← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 337

التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل - ضمن «آثار المعلمي»

عبد الرحمن المعلمي اليماني

Полный текст (1 489 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

١٨٦ - [١/ ٣٨٨] محمد بن أحمد بن الحسين بن القاسم بن الغطريف أبو أحمد الجرجاني الغِطريفي الحافظ: في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٢٥) «أخبرنا أبو نعيم الحافظ حدثنا أبو أحمد الغطريفي قال سمعت الساجي .... ». قال الأستاذ (ص ١٨): «صاحب مناكير، وقد أنكروا عليه حديثه في إهداء الرسول ﷺ جملًا لأبي جهل. وكان يزعم أن فلانًا وفلانًا أفاداه من غير أن يخرج أصله، وأنكروا عليه أيضًا تحديثه بـ «مسند ابن ر اهويه» من غير أصله، وقد تفرد عن أبي العباس بن سريج بأحاديث لم يروها عنه غيره، وقد ذكره ابن الصلاح في عداد المختلطين. ومع ذلك يبقى هو وأبو نعيم والخطيب مقبولين مرضيين عند أهل مذهبهم». أقول: قوله: «صاحب منا كير» لم يقلها أحد، ولا في كلامهم ما يعطي ذلك كما سترى. أما حديث الجمل، ففي «الموطأ» (١) في المناسك، باب ما يجوز من الهدي: «مالك (٢) عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم: أن رسول الله ﷺ أهدى جملًا كان لأبي جهل بن هشام في حج أو عمرة». وهكذا رواه الناس عن مالك، حتى رواه سويد بن سعيد (٣) عن مالك فقال: «عن الزهري عن أنس عن أبي بكر أن النبي ﷺ ... ». فأُنكر على سويد حتى قال ابن معين لما ذُكر له هذا: «لو أن عندي فرسًا خرجت

стр. 702

أغزوه» (١). وممن رواه عن سويد أحمد بن الحسن بن عبد الجبار الصوفي، فاستنكره الناس فأبرز الصوفي أصله العتيق. ثم تبيَّن أن جماعةً رووه عن سويد كذلك. ثم رواه الغِطْريفي، إما عن الصوفي كما يظهر من بعض العبارات، وإما عن ابن صاعد، وابن مظاهر عن الصوفي كما يظهر من بعضها. قال حمزة السهمي في ترجمة الغِطْريفي من «تاريخ جرجان» (ص ٣٨٧): «وقد أنكروا على أبي أحمد الغطريفي ﵀ حيث روى حديث مالك ... وكان يذكر أن ابن صاعد وابن مظاهر أفاداه عن الصوفي هذا الحديث، ولا يبعد أن يكون قد سمع إلا أنه لم يُخْرِج أصلَه. وقد حدَّث غير واحد من المتقدمين والمتأخرين هذا الحديث عن الصوفي ... ». وفي «تاريخ بغداد» (ج ٤ ص ٨٣): «أخبرنا البَرقاني قال: سألت أبا بكر الإسماعيلي عن حديث الصوفي ... أهدى [١/ ٣٨٩] رسول الله ﷺ جملًا لأبي جهل؟ فقال لي: حدثناه بحضرة ابن صاعد وابن مظاهر فاختلفا فيه ... فأخرج الصوفيُّ أصلَه العتيق، فكان كما قال. قال البرقاني: وحدّثَناه عن الصوفي أيضًا أبو أحمد الغِطريفي كذلك، وذكر القصة نحو هذا». والإسماعيلي إمام، وكذلك البَرْقاني، وكان الغِطريفي رفيق الإسماعيلي في الطلب ثم كان نازلًا في بيته، وروى عنه الإسماعيلي في «الصحيح» أحاديث كثيرة، وسئل عنه فقال: «ما علمته إلا صوامًا قوامًا». وكأنَّ الذين أنكروا عليه الحديث توهموا أنه تفرّد به، وقد اتضح خطؤهم في ذلك. فأما

стр. 703

عدم إبرازه أصله فلا يضرُّه، إذْ قد يكون قصَّر فلم يكتبه، أو كتبه وغاب عنه أصله، أو لم يعثر عليه حينئذ فإنه كان مكثرًا جدًّا. وأما تحديثه بـ «مسند إسحاق» من غير أصله، فمسند إسحاق كتاب مصنف محفوظ مرويّ، فإذا لم يصل إلى أصله الذي سمع فيه ووصل إلى نسخة أخرى يثق بمطابقتها لأصله لم يكن عليه حرج في ذلك. وإنما المحذور أن يحدِّث الرجل من كتاب لا يثق بمطابقته لأصله. وأما أحاديثه عن ابن سريج، فإنما قال حمزة: «لا أعلم روى عنه غيره» يعني تلك الأحاديث، لم يستنكر حمزة شيئًا منها. وابن سريج كان بابه الفقه، ولم يكن يبذل نفسه لإملاء الحديث، وكان الغِطْريفي مولَعًا بالإكثار واستيعاب ما عند الشيخ، كما في ترجمته من «تذكرة الحفاظ» (١): «سمع أبا خليفة حتى استوعب ما عنده». فكأنه ألحَّ على ابنِ سُريج حتى أخذ ما عنده ولم يكن غيره يحرص على السماع من ابن سريج؛ لأنه لم يكن مكثرًا من الحديث ولا متجردًا له ولا عالي الإسناد، فإنه مات وعمره بضع وخمسون سنة. على أنه يحتمل أن يكون غير الغطريفي قد روى عن ابن سريج تلك الأحاديث ولم يَعْلَم حمزة. وأما حكاية الاختلاط، فقد ردَّها العراقي (٢) وذكر أن المختلط رجل آخر غير الغِطْريفي. ولو كان هناك اختلاط أو شبهه لتعرَّض له حمزة في «تاريخ جرجان» فإنه بلديُّ الغطريفي وصاحبُه، وقد جمع كلَّ ما قيل فيه.

стр. 704

وقد اتضح أنه ليس فيما تجنَّوه على الغطريفي ما يضرُّه. وقال الذهبي في «الميزان» (١) بعد حكاية ما قيل: «قلت: ثقة ثبت من كبار حفاظ زمانه». وقال في «تذكرة الحفاظ» (٢): «الحافظ المتقن الإمام ... من علماء المحدثين ومتقنيهم، صوّامًا قوّامًا صالحًا ثقة» (٣). (٤) ١٨٧ - [١/ ٣٩٠] محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن رزق، يعرف بابن رزق وبأبي رزقويه: قال الأستاذ (ص ٣٢): «إنما لازمه الخطيب بعد أن هرم وكف بصره، والكفيف لا يؤخذ عنه إلا ما يحفظه عن ظهر القلب ... والإكثار عن مثل هذا الضرير لا يصدر إلا من المتساهلين ... ». أقول: قد حقق الخطيب نفسه هذه القضية في «الكفاية» (ص ٢٢٦ - ٢٢٩) و (ص ٢٥٨ - ٢٥٩) وذكر هنالك من كان يروي من كتبه بعد ما عمي ومنهم: يزيد بن هارون، وأبو معاوية محمد بن خازم، وعبد الرزاق. والذين حكى عنهم المنع من ذلك اعتلُّوا بخشية أن يُزاد في كتاب الأعمى وهو لا يدري. وغيرهم يقول: المدار في هذا الأمر على الوثوق، فإذا كان الضرير واثقًا بحفظ كتابه ثم قرأ عليه منه ثقةٌ مأمون متيقّظ فقد حصل الوثوق، وقد

стр. 705

استغنى أهل العلم منذ قرون بالوثوق بصحة النسخة، فمن وثق بصحة نسخة كان له أن يحتج بما فيها، كما يحتج به لو سمعه من مؤلف الكتاب. والخطيبُ ــ كما يُعلم من «تاريخه» ــ غاية في المعرفة والتيقظ والاحتياط، فإذا وثق بأنّ كُتب ابن رزق محفوظة ثم دفع إليه ابن رزق كتابًا منها فرأى سماعه فيه صحيحًا، وعلم أنه قد رواه مرارًا قبل عماه، فقد حق له أن يحتج بما يجد فيه وإن لم يقرأه هو أو غيره بحضرته على ابن رزق، فكيف إذا وفَّى الحجةَ بقراءته عليه؟ بل إذا تدبرت علمت أن الوثوق بهذا أمتن من الوثوق بما يرويه الرجل من حفظه، فإن الحفظ خوَّان. وقد رأيت في «تاريخه» (ج ٩ ص ٣٠٩): «دفع إليَّ ابن رزق أصل كتابه الذي سمعه من مكرم بن أحمد القاضي، فنقلتُ منه، ثم أخبرنا الأزهري، أخبرنا عبد الله بن عثمان، أخبرنا مكرم ... » فذكر خبرًا. وهذا مما يبين تحرِّي الخطيب وتثبُّته. وفوق ذلك فعامة ما رواه الخطيب عن ابن رزق في ترجمة أبي حنيفة إنما هو من كتاب مصنف للأبار، وجلُّ الاعتماد في مثل هذا على صحة النسخة، كما تقدم في ترجمة الحسن بن الحسين (١). ١٨٨ - محمد بن أحمد بن محمد بن جعفر الأَدَمي: في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٤٠٥ [٤٣٠]): «أخبرنا البَرْقاني، حدثني محمد بن أحمد بن محمد الأدمي، حدثنا محمد بن علي الإيادي، حدثنا زكريا بن يحيى الساجي، حدثنا بعض أصحابنا قال: قال ابن إدريس: إني لأشتهي من الدنيا أن يخرج [١/ ٣٩١] من الكوفة قول أبي حنيفة، وشُرْب

стр. 706

المسكر، وقراءة حمزة». قال الأستاذ (ص ١٢٧): «ترى البَرْقاني يصفُّ نفسه في صفِّ هؤلاء فيروي عن مثل الأدمي ... راوي «العلل» للساجي، وهو لم يكن صدوقًا، يُسمع لنفسه في كتب لم يسمعها، وكان بذيء اللسان كما سبق من الخطيب ... وواضع الحكاية على لسان ابن إدريس، وقح قليل الدين يجمع بين شرب المسكر وبين الفقه والقراءة المتواترة». أقول: لفظ الخطيب في ترجمة الأَدَمي (ج ١ ص ٣٤٩): «قال لي أبو طاهر حمزة بن محمد بن طاهر الدقاق: لم يكن الأدمي هذا صدوقًا في الحديث؛ كان يُسمع لنفسه في كتب لم يسمعها. فسألت البرقاني عن الأدمي فقال لي: ما علمت إلا خيرًا، وكان شيخًا قديمًا .... غير أنه كان يطلق لسانه في الناس، ويتكلّم في ابن مظفر والدارقطني». فعدم التفات البرقاني إلى كلام حمزة يدل على أنه لم يعتدّ به؛ لأن حمزة لم يبيِّن أيَّ كتاب ألحق الأَدَميُّ سماعَه فيه ولم يسمعه، ومن أين علم حمزة أنه لم يسمعه؟ وقول البرقاني: «غير أنه كان يطلق لسانه ... » كأنه قصد بها أن الأدمي كان يتكلم في الناس، فتكلم بعضهم فيه. ومثل هذا يقع فيه التجوّز والتسامح، فلا يُعتد به إلا مفسرًا محققًا مثبتًا. ومع هذا فالخبر في كتاب «العلل» للساجي، ولم يكن البرقاني ليسمع الكتاب من الأَدَمي حتى يثق بصحة سماعه وبصحة النسخة، فهب أن البرقاني أو الخطيب قال: «قال الساجي في «العلل» ... » ألا يكفي هذا للحجة؟ وقد كان يكفي الأستاذ أن يقول: شيخ الساجي لا يُدرَى من هو، ولكنه يأبى إلا التطويل والتهويل.

стр. 707

وزَعْمه أن الحكايةَ موضوعة مجازفة منه، وكلام أئمة السنة في ذلك العصر في قول أبي حنيفة متواتر حق التواتر، وكلام جماعة منهم في قراءة حمزة مشهور. والقرآن متواتر حقًّا، فأما وجوه الأداء التي تفرَّد بها حمزة فالأئمة الذين أنكروها لا يعلمون صحتها فكيف تواترها؟ وراجع ترجمة حمزة في «الميزان» (١). (٢) ١٨٩ - محمد بن إدريسَ بن العبّاس بن عثمانَ بن شافعِ بن السائبِ بن عُبيدِ بن عَبْد يزيدَ بن هاشم بن المطَّلب بن عبدِ منافٍ القرشي (٣) المطلبي الشافعي أبو عبد الله: هكذا نسبه [١/ ٣٩٢] صاحبُه الربيعُ كما في صدر كتاب «الرسالة» (٤)، وأسنده إليه الخطيب في «تاريخ بغداد» (٥) والسند إليه بغاية الصحة. وهكذا نَسَبه صاحبُه الزعفرانيّ كما تراه عنه من وجهين في «توالي التأسيس» (ص ٤٤) (٦). وهكذا نسبه الإمام أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي في «كتابه» (ج ٣ ص ٢٠١). وهكذا نسبه أحمد بن محمد بن عبيد

стр. 708

العدوي النسابة، رواه عنه زكريا الساجي في «مناقب الشافعي» كما في «توالي التأسيس» أيضًا و «تاريخ بغداد». وقال ابن النديم في «الفهرست» (ص ٢٩٤): «قرأت بخط أبي القاسم الحجازي في كتاب «الأخبار الداخلة في التاريخ» أنه: أبو عبد الله محمد بن إدريس من ولد شافع بن السائب بن عبيد ... » كما مرّ. وقال أبو عمر بن عبد البرفي «الانتقاء» (ص ٦٦) (١): «لا خلاف علمتُه بين أهل العلم والمعرفة بأيام الناس من أهل السير والعلم بالخبر والمعرفة بأنساب قريش وغيرها من العرب وأهل الحديث والفقه: أن الفقيه الشافعي ﵁ هو محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد ... » كما مرّ. وقال ابن أبي حاتم في «كتابه»: «حدثني أبو بشر بن أحمد بن حماد الدولابي، نا أبو بكر بن إدريس قال: سمعت الحميدي يقول: كان أحمد بن حنبل قد أقام عندنا بمكة على سفيان بن عيينة، فقال لي ذات يوم: هاهنا رجل من قريش له بيان ومعرفة. قلت: ومن هو؟ قال: محمد بن إدريس الشافعي ــ وكان أحمد بن حنبل قد جالسه بالعراق ــ فلم يزل بي حتى اجترَّني إليه، فجلسنا إليه ودارت مسائل، فلما قمنا قال لي أحمد بن حنبل: كيف رأيت؟ ألا ترضى أن يكون رجل من قريش له هذه المعرفة وهذا البيان؟ ... ». الدولابي حافظ حنفيّ فيه مقال، ومثلُه لا يُتّهم في هذا، وشيخه هو ورّاق الحميدي ثقة، والحميدي قرشي إمام.

стр. 709

وفي أوائل «سنن الشافعي» (١) التي رواها الطحاوي عن المزني صاحب الشافعي بسندين إلى الطحاوي قال: «حدثنا ... المزني في ذي القعدة من سنة ٢٥٢ قراءة منه علينا قال: حدثنا الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس المطلبي الشافعي ... ». والذين ذكروا الشافعي وأثنوا عليه بأنه قرشي أو مطلبي من أقرانه والذين يلونهم كثير. وقد جاء عنه أنه لمّا حُمل إلى بغداد ناظر محمد بن الحسن فاستعلى عليه، فبلغ ذلك هارون الرشيد فأعجبه، وقال: «صدق الله ورسوله، قال رسول الله ﷺ : تعلَّموا من قريش ولا تُعلِّموها، وقدِّموا قريشًا [١/ ٣٩٣] ولا تؤخّروها ... » كما في «توالي التأسيس» (ص ٧٠) (٢). وفيها (ص ٤٧) (٣) من وجه آخر عن الربيع بن سليمان صاحب الشافعي: «ناظر الشافعيُّ محمدَ بن الحسن، فبلغ الرشيد فقال: أما عَلِم محمدٌ أن النبي ﷺ قال: قدِّموا قريشًا، فإن علم العالم منهم يسع طِباقَ الأرض». وفيها (ص ٦٠) (٤): «وقال أبو عبد الله محمد بن إبراهيم البُوشَنْجي وهو من كبار الأئمة: تصفحنا أخبار الناس، فلم نجد بعد الصدر الأول من هذه الأمة أوضح شأنًا ولا أبين بيانًا، ولا أفصح لسانًا من الشافعي مع قرابته

стр. 710

من رسول الله ﷺ ». وقال بعد قليل (١): «وقال داود بن علي الأصبهاني فيما أخرجه البيهقي من طريقه قال: اجتمع للشافعي من الفضائل ما لم يجتمع لغيره. فأول ذلك شرفُ نسبه ومنصبه وأنه من رهط النبي ﷺ ». وفيها (ص ٦١) (٢): «وأخرج الحاكم من طريق داود بن علي قال في مسألة ذكرها: هذا قول مطلبِيِّنا الشافعي الذي علاهم بنُكته، وقهرهم بأدلته، وباينهم بشهامته، وظهر عليهم بحَمازته؛ التقيّ في دينه، النقي في حسبه، الفاضل في نفسه، المتمسك بكتاب ربه، المقتدي قدوة رسوله، الماحي لآثار أهل البدع، الذاهب بجمرتهم، الطامس لسنَّتهم، فأصبحوا كما قال تعالى: ﴿فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا﴾ [الكهف: ٤٥]». ومثل هذا من الثناء عليه بأنه قرشي أو مطلبي، أو من رهط النبي ﵌ كثير. وهذا ابن دريد يقول في مرثيته: لِرأيِ ابن إدريسِ ابن عمِّ محمدٍ ... ضياءٌ إذا ما أظلم الخطبُ صادعُ وفي «تاريخ البخاري» (ج ١ قسم ١ ص ٢٤٢): «محمد بن مسافع بن مساور ... وقال سعيد بن سليمان: محمد بن شافع بن السائب بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف». وذكروا في الصحابة عبد الله بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب.

стр. 711

وفي «توالي التأسيس» (ص ٤٥) (١): «أخرج الحاكم من طريق أبي الفضل أحمد بن سلمة سمعت مسلم بن الحجاج يقول: عبد الله بن السائب كان والي مكة وهو أخو شافع بن السائب جَدّ محمد بن إدريس الشافعي ... ». وقال الشافعي في «الأم» (ج ٧ ص ٢٥٠) (٢): «قال لي قائل يُنْسَب إلى العلم بمذهب أصحابه: [١/ ٣٩٤] أنت عربيّ، والقرآن نزل بلسانِ من أنت منهم ... ». وقال في وصيته المثبتة في «الأم» (ج ٤ ص ٤٩) (٣): «وأوصي لفقراء آل شافع بن السائب بأربعة أسهم ... ». وقال في «الأم» (ج ٤ ص ٣٨) (٤) ونحوه في «مختصر المزني» بهامش الأم (ج ٣ ص ١٩٣) (٥): « ... فإذا كان المعروف عند العامة أن من قال من قريش: لقرابتي ــ لا يريد جميع قريش ... فيُنظر إلى القبيلة التي يُنسب إليها فيقال: من بني عبد مناف، ثم يقال: قد يتفرق بنو عبد مناف فمِن أيّهم؟ فيقال: من بني المطلب، فيقال: [أيتميّز بنو المطلب؟ قيل: نعم، هم قبائل فمن أيِّهم؟ قيل: من بني عبد يزيد بن هاشم بن المطلب فيقال: ] (٦) أفيتميز هؤلاء؟ قيل: نعم، هم قبائل، قيل: فمن أيهم؟ قيل: [من بني عُبيد بن عبد

стр. 712

يزيد، قيل: أفيتميّز هؤلاء؟ قيل: ] نعم، هم بنو السائب بن عبيد بن عبد يزيد، قيل: وبنو شافع وبنو علي وبنو عباس، وكل هؤلاء من بني السائب. فإن قيل: أفيتميز هؤلاء؟ قيل: نعم، كل بطن من هؤلاء يتميز عن صاحبه، فإذا كان من آل شافع فقال: لقرابته، فهو لآل شافع دون آل علي وآل عباس ... ». فالشافعي ومن أدركه وأقرانه وأصحابه ومن جاء بعدهم إلى نحو مائتي سنة بعد الشافعي ما بين ناسبٍ له ولمن عُرِف من أهل بيته بالعلم كعمِّه محمد بن علي بن شافع، ومحمد بن العباس بن عثمان بن شافع، وابنه إبراهيم وغيرهم هذا النسبَ تفصيلًا أو إجمالًا، وبين سامعٍ له غير منكر. ولو كان الانتساب إلى قوم من الأعاجم لقد كان يجوز أن يقال: يمكن أن يكون الرجل ــ إن كان أهلًا أن يتوهم فيه الكذب ــ نسب نفسه بدون تحقيق، فاتفق أن تغافل أهل المعرفة عن الإنكار عليه. أما العجم فلعدم اعتداد مسلميهم بأنسابهم، وإنما كانوا ينتسبون إلى مواليهم من العرب. وأما العرب فلا يهمُّهم أن ينتسب الأعجمي إلى من شاء من العجم. وقريب من هذا لو انتسب إلى قبيلة خاملة من العرب، ولم يكن له هو من النباهة ما يحمل كثيرًا من الناس على حسده ومنافسته فيدعوهم إلى مناقشته. فهل يُسوِّغ ذو عقل مثل هذا في رجل يقوم في القرن الثاني فيدّعي لعشيرته كاملة أنها من العرب ثم من قريش ثم من بني عبد مناف ثم من بني المطلب، فيثبت لها بذلك حقًّا في الخلافة، وحقًّا في الفيء، وحقًّا في خمس الخمس، والكفاءةَ لبني هاشم ــ والخلفاء منهم ــ، فلا يبقى بينها وبين بني هاشم فرق إلَّا في الفضل، مع أنها تشاركهم في نصيب منه لما في

стр. 713

«الصحيحين» (١) وغيرهما عن النبي ﷺ أنه قال: [١/ ٣٩٥] «إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد». وثبت عن فاطمة ﵍ أنها لما وقفت صدقتها جعلتها لبني هاشم وبني المطلب. وكذلك فعل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب. يقوم هذا الرجل في القرن الثاني فيدّعي هذا ويُعلنه، ويلهج به عارفوه وأصحابه وجماعة من عشيرته، ثم لا يثور عليه التكذيب والعقوبة من كثير من الجهات؟ بل ولا ينكر عليه أحد. هذا مع أن الرجل بغاية من النباهة، ولم يكن له ولا لأحد من أقاربه ما يُهاب لأجله ويُتقى من منصب في الدولة أو نحو ذلك. وقد كان في مبدأ أمره ولي بعض الولايات، وطار له صيت بالعدل والجود والقبول، فنُسِب إليه ترشيح نفسه للخلافة، فحُمِل إلى الخليفة العباسي هارون الرشيد. وجاء من غير وجه أنه خاطبه بقوله: نحن إخوتكم من بني المطلب، فأنتم تروننا إخوة. هذا، والعارفون بالأنساب ــ ولا سيما نسب قريش ــ في ذاك العصر كثير، وللرجل حُسَّاد يَحْرُقون عليه الأُرَّمَ (٢)؛ ومع ذلك قبِل الناسُ دعواه ووافقوه عليها، واستمرَّ الأمر على ذلك؛ تُسمَع موافقتُه من كل جهة، ولا يُحَسُّ وَجْسٌ بمخالفته إلى نحو مائتي عام. ثم ماذا كان بعد ذلك؟ ذاك متفقه حنفيٌّ ملأه غيظًا تبجّحُ الشافعية بأن

стр. 714

إمامهم ابن عمّ رسول الله ﵌، فسولت له نفسُه أن يحاول المكابرة في ذلك، فلم يجد إلى ذلك سبيلًا. فلجأ إلى غير ملجأ فقال: «إن أصحاب مالك لا يسلِّمون أن الشافعي من قريش، بل يدّعون أن شافعًا كان مولى لأبي لهب، فطلب من عمر ﵁ أن يجعله من موالي قريش، فامتنع. فطلب من عثمان ﵁، ففعل». فافتضح هذا القائل الظالم لنفسه، فإن أصحاب مالك ــ وإن كان فيهم من هو حَنِقٌ على الشافعي وأصحابه ــ لا يعرفون قائلًا منهم بهذه المقالة. وهذا صاحبهم ابن عبد البر أعرف الناس بهم وبأحوالهم ومقالاتهم، نَقَل الإجماع على نسب الشافعي كما سلف. ولو أن ذلك الحنفي نسب تلك المقالة إلى إنسان معروف من المالكية لساغ احتمال أنه لم يكذب على ذلك المالكي وإن كذّبه. وإنما رأى في بعض الروايات أن الشافعي لما حُمل إلى الرشيد كان معه رجل من آل أبي لهب، ثم حاول أن يروِّج مقالته بما نسب إلى عمر، فزادها فضيحة. فهل كان عمر ينكر أن يكون بنو هاشم من قريش؟ أم كان ظالمًا جائرًا يمنع المولى حقه الواضح؟ تذهب هذه الأضحوكة ذهابَ ضرطة عير بالفلاة، [١/ ٣٩٦] وتمرُّ على ذلك ثلاثمائة سنة أخرى تقريبًا، وإذا بحنفيٍّ آخر محترق يكتب كتيبًا يضمِّنه أشياء في فضل أبي حنيفة وعيب سائر الأئمة ولاسيما الشافعي، وخوفًا من الفضيحة نحَلَ الكتابَ مَن لا وجود له، فكتب عنوانه: «كتاب التعليم» لشيخ الإسلام عماد الدين مسعود بن شيبة بن الحسين السندي، ثم رمى بالكتاب في بعض الخزائن، فعثر الناس عليه بعد مدة، فتساءل العارفون: مَن مسعود بن شيبة؟ لا يجدون له خبرًا ولا أثرًا إلا في عنوان ذاك الكتيب.

стр. 715

القضية مكشوفة إلا أنها صادفت هوًى في نفوس بعض الحنفية، فصار بعضُ مؤرخيهم وجامعي طبقاتهم ومناقبهم يذكرون مسعود بن شيبة وينقلون من ذاك الكتيب. فاضطُرَّ الحافظ ابن حجر إلى أن يقيم لذلك وزنًا ما، فقال في «لسان الميزان» (١): «مسعود بن شيبة ... مجهول لا يُعرف عمن أخذ العلم ولا من أخذ عنه، له مختصر سماه «التعليم» كذب فيه على مالك وعلى الشافعي كذبًا قبيحًا ... ». فيجيء الأستاذ الذي يصف نفسه كما في لوح كتابه الذي طبع بتصحيحه ومراجعته بأنه «الإمام الفقيه المحدث، والحجة الثقة المحقق، العلامة الكبير صاحب الفضيلة مولانا الشيخ محمد زاهد بن الحسن الكوثري وكيل المشيخة الإسلامية في الخلافة العثمانية سابقًا»، فيحتج بذاك الكتيب المسمى بـ «التعليم»، ويذكر مسعود بن شيبة كعالم حقيقي. ويزيد على ذلك فيقول في حاشية (ص ٣) من «التأنيب»: «وابن شيبة هذا جَهِله ابن حجر فيما جهل مع أنه معروف عند الحافظ (؟ ) عبد القادر القرشي، وابن دقماق (٢) المؤرخ، والتقي المقريزي، والبدر العيني، والشمس ابن طولون الحافظ، وغيرهم. فنَعُدُّ صنيعَ ابن حجر هذا من تجاهلاته المعروفة لحاجة في النفس، وقانا الله اتباع الهوى». كذا يقول هذا الظالم لنفسه، وهو يعلم حقَّ العلم أن هؤلاء الذين سمَّاهم ــ وكلُّهم متأخرون ــ لم يعرفوا إلا ذاك الكتيِّب، فتجاهلوا حاله، وذكروا مسعود بن شيبة بما أخذوه من ذاك الكتيب. فإنْ كانت هذه معرفة،

стр. 716

فالحافظ ابن حجر لم ينكرها، بل أثبتها في تلك الترجمة. والداهية الدهياء أن يختم الأستاذ عبارته بقوله: «وقانا الله اتباع الهوى»، أفليس هذا أشنع وأفظع وأدلَّ على المكروه من قول شارب الخمر حين يشربها: باسم الله؟! يقع في ذاك الكتيب ما نقله عنه الأستاذ كما يأتي. تناسى الناس ذاك الكتيِّب إلا أماني [١/ ٣٩٧] كما سبق، ومضت بعد ذلك قرابة سبعمائة سنة، فينشأ الأستاذ الكوثري، فيُبعثر فظائع أصحابه. علَّق على «انتقاء ابن عبد البر» حيث حكى ابن عبد البر الإجماع على نسب الشافعي قولَه: «ومن زعم أن شافعًا كان مولى لأبي لهب فطلب من عمر أن يجعله من موالي قريش فامتنع، فطلب من عثمان ذلك ففعل؛ فقد بعد عن الصواب وشذَّ عن الجماعة. والتعويلُ عليه من بعض الحنفية والمالكية تعصبٌ بارد، ولهم أن يناقشوه في علمه لا في نسبه». وغرضه هنالك إنما هو محاولة الخدش في الإجماع الذي ذكره ابن عبد البر، ولكن حاول المواربة! وزعمُه أن بعض الحنفيّة والمالكية عوَّلوا على تلك الفرية فرية أخرى، إنما رمى بها ذاك الحنفيُّ المحترق على المالكيةِ، والمالكيةُ بَراء منها. فإن كان هناك من يسوغ أن يُقال: إنه عوَّل عليها، فهو الكوثري، فقد قضى على نفسه بالتعصب البارد. وذلك أخفُّ ما ينبغي أن يُقضى عليه به! وقال في «التأنيب» ص ١٠٠ فما بعدها عند ذكر الموالي: «حتى إن الشافعي منهم عند أهل العلم (؟)»، وعلَّق عليه في الحاشية مقالة ذاك الحنفي ثم قال: «ومنهم من يعدُّه في عِداد موالي عثمان كما في «التعليم» لمسعود بن شيبة»، وقد علمت حال هذين. ثم قال: «وكان الشافعي يعضُّه فقرٌ مدقع في

стр. 717

نشأته كما في كتب المناقب، والصليب في قريش كان يتناول من الديوان في ذلك العصر ما يقيم به أَودَه». أقول: الذي يَقْوى سندُه من تلك الحكايات: ما رُوي عن الشافعي أنه قال: «كنت يتيمًا في حجر أمي، ولم يكن لها مال، وكان المعلم يرضى من أمي أن أخلفه إذا قام. فلما جمعتُ القرآنَ دخلت المسجد، فكنت أجالس العلماء، فأحفظ الحديث أو المسألة. وكانت دارنا في شعب الخيف، فكنت أكتب في العظم، فإذا كثرت طرحتُه في جرَّة عظيمة». والحكايات الأخرى في أسانيدها مقال، وهي مع ذلك لا تزيد على هذا. وهذا لا يصدق عليه كلمة «يعضُّه فقرٌ مُدقع»، فقد كانت له دار وكفاف في المطعم والملبس، وإلا لَمَا تركته أمه يطلب العلم، بل كانت تسلمه في حرفة. فإن كان يصل إليه من الديوان شيء فلا ندري ما قدره، وقد لا يكون يصل إليه شيء؛ لأن الأمراء كانوا ظَلَمة يصرفون بيت المال في أغراضهم [١/ ٣٩٨] وشهواتهم. وكان والد الشافعي كما تشير إليه بعض الروايات ممن خرج مع العلوية على العباسيين، ولذلك اضطر إلى الفرار بأهله من الحجاز إلى فلسطين حيث وُلد الشافعي. وكان الأمراء يتتبعون من كان كذلك بالقتل والسجن، فضلًا عن حرمان حقهم في بيت المال. وقد نال ذلك ذرية فاطمة ﵍، قال دِعْبِل: أرى فيئهم في غيرهم متقسِّما ... وأيديهمُ من فيئهم صَفِراتِ (١) وقال الكوثري في ما كتبه على «مغيث الخلق» (٢): «لم أر أحدًا قبل زكريا

стр. 718

الساجي رفع نسب الشافعي إلى عبد مناف». أقول: قد أريناك! قال: «والساجي متكلم فيه». أقول: بما لا يُعتدُّ به. وهو أحد الأثبات كما مرَّ في ترجمته (١). قال: «اختلاف الروايات في مسقط رأس الإمام الشافعي .... وعدم ذكر ترجمة لوالديه، ولا تاريخ لوفاتهما في «كتاب الثقات» مما يدعو إلى التثبت في الأمر»! أقول: أما الاختلاف في موضع ولادته، فليس مما يدعو إلى التشكك. وهؤلاء أبناء فاطمة وأبناء العباس لم تتعرض التواريخ لمواضع ولادة كثير منهم، إذ ليس ذلك مما يُهتمّ به فيُحفظ. والناس إلى الآن مختلفون في تاريخ وفاة النبي ﵌ ومولده، وكان والد الشافعي مشرَّدًا مطرّدًا بسبب خروجه مع العلويين، فكان مختفيًا بأهله في فلسطين حيث ولد له الشافعي. والذين ذكروا موضع ولادة الشافعي إنما استندوا إلى إخباره, فأقوى الروايات عنه أنه قال: «بعسقلان»، وفي رواية عنه أنه قال: «بغزة» فإن ثبتت هذه أيضًا تبيَّن أنه ولد بإحداهما، وأطلق عليها في الرواية الأخرى اسم الأخرى؛ لأنها من مُضافاتها، أو ولد في قرية صغيرة بينهما، أطلق عليها في إحدى الروايتين اسم هذه وفي الأخرى اسم الأخرى؛ لأنها لا تعرف إلا بإضافتها إلى إحداهما.

стр. 719

فأما ما روي عن أحمد بن عبد الرحمن بن وهب من ذكر اليمن، فلذلك أسوة بالأحاديث الكثيرة التي غلِط فيها أحمدُ هذا الغلطَ الفاحش، حتى اضطُرَّ أخيرًا إلى الرجوع عنها. ومع ذلك فقد تكلف بعضهم تأويل روايته المذكورة بما لا حاجة إلى ذكره. وأما أنهم لم يذكروا ترجمةً لوالدي الشافعي، فلم يُعرف أبوه بالعلم وما كلُّ قرشي حُفظت له [١/ ٣٩٩] ترجمة، ولعل الذين حُفظت تراجمهم لا يبلغون عُشْرَ مِعشار الذين كانوا موجودين. وأما تاريخ الوفاة فالمحدِّثون إنما عُنوا بتقييد وفيات الرواة لمعرفة اتصال الرواية عنهم وانقطاعها، وما أكثر الرواة المشاهير الذين لم تقيَّد وفياتهم، والذين ذكرت وفياتهم منهم وقع في كثير منها الاختلاف المتباين. فأما والدا الشافعي فلم يتعانيا الرواية أصلًا. والأستاذ نفسه يتحقق هذا كلَّه، ولكنه يأبى إلا الشعبذة على الجهال! وقد عرف الناس تاريخ ولادة الشافعي، وأن أباه توفي عقب ذلك بسنة أو نحوها. فأما أمه فعاشت إلى أن بلغ ابنها مبلغ العلماء، وجهَّزتْه حيث خرج إلى اليمن، فولي فيها ما ولي. قال الكوثري: «وعَدُّ شافعٍ صحابيًّا أول من ذكره هو أبو الطيب الطبري». أقول: لم أر في المنقول ما يصرح بصحبته، فهو على الاحتمال. فإنْ كان وُلد قبل وفاة النبي ﵌ فهو صحابي، وإلا كفتنا صحبة أبيه. قال: «أول من عد السائب صحابيًّا من مسلمة بدر، هو الخطيب في «تاريخه» بدون سند».

стр. 720

أقول: في «الإصابة» (١): «قال الزبير في كتاب «النسب»: ولد عبيد بن عبد يزيد السائب، وكان يشبَّه بالنبي ﷺ ، وأُسِرَ يوم بدر. وذكر ابن الكلبي أنه كان يشبَّه بالنبي ﷺ . وأخرج الحاكم في «مناقب الشافعي» من طريق أبي محمد أحمد بن [محمد بن] عبد الله بن [محمد بن] العباس بن عثمان بن شافع (٢) بن السائب قال: سمعت أبي يقول: اشتكى السائب بن عبيد، فقال عمر: اذهبوا بنا نعود السائب بن عبيد فإنه من مُصَاصَةِ قريش. قال النبي ﷺ حين أُتي به وبعمِّه العباس: هذا أخي». وذكر في ترجمة شافع (٣) ما رواه الحاكم من طريق إياس بن معاوية، عن أنس بن مالك قال: كان النبي ﷺ ذات يوم في فُسْطاط إذ جاء السائب بن عبيد ومعه ابنه، فقال: من سعادة المرء أن يشبه أباه. وذكروا في الصحابة عبد الله بن السائب كما تقدم، فالسائب صحابي حتمًا، ولا يهمُّنا أتقدم إسلامه أم تأخر. وقد عدُّوا في الصحابة عبيدًا والد السائب وعبد يزيد جده. وعلى كل حال ففي أجداد الشافعي صحابي حتمًا، وقيل: اثنان في نَسَق، وقيل: ثلاثة، وقيل: أربعة. وقد قال الأستاذ ص ١٦٥: «على أن النبي ﷺ توفي عمن يزيد عددهم على مائة ألف من الصحابة، ولم

стр. 721

تحتوِ الكتب المؤلفة في الصحابة عُشْرَ معشار ذلك». فإذا لم ينص [١/ ٤٠٠] المتقدّمُ على صحبة رجل، فاستدركه مَنْ بعده، لم يكن في ذلك ما يريب في صحبته. ثم قال الأستاذ: «وربما يعذرنا إخواننا الشافعية ... ». أقول: لا ريب أنهم إذا عرفوا الأستاذ وما يقاسيه من ذات نفسه يعذُرونه في أنفسهم ويرحَمونه، وإن كان ذلك لا ينفعه عند الله ! وقد ضجَّ الأستاذ (ص ١٨) مما روي عن يزيد بن زُرَيع: «كان أبو حنيفة نبطيًّا». فقال الأستاذ: «ومن ساق هذا الخبر الكاذب ليطعن في نسبه، فهو لم يزل على خلال الجاهلية» مع أن الأستاذ يعرف من مذهبه أن العجم أكفاء بعضهم لبعض من جهة النسب، وليسوا أكفاء للعرب، وأن سائر العرب ليسوا أكفاء لقريش، ولعل النبط أقرب إلى الشرف الديني من الفرس! وقال الكوثري (ص ٤) من «التأنيب»: «ومن تابع الشافعيَّ قائلًا: إنه قرشي، فله ذلك؛ لكن هذه الميزة لا توجب الرجحان في العلم. وفي «صحيح مسلم» (١): «من أبطأ به عملُه لم يسرع به نسبُه». على أن هناك من العلماء من هو قرشي باتفاق، فيفضَّل على مَن في قرشيته خلاف، لو كان هذا الأمر بالنسب». أقول: قد علمتَ الإجماع على نسب الشافعي مع الحجج الأخرى. فأما أن هذه الميزة لا توجب الرجحان في العلم، فإن أراد أنه لا يجب أن يكون كلُّ قرشي أعلم من كلِّ أعجمي مثلًا، فهذا حق لا يشتبه على أحد.

стр. 722

وكذلك لا يجب أن يكون كلُّ تابعيّ أعلمَ من كلِّ مَنْ يأتي بعده، ولا كلُّ من كثر أتباعه أعلمَ من كلِّ من كان أقلَّ منه أتباعًا. وكذلك كلُّ من أبطأ به عملُه لا تسرع به تابعيتُه ولا كثرةُ أتباعه، بل ذلك أضرُّ عليه. وقد وضع الحديثَ في غير موضعه، فإن الشافعي لم يبطئ به علمُه ولا عملُه، وإنما ينبغي أن يُذكر هنا حديث «الصحيحين» (١) وغيرهما وفيه قوله ﷺ : «أفعن معادن العرب تسألوني؟» قالوا: نعم، قال: «فخياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فَقُهوا». ومن ذكر من أهل العلم في مزايا الشافعي أنه عربي قرشي مطَّلبي فلم يحتجَّ بفضيلة النسب من حيث هو نسب، ولكن من حيث ما هو مظنة. فإن ذلك يقتضي فضلَ معرفةٍ بالدين الذي أنزله الله تعالى على النبي العربي بلسان عربي، روعي فيه عقول العرب وأفهامهم وطباعهم، [١/ ٤٠١] ويقتضي فضل محبةٍ للدين وغيرة عليه وحرصٍ على عدم الشذوذ عنه. فإن من اجتمع له الحق والهوى أشدّ لزومًا للحق ممن جاء الحق على خلاف هواه. وقد قال الله ﵎: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٢٨) رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٧ - ١٢٩].

стр. 723

وقال : ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢) وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣) ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الجمعة: ٢ - ٤]. فالأميون الذين بُعث فيهم الرسول فتلا عليهم آيات الله، وزكَّاهم، وعلَّمهم الكتاب والحكمة، وكانوا من قبل في ضلال مبين هم العرب الذين أدركوا نبوته، علَّمهم مباشرة أو قريبًا منها بأن أرسل إليهم رسولًا وهو ﷺ حيٌّ ينزل عليه الوحي. والآخرون الذين لم يلحقوا بهم قد نصَّ القرآن أنهم «منهم»، فهم ذريتهم. فأما ما روي أن رجلًا سأل النبي ﷺ عن الآخرين، فسكت عنه ثلاثًا، ثم وضع يده على سلمان الفارسي وقال: «لو كان الإسلام بالثريا لتناوله رجال من هؤلاء» (١)، فهذا لا يخالف الدلالة الواضحة من القرآن. وإنما سكت النبي ﷺ عن جواب السؤال لأن القرآن واضح بنفسه لمن تدبره. ثم وضع يده على سلمان، وقال ما قال على سبيل أسلوب الحكيم، كأنه قال: الأولى أن يسأل السائل: هل يختص الدين بالأميين الذين بُعِث فيهم الرسول مباشرة ومن يلحق بهم منهم؟ فأجاب ﷺ عن هذا السؤال المقدَّر. فأما ما وقع في الرواية «رجال أو رجل» فشكٌّ من الراوي، وأكثر

стр. 724

الروايات «رجال» بلا شك، لكن جاء حديث آخر: «لو كان الدين عند الثريا لذهب به رجل من فارس ــ أو قال من أبناء فارس ــ حتى يتناوله»، ولم يذكر في هذا الحديث قصة الآية، لكن كلا الحديثين من رواية أبي هريرة. فإن كان أصل الحديثين واحدًا، واللفظ «رجل»، فلا شبهة أنه كناية عن سلمان كما تعيِّنه القرينة. وإن كانا حديثين فالرجل سلمان والرجال هو وآخرون. هذا هو المعنى الواضح [١/ ٤٠٢] لمن أراد أن يفهم المراد من الكتاب والسنة (١). وأما من يريد أن يجرَّهما إلى هواه، فلا كلام معه. والمقصود هنا أن الشافعي ممن نالته المزية التي دعا بها إبراهيم وإسماعيل، وذُكِرَت في الآيات. ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم. وقال ﵎: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (٣٣) ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣٣ - ٣٤] وجاء في كتاب الله عدة آيات تدل على انقطاع الاصطفاء عن ذرية آل عمران، وبقي في غيرهم من آل إبراهيم. وفي الإصحاح الثاني من «سفر أرميا» في صدد توبيخه اليهود على ارتدادهم وعبادتهم الأصنام ما يدل على أن بني قيدار كانوا في عهده ثابتين على ملة إبراهيم، قال: «لذلك أخاصمكم ــ يقول الرب ــ وبني بنيكم

стр. 725

أخاصم. فاعبروا جزائر كِتِّيم وانظروا وأرسلوا إلى قيدار وانتبهوا جدًّا (١)، وانظروا هل صار مثل هذا؟ هل بدلَّت أمة آلهة وهي ليست آلهة، أما شعبي فقد بدَّل مجده بما لا ينفع». هكذا في النسخة المطبوعة بنيويورك سنة ١٨٦٧ م. وبنو قيدار هم بنو إسماعيل، ومنهم عدنان أبو قريش. وجاء في «الصحيحين» (٢) وغيرهما كـ «المستدرك» (ج ٤ ص ٦٠٥) وغيره، كما ترى تفصيل ذلك في «فتح الباري» (٣) باب قصة خزاعة، وفي «الإصابة» (٤) ترجمة أكثم بن الجون ما يُعلم منه أن عَمرو بن لُحَيّ أول من بدَّل دين إبراهيم أي ــ والله أعلم ــ في مكة ونواحيها. وعمرو هذا من اليمن على الراجح، وليس من ذرية إسماعيل على الراجح، وكان في عصر كنانة. وفي «صحيح مسلم» (٥) وغيره من حديث واثلة بن الأسقع عن النبي ﷺ : «إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشًا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم». فهذا يدل أن

стр. 726

عمرو بن لُحَيّ استغوى بعضَ بني إسماعيل، وثبت كنانة. ثم سرى التبديل إلى بعض ذرية كنانة، وثبت قريش، فانفرد بالاحتراز عن التبديل أو عن الإغراق فيه. ثم سرى الفساد في ذرية قريش، وانفرد هاشم بنحو ما انفرد به قريش، فكان بنو هاشم أقرب الناس إلى الحق حتى اصطفى الله تعالى رسولَه [١/ ٤٠٣] منهم. وقد تقدم (١) قوله ﷺ : «بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد». افترق بنو عبد مناف فانضم بنو نوفل إلى بني عبد شمس، وانضم بنو المطلب إلى بني هاشم، فكانوا معه ودخلوا معهم شعب أبي طالب لما قاطعت قريش بني هاشم بسبب النبي ﷺ . ثم بقوا مع بني هاشم في الإسلام، وبقوا معهم بعد النبي ﷺ . ولما افترق بنو هاشم انضم بنو المطلب إلى ألصق الفريقين بالنبي ﷺ ، وهم بنو ابنته. وكان والد الشافعي معهم، فلما أصيبوا فرَّ إلى فلسطين حيث وُلد له الشافعي. فالشافعي من آل إبراهيم ثم من كنانة ثم من قريش، ثم من بني المطلب الذين هم وبنو هاشم شيء واحد، ثم ظهر في الإسلام أنهم ألصق بالنبي ﷺ من بعض بني هاشم، ثم فَقُه: وهل يُنبت الخطِّيَّ إلا وشيجُه ... وتُغرَس إلا في منابتها النخلُ (٢) بل قد يقال: إن الله تعالى اختص رسولَه ﷺ وعشيرته بخصائص كثيرة، فلا يكاد يوجد لغيرهم فضيلة إلا ولهم من جنسها ما هو أفضل. وهذه الأمة قد كادت تُطبق على اتباع أربعة علماء، فيهم رجل واحد من عشيرة النبي

стр. 727

صلى الله عليه وآله وسلم، فقضية ما تقدَّم أن يكون أكمل من بقية الأربعة. وقد ذكر بعضهم أن مذهب الشافعي هو مذهب أهل البيت؛ لأنه من بني المطلب الذين كانوا وبني هاشم شيئًا واحدًا، ثم لما افترق بنو هاشم انضموا إلى ألصق الفريقين بالنبي ﵌. وكان بنو فاطمة في عصر تأسيس المذاهب مضطهَدين مروَّعين لا يكاد أحد يتصل بهم إلا وهو خائف على نفسه، فلم يتمكنوا من نشر علمهم كما ينبغي. وكان من أبناء الأعاجم قوم لهم منازع سياسية ضد الإسلام، كانوا يتذرعون بإظهار التشيع للعلويين إلى أغراضهم، فكذبوا على أئمة العلويين كذبًا كثيرًا، فاشتبه الأمر على كثيرٍ من أهل العلم. أما الشافعي فإنه تلقَّف العلم من أصحاب جعفر بن محمد بن علي الحسين وغيرهم، ثم تجرَّد للعلم وأعرض عن السياسة، فصفا له الجو، فأسس مذهبه، فساغ أن يقال: إن مذهبه هو مذهب أهل البيت. والذي لا ريب فيه أنه إنْ صح أن يسمَّى واحد من المذاهب الأربعة: مذهب أهل البيت، فهو مذهب الشافعي، وأهل البيت أدرى بما فيه. * * * *

стр. 728

[١/ ٤٠٤] فصل كما حاول الأستاذ أن يشكّك في عربية الشافعي في نسبه، كذلك حاول أن يتكلم في عربيته في لسانه، فذكر حكايتين عن «كتاب التعليم» وقد عرفتَ حاله، وذكر قضايا أخرى. الأولى: أن الشافعي فسَّر قوله تعالى: ﴿أَلَّا تَعُولُوا﴾ [النساء: ٣] بقوله: تكثر عيالكم. أقول: نصَّ الكسائيّ على أن من العرب الفصحاء من يقول: «عال فلان» بمعنى كثر عياله. وكذلك جاء عن الأصمعي وغيره من الأئمة. ومع ذلك فعال يعول يأتي اتفاقًا بمعنى الزيادة والكثرة، كالعَول في الفرائض، والآية تحتمل هذا الوجه، أي أن لا تكثروا، ويكون المراد بدلالة السياق: يكثر عيالكم. أما الاعتراض بأن أكثر المفسرين فسَّروها بقولهم: أن لا تميلوا، فليس الكلام هنا في رجحان وجه على آخر، وإنما الكلام في قول الشافعي أخَطأٌ هو في العربية أم صواب؟ وقد ثبت بما تقدم أنه ليس بخطأ في العربية، فغاية الأمر أن يقال: هو خطأ في التفسير. وذلك لا يضرُّنا هنا، لأن جماعة من الصحابة قد أخطؤوا في بعض التفسير، ولم يعدّ ذلك قادحًا في فصاحتهم. ومع هذا فقد يرجح تفسير الشافعي بوجهين: الأول: أن طاوسًا (١) قرأ ﴿ألا تُعيلوا﴾ (٢) والمعنى على هذا حتمًا:

стр. 729

تكثر عيالكم، واتحاد المعنى على القراءتين أولى من اختلافه. الوجه الثاني: أن سياق الآية ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ [النساء: ٣]. ومعنى قولهم: ذلك أدنى أن لا تميلوا، هو ذلك أدنى أن تعدلوا، وهذا قد علم من أول الآية فيكون تأكيدًا. فإذا احتملت الآية ما قال الشافعي فهو أولى، لأن التأسيس أولى من التأكيد. وقد صح نحو تفسير الشافعي عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم. رواه ابن جرير (١)، ونسبه بعضهم إلى زيد بن أسلم نفسه (٢). الثانية: قال الأستاذ (٣) «قوله: (حارة) في تفسير ﴿مُؤْصَدَةٌ﴾ [الهمزة: ٨] ... مع أنها بمعنى محيطة بلا خلاف». أقول: لم أجد هذا التفسير عن الشافعي. وقول الكوثري: «بمعنى محيطة بلا خلاف» [١/ ٤٠٥] غلط، بل منهم من قال: مطبقة، ومنهم من قال: مغلقة. فإن صح ما نُسِب إلى الشافعي فهو من التفسير باللازم المقصود؛ لأنها إنما تطبق أو تغلق ليشتدّ حرُّها. الثالثة: قال: «وقوله: (معلِّمي الكلاب) في تفسير ﴿مُكَلِّبِينَ﴾ [المائدة: ٤] مع أنه بمعنى مرسلي الكلاب»! أقول: المعروف في اللغة والتفسير ما قال الشافعي.

стр. 730

الرابعة: قال: «وقوله: (فحل الإبل والبقر) في تفسير الفحل في قول عمر ﵁: لا شفعة في البئر ولا في الفحل. مع أنه فحل النخل». أقول: يرد على هذا أمور: الأول: أنه مطالب بتصحيح النسبة إلى الشافعي. الثاني: أن الأثر مرويّ عن عثمان لا عن عمر. الثالث: أنه لو صح ذلك عن الشافعي لكان دليلًا على فصاحته؛ لأن لفظ «فحل» يطلق على الإبل والبقر بلا خلاف، فأما في النخل فالمعروف أن يقال «فُحَّال»، بل قال بعضهم: لا يقال فيه إلا فُحَّال، كما في «النهاية» (١). الخامسة: قال: «وقوله في التصرية إنها من الربط، مع أنها من جمع الماء في الحوض ... ». أقول: عبارة الشافعي كما في «مختصر المزني» بهامش «الأم» (ج ٢ ص ١٨٤) (٢) وغيره: «التصرية: أن تُرْبَط أخلاف الناقة أو الشاة ثم تُترك من الحلاب اليوم واليومين والثلاثة حتى يجتمع بها لبن ... ». وهذه العبارة إنما تعطي أن حقيقة التصرية هي ما يحصل من مجموع تلك الأمور: الربط، وترك الحلاب مدة، واجتماع اللبن. فأما اشتقاق الكلمة أمن الصرِّ وهو الربط، أم من الصري وهو الاجتماع؛ فهذا لا علاقة له بكلام الشافعي، أولًا: لأنه في مقام بيان المعنى لا الاشتقاق، ثانيًا: لأنه قد ذكر الاجتماع كما ذكر

стр. 731

الربط. وربط الأخلاف لازم التصرية في عادة العرب، وذلك أنها إذا لم تُربط رضعها ولدها، أو حلبها محتاج. وكان العرب يتسامحون في حلب إبل غيرهم إذا لم تكن مصرَّاة، يعدُّون عدم تصريتها بمنزلة الإذن لمن يحتاج في حلبها. قال الشاعر (١): [١/ ٤٠٦] قد غاث ربُّك هذا الخلقَ كلَّهُمُ ... بعامِ خصبٍ فعاش الناسُ والنَّعَمُ وأبهلُوا سَرْحَهم من غير توديةٍ ... ولا ذيارٍ ومات الفقرُ والعَدَمُ يعني أرسلوها غير مصرَّاة لاستغنائهم عن اللبن، فلا يبالون أن ترضعها أولادُها أو يحلبها من شاء. وفي الحديث: «لا يحلبنَّ أحدٌ ماشيةَ امرئ بغير إذنه، أيحبُ أحدُكم أن تُؤتَى مَشْرُبتُه فتُكسرَ خزانتُه ... » (٢). وجاءت أحاديث أخرى بالإذن، منها حديث أبي سعيد مرفوعًا: «إذا أتيتَ على راعٍ فنادِه ثلاثًا، فإن أجابك وإلا فاشرب من غير أن تُفسِد» (٣). وجمع بعض أهل العلم بين الأحاديث بأن النهي محمول على المصرّاة؛ لأن تصريتها علامة على عدم الإذن، والإذن في غيرها؛ لأن ترك التصرية دليل على الإذن. وهذا أقوى ما تُحْمَل عليه

стр. 732

الأحاديث، وفيها إشارة إليه لقوله في الأول: «فتكسر خزانته»، والكسر إنما يكون إذا كانت مغلقة، وإغلاق ضرع الناقة هو تصريته. فأما غير المصرَّاة فهي شبيهة بالخزانة المفتوحة. ولقوله في الحديث الآخر: «من غير أن تُفسد»، وحلُّ الرباط إفساد. والمقصود هنا أن الربط كان من لازم التصرية في عادتهم، فكانت حقيقة التصرية إنما تحصل بالربط والترك مدةً واجتماع اللبن، كما قال الشافعي. وذكر بعض أئمة اللغة أنه يجوز أن تكون المصرَّاة أصلها المصرَّرة أي المربوطة، إلى آخر ما قال، ولا حاجة بعبارة الشافعي إلى هذا كما علمت. السادسة: قال: «وقوله في تفسير الفِهْر في قول عمر: كأنهم اليهود قد خرجوا من فِهْرهم ــ البيت المبني بالحجارة الكبار، مع أنه موضع عبادتهم أو اجتماعهم ودرسهم مطلقًا، سواء كان في بنيان أو صحراء». أقول: عليه في هذا أمور: الأول: أنه مطالب بتثبيت النسبة إلى الشافعي. الثاني: أن الأثر منسوب إلى عليّ كما في «نهاية ابن الأثير» (١)، لا إلى عمر، ولفظه في «النهاية»: «خرجوا من فهورهم». الثالث: قوله: «مطلقًا ... » لم أجدها في كتب اللغة والغريب. وراجع «مفردات الراغب» ليتبين لك كثرة الكلمات التي يُطلق تفسيرها في كتب

стр. 733

اللغة، وحقُّها التقييد. [١/ ٤٠٧] الرابع: كلمة «خرجوا من» ظاهرة في التقييد بالبيان. الخامس: أنه قد اختلف في تفسير الفهر، فقيل: مدراس اليهود يجتمعون إليه في عيدهم. وقيل: يوم يأكلون فيه ويشربون (١). فقول القائل: البيت المبنيّ بالحجارة الكبار، حقُّه أن يُعَدَّ قولًا آخر إنْ كان قائله ممَّن يعتدُّ به كالشافعي. فإنْ بان أن الصواب غيره دلَّ ذلك على أنه لم يعرف معنى الكلمة، وإنما قال باجتهاده، وهذا لا يدل على عدم فصاحته، فإنه ليس من شرط الفصيح أن يعرف معاني جميع الألفاظ العربية. فقد كانت تخفى على بعض الصحابة معاني بعض الكلمات من القرآن، فيجتهدون ويقول كل منهم ما ظنه، فيختلفون ويخطئ بعضهم، وليس ذلك من عدم الفصاحة في شيء. ويتأكد هذا إذا كانت الكلمة أصلها من غير لغة العرب كهذه، فإنها نبطية أو عبرانية. ولا لوم على العربي الفصيح أن يخطئ في معرفة معنى كلمة غير عربية. وقد قال بعض الفصحاء (٢): لم تَدْرِ ما نسجُ اليَرَنْدَجِ بالضُّحَى فزعم أن اليرندج ثوب يُنسج.

стр. 734

وقال آخر (١): ولم تَذُقْ من البقولِ الفستقا فزعم أن الفستق بقل. ولذلك نظائر معروفة. السابعة: قال: «وصف (٢) الماء بالمالح، مع أن الماء لا يوصف به، وفي القرآن: ﴿مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ وأما المالح فيوصف به نحو السمك». أقول: المعروف عن الأصمعي ومن تبعه أنه لا يقال لا في الماء ولا في السمك. وذكر ابن السِّيد في «الاقتضاب» (ص ١١٦) (٣) ذلك، ثم نقضه بعدة حجج، ثم قال: «وحكى علي بن حمزة عن بعض اللغويين أنه يقال: ماء مِلْح، فإذا وصف الشيء بما فيه من الملوحة قلت: سمك مالح، وبقلة مالحة. قال: ولا يقال: ماء مالح، لأن الماء هو الملح بعينه. وهذا قول غير معروف، وهو مع ذلك مخالف للقياس؛ لأن صفة الماء بأنه مالح أقرب إلى القياس من وصف السمك، لأنهم قالوا: مَلُحَ الماءُ وأملَحَ، فأسندوا إليه الفعل كما يسند إلى الفاعل. ولم يقل أحد: مَلُحَ السمكُ. إنما قالوا: ملَحتُ السمكَ إذا جعلت فيها الملح» ثم قال: «وأنشد أبو زياد الأعرابي قال: أنشدني أعرابي فصيح:

стр. 735

صبَّحن قَوًّا والحَمامُ واقعُ ... وماءُ قَوٍّ مالحٌ وناقِعُ» (١) [١/ ٤٠٨] وفي «لسان العرب» (٢) عن ابن الأعرابي: «ماء أجاج ... وهو الماء المالح»، وعن الجوهري: «ولا يقال: مالح، وقال أبو الدُّقيش: ماء مالح وملح». ثم قال: «قال ابن بري: قد جاء المالح في أشعار الفصحاء ... وقال عمر بن أبي ربيعة (٣): ولو تفلَتْ في البحر والبحر مالحٌ ... لأصبح ماء البحر من ريقها عَذْبا قال ابن بري: وجدت هذا البيت المنسوب إلى عمر بن أبي ربيعة في شعر أبي عيينة محمد (٤) ابن أبي صفرة ... ». والحاصل أن قولهم: «ماء مالح» ثابت عن العرب الفصحاء نصًّا، وثابت قياسًا، لكن أكثر ما يقولون: «مِلْح». ولما غلب على ألسنة الناس في عصر الشافعي: «مالح» أتى بها الشافعي في كتبه، لأنه كان يتحرّى التقريب إلى أفهام الناس كما يأتي عن صاحبه الربيع. ومع هذا فقد شهد جماعة للشافعي بأنه من الفصحاء الذين يحتج بقولهم، فيكون قوله حجة على

стр. 736

صحة الكلمة. فإن تنازلنا وسلَّمنا أن الشافعي مختلف في فصاحته قلنا: فالكلمة مختلف في صحتها، فحقُّها إن لم يقم دليل على صحتها أن لا يحتج على صحتها باستعمال الشافعي لها، ولا يطعن في فصاحته لاستعماله لها للاختلاف في الأمرين، فكيف إذا قام الدليل على صحة الكلمة من غير قوله، وقام الدليل على فصاحته! الثامنة: قال: «وقوله: ثوب نَسوي لفظة عامية». أقول: هذا أيضًا لم يذكر ما يثبته عن الشافعي. ثم إن كان نسبة إلى (النساء) فهو الصواب كما قال سيبويه وغيره (١). وإن كان نسبة إلى (نَسا) وهي البلدة المعروفة فهو القياس. وقول ياقوت (٢): «والنسبة الصحيحة إليها نَسائي، وقيل: نَسَوي أيضًا، وكان من الواجب كسر النون» فيه ما فيه. التاسعة: قال: «وقوله: العَفريت ــ بالفتح ــ مما لم يقله أحد». أقول: ولا قاله الشافعي فيما نعلم، ولو قاله لعددناها لغة لبعض العرب. العاشرة: قال: «وقوله: أشلَيتُ الكلبَ بمعنى زجرته، خطأ، صوابه أن ذلك بمعنى أغريته كما قال ثعلب وغيره». [١/ ٤٠٩] أقول: لم يكفِ هذا الأنوَك (٣) أن كذب على الشافعي حتى كذب على ثعلب وغيره! والموجود في كتب الشافعي استعماله بمعنى

стр. 737

الإغراء، وثعلب إنما زعم أنه بمعنى أن تدعوه إليك، قال: فأما الإغراء فإنما يقال: آسدته». وصحَّح غيرُه مجيئه في المعنيين. الحادية عشرة (١): قال: «وقوله في «مختصر المزني»: وليست الأذنان من الوجه فيغسلان. والصواب: فيغسلا». أقول: عليه في هذا أمور: الأول: أن النصب في مثل هذا مرجوح أو ممتنع. وفي «الهمع» (ج ٢ ص ١٢) (٢): «وإن تقدمت جملة اسمية نحو: ما زيد قائم فيحدثنا (٣)، فأكثر النحويين على أنه لا يجوز النصب؛ لأن الاسمية لا تدلّ على المصدر. وذهب طائفة إلى جوازه. وقال أبو حيان: الصحيح الجواز بشرط أن يقوم مقام الفعل ظرف أو مجرور ... ». فإن قيل: فإن «ليس» فعل، قلت: جامد لا يدل على المصدر، فأما دلالتها على النفي فكدلالة «ما». بل قال جماعة: إن النصب بعد الفاء لا يجب بحال. قال الرضي في «شرح الكافية» (ج ٢ ص ٢٤٥): «وقد يبقى ما بعد فاء السببية على رفعه قليلًا كقوله تعالى: ﴿وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: ٣٦] وقوله: ألم تَسألِ الرَّبْعَ القَواءَ فينطقُ (٤)

стр. 738

وقوله: لم تدرِ ما جزعٌ عليك فتجزعُ (١) جاء جميع هذا على الأصل، ومعنى الرفع فيه كمعنى النصب لو نصب ... جاز لك أن لا تصرف في المواضع المذكورة إلى النصب اعتمادًا على ظهور المعنى». ومع هذا فقد جاء إهمال «أن» مضمرةً وظاهرةً، وعدَّ ابنُ هشام (٢) من الأول قول الله : ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ﴾ [الزمر: ٦٤] وقوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ﴾ [الروم: ٢٤] ومن الثاني قراءة ابن محيصن: ﴿لمن أراد أن يتمُّ الرضاعة﴾ برفع الميم. وفي «الهمع» (ج ٢ ص ٣) (٣): «قال الرؤاسي من الكوفيين: فصحاء العرب ينصبون (بأن) وأخواتها الفعل، ودونهم قوم يرفعون بها، ودونهم قوم يجزمون بها». الثاني: أن المزني لم يسق عبارات الشافعي بنصها، فقد قال أول «المختصر» (٤): «اختصرتُ هذا الكتاب من عِلْم محمد بن إدريس الشافعي

стр. 739

رحمه الله ومن معنى قوله، لأقرِّبه على من أراده». [١/ ٤١٠] وربما صرَّح بنسبة بعض ما ينقله عن الشافعي إلى بعض كتبه المطبوعة في «الأم»، فإذا قوبلت العبارتان وُجدتا مختلفتين في اللفظ. فقول المعترض: «وقوله ... » يعني الشافعي ــ مجازفة. الثالث: أن النسّاخ لم يزالوا من قديم يخطئون ويزيدون وينقصون ويغيِّرون، فنسبة عدم حذف النون إلى المزني يتوقف على وجودها في النسخة التي بخطه أو على نصِّ ثقة سمع منه أنه قالها. الرابع: قول المعترض: «والصواب: فيغسلا» لحن، والصواب «فتغسلا». وقد قالوا في قول الشاعر: ولا أرضَ أبقَلَ إبقالَها (١) وقول الآخر: إن السماحة والشجاعة ضُمِّنا (٢) إنه ضرورة شعرية مع تأويل الأرض بالمكان، والسماحة والشجاعة بالجود والبأس مثلًا، ولا ضرورة في النثر. ولا يسوغ بعد النص على التأنيث في قوله: «ليست» تأويل، ولا حمل على مذهب الكوفيين.

стр. 740

ثم قال الكوثري: «ولفظ الشافعي إثبات النون، وحذفها من تصرف الطابع، وأمانته في العلم كأمانته ... ». أقول: جزمه بأنه لفظ الشافعي مجازفة كما مرَّ. وقوله: «من تصرف الطابع» مجازفة أيضًا، فهل وقف على الأصول المطبوع عنها؟ وهل علم أن حذفها من فعل الطابع نفسه لا من إصلاح المصححين على ما ظهر لهم؟ والذي في خاتمة طبع «الأم» و «المختصر» أن القائمين بالتصحيح مصححو دار الطباعة: نصري بن محمد العادلي، ومحمد البلبيسي، ومحمود حسن زناتي. ولم يذكر لصاحب العزة أحمد بك الحسيني إلا أن الطبع على نفقته. ومع هذا فلم يزل المصححون ــ ومنهم الأستاذ ــ يصلحون ما يجدونه في الأصول القلمية مما يرونه خطأ، والغالب فيما يُطبع بمصر أن لا ينبَّه على ما كان في الأصل، بناء على أن الخطأ من النساخ كما جرت عادتهم حتى في كتابة القرآن. وقد وقفتُ على «منية الألمعي» للعلامة قاسم بن قطلوبغا الحنفي ومقدمة الكوثري عليها، وتصفحت ما فصَّله قاسم من الأغلاط الكثيرة التي كانت في نسخة الزيلعي من كتابه «نصب الراية»، ومع ذلك أصلح الكوثري وأحبابه كثيرًا منها في الطبع بدون تنبيه، فعدَّ الكوثري صنيعهم منقبةً لهم. قال: «وفي عداد تعقبات العلامة الحافظ قاسم أمور قد ينتبه إليها الفطن بنفسه لظهور أنها من قبيل سبق القلم، فيوجد بعض ما هو من هذا [١/ ٤١١] القبيل على الصحة في النسخة المطبوعة؛ لأن الانتباه إلى الصواب من فضل الله سبحانه، وفضلُ الله لا يكون وقفًا على أحد». لكن عذر الأستاذ واضح، وهو أنه راضٍ عن نفسه وأحبابه! ولذلك رأى التصرف في طبع «نصب
следующие страницы →