← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 337

التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل - ضمن «آثار المعلمي»

عبد الرحمن المعلمي اليماني

Полный текст (1 489 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

صحة الكلمة. فإن تنازلنا وسلَّمنا أن الشافعي مختلف في فصاحته قلنا: فالكلمة مختلف في صحتها، فحقُّها إن لم يقم دليل على صحتها أن لا يحتج على صحتها باستعمال الشافعي لها، ولا يطعن في فصاحته لاستعماله لها للاختلاف في الأمرين، فكيف إذا قام الدليل على صحة الكلمة من غير قوله، وقام الدليل على فصاحته! الثامنة: قال: «وقوله: ثوب نَسوي لفظة عامية». أقول: هذا أيضًا لم يذكر ما يثبته عن الشافعي. ثم إن كان نسبة إلى (النساء) فهو الصواب كما قال سيبويه وغيره (١). وإن كان نسبة إلى (نَسا) وهي البلدة المعروفة فهو القياس. وقول ياقوت (٢): «والنسبة الصحيحة إليها نَسائي، وقيل: نَسَوي أيضًا، وكان من الواجب كسر النون» فيه ما فيه. التاسعة: قال: «وقوله: العَفريت ــ بالفتح ــ مما لم يقله أحد». أقول: ولا قاله الشافعي فيما نعلم، ولو قاله لعددناها لغة لبعض العرب. العاشرة: قال: «وقوله: أشلَيتُ الكلبَ بمعنى زجرته، خطأ، صوابه أن ذلك بمعنى أغريته كما قال ثعلب وغيره». [١/ ٤٠٩] أقول: لم يكفِ هذا الأنوَك (٣) أن كذب على الشافعي حتى كذب على ثعلب وغيره! والموجود في كتب الشافعي استعماله بمعنى

стр. 737

الإغراء، وثعلب إنما زعم أنه بمعنى أن تدعوه إليك، قال: فأما الإغراء فإنما يقال: آسدته». وصحَّح غيرُه مجيئه في المعنيين. الحادية عشرة (١): قال: «وقوله في «مختصر المزني»: وليست الأذنان من الوجه فيغسلان. والصواب: فيغسلا». أقول: عليه في هذا أمور: الأول: أن النصب في مثل هذا مرجوح أو ممتنع. وفي «الهمع» (ج ٢ ص ١٢) (٢): «وإن تقدمت جملة اسمية نحو: ما زيد قائم فيحدثنا (٣)، فأكثر النحويين على أنه لا يجوز النصب؛ لأن الاسمية لا تدلّ على المصدر. وذهب طائفة إلى جوازه. وقال أبو حيان: الصحيح الجواز بشرط أن يقوم مقام الفعل ظرف أو مجرور ... ». فإن قيل: فإن «ليس» فعل، قلت: جامد لا يدل على المصدر، فأما دلالتها على النفي فكدلالة «ما». بل قال جماعة: إن النصب بعد الفاء لا يجب بحال. قال الرضي في «شرح الكافية» (ج ٢ ص ٢٤٥): «وقد يبقى ما بعد فاء السببية على رفعه قليلًا كقوله تعالى: ﴿وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: ٣٦] وقوله: ألم تَسألِ الرَّبْعَ القَواءَ فينطقُ (٤)

стр. 738

وقوله: لم تدرِ ما جزعٌ عليك فتجزعُ (١) جاء جميع هذا على الأصل، ومعنى الرفع فيه كمعنى النصب لو نصب ... جاز لك أن لا تصرف في المواضع المذكورة إلى النصب اعتمادًا على ظهور المعنى». ومع هذا فقد جاء إهمال «أن» مضمرةً وظاهرةً، وعدَّ ابنُ هشام (٢) من الأول قول الله : ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ﴾ [الزمر: ٦٤] وقوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ﴾ [الروم: ٢٤] ومن الثاني قراءة ابن محيصن: ﴿لمن أراد أن يتمُّ الرضاعة﴾ برفع الميم. وفي «الهمع» (ج ٢ ص ٣) (٣): «قال الرؤاسي من الكوفيين: فصحاء العرب ينصبون (بأن) وأخواتها الفعل، ودونهم قوم يرفعون بها، ودونهم قوم يجزمون بها». الثاني: أن المزني لم يسق عبارات الشافعي بنصها، فقد قال أول «المختصر» (٤): «اختصرتُ هذا الكتاب من عِلْم محمد بن إدريس الشافعي

стр. 739

رحمه الله ومن معنى قوله، لأقرِّبه على من أراده». [١/ ٤١٠] وربما صرَّح بنسبة بعض ما ينقله عن الشافعي إلى بعض كتبه المطبوعة في «الأم»، فإذا قوبلت العبارتان وُجدتا مختلفتين في اللفظ. فقول المعترض: «وقوله ... » يعني الشافعي ــ مجازفة. الثالث: أن النسّاخ لم يزالوا من قديم يخطئون ويزيدون وينقصون ويغيِّرون، فنسبة عدم حذف النون إلى المزني يتوقف على وجودها في النسخة التي بخطه أو على نصِّ ثقة سمع منه أنه قالها. الرابع: قول المعترض: «والصواب: فيغسلا» لحن، والصواب «فتغسلا». وقد قالوا في قول الشاعر: ولا أرضَ أبقَلَ إبقالَها (١) وقول الآخر: إن السماحة والشجاعة ضُمِّنا (٢) إنه ضرورة شعرية مع تأويل الأرض بالمكان، والسماحة والشجاعة بالجود والبأس مثلًا، ولا ضرورة في النثر. ولا يسوغ بعد النص على التأنيث في قوله: «ليست» تأويل، ولا حمل على مذهب الكوفيين.

стр. 740

ثم قال الكوثري: «ولفظ الشافعي إثبات النون، وحذفها من تصرف الطابع، وأمانته في العلم كأمانته ... ». أقول: جزمه بأنه لفظ الشافعي مجازفة كما مرَّ. وقوله: «من تصرف الطابع» مجازفة أيضًا، فهل وقف على الأصول المطبوع عنها؟ وهل علم أن حذفها من فعل الطابع نفسه لا من إصلاح المصححين على ما ظهر لهم؟ والذي في خاتمة طبع «الأم» و «المختصر» أن القائمين بالتصحيح مصححو دار الطباعة: نصري بن محمد العادلي، ومحمد البلبيسي، ومحمود حسن زناتي. ولم يذكر لصاحب العزة أحمد بك الحسيني إلا أن الطبع على نفقته. ومع هذا فلم يزل المصححون ــ ومنهم الأستاذ ــ يصلحون ما يجدونه في الأصول القلمية مما يرونه خطأ، والغالب فيما يُطبع بمصر أن لا ينبَّه على ما كان في الأصل، بناء على أن الخطأ من النساخ كما جرت عادتهم حتى في كتابة القرآن. وقد وقفتُ على «منية الألمعي» للعلامة قاسم بن قطلوبغا الحنفي ومقدمة الكوثري عليها، وتصفحت ما فصَّله قاسم من الأغلاط الكثيرة التي كانت في نسخة الزيلعي من كتابه «نصب الراية»، ومع ذلك أصلح الكوثري وأحبابه كثيرًا منها في الطبع بدون تنبيه، فعدَّ الكوثري صنيعهم منقبةً لهم. قال: «وفي عداد تعقبات العلامة الحافظ قاسم أمور قد ينتبه إليها الفطن بنفسه لظهور أنها من قبيل سبق القلم، فيوجد بعض ما هو من هذا [١/ ٤١١] القبيل على الصحة في النسخة المطبوعة؛ لأن الانتباه إلى الصواب من فضل الله سبحانه، وفضلُ الله لا يكون وقفًا على أحد». لكن عذر الأستاذ واضح، وهو أنه راضٍ عن نفسه وأحبابه! ولذلك رأى التصرف في طبع «نصب

стр. 741

الراية» من فضل الله سبحانه، وساخطٌ على الحسيني لسعيه في طبع بعض كتب الشافعي، فهو مضطر إلى أن يتجنَّى عليه. ولعلَّنا لو لم ننبِّه على هذا لعدَّنا الأستاذ من الأغبياء الذين لا يفرِّقون بين السخط والرضا. والله المستعان. الثانية عشرة، والثالثة عشرة (١): قال: «وقوله: الواو للترتيب، والباء للتبعيض، مما لا يعرفه أحد من أئمة اللسان، بل الأُولى للجمع مطلقًا، والثانية للإلصاق». أقول: جازف في النفي والإثبات. أما النفي فقد نُقل القول بأن الواو للترتيب عن قطرب، والرَّبعي، والفراء، وثعلب، وأبي عمر الزاهد (٢)؛ كما في «المغني» (٣). ونُقل القول بأن الباء تجيء للتبعيض عن الأصمعي، والفارسي، والقُتَبي، وابن مالك، وعن الكوفيين؛ كما في «المغني» (٤) أيضًا. وأما الإثبات فلم يقل الشافعي قط إنَّ الواو للترتيب ولا إن الباء للتبعيض، ولا ما هو بيِّن في هذا. وإنما بنى في الواو على قاعدة التقديم والتأخير المتفق عليها؛ وهي أن ما يسوغ في أصل التركيب تقديمه وتأخيره لا يقدَّم في الكلام البليغ إلا لنكتة. فإذا قال البليغ: «ادع زيدًا وبكرًا» فلم يقدِّم زيدًا إلا لنكتة. فقد يقال: الأصل تقديم ما حقه أن يقدَّم في الحكم، وإنما يصح تقديم غيره بشرطين: النكتة والقرينة. فمن قدَّم ولا نكتة ولا

стр. 742

قرينة، فقد أخطأ من وجهين. ومن قدَّم مع وجود إحداهما فقط فقد أخطأ من ذلك الوجه. وهذا ــ والله أعلم ــ هو مراد القائلين بأن الواو للترتيب. والفرق بينها وبين الفاء و (ثم) أن الواو وإن كانت بمقتضى قاعدة التقديم والتأخير تقتضي الترتيب فذلك ظاهر يجوز خروجها عنه لنكتة بقرينة، والفاء و (ثم) للترتيب حتمًا. وقد يقال: بل التقديم في الحكم نكتة من النكت، فحيث كانت هناك نكتة أوضح منها مثل: «جاء الملك وكاتبه» لم يفهم من الواو إلا مطلق الجمع، وإلا فالظاهر الترتيب في الحكم. والشافعي ﵀ إنما تعرَّض لهذا في ترتيب الوضوء فنزع بالآية، ثم ذكر أن النبي ﵌ بدأ بما بدأ الله به، وأنه في [١/ ٤١٢] السعي بدأ بالصفا وقال: «نبدأ بما بدأ الله به»، وأنه في رمي الجمار يجب البدء بما بدأ به ﵌. فهذه حجته، فكيف يتوهّم أنه إنما بنى قولَه على زَعْم أن الواو بمنزلة الفاء وثم؟ وأما الباء فإنه قال في مسح الرأس: « ... كان معقولًا في الآية أن من مسح من رأسه شيئًا فقد مسح برأسه ... ودلت السنة على أنه ليس على المرء مسح الرأس كله ... » (١). وهذا قد يكون بناء على معنى الإلصاق، فقد ذكروا من أمثلته «أمسكت بزيد» مع أن يدك إنما تلاصق بعضه. وعلى هذا يكون الفرق بين الباء و «من» أن «من» نص على التبعيض، وباء الإلصاق مطلقة تَصْدُق بالبعض وتَصْدُق بالكل. ولعل هذا مراد من أطلق أنها تجيء للتبعيض. وراجع لكلام الحنفية في الحكم والآية واضطرابهم في ذلك:

стр. 743

«روح المعاني» (ج ٢ ص ٢٥٧ - ٢٥٨) (١). وهاهنا انتهت المطاعن في فصاحة الشافعي. ولقد سعى الكوثري في تثبيت فصاحة الشافعي جهدَه، فإن أهل المعرفة يعلمون أن في الكلام الفصيح مواضع يعسر توجيهها حتى لو كان كلامَ من يجوز عليه اللحن لجزموا بأنها لحن، فإذا رأوا هذا المُجْلِبَ بخيله ورَجْله لم يجد فيما ثبتت نسبته إلى الشافعي موضعًا واحدًا بهذه الصفة، فاضطُرَّ إلى الإتيان بما تقدم مع الكلام عليه، فأي ريبة تبقى في فصاحة الشافعي؟ ومما ذكره ابن حجر في «توالي التأسيس» (٢) ــ ومن عادته أن لا يجزم إلا بما صح عنده ــ قال: «قال ابن أبي حاتم عن الربيع قال: قال ابن هشام: الشافعي ممن يؤخذ عنه اللغة. قال ابن أبي حاتم وحُدِّثتُ عن أبي عبيد القاسم بن سلام نحوه. وقال أيضًا: سمعت الربيع يقول: كان الشافعي عربي النفس واللسان. قال: وكتب إليَّ عبد الله بن أحمد قال: قال أبي: كان الشافعي من أفصح الناس. وقال الساجي: سمعت جعفر بن محمد الخوارزمي يحدِّث عن أبي عثمان المازني عن الأصمعي قال: قرأت شعر الشنْفَرَى (٣) على الشافعي بمكة. وقال ابن أبي الدنيا: [١/ ٤١٣] حدثنا عبد الرحمن ابن أخي الأصمعي: قلت لعمي: على من قرأت شعر هذيل؟ قال: على رجل من آل المطلب يقال له: محمد بن إدريس». وقال أيضًا:

стр. 744

«قال الحاكم: سمعت محمد بن عبد الله الفقيه: سألت أبا عمر غلام ثعلب عن حروف أُخذت على الشافعي مثل قوله: ماء مالح، وقوله: انبغى أن يكون كذا وكذا. فقال لي: كلام الشافعي صحيح، وقد سمعت أبا العباس ثعلبًا يقول: يأخذون على الشافعي، وهو من بيت اللغة يجب أن يؤخذ عنه». وقال: «قال الآبُري: أخبرنا أبو نعيم الإستراباذي، سمعت الربيع بن سليمان يقول مرارًا: لو رأيتَ الشافعي وحسنَ بيانِه وفصاحتَه لعجبتَ منه. ولو أنه ألَّف هذه الكتب على عربيته التي كان يتكلَّم بها معنا في المناظرة لم يُقْدَر على قراءة كتبه، لفصاحته وغرائب ألفاظه، غير أنه كان في تأليفه يجتهد أن يوضِّح للعوام». فصل وكما حاول الكوثري الطعنَ في نسب الشافعي وفي فصاحته، حاول القدح في ثقته، فقال: (ص ١٦٥): «ومن الغريب أنه إذا روى ألفُ راوٍ عن ابن معين أن الشافعي ليس بثقة مثلًا، تُعَدُّ هذه الرواية عنه كاذبة، بخلاف ما إذا كانت الرواية عنه في أبي حنيفة أو أحد أصحابه»! [١/ ٤١٤] أقول: لا نطالب الكوثري بألف ولا بمائة ولا بعشرة، وإنما نطالبه بواحد سالم، ولن يجد إلى ذلك سبيلًا. إنما حكى هذه الكلمة عن ابن معين محمدُ بن وضَّاح الأندلسي، وابن وضاح قال فيه الحافظ أبو الوليد ابن الفرضي الأندلسي ــ وهو بلديُّه وموافق له في المذهب ــ: «له خطأ كثير يُحفظ عنه، وأشياء كان يغلط فيها، وكان لا علم عنده بالفقه، ولا بالعربية». وكان الأمير عبد الله بن الناصر ينكر عليه هذه الحكاية، ويذكر أنه رأى أصل ابن وضّاح الذي كتبه بالشرق وفيه: سألت يحيى بن معين عن الشافعي

стр. 745

فقال: هو ثقة، كما حكاه ابن عبد البر في «كتاب العلم» (١). ولم ينقل أحد غيره عن ابن معين أنه قال في الشافعي: «ليس بثقة» أو ما يؤدي معناها أو ما يقرب منها. ولابن معين أصحاب كثيرون أعرف به وألزم له وأحرص على النقل عنه من هذا المغربي، وكان في بغداد كثيرون يسرُّهم أن يسمعوا طعنًا في الشافعي، فيُشيعوه. فأما قول ابن عبد البر: «قد صح عن ابن معين من طرق أنه كان يتكلم في الشافعي على ما قدمتُ لك، حتى نهاه أحمد بن حنبل، وقال له: لم تر عيناك مثل الشافعي»، فالذي قدَّمه هو قوله: «ومما نُقم على ابن معين وعِيب به أيضًا: قولُه في الشافعي: إنه ليس بثقةٍ. وقيل لأحمد بن حنبل: إن يحيى بن معين يتكلم في الشافعي، فقال أحمد: من أين يعرف يحيى الشافعيَّ؟ هو لا يعرف الشافعي ولا يعرف ما يقول الشافعي ــ أو نحو هذا، ومن جهل شيئًا عاداه! قال أبو عمر: صدق أحمد بن حنبل ﵀ أن ابن معين كان لا يعرف ما يقول الشافعي. وقد حُكي عن ابن معين أنه سئل عن مسألة من التيمم فلم يعرفها. ولقد أحسن أكثم بن صيفي في قوله: ويل لعالمِ أمرٍ من جاهله، من جهل شيئًا عاداه، ومن أحبَّ شيئًا استعبده». والتكلم في الرجل قد يكون بما ليس بجرح، فلا يصلح قولهم: «كان يتكلم فيه» متابعةً لكلمة: «ليس بثقة». وقدَّم ابن عبد البر أيضًا أن ابن معين سئل عن الشافعي فقال: ما أحبُّ حديثه ولا ذِكرَه. وهذا تكلُّم، ولا يعطي معنى: «ليس بثقة»، ولا ما يقرب

стр. 746

منها. وقد جاء أن ابن معين رأى في كتابٍ للشافعي تسميته لمقاتلي علي ﵁ بُغاة، فأنكر ذلك، وعرَضَه على أحمد فقال أحمد: فماذا يقول (١)؟ ــ أو كما قال ــ. يعني أن هذا الوصف هو الذي وصفَ به الكتابُ [١/ ٤١٥] والسنةُ الطائفةَ التي تقاتل أهلَ الحق مطلقًا. فقد يكون ابن معين عدَّ ذلك ميلًا إلى التشيّع، فأوحشه ذلك. وقد تواتر أن أحمد وابن معين كانا يكثران الاجتماع والمذاكرة، فلما ورد الشافعيُّ بغداد لزمه أحمد وقصَّر في مجالسة ابن معين. وهذا أيضًا مما يُوحِش ابنَ معين، وقد كان ابن معين اعتاد من أصحاب الحديث أن يهابوه ويحترموه ويلاطفوه، كما ترى شواهده في ترجمته من «التهذيب» (٢) وفي ترجمة موسى بن إسماعيل (٣)، فكأنّ الشافعي لما ورد بغداد قصَّر في ذلك، وهذا أيضًا مما يورث الوحشة. وقد كان الشافعي حسن الظن بإبراهيم بن أبي يحيى يُكثر الرواية عنه، وابن معين والجمهور يكذِّبون ابنَ أبي يحيى. فلا بِدْع أن تجتمع هذه الأمور في نفس ابن معين فيقول في الشافعي: «لا أحب حديثه ولا ذكره». ولا يعطي ذلك معنى: «ليس بثقة» ولا يقارب.

стр. 747

وقد روى الزعفراني وغيره عن ابن معين ثناءً على الشافعي في الرواية، كما تراه في «التهذيب» (١) و «تذكرة الحفاظ» (٢). وراجع ترجمة الزبير بن عبد الواحد الأسدابادي في «التذكرة» (٣). وقد كان الرواة الذين هم أثبت من ابن وضّاح يخطئون على ابن معين، يتكلمُ ابنُ معين في رجلٍ فيروون ذاك الكلام في رجلٍ آخر، كما قدمت أمثلة من ذلك في القاعدة السادسة من قسم القواعد (٤)، ولعل هذا منه كما أوضحته هناك. وإذا اختلف النقل عن إمام، أو اشتبه أو ارتيب، فينظر في كلام غيره من الأئمة، وقضي فيما روي عنه بما ثبت عنهم. فإذا نظرنا كلام الأئمة في الشافعي لا نجد إلا الثناء البالغ ممن هو أكبر من ابن معين كابن مهدي ويحيى القطان، ومن أقران ابن معين كالإمام أحمد وابن المديني، وممن هو بعده حتى قال أبو زُرْعة الرازي: «ما عند الشافعي حديث غلط فيه»، وقال أبو داود: «ليس للشافعي حديث غلط فيه»، وقال النسائي: «كان الشافعي عندنا أحد العلماء، ثقة مأمونًا». وأمثال هؤلاء كثير. فتدبَّرْ ما تقدم، ثم تصفَّحْ ما قيل في أبي حنيفة وأصحابه مما يثبت إسنادُه، ثم انظر كلمة الأستاذ، هل تجد لها مسوِّغًا (٥)؟ افرض أن لمحدثي الشافعية كلِّهم هوًى في توثيق الشافعي وتليين مخالفيه، فهل يسوغ ردُّ الحق

стр. 748

لموافقته هواهم؟ أم هل يسوغ ردُّ الحق لمخالفته هوى الكوثري؟! [١/ ٤١٦] فصل وكما حاول الكوثري الطعن في نسب الشافعي، وفي فصاحته، وفي ثقته، حاول الطعن في فقهه. قال الأستاذ (ص ١٣٩) بعد أن ذكر ما روي عن الشافعي أنه قال: «أبو حنيفة يضع أول المسألة خطأ ثم يقيس الكتاب كلَّه عليها»؛ قال الأستاذ: «لأبي حنيفة بعض أبواب في الفقه من هذا القبيل. ففي كتاب «الوقف» أخذ بقول شريح القاضي، وجعله أصلًا، ففرَّع عليه المسائل، فأصبحت فروع هذا الباب غير مقبولة حتى ردَّها صاحباه. وهكذا فعل في كتاب «المزارعة» حيث أخذ بقول إبراهيم النخعي، فجعله أصلًا، ففرَّع عليه الفروع. ولكن ما هو من هذا القبيل من مسائل (؟) (١) أبي حنيفة ربما لا يبلغ في العدِّ (٢) عددَ أصابع اليد الواحدة، في حين أن ما عند ذلك العائب من هذا القبيل (؟) بحيث يحار فيه كبار الفقهاء من أهل مذهبه، فتجدهم مضطربين فيما يختارون في المذهب بين قديم المسائل وجديدها، وبين الأجوبة الشفعية المروية عن الإمام التي يقال فيها: فيها قولان. فيَشْكون من عدم مشي الفروع على الأصول، وعدم الاطراد في التأصيل والتفريع، مما ليس هذا موضع شرحه، وله محل آخر». وذكر (ص ١٣٧) قول ابن أبي حاتم عن ابن عبد الحكم: «قال لي محمد بن إدريس الشافعي: نظرتُ في كتبٍ لأصحاب أبي حنيفة فإذا فيها

стр. 749

مائة وثلاثون ورقة، فعددت فيها ثمانين ورقة خلاف الكتاب والسنة». قال الأستاذ: « ... بل أَفرض أن متن الرواية مما أسرَّ به الشافعي إلى محمد بن عبد الحكم على خلاف ما تواتر (؟ ) عن الشافعي أنه قال: «الناس كلهم عيال في الفقه على أبي حنيفة»، وأنه حمل عن محمد بن الحسن حِمْل جمل من علمه، وأنه أَمَنُّ الناس عليه في الفقه ... وعلى فَرْض أن أحدَ أصحاب أبي حنيفة أخطأ في غالب مسائل كتيِّب، فماذا على أبي حنيفة من ذلك؟ والشافعي نفسه رجع عما حواه كتاب «الحجة» كلُّه المعروف [١/ ٤١٧] بالقديم وأمر بغسله والإعراض عنه ... ولولا أن الشافعي رأى قديمَه كلَّه مخالفًا للكتاب والسنة لما رجع هذا الرجوع ولا شدَّد (١) هذا التشدد ... وذلك العالم المفروض خطاؤه لم يعترف بعدُ بالخطأ اعتراف الشافعي بخطئه في القديم ... وها هو محمد بن عبد الله بن عبد الحكم ... ألف كتابًا سماه: «ما خالف فيه الشافعي كتاب الله وسنة رسوله ... فهل نصدقه فيما يقول بالنظر إلى مبالغة ابن خزيمة في الثناء عليه حيث يقول: ليس تحت قبة السماء أحدٌ أعلم باختلاف الصحابة والتابعين واتفاقهم من محمد بن عبد الله بن عبد الحكم ... ». وقال (ص ١١٩): «يوجد بين الأئمة من يُرْوَى عنه عدَّة أجوبة في مسألة واحدة كالروايات الست عن مالك في المسح على الخفين، وكالأجوبة المشفَّعة (٢) في «الأم» للشافعي ... وأما مذهب أبي حنيفة فلا تجد في مسائل ظاهر الرواية إلا قولًا واحدًا منه في كل مسألة. وأما كتب النوادر فحكم مسائلها في جنب مسائل ظاهر الرواية كحكم القراءات الشاذة ... على أن قيمة روايات النوادر تقدَّر بأحوال رواتها».

стр. 750

أقول: أما كلمة الشافعي الأولى، فقد اعترف الأستاذ بما يوافقها وزيادة، فدلَّ مجموع كلامه على أن لأبي حنيفة كتبًا من كتب الفقه، وهي الأبواب العظيمة فيه ككتاب «الوقف» وكتاب «المزارعة»، يرى الأستاذ أنها لا تزيد على خمسة كتب بناها أبو حنيفة على ما ليس بحجة، وهو مع ذلك مخالف للحجة، ثم فرَّع فروع تلك الكتب كلّها على ذلك، فأصبحت فروع تلك الكتب كلّها غير مقبولة، ولم يرجع عنها أبو حنيفة، وإنما ردَّها صاحباه من بعده. وأما كلمة الشافعي الثانية، فقد وقع في لفظها اختلالٌ ما، كما ذكره الأستاذ، وحاصلها أن الشافعي رأى لأصحاب أبي حنيفة كتابًا عدد أوراقه مائة وثلاثون، ثمانون منها مخالف للكتاب والسنة. واعترافُ الأستاذ بالأولى اعترافٌ بإمكان هذه؛ كأن يكون في ذلك الكتاب بعض تلك الكتب المردودة، ككتاب «الوقف» وكتاب «المزارعة» مع كتاب آخر أو أكثر. وأما مطاعنه في فقه الشافعي فتتلخص (١) في أمور: الأول: أنه رجع عن قديمه وأمر بغسله. [١/ ٤١٨] الثاني: أنه يذكر في المسألة قولَيْن ولا يرجع. الثالث: أن فروع مذهبه يكثر فيها عدم الجريان على أصوله. فأما الأول، فالأستاذ يعلم قبل غيره أنه يركب فيه المجازفة الفاحشة والكذب المفضوح، فإنه يعلم أنه لا بدّ أن يكون في القديم كثير من المسائل

стр. 751

الإجماعية التي لم يخالفها الشافعي أولًا ولا آخرًا؛ وكثير من المسائل التي لم يزل الشافعيُّ موافقًا فيها لمالك، لأن عامة المسائل التي رجع عنها في الجديد كان في القديم موافقًا فيها لمالك؛ وكثير من المسائل التي كان في القديم موافقًا فيها للحنفية واستمرَّ على ذلك في الجديد. فبأيّ دين أم بأيّ عقل يقول الأستاذ: «رجع عما حواه كتابُ «الحجة» كله»؟ ! ! ! أما أمر الشافعي بغسل كتاب «الحجة» وأن لا يُرْوَى عنه، إن صح ذلك، فإنما هو ــ كما يعلم الأستاذ ــ لأنه كان فيه مسائل رجع عنها الشافعي، ولأنه لم يكن تهيّأ له إتقانُ تهذيبه وترتيبه واستيفاء الحجج وإيضاح البيان فيه، وعَلِم أن جميع ما فيه عدا المسائل التي رجع عنها قد ضمَّنه كتبه الجديدة، مع سلامتها من تلك النقائص، وزيادتها لحِجاج وأصول وفروع لا تحصى، فلم ير لبقائه وروايته عنه فائدةً، بل فيه مضرّة ما، كأن يغترَّ بعض أتباعه ببعض المسائل التي رجع عنها، أو يغترَّ مُخالِفُه بما فيه من تقصير في الاحتجاج في بعض مسائل الخلاف، فيتوهّم أنه لا حجة للشافعي إلا ما في ذلك الكتاب. وهذا أمر بغاية الوضوح يخجل صاحبُ العلم من شرحه، ولكن ماذا نصنع بالأستاذ؟ يحاول التلبيس على الجهّال، فيضطرنا إلى أن نشرح القضية كأننا نشرحها لأجهل الناس، ويضيع وقته ووقت غيره، كأنه لا يوقن أنه مسؤول عن عمره فيم أفناه؟ وأما الأمر الثاني، فقد ذكر محققو الشافعية أن ذلك إنما وقع للشافعي في ستة عشر أو سبعة عشر موضعًا، فقد يكون الشافعي يرى رجحان أحد القولين، وإنما لم ينصّ على ذلك ليلجئ أصحابَه إلى النظر والتدبّر، ليكون

стр. 752

ذلك أعْوَن لهم على تحصيل مَلَكة الاجتهاد التي يتمكَّنون بها من النظر لأنفسهم فيما ذكره الشافعي وفيما لم يذكره، وهذا كان مقصوده الأعظم من تأليف الكتب. قال المزني أول «مختصره» (١): «اختصرت هذا الكتاب من علم محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله تعالى لأقرِّبه على من أراده، مع إعلامِيه نهيَه عن تقليده وتقليد غيره، لينظر [١/ ٤١٩] فيه لدينه ويحتاط لنفسه». ويقرب من هذا ما تراه في كتب التعليم من إيراد عدة أسئلة بدون حلِّها تمرينًا للطالب لِيُعمِل فكره في حلِّها. وقد لا يكون تمكَّن في الوقت من استيفاء النظر، ولم تكن القضية واقعة حتى يلزمه وقفُ نفسه عليها حتى يستوفي النظر، فتَرَكها واشتغل بغيرها، ولم يستحل أن يقول شيئًا قبل استيفاء النظر، فيقع في مثل ما ذكره الأستاذ في «التأنيب» (ص ١٢٣) عن حفص بن غياث قال: «كنت أجلس إلى أبي حنيفة فأسمعه يُسأل عن مسألة في اليوم الواحد فيفتي فيها بخمسة أقاويل»! وأما الأمر الثالث، فلا ريب أن في مذهب الشافعي فروعًا يتعسّر تطبيقها على أصوله، ولكن ما فيه من هذا القبيل لا يكادُ يُذكر في جانب ما في مذهب أبي حنيفة. وكلُّ عارفٍ بفقه المذهبين وأصولهما يعرف الحقيقة، وليس هذا موضع بسطها، ومن اطلع على قسم الفقهيات (٢) من كتابنا هذا اتضح له الأمر.

стр. 753

وكذلك ما زعمه الكوثري من حيرة فقهاء الشافعية واضطرابهم، ليس بشيءٍ بالنسبة إلى ما وقع لفقهاء الحنفية، ومن شاء فليطالع كتب الفقه في المذهبين، بل يكفيه أن ينظر أول مسألة من قسم الفقهيات، وهي مسألة ضرورية من مبادئ الطهارة، ارتبك فيها الحنيفة أشد الارتباك. وما ذكره من كتب ظاهر الرواية عندهم ليس بشيء، لأن كتب ظاهر الرواية يقع فيها الاختلاف. وأما كتاب ابن عبد الحكم، فلم يعترف الشافعية بصدقه، كما اعترف الكوثري وغيره بصدق كلمة الشافعي كما مرّ. والعلمُ باتفاق الصحابة والتابعين واختلافهم لا يستلزم جودةَ النظر وصحةَ الفهم للترجيح فيما اختلفوا فيه، واستنباطِ حكمِ ما لم يُنقل عنهم فيه شيء. والأستاذ وكل ذي معرفة يتحقق أن البون في هذا بين الشافعي وابن عبد الحكم بعيدٌ جدًّا، وإن كان الشافعي غير معصوم عن الخطأ، وابن عبد الحكم غير محجوب البتة عن الإصابة. وأما ما نُقل عن الشافعي أنه قال: «الناس عيال في الفقه على أبي حنيفة» فلم يتواتر كما زعم الأستاذ. ولو شئنا لقلنا، ولكننا نقتصر هنا على ما يعترف به الأستاذ، وهو أن أبا حنيفة إذا عرف الأصلَ أحسنَ في التفريع وأجاد، وإذا لم يعرف الأصل أو لم يأخذ به وقع في التخليط كما وقع له في الكتب التي تقدم ذكرها، ويقول الأستاذ: إنها لا تُجاوز الخمسة، فثناءُ [١/ ٤٢٠] الشافعي بحسب الضرب الأول، وانتقادُه بحسب الضرب الثاني. وأما ما يتعلق بمحمد بن الحسن، فيُعْلَم [ما] فيه مما يأتي.

стр. 754

فصل عرف الأستاذ أن مطاعنه في الشافعي لا تؤثر الأمر الذي يهواه أو لا تؤثر البتة، فحاول تحصيل بعض مقصوده من جهة أخرى، وهي زعمه أن علم الشافعي مستفاد من محمد بن الحسن تلميذ أبي حنيفة. وسأشرح ملخصًا مبدأ الشافعي إلى اجتماعه بمحمد بن الحسن، وما جرى له معه فأقول: ثبت بالروايات الجيدة أن الشافعي شرع في طلب العلم وسِنُّه نحو عشر سنين، فأخذ عن علماء مكة والمدينة، وخرج غير مرّة إلى اليمن، وأقام بالبادية مدة. وكان فيمن أخذ عنه من الفقهاء بمكة من كان يشارك في طريقة أهل العراق كسعيد بن سالم القدّاح. وكان الشافعي يبحث مع من يقدَم مكةَ من علماء الآفاق. وفي «توالي التأسيس» (ص ٥٨) (١): «قال زكريا الساجي: حدثنا الزعفراني قال: حج بِشْر المَرِيسي [الحنفي] إلى مكة، ثم قَدِم فقال: لقد رأيت بالحجاز رجلًا ما رأيتُ مثله سائلًا ولا مجيبًا، يعني الشافعي. قال: فقدم الشافعي علينا بعد ذلك، فاجتمع إليه الناس، فجئت إلى بِشْر، فسألته فقال: إنه قد تغيَّر عما كان عليه ... ». وفيها (ص ٥٦) (٢): «وأخرج الآبُري من طريق الزعفراني قال: كنا نحضر مجلس بشر المريسي، فكنّا لا نقدر على مناظرته، فقدم الشافعي،

стр. 755

فأعطانا كتاب «الشاهد واليمين»، فدرسته في ليلتين، ثم تقدمتُ إلى حلقة بشر، فناظرتُه فيه فقطعتُه. فقال: ليس هذا من كيسك، هذا من كلام رجل رأيته بمكة معه نصفُ عقل أهل الدنيا». بقي الشافعي نحو عشرين سنة بالحجاز، ثم ولي بعض الولايات باليمن. وفي «توالي التأسيس» (ص ٧٨) (١): «قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن إدريس [١/ ٤٢١] ورَّاق الحميدي، حدثنا الحميدي قال: قال الشافعي ... ثم وُلِّيت نجران وبها بنو الحارث بن عبد المدان وموالي ثقيف ... وتظلَّم عندي أناس كثير، فجمعتهم وقلت: اجمعوا لي سبعة يكون مَن عدَّلوه عدلًا ومَن جرَّحوه مجروحًا، ففعلوا ... حتى أتيتُ على جميع الظلامات، فلما انتهيتُ جعلت أحكم وأسجِّل ... حتى حُمِلْت إلى العراق. وكان محمد بن الحسن جيد المنزلة عند الخليفة، فاختلفت إليه، وقلت: هو أولى من جهة الفقه، فلزمتُه، وكتبتُ عنه، وعرفت أقاويلهم. وكان إذا قام ناظرتُ أصحابه، فقال لي: بلغني أنك تناظر فناظِرْني في «الشاهد واليمين»، فامتنعت، فألحَّ علي، فتكلمتُ معه، فرُفع ذلك إلى الرشيد، فأعجبه ووصلني». وقد ذكر الأستاذ (ص ١٨٤) طرفًا من هذه الحكاية، ثم حمَّلها ما لا تطيق، فمن جملة ما قاله: «وبها يُعلم أن محمد بن الحسن بعد أن درَّب (؟ ) الشافعيَّ على الأخذ والرد هكذا رفع حديثه إلى الرشيد». أقول: الشافعي مدرَّب من بيته كما تقدم، ورافع الحديث إلى الرشيد غير محمد كما تعيِّنه عدة روايات أخرى، والشافعي إنما جالَسَ محمدًا

стр. 756

ليأخذ عنه كتبهم سماعًا ليعرف أقوالهم. ومغزاه في ذلك أمران: أحدهما: ما صرَّح به في بعض الروايات: أنه أحبَّ أن يعرف أقاويلهم وما يحتجون به؛ ليتمكن من الردّ عليهم فيما يراه خطأ، ومناظرتهم فيه، فإن عماد المناظرة أن يُحتجّ على المخالف بأقواله؛ لأنه قد يحتج بما ليس بحجة فيقال له: إن كانت هذه حجة فلِمَ خالفتها في موضع كذا وموضع كذا؟ وقد يرد الحجة، فيقال له: فقد احتججت بها أو بمثلها في موضع كذا وموضع كذا. ولا تكاد تخلو مناظرة من مناظرات الشافعي من هذه الطريقة. المغزى الآخر: مغزى كل عالم متدين، وهو أن يعرف ما يحتجون به، فربما وقف على حجة لم يكن قد عرفها، أو على ما يدل على خلل في دليل قد كان يستدل به، أو نظرٍ قد كان يعتمده. وهذا لا يأنف منه المجتهد المتدين، فإن غالب حجج الفقه ظنية لا يأمن المجتهد أن يخطئ وأن يكون عند غيره ما ليس عنده. فالحق أن الشافعي سمع بعض الكتب من محمد على سبيل الرواية، والعالم قد يسمع ممن هو فوقه، وممن هو مثله، وممن هو دونه. وقد يكون حضر [١/ ٤٢٢] بعض دروس محمد للمغزى المتقدم. كلُّ ذلك والشافعي باق على مذهبه لم يقلد محمدًا ولا تابعه متابعة التلميذ المطلق لأستاذه، بل كان محمد إذا قام ناظر الشافعيُّ أصحابَ محمد يقرِّر لهم مذهبه ويحتجُّ عليه، ويفنِّد ما استدل به محمد وغيره. أما تأبِّيه أولًا من مناظرة محمد فمِنْ كمال عقله ووفور أدبه؛ لأنه كان محتاجًا إلى سماع تلك الكتب ومعرفة أقاويل القوم، فخشي أن يتكدَّر محمد، فيتعسّر عليه. وقد جاء أنه تعسَّر عليه في كتاب، فكتب إليه أبياتًا أثنى عليه فيها وقال فيها:

стр. 757

العلمُ ينهى أهلَه ... أن يمنعوه أهلَه لعله يبذله ... لأهله لعلَّه قال الشافعي: «فحمل محمد الكتاب في كمِّه، وجاء به معتذرًا من حينه». ومن الأثقال التي حمَّلها الأستاذ تلك الروايةَ: قولُه: «فبهذه الرواية يُعلم أن ما في «الأم» من محادثات للشافعي مع بعض الناس ليس مناظرة للشافعي مع محمد بن الحسن، بل مع بعض أصحابه على خلاف ما توهمه بعضهم». أقول: من مكارم أخلاق الشافعي، وكمال عقله، وصدق إخلاصه: أن غالب ما يسوقه من المناظرات لا يسمِّي مَنْ ناظره، لأن مقصوده إنما هو تقرير الحق، ودفع الشبهات، وتعليم طرق النظر. وتسميةُ المناظر يتوَهَّم فيها حظُّ النفس، كأنه يقول: ناظرت فلانًا المشهور فقطعته، وفيها غضٌّ من المناظِر بما يبيِّن من خطئه. والواقع أن المناظرات التي في «الأم» وغيرها من كتب الشافعي، منها ما هو مع محمد بن الحسن، ومنها ما هو مع بعض أصحابه في حياته أو بعد وفاته. وربما صرَّح الشافعي باسم محمد بن الحسن لفائدة، فقد صرَّح باسمه وبأن المناظرة كانت معه في مواضع من كتابه «الرد على محمد بن الحسن» كما تراه في «الأم» (ج ٧ ص ٢٧٨ السطر الأول) و (ص ٢٨٣ السطر ٢٤) و (ص ٣٠٠ السطر ١٥) (١). وساق (ج ٣ ص ١٠٦) (٢) المناظرة مع غير مسمى ثم قال في أثنائها آخر الصفحة:

стр. 758

«وقلت لمحمد بن الحسن: أنت أخبرتني عن أبي يوسف عن عطاء بن السائب ... ». وإنما صرَّح به لئلا يكون رواية عن مجهول، ثم صرَّح به في (الصفحة الثانية السطر ١٦) (١) لأنه قد عُرِف سابقًا، فلم يبق معنى [١/ ٤٢٣] لإبهامه. وانظر (ج ٧ ص ٨٢). وربما لم يسمِّه، ولكن يكني عنه بما يعلم أنه محمد بن الحسن كما في (ج ١ ص ٢٣١) و (ج ٤ ص ٥) و (ج ٧ ص ٧٩). وربما يكون في السياق ما يدل أنه محمد بن الحسن كما في (ج ١ ص ٥٦) و (ج ٣ ص ١٨٩) و (ج ٤ ص ١٧) و (ج ٥ ص ١١٩) (٢). هذا ومناظرته لمحمد في «الشاهد واليمين مشهورة في تلك الرواية وغيرها، ومع ذلك ساقها الشافعي في «الأم» ولم يسمِّ مناظره (٣). ومن المناظرات ما يدل السياق أنها مع غير محمد كما في (ج ٣ ص ١٩٥ و ٢٧٥). ومنها ما هو على الاحتمال. وإنما تأبَّى الشافعي أولًا لما سبق، فلما عَرَف إنصاف محمد، واغتبط محمدٌ بمناظرته كثرت المناظرات بينهما. وفي «توالي التأسيس» (ص ٧١) (٤) من طريق «أبي حسان الحسن بن عثمان الزيادي قال: كنت في دهليز محمد بن الحسن، فخرج محمد راكبًا، فنظر فرأى الشافعي قد جاء، فثنى رجله ونزل، وقال لغلامه: اذهب فاعتذر. فقال له الشافعي: لنا وقت غير هذا. قال: لا، وأخذ بيده، فدخلا الدار. قال

стр. 759

أبو حسان: وما رأيتُ محمدًا يعظِّم أحدًا إعظامَ الشافعي». ومن تدبَّر مناظرات الشافعي لمحمد وجدها مناظرة الأكفاء، وعلم منها أن الشافعي كان حينئذ مجتهدًا كاملًا، وأن محمدًا كان ــ مع مكانته من الفقه والسن والمنزلة من الدولة وكثرة الأتباع ــ على غاية من الإنصاف في البحث والنظر. والإنصاف أنه كان لتلك المناظرات أثر في الرجلين فاتفقا على مسائل رجع فيها الشافعي عما كان يتابع فيه مالكًا، أو رجع محمد عمَّا كان يتابع فيه أبا حنيفة. ومن تصفح كتب الحنفية التي يُذكر فيها قول الشافعي ظهر له صحة ما قلنا، وواضح أنه لا يلزم من هذا أن يتفقا في جميع المسائل التي تناظرا فيها. ومن براعة الشافعي الفائقة ومهارته الخارقة: أنه يجمع في مناظرته بين لطف الأدب وحسن العشرة واستيفاء الحق حتى في التشنيع. ساق في كتاب «اختلاف الحديث» بابًا تراه في هامش «الأم» (ج ٧ ص ١٠٥ - ١٢٥) في أحكام الماء، وفيه ذكر القلتين وغير ذلك، وذكر الأحاديث ومناظرة مع من لم يسمّه، لكن يتبين بالسياق أنها مع محمد بن الحسن إلى أن قال (ص ١١٥): «وقلت له: وما علمتكم اتبعتم في الماء سنةً ولا إجماعًا ولا قياسًا، ولقد قلتم فيه أقاويل لعله لو قيل لعاقل: تخاطأْ، فقال ما قلتم لكان قد أحسن التخاطؤ»! ثم ذكر الأحاديث وسأله: [١/ ٤٢٤] أثابتة هي؟ فاعترف بثبوتها، فقال (ص ١١٦): «فقلت له: لقد خالفتَها كلَّها، وقلتَ قولًا اخترعته مخالفًا للأخبار خارجًا من القياس. قال: وما هو؟ قلت: اذكر القَدْر ... قال: الذي إذا حُرِّك أدناه لم يضطرب أقصاه». فأجابه، ثم ساق الكلام إلى أن قال (ص ١٢٠): «قلت ... إني لأحسبكم لو قال هذا غيركم لبلغتم به أن تقولوا:

стр. 760

القلم عنه مرفوع! فقال: لقد سمعت أبا يوسف يقول: قول الحجازيين في الماء أحسن من قولنا، وقولنا فيه خطأ». ثم ساق إلى أن قال (ص ١٢١ - ١٢٢): «فقال: ما أحسنَ قولَكم في الماء! قلت: أفترجع إلى الحسن؟ فما علمته رجع ... ». ومن لطائفه: ما تراه في «الأم» (ج ٦ ص ١٦٠) (١) ذكر مناظرته مع بعضهم إلى أن قال: «وكانت حجته في أن لا تُقتل المرأة على الردة شيئًا رواه عن عاصم عن أبي رَزين عن ابن عباس ... وكلَّمني بعض من يذهب هذا المذهب، وبحضرتنا جماعة من أهل العلم بالحديث، فسألناهم عن هذا الحديث، فما علمت واحدًا منهم سكت عن أن قال: هذا خطأ، والذي روى هذا ليس ممن يُثبت أهلُ العلم حديثَه، فقلت له: قد سمعتَ ما قال هؤلاء الذين لا شكَّ في علمهم بحديثك ... قال: إني إنما ذهبتُ في ترك قتل النساء إلى القياس ... ». فكأن الشافعي كان متوقعًا البحث في ذاك المجلس عن هذه المسألة، وأن يستدل مناظره بحديث أبي حنيفة عن عاصم، وكره الشافعي أن يقول هو في أبي حنيفة شيئًا يسوء صاحبه، وكان لا بد له من بيان أن الحديث لا يصلح للحجة، فتلطَّف في الجمع بين المصلحتين بأن أوعز إلى جماعة من العلماء بالحديث أن يحضروا المجلس ليكون الكلام في أبي حنيفة منهم. ولعله أتمَّ اللطفَ بأن أظهر أنه لم يتواطأ معهم على الحضور! وألطفُ من هذا أنه حافظ على هذا الخلق الكريم في حكايته المناظرة

стр. 761

في كتابه، وهو بمصر بعيدًا عن الحنفية فقال: «رواه عن عاصم»، وترك تسمية الراوي عن عاصم وهو أبو حنيفة، وقال في حكاية قول الجماعة: «والذي روى هذا»، ولم يقل: «وأبو حنيفة». وقد حاول التركماني استغلال هذا الأدب، فقال في «الجوهر النقي» (١): «أبو رزين صحابي (*). وعاصم وإن تكلم فيه بعضهم، قال الدارقطني: في حفظه شيء، وقال ابن سعد: ثقة، إلا أنه كثير الخطأ في حديثه. فإن ضعَّفوا هذا الأمر لأجله، فالأمر فيه قريب [١/ ٤٢٥]، فقد وثقه جماعة ... وإن ضُعِّف لأجل أبي حنيفة، فهو وإن تكلم فيه بعضهم فقد وثَّقه كثيرون وأخرج له ابن حبان في «صحيحه» ... ». أطنب في مدح أبي حنيفة إلى أن قال: «وذكر أبو عمر في «التمهيد» أن أبا حنيفة والثوري رويا هذا الأثر عن عاصم، وكذا أخرجه الدارقطني بسند جيد عنهما عن عاصم، وأخرجه عبد الرزاق في «مصنفه» عنه، فقد تابع الثوري أبا حنيفة .. ». كذا قال، وسعى جهده في قلب الحقائق. فذكر أولًا احتمال أن يكونوا أرادوا عاصمًا، ومهَّد لذلك بأن ذكر غمز الدارقطني وابن سعد له. ولما ذكر أبا حنيفة لم يذكر شيئًا من كلامهم فيه، وإنما اكتفى بخطفةٍ مجملة ثم راح يطنب في إطرائه. وذكر إخراج ابن حبان في «صحيحه» ونسي كلام ابن حبان في أبي حنيفة في «كتاب الضعفاء» كما يأتي في ترجمة ابن حبان (٢)، وغرضه أن يوقع في نفس القارئ ترجيحَ أنهم أرادوا عاصمًا، وهو يعلم حقَّ

стр. 762

العلم أنهم إنما أرادوا أبا حنيفة. وأعرض عما رواه البيهقي نفسه في ذاك الموضع « ... أحمد بن حنبل ثنا عبد الرحمن بن مهدي قال: سألت سفيان عن حديث عاصم في المرتدة فقال: أما مِن ثقة فلا». وحكى عن «التمهيد» (١)، ولا أشك أن صاحب «التمهيد» قد أوضح أن الثوري إنما سمعه من أبي حنيفة. ثم حكى عن الدارقطني، والذي في «سنن الدارقطني» المطبوع (ص ٣٣٨) (٢): « ... عبد الرزاق عن سفيان عن أبي حنيفة عن عاصم ... » (*). نعم، ذكروا أن عبد الرزاق رواه في «مصنفه» (٣) «عن سفيان عن عاصم»، ولا يبعد أن يكون سفيان إنما قال: «يُحكى عن عاصم» أو نحو ذلك، فأطلق بعضهم «سفيان عن عاصم» اتكالًا على أنه لا مفسدة في هذا لاشتهار سفيان بالتدليس، فلا يحمل على السماع، كما قدمت شرحه في ترجمة حجاج بن محمد (٤). وقد ساق الخطيب في «تاريخه» (٥) بعض ما يتعلق بهذا الحديث، فاكتفى الأستاذ بالتبجُّح بأن سفيان قد روى عن أبي حنيفة! وقد روى ابن أبي حاتم في ترجمة الثوري من «تقدمة الجرح والتعديل» (٦) عن صالح بن أحمد بن حنبل، عن علي ابن المديني، عن يحيى بن سعيد القطان قال:

стр. 763

«سألت سفيان عن حديث عاصم في المرتدة، فأنكره وقال: ليس من حديثي». وقد أعلَّ ابن التركماني بعض الأحاديث بأن سفيان الثوري مدلس، وتغافل عن ذلك هنا مصرًّا على أن الثوري قد تابع أبا حنيفة. وإذا تسامح العالم نفسه مثل هذه المسامحة، فالجاهل خير [١/ ٤٢٦] منه بألف درجة! والمقصود هنا بيان كرم أخلاق الشافعي ﵀. ومع مراعاة الشافعي للحنفية إلى الحدّ الذي رأيتَ، وإطلاقِه الكلمة التي تكاد تكون رأس مالهم: «الناس عيال في الفقه على أبي حنيفة»، ومجاملةِ أصحابه لهم حتى ألَّف جماعة منهم في مناقب الحنفية؛ كان جزاؤه من الأستاذ ما تقدَّم. فأما الخطيب، فإنما سرد أقوال الناس في الغضِّ، كما ساق ما روي في المناقب، وذلك واجبه من جهة أنه مؤرخ ومحدث. ومع ذلك فأعرض سائر الشافعية عما نقله الخطيب، بل منهم من عارضه، ومنهم من ردَّ عليه، كما حكاه الأستاذ. ولما تعرض للرد عليه المَلِك عيسى ومأجوره السبط ــ وفي ردِّهما ما فيه من التهافت ــ لم يعرض لهما أحد من الشافعية، بل استمرُّوا على المجاملة. وكذلك لما عُثِر على كتاب «التعليم» المنسوب إلى مَنْ لم يُخْلَق، كما تقدم (١)، وفيه من الكذب والزور من الطعن في مالك والشافعي ما فيه، لم يلتفت إليه الشافعية، خلا أن واحدًا منهم (٢) ذكر أن مسعود بن

стр. 764

شيبة مجهول. وبالجملة فإن مجاملة الشافعية للحنفية بلغت حدَّ الإدهان، فحسِبَها الأستاذ استكانة لا حراك بعدها، فصنع ما صنع، ولم يدر أن للصبر حدًّا، وأن للحق أنصارًا، وأن وراء الأكمة رجالًا. وقد جريتُ في كتابي هذا على المجاملة ما أمكن، وأعددتُ لاستيفاء الحق عُدَّتَه إن ألجئت إليه! والله المستعان. ١٩٠ - محمد بن أبي الأزهر: تقدمت الإشارة إلى حكايته في ترجمة إسحاق بن إبراهيم (١). قال الأستاذ (ص ١٧٦): «يقول عنه الخطيب نفسه (ج ٣ ص ٢٨٨): «كان كذابًا قبيح الكذب ظاهره اهـ. فظهر أن الخطيب فيما عزاه إلى أبي يوسف من الاحتيال بهَّات شنيع البهت ظاهره». أقول: قد يُعرف صدق بعض أخبار الكذّاب بدلالة، وأشهر الرواة بالكذب محمد بن السائب الكلبي، ومع ذلك روى عنه ابن جريج والسفيانان وابن المبارك وغيرهم من الأجلة. وكان الثوري يحذِّر منه ويروي عنه، فقيل له في ذلك، فقال: أنا أعرف صدقه من كذبه. ورووا عنه في التفسير وغيره، فما بالك بالتاريخ الذي تدعو الحاجة إلى تزيينه بالحكايات المستظرفة! وراجع ما تقدم في ترجمة إسحاق.

стр. 765

١٩١ - محمد بن إسحاق بن خزيمة: تعرّض له الأستاذ (ص ١٩) ولا دخل له هناك، [١/ ٤٢٧] وإنما جرَّت الأستاذَ عقليتُه الجبارة وعداؤه للحق وأهله، إلى أن تطرَّق من الكلام في الحافظ أحمد بن علي الأ بَّار إلى الكلام في الحافظ دَعْلَج، مع أنه لا دخل لدعلج (١) هنا، ثم قال: «ودعلج كان على مذهب ابن خزيمة في الاعتقاد والفقه، واعتقادُ ابن خزيمة يظهر من كتاب «التوحيد» ... وعنه يقول صاحب «التفسير» ... أنه كتاب الشرك فلا حب ولا كرامة». أقول: نفسك ظلمت، وإياها حرمت! أما صاحب التفسير ــ وهو الفخر الرازي ــ فقد ظهر منه بأخرةٍ التوبةُ والإنابة، كما ذكرناه في (الاعتقاديات) (٢) ومنها يُعرف حال الإمام ابن خزيمة وكتابه، وحال مبغضيه. ١٩٢ - محمد بن إسماعيل أبو عبد الله البخاري صاحب «الصحيح»: قال الأستاذ (ص ٤٨): «وأما قوله في «تاريخه الكبير»: كان [أبو حنيفة] مرجئًا، سكتوا عنه وعن رأيه وعن حديثه ... فبيان لسبب إعراض من أعرض عنه، على أن إرجاءه هو محض السنة رغم تقولات جهلة النقلة، ... فالمعرض عنه، إما خارجيٌّ يزكِّي مثلَ عمران بن حطان وحَرِيز بن عثمان، أو معتزليٌّ قائل بالمنزلة بين المنزلتين». أقول: قد تقدم مراد البخاري بقوله في بعض الرواة: «سكتوا عنه» في

стр. 766

ترجمة إسحاق الحنيني (١). فأما إرجاء أبي حنيفة فقد نظرنا فيه في (الاعتقاديات) (٢)، وبذلك تنكشف مغالطة الأستاذ. على أني سلكت هناك سبيل المجاملة، وليس هذا موضع استيفاء الحق. وأما عِمران وحَريز فقد اتفق أهل العلم على أنهما من أصدق الناس في الرواية، وقد جاء أنهما رجعا عن بدعتيهما. وذكر البخاري رجوع حريز في ترجمته من «التاريخ» (٣)، ولم يحتج البخاري بعمران إنما ذكره في المتابعات في حديث واحد. ولعمري إن محاولة الأستاذ في دفاعه عن أبي حنيفة الطعنَ في أئمة الإسلام كسفيان الثوري، وأبي إسحاق إبراهيم بن محمد الفزاري، وعبد الله بن الزبير الحميدي، والإمام أحمد بن حنبل، والإمام أبي عبد الله البخاري، وغيرهم من الأئمة= لأضَرُّ على أبي حنيفة من كلام هؤلاء الأئمة فيه. ولو قال قائل: لا يتأتّى تثبيت أبي حنيفة إلا بإزالة الجبال الرواسي لكان أخفَّ على أبي حنيفة ممن يقول: لا يتأتى محاولة ذلك إلا بالطعن في هؤلاء الأئمة. وإن صنيع الكوثري لأضرُّ على أبي حنيفة من هذا كلِّه، لأن الناس يقولون: [١/ ٤٢٨] الكوثري عالم مطلع، كاتب بارع، إنْ أمكن أحدًا الدفاع عن أبي حنيفة فهو، ولو أمكنه ذلك بدون الطعن في هؤلاء الأئمة ودون ارتكاب المغالطات الشنيعة لكان من أبعد الناس عن ذلك.

стр. 767

هذا، وفضائل البخاري معروفة حتى قال أبو عَمرو الخفّاف ــ وهو من الحفاظ كما في «أنساب ابن السمعاني» (١) ــ: «حدثنا التقي النقي العالم الذي لم أر مثله محمد بن إسماعيل، وهو أعلم بالحديث من إسحاق وأحمد وغيرهما بعشرين درجة. من قال فيه شيئًا فعليه مني ألفُ ألفِ لعنة». ١٩٣ - محمد بن إسماعيل أبو إسماعيل الترمذي: في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٣٩٨ [٤١٩]) من طريق جماعة عنه: «حدثنا أبو توبة، حدثنا الفزاري قال: سمعت الأوزاعي وسفيان يقولان: ما ولد في الإسلام مولود أشأم عليهم ــ وفي رواية (٢): شرٌّ عليهم ــ من أبي حنيفة». قال الأستاذ (ص ١١١): «تكلَّم فيه أبو حاتم». وفي «تاريخ بغداد» (١٣/ ٤٠٣ [٤٢٦]) من طريقه: «حدثنا أبو توبة الربيع بن نافع، حدثنا عبد الله بن المبارك قال: من نظر في كتاب «الحيل» لأبي حنيفة أحلَّ ما حرَّم الله، وحرَّم ما أحلَّ الله». قال الأستاذ (ص ١٢١): «قال ابن أبي حاتم: تكلَّموا فيه». أقول: لم يتكلم فيه أبو حاتم وإنما قال ابنه: «تكلَّموا فيه»، ولا يُدرَى من المتكلّم ولا الكلام (٣). وقد وثقه النسائي ومسلمة والدارقطني وغيرهم،

стр. 768

فهو ثقة حتمًا. ١٩٤ - محمد بن أعيَن أبو الوزير: راجع «الطليعة» (ص ٣١ - ٣٤) (١). روى الخطيب في «التاريخ» من طريق أبي الوزير عن ابن المبارك. فزعم الأستاذ في «التأنيب» أن أبا الوزير هو عمر بن مطرّف، فكشفتُ مغالطته في «الطليعة»، وأوضحت أنه محمد بن أعيَن. فرأى الأستاذ أنه لا فائدة في المكابرة، فعَدَل في «الترحيب» إلى محاولة توهين ابن أعيَن، فقال: «توثيق ابن حبان على قاعدته ... وكونُ المرء خادمًا أو كاتبا أو وصيًّا أو معتمدًا عنده في شيء، ليس بمعنى توثيقه في الرواية عندهم. وقول الناقد: أحمد بن حنبل لا يروي إلا عن ثقة، رأي مبتكر، وروايته عن مثل عامر بن صالح معروفة». [١/ ٤٢٩] أقول: قاعدة ابن حبان يأتي تحقيقها في ترجمته (٢)، وبذلك يُعرف أن توثيقه لابن أعيَن من التوثيق المقبول. وابن أعين قالوا: «أوصى إليه ابن المبارك وكان من ثقاته»، وابن المبارك كان رجلًا في الدين، رجلًا في الدنيا، فلم يكن ليعتمد بثقته في حياته وإيصائه بعد وفاته إلّا إلى عدل أمين يقِظ، لا يَخْشى منه الخطأ في حفظ وصاياه وتنفيذها؛ فهذا توثيق فِعْليّ قد يكون أبلغ من التوثيق القولي. غاية الأمر أنه قد يقال: ليس من الممتنع أن يكون ابن أعين ممن ربما أخطأ في المواضع الملتبسة من الأسانيد، وهذا لا

стр. 769

يضرُّ هنا؛ لأن روايته في «تاريخ بغداد» إنما هي واقعة لابن المبارك، على أن ذاك الاحتمال يندفع برواية أحمد وتوثيق ابن حبان، وأنه لم يتعرّض أحد بغمزٍ لابن أعين في روايته. وكون أحمد لا يروي إلا عن ثقة، لم أقله، وإنما قلت: «ورواية الإمام أحمد عنه توثيق، لما عُرف من توقِّي أحمد». ومع ذلك فقد نص ابن تيمية (١) والسبكي في «شفاء السقام» (٢) على أن أحمد لا يروي إلا عن ثقة. وفي «تعجيل المنفعة» (ص ١٥ و ١٩) (٣) وغيرهما ما حاصله أن عبد الله بن أحمد كان لا يكتب في حياة أبيه إلا عمن أذن له أبوه، وكان أبوه لا يأذن له بالكتابة إلا عن الثقات. ولم يكن أحمد ليترخَّص لنفسه ويشدِّد على ابنه. وفي «فتح المغيث» (ص ١٣٤) (٤): «تتمة: ممن كان لا يروي إلا عن ثقة إلا في النادر: الإمام أحمد وبقي بن مخلد ... ». وقوله: «إلا في النادر» لا يضرُّنا، إنما احترز بها لأن بعض أولئك المحتاطين قد يخطئ في التوثيق، فيروي عمن يراه ثقة وهو غير ثقة، وقد يُضطر إلى حكاية شيء عمن ليس بثقة، فيحكيه ويبيِّن أنه ليس بثقة. والحكم فيمن روى عنه أحد أولئك المحتاطين أن يبحث عنه، فإن وُجد أن الذي روى عنه قد جرحه تبيَّن أن روايته عنه كانت على وجه الحكاية فلا تكون توثيقًا، وإن وُجد أن غيره قد

стр. 770

جرحه جرحًا أقوى مما تقتضيه روايته عنه ترجَّح الجرح؛ وإلا فظاهر روايته عنه التوثيق. وابن أعيَن لم يغمزه أحد، لا أحمد ولا غيره، بل وثَّقه ابن المبارك توثيقا فِعْليًّا كما سلف، ووثقه ابن حبان. فأما عامر بن صالح بن عبد الله بن عروة بن الزبير، فلم يقتصر أحمد على الرواية عنه، بل وثَّقه بالقول كما في ترجمته من «التهذيب» (١) وغيره. فإن ترجَّح توثيقُ أحمد فذاك، وإن ترجّح جرحُ غيره لم يضرَّنا؛ لأن مَن كان شأنه الإصابة، ثم أخطأ في النادر، ثم جاء عنه ما لا يعلم أنه أخطأ فيه، فهو [١/ ٤٣٠] محمول على الغالب، وهو الإصابة؛ سواء أكان محدِّثًا أم ناقدًا أم قاضيًا أم مفتيًا كما هو معروف. وقد جاء عن ابن معين الذي جرح عامرًا هذا أنه قيل له: إن أحمد يحدِّث عنه، فقال ابن معين: «ما له، جُنَّ!» وهذا يدل أوضح دلالة على أن ابن معين يعرف من أحمد أنه لا يروي إلا عن ثقة. فإن كنتُ لما كتبتُ ما كتبتُ في «الطليعة» استحضرتُ هذه النقول أو بعضها فذاك، وإن كنت بنيتُ على ما عرفتُه بالممارسة من حال الإمام أحمد فذاك أكمل، وعلى كلا الحالين فقد تبيَّن أنه ليس برأي مبتكر، كما زعم الكوثري. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. (٢) ١٩٥ - محمد بن بشّار بُنْدار: في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٤٠٧ [٤٣٢]) من طريقه: «سمعت

стр. 771

عبد الرحمن [بن مهدي] يقول: كان بين أبي حنيفة وبين الحق حجاب». قال الأستاذ (ص ٣٢): «تكلم فيه الأقدمون إلى أن اتهموه بالكذب وسرقة الحديث، ثم استقر عمل المتأخرين على الانتقاء من رواياته». أقول: هذا ثقة جليل، وثَّقه أبو حاتم مع تشدُّده، والنسائي، والذهلي ومَسْلمة، وابن خزيمة وكان يسمِّيه: «إمام زمانه»، وآخرون. واحتج به الشيخان في «الصحيحين» وبقية الستة. وفي «التهذيب» (١) عن «الزُّهرة»: روى عنه البخاري مائتي حديث وخمسة أحاديث، ومسلم أربعمائة وستين». ولم يتهمه أحد بالكذب بالمعنى المتبادر ولا بسرقة الحديث. وفي ترجمة محمد بن المثنى أبي موسى الزَّمِن من «التهذيب» (٢) وغيره عن السُّلَمي عن الدارقطني: أن عَمرو بن علي الصيرفي سئل عنه وعن بندار هذا فقال: «ثقتان يُقبل منهم كلُّ شيء إلا ما تكلَّم به أحدُهما في الآخر»، يعني لأنه كانت بينهما منافسة. والدارقطنيُّ لم يدرك عَمرو بن علي ولكن الاستشهاد بمثل هذا مقبول. وقال عبد الله بن محمد بن سيَّار: سمعت عَمرو بن علي يحلف أن بندارًا يكذب فيما يروي عن يحيى. قال ابن سيار: «وبندار وأبو موسى ثقتان، وأبو موسى أصح» (٣) وإنما أراد عَمرو بن علي بالكذب الوهم والخطأ، بدليل أنه قد جاء عنه توثيقُ بندار [١/ ٤٣١] كما مرّ، وأن الراوي عنه

стр. 772

ــ وهو ابن سيار ــ وثَّق بندارًا، وإنما رجَّح أبا موسى عليه. وقد كانت بين عَمرو بن عليّ وبُندار مخاشنة، ففي ترجمة عمرو من «التهذيب» (١): «حدَّث عمرو بن علي عن يحيى القطان، فبلغه أن بندارًا قال: ما نعرف هذا من حديث يحيى، فقال أبو حفص [عَمرو بن علي]: وبلغ بندارٌ إلى أن يقول: ما نعرف؟ ! » فإذا قضى عمرو بن علي على بندار وأبي موسى أن لا يُقبل كلامُ كلِّ منهما في الآخر، فقد قضى على نفسه، والحق أنه إنما أراد الوهم والخطأ. وقد قال الأستاذ (ص ١٦٣): «الإخبار بخلاف الواقع هو الكذب، والكذب بهذا المعنى يشمل الغالط والواهم ... فلا يُعتدّ بقول من يقول: فلان يكذب ما لم يفسِّر وجهَ كذبه ... ». وفي «التهذيب» (٢): «قال عبد الله بن علي ابن المديني: سمعت أبي وسألته عن حديث رواه بُندار، عن ابن مهدي، عن أبي بكر بن عيّاش، عن عاصم، عن زِرّ، عن عبد الله، عن النبي ﷺ قال: «تسحَّروا فإن في السحور بركة»؟ فقال: هذا كذب، وأنكره أشد الإنكار، وقال: حدثني أبو داود موقوفًا»، يعني ليس فيه: «عن النبي ﷺ ». وقد رواه النسائي (٣) عن بندار مرفوعًا، ثم قال: «وقفه عبيد الله بن سعيد» ثم رواه من طريقه موقوفًا. والمتن ثابت عن النبي ﷺ من حديث أنس وهو في «الصحيحين» (٤).

стр. 773

وقد روي من حديث أبي هريرة. والخطأ في مثل هذا يقع كثيرًا من الثقات، فإنما أراد ابن المديني أن رَفْعه من تلك الطريق غير واقع، لا أن بندارًا تعمّد الكذب، وهذا واضح، فبندار قد يقع له الخطأ في مظانه كالحديث المذكور. وأما سرقة الحديث، فإنما أخذها الأستاذ مما روي عن أبي موسى أنه سبق بندارًا إلى تصنيف حديث داود بن أبي هند، ثم قال: هنا قوم لو قدروا أن يسرقوا حديث داود لسرقوه، يعني بندارًا. وإنما كانت بين الرجلين منافسة فأراد أبو موسى أن بندارًا يحسده على السبق إلى تصنيف حديث داود، حتى لو أمكنه أن يسرق ذاك الكتاب لِيُفقده أبا موسى لفعل. وليس هذا من سرقة الحديث في شيء، ولم يقع من بندار لا هذا ولا ذاك، ولا هو ممن يقع منه ذلك، وإنما بالغ أبو موسى كما لا يخفى. ومع هذا لم يكن بين الرجلين بحمد الله ما يسمى عداوة. وقد توفي بندار قبل أبي موسى فجاء بعض الجهلة إلى أبي موسى فقال له: [١/ ٤٣٢] البشرى، مات بندار. يعني: وخلا لك الجوُّ. فقال له أبو موسى: «جئت تبشِّرني بموته؟ ! علي ثلاثون حَجَّةً إن حدَّثتُ أبدًا». فعاش بعد ذلك تسعين يومًا لم يحدِّث بحديث، ثم مات رحمهما الله تعالى. وإنما حلف أبو موسى أن لا يحدِّث ندامةً على ما سبق منه من المنافسة، وإظهارًا لأنها لم تبلغ به أن يُسَرَّ بموت صاحبه، فامتنع من التحديث الذي كانت المنافسة فيه. وأما استقرار العمل على الانتقاء من رواياته، فهذا يقال على وجهين: الأول: أن يُتَّقى ما تبيَّن أنه أخطأ فيه ويؤخذ غيره. الثاني: أن لا يؤخذ من رواياته إلا ما توبع عليه.

стр. 774

فإن أراد الأستاذ هنا الأول فليس فيه ما ينفعه، وإن أراد الثاني فهو مردود عليه. ومع ذلك فقد توبع بندار في المقصود من هذه الحكاية، كما ذكر الأستاذ نفسه في غير موضع، وليست من مظان الخطأ والوهم. والله أعلم. (١) ١٩٦ - محمد بن جابر اليمامي: ذكر الأستاذ (ص ١١٥) قول ابن أبي حاتم: «أخبرنا إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني ــ فيما كتب إليَّ ــ حدثني إسحاق بن راهويه قال: سمعت جريرًا يقول: قال محمد بن جابر اليمامي: سرق أبو حنيفة كتب حماد مني». قال الأستاذ (ص ١١٦): «الأعمى، قد قال فيه أحمد: لا يحدِّث عنه إلا من هو شرٌّ منه. وقد ضعَّفه ابن معين». أقول: أما كلمة «لا يحدِّث عنه إلا من هو شرٌّ منه»، ففي «التهذيب» (٢): «قال ابن حبان: كان أعمى ... قال أحمد بن حنبل: لا يحدِّث عنه إلا من هو شرٌّ منه». فناسِبُ الكلمة إلى أحمد هو ابن حبان (٣)، وبين ابن حبان وأحمد

стр. 775

مَفازة، ولا يُدرَى ممن سمع تلك الكلمة، ولو صحت عن أحمد لكانت الكلمة أقرب إلى الإطراء البالغ منها إلى الذم. فقد روى عن محمد بن جابر من يعتقد أحمد وغيره أنهم أفاضل عصرهم وخيار أهل زمانهم، مثل أيوب ابن أبي تميمة السختياني، وعبد الله بن عون، وسفيان الثوري، وعبد الله بن المبارك، وآخرين، فلا معنى لأن يقال: إن هؤلاء شرٌّ منه إلا إطراؤه بأنه خير منهم. وعلى كل حال فالحكاية منقطعة منكرة. فأما تضعيف ابن معين وغيره له، فلأمور: [١/ ٤٣٣] الأول: أنه كان سيئ الحفظ يتعاطى الرواية من حفظه فيغلط. الثاني: أنه اختلط عليه حديثه، قاله ابن معين. وكأنه كان في كتبه أحاديث سمعها من رجل، وأحاديث سمعها من آخر، فاختلط عليه بعض كتبه، فدخلت أحاديث من حديث بعض شيوخه في حديث شيخ آخر. الثالث: أن كتابه ذهب بأخرة، فتأكد احتياجه إلى أن يروي ما علِق منه بحفظه، وهو سيئ الحفظ.
следующие страницы →