (١) أنه إذا جرح رجلًا ولم يذكر حجةً، وخالفه من هو مثله أو فوقه فوثَّق ذلك الرجل، فالعمل على التوثيق. وعليٌّ هذا ذكره ابن حبان في «الثقات» (٢)، وقال ابن عدي: «لا أعلم فيه إلا خيرًا، ولم أر له حديثًا منكرًا، وقد كان راويةً لسَلَمة بن الفضل» (٣). ١٦٩ - عمار بن زُرَيق: في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٤٠٧ [٤٣٣]) من طريق أبي الجوَّاب قال: «قال لي عمار بن زُرَيق: خالِفْ أبا حنيفة فإنك تصيب». قال الأستاذ (ص ١٣٣): «يقول السليماني عنه: إنه كان من الرافضة». أقول: هذا حكاه الذهبي في «الميزان» (٤) قال: «ثقة، ما رأيت لأحد فيه تليينًا إلا قول السليماني: إنه من الرافضة. والله أعلم». ولم يذكر المزي ولا ابن حجر هذه الكلمة في ترجمة عمار بن زريق. والسليمانيُّ مع تأخره وانزوائه في (بِيكند) ممن (٥) ينسب المتقدمين إلى نحو هذا. وفي «لسان

стр. 667

الميزان» (ج ٣ ص ٤٣٣) (١) عنه أنه قال: «ذكر أسامي الشيعة من المحدِّثين ... الأعمش، النعمان بن ثابت، شعبة بن الحجاج ... ». والمتقدمون الذين هم أعرف بعمار اعتمدوه ووثقوه ولم يعيبوه بشيء. قال الإمام أحمد: «كان من الأثبات». ووثَّقه ابن معين وابن المديني وأبو زرعة وغيرهم. وأخرج له مسلم وأبو داود والنسائي. ١٧٠ - عمر بن الحسن أبو الحسين الشيباني القاضي المعروف بابن الأُشناني: في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٧٨ [٣٨٥]): «أخبرني الحسن بن محمد الخلال قال: حدثنا أحمد بن إبراهيم بن [١/ ٣٦٨] الحسن حدثنا عمر بن الحسن القاضي ... ». قال الأستاذ (ص ٥٤): «عمر بن الحسن الأشناني القاضي متكلَّم فيه. وقد ضعَّفه الدارقطني، وكذَّبه الحاكم، وكان يساوي بين السماع والإجازة». أقول: حكى الخطيب عن أبي عبد الرحمن السلمي أنه سأل الدارقطني عن هذا الرجل فقال: «ضعيف» (٢). وعن الخلال أنه قال: «ضعيف تكلموا فيه». فأما السلمي فأراهم يحتملون حكاياته عن الدارقطني مع أنه على يدي عَدْلٍ، راجع ترجمته في «لسان الميزان» (ج ٥ ص ١٤٠) (٣). ومع ذلك لم

стр. 668

يفسر السبب. وكذلك كلمة الخلال. وقال الخطيب (١): «بلغني عن الحاكم أبي عبد الله بن البيِّع النيسابوري قال: سمعت أبا الحسن الدارقطني يذكر ابن الأشناني فقلت: سألت عنه أبا علي الحافظ فذكر أنه ثقة. فقال: بئس ما قال شيخنا أبو علي! دخلت عليه وبين يديه كتاب «الشُّفْعة»، فنظرت فيه فإذا فيه: عن عبد العزيز بن معاوية، عن أبي عاصم، عن مالك، عن الزهري عن سعيد وأبي سلمة، عن أبي هريرة في الشُّفْعة. وبجنبه عن أبي إسماعيل الترمذي، عن أبي صالح، عن عبد العزيز بن عبد الله الماجشون، عن مالك، عن الزهري. وذلك أنه بلغه أن الماجشون جوَّده، فتوهَّم أنه عبد العزيز. قال: فقلت له: قطع الله يدَ مَن كتب هذا ومن حدَّث به! ما حدَّث به أبو إسماعيل ولا أبو صالح ولا الماجشون. وما زال يداريني ... ورأيت في كتابه عن أحمد بن سعيد الجمال عن قبيصة عن الثوري عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر: نهى عن بيع الولاء، وكان يكذب». ولم يذكر الخطيب من بلَّغه عن الحاكم (٢). وقال الذهبي في «الميزان» (٣): «يُروَى عن الدارقطني أنه كذاب، ولم يصح هذا». والظاهر أن الذهبي عنى هذه الحكاية وأنها لم تصح للجهالة بمن بلَّغ الخطيب (٤).

стр. 669

أما ابن حجر فقال في «اللسان» (١): «قال الحاكم: قلت للدارقطني: سألت أبا علي الحافظ عنه، فذكر أنه ثقة. فقال: بئس ما قال شيخنا أبو علي» كذا جزم مع أن من عادته أن لا يجزم بما لا يصح. ثم قال ابن حجر: «وقال أيضًا: دخلت عليه يعني الأشناني ــ وبين يديه كتاب الشفعة ... » ساق القصة التي مضت. وقوله: «وقال أيضًا» يوهم السياق أن مراده: «وقال الحاكم». وعلى ذلك بنى الأستاذ قولَه: «كذَّبه الحاكم»، وقد علمت أن الذي في «تاريخ بغداد» [١/ ٣٦٩] أنها من جملة ما بلغ الخطيبَ عن الحاكم عن الدارقطني. ومع جَزْم ابن حجر هنا فإنه قال في ترجمة عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي: «قال موسى بن هارون ... » (٢)، فجزم، مع أن راوي تلك الكلمة عن موسى هو ابن الأُشناني هذا كما في «تاريخ بغداد» (٣). وكذلك قال الذهبي في ترجمة محمد بن محمد بن سليمان الباغندي من «الميزان» (٤)، وأقرَّه ابن حجر في «اللسان» (٥): «قال محمد بن أحمد بن أبي خيثمة ... » مع أن الخطيب إنما أسند تلك الكلمة من طريق ابن الأُشناني؛ فجَزْمُ ابنِ حجر في هذين الموضعين يقتضي بمقتضى التزامه توثيق

стр. 670

ابن الأشناني. والذي يتجه هنا هو ما أشار إليه الذهبي أن الحكاية التي قال فيها الخطيب: «بلغني عن الحاكم ... » لا تثبت لجهالة من بلَّغ الخطيب. ويزيدها وهنًا أن الدارقطني يروي عن ابن الأُشناني هذا كما يأتي، وأن الخطيب يعتمد عليه في مواضع، وذكر في ترجمة عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي (١) حكايةً فيها ذِكْر موسى بن هارون ثم قال: «والمحفوظ ... » فذكر حكاية من طريق ابن الأشناني. وهَبْ أنها ثبتت، فما فيها من قوله: «بئس ما قال شيخنا أبو علي» وقوله: «وكان يكذب» مبنيّ على ما ظهر له من حال ذينك الحديثين: حديث الشفعة، وحديث الولاء. وسيأتي الجواب عنهما. وقال الخطيب أيضًا (٢): «أخبرني محمد بن أحمد بن يعقوب، أخبرني محمد بن نعيم الضبِّي (هو الحاكم) قال: سمعت أبا علي الهروي يحدث عن عمر بن الحسن الشيباني القاضي. فسألته عنه، فقال: صدوق. قلت: إني رأيت أصحابنا ببغداد يتكلمون فيه، فقال: ما سمعنا أحدًا يقول فيه أكثر من أنه يرى الإجازة سماعًا، وكان لا يحدِّث إلا من أصوله». أقول: هذه الحكاية مسندة صحيحة. وقوله: «يرى الإجازة سماعًا»، يريد به الإجازة الخاصة بدليل قوله: «وكان لا يحدِّث إلا من أصوله» وهي قوية. فإن كان معنى أنه يراها سماعًا، هو أنه يعتدُّ بها ويروي ما أجيز له عمَّن

стр. 671

أجازه، فليس في هذا إلَّا أنه يصحِّح الإجازة الخاصة، وهو قول أكثر أهل العلم. وإن كان معناه أنه يروي ما أجيز له بلفظ «حدَّثنا»، فاصطلاح له قد عُرف، ولا محذور فيه. وقول أبي علي: «وكان لا يحدِّث إلا من أصوله» عظيم القيمة كما سترى. فأما حديث الشفعة فهو في «الموطأ» (١) مرسل، ورواه أبو عاصم الضحاك بن مخلد، والماجشون عبد الملك بن عبد العزيز بن عبد الله، عن مالك، فوصلاه بذكر أبي هريرة. وفي تلك الحكاية: أنه رُئي في [١/ ٣٧٠] كتاب الأُشناني من طريق أبي عاصم، فعُرف ذلك ولم يُنكَر. ورئي إلى جنبه عن أبي إسماعيل الترمذي، عن أبي صالح، عن عبد العزيز بن عبد الله الماجشون، عن مالك؛ فاستنكِر هذا. وحدس المستنكر أن ابن الأشناني بلغه أن الماجشون وافق أبا عاصم في تجويده أي وَصْله، فظنَّ أن الماجشون هذا هو عبد العزيز، فركَّب السندَ إليه. والجواب: أنه قد روى غيرُه هذا الحديث عن أبي إسماعيل الترمذي، عن يحيى بن عبد الرحمن بن أبي قتيلة، عن مالك، فذكره موصولًا كما في «سنن البيهقي» (ج ٦ ص ١٠٣)، فمن المحتمل أن يكون ابن الأشناني سمع هذا من الترمذي في جملة ما سمع، ولم يكتبه أو كتبه ولم يهتد إلى موضعه من كتبه، وبقي عالقًا بذهنه أنه سمع الحديث من الترمذي من طريق أخرى غيرطريق أبي عاصم. فلما بلغه أن الماجشون رواه موصولًا ظن أنه عبد العزيز، وكان قد سمع من الترمذي عن أبي صالح عن عبد العزيز

стр. 672

أحاديثَ، فحدس أن هذا الحديث منها، فكتبه كذلك ليتذكره ثم يبحث في أصوله لعله يجده. ولم يكن من نيته أن يرويه قبل أن يجده في أصوله، فقد تقدم أنه كان «لا يحدِّث إلا من أصوله». وليس في هذا ما يُغمز به، على أنه لو كان كَتَبه في بعض مسوداته وهو يعلم بطلانه، فإنه لا يلزمه اسم الكذب حتى يحدِّث به. وإذْ قد عُلِم أن من عادته أن لا يحدِّث إلا من أصوله، فقد عُلِم أنه لم يكن يريد أن يحدِّث بذلك الذي كتبه، فكانت كتابته له ضربًا من العبث. وأما حديث الولاء فهو متواتر عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر، رواه الثوري، وعبيد الله بن عمر، وجَمْع كثير عن عبد الله بن دينار. ثم رواه يحيى بن سليم الطائفي، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر. فظنوا أنه وهم، لكن رواه أبو ضَمْرة، ويحيى بن سعيد الأموي، عن عبيد الله، عن عبد الله بن دينار ونافع معًا، عن ابن عمر. وعلى ما في الحكاية: رُئي في كتاب ابن الأُشناني، عن أحمد بن سعيد الجمال، عن قبيصة، عن الثوري، عن عبيد الله، عن نافع. فاستنكر هذا لأنه لم يعرف رواه عن الثوري كذلك. والجواب: أنه يحتمل أن يكون الوهم من أحمد بن سعيد الجمال، فقد عُرِف له شِبْهُ ذلك. ففي ترجمته في «تاريخ بغداد» (ج ٤ ص ١٧٠) روايته عن قَبيصة، عن الثوري، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر مرفوعًا: «من أريد ماله بغير حق فقاتل دونه فهو [١/ ٣٧١] شهيد». وذكر الخطيب أن المحفوظ عن الثوري، عن عبد الله بن الحسن، عن إبراهيم بن محمد بن طلحة، عن عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعًا.

стр. 673

وقال الذهبي في «الميزان» (١): «أحمد بن سعيد الجمّال، بغداديّ صدوق ... تفرّد بحديث منكر، رواه عنه أحمد بن كامل وغيره: حدثنا أبو نعيم، ثنا هشيم، حدثنا عوف، عن محمد، عن أبي هريرة مرفوعًا: ابن السبيل أول شارب ــ يعني من زمزم» وهذا أخرجه الطبراني في «الصغير» (ص ٥٠) (٢): «ثنا إبراهيم بن علي الواسطي المستملي ببغداد، ثنا أحمد بن سعيد الجمال، ثنا أبو نعيم ... ». قال الطبراني: «لم يروه عن عوف إلا هشيم، ولا عن هشيم إلا أبو نعيم، تفرد به أحمد بن سعيد الجمال». فإذ قد عُرِف للجمال مثلُ هذا، فالأولى حَمْلُ حديث الولاء عليه. وابن الأُشناني مكثر لا يُستنكر لمثله التفرّدُ عن الجمال هذا. وذكر الذهبي (٣) لابن الأشناني حديثًا ثالثًا قال: «قال الدارقطني: حدثنا عمر بن الحسن بن علي، ثنا محمد بن هشام المروزي ــ هو ابن أبي الدُّمَيك موثَّق ــ ثنا محمد بن حبيب الجارودي، ثنا سفيان بن عيينة، عن ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد، عن ابن عباس ... ». قال الذهبي: «فآفة هذا هو عمر، ولقد أثِمَ الدارقطنيُّ بسكوته عنه، فإنه بهذا الإسناد باطل. ما رواه ابن عيينة قط ... ». تعقبه ابن حجر في «اللسان» (٤) فقال: «لم ينفرد بهذا، تابعه عليه في «مستدركه» الحاكم. ولقد عجبتُ من قول المؤلف: ما رواه ابن عيينة قط؛

стр. 674

مع أنه رواه عنه الحميدي، وابن أبي عمر، وسعيد بن منصور، وغيرهم من أصحابه، إلا أنهم وقفوه على مجاهد لم يذكروا ابن عباس فيه. فغايته أن يكون محمد بن حبيب وهِم في رفعه». [١/ ٣٧٢] وذكر الخطيب في ترجمة ابن الأُشناني تحديثه في حياة إبراهيم الحربي، ثم قال: «تحديث ابن الأشناني في حياة إبراهيم الحربي له فيه أعظم الفخر وأكبر الشرف، وفيه دليل على أنه كان في أعين الناس عظيمًا ومحلُّه كان عندهم جليلًا. أخبرنا علي بن المُحسِّن أخبرنا طلحة بن محمد بن جعفر قال ... واستقضى في هذا اليوم أبا الحسين ... المعروف بابن الأشناني ... وهذا رجل من جِلَّة الناس ومن أصحاب الحديث المجوِّدين، وأحد الحفاظ له، وحسن المذاكرة بالأخبار ... وقد حدَّث حديثًا كثيرًا، وحمل الناس عنه قديمًا وحديثًا». أقول: ولم يُنْكَر عليه مما حدَّث به وسمعه الناس منه خبر واحد، فلا أُراه إلا قويًّا. والله أعلم. ١٧١ - عمر بن قيس المكي: في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٤٠٧ [٤٣٣]) من طريق «مؤمل بن إسماعيل قال: قال عمر بن قيس: من أراد الحق فليأت الكوفة، فلينظر ما قال أبو حنيفة وأصحابه، فليخالفهم». قال الأستاذ (ص ١٣٣): «منكر الحديث ساقط على ما ذكره غير واحد من النقاد».

стр. 675

أقول: صدق الأستاذ (١)، ولم يحسن الخطيب بذكر هذه الحكاية. ١٧٢ - عمر بن محمد بن عمر بن الفياض: في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٩٠ [٤٠٧]) حكاية من طريقه قد توبع على أكثر ما فيها. قال الأستاذ (ص ٨٥): «غير موثق». ١٧٣ - عمر بن محمد بن عيسى السَّذابي الجوهري: في ترجمة أبي حنيفة من «تاريخ بغداد» حكايات من طريقه عن الأثرم منها (ص ٣٨٠ [٣٨٧] و ٣٨٤ [٣٩٦] و ٤٠٥ [٤٢٨] و ٤١٧ [٤٤٦]). قال الأستاذ (ص ٥٨): «قال الذهبي: في حديثه بعض النكرة. تفرد برواية ذاك الحديث الموضوع: القرآن كلامي ومني خرج ... ». [١/ ٣٧٣] أقول: روى السَّذابي هذا الحديث عن الحسن بن عَرَفة، فقد يكون رواه من حفظه، فوهم أو أدخله عليه بعض الجهال. فأما روايته عن (٢) الأثرم فالظاهر أنها من كتابٍ مؤلّف، والاعتماد في ذلك على صحة النسخة، كما مر في ترجمة عبد الله بن جعفر (٣) وغيرها. ولذلك تجد تلك الحكايات مستقيمة قد توبع عليها. (٤)

стр. 676

١٧٤ - عَمْرو بن علي بن بحر أبو حفص الفلَّاس: في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٨٢ [٣٩١]) من طريق إبراهيم بن سعيد الجوهري، ثم من طريق عَمرو بن عليّ يقول كل منهما: سمعت معاذ بن معاذ يقول: سمعت سفيان الثوري يقول: استتبتُ أبا حنيفة من الكفر مرتين». قال الأستاذ (ص ٦٥): «شديد التعصب وشديد الانحراف عن أهل الكوفة». أقول: لا أعرفه بالتعصب، ولو عُرف به ما كان ذلك خادشًا في روايته مع ما ثبت من ثقته وأمانته. والحكاية مشهورة بل متواترة حقًّا. ١٧٥ - عمران بن موسى الطائي: في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٨٩ [٤٠٥]) من طريق سلامة بن محمود القيسي: «حدثنا عمران (١) بن موسى الطائي، حدثنا إبراهيم بن بشار الرمادي ... ». قال الأستاذ (ص ٨٢) في الحاشية: «قد أعلَّ الدارقطني حديثًا في «السنن» لانفراد هذا الطائي به، وعدَّه منكرًا. راجع «سنن الدارقطني» (ج ١ ص ٢٢٥)». أقول: الذي في ذاك الموضع من «سنن الدارقطني» (٢): «حدثنا محمد بن مخلد، حدثنا أحمد بن محمد بن نصر الأشقر أبو بكر، ثنا

стр. 677

عمران بن موسى الطائي بمكة، ثنا إسماعيل بن سعيد الخراساني، ثنا إسحاق بن سليمان الرازي قال: قلت لمالك بن أنس: يا أبا عبد الله كم وَزْن صاع النبي ﷺ ؟ قال: خمسة أرطال وثلث بالعراقي أنا حررته. قلت: يا أبا عبد الله خالفت شيخ القوم. قال من هو؟ قلت: أبو حنيفة، يقول: ثمانية أرطال. فغضب غضبًا شديدًا وقال: [١/ ٣٧٣] قاتله الله، ما أجرأه على الله! ثم قال لبعض جلسائه: يا فلان هات صاع جدِّك، ويا فلان هات صاع عمِّك، ويا فلان هات صاع جدَّتك. قال إسحاق: فاجتمعت آصع ... ». ولم يتكلم الدارقطني عليه بشيء. وإنما في الحاشية: «قال صاحب التنقيح: إسناده مظلم وبعض رجاله غير مشهور ... ». وفي كتاب ابن أبي حاتم (ج ٣ قسم ١ ص ٣٠٦): «عمران بن موسى الطرسوسي وهو أبو موسى، روى عن روّاد (١) بن الجراح، وفيض بن إسحاق، وعبد الصمد بن يزيد خادم الفضيل. روى عنه أبي ... سئل أبي عنه فقال: صدوق ثقة» ربما يكون هذا. وقد توبع على الحكاية التي ذكرها الخطيب. رواها ابن أبي خيثمة في «تاريخه» عن إبراهيم بن بشار الرمادي شيخ عمران، وزاد في آخرها: «قال سفيان: هل سمعتم بشرٍّ من هذا؟ ! ». نقله ابن عبد البر في «الانتقاء» (ص ١٤٩) (٢).

стр. 678

١٧٦ - عنبسة بن خالد: قال الأستاذ (ص ١٧٣) في الحاشية: «قال ابن أبي حاتم عنه: إنه كان على خراج مصر، وكان يعلِّق النساء بثُدِيِّهن. وقال ابن القطان: كفى بهذا في تجريحه. وكان أحمد يقول: ما لنا ولعنبسة ... هل روى عنه غير أحمد بن صالح؟ وقال يحيى بن بكير: إنما يحدِّث عن عنبسة مجنون أحمق، لم يكن بموضع للكتابة عنه». أقول: الذي في كتاب ابن أبي حاتم (ج ٣ قسم ١ ص ٤٠٢): «سألت أبي عن عنبسة بن خالد فقال: كان على خراج مصر، وكان يعلِّق النساء بثُدِيّهِنّ». وأبو حاتم ولد سنة ١٩٥، وأول طلبه الحديث سنة ٢٠٩، وإنما دخل مصر بعد ذلك بمدة. فلم يدرك عنبسة ولا ولايته الخراج؛ لأن عنبسة توفي سنة ١٩٨. ولا يُدْرَى مَن أخبر أبا حاتم بذلك؟ فلا يثبت ذلك ولا ما يترتب عليه من الجرح. وقال ابن أبي حاتم: «سمعت محمد بن مسلم (ابن وارة) يقول: روى ابن وهب عن عنبسة بن خالد. قلت لمحمد بن مسلم: فعنبسة بن خالد أحب إليك أو وهب الله بن راشد؟ فقال: سبحان الله! ومن يقرن عنبسة إلى وهب الله؟ ما سمعت بوهب الله إلَّا الآن منكم». فقد روى عن عنبسة أحمد بن صالح على إتقانه، وعبد الله بن وهب على جلالته وتقدمه، وكلٌّ منهما أعقل وأفضل من مائة مثل يحيى بن بكير. وروى عنه أيضًامحمد بن [١/ ٣٧٥] مهدي الإخميمي وغيرهم كما في «التهذيب» (١). فأما الإمام أحمد فكأنه سمع بأن عنبسة كان يجبي الخراج، فكرهه لذلك. وليس في ذلك ما يثبت به الجرح. وقد ذكره ابن حبان في

стр. 679

«الثقات» (١)، وأخرج له البخاري في «الصحيح» مقرونًا بغيره، وأخرج له أبو داود في «السنن» وقال الآجري عن أبي داود: «عنبسة أحب إلينا من الليث بن سعد. سمعت أحمد بن صالح يقول: عنبسة صدوق». كنت استعظمت هذه الكلمة للاتفاق على جلالة الليث وإمامته، ثم تبيَّن لي كما يرشد إليه السياق أن مراده تفضيل عنبسة على الليث في أمر خاص، وهو روايتهما عن يونس بن يزيد الأيلي (٢). فإن أصول يونس كانت صحيحة كما قاله ابن المبارك وغيره، وكان إذا حدَّث من غيرها ربما يخطئ. وكان الليث سمع من يونس من غير أصوله، وعنبسة سمع من عمه يونس من أصوله وكانت أصوله عند عنبسة. ويدل على هذا أن أبا داود قال عقب كلمته تلك: «سألت أحمد بن صالح قلت: كانت أصول يونس عنده أو نسخه؟ قال: بعضها أصول وبعضها نسخه». فعنبسة يروي عنه ابن وهب، ويصدِّقه أحمد بن صالح، ويثني عليه ابن وارة، ويثبته أبو داود، ويستشهد به البخاري، ويوثقه ابن حبان. (٣) ١٧٧ - فهد بن عوف أبو ربيعة ، اسمه زيد ولقبه فهد: في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٤٠٦ [٤٣٢]) من طريق «إبراهيم بن راشد الأَدَمي قال: سمعت أبا ربيعة محمد (٤) (؟) بن عوف يقول: سمعت

стр. 680

حماد بن سلمة ... ». قال الأستاذ (ص ١٢٩): «وأبو ربيعة فهد بن عوف، وقد كذَّبه ابن المديني». أقول: قال ابن أبي حاتم (١): «سمعت أبي يقول: ما رأيت بالبصرة أكيس ولا أحلى من أبي ربيعة فهد بن عوف، وكان ابن المديني يتكلم فيه ... قيل لأبي: ما تقول فيه؟ فقال: تعرف وتنكر، وحرَّك يدَه». ثم ذكر عن أبي زرعة قصةً حاصلها: أن أبا إسحاق الطالقاني ورد البصرة، فحدَّث من حديث ابن المبارك بحديثين غريبين؛ أحدهما عن وُهيب بسنده، والآخر عن حماد بن سلمة بسنده. فبعد مدة يسيرة حدَّث فهد بالحديث الأول عن وهيب بن خالد بذاك السند، والثاني عن حماد بن سلمة بسنده، فرموا فهدًا بسرقة الحديثين، وأنه إنما سمعهما من الطالقاني [١/ ٣٧٦] عن ابن المبارك عن وهيب وعن حماد، فحدَّث بهما عن وهيب وعن حماد. وغلط مع ذلك فروى الأول عن وهيب بن خالد، وإنما وهيب شيخ ابن المبارك وهيب بن الورد. والحجة في رميه بسرقة الحديث الثاني أنه حديث غريب لم يكن في كتب حماد بن سلمة ولا رواه عنه غير ابن المبارك، حتى حدَّث به الطالقاني عن ابن المبارك، فوثب عليه فهد. وقد يحتمل في هذا أن يكون فهد قد سمعه من حماد بن سلمة ثم غفل عنه، فلما حدَّث به الطالقاني واستفاده الناس وأعجبوا به، فتَّش فهدٌ في كتبه فوجده عنده عن حماد بن سلمة، ولكن في هذا الاحتمال بُعْد. فأما الحديث الأول، فالتهمة فيه أشد؛ لأنه ليس من حديث وهيب بن

стр. 681

خالد أصلًا، وإنما هو من حديث وهيب بن الورد. ولا يخفى أنه ليس من الممتنع أن يكون الحديث عند وهيب بن خالد أيضًا ولم يسمعه منه إلا فهد، لكن في هذا من البعد ما فيه. فالظاهر أن هذين الحديثين هما ــ ولا سيما الأول ــ بليَّة هذا الرجل. ولأجل ذلك كذَّبه ابن المديني، وتكلم فيه غيره. لكن يظهر من كلمة أبي حاتم أنه متوقف، وقال ابن أبي حاتم: «قلت لأبي زرعة: يُكتَب حديثه؟ فقال: أصحاب الحديث ربما أراهم يكتبونه». وأسْنَد إلى ابن معين أنه سئل عنه فقال: «ليس لي به علم، لا أعرفه، لم أكتب عنه». وقد يبعد أن لا تكون القصة بلغت ابن معين، ومع ذلك توقَّف. وقال العجلي: «لا بأس به» (١). وذكره ابن حبان في «الثقات» (٢) وقال: «مات يوم الاثنين لأربع خلون من المحرم سنة تسع عشرة ومائتين». والذي يتجه أنه إن كان صرَّح في الحديث الأول بسماعه من وهيب بن خالد فقد لزمته التهمة، وإن لم يصرِّح وإنما رواه بصيغة تحتمل التدليس، فقد يقال: لعله دلَّسه. ولكن يبقى أنهم لم يذكروه بالتدليس، والمدلس إنما يسلم من الجرح بالتدليس إذا كان قد عُرف عنه أنه يدلِّس، فإن ذلك يكون قرينة تخلُّصه من أن يكون تدليسه كذبًا. وقد يقال: كان جازمًا بصحة الخبرين عن وهيب وحماد، فاستجاز تدليسهما، وإن لم يكن قد عُرِف بالتدليس. وفي هذا نظر. والله أعلم.

стр. 682

١٧٨ - القاسم بن حبيب: في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٧٣ [٣٧٧]) من طريق «ابن فضيل عن القاسم بن حبيب قال: وضعت نعلي في الحصى، ثم قلت لأبي حنيفة: أرأيت رجلًا صلى لهذه النعل حتى مات إلا أنه يعرف الله بقلبه؟ فقال: مؤمن». قال الأستاذ (ص ٣٩): «هو راوي [١/ ٣٧٧] حديث ذم القدرية والمرجئة عند الترمذي. وقال ابن معين: ليس بشيء، ولفظ ابن أبي حاتم: ذكر أبي عن إسحاق بن منصور عن يحيى بن معين أنه قال: القاسم بن حبيب الذي يحدِّث عن نزار بن حبان لا شيء اهـ. يعني حديث المرجئة والقدرية عند الترمذي. وتوثيقُ ابن حبان لا يناهضه بل الجرح مقدَّم». أقول: أفاد الأستاذ أن كلمة ابن معين مدارها على حديث المرجئة والقدرية، وكلمة ابن معين تحتمل أوجهًا: الأول: أن يكون قوله: «الذي ... » قصد به تمييز هذا الرجل عن آخر يقال له: القاسم بن حبيب أيضًا. وهذا بعيد، لأننا لا نعرف آخر يقال له: «القاسم بن حبيب». الثاني: أن يكون أراد بقوله: «الذي» الحديث كأنه قال: «حديثه الذي يحدث به ... » وهذا كأن فيه بعدًا عن الظاهر. الثالث: أن يكون ذلك إيحاء إلى العلة كأنه قال: «لا شيء، لأجل حديثه الذي حدَّث به عن نزار». وقول الأستاذ: «يعني حديث المرجئة والقدرية عند الترمذي» ظاهره أنه يحمل كلمة ابن معين على الوجه الثاني، وأيًّا ما كان فالمدار على ذاك

стр. 683

الحديث. فإذا تبين أن القاسم بريء من عُهدته، أو معذور فيه، تبيَّن أنه لا مطعن فيه. فإنه يروي عن جماعة منهم عكرمة، ومحمد بن كعب القرظي، وسلمة بن كُهَيل وغيرهم، ولم يُنكَر عليه خبر واحد إلا ذاك الخبر الذي رواه عن نزار، وحينئذ يصفو له توثيق ابن حبان، فلننظر في ذلك. نزار بن حيّان (١) لم يوثقه أحد، وذكره ابن حبان في «الضعفاء» (٢) وقال: «يأتي عن عكرمة بما ليس من حديثه حتى يسبق إلى القلب أنه المتعمد لذلك». والقاسم إنما روى هذا الحديث عن نزار عن عكرمة، فكأن ابن حبان يشير إليه. والقاسم قد روى عن عكرمة كما مرَّ، فلو أراد الكذب لروى ذاك الحديث عن عكرمة رأسًا، وربح العلوَّ وشهادة نزار له. وقد تابع القاسم على رواية هذا الحديث عن نزار: ابنُه علي بن نزار، وقال ابن معين في علي بن نزار: «ليس حديثه بشيء» لعله أراد هذا الحديث. وعلي بن نزار قد روى عن عكرمة، فلو أراد الكذب [١/ ٣٧٨] لروى هذا الحديث عن عكرمة رأسًا ويربح العلوَّ والشهادة لأبيه. وقال ابن عدي (٣) في ترجمة علي في هذا الحديث «أنكروه على علي وعلى والده». ويؤخذ من «الميزان» (٤) أن بعضهم رواه عن [ابن] (٥) فُضيل

стр. 684

عن نزار وابنه عن عكرمة، ولكن أشار الذهبي إلى أن المحفوظ: «عن ابن فضيل عن القاسم بن حبيب وعلي بن نزار» يعني كلاهما عن نزار عن عكرمة كما في «سنن الترمذي» (١). فالذي يتجه اتجاهًا واضحًا أن الحَمْل في هذا الحديث على نزار، له غُنْمه وعليه غُرْمه. وقد قال الترمذي بعد أن رواه من طريق القاسم بن حبيب وعلي بن نزار، عن نزار، عن عكرمة: «وفي الباب عن عمر وابن عمر ورافع بن خديج، وهذا حديث غريب حسن صحيح» (٢). ثم قال عقبه: «حدثنا محمد (٣) بن رافع، حدثنا محمد بن بشر، حدثنا سلام بن أبي عمرة، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ نحوه». فهذا سلام بن أبي عمرة قد تابع نزارًا، لكن تكلموا في سلام، فقال ابن معين: «ليس بشيء»، وقال ابن حبان (٤): «يروي عن الثقات المقلوبات، لا يجوز الاحتجاج بخبره، وهو الذي روى عن عكرمة عن ابن عباس مرفوعًا: صنفان من أمتي ليس لهما في الإسلام نصيب: المرجئة والقدرية» والترمذي يقول: إن الحديث «حسن صحيح» كما مرّ. والذي يهمنا هنا شأن القاسم بن حبيب، وقد تبين براءته من تَبِعة هذا الحديث، فارتفعت عنه كلمة ابن معين، وَصَفا له توثيق ابن حبان.

стр. 685

ومع هذا فحكايته التي حكاها عن أبي حنيفة، قد روى نحوها يحيى بن حمزة، وهو ثقة، وستأتي ترجمته (١) ولفظه: «إن أبا حنيفة قال: لو أن رجلًا عبد هذه النعل يتقرب بها إلى الله لم أر بذلك بأسًا» (٢). ذكره الأستاذ (ص ٣٩) أيضًا. وهناك كلمات أخرى تلاقي هذا في المعنى، وقد أشرت إلى الجواب الذي يرفع معرَّةَ تلك الكلمات عن أبي حنيفة في موضع آخر (٣). والله المستعان. (٤) ١٧٩ - القاسم بن عثمان: في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٧٣ [٣٧٧]): «حدثنا أبو طالب يحيى بن علي بن الطيب الدَّسْكري لفظًا بحلوان، أخبرنا أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم بن موسى بن إبراهيم السهمي بجرجان، حدثنا أبو شافع معبد بن جمعة الرُّوياني، حدثنا أحمد بن هشام بن طويل قال: سمعت القاسم بن عثمان يقول: مرَّ أبو حنيفة بسكران يبول قائمًا، فقال أبو حنيفة: لو [١/ ٣٧٩] بلت جالسًا. قال: فنظر في وجهه وقال: ألا تمرُّ يا مرجئ؟ قال أبو حنيفة: هذا جزائي منك، صيَّرتُ إيمانك كإيمان جبريل!». قال الأستاذ (ص ٤١): «صيغة القاسم بن عثمان الرحال صيغة انقطاع، وعنه

стр. 686

يقول العقيلي: لا يتابع [على] (١) حديثه، ومعبد بن جمعة كذَّبه أبو زرعة الكَشِّي، وفي السند رجال مجاهيل. هكذا يكون المحفوظ عند الخطيب! والذي أخرجه الحافظ أبو بشر الدولابي عن إبراهيم بن جنيد عن داود بن أمية المروزي قال: سمعت عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي روّاد يقول: جاء رجل إلى أبي حنيفة وهو سكران فقال له: يا مرجئ، فقال له أبو حنيفة: لولا أني أثبتُّ لمثلك الإيمان ما نسبتَني إلى الإرجاء، ولولا أن الإرجاء بدعة ما باليتُ أن أُنسَب إليه اهـ. رواه ابن أبي العوام عن الدولابي ... ». أقول: قوله: «الرحال» تبع فيه ابنَ حجر في «اللسان» (٢)، والمعروف أن القاسم الرحّال آخر، اسم أبيه يزيد، له ترجمة في «اللسان» (٣) أيضًا. وكلاهما يروي عن أنس، وذكرهما ابن حبان في «الثقات» (٤). والقاسم بن عثمان الذي في «اللسان» تكلم فيه البخاري والدارقطني ولم يتبين أنه هو الواقع في سند الحكاية. ومعبد بن جمعة لم يكذِّبه الكشي، بل وثقه كما يأتي في ترجمته (٥). ويوسف بن إبراهيم السهمي موثّق، والحكاية التي ذكرها الأستاذ في كتاب ابن أبي العوام قد نظرتُ في بعض رجالها في «الطليعة» (ص ٢٧ - ٢٨) (٦)، وعبد المجيد مرجئ متكلَّم فيه.

стр. 687

ومع ذلك لا تنافي بين الحكايتين، وقد جاء عن أبي حنيفة أشدّ من ذلك، والحنفية والأستاذ في آخرهم يعترفون بأن أبا حنيفة يقول: إن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، فإذا أثبت لذاك السكران الإيمان، فقد أثبت له أن إيمانه كإيمان جبريل، وهم لا ينكرون هذا، فأيُّ وجه لإنكار الحكاية؟ ١٨٠ - القاسم بن محمد بن حميد المَعْمري (١): ذكر الأستاذ (ص ٦٢) ما روي في ذبح الجعد بن درهم، ثم قال: «والخبر على شيوعه وانتشاره وذيوعه غير ثابت، لانفراد القاسم بن محمد بن حميد المعمري بروايته، ويقول عنه ابن معين: كذاب خبيث، كما في «ميزان الذهبي»». [١/ ٣٨٠] أقول: عبارة «الميزان» (٢): «وثَّقه قتيبة، وقال يحيى بن معين: كذاب خبيث. قال عثمان الدارمي: ليس هو كما قال يحيى، وأنا أدركته ببغداد». وفي «التهذيب» (٣): «قال عثمان بن سعيد: سمعت ابن معين يقول: قاسم المعمري كذاب خبيث. قال عثمان: وليس كما قال يحيى. ثم ذكر توثيق قتيبة له ثم قال: «وذكره ابن حبان في «الثقات» (٤)». وذكره ابن أبي حاتم في كتابه (ج ٣ قسم ٢ ص ١١٩) وذكر مقالة عثمان: «سمعت يحيى بن معين يقول: قاسم المعمري خبيث كذاب. قال عثمان: وقد أدركت قاسمًا

стр. 688

المعمري، وليس كما قال يحيى». وذكره البخاري في «تاريخه» (ج ٤ قسم ١ ص ١٥٨) فقال: «سمع عبد الرحمن بن محمد بن حبيب، روى عنه قتيبة». وأخرج القصة من طريقه في كتاب «خلق أفعال العباد» (١)، ورواية البخاري من طريقه تقوِّيه، كما مرَّ في ترجمة أحمد بن عبد الله أبو عبد الرحمن (٢). وأحسب ابن معين لم يتكلم في هذا، وإنما تكلم في قاسم العمري (٣)؛ ولكن الدارمي خَطْرَفَ الكتابة أولًا، ثم صحَّف، ثم رجع يخالف، كما تقدمت الإشارة إليه في القاعدة السادسة (٤). ولعل الأستاذ يحرص على أن لا تصح قصة الجعد، لتتوفر عليه الأولية، مع أنه لا منافاة! والله المستعان. ١٨١ - قَطَن بن إبراهيم: في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٧٩ [٣٨٦]) من طريق «مسدَّد بن قطن يقول: سمعت أبي يقول: سمعت يحيى بن عبد الحميد ... ». قال الأستاذ (ص ٥٦): «حدَّث بحديث إبراهيم بن طهمان عن أيوب عن نافع عن ابن عمر في الدباغ، فطالبوه بالأصل، فأخرجه وقد كتبه على الحاشية، فتركه مسلم بعد أن صار إليه وكتب عنه جملة. وهو متَّهم بسرقة حديث حفص عن

стр. 689

محمد بن عقيل». أقول: هو حديث واحد رواه محمد بن عقيل، عن حفص بن (١) عبد الله السلمي، عن إبراهيم بن طَهْمان. وكان قَطَن قد سمع من حفص كثيرًا. ثم ذكر محمد بن عقيل أن قطنًا سأله: أي حديث عندك من حديث إبراهيم بن طهمان أَغْرب؟ فذكر له هذا الحديث. فذهب قَطَن، فحدَّث به بالعراق عن حفص، فبلغ محمد بن عقيل فأنكر ذلك وقال: «لم يكن حفِظَ هذا الحديث ــ يعني عن حفص ــ إلا أنا ومحمود أخو خُشْنام (٢)»، واتهم قَطنًا أنه سرقه منه، ثم حدَّث [١/ ٣٨١] به قطن بنيسابور، فطالبوه بالأصل، فدافعهم، ثم أخرجه، فرأوا الحديث مكتوبًا على الحاشية، فأنكروا ذلك. هذا حاصل القصة. وقَطَنٌ مكثر عن حفص وغيره. وقد قال الحاكم أبو أحمد: «حدَّث بحديثين لم يتابع عليهما ويقال: دخل له حديث في حديث، وكان أحد الثقات النبلاء». وذكره ابن حبان في «الثقات» (٣) وقال: «يخطئ أحيانًا، يعتبر حديثه إذا حدَّث من كتابه». وروى عنه أبو حاتم وأبو زرعة، ومن عادة أبي زرعة أن لا يروي إلا عن ثقة كما في «لسان الميزان» (ج ٢ ص ٤١٦) (٤). وقال النسائي: «فيه نظر» ثم روى عنه في «السنن». وقال الذهبي في «الميزان» (٥): «صدوق». فإذا كانت هذه حاله ولم يُنقَم عليه مع إكثاره إلا

стр. 690

ذاك الحديثُ فلعل الأولى أن يُحمل على العذر، فلا يمتنع أن يكون قد سمع الحديث من حفص، ثم نسيه أو خفي عليه أنه غريب، أو طمع أن يدلَّه محمد بن عقيل على حديث غريب آخر، ثم ذكره وتنبَّه لفرديته، فرواه. وقد يكون كتبه ــ بعد أن سمعه ــ في الحاشية أو لا يكون [كتبه] (١) أولًا ثم لما ذكر أنه سمعه أو عرف أنه غريب ألحقه في الحاشية. وكان مع حفص في بلد واحد، فلا مانع أن يكون سمع منه الحديث في غير المجلس الذي سمع فيه محمد بن عقيل وصاحبه. وأهل الحديث ــ جزاهم الله خيرًا ــ ربما يشدِّدون على الرجل، وهم يرون أن له عذرًا، خشيةَ أن يتساهل غيرُه طمعًا في أن يعذروه كما عذروا ذاك. والله أعلم. ١٨٢ - قيس بن الربيع: في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٤٠٥ [٤٣٠]): « .... سئل قيس بن الربيع عن أبي حنيفة فقال: من أجهل الناس بما كان وأعلمه بما لم يكن!». ومن وجه آخر: «أنا من أعلم الناس به، كان أعلم الناس بما لم يكن، وأجهلهم بما كان!». قال الأستاذ (ص ١٢٦): «تركه غير واحد، وكان ابنه يأخذ أحاديث الناس، فيُدخلها في كتابه، فيرويها أبوه قيس بسلامة باطن». أقول: وثَّقه جماعة منهم سفيان الثوري وشعبة، وأثنوا عليه بالعلم والفضل، وتكلموا في روايته. وليس ما هنا من روايته حتى ننظر فيها.

стр. 691

١٨٣ - مالك بن أنس الأصبحي الإمام: قال الأستاذ (ص ١٠٠) عند ذكر الموالي: «حتى إن مالكًا منهم عند الزهري ومحمد بن إسحاق». وفي الحاشية: «حيث قال البخاري ... [١/ ٣٨٢] بسنده إلى ابن شهاب الزهري: حدثني ابن أبي أنس مولى التيميين. وابن أبي أنس [نافع بن] (١) مالك هذا عمُّ مالك بن أنس ﵁». أقول: كلمة «مولى» تطلق في لسان العرب على معاني مختلفة منها الحليف، وذلك معروف مشهور في كلامهم وأشعارهم، وهو المراد هنا كما بيَّنه مالك وغيره. وابن أبي أنس الذي روى عنه الزهري هو نافع بن مالك بن أبي عامر، وقال البخاري في «تاريخه» (٢) في ترجمة نافع هذا: «الأصبحي حليف بني تيم من قريش». وقال في ترجمة أبيه مالك بن أبي عامر: «الأصبحي حليف عثمان بن عبيد الله التيمي» (٣). وهكذا قال في ترجمة مالك الإمام (٤). فأما ابن إسحاق فيظهر أنه إنما كان يطلق أن مالكًا مولى، يريد أنه حليف، ولكن يُحبّ أن يوهم خلاف ذلك لكدورةٍ كانت بينه وبين مالك. ولا نلوم الأستاذ في التشبُّث بالشبهات، فإنه أقام نفسه مُقامًا يضطره إلى ذلك. ولكننا كنا نودّ لو أعرض عن الشبهات التي قد سُبِقَ إليها فحُلَّت

стр. 692

وانحلَّت واضمحلَّت، واقتصر على الشبهات الأبكار التي يجد لذّةً في اختراعها، ويجد أهلُ العلم لذةً في افتراعها! وذكر الأستاذ (ص ١١٦) ما روي عن مالك أنه ذكر أبا حنيفة فقال: «كاد الدينَ، كاد الدينَ». قال الأستاذ: «لست أدري كيف يرميه من يرميه بكيد الدين مع أنه لم يكن متساهلًا في أمر الطهور، ولا متبرئًا من المسح على الخفين في رواية من الروايات، ولا منقطعًا عن الجمعة والجماعات .... ». ذكر الأستاذ أمورًا تُنسَب إلى مالك ليس فيها ما يداني ما عِيبَ به غيرُه، بل ليس فيما يصحُّ منها بحمد الله ما يسوِّغ لذي علم أن يذكره في معرض العيب. وأشفُّها لزومُ البيت وتركُ حضور الجماعة، وقد روي عن مالك أنه قيل له في ذلك فقال: «ليس كلُّ الناس يقدر أن يتكلم بعذره». فعرف الناس أن له عذرًا، وعلموا أنه مؤتمن على دينه، ما كان ليمنعه من ذلك إلا عذر شديد. وقد يكون ذلك كراهية الصلاة خلف أمراء الجور، ومثل هذا العذر لو باح به بطشوا به وأفقدوا الأمة علمه وإمامته، وفي ذلك من الضرر على الدين والأمة ما فيه. وقال الأستاذ (ص ٦٧): «ذكر المبرد في كتاب «اللحنة» عن محمد بن القاسم التمائمي عن [١/ ٣٨٣] الأصمعي قال: دخلت المدينة على مالك بن أنس، فما هِبتُ أحدًا هيبتي له، فتكلم، فلحن، فقال: مُطرنا البارحةَ مطرًا أيَّ مطرًا. فخفَّ في عيني فقلت .... فقال: فكيف لو رأيتم ربيعة؟ كنا نقول له: كيف أصبحت؟ فيقول: بخيرًا بخيرًا». أقول: هذه الحكاية منكرة عن الأصمعي، فيُنظر مَن حكاها عن كتاب المبرّد. وعلى فرض ثبوتها عن المبرّد ففيه كلام معروف. ومحمد بن

стр. 693

القاسم التمائمي لم أعرفه، ولعله محمد بن القاسم اليمامي وهو أبو العيناء، أصله من اليمامة، وليس بثقة. قد اعترف بوضع الحديث، فما بالك بالحكايات. ومما يدل على بطلان هذه الحكاية أمور: الأول: أن الأصمعي كان من أشدِّ الناس توقيرًا لأئمة السنة. الثاني: أنه كان مبجِّلًا لمالك حتى رُوي عنه أنه كان يفتخر بأن مالكًا روى عنه. الثالث: أن فيها قَرْنَ مالكٍ بشيخه ربيعة، وهذا يدل على تحري الطعن في علماء المدينة، وليس ذلك دأب الأصمعي، إنما هو دأب أصحاب الرأي. الرابع: أن اللحن الذي تضمنته الحكاية خارج عن المعتاد؛ فإن العامة فضلًا عن العلماء يقفون بالسكون. وهذا كله يدل أن هذه الحكاية فِرْية قُصِد بها الغضُّ من علماء المدينة. وقال الأستاذ (ص ١٠٦): «ومالك هو القائل في أبي حنيفة ... عرقت مع أبي حنيفة، إنه لفقيه يا مصري ... وهو الذي كان عنده عن أبي حنيفة فقط نحو ستين ألف مسألة، كما رواه الطحاوي بسنده عن عبد العزيز الدراوردي ونقله مسعود بن شيبة في «كتاب التعليم»، وكان يستفيد من كتب أبي حنيفة كما ذكره أبو العباس بن أبي العوام بسنده .... وكان يذاكره العلمَ في المسجد النبوي كلما قدم، كما ذكره الموفق الخوارزمي وغيره». أقول: الحكاية الأولى لم يذكر سندها. والثانية منكرة ولم يذكر سند الطحاوي، ثم إن لم توجد إلا في «كتاب التعليم» فكتاب التعليم حديث

стр. 694

خرافة كما بينته في «الطليعة» (١) وغيرها. والثالثة يُعْلَم حالها من حال ابن أبي العوام (٢) وسنده. والرابعة يراجع ما قد يفيدها في «مناقب أبي حنيفة» للموفق (ج ٢ ص ٣٣) ــ ليعرف ما في تلك الأسانيد المظلمة. وليت الأستاذ جاء بخبرٍ واحد قوي يمكنه أن يَثْبت قليلًا أمام الأخبار التي يضج منها الأستاذ! [١/ ٣٨٤] وقال الأستاذ (ص ١٠٥): «وكان مالك صاحب القِدْح المعلَّى في الرأي .... وما ردَّه من الأحاديث التي رواها هو بأصح الأسانيد عنده في «الموطأ» ولم يعمل هو به يزيد على سبعين حديثًا ... عن الليث بن سعد قال: أحصيتُ على مالك بن أنس سبعين مسألة كلُّها مخالفة لسنة النبي ﷺ مما قال فيها مالك برأيه ... وما دوَّنه أبو العباس محمد بن إسحاق السراج الثقفي من مسائله البالغة سبعين ألفًا كما في «طبقات الحفاظ» للذهبي (ج ٢ ص ٢٦٩) صريح في أنه كان من أهل الرأي ...... ». أقول: أما الأحاديث فقد توقف مالك عن الأخذ ببعضها، وليس ما توقف عنه وقد رواه بأصح الأسانيد عنده في «الموطأ» بكثير كما زعم الأستاذ بدون أن يذكر مستندًا. ومع ذلك فلم يردَّ مالك حديثًا واحدًا بمحض الرأي، ولا ذُكِر له حديثٌ فقال: هذا سجع، أو هذا رجز، أو حُكَّ هذا بذنب خنزير، أو نحو ذلك من الكلمات المروية عن غيره. بل اشتهر عنه قوله: «ما من أحد إلا ويؤخذ من كلامه ويترك إلا صاحب هذا القبر» يعني النبي ﵌، وقوله: «إنما أنا بشر أخطئ وأصيب فانظروا في

стр. 695

رأيي فما وافق السنة فخذوا به». وكان يأخذ بالرأي عند الضرورة، وجاء عنه من وجوه أنه كان يُسأل عن مسائل فيجيب عن بعضها ويدع سائرها. ولو جاءه رجل فقال: جئتك بمائة مسألة لبادر إلى الأمر بإخراجه، فكيف يقاس إلى من قيل له: «جئتك بمائة ألف مسألة» فقال: «هاتها»! (١). فأما ما حُكِي عن الليث، فالأفهام في السنة تختلف، يختلف العالمان في فهم الحديث أو في ترجيح أحد الحديثين على الآخر، فيرى كل منهما أن قول صاحبه مخالف للسنة. وقصة سبعين ألف مسألة حكاها الذهبي (٢) بقوله: «وعن السراج .... » ولا ندري كيف سندها إلى السراج (٣). ومع ذلك فقول الأستاذ: «صريح في أنه كان من أهل الرأي» مجازفة. وهذه كتب الظاهرية موجودة فليتصفحها الأستاذ وليحْصِ المسائل التي فيها، ليعلم بطلان ما زعمه من الصراحة. وأوضح من هذا أن الظاهرية وأهل الحديث يجيبون عن كل مسألة حدثت أو تحدث [١/ ٣٨٥] وذلك يزيد عن سبعين ألفًا

стр. 696

مضروبة في مثلها بدون أن يكونوا من أهل الرأي. وخاصةُ أهل الرأي هي الرغبة عن العناية بالسنة استغناءً بالرأي، وردُّ السنن الصحيحة بمحض الرأي، ومالك رحمه الله تعالى بريء من هذا. قال أبو مصعب عن مالك: «ما أفتيت حتى شهد لي سبعون أني أهل لذلك». وقال حرملة عن الشافعي: «مالك حجة الله على خلقه بعد التابعين». واتفق الشافعي ومحمد بن الحسن على أن مالكًا أعلم من أبي حنيفة بالكتاب والسنة وآثار الصحابة. وقال ابن عيينة وعبد الرزاق في حديث أبي هريرة مرفوعًا: «يوشك أن يَضْرب الناسُ أكبادَ الإبل يطلبون العلم، فلا يجدون أعلم من عالم المدينة» (١): هو مالك. وما روي عن ابن عيينة أنه قال مرة: «هو العمري العابد» لا وجه له، لأن العمري العابد ــ وهو عبد الله بن عبد العزيز بن عبد الله بن عبد الله بن عمر ــ لم يشتهر بالعلم بالمعنى المعروف، بل لم يُعرف به. بل قال ابن حبان: «لعل كل شيء حدَّث في الدنيا لا يكون أربعة أحاديث» (٢). وليس له في الأمهات الست ولا في الكتب الأخرى لأصحابها التي أخذ رجالها في «التهذيب» إلا حديث واحد مرسل في «مراسيل أبي داود» (٣). ولم تُضرب إليه أكباد الإبل، بل لعله لم يرحل إليه بعيرٌ واحد! وإنما كان هو ﵀ يخرج إلى البراري لتعليم

стр. 697

الأعراب ضروريات الدين، فكيف ينطبق عليه هذا الحديث؟ فأما انطباقه على مالك فكالشمس وضوحًا، ولم يثبت في فضل غيره من الأئمة ما يظهر انطباقه مثلَ هذا الظهور ولا قريبًا منه. والله الموفق. ١٨٤ - محبوب بن موسى أبو صالح الفراء: جاءت من طريقه روايات تقدم بعضُها في ترجمة عبد الله بن الزبير الحميدي، وبعضها في ترجمة عثمان بن سعيد الدارمي (١). قال الأستاذ (ص ١٧): «صاحب تلك الحكايات التالفة الذي يقول عنه أبو داود: لا تُقبل حكاياته إلا من كتاب». أقول: لفظ أبي داود: «ثقة لا يلتفت إلى حكاياته إلا من كتاب»، كما تقدم في «الطليعة» (ص ٧٣) (٢). فقوله: «ثقة» يدفع عنه الكذب والمجازفة والتساهل الفادح، ويعيِّن أن [١/ ٣٨٦] المقصود أنه كان لا يتقن حفظ الحكايات كما يحفظ الحديث، فكان إذا حكاها من حفظه يخطئ. فلا يحتج من حكاياته إلا بما رواه من كتابه، أو توبع عليه، أو ليس بمظنةٍ للخطأ. وقد قال العجلي: «ثقة صاحب سنة» (٣). وقال ابن حبان في «الثقات» (٤): «متقن فاضل». وقال أبو حاتم: «هو أحب إلي من المسيب بن واضح» (٥).

стр. 698

١٨٥ - محمد بن إبراهيم بن جناد المنقري: في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٤١٤ [٤٤٣]) من طريقه قال: «حدثنا أبو بكر الأعين، حدثنا إبراهيم بن شماس قال: سمعت ابن المبارك يقول: اضربوا على حديث أبي حنيفة». قال الأستاذ (ص ١٥٠): «لم يوثِّقه غيرُ ابن خراش، ولعله كان على مذهبه». أقول: قد روى عنه موسى بن هارون الحمَّال الحافظ الجليل وغيره، ولم يغمزه أحد. وقال ابن خراش: «ثقة مأمون». وقد توبع على هذه الحكاية، وجاء معناها من وجوه. وقال ابن حبان في ترجمة إبراهيم بن شماس من «الثقات» (١): «سمعت عمر بن محمد البحيري يقول: سمعت محمد بن سهل بن عسكر يقول: سمعت إبراهيم شماس يقول: رأيت ابنَ المبارك يقرأ كتابًا على الناس في الثغر , وكلما مرَّ على ذِكْر أبي حنيفة قال: اضربوا عليه. وهو آخر كتاب قرأ على الناس , ثم مات». وقال أبو حاتم في ترجمة النعمان (٢): «تركه ابن المبارك بأخرة» ومع تضافر الروايات بذلك حاول الأستاذ (ص ١٢٤) و (ص ١٥٠) أن يدفعه فذكر أوجهًا: أحدها: أن ابن مهدي لما أُنشِدَ مرثية أبي تُمَيلة لابن المبارك فبلغ المنشد قوله: وبرأي النعمان كنت بصيرًا ... حين يؤتى مقايس النعمان

стр. 699

قاطعه قائلًا: «اسكت فقد أفسدت الشعر، وليس لابن المبارك ذنب بالعراق غير روايته عن أبي حنيفة». قال الأستاذ: «ولو كان ابن مهدي يعلم أنه رجع عن الرواية عن أبي حنيفة لصارحه بذلك. ومثلُه في انحرافه عن أبي حنيفة واهتمامه بابن المبارك جديرٌ بأن يعلم رجوعه لو كان رجع. وكذلك لو صح رجوع ابن المبارك عن الأخذ والرواية عن أبي حنيفة ما صح لأبي تُميلة أن يمدح في مرثيته بكونه بصيرًا برأي النعمان، وأهل بلدة الرجل أعرف بأحواله». [١/ ٣٨٧] الثاني: أن في «مسانيد أبي حنيفة» أحاديث كثيرة من طريق ابن المبارك عنه. الثالث: كثرة ما يُروى من ثناء ابن المبارك على أبي حنيفة. أقول: أما الوجه الأول فلا يخفى وهنه، فإنّ تَرْك ابن المبارك الروايةَ عن أبي حنيفة كان في أواخر عمره كما صرَّحت به الروايات، فقد لا يكون ذلك بلغ ابن مهدي حين أنشد المرثية، وقد يكون بلغه، ولكنه رأى أن الرواية قد وقعت، ووقع ما يترتب عليها من المفسدة، وتركُها بأخرة لا يمحو تلك المفسدة. ولم يكن المنشد في مقام الاحتجاج بأن ابن المبارك كان يروي عن أبي حنيفة حتى يحتاج ابن مهدي إلى أن يقول له: قد تركه بأخرة، وإنما سمع شعرًا فأنشده. وأبو تُميلة لم يُثْن على ابن المبارك بأنه كان يروي عن أبي حنيفة، وإنما أثنى عليه بأنه كان بصيرًا برأيه، والبصرُ بالرأي فضيلة على كلّ حال لا يُعاب بها أحد، وإنما يعاب الرغبةُ عن السنة وردُّها بالرأي، وكان ابن المبارك بحمد الله بريئًا من ذلك أولًا وآخرًا.

стр. 700

وأما أن أهل بلدة الرجل أعرف بأحواله فلا يجدي شيئًا؛ لأن أبا تُميلة لم يُشِر أدنى إشارة إلى نفي الترك، ولو أشار أو صرَّح لم يكن في ذلك ما يدفع روايه المثبتين، ومنهم من كان أخصَّ بابن المبارك من أبي تُميلة، كالحسن بن الربيع الذي غمَّض ابنَ المبارك عند موته. وأما مسانيد (أبي حنيفة) فقد تقدم الكلام فيها في ترجمة الجراح بن منهال (١)، فإنْ صح عن ابن المبارك شيء من روايته عن أبي حنيفة فهو مما رواه سابقًا، فإنه لا يلزم من تركه الرواية عنه بأخرة أن يمحى ما رواه سابقًا من الصدور والدفاتر، ولا يتحتّم على من بَلَغه التركُ بأخرة أن لا يروي ما سمعه سابقًا. وأما ما يُروى عن ابن المبارك من الثناء، فحاله تُعرف بالنظر في أسانيده ومتونه، كتلك الأبيات السخيفة التي يلهج بها الحنفية، ومنهم الأستاذ. وقوم لم يتورَّعوا عن الكذب على النبي ﵌ في مناقب إمامهم، كيف يُستبعد منهم الكذب على ابن المبارك؟! فإن قوي شيء من تلك الروايات فليوازَن بينه وبين روايات الذمّ, على أنه لا مانع من أن يُثنى على رجل لمعنى، ويُذم لمعنى آخر، بل هذا موجود بكثرة. (٢)

стр. 701

١٨٦ - [١/ ٣٨٨] محمد بن أحمد بن الحسين بن القاسم بن الغطريف أبو أحمد الجرجاني الغِطريفي الحافظ: في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٢٥) «أخبرنا أبو نعيم الحافظ حدثنا أبو أحمد الغطريفي قال سمعت الساجي .... ». قال الأستاذ (ص ١٨): «صاحب مناكير، وقد أنكروا عليه حديثه في إهداء الرسول ﷺ جملًا لأبي جهل. وكان يزعم أن فلانًا وفلانًا أفاداه من غير أن يخرج أصله، وأنكروا عليه أيضًا تحديثه بـ «مسند ابن ر اهويه» من غير أصله، وقد تفرد عن أبي العباس بن سريج بأحاديث لم يروها عنه غيره، وقد ذكره ابن الصلاح في عداد المختلطين. ومع ذلك يبقى هو وأبو نعيم والخطيب مقبولين مرضيين عند أهل مذهبهم». أقول: قوله: «صاحب منا كير» لم يقلها أحد، ولا في كلامهم ما يعطي ذلك كما سترى. أما حديث الجمل، ففي «الموطأ» (١) في المناسك، باب ما يجوز من الهدي: «مالك (٢) عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم: أن رسول الله ﷺ أهدى جملًا كان لأبي جهل بن هشام في حج أو عمرة». وهكذا رواه الناس عن مالك، حتى رواه سويد بن سعيد (٣) عن مالك فقال: «عن الزهري عن أنس عن أبي بكر أن النبي ﷺ ... ». فأُنكر على سويد حتى قال ابن معين لما ذُكر له هذا: «لو أن عندي فرسًا خرجت

стр. 702

أغزوه» (١). وممن رواه عن سويد أحمد بن الحسن بن عبد الجبار الصوفي، فاستنكره الناس فأبرز الصوفي أصله العتيق. ثم تبيَّن أن جماعةً رووه عن سويد كذلك. ثم رواه الغِطْريفي، إما عن الصوفي كما يظهر من بعض العبارات، وإما عن ابن صاعد، وابن مظاهر عن الصوفي كما يظهر من بعضها. قال حمزة السهمي في ترجمة الغِطْريفي من «تاريخ جرجان» (ص ٣٨٧): «وقد أنكروا على أبي أحمد الغطريفي ﵀ حيث روى حديث مالك ... وكان يذكر أن ابن صاعد وابن مظاهر أفاداه عن الصوفي هذا الحديث، ولا يبعد أن يكون قد سمع إلا أنه لم يُخْرِج أصلَه. وقد حدَّث غير واحد من المتقدمين والمتأخرين هذا الحديث عن الصوفي ... ». وفي «تاريخ بغداد» (ج ٤ ص ٨٣): «أخبرنا البَرقاني قال: سألت أبا بكر الإسماعيلي عن حديث الصوفي ... أهدى [١/ ٣٨٩] رسول الله ﷺ جملًا لأبي جهل؟ فقال لي: حدثناه بحضرة ابن صاعد وابن مظاهر فاختلفا فيه ... فأخرج الصوفيُّ أصلَه العتيق، فكان كما قال. قال البرقاني: وحدّثَناه عن الصوفي أيضًا أبو أحمد الغِطريفي كذلك، وذكر القصة نحو هذا». والإسماعيلي إمام، وكذلك البَرْقاني، وكان الغِطريفي رفيق الإسماعيلي في الطلب ثم كان نازلًا في بيته، وروى عنه الإسماعيلي في «الصحيح» أحاديث كثيرة، وسئل عنه فقال: «ما علمته إلا صوامًا قوامًا». وكأنَّ الذين أنكروا عليه الحديث توهموا أنه تفرّد به، وقد اتضح خطؤهم في ذلك. فأما

стр. 703

عدم إبرازه أصله فلا يضرُّه، إذْ قد يكون قصَّر فلم يكتبه، أو كتبه وغاب عنه أصله، أو لم يعثر عليه حينئذ فإنه كان مكثرًا جدًّا. وأما تحديثه بـ «مسند إسحاق» من غير أصله، فمسند إسحاق كتاب مصنف محفوظ مرويّ، فإذا لم يصل إلى أصله الذي سمع فيه ووصل إلى نسخة أخرى يثق بمطابقتها لأصله لم يكن عليه حرج في ذلك. وإنما المحذور أن يحدِّث الرجل من كتاب لا يثق بمطابقته لأصله. وأما أحاديثه عن ابن سريج، فإنما قال حمزة: «لا أعلم روى عنه غيره» يعني تلك الأحاديث، لم يستنكر حمزة شيئًا منها. وابن سريج كان بابه الفقه، ولم يكن يبذل نفسه لإملاء الحديث، وكان الغِطْريفي مولَعًا بالإكثار واستيعاب ما عند الشيخ، كما في ترجمته من «تذكرة الحفاظ» (١): «سمع أبا خليفة حتى استوعب ما عنده». فكأنه ألحَّ على ابنِ سُريج حتى أخذ ما عنده ولم يكن غيره يحرص على السماع من ابن سريج؛ لأنه لم يكن مكثرًا من الحديث ولا متجردًا له ولا عالي الإسناد، فإنه مات وعمره بضع وخمسون سنة. على أنه يحتمل أن يكون غير الغطريفي قد روى عن ابن سريج تلك الأحاديث ولم يَعْلَم حمزة. وأما حكاية الاختلاط، فقد ردَّها العراقي (٢) وذكر أن المختلط رجل آخر غير الغِطْريفي. ولو كان هناك اختلاط أو شبهه لتعرَّض له حمزة في «تاريخ جرجان» فإنه بلديُّ الغطريفي وصاحبُه، وقد جمع كلَّ ما قيل فيه.

стр. 704

وقد اتضح أنه ليس فيما تجنَّوه على الغطريفي ما يضرُّه. وقال الذهبي في «الميزان» (١) بعد حكاية ما قيل: «قلت: ثقة ثبت من كبار حفاظ زمانه». وقال في «تذكرة الحفاظ» (٢): «الحافظ المتقن الإمام ... من علماء المحدثين ومتقنيهم، صوّامًا قوّامًا صالحًا ثقة» (٣). (٤) ١٨٧ - [١/ ٣٩٠] محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن رزق، يعرف بابن رزق وبأبي رزقويه: قال الأستاذ (ص ٣٢): «إنما لازمه الخطيب بعد أن هرم وكف بصره، والكفيف لا يؤخذ عنه إلا ما يحفظه عن ظهر القلب ... والإكثار عن مثل هذا الضرير لا يصدر إلا من المتساهلين ... ». أقول: قد حقق الخطيب نفسه هذه القضية في «الكفاية» (ص ٢٢٦ - ٢٢٩) و (ص ٢٥٨ - ٢٥٩) وذكر هنالك من كان يروي من كتبه بعد ما عمي ومنهم: يزيد بن هارون، وأبو معاوية محمد بن خازم، وعبد الرزاق. والذين حكى عنهم المنع من ذلك اعتلُّوا بخشية أن يُزاد في كتاب الأعمى وهو لا يدري. وغيرهم يقول: المدار في هذا الأمر على الوثوق، فإذا كان الضرير واثقًا بحفظ كتابه ثم قرأ عليه منه ثقةٌ مأمون متيقّظ فقد حصل الوثوق، وقد

стр. 705

استغنى أهل العلم منذ قرون بالوثوق بصحة النسخة، فمن وثق بصحة نسخة كان له أن يحتج بما فيها، كما يحتج به لو سمعه من مؤلف الكتاب. والخطيبُ ــ كما يُعلم من «تاريخه» ــ غاية في المعرفة والتيقظ والاحتياط، فإذا وثق بأنّ كُتب ابن رزق محفوظة ثم دفع إليه ابن رزق كتابًا منها فرأى سماعه فيه صحيحًا، وعلم أنه قد رواه مرارًا قبل عماه، فقد حق له أن يحتج بما يجد فيه وإن لم يقرأه هو أو غيره بحضرته على ابن رزق، فكيف إذا وفَّى الحجةَ بقراءته عليه؟ بل إذا تدبرت علمت أن الوثوق بهذا أمتن من الوثوق بما يرويه الرجل من حفظه، فإن الحفظ خوَّان. وقد رأيت في «تاريخه» (ج ٩ ص ٣٠٩): «دفع إليَّ ابن رزق أصل كتابه الذي سمعه من مكرم بن أحمد القاضي، فنقلتُ منه، ثم أخبرنا الأزهري، أخبرنا عبد الله بن عثمان، أخبرنا مكرم ... » فذكر خبرًا. وهذا مما يبين تحرِّي الخطيب وتثبُّته. وفوق ذلك فعامة ما رواه الخطيب عن ابن رزق في ترجمة أبي حنيفة إنما هو من كتاب مصنف للأبار، وجلُّ الاعتماد في مثل هذا على صحة النسخة، كما تقدم في ترجمة الحسن بن الحسين (١). ١٨٨ - محمد بن أحمد بن محمد بن جعفر الأَدَمي: في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٤٠٥ [٤٣٠]): «أخبرنا البَرْقاني، حدثني محمد بن أحمد بن محمد الأدمي، حدثنا محمد بن علي الإيادي، حدثنا زكريا بن يحيى الساجي، حدثنا بعض أصحابنا قال: قال ابن إدريس: إني لأشتهي من الدنيا أن يخرج [١/ ٣٩١] من الكوفة قول أبي حنيفة، وشُرْب
следующие страницы →